مفاوز فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف فمن الغرائب أن يستدل الدكتور بمثله على وجوب ستر المرأة لوجهها وهو لو صح لم يدل على أكثر من مشروعية ذلك أما الوجوب فمن أين؟ وقد ذكرت في كتابي (حجاب المرأة المسلمة) اختلاف الفقهاء في ذلك وأن الجمهور على استحباب الستر لا الوجوب وحققت أنه هو الذي يقتضيه الدليل فليراجعه من شاء
ثم إن بعض إخواننا هنا من طلاب كلية الشريعة لما اطلع على هذا تساءل عن تاريخ غزوة بني قينقاع التي وقعت فيها هذه الحادثة؟ فقلت له: وما وراء ذلك؟ قال: إن آية الحجاب نزلت في غزوة الأحزاب كما هو معلوم فإذا كانت الغزوة الأولى قبل هذه كان دليلا على أن حجاب المرأة في الحادثة لم يكن عن أمر به في الآية. فقلت: صدقت. فنظرنا فإذا الغزوة الأولى قد ذكرت في كتب السيرة قبل الأحزاب وعلى ذلك جرى الدكتور نفسه وقال: إنها كانت في السنة الثالثة للهجرة وكانت الأحزاب سنة خمس وقيل سنة أربع منها. فهذا مما يدل على أن الدكتور لما درس الحادثة لم يكن قد استحضر في ذهنه أنها كانت قبل نزول الآية وأن ستر المرأة لوجهها إن صح لم يكن دينيا لا بد من التزامه وإنما كان تعففا منها وإن مما يؤيد ذلك ما في البخاري أن عائشة وأم سلمة رئيت خلاخيل سوقهما يوم أحد وهما يحملان القرب على متونهما فقال الحافظ ابن حجر: (كانت هذه الواقعة قبل الحجاب) (١)
قلت: وغزوة أحد كانت بعد غزوة بني قينقاع أيضا
الحديث الخامس عشر قال: (٢ / ٤٩) : (ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله ﷺ : أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)
стр. 37
قلت: القاعدة المشار إليها صحيحة لكن الحديث المذكور غير صحيح بل هو مما لا أصل له كما نص على ذلك علماء الحديث كالحافظ العراقي والعسقلاني والسخاوي والسيوطي وغيرهم. قال في (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) (ص ٩١ رقم ١٧٨) : (ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة وجزم العراقي بأنه لا أصل له (١) وكذا أنكره المزي وغيره)
وكذا في (كشف الخفاء) للعجلوني (١ / ١٩٢ / ٥٨٥) وغيره من الكتب التي وضعت لتمييز ما صح مما لم يصح من الحديث فهل لم يقرأ الدكتور شيئا منها أصلا حتى وقع في هذا التقول على رسول الله ﷺ أم أن له رأيا خاصا يخالف به حكم أئمة الحديث وأهل العلم به؟ ولقد كان باستطاعته لو اهتدى بهديهم وكان على علم بالحديث أن يستدل على القاعدة المشار إليها بقوله ﷺ : (إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا) . زاد في رواية: (فإنما أقطع له به قطعة من النار) . أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أم سلمة رضي الله عن ها وترجم له النسائي ثم النووي في (صحيح مسلم ب (باب الحكم بالظاهر) وهو مخرج عندي في (إرواء الغليل) (٢٧٠٢) و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (١١٩٢)(٢)
стр. 38
الحديث السادس عشر (٢ / ٦٨) : (روى ابن هشام أن النبي ﷺ قال لأصحابه: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء أو الأموات؟ . . .)
قلت: قال في (السيرة) (٣ / ١٠٠) : قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار. . .) فذكره
قلت: وهذا إسناد معضل وقد روي موصولا كما بينته في (تخريج فقه السيرة للغزالي) (٢٨٩ - ٢٩٠)
الحديث السابع عشر قال (٢ / ١٧٤) : (وقال لهم رسول الله ﷺ : أمير الناس زيد بن حارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم. رواه البخاري وأحمد وابن سعد في (طبقاته) ولكن ليس في البخاري: (فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا)
قلت: فيه أمور:
أولا: قوله مستدركا: (لكن ليس في البخاري. . .) له مفهوم والدكتور يعلم إن شاء الله تعالى أن مفاهيم الكتب معتبرة وهو أن الإمام أحمد أخرج هذه الزيادة التي ليست في البخاري وليس الأمر كذلك فإن روايته خالية أيضا من هذه الزيادة وقد أخرج الحديث في مواطن من (مسنده) كما كنت
[٢٩]
стр. 39
أشرت إليها بالأرقام في تخريجي ل (فقه السيرة للغزالي) (ص ٣٩٦) . والدكتور مطلع عليه وقد استفاد منه ومن أصله كما سبقت الإشارة إليه فقد كان باستطاعته أن يستعين بتلك الأرقام لمراجعة رواية أحمد لكي لا يقع في مثل هذا الخطأ فما الذي صده عن ذلك أهو ضيق الوقت أم ظنه أن لا أحد من القراء سيرجع إلى (المسند) فيكشف مثل هذا الخطأ أو غيره مما قد لا يخطر في بال أحد إلا في بال المتهاون بالتحقيق العلمي أو العاجز عنه؟
ثانيا: كيف استجاز الدكتور إيثار رواية ابن سعد على رواية البخاري وهو يعلم أن ليس كل ما فيه صحيح ثابت بخلاف ما في البخاري؟
ثالثا: إن قيل لعلة آثرها لما فيها من الزيادة وهي صحيحة الإسناد عنده؟
فأقول: هيهات هيهات فقد ثبت لدينا من دراستنا لكتابه هذا أنه لا علم عنده أصلا بطريقة تصحيح الأحاديث ونقد الأسانيد ولذا نرى أنه يجب على الدكتور وأمثاله تقليد أهل الاختصاص والمعرفة بذلك من علماء الحديث وأن يقتصروا على نقل أقوالهم تصحيحا وتضعيفا فإن لم يفعلوا ضلوا وأضلوا وقد مضت الأمثلة الكثيرة التي تشهد لما قلنا. هذا شيء وشيء آخر وهو أن الحديث عن ابن سعد (٢ / ١٢٨ طبع بيروت) بدون إسناد فكيف يمكن الحكم على المعدوم بالصحة؟ نعم قد عرفت مستند ابن سعد في ذلك ألا وهو شيخه الواقدي فقد قال ابن كثير في (البداية) (٤ / ٢٤١) : (وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان. . .) فذكره
قلت: والواقدي متهم بالوضع كما سبق (ص ٢١) فلو أن الدكتور يبحث بحث العلماء لا سيما وقد قدم تلك المقدمة الضخمة: (اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة في كتبها) وكان قادرا وحريصا على الوفاء بما قال لم يبادر إلى الاعتماد على رواية ابن سعد المعلقة بدون إسناد ولا سيما وفي آخرها ما ينبه
стр. 40
اللبيب إلى عدم ثبوتها ولو كان جاهلا بعلم الحديث ونقد الأسانيد ألا وهو قوله (٢ / ١٢٩) :
(فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم ب (الجرف) فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار () أفررتم من سبيل الله؟ فيقول رسول الله ﷺ : ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله؟)
فقلت: فهذا منكر بل باطل ظاهر البطلان إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عدده وعدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العدد والعدد أضعافا مضاعفة كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفرار من الجهاد وهم لم يفروا بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم كما في حديث البخاري: (. . . حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) ؟
ومن العجائب أن الدكتور بعد أن ذكر هذا الحديث الصحيح وأتبعه بقوله:
(وهذا الحديث يدل كما ترى أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيرا) . فإنه مع ذلك أورد هذه الزيادة المنكرة فقال (٢ / ١٨٠) :
(وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: يا فرار. . . فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم. . .)
فنقول: إن هذا التأويل بعيد جدا ثم إن التأويل فرع التصحيح كما هو مقرر في (الأصول) فهلا أثبت هذه الرواية يا فضيلة الدكتور حتى يسوغ لك أن تتأولها لتقضي به على هذا المعنى المستنكر الظاهر منها؟ وإلا فالواقع أن الأمر كما تقول العامة: هذا الميت لا يستحق هذا العزاء
[٣١]
стр. 41
وإن كان هذا التأويل يدل على شيء فهو أن الدكتور لا يفرق بين ما صح وما لم يصح من الأخبار فهو يسوقها كلها مساقا واحدا ويعاملها معاملة واحدة فهو مثلا لا يفرق بين ما رواه البخاري وما رواه ابن سعد ولو بدون إسناد؟ وما هكذا يكون صنيع العلماء
وإذا شئت مثالا على نقيض صنيعه مصدره حافظ من حفاظ المسلمين فخذ الحافظ ابن كثير مثلا فإنه ذكر هذه الرواية المستنكرة في كتابه (البداية) (٤ / ٢٤٨) من رواية ابن إسحاق عن عروة مرسلا ثم قال: (وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور: الجيش وإنما كان الذين فروا حين التقى الجمعان وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ المسلمين وهو على المنبر فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما)
فليت أن الدكتور رجع إلى كتاب هذا الحافظ فاستعان به على تجلية ما قد يغمض عليه من الحقائق والمعارف لا سيما وموضوعه في نفس موضوع كتابه وفي متناول يده ولكن العجلة في التأليف وعدم التروي في البحث والعجز عن التحقيق فيه وشهوة التأليف فيما ليس من اختصاصه هو الذي يوقع صاحبه في مثل هذه الأخطاء الظاهرة والله المستعان
الحديث الثامن عشر قال (٢ / ١٨٨) : (ثم قال ﷺ : يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)
قلت: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت وهو عند ابن هشام معضل وقد ضعفه الحافظ العراقي كما بينته في (تخريج فقه السيرة) (ص ٤١٥) فلست أدري ما الذي منع الدكتور من أن يستفيد من هذا الحافظ تضعيفه
[٣٢]
стр. 42
للحديث فلا يورده في كتابه الذي وصفه بأنه اعتمد فيه على ما صح من أخبار السيرة أليس في هذا إخلالا صريحا بهذا الشرط أم أن الدكتور عنده من العلم ما ليس عند الحافظ فهو يرى أن الحديث صحيح لا يخرج عن شرطه فإن كان كذلك فليثبت لنا ذلك نكن له من الشاكرين؟ أم هو يجري على المشهور أيضا () : الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور؟
الحديث التاسع عشر: قال (٢ / ١٨٩) : (روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح. . . ولم أجد ترجمة لفضالة هذا في (الإصابة) ولا في (الاستيعاب)
قلت:
فيه أولا: أن هذا الحديث كالأحاديث السابقة لا يصح لأن ابن هشام لم يذكر له إسنادا متصلا لينظر في رجاله فإنه قال (٤ / ٥٩) :
(وحدثني (يعني من يثق به من أهل الرواية في إسناد له كما في حديث قبله) أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد)
وثانيا: أن فضالة هذا قد ترجم له في (الإصابة) (ج ٣ ص ٢٠١ - ٢٠٢ رقم الترجمة ٦٩٩٦ طبعة مصطفى محمد بمصر) وهي الطبعة التي يحيل الدكتور عليها فلا أدري كيف لم يجدها فيه لعله لا يحسن حتى المراجعة أو كلف بها بعض طلابه الذين لا يحسنونها أو هم على الأقل لا ينشطون لها
وقد ترجمه مصدر آخر أقدم منه وهو ابن أبي حاتم فقال في (الجرح والتعديل) (٢٣ / ٧٧ / ٢٣٤) وسبقه البخاري في (التاريخ الكبير) (٤ / ١ / ١٢٤) :
(فضالة الليثي أدرك الجاهلية روى عنه ابنه عبد الله بن فضالة)
وساق له البخاري حديثا يدل على صحبته لكنه من رواية ابنه عبد الله ابن فضالة ولم يوثقه غير ابن حبان (١ / ١٣٧) وقيل له صحبة
[٣٣]
стр. 43
وثالثا: ما فائدة معرفة ترجمة فضالة هذا والسند إليه لا يصح؟ أليس هذا من الأدلة الكثيرة على أن الدكتور لا معرفة عنده مطلقا بطرق التصحيح والتضعيف وإلا فما باله أضاع وقته أو وقت غيره من تلامذته في البحث عن ترجمة فضالة ثم لم يوفق ولو وفق إليها لم يفد ذلك صحة الحديث باتفاق أهل العلم لأنه أعرض عن دراسة الإسناد إليه هذا لو كان بحاجة إلى دراسة فإنه ظاهر الجهالة فإذا كان البوطي بهذه المثابة من الجهل بالحديث فحري به أن لا يدعي ما لا قبل له بتحقيقه من تصحيح أحاديث السنن والسيرة وأن يشتغل بغيره من العلم إن كان يحسنه
الحديث العشرون: قال (٢ / ٢١٦) : (وقال بعض الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم. رواه ابن سعد في (الطبقات) وأخرجه الترمذي في (سننه) وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب عن الحسن)
قلت فيه أمران:
الأول: أن إسناده عند الترمذي لا يصح فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس كما بينته في (تخريج الفقه) ص ٤٣٢
والآخر: أنه عند ابن سعد في (الطبقات) ٢ / ١٥٩ بدون إسناد
وقوله: (رواه ابن سعد عن عاصم. . .) الخ مع ما فيه من التكرار الذي لا فائدة فيه ففيه وهمان:
أولا: أن هذا الإسناد عن ابن سعد في المكان الذي أشرت إليه إنما هو لحديث آخر غير هذا فإن لفظه: (. . . فأتى عمر فقال: يا نبي الله ادع على ثقيف؟ قال: إن الله لم يأذن في ثقيف. قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا فارتحلوا)
[٣٤]
стр. 44
فأنت ترى أن هذا الحديث هو غير حديث الباب فإن كان هذا العزو لابن سعد من الدكتور في المرة الثانية لم يكن عن وهم منه فهو من الأدلة الكثيرة على أنه لا يحسن صناعة التخريج البتة إذ لا يجوز أن يقال: روى ابن سعد عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم اهد ثقيفا وأت بهم) لأن الحسن لم يرو ذلك عند ابن سعد وكل من وقف على تخريج الدكتور هذا يفهم منه خلاف ذلك؟ ويغلب على الظن أن ذلك لم يكن إلا عن قصد منه فهو دليل على ما ذكرت لأني رأيته فيما سيأتي لما خرجت حديثا لابن عباس عزوته لأحمد وابن ماجه تعقبني بأنه في (الصحيحين) وتعجب من عدم عزوي الحديث إليهما مع أن هذا العزو لو صدر مني - وأرجو الله أن يصونني من مثله - لكان خطأ محضا كخطأ الدكتور هذا في عزو هذا الحديث لرواية ابن سعد عن الحسن وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى
الحديث الواحد والعشرون: قال (٢ / ٢٤٦ - ٢٤٧) في تخريج قصة مسجد الضرار: (تفسير ابن كثير ٢ / ٣٨٧ - ٣٨٨ ورواه ابن هشام في سيرته على نحو قريب في ج ٢ / ٣٢٢)
قلت:
فيه أولا: أن التخريج لا يعطي - ككثير من تخريجاته - أن القصة صحيحة فإنها عند ابن هشام من طريق ابن إسحاق بدون إسناد وعند ابن كثير من طريقه عن جماعة ذكرتهم في (تخريج الفقه) (ص ٤٨٨)
وثانيا: أن هذا التخريج اختصره الدكتور من تخريجنا المذكور ويكاد يكون ما ذكره منقولا عنه بالحرف الواحد غير أنه حذف منه تصريحنا في مطلعه بأنه (ضعيف) فما الذي حمل الدكتور على هذا الحذف وعدم ذكر المصدر الذي أخذ منه تخريجه؟ إن كان يجيز له ذلك خشيته أن يقول الناس: إن الدكتور استفاد من تخريج الألباني فهل يجيز له ذلك حذف الحكم بالضعف الذي
[٣٥]
стр. 45
يقتضيه التخريج الحديثي وإيهام الناس أن هذا الحديث من (ما صح من أخبار السيرة) وهو لم يصح ألا فليعلم أن الله تعالى سائله ومحاسبه عن هذا الذي صنعه في هذا الكتاب من تصحيح ما لم يصح من الروايات لا تقليدا منه لأهل العلم ولا اجتهادا منه لأنه ليس من أهل الاجتهاد - باعترافه - في الفقه الذي شهادة الدكتور فيه فضلا عن هذا العلم الشريف الذي لم يشم رائحته بعد
الحديث الثاني والعشرون: قال (٢ / ٢٥٠) في قصة وفد ثقيف: (روى ابن سعد أنه ﷺ كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه)
قلت فيه مؤاخذات:
الأولى: أن ابن سعد لم يسق إسناده فكيف عرف صحته واعتمد عليه؟
الثانية: أن اقتصاره في العزو عليه يشعر الطالب بأنه لم يروه من هو أشهر منه وأولى بالاعتماد عليه وليس كذلك فقد أخرجه أبو داود في (قيام رمضان) وابن ماجه في آخر (إقامة الصلاة) كلاهما من حديث أوس بن حذيفة وأحمد أيضا (٤ / ٣٤٣) دون المراوحة
الثالثة: أن إسناده لا يصح لأنه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس الطائفي وهذا لم يوثقه غير ابن حبان لكن روى عنه جمع من الثقات غير أن الأول ضعفه الذهبي والعسقلاني فهو علة الحديث
الحديث الثالث والعشرون: قال (٢ / ٢٥١) في قصة وفد ثقيف أيضا: (قال ابن إسحاق: وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال لهم: لا خير في دين بلا صلاة)
قلت: وتمام هذه الرواية عند ابن إسحاق في (السيرة) (٤ / ١٨٣ - ١٨٥) : (فقالوا: يا محمد فسنؤتيكها وإن كانت دناءة)
[٣٦]
стр. 46
قلت: وهذا لا يصح كالأحاديث السابقة لأنه عنده بإسناد معضل والمرفوع منه أخرجه أبو داود وأحمد بإسناد منقطع كما بينته في (تخريج الفقه) (ص ٥٤٠) فتجاهل الدكتور هذا كغيره - مما سبق - وصححه فالله المستعان
الرابع والعشرون: قال في (حجة الوداع) (٢ / ٢٧٠) : (فلما رأى ﷺ البيت قال: (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتنظيما وبرا) رواه الطبراني وابن سعد)
قلت: وهذا ضعيف جدا بل موضوع. أما ابن سعد فذكره بدون إسناد (٢ / ١٧٣) وأما الطبراني فأخرجه في (المعجم الكبي) (ج ١ ق ١٤٩ / ٢ مخطوط) عن حذيفة بن أسيد وفي إسناده عاصم بن سليمان الكوزي. قال الذهبي في (الميزان) : (قال ابن عدي: يعد ممن يضع الحديث وقال الفلاس: كان يضع ما رأيت مثله قط. . . وقال الدارقطني: كذاب)
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣ / ٢٣٨) بعد أن عزاه للطبراني: (وهو متروك)
قلت: وعلى هذا يرد على الدكتور أمران لا بد له من أحدهما:
الأول: إن كان يعلم هذه العلة ومع ذلك جزم بنسبته إلى النبي ﷺ فقد شمله وعيد قوله ﷺ : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه) (١ / ٧) بإسنادين صحيحين عن سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة
والآخر: إن كان لا يعلمها - وهو الظن به - فكيف رواه وحدث به ورسول الله ﷺ يقول: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) ؟ أخرجه مسلم أيضا (١ / ٨) بإسناد صحيح بل كيف أورده في كتابه الذي زعم
[٣٧]
стр. 47
فيه أنه اعتمد على ما صح من الأخبار؟ والظن به أيضا أنه لا علم عنده بهذين الحديثين وإلا لكانا كافيين في ردعه عن رواية الأحاديث الضعيفة وتحت ستار أنها صحيحة؟ والله المستعان وإنا لله وإنا إليه راجعون
وبهذا ينتهي ما أردت ذكره من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية التي عثرت عليها في كتاب الدكتور البوطي وهي تبين أوضح البيان أن ما قاله في نصوص كتابه (اعتمدت فيها أولا على صحاح السنة. ثانيا على ما صح من أخبار السيرة في كتبها) (١) لم يكن إلا لمجرد الدعاية للكتاب ولفت أنظار الناس إليه وفي تضاعيف الكلام عليها ما يبين أنه ليس عنده من الثقافة والمعرفة بالسنة ومصطلح الحديث وتراجم الرواة ما يمكنه من تنفيذ هذا المنهج الذي زعم أنه اعتمده في كتابه حتى ولو بالاعتماد على العلماء في ذلك وتقليدهم فهو لا يحسن حتى تقليدهم لأنه لا معرفة له بأقوالهم ومع ذلك فهو يحاول أن يعمل عمل الفحول منهم وهيهات فما أشبهه بقول بعض السلف: (ما مثلك إلا مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها)
وقد بقيت لدي أمثلة أخرى من أخطائه التي تدل على مبلغ علمه بهذا الفن الشريف وهي تمثل أنواعا شتى من البعد عن النهج العلمي الصحيح فأقول:
стр. 48
١ - قال (١ / ٣١) : (وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد بن بكر كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جف فيها الضرع ويبس الزرع فما هو إلا أن صار محمد ﷺ في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة خضراء. . .)
стр. 49
قلت: لنا عليه مؤاخذتان:
الأولى: الإجماع المذكور لم يدعه أحد قبل الدكتور فيما علمت فلا قيمة له
والأخرى: أن القصة لم تأت بإسناد تقوم به الحجة وأشهر طرقها ما رواه محمد بن إسحاق عن جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر عن حليمة بنت الحارث السعدية
أخرجه أبو يعلى (ق ١٢٨ / ١) وعنه ابن حبان (٢٠٩٤ - موارد) وأبو نعيم في (دلائل النبوة) (١ / ٤٧) عن ابن إسحاق به وأخرجه البيهقي في (دلائل النبوة) (١ / ١٠٨) عنه أيضا إلا أنه قال: حدثنا جهم بن أبي الجهم - مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب وكان يقال: مولى الحارث بن حاطب - قال: حدثنا من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حدثت عن حليمة بنت الحارث
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علتان:
الأولى: الاضطراب في إسناده كما هو ظاهر ففي الرواية الأولى عنعنة ابن إسحاق من جميع رواته وفي الأخرى تصريحه بالتحديث مع تصريح الجهم بأنه لم يسمعه من عبد الله بن جعفر وتصريح هذا بأنه لم يسمعه من حليمة فعلى الرواية الأولى فيه انقطاع بين ابن إسحاق والجهم لأن الأول مشهور بالتدليس وعلى الرواية الأخرى الانقطاع في موضعين منه ومنه تعلم وهم الحافظ في (الإصابة) حيث قال (٤ / ٢٦٦) : (وصرح ابن حبان في (صحيحه) بالتحديث بين عبد الله وحليمة) فإنه لا أصل لهذا التحديث عند ابن حبان ولا عند غيره ممن ذكرنا ويستبعد جدا أن يدرك عبد الله بن جعفر حليمة مرضعة الرسول ﷺ فإنه لما توفي النبي ﷺ كان عبد الله ابن عشر سنين وهي وإن لم يذكروا لها وفاة فمن المفروض عادة أنها توفيت قبل رسول الله ﷺ والله أعلم
[٣٩]
стр. 50
وسواء كان الراجح الرواية الأولى أو الأخرى فالإسناد منقطع لا محالة والعلة الأخرى أن مداره على جهم بن أبي الجهم وهو مجهول الحال قال الذهبي في (الميزان) : (لا يعرف له قصة حليمة السعدية)
وأما ابن حبان فذكره في (الثقات) (١ / ٣١) على قاعدته في توثيق المجهولين وللقصة عند أبي نعيم طريقان آخران مدارهما على الواقدي وهو كذاب أحدهما عن شيخه موسى بن شيبة وهو لين الحديث كما قال الحافظ في (التقريب) والأخرى عن عبد الصمد بن محمد السعدي عن أبيه عن جده قال: حدثني بعض من كان يرعى غنم حليمة. . . وهؤلاء مجهولون
стр. 51
٢ - قال (١ / ٥٥) : (وجزع النبي ﷺ بسبب ذلك جزعا عظيما حتى أنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال)
قلت: هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في آخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور (١ / ٥١ - ٥٣) وهو عند البخاري في أول (التعبير) (١٢ / ٢٩٧ - ٣٠٤ فتح) من طريق معمر: قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة. . . فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: (حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له
[٤٠]
стр. 52
جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك)
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (٦ / ٢٣٢ - ٢٣٣) وأبو نعيم في (الدلائل) (ص ٦٨ - ٦٩) والبيهقي في (الدلائل) (١ / ٣٩٣ - ٣٩٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر به
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (١ / ٩٨) لكنه لم يسق لفظه وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب وليس فيه الزيادة وكذلك أخرجه مسلم وأحمد (٦ / ٢٢٣) من طريق عقيل بن خالد: قال ابن شهاب به دون الزيادة وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به
قلت: ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة
الأخرى: أنها مرسلة معضلة فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في (الفتح) (١٢ / ٣٠٢) وقال: (وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا)
قلت: وهذا مما غفل عنه الدكتور أو جهله فظن أن كل حرف في (صحيح البخاري) هو على شرطه في الصحة ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة
واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها كما بينته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) برقم (٤٨٥٨) وأشرت إلى ذلك في التعليق على (مختصري لصحيح البخاري) (١ / ٥) يسر الله تمام طبعه
[٤١]
стр. 53
وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول إنها زيادة منكرة من حيث المعنى لأنه لا يليق بالنبي ﷺ المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا) أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في (تخريج الحلال والحرام) برقم (٤٤٧)
стр. 54
٣ - قال (١ / ١١٥) : (وكان ﵇ قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثليهما مساء كما كان يفعل إبراهيم ﵇
أقول: لا أعرف لهذا الحديث إسنادا فإن كان الدكتور قد وقف عليه فليذكر لنا مصدره لندرسه وما إخاله يصح نعم ذكر ابن سيد الناس في (عيون الأثر) (١ / ٩١) عن مقاتل بن سليمان: (فرض الله أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرض الخمس ليلة المعراج) ثم ذكر نحوه عن الحربي (١ / ١٤٩) ونقل عن ابن عبد البر أنه قال:
(لا يوجد هذا في أثر صحيح) ثم أشار ابن سيد الناس (١ / ١٥٢) إلى تضعيف قول الحربي
قلت: ومقاتل بن سليمان متروك شديد الضعف قال الحافظ: (كذبوه وهجروه ورمي بالتجسيم)
стр. 55
٤ - قال (ص ١٤٧) : (ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ فقد روى علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ أنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما (وفيه أنه قال:) (من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا
[٤٢]
стр. 56
الوادي) قال علي: فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه. أسد الغابة ج ٤ ص ٥٨)
قلت: وعليه مؤاخذتان:
أولا: قوله: (ولم يهاجر. . .) هذا النفي ما مستنده؟ فإن الرواية التي ذكرها عن علي رضي الله عن هـ ليس فيها شيء من ذلك وإن كان عمدة الدكتور فيه إنما هو أنه لم يعلم ذلك إلا عن عمر فالجواب أن العلماء يقولون: إن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه. وهذا إذا صدر النفي من أهل العلم فكيف إذا كان من مثل الدكتور البوطي؟
ثانيا: جزمه بأن عمر رضي الله عن هـ هاجر علانية اعتمادا منه على رواية علي المذكورة وجزمه بأن عليا رواها وليس صوابا لأن السند بها إليه لا يصح وصاحب (أسد الغابة) لم يجزم أولا بنسبتها إليه رضي الله عن هـ وهو ثانيا قد ساق إسناده بذلك إليه لتبرأ ذمته ولينظر فيه من كان من أهل العلم وقد وجدت مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني: حدثنا عبد الله بن القاسم الأملي (كذا الأصل ولعله الأيلي) عن أبيه بإسناده إلى علي وهؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين فإن أحدا من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقا فهل وجدهم الدكتور وعرف عدالتهم وضبطهم حتى استجاز لنفسه أن يجزم بصحة الرواية عن علي أم شأنه فيها كشأنه في غيرها إنما هو جماع حطاب أو كما تقول العامة عندنا في الشام: (خبط لزء) ثم هو إلى ذلك يدعي أنه اعتمد على الروايات الصحيحة
стр. 57
٥ - قال: (٢ / ١٢) : (فقال (عمر) : (أكن الناس من المطر وإياك [أن] (١) تحمر أو تصفر فتفتن الناس) . إعلام الساجد ٣٣٧)
قلت: هذا الأثر قد رواه البخاري في (باب بنيان المسجد) من
стр. 58
(صحيحه) معلقا مجزوما به (١) فترك الدكتور العزو إليه مع إفادته الصحة إلى عزوه إلى (الإعلام) الذي لا يفيد الصحة تقصير لا يغتفر من مثله لو كان من أهل العلم بالحديث فإن من المعلوم عندهم أنه لا ينبغي عزو حديث هو في (الصحيحين) أو أحدهما إلى السنن الأربعة فضلا عمن دونهم فكيف يجوز عزوه إلى من هو دونهم جميعا كالزركشي صاحب (إعلام الساجد) ؟ قال مغلطاي: (ليس لحديثي عزو حديث في أحد الستة لغيرها إلا لزيادة ليست فيها أو لبيان سنده ورجاله) . نقله المناوي في (فيض القدير) (١ / ٢٨٠)
стр. 59
٦ - قال (٢ / ٦٩) : (وأما ما روي أنه ﷺ صلى عليهم (يعني شهداء أحد) عشرة عشرة وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين مرة: فضعيف وخطأ راجع مغني المحتاج ١ / ٣٩٩)
قلت: هذا نوع جديد من تخاليط الدكتور فإنه لم يقنع وبأنواع من الأخطاء التي كشفنا الغطاء عنها فيما مضى لا سيما ما كان منها من الأحاديث الضعيفة التي صححها حتى جاء الآن بنمط جديد من الخطأ ألا وهو تضعيف ما صح من الأخبار فإن هذا الحديث له طرق كثيرة وبعضها حسن وساق الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) (٢ / ٣٠٩ - ٣١٣) قسما كبيرا منها وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الدراية) (١ / ٢٤٣ - ٢٤٤) و (تلخيص الحبير) (١ / ١١) ومال إلى تقويته وهو الذي لا يستطيع خلافه كل حديثي وقف على تلك الطرق ولذلك أوردته في كتابي المفرد: (أحكام الجنائز وبدعها) المسألة (٧٠) على أن في الصلاة على حمزة وغيره من الشهداء أحاديث أخرى بعضها صحيح ذكرته في المسألة (٢٢ و ٦٠) من الكتاب المذكور
стр. 60
وقد يسترعي انتباه القاريء اللبيب تضعيف الدكتور لهذا الحديث على خلاف عادته ولأول مرة في كتابه فيتساءل عن السبب في ذلك؟ فأقول: لما كان الدكتور شافعي المذهب متعصبا له كما يدل عليه معالجته لبعض المسائل الفقهية في هذا الكتاب وكان الحديث ينص على مشروعية الصلاة على الشهداء ومذهبه يقول بعدم مشروعيتها (١) لذلك ضعفه لا لأن المنهج العلمي الحديثي يقتضي بضعفه كيف والحافظ ابن حجر قد قواه مع أنه شافعي المذهب أيضا كما هو معلوم
وإن مما يسترعي الانتباه أيضا إحالة الدكتور في تضعيف الحديث على كتاب (مغني المحتاج) فإن هذا من كتب الفقه ومن المعروف عند أهل العلم أنه يجب الرجوع في كل علم إلى أهل الاختصاص فيه فهلا أحال الدكتور على كتاب من كتب الحديث الموثوقة كالتي ذكرت آنفا؟ فهل يرضى الدكتور أن يحيله أحد في مسألة فقهية على كتاب من كتب الحديث كالسنن وغيرها؟
نعم لو أن صاحب (مغني المحتاج) وهو الشيخ محمد الشربيني الخطيب (٢) كان من المعروفين باشتغاله بعلم الحديث وتحقيقه فيه - بالإضافة إلى معرفته بالفقه الشافعي - لكانت الإحالة المذكورة مقبولة بعض الشيء ولكنه لم يعرف بشيء من ذلك أصلا بل إن كتابه المذكور ليدل دلالة بينة على أنه بعيد جدا عن هذا العلم الشريف بعد غيره عنه بل لعله سلفه في ذلك فانظر إليه مثلا يقول (١ / ٥) : (وفي (الإحياء) أن النبي ﷺ قال: قليل من التوفيق خير من كثير من العلم وفي بعض الروايات (العقل بدل العلم) . فمتى كان كتاب (الإحياء) للغزالي مرجعا لأهل العلم في الحديث وهو الذي
стр. 61
عرف عند المبتدئين في هذا العلم بأنه مكتظ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة وبما لا أصل له من الحديث ومنه هذا الحديث بالذات فقد قال الحافظ العراقي في (تخريجه) (١ / ٣٨) : (لم أجد له أصلا) ويقول (١ / ١٣) : (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان إذا انتهى في النسب إلى عدنان أمسك ثم يقول: كذب النسابون)
قلت: وهذا حديث موضوع كما بينته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) رقم (١١١) وقوله (١ / ٤٥) في حديث الشيخين: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا) : (وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود وهي قوله ﷺ : من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) وهي رواية ضعيفة لا تصلح للصرف المذكور ضعفها البيهقي والعسقلاني كما بينته في كتابي (ضعيف سنن أبي داود) رقم (٨) وقوله (١ / ٥١٢) : (روى البخاري: من صلى علي عند قبري وكل الله ملكا يبلغني وكفى أمر دنياه وآخرته وكنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة) وهذا عزوه للبخاري خطأ فاحش فإنه حديث موضوع كما بينته في السلسلة المذكورة: رقم (٢٠٣) ولعله رآه معزوا لابن النجار فظنه محرفا عن البخاري فعزاه إليه بسوء تصرفه وعدم علمه بأن في المحدثين من يعرف ب (ابن النجار) وهو مؤلف (تاريخ المدينة) المعروف ب (الدرر الثمينة) فقد أخرج طرفه الأول منه ثم ذكر الشربيني بعده بسطور حديث (من حج ولم يزرني فقد جفاني) وقال: رواه ابن عدي في (الكامل) وغيره ثم قال: (وهذا يدل على أنه يتأكد للحاج أكثر من غيره)
قلت: نعم بل هو يدل على أن زيارته ﷺ فرض لأن جفوته ﷺ معصية وتركها واجب ولكننا نقول له ولأمثاله: أثبت العرش ثم انقش فإن الحديث المذكور موضوع بشهادة الأئمة النقاد مثل
[٤٦]
стр. 62
ابن الجوزي والصغاني والزركشي والذهبي وغيرهم كما بيناه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) (٤٥) وبسط الكلام عليه الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص ٧٥ - ٨٠) وختمه بقوله: (والحاصل: أن هذا الحديث لا يحتج به ولا يعتمد عليه إلا من أعمى الله قلبه وكان من أجهل الناس بعلم المنقولات)
ثم ذكر في نفس الصفحة حديث توسل آدم بالنبي ﷺ وهو موضوع أيضا كما قال الحافظ الذهبي وغيره وقد تكلمت عليه في السلسلة المشار إليها آنفا برقم (٢٥)(١) إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي لو تتبعت لكان منها مجلد ضخم هذا حال مؤلف (مغني المحتاج) الذي أحال عليه الدكتور البوطي لمعرفة ضعف الحديث المذكور ومنه يعرف اللبيب حال المحيل عليه في هذا العلم الشريف
стр. 63
٧ - قال (٢ / ١٧٢) : (روي عن أنس رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى)
قلت الحديث في (صحيح مسلم) (٦ / ١٦٦) فتصديره إياه بقوله (روي) مشعر بأنه ضعيف عنده أوأنه لا يعلم صحته أوأنه يجهل أن هذه الصيغة ونحوها مما بني على المجهول موضوعة عند المحدثين للحديث الضعيف وأنه لا يجوز تصدير الحديث الصحيح بها هذه أمور ثلاثة لا بد للدكتور من أن يلزمه أحدها ولعل آخرها ألزمها به فإنه من الجمهور الذي لا يهتم بالتزام قواعد علماء الحديث كما نبه على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى وهذا إذا كان الدكتور على علم بها
قال النووي في مقدمة كتابه العظيم: (المجموع شرح المهذب) (١ / ٦٣) : (قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفا
[٤٧]
стр. 64
لا يقال فيه: قال رسول الله ﷺ أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم وما أشبه ذلك من صيغ الجزم وكذا لا يقال فيه: روى أبو هريرة أو قال أو ذكره أو أخبر أو حدث أو نقل أو أفتى وما أشبهه
وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفا فلا يقال في شيء من ذلك بصيغة الجزم وإنما يقال في هذا كله: روي عنه أو نقل عنه أو حكي عنه أو بلغنا عنه أو يقال أو يذكر أو يحكى أو يروى أو يرفع أو يعزى وما أشبه ذلك من صيغ التمريض وليست من صيغ الجزم قالوا: فصيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن وصيغ التمريض لما سواهما وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن يطلق إلا فيما صح وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه ﷺ وهذا الأدب أخل به المصنف وجماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل جماهير أصحاب العلوم مطلقا ما عدا حذاق المحدثين وذلك تساهل قبيح فإنهم يقولون كثيرا في (الصحيح) : روي عنه وفي (الضعيف) : قال وروى فلان وهذا حيد عن الصواب)
قلت: وقد وقع الدكتور في القبيحتين كلتيهما ففي هذا الحديث الصحيح قال: (روي وفي تلك الأحاديث الضعيفة على كثرتها لم يصدر واحدا منها بصيغة التمريض وإنما بصيغة الجزم
стр. 65
٨ - قال (٣ / ١٨١) وقد ذكر قصة تبييت بني بكر خزاعة ليلا وخروج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بما أصابهم قال: (فقام وهو يجر رداءه قائلا: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي) وقال: (إن هذا السحاب ليستهل بنصر بني كعب) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق وهذا النص من رواية ابن سعد. قال ابن حجر: ورواه البزار والطبراني وموسى بن عقبة وغيرهم)
[٤٨]
стр. 66
قلت: في هذا التخريج والعزو أوهام ينبغي بيانها:
أولا: أن القصة ليست من (ما صح من أخبار السيرة) لأنها بهذا النص عند ابن سعد (٢ / ١٣٤) وابن إسحاق (٤ / ٣٢ - ٣٧) بدون إسناد فكيف يمكن الحكم عليها بالصحة؟
ثانيا: هذا النص لم يروه البزار أصلا فعزوه إليه وادعاء أن ابن حجر عزاه إليه خطأ مزدوج فإن كلامه صريح في غير ما نسب الدكتور إليه فإنه ذكر القصة من طريق ابن إسحاق وعنده أن الخزاعي لما قدم على النبي ﷺ وهو جالس في المسجد قال:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
الخ الأبيات فقال الحافظ (٧ / ٤١٩) : (وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول ولكن رواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة مرسلا وأخرجه أيضا من رواية أيوب عن عكرمة مرسلا مطولا. . . وأخرجه عبد الرزاق من طريق مقسم عن ابن عباس مطولا وليس فيه الشعر وأخرجه الطبراني من حديث ميمونة بنت الحارث مطولا. . . وعند موسى بن عقبة في هذه القصة: قال: ويذكر أن. . .)
قلت: فتبين من كلام الحافظ أن البزار لم يرو القصة وإنما روى منها بعض الأبيات فعزوها إليه خطأ واضح. وإسناد الطبراني ضعيف كما ذكرته في (تخريج الفقه) (ص ٤٠٤) لكن يظهر من مجموع طرقها أن لها أصلا في الجملة والتحقيق يقتضي تتبع ألفاظ هذه الطرق فما اتفقت عليه منها فهو الثابت وهذا يتطلب الوقوف على بعض المصادر التي ذكرها الحافظ مثل كتاب ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وذلك من غير الميسور الآن
[٤٩]
стр. 67
ثالثا: تبين من كلام الحافظ الذي ذكرته آنفا أن موسى بن عقبة لم يسق الحديث بالإسناد وإنما علقه بقوله: (ويذكر) فقول الدكتور أن الحافظ قال عطفا على البزار والطبراني: (وموسى بن عقبة) فيه إيهام أنه رواه بإسناده وهذا يخالف الواقع في كلام الحافظ كما ذكرنا وإنما أتي الدكتور من قلة معرفته بفن التخريج ففي مثل هذا ينبغي أن يقال: (وموسى بن عقبة معلقا) وكذلك ينبغي أن يقال في رواية ابن إسحاق وابن سعد لهذه القصة دفعا لما يوهم خلاف الواقع
إنكار الدكتور وجود الزيادة في (الطبقات) وهي فيه
стр. 68
٩ - ثم ذكر (٢ / ١٦٧) قصة بعث النبي ﷺ عبد الله بن حذافة بكتاب معه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ثم قال: (خبر كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى بهذا التفصيل من رواية ابن سعد في طبقاته وقد ذكر ذلك البخاري أيضا مختصرا. . . وقد أسند الشيخ ناصر في تعليقاته على كتاب فقه السيرة للغزالي إلى ابن سعد زيادة على ما ذكرناه لم نجدها في طبقاته وهي أن النبي ﷺ رأى شواربهما (أي الرسولين الذين أرسلهما إليه باذان) مفتولة وخدودهما محلوقة فأشاح عنهما وقال: ويحكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا يعنيان كسرى. فهذه الزيادة لم نجدها في رواية ابن سعد)
قلت: لو أنك يا دكتور قرأت (الطبقات) بإمعان ونظر وتدبر فكر لوجدت الرواية التي تجزم بنفيها أو على الأقل لو أحسنت الرجوع إليه والبحث فيه لوجدتها ولكن من كان عاجزا عن استخراج ترجمة فضالة الليثي من كتاب (الإصابة) وتراجمه مرتبة على حروف ألف باء (١) فبالأحرى أن يعجز عن استخراج هذا الحديث من (الطبقات) وأحاديثه غير مرتبة على طريقة تشبه في سهولة العثور على المطلوب منه طريقة ترتيب التراجم ثم إن من يقرأ قول الدكتور
стр. 69
في هذه الزيادة (ولم نجدها في طبقاته) ليتبادر إلى ذهنه أن الدكتور قرأ (الطبقات) كله واستخرج منه فوائده وكنوزه أودعها كتابه هذا ولكنه مع ذلك لم يجد الزيادة فيها والحقيقة أن الدكتور لم يفعل ذلك بل هو لم يتعب نفسه البتة - والله أعلم - في سبيل البحث عن هذه الزيادة في (الطبقات) وكل الذي فعله أنه رجع إليه في الفصل الخاص ببعثة رسول الله ﷺ الرسل بكتبه إلى الملوك. . . هذا الفصل الذي نقل منه الدكتور القصة المشار إليها آنفا لم يتعده إلى غيره أصلا ولو فرضنا أنه تعداه فذلك دليل واضح على أن الدكتور لم يتمرن بعد على طريقة البحث والتحقيق وأن بعض طلبته خير منه في هذا السبيل كما يأتي بيانه فإن الحديث الذي يتعقبني فيه لما كنت خرجته في التعليق على (فقه السيرة) للشيخ الغزالي لم يكن تخريجي إياه على طريقة الدكتور الغالبة عليه وهي العزو المهمل من ذكر الأجزاء والصفحات كلا فقد قلت في تخريجه (ص ٣٨٩) :
(حديث حسن أخرجه ابن جرير (٢ / ٢٦٧ - ٢٦٧) عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا وابن سعد في (الطبقات) (ج ١ ق ٢ ص ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد الله مرسلا أيضا وسنده صحيح ووصله ابن بشران في (الأمالي) من حديث أبي هريرة بسند واه وفيه من الطرق الثلاث زيادة كان يحسن إيرادها وهي: (لكني أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأن أحفى شاربي)
ففي قولي: " ج " كذا " قسم " كذا " صفحة " كذا أكبر تنبيه للقاريء العادي بله الدكتور أن هذا الحديث في (الطبقات) في مكان آخر غير المكان الذي نقل هو منه القصة المشار إليها فيما سبق وفيه تنبيه آخر وهو قولي (عن عبيد الله مرسلا أيضا وسنده صحيح) . ووجه التنبيه يعرفه الدكتور جيدا فإنه يعلم أن القصة ليس لها إسناد عند ابن سعد بخلاف هذا فكل ذلك كان كافيا لينبه الدكتور على أن لا يبادر بالنقد والإنكار ولكن يبدو أن الإناء امتلأ فلا بد أن ينضح بما فيه نعم لقد وجدنا له عذرا في ذلك ولكنه عذر لا يليق بمقام دكتور مثله
[٥١]
стр. 70
وقد يقبل ممن هو دون مستوى أي طالب من طلابه في كلية الشريعة وهو أن رقم الصفحات المشار إليها (١٤٧) سقط من الآلة الطابعة رقم المئات منها فصار هكذا (ص ٤٧) (١) فمن المحتمل أن الدكتور لم يبحث مطلقا وكل ما فعله أنه رجع إلى هذا الرقم فلما لم يجد الزيادة فيه قال: (لم نجدها في طبقاته) ولو أنه أنصف وكان مخلصا في نقده لقال: (لم نجدها في المكان الذي أشار إليه الألباني من (الطبقات) ولكنه يريد أن يتشبع بما لم يعط وأن ينقد بغير حق فما يكون جزاء من يفعل ذلك إلا أن يصدق فيه قول القائل: (وعلى الباغي تدور الدوائر)
ثم إن الدكتور آثر رواية ابن سعد التي لا إسناد لها على رواية البخاري في (صحيحه) لا لشيء إلا لأنها مفصلة ورواية البخاري مختصرة ثم هو يزعم أنه اعتمد على ما صح من الأخبار لقد صرت أعتقد أن الصحة التي يعنيها الدكتور غير الصحة التي يعنيها أهل العلم فما هي؟ لست أدري إلا أن تكون هي التي توافق هوى الشخص ومزاجه كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين فهل تأثر بهم الدكتور؟ إذا كان الجواب: لا فإذن ما هي الصحة التي يعنيها وهو يسوق عشرات النصوص على أنها صحيحة وهي ليست كذلك على قواعد أهل العلم ما هيه إذن ما هيه؟ (٢)
стр. 71
١٠ - قال (٢ / ٢٨٧) : (فقد روي عن عائشة رضي الله عن ها أنه ﷺ لما رجع من البقيع استقبلته
стр. 72
وهي تقول: وارأساه فقال لها ﷺ بل أنا والله يا عائشة وارأساه. رواه ابن إسحق وابن سعد)
[٥٣]
стр. 73
قلت: فيه مؤاخذات:
الأولى: اقتصاره في تخريجه على ابن إسحاق وابن سعد وهو يشعر أنه لم يروه من هو أشهر منهما وليس كذلك فقد أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي كما هو مخرج في كتابي (أحكام الجنائز وبدعها) (ص ٥٠ - طبع المكتب الإسلامي)
والأخرى: تصديره إياه بقوله: (روي) المشعر بأنه ضعيف في اصطلاح المحدثين كما هو مقرر في علم (المصطلح) ونبه عليه الإمام النووي في مقدمة كتابه (المجموع شرح المهذب) . والدكتور في هذا التصدير مخطيء سواء كان يعلم هذا الاصطلاح ووضعه في محله عنده أم لا
أما الأول فلأن إسناده ثابت كما بينته في المصدر السابق فكيف يصدره بصيغة التمريض إن كان يعلم
وأما الآخر وهو أن يكون لا علم عنده بهذا الاصطلاح أو عنده علم به ولكنه وضعه في محله بزعمه فهو زعم باطل كما سبق
من جهله في التخريج وافتراؤه فيه وإصراره عليه
стр. 74
١١ - ذكر (٢ / ٢٨٩ - ٢٩٠) قصة صلاته ﷺ بالناس في مرض موته وفيها: (فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر)
ثم قال معلقا عليه: (رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ومسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس وغيرهم ومن العجيب أن الشيخ ناصر خرج هذا الحديث في تخريجه لأحاديث فقه السيرة للغزالي فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجه فقط وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحق السبيعي مع أن الحديث متفق عليه وله طرق غير هذا الذي اهتم بتحقيقه. . .)
[٥٤]
стр. 75
قلت: الذي أعتقده أن القاريء الكريم سيتعجب من تعجب الدكتور إذا ما كشفنا ما في كلامه من تحامل مكشوف وجهل فاضح بعلم التخريج وبين يدي ذلك لا بد من أن أنقل كلامي في تخريج الحديث الذي أشار إليه الدكتور فأبدأ أولا بذكر نصه في كتاب (الفقه) ثم أثني بكلامي عليه قال فضيلة الشيخ الغزالي حفظه الله تعالى (ص ٥٠١) :
(قال ابن عباس: لما مرض النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ثم وجد خفة فخرج فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص فأومأ إليه الرسول ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بأبي بكر)
فقلت في تخريجه ما نصه: (صحيح أخرجه أحمد (٢٠٥٥ و ٣٣٣٠ و ٣٣٥٥) وابن ماجة (١ / ٣٧٣) من طريق أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس ورجاله ثقات لكن أعله البوصيري بأن أبا إسحق - وهو السبيعي - اختلط بآخر عمره وكان مدلسا وقد رواه بالعنعنة. قلت: لكن تابعه عبد الله بن أبي السفر إلا أنه قال: عن ابن عباس عن العباس فجعله من مسند العباس وهذا اختلاف يسير لا يضر في صحة الحديث إن شاء الله. وقد رواه من هذا الوجه أحمد أيضا (١٧٨٤ و ١٧٨٥)
فإذا وقفت أيها القاريء الكريم على تخريجي هذا وقابلته بما نسبه الدكتور إلي تبين لك الحقيقتان الآتيتان:
الأولى: أن الحديث الذي خرجته هو غير الحديث الذي قال الدكتور فيه رواه البخاري. . . الخ. ويدل على ذلك أمران اثنان:
الأول: أن فيه قوله: (واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر) وهذا ليس في حديث الشيخين
[٥٥]