← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 420

العقود المضافة إلى مثلها

عبد الله بن طاهر

Полный текст (309 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأخذ ثمنه إقالة، إنما فيه الحض على الإقالة فقط، وليس فيه أن الإقالة لا تسمى بيعًا (١). الجواب: ١. عموم الحديث المستفاد من اسم الشرط (مَن) يشمل من أقال في بيعٍ كما يشمل من أقال في سائر العقود، وما لم ينقله الشارع إلى معنى خاص يبقى على معناه المعروف في اللغة. ٢. أنه لو سلم أن الحديث ليس فيه أن الإقالة تسمى بيعًا أو لا تسمى فإنه ينبغي حمل اللفظ على المعنى المتعارف عليه. الدليل الثاني: قال ابن المنذر: (وفي إجماعهم أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليلٌ على أن الإقالة ليست بيعًا) (٢)؛ لأنها لو كانت بيعًا لباع عليه ما لم يقبضه. المناقشة: عدم التسليم بدعوى إجماعهم على جواز إقالة المسلم فيه قبل قبضه (٣). الدليل الثالث: مجموعةٌ من المعاني القياسية ذكرها ابن قدامة بقوله: (ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعًا كالإسقاط، ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعًا لم تتقدر به، ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخًا كالرد بالعيب) (٤) الدليل الرابع: أن البيع والإقالة اختلفا اسمًا فيختلفان حكمًا، على الأصل، فإذا كانت رفعًا لا تكون بيعًا؛ لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تنافٍ (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن البيع مبادلة مالٍ بمالٍ، وقد وجد ذلك في الإقالة، والعبرة بالحقائق والمعاني، ولهذا تبطل بهلاك السلعة (٦). المناقشة:

стр. 72

١. لو كانت بيعًا أو محتملةً له لانعقد البيع بلفظ الإقالة، وليس كذلك (١)؛ لأن اللفظ لا يحتمل هذا المعنى عرفًا. ٢. أن اتفاق الإقالة مع البيع في بعض الأحكام لا يوجب اتحاد ذاتيهما. ٣. قال في "البدائع": (لو تقايلا البيع في المنقول ثم باعه البائع من المشتري ثانيًا قبل أن يسترده من يده [وهي إقالة الإقالة] جاز ... وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، فكان هذا الفعل حجة على أبي يوسف إلا أن يثبت عنه الخلاف فيه) (٢). ٤. أن البيع ما كان مفيدًا لمبادلة المال بالمال ابتداءً لا تراجعًا بطريق الرفع (٣). الدليل الثاني: أن البيع عقد صحيح بالقرآن والسنة والإجماع المقطوع، ولا يحل فسخ عقدٍ صححه الله -تعالى- في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ إلا بنص آخر ولا نص في جواز فسخه مطارفة بتراضيهما (٤). المناقشة: ١. هذا مبني على أن الأصل في المعاملات والفسوخ المنع حتى يرد دليل على الإباحة، وهذا الأصل باطل بالكتاب والسنة، وقد قرر ابن حزم أن ما سكت عنه النبي ﷺ فلم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح وليس حرامًا ولا فرضًا (٥). ٢. أن دليل جواز الفسخ قائم، وهو الحديث السابق، وقد صححه ابن حزم. ٣. أن اعتبار الإقالة بيعًا يلزم منه فسخ العقد الأول بهذا البيع الثاني، فيرد عليه ما أورده على الجمهور من عدم الدليل على جواز فسخ البيع الأول، وهذا قلبٌ لدليله عليه. دليل القول الثالث: كونه فسخًا لما سبق في أدلة القول الأول، وكونه بيعًا لما سبق من أدلة القول الثاني، إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في الفسخ في حق العاقدين للتنافي فأظهرناه في حق الثالث (٦)، فكان فسخًا في حقهما بيعًا في حقه، فلو كان لأحدهما شريك ثبت له حق الشفعة؛ لأنها في حقه بيعٌ. المناقشة:

стр. 73

١. ما كان فسخًا في حق المتعاقدين كان فسخًا في حق غيرهما كالرد بالعيب والفسخ بالخيار. ٢. أن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص، والأصل اعتبار الحقائق (١). دليل القول الرابع: أن الأصل في الإقالة الفسخ إلا أنها إذا لم يمكن أن تجعل فسخًا تجعل بيعًا ضرورة (٢). المناقشة: يرد على اعتبارها بيعًا ما ورد على أصحاب القول الثاني، وعلى عدم إمكان اعتباره فسخًا ما ورد على القول الثالث. دليل القول الخامس: يمكن أن يستدل له بأن وقوع الإقالة بغير الثمن الأول جنسًا وقدرًا يعدُّ استئنافَ عقدٍ جديدٍ؛ لذا اعتبر بيعًا. المناقشة: أن هذا يؤيد كونها فسخًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لجازت عند الجمهور بأكثر من الثمن كسائر البياعات، وقد قال ابن قدامة: (ولا تجوز إلا بمثل الثمن سواء قلنا: هي فسخ أو بيع ... وبهذا قال الشافعي) (٣). قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن الإقالة إذا كان فيها نقصان أو زيادة أو تأخير أنها بيع) (٤) فبما أنه لا يجوز أن يزيد على الثمن الأول إذن الإقالة فسخ للعقد -أي البيع- الأول. دليل القول السادس: أن الأصل اعتبارها بيعًا لما تقدم من أدلة القول الثاني، وإنما تعتبر فسخًا قبل القبض لعدم جواز بيع المنقول-عند الحنفية- قبل قبضه. المناقشة: يرد عليه ما يرد على القول الثاني. الترجيح الراجح أن الإقالة فسخٌ بشرط كونها بالثمن نفسه. سبب الترجيح ١. قوة الأدلة. ٢. استنادها إلى الأصل، وهو حمل اللفظ على مقتضاه. ٣. مناقشة أدلة الأقوال الأخرى.

стр. 74

وعليه فالراجح في تعريف الإقالة: رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين (١). حكم الإقالة الإقالة جائزة، والأصل فيها السنة والإجماع، أما السنة فقوله ﷺ : «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته» (٢). وأما الإجماع فقال في "نتائج الأفكار": (الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول: عليه إجماع المسلمين) (٣). وقال في "نهاية المطلب": (الإقالة لا خلاف في جوازها) (٤). ونص بعض الحنفية (٥) والحنابلة (٦) على أنها مندوبة، للحديث السابق. وذكر الحنفية أنها تجب في العقد المكروه والفاسد (٧).

стр. 75

المطلب الثاني: حكم إقالة الإقالة . صورة المسألة: هي إلغاء الإقالة والعودة إلى العقد، مثال ذلك: لو تقايلا البيع ثم تقايلا الإقالة وعادا إلى البيع فما حكمه؟ لم أجد مَن نصَّ على هذه المسألة إلا الحنفية. قال في "الأشباه والنظائر": (إقالة الإقالة صحيحة إلا في السلم) (١). قال في "الدر المختار" (٢) وفي "البحر الرائق" (٣): (وتصح إقالة الإقالة، فلو تقايلا البيع ثم تقايلاها، أي الإقالة، ارتفعت وعاد البيع). وقال في "بدائع الصنائع": (ولو تقايلا البيع في المنقول ثم إن البائع باعه من المشتري ثانيًا قبل أن يسترده من يده يجوز البيع، وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة ومحمد وزفر ... وأما على أصل أبي يوسف فلا يطرد) (٤). وقال في "حاشية ابن عابدين": (باع زيد من عمرو شيئًا منقولًا كثوب وقبضه ثم تقايلا ثم باعه زيد ثانيًا من عمرو قبل قبضه منه جاز البيع) (٥). ومقتضى مذهب الجمهور الجواز؛ لأنهم يعدونه فسخًا، ولا محظور في ترك الفسخ وإلغائه، ومقتضى مذهب المالكية عدم جوازه في الطعام قبل القبض؛ لأن بيع المبيع يشترط فيه القبض إذا كان طعامًا، وقد سبق، والإقالة عندهم بيع. ويمكن أن يُخرَّج للحنابلة قولٌ بالمنع مما جاء في "المغني": (ولا يفتقر الخلع إلى حاكم ... ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الإقالة) ثم ذكر كون الخلع فسخًا ثم قال: (والخلع في نفسه فسخٌ فلا يُفسخ) (٦). أدلة الجواز: الدليل الأول: أن الإقالة فسخ إما مطلقًا أو في حق العاقدين، وعلى كلا القولين فقد عاد

стр. 76

إلى البائع مِلكه السابق فلم يكن بائعًا ما اشتراه قبل قبضه (١). الدليل الثاني: أن الأصل في الأفعال والتصرفات الحل والنفوذ، ولا يوجد دليل يمنع من إقالة الإقالة والعودة إلى العقد، بخلاف ما لو اعتبرنا الإقالة بيعًا فإن المانع حينئذٍ الإجماع على تحريم بيع ما لم يقبضه إذا كان طعامًا، والأدلة الواردة في المنع من ذلك إذا لم يكن طعامًا (٢). تنبيهان: الأول: استثنى الحنفية من إقالة الإقالة: إقالة السلم قبل قبض المسلَم فيه، ففي إقالة الإقالة من السلم إقالتان، فأما الإقالة الأولى فسبق الإشارة إليها وأن ابن المنذر نقل الإجماع على جواز الإقالة من السلم في جميع المسلَم فيه، وكذلك نقله ابن عبد البر (٣) وابن القطان (٤) وابن تيمية (٥)، ونقضه ابن حزم (٦)، أما الإقالة في بعض المسلم فيه فمحل خلاف، فذهب إلى جوازه ابن عباس (٧)، وروي عن ابن عمر ﵃، ولا يصح عنه (٨)، ومحمد بن علي بن أبي طالب (٩) وشريح (١٠) وحميد بن عبد الرحمن (١١) وعطاء (١٢) والحكم (١٣) وعمرو بن دينار (١٤)

стр. 77

والثوري (١) وابن المنذر (٢) وهو مذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥). وذهب إلى كراهته عبد الله بن عمر (٦) وعبد الله بن عمرو (٧) ﵃ وعبد الله بن معقل (٨) وسعيد بن المسيب (٩) وسعيد بن جبير (١٠) والنخعي (١١) ومجاهد (١٢) والشعبي (١٣) وطاوس (١٤) وسالم والقاسم (١٥) والحسن (١٦) وابن سيرين (١٧) وربيعة وابن أبي ليلى (١٨) وإسحاق (١٩). وفي مذهب مالك (٢٠)، ورواية عن أحمد (٢١): أنه لا يجوز. هذا في حكم الإقالة من عقد السلم، ومنع الحنفية من إقالة الإقالة فيه؛ لأن المسلم فيه دينٌ، وقد سقط بالإقالة الأولى، فلو انفسخت لعاد المسلم فيه الذي سقط، والساقط لا يعود (٢٢).

стр. 78

الثاني: اعتبار إقالة الإقالة رجوعًا للعقد الأول يعني أنه فسخ للفسخ، وليس إبرامًا للعقد من جديد، لكن متى ما تفرقا من مجلس الإقالة الأولى فإنه لا تتصور إقالة الإقالة، ويكون إبرامًا لعقد جديد، فيشترط له شروطه وتسري فيه أحكامه.

стр. 79

المبحث الرابع: مضاربة المضارب ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المضاربة وحكمها . تعريف المضاربة المضاربة في اللغة مفاعلة من الضَّرْب، فحقيقته اللغوية إيقاع الضرب (١)، وله معانٍ أخرى أوفقها للمعنى الاصطلاحي معنيان: أولهما: الضرب بمعنى الكسب، وثانيهما: ضَرَبَ في الأرض أي خرج تاجرًا أو غازيًا، وقيل: سار في ابتغاء الرزق، قال الله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ المزمل: (٢٠) وقال : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ النساء: (١٠١) أي سافرتم، وضارب له: اتجر له في ماله، كما عُرفت المضاربة في المعاجم اللغوية تعريفًا اصطلاحيًا، كما في "اللسان" وغيره: أن تعطي إنسانًا من مالك ما يتّجرُ فيه على أن يكون الربح بينكما، أو يكون له سهمٌ معلومٌ من الربح (٢)، وقد يكون معناه اللغوي هو الشرعي. والمضاربة في الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: عقد شركةٍ في الربح بمالٍ من جانب وعملٍ من جانب (٣). وبيّن ابن عابدين أن المال من جانب ربه والعمل من المضارب (٤). ٢ - عند المالكية: توكيلٌ على تَجْرٍ في نقدٍ مضروبٍ مسلمٍ بجزءٍ من ربحه (٥). وقال ابن عرفة: تمكينُ مالٍ لمن يتجر به بجزءٍ من ربحه لا بلفظ الإجارة (٦). ٣ - عند الشافعية: أن يدفع إليه مالًا؛ ليتجر فيه والربح مشترك (٧). ٤ - عند الحنابلة: أن يدفع ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما (٨) كالشافعية، وعرفها به ابن جزي الكلبي (٩)، وأُورد على هذين التعريفين في قولهم (أن يدفع) أن المضاربة ليست ذات

стр. 80

الدفع للمال، بل هي العقد المقتضي للدفع (١). وقد اتفقت هذه التعاريف في ما يلي: - وجود طرفين متعاقدين. - وجود مال من أحد الطرفين. - وجود عمل من الطرف الآخر. - الاشتراك في الربح. وبهذا يكون التعريف الراجح كل تعريفٍ بأنه عقد أو شركة مشتمل على هذه الأمور الأربعة. ويرادف كلمة المضاربة عند السلف ومن بعدهم من العلماء لفظان: أولهما: القِراض والمقارضة، وفي اشتقاقها لغةً أقوال، فقيل: هي من القرض، وهو قطع الأرض بالسير، وقيل: من المقارضة، وهي المساواة، وقيل: من القرض، وهو القطع، كقرضتِ الفأرة (٢). ثانيهما: المعاملة، وهذه تسمية العراقيين، وهو لفظ يشتمل على البيع والشراء، وهذا معنى المضاربة، لكنّ هذا اللفظ لا يكاد يذكر في كتب الفقه بمعنى المضاربة إلا عند تعداد أسمائه، ولا يُبّوب به (٣)، بل يسمى هذا العقد باسمين في كلام أهل العلم: الأول: التسمية بالمضاربة، وهي طريقة الحنفية (٤) والحنابلة (٥). الثاني: التسمية بالقِراض، وهي طريقة المالكية (٦) والشافعية (٧).

стр. 81

حكم المضاربة لا خلاف بين المسلمين في جواز شركة المضاربة، ولكن اختلفوا في نوع الدلالة على هذا الحكم على قولين: القول الأول: أنه لا دليلَ عليه من الكتاب ولا من السنة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، وإنما دلت عليه الآثار والإجماع، وممن ذهب إلى هذا ابن المنذر وابن حزم، قال ابن المنذر: (لم نجد للقراض في كتاب الله ذكرًا ولا في سنة نبي الله ﷺ ، ووجدنا أهل العلم قد أجمعوا على إجازة القراض بالدنانير والدراهم) ثم أشار إلى أصل في هذه المسألة وما شابهها مما كان ثبوت أصله بالإجماع فقال: (فوجب إذا كان الأمر كذلك: نجيز منه ما أجمعوا عليه، ونقف عن إجازة ما اختلفوا فيه منه) (١) وقال ابن حزم: (كل أبواب الفقه ليس فيها بابٌ إلا وله أصلٌ في القرآن والسنة نعلمه-ولله الحمد- حاشا القراض، فما وجدنا له أصلًا فيهما البتّة، ولكنه إجماعٌ صحيحٌ مجرَّدٌ) ثم نقض ذلك فقال: (والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي ﷺ وعلِمه فأقره، ولولا ذلك ما جاز) (٢) وهذه سنة إقرارية، فيحمل كلامه الأول على السنة القولية أو الفعلية، ثم وجدت لأبي العباس ابن تيمية نصًّا في هذا، وهو قوله: (وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص، كالمضاربة وليس كذلك، بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعِيرُ التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرُها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ﷺ ، وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم يَنْهَ عن ذلك، والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة ... وعلى هذا، فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصًّا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند

стр. 82

غيرهم) (١). القول الثاني: أن في الكتاب والسنة أدلة على جواز المضاربة إضافةً لما ذُكر، وهذا موجود في كتب الفقهاء من أغلب المذاهب (٢) وهذه الأدلة هي: ١ - من الكتاب: قول الله : ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ البقرة: (١٩٨). قول الله : ﴿وأحل الله البيع﴾ البقرة: (٢٧٥)، والمضاربة بيع منافع بجزء من الربح. قول الله ﷻ : ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ الجمعة: (١٠). قوله- عز مِن قائلٍ-: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ المزمل: (٢٠). ٢ - من السنة المرفوعة: - عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ فيهن البركة البيعُ إلى أجلٍ والمقارضة وأخلاطُ البر بالشعير للبيت لا للبيع» (٣). - عن ابن عباس ﵄ قال: كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالًا مضاربةً اشترط على صاحبه ألّا يسلك به بحرًا ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبدٍ رطبةٍ فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله ﷺ -فأجازه (٤). - أن خديجة بنت خويلد ﵂ كانت امرأة تاجرةً، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه،

стр. 83

وأنها عرضت على النبي ﷺ أن يخرج في مالٍ لها إلى الشام تاجرًا فقبل ﵊ (١). - أن المضاربة كانت من عقود الجاهلية وبُعث النبي ﷺ والناس يتعاملون بها ولم يرد دليلٌ على المنع منها، فكان إقرارًا منه ﷺ (٢). - ذكر بعضهم حديث عروة البارقي دليلًا على المضاربة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه (٣). ولكنه إلى تصرف الفضولي أقرب منه إلى المضاربة؛ لعدم وجود الإذن المسبق في العمل، فلم ينعقد بذلك عقد المضاربة. على هذا يكون نفي أصحاب القول الأول محمولٌ على نفي دليلٍ ينص على المضاربة أو نفي سنةٍ صحيحةٍ بخصوصها، أما الآثار فقد استدل بها الجميع. ٣ - الآثار الموقوفة: ما جاء عن عمر وابنيه ﵃: روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا مرّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهم وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما. فقالا: وددنا. ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأُربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكلَّ الجيش أسلفه مثلما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أدِّيا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمِنَّاه. فقال عمر: أدِّياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجلٌ

стр. 84

من جلساء عمر (١): يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا. فقال عمر: قد جعلتُه قراضًا. فأخذ عمر رأسَ المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (٢). ووجه دلالة الأثر على الحكم فيه ثلاثة أوجه: الأول: قول عبد الرحمن (لو جعلته قراضًا) مع إقرار عمر، ولو علم عمر فساده لرد قوله، وإنما أخذ نصف الربح تورعًا؛ خشيةً من محاباة أبي موسى لابنيه ﵃ جميعًا. الثاني: أن عمر ﵁ أجرى عليهما حكم القراض الصحيح، وإلّم يتقدم معهما عقد؛ اكتفاءً بقول أبي موسى ﵁ لأن له ولاية على هذا المال. الثالث: أنه أجرى عليهما في الربح حكم القراض الفاسد، فأخذ منهما جميع الربح وعاوضهما على عملهما بأجرة المثل، وقَدَّره بما يعادل نصف الربح (٣)، وفيه آثار كثيرة. المطلب الثاني: مضاربة المضارب ، وفيه فرعان: الفرع الأول: مضاربة المضارب (العامل) بدفع رأس المال لآخر . صورة المسألة: أن يعطي رب المال للعامل مالًا ليعمل به، فيأخذ العامل المال ويدفعه لطرف ثالث بعقد مضاربة بربحٍ جديدٍ، مثال ذلك: إذا أعلنت شركة عن مشروع صناعي -مثلًا- يحتاج تمويلًا، فدفع الأفراد من التجار وعامة الناس لها أموالهم مضاربةً، فهل لها أن تدفع هذه الأموال لشركة صناعية أخرى تعمل في مثل هذا المشروع وتكسب فرق ما بين العقدين؟ أي هل يملك المضارِب (العامل) أن يضارب برأس المال؟ تحرير محل النزاع: لا يخلو ذلك من حالين أن يأذن المالك أو لا يأذن، وإن أذن فلا يخلو من أن يكون الإذن صريحًا أو غير صريح، فإلم يأذن المالك فاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمضارب أن يضارب غيره (٤). واختلفوا في حال الإذن:

стр. 85

أإذا كان الإذن صريحًا ففيه قولان: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) والحنابلة (٣). القول الثاني: التفصيل: إن أراد المالك بالإذن أن ينسلخ العامل من حكم القراض ويكون وكيلًا عنه جاز، وإن أراد بالإذن أن يشاركه العامل الآخر في العمل والربح لم يجز، وهو مذهب الشافعية (٤). ب- إذا كان الإذن غير صريح، كأن يقول رب المال للعامل: اعمل فيه برأيك. ففيه قولان: القول الأول: يجوز ذلك، وهو مذهب الحنفية (٥) والحنابلة (٦) ووجهٌ عند الشافعية (٧). القول الثاني: لا يجوز ذلك، وهو مذهب الشافعية (٨) وروايةٌ عند الحنابلة (٩). الأدلة: أولًا: أدلة المنع إذا لم يأذن المالك -محل الاتفاق-: الدليل الأول: أن رب المال إنما دفع له المال ليضارب به، ودفعه لغيره بلا إذن يخرجه عن كونه مضاربًا وعاملًا (١٠). الدليل الثاني: أنه بذلك يُوجِب في المال حقًا لغيره، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه (١١)، وفيه ضررٌ على رب المال. الدليل الثالث: أن المضاربة مثلُ المضاربة، والشيءُ لا يستتبع مثله، فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله، ولهذا لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد، فكذلك هنا (١٢). ثانيًا: دليل الجواز بالإذن الصريح: أن الحق دائرٌ بين رب المال والعامل، وقد أذن رب المال

стр. 86

في حقه، والمضاربة جائزة في الأصل. ثالثًا: دليل القائلين بالتفصيل: أن توكيل رب المال للعامل أن يقارض غيره مستندٌ لجواز التوكيل، وتكون المقارضة بين رب المال بالأصالة والمضارب الثاني الذي سيعمل في المال، أما إن أراد أن يشاركه في العمل والربح فلا يجوز لأمرين: ١ - أن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكًا لا عمل له، والآخر عاملًا ولو متعددًا لا ملك له، فلا يعدل إلى أن يعقد عاملان (١). ٢ - أنه لو جاز ذلك لكان العامل الثاني فرع الأول، والأول ليس مالكًا لشيءٍ من رأس المال في المضاربة الثانية -إذا فُرض أن العامل سيضارب بما شُرط له من الربح في المضاربة الأولى (٢) -. المناقشة: ١. عدم التسليم بأن المضاربة على خلاف القياس، وإن كان هو قول جمع من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية (٣)، ووجه ذلك أنه استئجار بأجر مجهول، بل معدوم، ولعمل مجهول، ووجه عدم التسليم أن من جعلها خلاف القياس ظن أنها من جنس الإجارة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض، والصحيح أنها من جنس المشاركات، والمشاركات جنسٌ غير المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة، قال ابن قيم الجوزية: (بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأن ما يظن مخالفته للقياس أحد الأمرين لازم فيه ولابد: إما أن يكون القياس فاسدًا أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع. وقد سألت شيخنا-قدس الله روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان مجمعًا عليه، كقولهم: ....) وعدّد مسائل وأبواب منها المضاربة (كل ذلك على خلاف القياس فهل ذلك صواب أم لا؟ فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس ....) (٤). ٢. المضارب وإلم يملك رأس المال إلا أنه مأذون له في التصرف فيه، أولًا بالعقد وثانيًا

стр. 87

بالإذن، وكونه يضارب بما شُرِط له من الربح هذا فَرْضٌ من صاحب "نهاية المطلب"، ولا يلزم أصحاب القول الأول. رابعًا: أدلة الجواز إذا قال له: اعمل برأيك، أو بما أراك الله، وكذلك الإذن غير الصريح في المضاربة: الدليل الأول: أنه قد يرى أن يدفعه لمن هو أبصر منه (١). الدليل الثاني: الاستناد للإذن، كما لو صرح له بالإذن بالمضاربة. الدليل الثالث: القياس على ما لو نصب رب المال عاملين من أول العقد. خامسًا: دليل المنع إذا قال له: اعمل برأيك، والمنع مع الإذن غير الصريح: أن قوله: اعمل برأيك يقتضي أن يكون عمله موكولًا إلى رأيه؛ لأن الأمر بالعمل موجه إليه، فلا بد له من أن يعمل، فإذا قارض به كان العمل لغيره (٢). الترجيح الراجح عدم جواز مضاربة المضارب بدفع رأس المال لآخر إلا بإذن المالك إذنًا صريحًا أو حكميًا. أسباب الترجيح: ١. الأدلة المذكورة. ٢. أنه يوافق مقاصد الشريعة، من حيث قطع النزاع، وحفظ المال، وعدم التصرف في مال الآخرين إلا بإذنهم، وغير ذلك. ٣. أن الضابط في تصرفات المضارب التي له عملها بغير إذن رب المال: ما كان من عمل التجار عادةً، فيرجع في المضاربة إلى عرف التجار، ومن ذلك عدم المضاربة إلا بإذنه، لذا وقع اتفاق الفقهاء من المذاهب الأربعة على المنع إذا لم يأذن (٣). تنبيه: إذا ضارب المضارب برأس المال فما حكمه من حيث الضمان؟ ولمن يكون الربح؟ الأصل في المضارب أن يده يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٤)، فإذا ضارب

стр. 88

غيره بغير إذن المالك فهو ضامن، وللمالك أن يرجع على المضارب الأول أو الثاني (١)، وقال الإمام مالك: (إنه ضامن للمال ...) (٢) ولكن نصّ الشافعية والحنابلة على أن قرار الضمان على الأول إلا إذا كان الثاني عالمًا بالحال (٣)، ويكون الضمان بالدفع عند الجمهور وزفر، وعند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف بعمل المضارب الثاني (٤). ويكون الربح بين المالك والعامل الثاني، وفي قولٍ الربح كله للمالك وليس للعاملين شيء، وفي قول الربح كله للمالك وللعامل الثاني أجر مثله يرجع به على العامل الأول (٥). أما إذا أذن المالك فلا يضمن ويكون الربح بين المالك والعامل الثاني ولو شرط العامل الأول لنفسه في المضاربة الثانية شيئًا، وفي قول الشافعي في القديم للمالك ما اشترطه والباقي بين العاملين (٦). الفرع الثاني: مضاربة المضارب (العامل) بتقبل رأس المال من أجنبي . صورة المسألة: أن يعطي رب المال العامل مالًا؛ ليعمل به، فيأخذ العامل مالًا من طرف ثالث ويعمل بالمالين جميعًا، بحيث يتعدد رب المال والعامل واحد، مثال ذلك: إذا أعطيت رجلًا ١٠٠٠ ر. س ليتجر به مضاربةً فذهب لآخر وقال له: أعطني مالك مضاربة. يريد أن يكثر رأس المال أو يريد النفع للثاني؛ لقرابةٍ أو مصلحةٍ أو غير ذلك. تحرير محل النزاع: إن أذن رب المال جاز، وإلم يأذن ولم ينه ولم يكن عليه ضررٌ جاز أيضًا، قال ابن قدامة: (بغير خلاف) (٧)، فإن كان فيه ضررٌ على رب المال الأول ففيه أقوال:

стр. 89

القول الأول: يجوز مطلقًا، عزاه ابن قدامة وتبعه الشارح لأكثر الفقهاء (١)، وجعله بعض الباحثين (٢) مقتضى مذهب الحنفية والشافعية (٣)؛ لأنهم نصوا على تقبل مالين من اثنين، ولكن ليس في هذا تقدم أحدهما على الآخر، كما في صورة المسألة. القول الثاني: لا يجوز ذلك، وهو مذهب المالكية (٤) والحنابلة (٥). القول الثالث: أنه متى اشترط النفقة على رب المال لم يجز وإلم يتضرر، وهي رواية عن الإمام أحمد، نقل الأثرم عنه قوله: إذا اشترط النفقة صار أجيرًا له، فلايضارب لغيره. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ قال: لا يعجبني لابد من شغل (٦). قال في "الفائق": (ولو شرط النفقة لم يأخذ لغيره مضاربة، وإلم يتضرر، نص عليه) (٧). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن المضاربة عقدٌ لا يملك به منافعه كلها، فلم يمنع المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر (٨). المناقشة: أن الضرر وصف مؤثر في الحكم، فلايستوى حال وجوده بحال عدمه. الدليل الثاني: أن المضاربة عقد لا يملك به منافعه كلها، فلم يمنع المضاربة، كالأجير المشترك (٩). دليل القول الثاني: أن المضاربة قائمة على الحظ والنماء فإذا فعل ما يمنعه لم يجز، كما لو أراد التصرف بالعين (١٠). دليل القول الثالث: يمكن أن يُستدل له بأنه إذا أعطاه النفقة أصبح كالأجير الخاص، وقته مملوك لرب المال.

стр. 90

الترجيح الراجح جواز مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من أجنبي إلا إذا ترتب عليه ضرر، كأن يكون رأس مال الأول كثيرًا متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته. أسباب الترجيح: ١. الجواز؛ لأنه محل اتفاق. ٢. المنع في صورة الضرر؛ لأن قاعدة الشريعة المستقرة رفع الضرر وإزالته ودفعه وتقليله. ٣. أن الأسبق أحق، فإذا كان سيتضرر فلا سبيل عليه. تنبيهان: الأول: على القول بالمنع لو خالف وضارب ففيه قولان عند الحنابلة: القول الأول: نأخذ نصيب العامل من المضاربة الثانية ونضيفه إلى أرباح المضاربة الأولى ويتقاسمه مع رب المال حسب ما اتفقا عليه، هذا هو المذهب، وهو من المفردات (١). القول الثاني: أنه لا حق لرب المال في ربح المضاربة الثانية، وتعدي العامل إنما هو بترك العمل وهذا لا يوُجب عوضًا، ولأنها ليست من ماله فلا تحلّ له، وممن اختاره ابن رزين (٢) وابن قدامة (٣) وأبو العباس ابن تيمية (٤) وتلميذه ابن قاضي الجبل (٥) وعبد الرحمن الضرير صاحب "الحاوي الصغير" (٦). الثاني: من الصور المعاصرة لمضاربة المضارب: المضاربة المشتركة، وهي أن يعهد مستثمرون إلى شخص طبيعي أو معنوي باستثمار أموالهم، فالأصل فيها أنها من مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من عددٍ، فالمستثمرون: أرباب المال، والمتعهد كالمصارف أو المؤسسات المالية: العامل، وفي بعض صورها يجمع بين مضاربة المضارب بنوعيها: مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من عدد، ومضاربة المضارب بدفع رأس المال، وذلك إذا قام العامل بدفع رأس المال لطرف ثالث؛ لأن المصارف لا تباشر

стр. 91

الاستثمار بنفسها، بل تقوم بالوساطة بين المستثمرين وجهات الاستثمار، فالإذن بدفع رأس المال مضاربةً متعارف عليه في هذه الصورة، فلا يستدعي إذنًا خاصًّا (١).

стр. 92

المبحث الخامس: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المزارعة والمساقاة وحكمهما ، وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف المزارعة وحكمها . تعريف المزارعة المزارعة لغةً مفاعلة من الزرع، والزرع ما استُنبت بالبذر، وهو النبات، وقال في "مقاييس اللغة": (الزاء والراء والعين أصلٌ يدل على تنمية الشيء) وعرّفت تعريفًا اصطلاحيًا: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها (١). والمزارعة اصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: عقد على الزرع ببعض الخارج (٢)، زاد في "البدائع": بشرائطه الموضوعة له شرعًا (٣). ٢ - عند المالكية: شركة في الحرث (٤). ٣ - عند الشافعية: استئجار الزارع ببعض ما يخرج من الزرع (٥). أو: أن يعامل مالك الأرض رجلًا على أن يزرعها ببذرٍ لرب الأرض (٦). ٤ - عند الحنابلة: دفع أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعه أو يقوم عليه، أو دفع حبٍّ مزروعٍ لمن يعمل عليه، بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ من المتحصل (٧). والراجح تعريف الحنفية والحنابلة -وتعريف المالكية كذلك سليمٌ في الجملة-؛ لأمرين: ١ - أن المزارعة من جنس المشاركات، وليست من المؤاجرة المطلقة (٨)، فإما أن تعرف بالجنس القريب: شركة، أو البعيد: عقد أودفع، أما تعريفها بالاستئجار فلا يُسلّم (٩). ٢ - أن البذر لا يشترط كونه من رب الأرض، فقد يكون من العامل.

стр. 93

حكم المزارعة تحرير محل النزاع: أجمعوا على فساد المزارعة التي تكون حصة أحدهما فيها أو حصة كل واحد منهما منفردة بالتعيين بوجه من الوجوه، إما بالنسبة إلى الأرض-مثل أن يقول: زارعتك على أن لك ما على الجداول ولي ما عداه- أو بالنسبة إلى الزرع -مثل أن يقول: على أن لي القمح ولك الشعير- أو بالنسبة إلى السقي-مثل أن يقول: على أن لي ما سقي بالنواضح ولك ما سقي بالمطر- أو بالنسبة إلى الحصة -مثل أن يقول: على أن لي ١٠٠ كلغ ولك ما بقي-. ونقل الإجماع عليه ابن المنذر (١) والماوردي (٢) وابن قدامة (٣) وابن تيمية (٤) وابن جماعة الكناني (٥). واختلفوا في المزارعة بنصيبٍ معلومٍ مشاعٍ مما يخرج من الأرض المزروعة على أقوال: القول الأول: جواز المزارعة مطلقًا، وهو قول عمر (٦) وعلي (٧) وسعد (٨) وابن مسعود (٩) ومعاذ بن جبل (١٠) وابن عمر (١١) وأنس (١٢) وعمار بن ياسر وابن عباس ﵃ (١٣)،

стр. 94

وغيرهم (١). ومن التابعين: علقمة (٢) والأسود النخعي (٣) وعبد الرحمن بن أبي ليلى (٤) وابنه محمد (٥) وعبد الرحمن بن يزيد (٦) وسعيد بن المسيب (٧) وعروة (٨) وعبد الرحمن بن الأسود (٩) وعمر بن عبد العزيز (١٠) وموسى بن طلحة (١١) وطاوس (١٢) وسالم (١٣) والقاسم (١٤) وابن سيرين (١٥) والحسن (١٦) والزهري (١٧). وجمع من المحدثين منهم: سفيان الثوري والليث وسليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة زهير بن حرب النسائي وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو داود (١٨).

стр. 95

وهو مذهب أحمد وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين (١)، وقال به من الحنفية أبو يوسف ومحمد بن الحسن (٢)، ومن المالكية يحيى بن يحيى الليثي وأبومحمد الأصيلي والداودي (٣)، ومن الشافعية ابن سريج وابن خزيمة وابن المنذر والخطابي والماوردي (٤) والنووي (٥) وابن جماعة (٦) وأبو بكر الحصني الدمشقي (٧) والجوري (٨)، وهو مذهب ابن حزم (٩). القول الثاني: عدم جواز المزارعة مطلقًا. ونُسب لعبد الله بن عمر (١٠) وجابر (١١) ورافع بن خديج (١٢)، وهو القول الثاني لابن عباس (١٣) ﵃ ولطاوس (١٤) وسعيد (١٥) وقول سعيد بن جبير (١٦) والنخعي (١٧) وعكرمة (١٨)

стр. 96

ومجاهد (١) والضحاك بن مزاحم (٢)، وهو قول أبي حنيفة (٣) وزفر (٤) ومالك (٥)، ومذهب أصحابه، وأبي ثور (٦)، ونُسب للشافعي (٧). القول الثالث: جوازها تبعًا للمساقاة، وهو مذهب الشافعي (٨). القول الرابع: أن المزارعة فرض كفاية، وهو قول عند المالكية (٩). الأدلة: أولًا: مستند الإجماع في صورة المنع: حديث رافع بن خديج ﵁ قال: «كنا أكثر الأنصار حقلًا، كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا» (١٠) وفي روايةٍ لمسلم: «إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات (١١) وأقبال الجداول (١٢) وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم

стр. 97

مضمون فلا بأس به» (١). ثانيًا: أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرع (٢)، وفي روايةٍ: أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها (٣). المناقشة: ١. حديث ابن عمر منسوخ بما ورد من أحاديث النهي عن المزارعة وعن المخابرة، كحديث رافع وجابر وزيد وأبي هريرة ﵃ وتأتي ألفاظها في أدلة القول الثاني. الجواب: ١/عدم التسليم بدعوى النسخ لأمرين: أولهما: أن النبي ﷺ عمل بها إلى أن مات، وعمل بها خلفاؤه الراشدون من بعده وعامة أصحابه، قال أبو جعفر محمد الباقر: (ما بالمدينة أهلُ بيتِ هجرةٍ إلا يزرعون على الثلث والربع) (٤) وقال: (عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على الشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم، يعطون الثلث والربع) (٥) قال ابن قدامة: (ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله ﷺ فأما شيء عمل به إلى أن مات ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة -رضوان الله عليهم- عليه وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحدٌ فكيف يجوز نسخه ومتى كان نسخه؟ فإن نسخ في حياة رسول الله ﷺ فكيف عمل به بعد نسخه؟ وكيف خفي نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ فأين

стр. 98

كان راوي النسخ حتى لم يذكره ولم يخبرهم به؟) (١). ثانيهما: أن هذه الأحاديث المشار لها محمولة على محل الاتفاق السابق، وسيأتي الجواب عنها مفصّلًا، ولا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع، وقد أمكن. ٢/أنه لو تعذر الجمع وامتنع التأويل وتعين المصير إلى النسخ لكان نسخ حديث رافع ﵁ وما في معناه أولى وأقوى؛ لأنه لابد من نسخ أحد الخبرين ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر مع ما تقدم في الوجه الأول (٢). ٢. أن اليهود كانوا عبيدًا للنبي ﷺ ، وهذه المعاملة مخارجة بين العبد والسيد. الجواب: أن النبي ﷺ صالحهم ولم يسترقهم حتى أجلاهم عمر ﵁، وقد شرط عليهم ﷺ أن يقرّهم ما شاء، ولو كانوا رقيقًا ما صلح ذلك، ثم إن معاذًا ﵁ عامل أهل اليمن بذلك، أفكانوا عبيدًا له؟ وكان الصحابة يتعاملون به، كما سبق (٣). الدليل الثاني: قال أبو العباس ابن تيمية: (فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزرعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا، بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا) (٤) وقال ابن قيم الجوزية بعد أثر محمد الباقر السابق: (فهذا -والله- هو العمل الذي يستحق تقديمه على كل عمل خالفه، والذي مَن جعله بينه وبين الله فقد استوثق، فيا لله العجب، أي عمل بعد هذا يقدم عليه، وهل يكون عمل يمكن أن يقال: إنه إجماع. أظهر من هذا وأصح منه) (٥) ولكن يشكل عليه مخالفة رافع وجابر ﵄ وبعض التابعين، ولكن إن قلنا: إن الإجماع ينعقد على أحد القولين المتقدمَين فإنه قد يصح، لما قاله الخطابي: (وهي عمل المسلمين في بلدان الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها، لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلدٍ أو صقعٍ من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها) (٦). الدليل الثالث: القياس على المساقاة في أنها معاملة على الأصل ببعض نمائه، وهذا يلزم

стр. 99

مالكًا والشافعي دون أبي حنيفة؛ لأنه يمنع من المساقاة أيضًا. الدليل الرابع: القياس على المضاربة بجامع أنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه، وأن المضارب يعمل في المال بجزءٍ من نمائه، وهو معدوم مجهول، فكذلك هاهنا. الدليل الخامس: القياس على الإجارة من حيث إنها عقد على منافع معدومة (١). الدليل السادس: أن القواعد المصلحية وقياس النصوص تشهد للمزارعة بالصحة، فإن الأرض عين تنمى بالعمل وتقاس على الأصول المذكورة؛ ولأن الحاجة ماسة إليها جدًا؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يحسنون العمل أو لا يقدرون عليه والعمال قد لا يكون لهم أرض، وحكمة الشارع تقتضي الرفق بالطائفتين وتحصيل مصلحة الجهتين، كما في المضاربة، بل الحاجة هنا أمس؛ لضرورة الناس إلى القوت، ولأن الأرض الزراعية لا تصلح لغير العمل عليها بخلاف المال والشجر، وقد قال الشافعي: (الأمر إذا ضاق اتسع) (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث رافع بن خديج ﵄ وجاء بألفاظ عديدة منها: عن عمه ظُهير بن رافع قال: لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا رافقًا. قلت: ما قال رسول الله ﷺ حق. قال: دعاني رسول الله ﷺ قال: «ما تصنعون بمحاقلكم» قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: «لا تفعلوا ازْرَعوها أو أزْرِعوها أو أمسكوها». قال رافع: قلت سمعًا وطاعة (٣). المناقشة: قد أجاب العلماء عن هذا الاستدلال بأجوبة عديدة (٤)، أقتصر -مختصرًا- منها على ما ذكره ابن قدامة (٥): ١.أنه قد جاء عن رافع ﵁ تفسير المنهي عنه في حديثه بما لا يختلف فيه، وهو ما سبق في موطن الاتفاق، فيحمل المجمل على المفسر. ٢.أن خبره ورد في المؤاجرة والكراء بالربع ونحوه ومحل النزاع في المزارعة، وما ورد من

стр. 100

روايات بلفظ المزارعة يحمل على المؤاجرة أيضًا حملًا لأحد اللفظين على الآخر، وإن كان جمهور العلماء على جواز الإجارة أيضًا. ٣.قال الإمام أحمد: (حديث رافع ألوان) (١)، ومعناه أن حديث رافع ﵁ مضطرب جدًا. ٤.أنه قد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة وهم زيد بن ثابت (٢) وابن عباس (٣). الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإلم يفعل فليمسك أرضه» (٤). الدليل الثالث: عن زيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة قال ثابت بن الحجاج: قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه» (٦). الدليل الخامس: عن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة (٧). الجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث من أوجه: ١. أنها محمولة على محل الاتفاق، وليس هذا من التكلُّف أو ليّ أعناق النصوص، بل إن حديث جابر جاء من روايات تفسّر المراد كما في حديث رافع ﵄، فمن ألفاظ حديث جابر ﵁: «كنا في زمان رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذينات» (٨) وجاءت روايات كثيرة عنه تفسّره بالكراء -أي الإجارة- (٩)، وكذلك المزارعة المنهي عنها في حديث

стр. 101

ثابت هي المزارعة المحرمة، وهي المخابرة، ودليل ذلك الجمع بين هذه النصوص الثابتة وما ورد من حديث خيبر وعمل الصحابة. ٢. أنها تدل على استحباب أن يزرع الأرض بنفسه أو يدفعها دون مقابل لأخيه، والحث على ذلك، وأن كراهية المعاملة لما حصل من نزاع وخلاف، وليس على التحريم، كما في حديث زيد وابن عباس ﵃ السالفين. ٣. نسخها بحديث خيبر (١). ٤. أن هذا يمكن أن يكون في أول الإسلام؛ ليتعاون الصحابة ﵃، من جنس المؤاخاة المقتضية للتوارث ثم نسخت، والنهي عن لحوم الأضاحي لدفع حاجة الدافة ثم زال (٢). الدليل السادس: أنها أصول تصح إجارتها فلا تصح المعاملة عليها ببعض كسبها (٣). المناقشة: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته فعل النبي ﷺ وسائر أصحابه، وهو معارض بالأصول السابقة في أدلة الجواز (٤). دليل القول الثالث: الجمع بين أدلة القولين السابقين، وحمل حديث خيبر على أنها كانت مساقاة، وأن البياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا (٥). المناقشة: ١. أن خبير كانت بلدًا كبيرًا، يأتي منها أربعون ألف وسق أو أكثر، وخلو مثل هذا البلد من أرض بيضاء منفردة بعيد جدًا، ويبعد أن يكون عاملهم على بعض الأرض دون بعض فينقل الرواة كلهم القصة دون تفصيل مع الحاجة إليه. ٢. أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه سوى الجمع بين الحديثين، والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسره راويه أولى من التحكم بما لا دليل عليه.

стр. 102

٣. أن قولهم يفضي إلى تقييد كل واحد من الحديثين، وما ذكره أصحاب القول الأول تقييدٌ لأحدهما وحده (١). دليل القول الرابع: يمكن أن يستدل له بعموم الحاجة إلى المزارعة في كل حين وكل مكان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويكون الواجب كفائيًا؛ لأنه مما يطلب تحصيله في الجملة لا على كل مكلف (٢). المناقشة: أن المزارعة من المباحات، وهي من جملة الحرف والصنائع، فمتى استغنى الناس عنها بالاستيراد -مثلًا- أو أنواع التجارات الأخرى فلا يمكن تأثيمهم بغير دليل صريح. الترجيح الراجح جواز المزارعة مطلقًا (٣). أسباب الترجيح: ١. ما ذكر من الأدلة الصريحة. ٢. تتابع عمل الصحابة والتابعين عليه. ٣. مناقشة أدلة المخالفين. ٤. أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وبهذا القول تجتمع النصوص وتأتلف. ٥. أن كون نصيب العامل مشاعًا يُظهِر اجتهاده في العمل، وهذا أنفى للغرر وأقرب للعدل. تنبيه: المخابرة المنهي عنها هي المزارعة المنهي عنها، ومن أسمائها المحاقلة، وذهب بعض العلماء إلى التفريق بينهما (٤)، قال ابن تيمية: (والصحيح أنه نهى عن المزارعة، كما نهى عن المخابرة، وكما نهى عن كراء الأرض، وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه، وإنما اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفي لفظًا وفعلًا، ولأجل القرينة اللفظية، وهي لام العهد وسؤال السائل، وإلا فقد نقل أهل اللغة أن المخابرة هي المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك) (٥).

стр. 103

الفرع الثاني: تعريف المساقاة وحكمها . تعريف المساقاة المساقاة لغة مفاعلة من السقي (١) قال في "مقاييس اللغة": (السين والقاف والحرف المعتل أصلٌ واحدٌ، وهو إشراب الشيء الماء وما أشبهه) (٢). وعرفها في "لسان العرب" تعريفًا اصطلاحيًا: (والمساقاة في النخيل والكروم على الثُّلُثِ والرُّبُع وما أَشبهه، يقال: ساقى فلان فلانًا نخله أو كرْمَه إذا دفعه إليه واستعمله فيه على أَن يَعْمُرَه ويَسقِيَه ويقومَ بمصلحته من الإبارِ وغيره، فما أَخرج الله منه فللعامل سهمٌ من كذا وكذا سَهْمًا مما تُغِلُّه والباقي لمالِكِ النخل وأَهل العراق يُسَمُّونَها المعاملة) (٣). قال في "نتائج الأفكار": (ومفهومها اللغوي هو الشرعي) (٤). والمساقاة اصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: عقد على دفع الشجر إلى من يصلحه بجزءٍ من ثمره (٥). ٢ - عند المالكية: عقد على مؤنة النبات بقدرٍ لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل (٦). ٣ - عند الشافعية: معاملة مالك النخيل والكروم (٧) من يحسن العمل فيها؛ ليقوم بسقيها وتعهدها، ويشترط للعامل جزاءً معلومًا مما يخرج من الثمر (٨). ٤ - عند الحنابلة: دفع شجر له ثمر مأكول -ولو غير مغروس- لآخر ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزءٍ معلومٍ من ثمره (٩). وتعريف الحنفية والمالكية والحنابلة بمعنى واحد، أما تعريف الشافعية ففيه قصر المساقاة على النخل والكرم، وهذا من مفرداتهم.

стр. 104

حكم المساقاة تحرير محل النزاع: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة -وقال ابن قدامة: (بغير خلاف) (١) - على أن المساقاة إذا كانت معينة بالنسبة إلى الأرض أو السقي أو الحصة تكون محرمة كالمزارعة والمضاربة (٢). واختلفوا في المساقاة على قدرٍ مشاعٍ معلومٍ من الخارج، وذلك على قولين: القول الأول: جواز المساقاة، وهو قول الخلفاء الراشدين (٣)، وسعيد المسيب وسالم والثوري والأوزاعي وإسحاق وداود وأبي ثور (٤)، والليث والحسن بن حي وابن أبي ليلى ومن الحنفية أبو يوسف ومحمد بن الحسن (٥)، وهو مذهب مالك (٦) والشافعي (٧) وأحمد (٨) وأصحابهم. القول الثاني: عدم جواز المساقاة، وهو قول أبي حنيفة وزفر (٩)، ونقلت كراهته عن النخعي والحسن (١٠). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرع، وفي روايةٍ: أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها (١١). وجه الدلالة: أن خيبر واسعة، ومعاملة النبي ﷺ كانت مزارعة ومساقاة، ولهذا استدل به

стр. 105

جل العلماء على جواز المساقاة أيضًا (١). الدليل الثاني: الإجماع، ونقله ابن قدامة (٢). الدليل الثالث: أن الحكمة والمصلحة الشرعية تقتضي جوازه، فإن كثيرًا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن سقيه، ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفعٌ للحاجتين وتحصيل لمصلحة الفئتين (٣). الدليل الرابع: القياس على المضاربة بالأثمان، وهي جائزة بالاتفاق، كما سبق (٤)، بجامع أنهما عقدٌ على العمل في مال ببعض نمائه. أدلة القول الثاني (٥): الدليل الأول: عن رافع بن خديج ﵄ أنهم كانوا يؤاجرون محاقلهم على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير فقال ﷺ : (لا تفعلوا) (٦). وجه الدلالة: في الحديث نص على النهي عن مؤاجرة الأرض، والمساقاة استئجار للأرض ببعض الخارج منها. المناقشة: ١. أن المساقاة من المشاركات وليست من المؤاجرات، فهي أشبه بالمضاربة. ٢. أن حديث رافع ﵁ محمولٌ على محل الاتفاق، وسبقت أجوبة أخرى في المزارعة. الدليل الثاني: أن المساقاة استئجار للأرض ببعض الخارج منها، وهذا منهي عنه؛ لأنه ﷺ نهى عن قفيز (٧) الطحان (٨)، وهو دفع شيءٍ للطحان ليطحنه مقابل جزءٍ منه

стр. 106

بعد طحنه (١). المناقشة: ١. أن الحديث متكلم فيه، وأحاديث الجمهور عالية الصحة. ٢. أن القفيز لم يكن معروفًا في المدينة في العهد النبوي، وإنما كانوا يتعاملون بالصاع والمد، وهذا مما يقوي قول المضعفين للحديث. الدليل الثالث: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة (٢). قال ابن الأعرابي: (هي تتناول المعاملة والمزارعة جميعًا) (٣). المناقشة: التسليم أن المخابرة تتناولهما جميعًا في اللغة، ولكن يقال: إن المخابرة المنهي عنها ما كان فيه غرر، وهو محل التحريم. الدليل الرابع: نهى رسول الله ﷺ عن الغرر (٤). وجه الدلالة: أن غرر المساقاة التردد في ظهور الثمرة وفي كميتها. المناقشة: ١. عدم الغرر في المساقاة، فإن الحكم للأغلب، والأغلب في الثمرة حدوثها قي وقتها، والاحتمال الوارد لا يقتضي تحريم العقد، كالمضاربة يحتمل ألا تربح فلا يحصل المضارب على شيء مقابل عمله، ولا أحد يقول بتحريمها. ٢. لو قيل على فرض التسليم والتنزل بدخول المساقاة في الغرر فهي مستثناة بالنص الخاص في جوازها. الدليل الخامس: أنه استئجار ببدل مجهول وعلى ثمرة لم تخلق، فوجب أن يكون باطلًا كالإجارة بأجرة مجهولة. المناقشة: المساقاة من المشاركات وليست من المؤاجرات. الترجيح

стр. 107

الراجح جواز المساقاة. أسباب الترجيح: ١. ما ذكر من الأدلة ومن مناقشة أدلة الطرف الآخر. ٢. أنه متأيد بقول جمهور العلماء وبموافقة الأصل في باب المعاملات. ٣. ما سبق في ترجيح جواز المزارعة. المطلب الثاني: حكم مزارعة المزارع ومساقاة المساقي ، وفيه فرعان: الفرع الأول: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بدفع الأرض أو الزرع لآخر ليقوم بذلك . صورة المسألة: أن يدفع رجلٌ لعاملٍ أرضه ليزرعها أو ليسقيها، فيقوم العامل بدفعها بعقدٍ جديدٍ لثالث. الحكم: اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز ذلك إذا كان العامل الآخر أمينًا، وهو قول مالك وأصحابه (١). القول الثاني: عدم جواز ذلك، وهو مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: عدم جواز ذلك إلا إذا قال للعامل: اعمل فيه برأيك أو أذن له، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: يمكن أن يُستدل له بأن الأصل الجواز، والمساقاة الأصلية جائزة -وكذا المزارعة- فكذلك الثانية، وأدلة الجواز تشمل الثاني بعمومها، ولا يوجد دليل على المنع. المناقشة: أن المنع عليه أدلة ولو لم تكن من نص الكتاب والسنة، لكنها لا تنافيهما وترجع

стр. 108

إلى عموم أدلة الشرع وقواعده، وهي الأدلة الآتية. أدلة القول الثاني (١): الدليل الأول: أن رب المال دفع الأرض للمساقي أو المزارع ليعمل بنفسه، ودفعه لغيره بلا إذن يخرجه عن كونه مساقيًا ومزارعًا وعاملًا. الدليل الثاني: أنه بذلك يوجب في الأرض حقًا لغير مالكها، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه، وفيه ضرر على رب الأرض. المناقشة: أن المساقي سيعطي الطرف الجديد من حقه في العقد الأول وليس من نصيب رب الأرض. الدليل الثالث: أنه عاملٌ في المال بجزءٍ من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه، قياسًا على المضارب. المناقشة: أن المضاربة تخالف المساقاة والمزارعة بأن العامل فيها مقصودٌ؛ لتفاوت العاملين في التجارة وما إليها، أما فيهما فالمقصود هو العمل أيًا كان العامل. الجواب: عدم التسليم فالتفاوت فيهما بالنظر للعامل موجودٌ تمامًا كوجوده في المضاربة. أدلة القول الثالث: يستدل لهم على المنع بما استدل به أصحاب القول الثاني، وعلى الجواز إذا قال له: اعمل برأيك، ومن باب أولى إذا أذن له أن يساقي غيره أو يزارعه بأن ذلك تفويض له أن يعمل برأيه، ومساقاته لغيره أو مزارعته لغيره يدخل في العمل برأيه. الترجيح الراجح عدم جواز مساقاة المساقي ولا مزارعة المزارع بدفع الأرض لآخر إلا بإذن المالك صريحًا أو حكميًا. أسباب الترجيح: ١. الأدلة آنفة الذكر. ٢. أنه موافق لمقاصد الشريعة من حيث قطع النزاع وحفظ المال وعدم التصرف في مال الآخرين بغير إذنهم. ٣. أن مزارعة المزارع ومساقاة المساقي دائرة بين مؤاجرة الأجير أجيرًا -وسبق ترجيح جوازه- وبين مضاربة العامل -وسبق ترجيح منعه-، وهو بالثاني أشبه؛ لأن المزارعة والمساقاة من المشاركات وليستا من المؤاجرات، كما تقرر؛ ولأن سلطة الشريك العامل في عقد المضاربة

стр. 109

على المال والعمل وطول زمن التعامل معه مما يؤثر في اختيار رب المال له وقصده إياه دون غيره من العمال، وهذا المعنى موجود في المزارعة والمساقاة. الفرع الثاني: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بتقبل أرض أو زرعٍ من أجنبي . لم أجد في هذه المسألة نصًا، ويمكن تخريجها على مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من أجنبي، فيكون حكمها الجواز إذا أذن رب المال أو إذا لم يأذن ولم ينه ولم يلحق ضرر بذلك، فإلم يكن كذلك ففيه احتمالان: الاحتمال الأول: الجواز، وهو قول أكثر الفقهاء تخريجًا. الاحتمال الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب المالكية والحنابلة تخريجًا. وأدلة هذه المسألة والترجيح فيها كمسألة مضاربة المضارب (١).

стр. 110

المبحث السادس: استصناع الصانع (الاستصناع الموازي) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الاستصناع وحكمه . تعريف الاستصناع الاستصناع لغةً استفعال من الصنع، جاء في "مقاييس اللغة": (الصاد والنون والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، وهو عمل الشيء صنعًا) (١) وصَنَع عَمِل، ويقال: اصطنع فلانٌ خاتمًا إذا سأل رجلًا أن يصنع له خاتمًا (٢). والاستصناع في الاصطلاح مختلف فيه؛ للخلاف في حقيقته على أقوال: القول الأول: أن الاستصناع وعدٌ وليس بعقد، وهو قول بعض الحنفية (٣)، منهم الحاكم الشهيد (٤) والصفار ومحمد بن سلمة (٥)، ومن المعاصرين د. علي بن أحمد السالوس (٦). القول الثاني: أن الاستصناع نوع من السلم، وهو مذهب المالكية (٧) والشافعية (٨) والحنابلة (٩). القول الثالث: أن الاستصناع بيع، وهو مذهب الحنفية (١٠) واختاره من المعاصرين د. يوسف بن عبد الله الشبيلي (١١)، إلا أنه بيع خاص له تعريفه وأحكامه؛ لذا جعله بعضهم عقدًا مستقلًا. القول الرابع: أن الاستصناع إجارة (١٢). القول الخامس: أن الاستصناع إجارة ابتداءً بيع انتهاءً (١٣). فعلى القول الأول ليس الاستصناع بعقد، وعلى سائر الأقوال يكون عقدًا، ثم على القول
следующие страницы →