لأنه لو ساقها بتمامها لتبين للناس بطلانها ولو لم يقفوا على ضعف إسنادها فكان لا بد من أن أسوق الرواية ليتيقن القراء الكرام معنا أن الدكتور لا يجري فيما يكتب على منهج علمي محقق وإنما هو الهوى والغرض وعلى القاعدة المزعومة (الغاية تبرر الوسيلة) فروى الحافظ ابن عساكر في (تاريخ دمشق) في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري (ج ٢ ق ٤ ٢٥ / ١) بإسناده عنه قال: حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان ابن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: (فذكر قصة قدوم بلال إلى الشام في عهد عمر ثم قال) :
(ثم إن بلالا رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه وأقبل الحسن والحسين فجهل يضمهما ويقبلهما فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله ﷺ في السحر ففعل فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما أن قال: (الله أكبر) عجت المدينة فلما أن قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد عجيجها فلما أن قال: (أشهد أن محمدا رسول الله) ﷺ خرج العواتق من خدورهن فقالوا: (أبعث رسول الله ﷺ ؟ فما رؤي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم)
قلت: فهذه الرواية باطلة موضوعة ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه عديدة أهمها:
стр. 142
١ - قوله: (فأتى قبر النبي ﷺ فجهل يبكي عنده) فإنه يصور لنا أن قبره ﷺ كان ظاهرا كسائر القبور التي في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي ﷺ في حجرة عائشة رضي الله عن ها
[٩٥]
стр. 143
وبيتها الذي لا يجوز لأحد أن يدخله إلا بإذن منها كذلك كان الأمر في عهد عمر رضي الله عن هـ فقد ثبت أنه لما طعن رضي الله عن هـ أمر ابنه عبد الله أن يذهب إلى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك فإني أحب أن أدفن مع صاحبي. فقالت: إن ذلك لا يضرني ولا يضيق علي. قال: فادفنوني معهما. أخرجه الحاكم (٣ / ٩٣)
ثم أخرج (٤ / ٧) بإسناده الصحيح عنها قالت: (كنت أدخل البيت الذي دفن معهما والله ما دخلت إلا وأنا مشدود علي ثيابي حياء من عمر رضي الله عن هـ)
ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها بل إلى آخر قرن ثم الصحابة رضي الله عن هم ثم أدخلوا البيت وضموه إلى المسجد لتوسعته فصار بذلك في المسجد على النحو المشاهد اليوم فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي ﷺ لما مات دفنه الصحابة في المسجد - وحاشاهم من ذلك - وإنما دفنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ما ذكرنا خلافا لما يظنه كثير من الجهال ومنهم واضع هذه القصة الذي أعطى صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذ وللصحابة رضي الله عن هم كما شرحه شيخ الإسلام وغيره من المحققين وذكرت طرفا منه في كتابي (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) فليراجعه من شاء
стр. 144
٢ - قوله: (ويمرغ وجهه عليه) . قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة وجهل واضعها فإنه يصور لنا بلالا رضي الله عن هـ من أولئك الجهلة الذين لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأوا القبور فيفعلون عندها ما لا يجوز من الشركيات والوثنيات كتلمس القبر والتمسح به وتقبيله وغير ذلك مما هو مذكور في محله وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهة الذين لا علم عندهم بالكتاب والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم ممن يسايرون العامة على أهوائهم ويبررون لهم كثيرا من ضلالاتهم
ولقد أعجبني حقا أن لا يكون الدكتور البوطي منهم في هذه المرة فقد
[٩٦]
стр. 145
رأيته يقول في آداب زيارة قبره ﷺ (ص ٥٢٣) : (فإياك أن تهجم عليه أو تلتصق بالشبابيك أو تتمسح بها كما يفعل كثير من الجهال فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة)
فهذا القول من الدكتور على ما فيه من التردد في حكم ما ذكر مما يدل على أنه لم يفقه بعد قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) يدل دلالة واضحة على أنه لا يمكن أن يعتقد أن بلالا مرغ وجهه على قبر النبي ﷺ وهو الحق وحينئذ فكيف يحتج الدكتور برواية ابن عساكر هذه وفيها هذا المنكر باعترافه؟ الحق أن الدكتور لا يريد التحقيق ولو أراده لما أمكنه لأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من ذلك فهو يأخذ من الرواية الواحدة ما يشتهي ويحتج به ويعرض عما لا يشتهي بل وينكره وإلا فماذا يقول الدكتور لمن قد يحتج عليه من المبتدعة والمتفقهة برواية ابن عساكر هذه على جواز التمرغ بالقبر الشريف وهو نفسه قد احتج بها وقواها؟
стр. 146
٣ - قوله: (خرج العواتق من خدورهن. . .) الخ كلام شعري خيالي ظاهر الوضع وإلا فما علاقة خروجهن بسماعهن الشهادة الأخرى وقولهن (أبعث رسول الله ﷺ من أجل ذلك جزم الحافظ ابن حجر بأن هذه القصة موضوعة كما يأتي
ثانيا: قول البوطي: (رواه ابن عساكر بإسناد جيد)
فأقول: فيه مؤاخذتان:
الأولى: أن هذا التجويد ليس من علم الدكتور واجتهاده لأنه لا علم عنده مطلقا يؤهله لإصدار مثل هذا الحكم كما عرف القراء من المقالات السابقة وإن كان هذا الحكم خطأ في ذاته كما يأتي فكان من الواجب عليه أن يعزوه إلى من نقله عنه لكي لا يتشبع بما ليس له لقوله ﷺ (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) متفق عليه
[٩٧]
стр. 147
الثانية: أن القول المذكور إنما هو للشيخ السبكي الشافعي قاله في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) وقد رده الحافظ المحقق محمد بن عبد الهادي الحنبلي في كتابه العظيم: (الصارم المنكي في الرد على السبكي) (ص ٢١٠ - ٢١٥) وأطال النفس فيه بما حاصله أن إسناده لا يصلح الاعتماد عليه ولا يرجع عند التنازع إليه عند أحد من أئمة هذا الشأن. وسأبين علته قريبا إن شاء الله تعالى فهل الدكتور على علم بهذا ومع ذلك آثر عليه قول السبكي لا لشيء إلا لأنه شافعي المذهب مثله أم أنه لم يعلم به مطلقا؟ الأمر كما قيل:
فإن كنت لا تدري
الثالثة: أن إسناد القصة أبعد ما يكون عن الجودة فإنه عند ابن عساكر كما سبق - من رواية إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال وهذا إسناد مظلم فيه مجهولان:
الأول: سليمان بن بلال قال الحافظ ابن عبد الهادي: (غير معروف بل هو مجهول الحال (كذا الأصل) قليل الرواية لم يشتهر بحمل العلم ونقله ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمنا ولم يذكر البخاري ترجمته في كتابه وكذلك ابن أبي حاتم ولا يعرف له سماع من أم الدرداء)
قلت: فهو مجهول العين وما في الأصل (مجهول الحال) لعله خطأ مطبعي أو سبق قلم من المؤلف رحمه الله تعالى وتبعا للبخاري وابن أبي حاتم لم يذكره الذهبي في (الميزان) ولا الحافظ في (اللسان)
والآخر: إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال قال الحافظ ابن عبد الهادي (شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة بل هو مجهول غير معروف بالنقل ولا مشهور بالرواية ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض روى عنه هذا الأثر المنكر)
وأورده الذهبي في (الضعفاء) وقال: (لا يعرف) وقال في (الميزان) (فيه جهالة حدث عنه محمد بن الفيض الغساني)
[٩٨]
стр. 148
وأقره الحافظ ابن حجر في (اللسان) وزاد عليه فقال:
(ترجمه ابن عساكر ثم ساق روايته عن أبيه عن جده عن أم الدرداء عن أبي الدرداء في قصة رحيل بلال إلى الشام وفي قصة مجيئه إلى المدينة وأذانه بها وارتجاج المدينة بالبكاء لأجل ذلك وهي قصة بينة الوضع)
قلت: وقد أشار إلى ضعف هذه القصة كل من الحافظين المزي وابن كثير. أما الأول ففي ترجمة بلال في كتابه (تهذيب الكمال) والآخر في ترجمته من كتابه (البداية) (٢ / ١٠٢) فهؤلاء خمسة من الحفاظ المشهورين - وكلهم شافعية من حظ البوطي إلا ابن عبد الهادي - جزموا بعدم صحتها ما بين مصرح بالوضع ومضعف يقابلهم السبكي وحده الذي جود إسنادها والنقد العلمي يقطع بوهمه إن لم يقل باتباعه لهواه ومع هذا قلده فضيلة الدكتور دون أولئك فماذا يقول كل متجرد عن الهوى منصف في هذا الدكتور الذي يؤلف في السيرة ويقرر أحكاما شرعية وهو لا يحسن الاتباع ولا التقليد فاللهم هداك
تنبيهان:
الأول: محمد بن سليمان بن بلال ترجمه الحافظ ابن عبد الهادي (ص ٢٢٤) بما يؤخذ منه أنه مجهول الحال لكني وجدت ابن أبي حاتم روى في (الجرح والتعديل) (٣ / ٢ / ٢٦٧) عن أبيه أنه قال فيه: (ما بحديثه بأس) وبذلك تجنبت إعلال القصة به أيضا
والآخر: أورد البوطي رواية ابن عساكر السابقة عن بلال محتجا بها على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مخالفته - بزعم البوطي - الإجماع القائل بمشروعية زيارة قبره ﵊ وهي فرية على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حمل رايتها الشيخ الأخنائي والسبكي وغيرهما قديما وزيني دحلان وأمثاله في محاربته لمجدد دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ومن تبعهم عليها من المتقدمين والمتأخرين ومنهم البوطي المسكين فقال (ص ٥٢٠) :
[٩٩]
стр. 149
(واعلم أن زيارة مسجده وقبره ﷺ من أعظم القربات إلى الله أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر الله له فقد ذهب إلى أن زيارة قبره غير مشروعة)
ثم استدل على الإجماع المذكور بوجوه أربعة منها رواية ابن عساكر ثم قال: (فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية ﵀ من دفعه هذه الأوجه في غير دافع والقول بأن زيارة قبره ﷺ غير مشروع)
قلت: وهذا كذب وافتراء عظيم من هذا الدعي على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فكتبه وفتاويه طافحة مصرحة بمشروعية زيارة قبور المسلمين عامة وزيارة قبره ﵊ خاصة كما يعلم ذلك كل من اطلع على شيء من كتب الشيخ ودرسها ومن ذلك كتابه (الرد على الأخنائي) وهو من المعاصرين للشيخ الذين ردوا عليه بظلم مقرونا بالافتراء عليه ومن ذلك التهمة التي تلقفها البوطي عنه أو عن أمثاله من المفترين الكذابين دون أن يرجع إلى بعض كتب الشيخ ليتبين حقيقة الأمر فقد قال الشيخ ﵀ في أول (الرد على الأخنائي) بعد أن ذكر فريته المذكورة عليه: (والمجيب (يعني نفسه) قد عرفت كتبه وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ويذكر زيارة قبر النبي ﷺ إذا دخل مسجده والأدب في ذلك)
وقال في أول كتابه (الجواب الباهر في زوار المقابر) (ص ١٤) : (قد ذكرت فيما كتبت من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب وذكرت السنة في ذلك وكيف يسلم عليه فهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين. . .)
وقد شرح هذا ابن عبد الهادي في رده على السبكي فليراجعه من شاء الزيادة فماذا يقول القائل في الدكتور البوطي وفريته هذه؟ هل لم يطلع على
[١٠٠]
стр. 150
هذه المصادر التي تحول بينه وبينها؟ أم اطلع عليها وعلم أن شيخ الإسلام بريء منها ثم أصر على اتهامه بها لما في قلبه من الغل والحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية بصورة خاصة والسلفيين بصورة عامة غير مبال بمثل قوله تعالى: ﴿إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم﴾ وقوله ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾
وسواء كان هذا أم ذاك فالله سبحانه هو حسيب البوطي وأمثاله ونحن إنما علينا أن ندافع عن الذين آمنوا ونبريء ساحتهم مما اتهموا به من الأكاذيب والأباطيل التي يكون الدافع عليها تارة الجهل وأخرى الظلم وقد يجتمعان
ومن النوع الأول قوله (لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية) . فإن من الواضح أن اسم الإشارة (ذلك) يرجع إلى كل من زيارة مسجده ﷺ وزيارة قبره وهذه فرية جديدة تفرد بها البوطي دون أسلافه المشار إليهم فإن زيارة مسجده ﷺ مما يقول شيخ الإسلام بمشروعيته أيضا بل إنه يقول بمشروعية السفر إليه خاصة كما سبق دون السفر لزيارة قبره ﷺ خاصة وظاهر كلام البوطي أنه لا يفرق بين الزيارتين كأسلافه السابقين ومن الدليل على ذلك قوله عقب ما سبق نقله عنه آنفا: (وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك قول رسول الله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . .) وهذا إنما استدل به ابن تيمية لإثبات مشروعية السفر إلى المسجد دون القبر فيرد البوطي استدلاله بأن الحديث كناية عن أن أولى الأماكن بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة هذه المساجد الثلاثة بدليل أن النبي ﷺ كان يخص أماكن أخرى غير هذه المساجد بالزيارة () مثل زيارته ﵊ مسجد قباء كل أسبوع
فتأمل كيف يخلط بين الزيارة بسفر وهو المنفي في الحديث الأول وبين الزيارة بدون سفر وهو المثبت في حديث قبا فلا تعارض بينهما كما هو ظاهر وهو ما ذهب
[١٠١]
стр. 151
إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لأنه يقول بمشروعية زيارة مسجد قباء وزيارة قبور البقيع والشهداء وغيرها من القبور ولكنه لا يجيز السفر إليها كما يدل عليه الحديث الأول فهو قائل بالحديثين بينما البوطي - هداه الله - ليس عنده من العلم ما يوفق بينهما لو كانا متعارضين - إلا بتعطيل دلالة الأول منهما بأنه كناية وهذا خلاف ما فهمه السلف من الصحابة وغيرهم فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عن هما أنه نهى رجلا أراد الذهاب إلى الطور فقال له: (دع عنك الطور فلا تأته) واحتج عليه بحديث النهي عن شد الرحال وثبت نحوه عن غير واحد من الصحابة كما تراه مبسوطا في كتابي (أحكام الجنائز) (ص ٢٢٤ - ٢٣١) فلو كان الحديث يعني ما ذهب إليه البوطي ما استقام نهي ابن عمر عن الذهاب إلى الطور ترى آلبوطي أصاب أم ابن عمر؟ فاللهم هداك
وليس غرضي الآن مناقشة البوطي في كل ما جاء في هذه المسألة من تخاليط لأن لهذا مجالا آخر وهو الذي سبقت الإشارة إليه في بيان الأخطاء الفقهية - وما أكثرها - وإنما هو التنبيه فقط على افترائه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتحذير القراء من أن يغتروا بمثله والله تعالى المسؤول أن يسدد خطانا ويخلص نوايانا ويوفقنا للعمل الصالح الموافق للكتاب والسنة
стр. 152
١٥ - ثم قال الدكتور في حاشية (ص ٥٢١) : (هنالك أيضا طائفة من الأحاديث الواردة عنه ﷺ في فضل زيارة قبره لا يخلو معظمها من ضعيف أو لين وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة القوة فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها فيجدوا بذلك منفذا للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ)
أقول: لقد ذكرني هذا بالمثل المشهور: أحمق من نعامة
[١٠٢]
стр. 153
ذلك لأنها إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لكي لا يراها الصياد لحماقتها وهكذا مع الدكتور فإنه بإيثاره أن لا يسوق تلك الأحاديث توهم أن ينجو من النقد والكشف عن الخطأ وما هو بناج فالأحاديث المشار إليها معروفة الضعف والنكارة سواء ساقها أم لم يسقها
ولو أنه أراد النجاة حقا لاستغنى عن هذه الحاشية ولما سود بها كتابه ولم يفتح باب الانتقاد عليه ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ويظهر للناس الحقيقة الجلية وما ينبغي الاضطلاع بهذا العلم الشريف حتى لا يغتروا بالمؤلف وبكتابه مرة أخرى فيضلوا عن سواء السبيل. ويبدو أن الذي اضطره إلى هذا القول إنما هو شعوره بجهله وعجزه عن إثبات ما زعمه من القوة فلم يسعه إلا الدعوى التي لا يعجز عنها أي جاهل ولم يكتف بها حتى لجأ إلى تبريرها بما يضحك الثكلى وليس هذا فقط بل إنه أعرض عن أقوال الأئمة الصريحة في تضعيف جميع طرق الأحاديث المشار إليها وفيهم جماعة من كبار أئمة الشافعية الذين يتعصب لهم الدكتور عادة كالإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني فضلا عن غيرهم من الحفاظ المحققين كما سأبينه بإذن الله تعالى مفصلا ما في قوله هذا من الجهل والتجاهل والافتراء والتقليد الأعمى واتباع الهوى
لقد قلد في دعواه ارتفاع حديث فضل زيارة قبره ﷺ إلى درجة القوة بعض الفقهاء المتقدمين المقلدين الذين لا علم عندهم بهذا العلم الشريف مثل الأخنائي والسبكي وغيرهم من المتأخرين وهو يعلم أن الذين ردوا عليهم من أهل المعرفة بهذا العلم قد بينوا بطلان الدعوى المذكورة بما لا يدع شبهة فهذا هو الأخنائي يقول: (ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح)
فرد ذلك عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوه يهمنا منها بعضها فقال ﵀ (ص ٨٧) وكأنه يرد على البوطي لتشابه ما بينه وبين الأخنائي
[١٠٣]
стр. 154
(الثالث) أنه قول لم يذكر عليه دليلا فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب وهو لم يذكر شيئا من تلك الأحاديث فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع
(الوجه الرابع) أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ: زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة ولم يخرج أرباب الصحيح شيئا من ذلك ولا أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم ولا أهل المسانيد التي من أهل هذا الجنس كمسند أحمد وغيره ولا في موطأ مالك ولا مسند الشافعي ونحو ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن؟
(الوجه الخامس) قوله: وغيرها بما لم يبلغ درجة الصحيح. . . فنقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فتقابل بالمنع
(الوجه السادس) أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به بل كلها ضعيفة بل موضوعة كما بسط في مواضع وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة عليها حديثا حديثا بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ﷺ البتة فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم ولهذا كره مالك التكلم به (١) بخلاف لفظ (زيارة) مطلقا فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه. . .)
стр. 155
أقول: فما الذي صرف الدكتور البوطي عن الاعتماد على هذا الكلام لشيخ الإسلام وهو أعلم من السبكي وغيره ممن يقلده البوطي بما لا يصح المفاضلة بينهما كما يقول مالك بكراهة التكلم بزيارة قبره ﷺ فضلا عن غيره من أئمة الحديث كما يأتي. لولا الهوى وخوف أن يقال فيه (وهابي) أم أن الدكتور لضيق عطنه وقلة اطلاعه لا علم عنده بوجهة نظر ابن تيمية هذه وأقوال الموافقين له من العلماء وهذا مما استبعده وسواء كان هذا وذاك فأحلاهما مر
وكذلك ما الذي منعه من الانتفاع بنقد الحافظ محمد بن عبد الهادي للشيخ السبكي في كتابه (الصارم المنكي في الرد على السبكي) . وقد تتبع فيه أحاديث السبكي في الزيارة حديثا حديثا وبين عللها وأقوال أئمة الحديث فيها من (ص ١٠ - ١٧١) وفصل القول فيها تفصيلا لا يدع أي شك في قلب أحد من المنصفين بضعفها وعدم ثبوت شيء منها إطلاقا وأنه ليس فيها ما يقوي بعضه بعضا لشدة ضعفها واضطراب أسانيدها وتضارب ألفاظها ولذلك فإني أرى لزاما علي أن أوجز الكلام عليها هنا بمقدار ما يكشف عن عللها وتقوم الحجة به على البوطي وأمثاله من المقلدين والمغترين بها ﴿ليحيى من حي عن بينة﴾ محيلا لمن شاء التفصيل إلى كتاب الحافظ ابن عبد الهادي فإنه جمع فأوعى وكتاب التلخيص لابن حجر (ج ٢ / ٢٦٦ و ٢٦٧) وإلى كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) فقد كنت بسطت الكلام فيه على بعضها رقم (٢٥ و ٤٧ و ٢٠٤)
الحديث الأول عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) وله عنه طرق:
الأولى: من رواية موسى بن هلال العبدي وهو مجهول وقد اضطرب في إسناده فقال مرة: عن عبد الله بن عمر وقال مرة: عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. قال البيهقي:
[١٠٥]
стр. 156
(وسواء قال عبيد الله أو عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره) وقال فيه العقيلي: (لا يصح حديثه ولا يتابع عليه) . ثم ساقه بإسناده وقال عقبه: (ولرواية في هذا الباب فيها لين) . وفي نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال: (ولا يصح في هذا الباب شيء) . والمعنى واحد وهو أن طرقه كلها ضعيفة وذلك مما صرح به الحافظ في آخر كلامه على الحديث
وعبيد الله - المصغر - ثقة بخلاف أخيه عبد الله - المكبر - فإنه ضعيف ورجح ابن عدي أنه هو صاحب هذا الحديث ووافقه الإمام ابن خزيمة وصرح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر كما قال الحافظ ابن حجر ولذا قال النووي: (إسناده ضعيف جدا)
الثانية: من رواية عبد الله بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر
وعبد الله بن إبراهيم وهو ابن أبي عمرو الغفاري متهم بالكذب والوضع ونحوه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فإنه ضعيف جدا وهو راوي حديث توسل آدم ﵇ بنبينا ﷺ وهو موضوع كما بينته في (الأحاديث الضعيفة) رقم (٢٥) وقد قال النووي في هذه الطريق أيضا: (إسناده ضعيف جدا)
الثالثة: من رواية مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عنه بلفظ: (من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة)
ومسلمة هذا مجهول ويقال فيه مسلمة بن سالم الجهني قال أبو داود: ليس بثقة. وقد اضطرب في إسناده فرواه مرة هكذا. وقال مرة: عن عبد الله بن عمر عن نافع. وهذا هو الأشبه أنه من روايته عن عبد الله بن عمر العمري المكبر المضعف فيكون الجهني هذا متابعا لموسى بن هلال الذي في الطريق الأولى
[١٠٦]
стр. 157
إلا أن متابعته له مما لا يفرح بها العلماء لأنه غير ثقة كما عرفت ولو نفعت لم يتقوى الحديث بها لأن فوقهما عبد الله بن عمر الضعيف على أنه ليس فيه زيارة القبر الشريف فيمكن حمله على زيارته في حياته وهذا مما لا شك في شرعيته. فتنبه ولا تكن من أهل الأهواء الغافلين
ثم إن المحفوظ في هذا المعنى ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ (من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشهد (وفي رواية: أشفع) لمن مات بها) أخرجه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان في (صحيحه) . فهذا هو أصل الحديث ولفظه فحرفه أولئك المجهولون والضعفاء عمدا أو سهوا واغتر بهم من لا علم عندهم
الرابعة: من رواية حفص بن سليمان أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه بلفظ: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي) زاد بعضهم (وصحبني)
وهذا منكر جدا حفص بن سليمان وهو الأسدي القاريء الغاضري متروك متهم بالكذب والوضع وقد تفرد به كما قال البيهقي وليث بن أبي سليم ضعيف مختلط وهو مخرج في (الضعيفة) برقم (٤٧)
الخامسة: من رواية محمد بن محمد بن النعمان بن شبل: حدثني جدي قال: حدثني مالك عن نافع عنه بلفظ: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)
وهذا موضوع كما قال ابن الجوزي والذهبي والزركشي وغيرهم كما تراه في (الضعيفة) (٤) والآفة من محمد بن محمد أو من جده النعمان بن شبل وكلاهما متهم ورجح ابن عبد الهادي الأول فليراجعه من شاء. وليس فيه أيضا ذكر زيارة القبر الشريف
الحديث الثاني: عن عمر مرفوعا بلفظ: (من زار قبري أو قال من زارني كنت له شفيعا أو شهيدا) . يرويه سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي: حدثني رجل من آل عمر عنه
وهذا متن مضطرب وإسناد مظلم سوار هذا مجهول لا يعرف وبعض
[١٠٧]
стр. 158
الرواة يقلبه فيقول: ميمون بن سوار. وشيخه رجل لم يسم وهو أسوأ حالا من المجهول وقد اضطربوا فيه فبعضهم يقول: (رجل من آل عمر) كما في هذه الرواية وبعضهم يقول: (رجل من ولد حاطب) . وبعضهم يدخل بينه وبين سوار هارون بن قزعة وهو مجهول أيضا وبعضهم يقول فيه هارون بن أبي قزعة وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في (الضعفاء) وقال البيهقي: (هذا إسناد مجهول)
الحديث الثالث: عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: (من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان)
وهذا موضوع آفته أسيد بن زيد الجمال الكوفي قال ابن معين: (كذاب سمعته يحدث بأحاديث كذب) ومع ذلك فليس فيه ذكر القبر مطلقا
وله عنه طريق آخر بلفظ: (من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي) ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا أو قال شفيعا)
وهذا موضوع أيضا في إسناده فضلة بن سعيد بن زميل مجهول لا يعرف إلا في هذا الخبر الذي تفرد به ولم يتابع عليه وقال الذهبي: (هذا موضوع)
الحديث الرابع: عن علي مرفوعا: (من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن حج ولم يزر قبري فقد جفاني)
وهذا موضوع آفته أنه من رواية النعمان بن شبل المتقدم اتهمه الحافظ موسى بن هارون الحمال وقال ابن حبان: (يأتي عن الثقات بالطامات وعن الأثبات بالمقلوبات) وهو يرويه عن محمد بن الفضل بن عطية وكان كذابا كما قال ابن معين وقال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب وهذا يرويه عن جابر الجعفي وهو رافضي متروك شديد الضعف قال أبو حنيفة ﵀: ما رأيت أكذب منه
الحديث الخامس: عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: (من حج حجة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى علي في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه)
وهذا حديث باطل ظاهر البطلان ولذلك قال السيوطي وغيره: إنه حديث
[١٠٨]
стр. 159
موضوع وهو مخرج في (الأحاديث الضعيفة) برقم (٢٠٤)
الحديث السادس: عن أبي هريرة مرفوعا: (من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي)
وهذا موضوع في إسناده خالد بن يزيد العمري قال ابن معين وأبو حاتم: (كذاب) . وقال ابن حبان: (يروي الموضوعات عن الأثبات)
قلت: والسند إليه مظلم فيه من لا يعرف
الحديث السابع: عن أنس وله عنه لفظان بطريقين:
الأول: بلفظ: (من زارني محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة)
وفي إسناده سليمان بن يزيد الكعبي قال أبو حاتم: (منكر الحديث) . ثم هو منقطع لأن الكعبي هذا لم يسمع من أنس
والآخر بلفظ: (ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له من عذر)
وهذا موضوع في سنده سمعان بن المهدي قال الذهبي: (لا يكاد يعرف ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها قبح الله من وضعها) . قلت: وإسناده إليه ظلمات بعضها فوق بعض وليس فيه ذكر القبر أيضا
الحديث الثامن: عن رجل عن بكير بن عبد الله مرفوعا: (من أتى المدينة زائرا وجبت له شفاعتي يوم القيامة)
وهذا باطل كما قال ابن عبد الهادي وإسناده مرسل أو معضل وفيه الرجل المبهم وليس فيه ذكر القبر
قلت: هذه هي الأحاديث التي أشار إليها الدكتور البوطي وتلك طرقها التي زعم أن الحديث يرتقي بمجموعها إلى درجة القوة دون أن يجري أي دراسة حولها - لو كان يستطيعها - ليعلم شدة ضعفها وتنافر متونها فيحول ذلك بينه وبين الزعم المذكور ولكن إذا كان لا يستطيع تلك الدراسة فهل لا يحسن التقليد أيضا؟ فهو بدل أن يقلد شيخ الإسلام الذي صرح بتضعيف الحديث من جميع طرقه كما رأيت يقلد الأخنائي أو بدل أن يقلد الإمام النووي الذي
[١٠٩]
стр. 160
ضعف جدا طريقيه المتقدمين - وهما أشهر طرقه - قلد السبكي الذي قوى الحديث خلافا لكل من تكلم على الحديث من المتقدمين عليه علما وزمنا الذين جزموا بأنه حديث منكر كابن خزيمة والبيهقي وغيرهما ممن تكلموا على مفردات طرقه والعسقلاني والذهبي والسيوطي فضلا عن ابن تيمية وابن عبد الهادي فلو أن الدكتور كان يحسن التقليد على الأقل لقد هؤلاء لاختصاصهم بهذا العلم وكثرة عددهم وتقدمهم ولكن صدق الله العظيم ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾
واعتقادي أن الدكتور يظن ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ أن أي حديث كثرت طرقه تقوى بها وهذا جهل مخالف لما هو مقرر في علم مصطلح الحديث قال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص ٣٦ - ٣٧) بعد أن ذكر الحديث الحسن لغيره وهو الذي جاء من أكثر من وجه ليس فيه مغفل كثير الخطأ: (لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث (الأذنان من الرأس) ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك يعضد بعضا كما قلتم في الحسن على ما سبق آنفا؟ وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه بل ذلك يتفاوت فمنه صنف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذا. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة)
أقول: إي والله إنه لمن النفائس العزيزة التي يغفل عنها كثير من المشتغلين
[١١٠]
стр. 161
بهذا العلم فضلا عن غيرهم ممن لا معرفة لهم به مطلقا كهذا الذي نحن في صدد الرد عليه والتحذير من آثار جهله ولذلك فإنه لما لخص الحافظ ابن كثير كلام ابن الصلاح هذا في (مختصره) (ص ٤٣) وأقره عليه علق عليه الشيخ أحمد شاكر ﵀ بقوله: (وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفا لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم يرفع الثقة بحديثهم ويؤيد ضعف روايتهم وهذا واضح)
قلت: إذا أمعن القاريء النظر في تلك الطرق المتقدمة لحديث الزيارة لم يجد فيها أي صفة من تلك الصفات التي ذكرها ابن الصلاح في الطرق التي يتقوى الحديث بها فليس فيها مثلا راو واحد على الأقل هو من أهل الصدق علمنا أنه ضعيف الحفظ بل هم من المتهمين بالكذب أو المعروفين بالضعف الشديد أو من المجهولين أو المبهمين مع عدم سلامة الحديث من الاضطراب والنكارة في المتن كما أنه ليس فيها طريق واحدة مرسلة أرسلها إمام حافظ
من أجل ذلك نجد كثيرا من الأحاديث الضعيفة قد جزم العلماء بضعفها مع أن لها طرقا كثيرة وقد ضرب ابن الصلاح لذلك مثلا بحديث: (الأذنان من الرأس) وفيه عندي نظر من وجوه أهمها أنني وجدت له طريقا قوية الإسناد ولذلك خرجته في (صحيح أبي داود) (١٢٣) و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) برقم (٢٦) وهذا مطبوع فليراجعه من شاء
ولذلك فالأولى عندي التمثيل بحديث: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا من السنة كنت له شفيعا يوم القيامة) كما فعل الحافظ السخاوي في (فتح المغيث) (١ / ٧١) وقال عقبه: (فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه)
والجهل بهذه القاعدة الهامة يؤدي إلى تقوية كثير من الأحاديث الضعيفة
[١١١]
стр. 162
من أجل طرقها بل وقد يؤدي إلى الالتحاق ببعض الفرق الضالة فهذا مثلا حديث: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) فقد روي من حديث أبي سعيد وعبد الله بن مسعود وجابر وسهل بن حنيف وغيرهم ومع ذلك فهو معدود في جملة الأحاديث الموضوعة ومثله حديث: (علي خير البشر من أبى فقد كفر) له طرق كثيرة أيضا والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدا لا تكاد تحصر فراجع إن شئت كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة) ففيها الشيء الكثير منها: (٥٥ و ١٣٣ و ١٣٤ و ١٣٩ و ١٤٣ (٥٢) و ٢٢٦ و ٢٣٠ و ٢٦٦ و ٣٣٢ و ٣٣٧ و ٤٥١ و ٥٨٣ و ٥٨٥ و ٦٤٩. . .)
أقول: هذه الأمثلة من الأحاديث الموضوعة ينبغي أن تكون عند الدكتور البوطي صحيحة لأنه يصدق فيها قوله المتقدم: (بعضها يقوي بعضا. . .) ﴿فهل من مدكر﴾ ؟
وفي الختام أذكره بنصيحتي التي كنت قدمتها إليه مقرونة بالاستشهاد بكلام الإمام النووي قبيل هذا التذييل راجيا أن لا أضطر مرة أخرى إلى إضاعة الوقت في الرد على جهالاته وافتراءاته سائلا المولى أن يصلح أعمالنا ويخلص نوايانا ويجمع بين قلوبنا على كتاب ربنا وسنة نبينا إنه سميع مجيب
دمشق ٣ ربيع الأول سنة ١٣٩٦