١٠ - قال (٢ / ٢٨٧) : (فقد روي عن عائشة رضي الله عن ها أنه ﷺ لما رجع من البقيع استقبلته
стр. 72
وهي تقول: وارأساه فقال لها ﷺ بل أنا والله يا عائشة وارأساه. رواه ابن إسحق وابن سعد)
[٥٣]
стр. 73
قلت: فيه مؤاخذات:
الأولى: اقتصاره في تخريجه على ابن إسحاق وابن سعد وهو يشعر أنه لم يروه من هو أشهر منهما وليس كذلك فقد أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي كما هو مخرج في كتابي (أحكام الجنائز وبدعها) (ص ٥٠ - طبع المكتب الإسلامي)
والأخرى: تصديره إياه بقوله: (روي) المشعر بأنه ضعيف في اصطلاح المحدثين كما هو مقرر في علم (المصطلح) ونبه عليه الإمام النووي في مقدمة كتابه (المجموع شرح المهذب) . والدكتور في هذا التصدير مخطيء سواء كان يعلم هذا الاصطلاح ووضعه في محله عنده أم لا
أما الأول فلأن إسناده ثابت كما بينته في المصدر السابق فكيف يصدره بصيغة التمريض إن كان يعلم
وأما الآخر وهو أن يكون لا علم عنده بهذا الاصطلاح أو عنده علم به ولكنه وضعه في محله بزعمه فهو زعم باطل كما سبق
من جهله في التخريج وافتراؤه فيه وإصراره عليه
стр. 74
١١ - ذكر (٢ / ٢٨٩ - ٢٩٠) قصة صلاته ﷺ بالناس في مرض موته وفيها: (فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر)
ثم قال معلقا عليه: (رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ومسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس وغيرهم ومن العجيب أن الشيخ ناصر خرج هذا الحديث في تخريجه لأحاديث فقه السيرة للغزالي فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجه فقط وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحق السبيعي مع أن الحديث متفق عليه وله طرق غير هذا الذي اهتم بتحقيقه. . .)
[٥٤]
стр. 75
قلت: الذي أعتقده أن القاريء الكريم سيتعجب من تعجب الدكتور إذا ما كشفنا ما في كلامه من تحامل مكشوف وجهل فاضح بعلم التخريج وبين يدي ذلك لا بد من أن أنقل كلامي في تخريج الحديث الذي أشار إليه الدكتور فأبدأ أولا بذكر نصه في كتاب (الفقه) ثم أثني بكلامي عليه قال فضيلة الشيخ الغزالي حفظه الله تعالى (ص ٥٠١) :
(قال ابن عباس: لما مرض النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ثم وجد خفة فخرج فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص فأومأ إليه الرسول ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بأبي بكر)
فقلت في تخريجه ما نصه: (صحيح أخرجه أحمد (٢٠٥٥ و ٣٣٣٠ و ٣٣٥٥) وابن ماجة (١ / ٣٧٣) من طريق أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس ورجاله ثقات لكن أعله البوصيري بأن أبا إسحق - وهو السبيعي - اختلط بآخر عمره وكان مدلسا وقد رواه بالعنعنة. قلت: لكن تابعه عبد الله بن أبي السفر إلا أنه قال: عن ابن عباس عن العباس فجعله من مسند العباس وهذا اختلاف يسير لا يضر في صحة الحديث إن شاء الله. وقد رواه من هذا الوجه أحمد أيضا (١٧٨٤ و ١٧٨٥)
فإذا وقفت أيها القاريء الكريم على تخريجي هذا وقابلته بما نسبه الدكتور إلي تبين لك الحقيقتان الآتيتان:
الأولى: أن الحديث الذي خرجته هو غير الحديث الذي قال الدكتور فيه رواه البخاري. . . الخ. ويدل على ذلك أمران اثنان:
الأول: أن فيه قوله: (واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر) وهذا ليس في حديث الشيخين
[٥٥]
стр. 76
والآخر: أنه من حديث ابن عباس وحديث الشيخين إنما هو من حديث عائشة كما لا يخفى على من رجع إلى المواطن التي أسماها الدكتور من تلك الكتب وإذا كان كذلك فلا يجوز عند أحد أوتي ذرة من المعرفة بهذا العلم عزو حديث ابن عباس للصحيحين لمجرد أنهما أخرجا أصل الحديث من رواية عائشة رضي الله عن ها. أي فلا يجوز لأحد سليم العقل والعلم أن يقول في حديث ابن عباس: (أخرجه الشيخان) فإنه كذب واضح عليهما وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى برهان ولا يناقش فيه أحد من طلاب العلم ولذلك استدركه على الشيخين الضياء المقدسي فأورده في كتابه الذي سماه (الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم) (٥٨ / ١٨٥ / ١) . فهل خفي هذا على الدكتور حتى تعجب من عزو الحديث إلى أحمد وابن ماجه فقط أم الأمر كما قيل:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
نسأل الله السلامة
والحقيقة الأخرى: هي أنني صححت الحديث وصرحت بذلك في مطلع التخريج ثم حكيت ما أعله البوصيري ثم رددته بالمتابعة المذكورة فكيف جاز للدكتور أن يوهم القراء أني ضعفت الحديث بقوله: (وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه. . .) أفيفعل هذا من يخاف الله؟ (١)
جهله الفرق بين حديث البخاري الصحيح وحديث الترمذي الضعيف إسنادا ومتنا ثم محاولته ستر ذلك باللف والدوران
стр. 77
١٢ - قال (٢ / ٢٩١) : (كان بين يديه (يعني النبي ﷺ ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات. رواه البخاري في باب مرض الرسول ﷺ . . . وهذا أيضا مما وهم الشيخ ناصر في تخريجه فقد قال عنه: ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن (كذا) طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة. . . وهو مروي في البخاري بطريق غير هذا)
قلت: هذا تدليس بل جهل آخر من الدكتور كنت أود أن لا يتردى
[٥٧]
стр. 78
فيه فأنا لم أخرج البتة هذا النص الذي أورده من رواية البخاري وإنما خرجت نصا آخر في كتاب الشيخ الغزالي بلفظ: (ويقول: اللهم أعني على سكرة الموت) فهذا هو الذي ضعفته وعزوته للترمذي وذكرت في تخريجه (٤٩٩) أن الترمذي نفسه ضعفه بقوله: (حديث غريب) وقلت: (يعني ضعيف لأن موسى هذا لم يوثقه أحد فهو مجهول)
فهل الدكتور لا يفرق بين رواية البخاري التي هي بلفظ: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات) . وبين رواية الترمذي التي تقول: (اللهم أعني على سكرة الموت) ؟ إذا كان الدكتور لا يفرق بينهما كما يدل عليه كلامه المذكور فقد سقط الكلام معه إذ الأمر حينئذ كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وإن كان يفرق بينهما كما هو الظاهر لكل ذي عينين فأين الوهم المزعوم يا حضرة الدكتور وما غرضك من ادعائك إياه؟
بل أقول: إنك أنت الواهم أيها الدكتور لأنك تريد مني أن
[٥٨]
стр. 79
أعزو لفظ الترمذي الذي ضعفه الترمذي نفسه إلى البخاري الذي لفظه مغاير للفظ الترمذي وهذا لا يجوز عند من شم رائحة هذا العلم الشريف
وخطأ الدكتور في هذا الحديث كخطئه في حديث ابن عباس المتقدم فكما أراد مني هناك أن أعزوه للشيخين اللذين أخرجاه من حديث عائشة دون الزيادة لمجرد تعلقهما بحادثة واحدة فكذلك أراد مني مثله في هذا الحديث مع أنه ضعيف ويقيني أن الدكتور لا يعلم أن القواعد الحديثية تقتضي أن رواية الترمذي منكرة لمخالفتها لرواية البخاري الصحيحة مع اتحاد راوي الحديث وهي السيدة عائشة رضي الله عن ها لجهالة راويها وثقة راوي رواية البخاري (١)
وإذا كان هذا علم الدكتور في الحديث الشريف عشرات الأحاديث الضعيفة والمنكرة وما لا أصل له يسوقها بصيغة الجزم وقدم لها أنها مما صح من الأخبار وهي ليست كذلك ثم ينتقد غيره بدون علم ولا إنصاف فماذا يكون حال الكتاب في نصوصه الأخرى لو توجهت الهمة إلى نقدها؟
[٥٩]
стр. 80
وختاما فإني أنصح الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه وتمرس فيه مدة من الزمان وأن يكون رائده في ذلك النصح للمسلمين والإخلاص لرب العالمين بعيدا عن التأثر بخلق الحقد والحسد فذلك أجدى له وأنفع في الدنيا والآخرة قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (التقريب) (ص ٢٣٢) ما مختصره:
[٦٠]
стр. 81
(علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وهو من علوم الآخرة من حرمه حرم خيرا عظيما ومن رزقه نال فضلا جزيلا فعلى صاحبه تصحيح النية ويطهر قلبه من أغراض الدنيا وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب ثم ليفرغ جهده في تحصيله ولا يحملنه الشره على التساهل في التحمل فيخل بشيء من شروطه وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيره ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه فليتعرف صحته وضعفه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققا كل ذلك وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له وليحذر إخراج تصنيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكريره النظر فيه وليحذر من تصنيف ما لم يتأهل له)
وبهذه النصائح العظيمة أختم هذه البحوث الآن راجيا المولى أن ينفع بها كل من قرأها بقلب سليم. والحمد لله رب العالمين
[٦١]
стр. 82
تذييل
وبعد كتابة ما تقدم بزمن بعيد وقفت على الطبعة الثالثة من هذا الكتاب (فقه السيرة) للدكتور البوطي وقد زعم في مقدمتها (أن القاريء لن يرى فيها أي زيادة على الطبعة التي قبلها ولا شيئا من مظاهر التغيير والتبديل إلا ما لا بد منه إصلاحا وتنقيحا) . فوجدت فيها أخطاء عديدة وجهالات جديدة جاءت في الزيادات التي في الطبعة التي قبلها. يعني الطبعة الثانية ولم يتح لي الاطلاع على هذه الطبعة لنرى مدى مطابقة زعمه هذا للواقع فقد سبق للدكتور مثله في مقدمة الطبعة الثانية لرسالته (اللامذهبية) مع أن الواقع شهد بخلافه كما أثبت ذلك بالأرقام صاحبنا الأستاذ عيد عباسي في (ملحق بدعة التعصب المذهبي) ص (٥١ - ٥٨) ومن ذلك أنه كان عزا في الطبعة الأولى من (اللامذهبية) ص ٦١ حديثا للبزار والطبراني فقط فزاد في طبعتها الثانية (ص ٧٧) (وروى الشيخان عن عائشة قريبا منه بلفظ. . .) فذكره والعجيب أن هذا التخريج أخذه البوطي من رد الأستاذ عباسي عليه في (بدعة التعصب) دون أن يعزوه إليه تماما كما فعل في بعض تعديلاته السابقة التي نبهت عليها في الأحاديث الثلاثة المتقدمة (ص ٥٠ - ٥٩) (وانظر الملحق المشار إليه ص ٥٣)
ولا فائدة كبرى من التوسع في هذا المجال وإنما المهم الآن أن أنبه على تلك الأخطاء الجديدة كي لا يغتر بها القراء الكرام لا سيما وقد أكد المؤلف في مقدمتها أنه لم يسجل في كتابه هذا من أحداث السيرة إلا أهمها وأصحها فإن الدين النصيحة كما قال ﷺ ولأذكرها على الترتيب الذي وقعت في كتابه (الفقه) فأقول:
стр. 83
١ - قال (ص ٥٥ - ٥٦) تعليقا على قصة بحيرا: (باختصار عن سيرة ابن هشام ١ / ١٨٠ ورواه الطبري في تاريخه ٢ / ٢٨٧ (١) ورواه البيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلية ويوجد بين هذه الروايات بعض الخلاف في التفصيل وانفرد الترمذي بروايته مطولا على نحو آخر ولعل في سنده بعض اللين () فقد قال هو نفسه
[٦٢]
стр. 84
بعد أن رواه: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان: له مناكير ثم قال: أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق. . . في سفر النبي ﷺ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام وقال عنه ابن سيد الناس: في متنه نكارة (راجع عيون الأثر ١ / ٤٣) والغريب أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عنه - رغم هذا - في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة) للغزالي: إسناده صحيح ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله: هذا حديث حسن. . . ومن عادته أن يضعف ما هو أصح من هذا الحديث بكثير. هذا وأما القدر المشترك من القصة فثابت في الطبعة الأولى بطرق كثيرة لا يلحقها وهن)
وجوابا عليه أقول: إن أمر هذا الدكتور البوطي لعجيب حقا فإنه لم يكتف بما تعقبني به في تلك الأحاديث الثلاثة التي كان أخونا عيد كشف للناس عن جهله فيها فاضطر الدكتور إلى الاعتراف ببعض أخطائه والمكابرة في سواها في هذه الطبعة الثالثة كما سبق بيانه بل إنه عاد إلى الرد علي في هذا الحديث ليؤكد من جديد جهله في علم الحديث وإليك البيان:
أولا: عزوه القصة لابن هشام واعتماده عليه فيها دون الآخرين لا فائدة منه بل هو قلب للصواب لأنها عنده معلقة بدون إسناد وهي عند الآخرين مسندة فالاعتماد عليهم أولى
ثانيا: إن إسناد القصة منتقدة لدى الدكتور فلم يبق في يده شيء ثابت يعتمد عليه فكيف مع هذا يقول فيما تقدم نقله عنه اعتمدت أولا على صحاح السنة. ثانيا على ما صح من أخبار السيرة؟ فكيف يصح هذا الذي اختصر من (سيرة ابن هشام) ولا إسناد له وما من إسناد لا يعرج عليه بل وينتقده؟
ثالثا: قوله (وانفرد الترمذي بروايته مطولا. . .) ليس بصحيح
[٦٣]
стр. 85
فقد شاركه في روايته كذلك مطولا الطبري في الموضع الذي أشار إليه الدكتور طبع دار المعارف برقمه المذكور إلا أن الصواب فيه (٢ / ٢٧٨) وليس (٢ / ٢٨٧) وكذلك رواه الآخران وهذا مما يدل اللبيب أن الدكتور لا ينقل مباشرة عن كتب الأئمة وإلا لما وقع في هذا التقصير الواضح الفاضح
رابعا: قوله (والبيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلية) خطأ أيضا نشأ من جهل البوطي بكتب أئمة الحديث وعدم تقليبه إياها واستفادته منها وهو إنما ينقل عمن نقل عنها إلا نادرا وغالب الظن أنه نشأ من كونه رأى بعضهم عزاه للبيهقي وأبي نعيم فتوهم لقلة علمه أن المراد به كتابيهما (السنن) و (الحلية) وإنما المراد كتابيهما المسمى كل منهما ب (دلائل النبوة) وهو فيه عند أبي نعيم (١ / ٥٣) والبيهقي (١ / ٣٠٨ - ٣٠٩)
خامسا: قوله (لعل في سنده بعض اللين. . . إلى قوله: من هذا الوجه)
أقول:
أولا: ألا يكفي القاريء الكريم دلالة على جهل البوطي بهذا العلم قوله هذا؟ فإن الذي يريد أن يحقق الكلام على حديث ما لا سيما إذا كان في صدد الرد على غيره كما هو شأن الدكتور هنا لا يسوق الكلام بهذا الوهن كالذي يقال فيه: يقدم رجلا ويؤخر أخرى متوكئا على عصاه (لعل) وهي كلمة طمع وإشفاق كما هو معلوم
وثانيا: إن سلمنا أن في السند بعض الوهن فماذا وما معنى الانتقاد حينئذ وتسويد الورق وإضاعة الوقت على القراء وكل دارس لعلم المصطلح يعلم أن الحديث الحسن فيه بعض الضعف لأنه فوق الحديث الضعيف ودون الصحيح وكذلك راوي الحديث الحسن هو في الحفظ دون راوي الحديث الصحيح فكل حديث حسن فيه بعض اللين ولذلك فلا تعارض بين هذا وبين تحسين الترمذي إياه
والحقيقة أن في كلام البوطي على هذا الحديث ركة وعجمة وجهلا وعيا
[٦٤]
стр. 86
لا يتبين منه مراده لأن قوله هذا واستدلاله بما نقله عن الترمذي يمكن تفسيره بأنه يعني أن الحديث ليس صحيح الإسناد وإنما هو حسن فقط وقول الترمذي دليل على ذلك كما بينت آنفا وحينئذ فهل من أجل هذا الفرق الزهيد نصب نفسه للرد على تصحيح الألباني؟ ذلك مما لا أعتقده بدليل قوله بعد عني: (ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله: هذا حديث حسن) . فهذا يشعر القاريء اللبيب أنه يغمز مني لهذا التقصير في النقل عن الترمذي ولا يعقل وجه التقصير في منطق البوطي إلا على اعتبار أن عبارة الترمذي بتمامها أقرب إلى التضعيف منها إلى التصحيح من عبارته حسب نقلي عنه ولذلك غمز مني ولم يدر المسكين أن العكس هو الصواب عند غير البوطي ممن لهم معرفة بهذا العلم فإنهم يعلمون أن الحديث الذي يقول فيه الترمذي: (حسن غريب) هو أقوى من الحديث الذي يقول هو فيه: (حسن فقط) ذلك لأن قوله الأول يعني حديث حسن لذاته وقوله الآخر يعني حسن لغيره وقد أفصح عن هذا الأخير في آخر كتابه (السنن) وبينه الحافظ في (شرح النخبة) (ص ١١ - الميمنية) وصرح بعد ذلك (ص ٢٥) أن هذا منحط عن رتبة الحسن لذاته
[٦٥]
стр. 87
فإذا تبين هذا فهل يعقل أن يصدر الغمز المذكور من الدكتور لو كان يعلم أن قول الترمذي: (حديث حسن غريب) أعلى مرتبة من قوله: (حديث حسن) اللهم لا إذ أن هذا القول يفهم منه القاريء العارف بعلم المصطلح أن في إسناد الحديث ضعفا تقوى بمثله كما سبق ولو أن الدكتور كان يفهم هذا لكان صب انتقاده عليه ولأصاب حقا ولكنه لما كان لا يعلم هذه الحقيقة غفل عن هذا النقد الصحيح ووقع في ما ينتقد هو فيه لعدم دراسته لهذا العلم الشريف إلا بمقدار ما يحصل به الشهادة ثم. . . ﵇
ويلوح لي أن الذي غر الدكتور وأوقعه في هذا الخطأ الفاحش أن قول العلماء: (حديث غريب) يعنون أنه ضعيف غالبا ولم يعلم أن الغرابة قد تجامع الصحة فضلا عن الحسن أحيانا كما في قول الترمذي في هذا الحديث وهو كما يجمع أحيانا في الحديث الواحد بين لفظي: (حسن صحيح) ويجمع بين لفظي (حسن غريب) وكما أن الحديث الذي قال فيه (حسن صحيح) دون ما قيل فيه (صحيح) على وجه بينه الحافظ (ص ١٢) فتوهم الدكتور أن الحديث الذي قال فيه الترمذي: (حسن غريب) دون الذي قال فيه: (حسن) في علم البوطي محرم الاجتهاد فيما اختلف فيه الفقهاء والمجتهد اجتهادا مطلقا في علم الحديث والآتي فيه بما لم تستطعه الأوائل
سادسا: قوله (وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان: له مناكير ثم قال: أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق. . . في سفر النبي ﷺ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام)
قلت: وهذا مما يدل على جهل الدكتور بهذا العلم فإن قول الذهبي في ابن غزوان: (له مناكير) ليس جرحا يسقط الحديث عن درجة الثبوت ولو في مرتبة الحسن وذلك من وجهين:
الأول: أن قول الذهبي أو غيره في الراوي: (له مناكير) ليس بجرح مطلقا خلافا لصنيع البوطي هنا لا سيما إذا كان ثقة كما هو شأن ابن غزوان هذا على
[٦٦]
стр. 88
ما يأتي بيانه قال الذهبي في (الميزان) (١ / ٥٦) : (وما كل من روى المناكير ضعيف) . وقال الإمام ابن دقيق العيد: (قولهم: (روى مناكير) لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه) . (راجع فتح المغيث للسخاوي ١ / ٣٤٦ - ٣٤٧)
الثاني: أن ابن غزوان هذا قد وثقه جماعة منهم ابن المديني شيخ البخاري وابن نمير ويعقوب بن شيبة والدارقطني وغيرهم وأخرج له البخاري في (صحيحه) فقد جاوز القنطرة كما يقول الذهبي في أمثاله وصحح حديثه هذا جماعة يأتي ذكرهم ومنهم الحافظ ابن كثير فقد قال في (السيرة) (١ / ٢٤٧) : (وهو من الثقات الذين أخرج لهم البخاري ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ ولم أر أحدا جرحه ومع هذا في حديثه غرابة ثم بين وجهها على النحو الآتي ذكره عن ابن سيد الناس فكيف استجاز البوطي كتمان هذه النصوص موهما القراء أن ابن غزوان ليس فيه إلا قول الذهبي: (له مناكير) مع أنه ليس جرحا على التحقيق كما سبق والواقع أنه ثقة عند الجمهور كما رأيت. أفليس هذا من الكتمان الذي قال فيه ﵊: (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) . رواه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم وصححه هو والذهبي فحسبه
وإن له من مثل هذا الكتمان الشيء الكثير كما يأتي ولا أذهب بك
[٦٧]
بعيدا فإنه لم ينقل كلام الذهبي بتمامه وكذلك صنع في كلام ابن سيد الناس وفي كلامي أيضا فهو يأخذ من كلامهم ما هو له ويدع ما هو عليه تدليسا وتعمية على الناس لأنه لو نقل كلام كل واحد منهم كاملا لظهر التناقض بين كلماتهم ولما استفاد هو من ذلك شيئا مطلقا في تأييد وجهة نظره فهو يريد بها دعم قوله المتقدم: (ولعل في سنده بعض اللين) وإذا بتمام كلامهم رد عليه لأن كلام ابن سيد الناس يؤيد صحة الإسناد وكلام الذهبي صريح في حكمه على الحديث بالوضع والبوطي لا يتبنى لا هذا ولا هذا ولذلك لم ينقله فتمام كلام الذهبي الذي تقدم ص ٦٦ ذكر أوله الذي اقتصر عليه البوطي: (. . . ومما يدل على أنه باطل قوله: (ورده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا) وبلال لم يكن بعد خلق وأبو بكر كان صبيا)
فأنت ترى أيها القاريء الكريم كيف أن البوطي أخذ من كلام الذهبي وتسلح به ضد تصحيح الألباني وترك هذه التتمة لأنها ترد عليه تبنيه للقصة ولو على مرتبة (بعض اللين) لأن الذهبي يصرح فيها بالبطلان ولو أنه كان عالما حقا أمينا لنقل التتمة ورد عليها بالحجة والبرهان ولكن أنى له ذلك وهو عاجز عن الرد بها على الألباني فكيف يرد على الحافظ الذهبي؟
فإن قيل فهذه التتمة فيها رد عليك أيضا فالجواب نعم ولكني قد رددت عليها مفصلا بعد أن نقلت كلامه هذا في (الميزان) وكلامه في (التلخيص) وكلامه في (تاريخ الإسلام) في مقال لي كنت نشرته في العدد الثامن من المجلد السادس من مجلة (المسلمون) محرم سنة ١٣٧٩ تحت عنوان (حديث تظليل الغمام له أصل أصيل) ردا على الأستاذ على الطنطاوي الذي زعم يومئذ أنه لا أصل له فمن شاء التفصيل فليرجع إليه
وخلاصة الرد عليه من وجهين:
[٦٨]
стр. 89
الأول: معارضته بتصحيح من صححه وقواه وهم جمع من الأئمة كما يأتي
والآخر: أنه لا يلزم من خطأ الثقة في جملة من الحديث أن يكون الحديث كله منكرا أو موضوعا لأن الوضع إنما يثبت بكون الراوي وضاعا كذابا. وهذا منفي قطعا وإنما يكون المتن نفسه موضوعا بدلالة أمور علمية لا علاقة لها بالإسناد وهذا لا وجود له أيضا هنا مطلقا اللهم إلا جملة أبي بكر وبلال فهي وحدها المنكرة وهذا ما صرحت بإنكاره في تخريجي للحديث في (فقه السيرة) للغزالي فكتمه البوطي أيضا كما يأتي
ثم أتبعت ذلك المقال بمقال آخر كتبته بتاريخ ٣ / ١٣٧٩ ونشر في المجلد ٢٦ من هذه المجلة الزاهرة (التمدن الإسلامي) تحت عنوان (حادثة الراهب بحيرا حقيقة لا خرافة) ص ١٦٧ - ١٧٥ ردا على من زعم أنه لا سند لها وقد حققت فيه ردا لبعض الشبهات أن الراهب لم يسم مطلقا في هذه الرواية الثالثة عن أبي موسى وإنما سمي في رواية ابن إسحاق التي اعتمدها البوطي وهي ضعيفة معضلة كما تقدم وفي أخرى فيها الواقدي الكذاب
سابعا: قال: (وقال عنه ابن سيد الناس: في متنه نكارة (راجع عيون الأثر ١ / ٤٣)
قلت: قد راجعت فرأيت البوطي قد بتر كلام ابن سيد الناس كما صنع بكلام الذهبي وغيره فإن تمامه في الموضع الذي أشار إليه البوطي لا في غيره
(قلت: ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في (الصحيح) وعبد الرحمن بن غزوان أبو نوح ثقة وقد انفرد به البخاري ويونس ابن أبي إسحق تفرد به مسلم ومع ذلك فيه نكارة وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالا فكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين)
قلت: فلينظر القاريء بأي وجه من دين أو خلق يستجيز الدكتور البوطي
[٦٩]
стр. 90
طي هذه التتمة من كلام ابن سيد الناس وهي ترد عليه رده على الألباني وتؤكد مخالفته لأئمة الحديث المتقدمين منهم والمتأخرين في توثيقهم لابن غزوان بمحاولته (نسبة ضعف إليه) متشبثا بقول الذهبي المتقدم؟
والحقيقة أن كلام ابن سيد الناس مطابق لكلامي تمام المطابقة كما يظهر بداهة لولا أن البوطي بتره أيضا كعادته عامله الله بما يستحق وهو في قوله المتقدم والآتي:
ثامنا: قال: (والغريب أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عنه - رغم هذا () في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة للغزالي: إسناده صحيح)
قلت: لست وحدي القائل فإن تمام كلامي بعد ذكري لتحسين الترمذي إياه: قلت: وإسناده صحيح كما قال الجزري وقال: (وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظة) قلت: وقد رواه البزار فقال: (وأرسل معه عمه رجلا)
فأقول الآن: لقد تنبهت لأمر كنت عنه غافلا والفضل في ذلك يعود إلى الحافظ ابن كثير فإن استنكار تلك الزيادة واعتبارها غير محفوظة إنما هو بناء على أن النبي ﷺ لم يكن وقتئذ قد بلغ العشر سنين كما تقدم عن ابن سيد الناس ولا يشك أي محدث نبيه أنه لإثبات النكارة المزعومة لا بد من إثبات السند المذكور وأن يكون أصح من إسناد ابن غزوان راوي الحديث وفيه الزيادة حتى يجوز لنا إنكارها
ومن الظاهر من كلام ابن كثير في (السيرة) أنه ليس هناك إلا ما حكاه السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره ﵊ إذ ذاك تسع سنين وعن الواقدي عن داود بن الحصين اثنتي عشرة سنة وبمثل هذا لا يجوز توهيم الثقة لأن الرواية الأولى معضلة والأخرى مرسلة ويكفي في ردها أنها من رواية الواقدي ولعل هذا هو وجه من لم يتعرض لبيان النكارة المذكورة كالترمذي والحاكم والبيهقي. والله تعالى أعلم
وبعد أفلا ترى أيها القاريء الكريم كم في نقل البوطي عني وعن ابن سيد الناس
[٧٠]
стр. 91
من الإخلال بالأمانة العلمية في النقل؟
стр. 92
١ - أوهم القاريء أنني متفرد بالتصحيح المذكور والواقع أنه سبقني إليه ابن سيد الناس والجزري كما ترى وغيرهم ممن يأتي ذكرهم قريبا
стр. 93
٢ - أوهمهم أنني اقتصرت على تصحيح الإسناد دون أن أبين ما في متنه من جملة غير محفوظة والواقع خلافه بل تبعت ابن سيد الناس والجزري في استنكار تلك الجملة التي استند إليها الذهبي في الحكم على الحديث كله بالوضع فأخطأ كما سبق بيانه وزدت عليهما أنني ذكرت لفظ رواية البزار الذي لا غبار عليه فكيف استساغ الدكتور البوطي هذا النقل المبتور؟ فإذا كان لا يستحي أن يفتضح بذلك عند القراء بعد انكشاف أمره أفلا يخشى الله؟ وصدق الله القائل: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
والحقيقة أن علماء الحديث متتابعون على تصحيح هذا الحديث وتوثيق ابن غزوان مع بيان أكثرهم لنكارة الجملة كما حققته في المقال المنشور في مجلة (المسلمون) وقد سبقت الإشارة إليه فإليك أسماء المصححين له منهم:
стр. 94
١ - الترمذي
стр. 95
٢ - الحاكم
стр. 96
٣ - ابن سيد الناس
стр. 97
٤ - الجزري
стр. 98
٥ - ابن كثير
стр. 99
٦ - العسقلاني
стр. 100
٧ - السيوطي
والخلاصة أن البوطي قد خالف كل هؤلاء الأئمة حين حاول أن (يحقق في نسبة ضعف إليه) فلم ينجح لجهله وعدم معرفته بعلم الجرح والتعديل. مع ما جاء في كلامه من كتمان العلم وإيثاره رواية ابن إسحاق التي لا إسناد لها على رواية ابن غزوان الثقة
[٧١]
стр. 101
تاسعا: قوله: ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله: (هذا حديث حسن)
قلت: نعم فكان ماذا؟ فإن تمام قول الترمذي (غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فهل في هذا التمام ما يدعمه أم ما يرد عليه؟ إن البوطي يظن الأول وذلك من جهله البالغ بهذا العلم كما سبق بيانه في الفقرة الخامسة فلا داعي للإعادة
عاشرا: قوله: ومن عادته أن يضعف ما هو أصح من هذا الحديث بكثير
قلت: وهذا إفك وبهت مبين لا حيلة لنا فيه إلا أن يصفع به وجهه ويقال له ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ وإلا فإن أجهل الناس وأفسقهم لا يعجزه أن يفتري مثله فالله حسيبه
حادي عشر: قوله: (وأما القدر المشترك من القصة فثابت بطرق لا يلحقها وهن)
قلت: عليه أمور اخترنا منها:
الأولى: هذا كلام رخيص فما هو القدر المشترك من القصة؟ فهلا بينه وساق الروايات التي تؤيده؟
الثانية: قوله: فثابت بطرق كثيرة لا يلحقها وهن
قلت: هذا زعم أيضا إذ ليس للقصة طرق لا يلحقها وهن إلا هذه الطريق الموصولة عن أبي موسى وقد فعل الدكتور فيها ما فعل مع أن الحافظ ابن كثير قال (١ / ٢٤٨) : إنها أصح من غيرها وصححها غيره من الأئمة المتقدمين والمتأخرين وقد ذكرت أسماءهم قريبا فانظر إلى هذا الدكتور كيف يتكلم في علم لا يعرفه ولا يتبع أقوال العارفين به من العلماء
стр. 102
٢ - قال (ص ١٥٥) في صلب الكتاب: (احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند)
[٧٢]
стр. 103
أقول: يتظاهر الدكتور في هذه الفقرة بمظهر المحدث القدير النقاد للأحاديث الموضوعة والمشفق على الأمة أن يغتروا بها فإذا به ينقلب الأمر عليه لجهله بهذا العلم والكتابة فيه إلى نقيض ما رمى إليه. ألا وهو تحذيره من الركون إلى الأخذ بكل ما في الكتاب المذكور لقوله فيه (فهو ملفق من مجموعة أحاديث. . .) الخ فهل كل ما في الكتاب ملفق باطل؟ ذلك ما أريد بيانه ببعض الأمثلة لكي لا يغتر بهذه الكلمة من ابتلي بقراءة كتابه هذا (فقه السيرة) أو بالتتلمذ عليه والإصغاء لجهالاته وادعاآته
جاء في الكتاب المذكور (معراج ابن عباس) الحقائق الآتية:
стр. 104
١ - قال في البراق (ص ٢) : (وإذا هو دابة تشبه الدواب فوق الحمار ودون البغل)
стр. 105
٢ - وفي (ص ٥) : (فطرق جبريل الباب فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل قالوا: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: أأرسل إليه؟ قال: نعم قالوا: مرحبا بك وبمن معك)
стр. 106
٣ - وفي (ص ٢٥) : (وفي حديث آخر: لا يفنى أكثر أمتك إلا بالطعن والطاعون)
стр. 107
٤ - (ص ٢٧) : (وفرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة في كل يوم وليلة)
تلك أمثلة أربعة مما جاء في كتاب (معراج ابن عباس) وهي كلها صحيحة ثابتة في عدة أحاديث صحيحة فالمثال الأول أخرجه الشيخان وقد عزاه إليهما الدكتور نفسه (ص ١٤٦) وهو من حديث أنس وله شواهد كثيرة منها عن حذيفة وقد خرجته في (الأحاديث الصحيحة) (ص ٨٧٤)
وكذلك المثال الثاني والرابع فهما في (الصحيحين) أيضا من حديث أنس المشار إليه آنفا
والمثال الثالث حديث صحيح أخرجه أحمد (٦ / ١٣٣ و ١٤٥ و ٢٥٥)
[٧٣]
стр. 108
من حديث عائشة مرفوعا وله شواهد مخرجة عندي في (الروض النضير ٥٢٦) و (إرواء الغليل ١٦٣٦) فكيف يجوز للدكتور أن يقول في الكتاب المذكور أنه (ملفق من مجموعة أحاديث باطلة) وفيه هذه الأمثلة المجموعة من الأحاديث الصحيحة؟ إني على مثل اليقين أن الدكتور لم يقرأ الكتاب المذكور مطلقا أو عند كتابته هذه الكلمة على أقل تقدير وإلا لم يقع في مثل هذا الخطأ الفاحش وفيه إبطال بعض ما اعترف هو بصحته قبله بصفحات مما جاء في المثال الأول كما سبقت الإشارة إليه ويؤيدني فيما أقول أنه كتب في حاشية الصفحة (١٤٦) ما نصه:
(وحاذر أن تعتمد على مثل كتاب (معراج ابن عباس) فهو مليء بالكذب والأباطيل وابن عباس بريء من هذا الكتاب)
وهذا كلام سليم لا يرد عليه ما أوردته على قوله السابق وهو على الغالب مما استفاده من غيره وربما نقله بالحرف الواحد فلما تصرف فيه بقلمه ونقله من الحاشية إلى صلب الكتاب وقع فيما ذكرنا من الجهل الفاضح ولولا حبه تكثير صفحات الكتاب والتظاهر بالتحقيق الذي هو به غير حقيق لما وقع منه ذلك فاللهم هداك
стр. 109
٣ - قال في حاشية (ص ١٩٧) بعد أن نبه إلى معجزة فرس سراقة وغوص قائمتيها في الأرض ومعجزة خروجه ﷺ من بيته وقد أحاط به المشركون وتبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه ثم استطرد فذكر تبرك أم سلمة بشعره ﷺ وأم سليم بعرقه وغير ذلك ثم علق عليه فقال:
(يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر ذكر ذلك في نقد له على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر الكتاني لطلاب كلية الشريعة
ونحن نرى أن هذا كلام خطير لا ينبغي أن يتفوه به مسلم فجميع أقوال
[٧٤]
стр. 110
الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما لم ينسخه كتاب أو سنة صحيحة ومن أهم فوائد التشريع ودليله معرفة الحكم والاعتقاد بموجبه
وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولا سنة مثلها فمضمونها التشريعي باق إلى يوم القيامة ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي ﵊ فضلا عن التوسل بذاته وجاهه عند الله تعالى وأن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن فكيف يقال مع ذلك أنه لا فائدة منها في هذا العصر؟
أكبر الظن أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الأستاذ الشيخ ناصر أنها تخالف مذهبه في التوسل غير أن ذلك وحده لا يكفي موجبا لنسخها وإنهاء فائدتها كما هو معلوم)
هذا كلام البوطي بالحرف الواحد نقلته على طوله وقلة فائدته ليكون القراء على يقين من مبلغ علم هذا الرجل وخوفه من الله تعالى وعدم مبالاته بتهمة الأبرياء والطعن فيهم بغير حق ولبيان هذه الحقيقة هنا أقول:
أولا: إن ما نسبه إلي من الرأي إن هو إلا اختلاق وإن مما يدل على جرأة الرجل وقلة خوفه من الله وحيائه من الناس عزوه ذلك إلى نقدي لأحاديث الكتاني وليس فيه هذه الفرية الباطلة كما سترى ولو كان الدكتور ينتقد بإخلاص وعلم لنقل عبارتي وانتقدها انتقادا علميا موضوعيا ولكنه يعلم أنه لو فعل ذلك لانكشف عند القراء ولذلك هو جرى على هذه الطريقة من النقد يعزو القول إلى القائل وهو لم يقل ذلك أصلا أو قال شيئا منه ولكن الدكتور يأخذ بعضا ويترك بعضا كمثل من يقول ﴿ولا تقربوا الصلاة﴾ ويسكت فاسمع نص كلامي في نقدي المذكور للكتاني قلت (ص ٥٦) منه ما نصه:
(٦ - إيراده أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة تحت العناوين الآتية (ص ٢١) : (التبرك بآثار رسول الله ﷺ بأمره) . وذكر فيه حديث
[٧٥]