Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الحَدِيث ونوادر الْأَثر فَاجْتمع باهتمام أُولَئِكَ من الحَدِيث والْآثَار مَا لم يجْتَمع لأحد قبلهم وتيسر لَهُم مَا لم يَتَيَسَّر لأحد قبلهم وخلص إِلَيْهِم من طرق الْأَحَادِيث شَيْء كثير حَتَّى كَانَ لكثير من الْأَحَادِيث عِنْدهم مائَة طَرِيق فَمَا فَوْقهَا فكشف بعض الطّرق مَا استتر فِي بَعْضهَا الآخر وَعرفُوا مَحل كل حَدِيث من الغرابة والاستفاضة وَأمكن لَهُم النّظر فِي المتابعات والشواهد وَظهر عَلَيْهِم أَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة لم تظهر على أهل الْفَتْوَى من قبل قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لِأَحْمَد أَنْتُم أعلم بالأخبار الصَّحِيحَة منا فاذا كَانَ خبر صَحِيح فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا حَكَاهُ ابْن الْهمام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كم من حَدِيث صَحِيح لَا يرويهِ إِلَّا أهل بلد خَاصَّة كأفراد الشاميين والعراقيين أَو أهل بَيت خَاصَّة كنسخة بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَو كَانَ الصَّحَابِيّ مقلا خاملا لم يحمل عَنهُ إِلَّا شرذمة قَلِيلُونَ فَمثل هَذِه الْأَحَادِيث يغْفل عَنْهَا عَامَّة أهل الْفَتْوَى وَاجْتمعت عِنْدهم آثَار فُقَهَاء كل بلد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانَ الرجل فِيمَا قبلهم لَا يتَمَكَّن إِلَّا من جمع حَدِيث بَلَده وَأَصْحَابه وَكَانَ من قبلهم يعتمدون فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال ومراتب عدالتهم على مَا يخلص إِلَيْهِم من مُشَاهدَة الْحَال وتتبع الْقَرَائِن وأمعن هَذِه الطَّبَقَة فِي هَذَا الْفَنّ وجعلوه شَيْئا مُسْتقِلّا بالتدوين والبحث وناظروا فِي الحكم بِالصِّحَّةِ وَغَيرهَا
стр. 37
فانكشف عَلَيْهِم بِهَذَا التدوين والمناظرة مَا كَانَ خفِيا من حَال الِاتِّصَال والانقطاع وَكَانَ سُفْيَان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غَايَة الِاجْتِهَاد فَلَا يتمكنون من الحَدِيث الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل إِلَّا من دون الْألف حَدِيث كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد السجسْتانِي فِي رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة وَكَانَ أهل هَذِه الطَّبَقَة يروون أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث فَمَا يقرب مِنْهَا بل صَحَّ عَن البُخَارِيّ أَنه اختصر صَحِيحه من سِتّمائَة ألف حَدِيث وَعَن أبي دَاوُد أَنه اختصر سنَنه من خَمْسمِائَة ألف حَدِيث وَجعل أَحْمد مُسْنده ميزانا يعرف بِهِ حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَمَا وجد فِيهِ وَلَو بطرِيق وَاحِد من طرقه فَلهُ أصل وَإِلَّا فَلَا أصل لَهُ وَكَانَ رُؤُوس هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَيزِيد بن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة ومسدد وهناد وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَالْفضل بن دُكَيْن وَعلي بن الْمَدِينِيّ وأقرانهم وَهَذِه الطَّبَقَة هِيَ الطّراز الأول من طَبَقَات الْمُحدثين فَرجع الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بعد إحكام فن الرِّوَايَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْأَحَادِيث إِلَى الْفِقْه فَلم يكن عِنْدهم من الرَّأْي أَن يجمع على تَقْلِيد رجل مِمَّن مضى مَعَ مَا يرَوْنَ من الْأَحَادِيث والْآثَار المناقضة فِي كل مَذْهَب من تِلْكَ الْمذَاهب فَأخذُوا يتتبعون أَحَادِيث النَّبِي ﷺ وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمجتهدين على قَوَاعِد أحكموها فِي نُفُوسهم وَأَنا أبينها لَك
стр. 38
فِي كَلِمَات يسيرَة كَانَ عِنْدهم إِنَّه إِذا وجد فِي الْمَسْأَلَة قُرْآن نَاطِق فَلَا يجوز التَّحَوُّل مِنْهُ إِلَى غَيره وَإِذا كَانَ الْقُرْآن مُحْتملا لوجوه فَالسنة قاضية عَلَيْهِ فاذا لم يَجدوا فِي كتاب الله أخذُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ سَوَاء كَانَ مستفيضا دائرا بَين الْفُقَهَاء أَو يكون مُخْتَصًّا بِأَهْل بلد أَو أهل بَيت أَو بطرِيق خَاصَّة وَسَوَاء عمل بِهِ الصَّحَابَة وَالْفُقَهَاء أَو لم يعملوا بِهِ وَمَتى كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث فَلَا يتبع فِيهَا خِلَافه أثرا من الْآثَار وَلَا اجْتِهَاد أحد من الْمُجْتَهدين وَإِذا أفرغوا جهدهمْ فِي تتبع الْأَحَادِيث وَلم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا أخذُوا بأقوال جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا يتقيدون بِقوم دون قوم وَلَا بلد دون بلد كَمَا كَانَ يفعل من قبلهم فان اتّفق جُمْهُور الْخُلَفَاء وَالْفُقَهَاء على شَيْء فَهُوَ المتبع وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بِحَدِيث أعلمهم علما أَو أورعهم ورعا أَو أَكْثَرهم ضبطا أَو مَا اشْتهر عَنْهُم فان وجدوا شَيْئا يَسْتَوِي فِيهِ قَولَانِ فَهِيَ مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ فان عجزوا عَن ذَلِك تأملوا فِي عمومات الْكتاب وَالسّنة وإيماآتهما واقتضاآتهما وحملوا نَظِير الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا فِي الْجَواب إِذْ كَانَتَا متقاربتين بَادِي الرَّأْي لَا يعتمدون فِي ذَلِك على قَوَاعِد من الْأُصُول وَلَكِن على مَا يخلص إِلَى الْفَهم ويثلج بِهِ الصَّدْر كَمَا أَنه لَيْسَ ميزَان التَّوَاتُر عدد الروَاة وَلَا حَالهم وَلَكِن الْيَقِين الَّذِي يعقبه فِي قُلُوب النَّاس كَمَا نبهنا على ذَلِك فِي بَيَان حَال الصَّحَابَة وَكَانَت هَذِه الْأُصُول مستخرجة من صَنِيع الْأَوَائِل وتصريحاتهم وَعَن مَيْمُون بن
стр. 39
مهْرَان قَالَ كَانَ أَبُو بكر إِذا ورد عَلَيْهِ الْخصم نظر فِي كتاب الله فان وجد فِيهِ مَا يقْضِي بَينهم قضى بِهِ وان لم يكن فِي الْكتاب وَعلم من رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك الْأَمر سنة قضى بهَا فان أعياه خرج فَسَأَلَ الْمُسلمين وَقَالَ أَتَانِي كَذَا وَكَذَا فَهَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي ذَلِك بِقَضَاء فَرُبمَا اجْتمع إِلَيْهِ النَّفر كلهم بِذكر عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ قَضَاء فَيَقُول أَبُو بكر الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا من يحفظ علينا علم نَبينَا فَإِن أعياه أَن يجد فِيهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ جمع رُؤُوس النَّاس وخيارهم فاستشارهم فاذا اجْتمع رَأْيهمْ على أَمر قضى بِهِ
وَعَن شُرَيْح أَن عمر بن الْخطاب كتب إِلَيْهِ إِن جَاءَك شَيْء فِي كتاب الله فَاقْض بِهِ وَلَا يلفتك عَنهُ الرِّجَال فان جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله فَانْظُر سنة رَسُول الله ﷺ فَاقْض بهَا فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يكن فِيهِ سنة رَسُول الله ﷺ فَانْظُر مَا اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَخذ بِهِ فان جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يكن فِيهِ سنة رَسُول الله ﷺ وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد قبلك فاختر أَي الْأَمريْنِ شِئْت إِن شِئْت أَن تجتهد بِرَأْيِك ثمَّ تقدم فَتقدم وَإِن شِئْت أَن تتأخر فَتَأَخر وَلَا أرى التَّأَخُّر إِلَّا خيرا لَك
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ أَتَى علينا زمَان لسنا نقضي
стр. 40
ولسنا هُنَالك وَإِن الله قد قدر من الْأَمر أَن قد بلغنَا مَا ترَوْنَ فَمن عرض لَهُ قَضَاء بعد الْيَوْم فليقض فِيهِ بِمَا فِي كتاب الله فان جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كتاب الله فليقض بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ فَإِن جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يقْض بِهِ رَسُول الله ﷺ فليقض فِيهِ بِمَا قضى بِهِ الصالحون وَلَا يقل إِنِّي أَخَاف وَإِنِّي أرى فان الْحَرَام بَين والحلال بَين وَبَين ذَلِك أُمُور مشتبهة فدع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن الْأَمر فَإِن كَانَ فِي الْقُرْآن أخبر بِهِ وَإِن لم يكن فِي الْقُرْآن وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ أخبر بِهِ فَإِن لم يكن فَعَن أبي بكر وَعمر وَإِن لم يكن قَالَ فِيهِ بِرَأْيهِ
وَعَن ابْن عَبَّاس أما تخافون أَن تعذبوا أَو يخسف بكم أَن تَقولُوا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فلَان
وَعَن قَتَادَة قَالَ حدث ابْن سِيرِين رجلا بِحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَقَالَ الرجل قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ابْن سِيرِين أحَدثك عَن النَّبِي ﷺ وَتقول قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا
وَعَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه لَا رَأْي لأحد فِي كتاب الله وَإِنَّمَا رَأْي الْأَئِمَّة فِيمَا لم ينزل فِيهِ كتاب وَلم تمض فِيهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا رَأْي لأحد فِي سنة سنّهَا رَسُول الله ﷺ
وَعَن الْأَعْمَش قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول يقوم عَن
стр. 41
يسَاره فَحَدَّثته عَن سميع الزيات عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ أَقَامَهُ عَن يَمِينه فَأخذ بِهِ
وَعَن الشّعبِيّ جَاءَهُ رجل يسْأَله عَن شَيْء فَقَالَ كَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول فِيهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخْبرنِي أَنْت بِرَأْيِك فَقَالَ أَلا تعْجبُونَ من هَذَا أخْبرته عَن ابْن مَسْعُود ويسألني عَن رَأْيِي وديني عِنْدِي أثر من ذَلِك وَالله لِأَن أتغنى بأغنية أحب إِلَيّ من أَن أخْبرك برأيي أخرج هَذِه الْآثَار كلهَا الدَّارمِيّ
وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن أبي السَّائِب قَالَ كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي أشعر رَسُول الله ﷺ وَيَقُول أَبُو حنيفَة هُوَ مثلَة قَالَ الرجل فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ الْإِشْعَار مثلَة قَالَ رَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ أَقُول لَك قَالَ رَسُول الله ﷺ وَتقول قَالَ إِبْرَاهِيم مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا
وَعَن عبد الله بن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَمَالك بن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ مَا من أحد إِلَّا ومأخوذ من كَلَامه ومردود عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا مهدوا الْفِقْه على هَذِه الْقَوَاعِد فَلم تكن
стр. 42
مسأله من الْمسَائِل الَّتِي تكلم فِيهَا من قبلهم وَالَّتِي وَقعت فِي زمانهم إِلَّا وجدوا فِيهَا حَدِيثا مَرْفُوعا مُتَّصِلا أَو مُرْسلا أَو مَوْقُوفا صَحِيحا أَو حسنا أَو صَالحا للاعتبار أَو وجدوا أثرا من آثَار الشَّيْخَيْنِ أَو سَائِر الْخُلَفَاء وقضاة الْأَمْصَار وفقهاء الْبلدَانِ أَو استنباطا من عُمُوم أَو إِيمَاء أَو اقْتِضَاء فيسر الله لَهُم الْعَمَل بِالسنةِ على هَذَا الْوَجْه وَكَانَ أعظمهم شَأْنًا وأوسعهم رِوَايَة وأعرفهم للْحَدِيث مرتبَة وأعمقهم فقها أَحْمد بن حَنْبَل ثمَّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَكَانَ تَرْتِيب الْفِقْه على هَذَا الْوَجْه يتَوَقَّف على جمع شَيْء كثير من الْأَحَادِيث والْآثَار حَتَّى سُئِلَ أَحْمد يَكْفِي الرجل مائَة ألف حَدِيث حَتَّى يُفْتِي قَالَ لَا حَتَّى قيل خَمْسمِائَة ألف حَدِيث قَالَ أَرْجُو كَذَا فِي غَايَة الْمُنْتَهى وَمرَاده الْإِفْتَاء على هَذَا الأَصْل
ثمَّ أنشأ الله تَعَالَى قرنا آخر فَرَأَوْا أَصْحَابهم قد كفوهم مؤونة جمع الْأَحَادِيث وتمهيد الْفِقْه على أصلهم فتفرغوا لفنون أُخْرَى كتمييز الحَدِيث الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ من كبراء أهل الحَدِيث كيزيد بن هَارُون وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَأحمد وَإِسْحَق وأضرابهم وكجمع أَحَادِيث الْفِقْه الَّتِي بنى عَلَيْهَا فُقَهَاء الْأَمْصَار وعلماء الْبلدَانِ مذاهبهم وكالحكم على كل حَدِيث بِمَا يسْتَحقّهُ وكالشاذة والفاذة من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يرووها أَو طرقها الَّتِي لم يخرج من
стр. 43
جِهَتهَا الْأَوَائِل مِمَّا فِيهِ اتِّصَال أَو علو سَنَد أَو رِوَايَة فَقِيه عَن فَقِيه أَو حَافظ عَن حَافظ أَو نَحْو ذَلِك من المطالب العلمية وَهَؤُلَاء هم البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَعبد بن حميد والدارمي وَابْن مَاجَه وَأَبُو يعلى وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب والديلمي وَابْن عبد الْبر وأمثالهم
وَكَانَ أوسعهم علما عِنْدِي وأنفعهم تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجال أَرْبَعَة متقاربون فِي الْعَصْر
أَوَّلهمْ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَكَانَ غَرَضه تَجْرِيد الْأَحَادِيث الصِّحَاح المستفيضة الْمُتَّصِلَة من غَيرهَا واستنباط الْفِقْه والسيرة وَالتَّفْسِير مِنْهَا فصنف جَامعه الصَّحِيح ووفى بِمَا شَرط وبلغنا أَن رجلا من الصَّالِحين رأى رَسُول الله ﷺ فِي مَنَامه وَهُوَ يَقُول مَالك اشتغلت بِفقه مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَتركت كتابي قَالَ يَا رَسُول الله وَمَا كتابك قَالَ صَحِيح البُخَارِيّ ولعمري إِنَّه نَالَ من الشُّهْرَة وَالْقَبُول دَرَجَة لَا يرام فَوْقهَا
وثانيهم مُسلم النَّيْسَابُورِي توخى تَجْرِيد الصِّحَاح الْمجمع عَلَيْهَا بَين الْمُحدثين الْمُتَّصِلَة المرفوعة مِمَّا يستنبط مِنْهُ السّنة وَأَرَادَ تقريبها إِلَى الأذهان وتسهيل الاستنباط مِنْهَا فرتب ترتيبا جيدا وَجمع طرق كل حَدِيث فِي مَوضِع وَاحِد ليتضح اخْتِلَاف الْمُتُون وتشعب الْأَسَانِيد أصرح مَا يكون وَجمع بَين المختلفات فَلم يدع لمن لَهُ معرفَة بِلِسَان
стр. 44
الْعَرَب عذرا فِي الْإِعْرَاض عَن السّنة إِلَى غَيرهَا
وثالثهم أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَكَانَ همه جمع الْأَحَادِيث الَّتِي اسْتدلَّ بهَا الْفُقَهَاء ودارت فيهم وَبنى عَلَيْهَا الْأَحْكَام عُلَمَاء الْأَمْصَار فصنف سنَنه وَجمع فِيهَا الصَّحِيح وَالْحسن واللين والصالح للْعَمَل قَالَ أَبُو دَاوُد وَمَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا أجمع النَّاس على تَركه وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفا أصرح بضعفه وَمَا كَانَ فِيهِ عِلّة بينتها بِوَجْه يعرفهُ الخائض فِي هَذَا الشَّأْن وَترْجم على كل حَدِيث بِمَا قد استنبط مِنْهُ عَالم وَذهب إِلَيْهِ ذَاهِب وَلذَلِك صرح الْغَزالِيّ وَغَيره بِأَن كِتَابه كَاف للمجتهد
ورابعهم أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَكَأَنَّهُ اسْتحْسنَ طَريقَة لِلشَّيْخَيْنِ حَيْثُ بَينا وَمَا أبهما وَطَرِيقَة أبي دَاوُد حَيْثُ جمع كل مَا ذهب إِلَيْهِ ذَاهِب فَجمع كلتا الطريقتين وَزَاد عَلَيْهِمَا بَيَان مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار فَجمع كتابا جَامعا وَاخْتصرَ طرق الحَدِيث اختصارا لطيفا فَذكر وَاحِد وَأَوْمَأَ إِلَى مَا عداهُ وَبَين أَمر كل حَدِيث من أَنه صَحِيح أَو حسن أَو ضَعِيف أَو مُنكر وَبَين وَجه الضعْف ليَكُون الطَّالِب على بَصِيرَة من أمره فَيعرف مَا يصلح للاعتبار مِمَّا دونه وَذكر أَنه مستفيض أَو غَرِيب وَذكر مَذَاهِب الصَّحَابَة وفقهاء الْأَمْصَار وسمى من يحْتَاج إِلَى التَّسْمِيَة وكنى من يحْتَاج إِلَى التكنية فَلم يدع خَفَاء لمن
стр. 45
هُوَ من رجال الْعلم وَلذَلِك يُقَال إِنَّه كَاف للمجتهد مغن للمقلد
وَكَانَ بِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ فِي عصر مَالك وسُفْيَان وبعدهم قوم لَا يكْرهُونَ الْمسَائِل وَلَا يهابون الْفتيا وَيَقُولُونَ على الْفِقْه بِنَاء الدّين فَلَا بُد من إشاعته ويهابون رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَالرَّفْع إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ الشّعبِيّ على من دون النَّبِي ﷺ أحب إِلَيْنَا فَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة أَو نُقْصَان كَانَ على من دون النَّبِي ﷺ وَقَالَ إِبْرَاهِيم أَقُول قَالَ عبد الله وَقَالَ عَلْقَمَة أحب إِلَيّ وَكَانَ ابْن مَسْعُود إِذا حدث عَن رَسُول الله ﷺ تَرَبد وَجهه وَقَالَ هَكَذَا أَو نَحوه
وَقَالَ عمر حِين بعث رهطا من الْأَمْصَار إِلَى الْكُوفَة إِنَّكُم تأتون الْكُوفَة فَتَأْتُونَ قوما لَهُم أزيز بِالْقُرْآنِ فيأتونكم فَيَقُولُونَ قدم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ قدم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فيأتونكم فيسألونكم عَن الحَدِيث فأقلوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ ابْن عون كَانَ الشّعبِيّ إِذا جَاءَهُ شَيْء أتقى وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول وَيَقُول أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ
فَوَقع تدوين الحَدِيث وَالْفِقْه والمسائل من حَاجتهم بموقع من وَجه آخر وَذَلِكَ أَنه لم يكن عِنْدهم من الْأَحَادِيث والْآثَار مَا يقدرُونَ بِهِ على استنباط الْفِقْه على الْأُصُول الَّتِي اخْتَارَهَا أهل الحَدِيث وَلم تَنْشَرِح صُدُورهمْ للنَّظَر فِي أَقْوَال عُلَمَاء
стр. 46
الْبلدَانِ وَجَمعهَا والبحث عَنْهَا واتهموا أنفسهم فِي ذَلِك وَكَانُوا اعتقدوا فِي أئمتهم أَنهم فِي الدرجَة الْعليا من التَّحْقِيق وَكَانَت قُلُوبهم أميل شَيْء إِلَى أَصْحَابهم كَمَا قَالَ عَلْقَمَة هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت عَلْقَمَة أفقه من ابْن عمر
وَكَانَ عِنْدهم من الفطانة والحدس وَسُرْعَة انْتِقَال الذَّهَب من شَيْء إِلَى شَيْء مَا يقدرُونَ بِهِ على تَخْرِيج جَوَاب الْمسَائِل على أَقْوَال أَصْحَابهم وكل ميسر لما خلق لَهُ و ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾
فمهدوا الْفِقْه على قَاعِدَة التَّخْرِيج وَذَلِكَ أَن يحفظ كل أحد كتاب من هُوَ لِسَان أَصْحَابه وأعرفهم بأقوال الْقَوْم وأصحهم نظرا فِي التَّرْجِيح فيتأمل فِي كل مَسْأَلَة وحه الحكم فَكلما سُئِلَ عَن شَيْء أَو احْتَاجَ إِلَى شَيْء رأى أَي نظر فِي فِيمَا يحفظه من تصريحات أَصْحَابه فان وجد الْجَواب فبها وَإِلَّا نظر إِلَى عُمُوم كَلَامهم فأجراه على هَذِه الصُّورَة أَو إِلَى إِشَارَة ضمنية لكَلَام فاستنبط مِنْهَا
стр. 47
وَرُبمَا كَانَ لبَعض الْكَلَام إِيمَاء أَو اقْتِضَاء يفهم الْمَقْصُود
وَرُبمَا كَانَ للمسألة الْمُصَرّح بهَا نَظِير يحمل عَلَيْهَا وَرُبمَا نظرُوا فِي عِلّة الحكم الْمُصَرّح بِهِ بالتخريج أَو بالسبر والحذف فأداروا حكمه على غير الْمُصَرّح بِهِ وَرُبمَا كَانَ لَهُ كلامان لَو اجْتمعَا على هَيْئَة الْقيَاس الاقتراني أَو الشرطي أنتجا جَوَاب الْمَسْأَلَة
стр. 48
وَرُبمَا كَانَ فِي كَلَامهم مَا هُوَ مَعْلُوم بالمثال وَالْقِسْمَة غير مَعْلُوم بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع فيرجعون إِلَى أهل اللِّسَان
стр. 49
ويتكلفون تَحْصِيل ذاتياته وترتيب حد جَامع مَانع لَهُ وَضبط مبهمه وتمييز مشكله وَرُبمَا كَانَ كَلَامهم مُحْتملا لوَجْهَيْنِ فَيَنْظُرُونَ فِي تَرْجِيح أحد المحتملين
وَرُبمَا يكون تقريب الدَّلَائِل للمسائل خفِيا فيبينون ذَلِك وَرُبمَا اسْتدلَّ بعض المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم وَنَحْو ذَلِك
فَهَذَا هُوَ التَّخْرِيج وَيُقَال لَهُ القَوْل الْمخْرج لفُلَان كَذَا وَيُقَال على مَذْهَب فلَان أَو على أصل فلَان أَو على قَول فلَان جَوَاب الْمَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا وَيُقَال لهَؤُلَاء المجتهدون فِي الْمَذْهَب وعنى هَذَا الِاجْتِهَاد على هَذَا الأَصْل من قَالَ من حفظ الْمَبْسُوط كَانَ مُجْتَهدا أَي وَإِن لم يكن لَهُ علم بالرواية أصلا وَلَا بِحَدِيث وَاحِد فَوَقع التَّخْرِيج فِي كل مَذْهَب وَكثر فَأَي مَذْهَب كَانَ أَصْحَابه مشهورين وسد إِلَيْهِم الْقَضَاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم فِي النَّاس ودرسوا درسا ظَاهرا انْتَشَر فِي أقطار الأَرْض وَلم يزل ينتشر كل حِين وَأي مَذْهَب كَانَ أَصْحَابه خاملين وَلم يولوا الْقَضَاء والإفتاء وَلم يرغب فيهم النَّاس اندرس بعد حِين
وَاعْلَم أَن التَّخْرِيج على كَلَام الْفُقَهَاء وتتبع لفظ الحَدِيث لكل مِنْهُمَا أصل أصيل فِي الدّين وَلم يزل الْمُحَقِّقُونَ
стр. 50
من الْعلمَاء فِي كل عصر يَأْخُذُونَ بهما فَمنهمْ من يقل من ذَا وَيكثر من ذَلِك وَمِنْهُم من يكثر من ذَا ويقل من ذَاك فَلَا يَنْبَغِي أَن يهمل أَمر وَاحِد مِنْهُمَا بالمرة كَمَا يَفْعَله عَامَّة الْفَرِيقَيْنِ وَإِنَّمَا الْحق البحت أَن يُطَابق أَحدهمَا بِالْآخرِ وَأَن يجْبر خلل كل بِالْآخرِ وَذَلِكَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ سنتكم وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ بَينهمَا بَين الغالي والجافي فَمن كَانَ من أهل الحَدِيث يَنْبَغِي أَن يعرض مَا اخْتَارَهُ وَذهب إِلَيْهِ على رَأْي الْمُجْتَهدين من التَّابِعين وَمن بعدهمْ وَمن كَانَ من أهل التَّخْرِيج يَنْبَغِي لَهُ أَن يحصل من السّنَن مَا يحْتَرز بِهِ من مُخَالفَة التَّصْرِيح الصَّحِيح وَمن القَوْل بِرَأْيهِ فِيمَا فِيهِ حَدِيث أَو أثر بِقدر الطَّاقَة
وَلَا يَنْبَغِي لمحدث أَن يتعمق فِي الْقَوَاعِد الَّتِي أحكمها أَصْحَابه وَلَيْسَت مِمَّا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع فَيرد بِهِ حَدِيثا أَو قِيَاسا صَحِيحا كرد مَا فِيهِ أدنى شَائِبَة الارسال والانقطاع كَمَا فعله ابْن حزم فِي حَدِيث تَحْرِيم المعازف لشائبة الِانْقِطَاع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على أَنه فِي نَفسه مُتَّصِل صَحِيح فَإِن مثله إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد التَّعَارُض
وكقولهم فلَان أحفظ لحَدِيث فلَان من غَيره فيرجحون حَدِيثه على حَدِيث غَيره لذَلِك وَإِن كَانَ فِي الآخر ألف وَجه من الرجحان
стр. 51
وَكَانَ اهتمام جُمْهُور الروَاة عِنْد الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى برؤوس الْمعَانِي دون الاعتبارات الَّتِي يعرفهَا المتعمقون من أهل الْعَرَبيَّة فاستدلالهم بِنَحْوِ الْفَاء وَالْوَاو وَتَقْدِيم كلمة وتأخيرها وَنَحْو ذَلِك من التعمق وَكَثِيرًا مَا يعبر الرَّاوِي الآخر عَن تِلْكَ الْقِصَّة فَيَأْتِي مَكَان ذَلِك الْحَرْف بِحرف آخر وَالْحق أَن كل مَا يَأْتِي بِهِ الرَّاوِي فَظَاهره أَنه كَلَام النَّبِي ﷺ فَإِن ظهر حَدِيث آخر أَو دَلِيل آخر وَجب الْمصير إِلَيْهِ
وَلَا يَنْبَغِي لمخرج أَن يخرج قولا لَا يفِيدهُ نفس كَلَام أَصْحَابه وَلَا يفهمهُ من أهل الْعرف وَالْعُلَمَاء باللغة وَيكون بِنَاء على تَخْرِيج منَاط أَو حمل نَظِير الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا مِمَّا يخْتَلف فِيهِ أهل الْوُجُوه وتتعارض الآراء وَلَو أَن أَصْحَابه سئلوا عَن تِلْكَ الْمَسْأَلَة رُبمَا لم يحملوا النظير على النظير لمَانع وَرُبمَا ذكرُوا عِلّة غير مَا خرجه هُوَ وَإِنَّمَا جَازَ التَّخْرِيج لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة من تَقْلِيد الْمُجْتَهد وَلَا يتم إِلَّا فِيمَا يفهم من كَلَامه
وَلَا يَنْبَغِي أَن يرد حَدِيثا أَو أثرا تطابق عَلَيْهِ كَلَام الْقَوْم لقاعدة استخرجها هُوَ أَو أَصْحَابه كرد حَدِيث المصراه وكإسقاط سهم ذَوي الْقُرْبَى فان رِعَايَة الحَدِيث أوجب من رِعَايَة تِلْكَ الْقَاعِدَة المخرجة وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ مهما قلت من قَول أَو أصلت من أصل فبلغكم عَن رَسُول الله ﷺ خلاف مَا قلت فَالْقَوْل مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 52
وَمن شَوَاهِد مَا نَحن فِيهِ مَا صدر بِهِ الامام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ كِتَابه معالم السّنَن حَيْثُ قَالَ رَأَيْت أهل الْعلم فِي زَمَاننَا قد حصلوا حزبين وانقسموا إِلَى فرْقَتَيْن أَصْحَاب حَدِيث وَأثر وَأهل فقه وَنظر وكل وَاحِدَة مِنْهُمَا لَا تتَمَيَّز عَن أُخْتهَا فِي الْحَاجة وَلَا تَسْتَغْنِي عَنْهَا فِي دَرك مَا تنحوه من البغية والإرادة لِأَن الحَدِيث بِمَنْزِلَة الأساس الَّذِي هُوَ الأَصْل وَالْفِقْه بِمَنْزِلَة الْبناء الَّذِي هُوَ لَهُ كالفرع وكل بِنَاء لم يوضع على قَاعِدَة وأساس فَهُوَ منهار وكل أساس خلا عَن بِنَاء وَعمارَة فَهُوَ قفر وخراب
وَوجدت هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ على مَا بَينهم من التداني فِي المحلين والتقارب فِي المنزلتين وَعُمُوم الْحَاجة من بَعضهم إِلَى بعض وشمول الْفَاقَة اللَّازِمَة لكل مِنْهُم إِلَى صَاحبه إخْوَانًا متهاجرين وعَلى سَبِيل الْحق بِلُزُوم التناصر والتعاون غير متظاهرين
فَأَما هَذِه الطَّبَقَة الَّذين هم أهل الحَدِيث والأثر فان الْأَكْثَرين إِنَّمَا وكدهم الرِّوَايَات وَجمع الطّرق وَطلب الْغَرِيب والشاذ من الحَدِيث الَّذِي أَكْثَره مَوْضُوع أَو مقلوب لَا يراعون الْمُتُون وَلَا يتفهمون الْمعَانِي وَلَا يستنبطون سرها وَلَا يستخرجون ركازها وفقهها وَرُبمَا عابوا الْفُقَهَاء وتناولوهم بالطعن وَادعوا عَلَيْهِم مُخَالفَة السّنَن
стр. 53
وَلَا يعلمُونَ أَنهم عَن مبلغ مَا أوتوه من الْعلم قاصرون وبسوء القَوْل فيهم آثمون
وَأما الطَّبَقَة الْأُخْرَى وهم أهل الْفِقْه وَالنَّظَر فان أَكْثَرهم لَا يعرجون من الحَدِيث إِلَّا على أَقَله وَلَا يكادون يميزون صَحِيحه من سقيمه وَلَا يعْرفُونَ جيده من رديئه وَلَا يعبؤون بِمَا بَلغهُمْ مِنْهُ أَن يحتجوا بِهِ على خصومهم إِذا وَافق مذاهبهم الَّتِي ينتحلونها وَوَافَقَ آراءهم الَّتِي يعتقدونها وَقد اصْطَلحُوا على مواضعة بَينهم فِي قبُول الْخَبَر الضَّعِيف والْحَدِيث الْمُنْقَطع إِذا كَانَ ذَلِك قد اشْتهر عِنْدهم وتعاورته الألسن فِيمَا بَينهم من غير ثَبت فِيهِ أَو يَقِين علم بِهِ فَكَانَ ذَلِك صلَة من الرَّأْي وغبنا فِيهِ
وَهَؤُلَاء وفقنا الله وإياهم لَو حُكيَ لَهُم عَن وَاحِد من رُؤَسَاء مذاهبهم وزعماء نحلهم قَول يَقُوله بِاجْتِهَاد من قبل نَفسه طلبُوا فِيهِ الثِّقَة واستبرؤا لَهُ الْعهْدَة
فنجد أَصْحَاب مَالك لَا يعتمدون من مذْهبه إِلَّا مَا كَانَ من رِوَايَة ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وضربائهما من تلاد أَصْحَابه فاذا جَاءَت رِوَايَة عبد الله بن عبد الحكم وَأَضْرَابه لم تكن عِنْدهم طائلا
وَترى أَصْحَاب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يقبلُونَ
стр. 54
من الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن والعلية من أَصْحَابه والأجلة من تلامذته فان جَاءَهُم عَن الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي وَذَوِيهِ رِوَايَة قَول بِخِلَافِهِ لم يقبلوه وَلم يعتمدوه
وَكَذَلِكَ تَجِد أَصْحَاب الشَّافِعِي إِنَّمَا يعولون فِي مذْهبه على رِوَايَة الْمُزنِيّ وَالربيع بن سُلَيْمَان الْمرَادِي فاذا جَاءَت رِوَايَة حَرْمَلَة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إِلَيْهَا وَلم يعتدوا بهَا فِي أقاويله
وعَلى هَذَا عَادَة كل فرقة من الْعلمَاء فِي أَحْكَام مَذَاهِب أئمتهم وأساتذتهم
فَإِذا كَانَ هَذَا دأبهم وَكَانُوا لَا يقنعون فِي أَمر هَذِه الْفُرُوع ورواياتها عَن هَؤُلَاءِ الشُّيُوخ إِلَّا بالوثيقة والثبت فَكيف يجوز لَهُم أَن يتساهلوا فِي الْأَمر الأهم والخطب الْأَعْظَم وَأَن يتواكلوا الرِّوَايَة وَالنَّقْل عَن إِمَام الْأَئِمَّة وَرَسُول رب الْعِزَّة الْوَاجِب حكمه اللَّازِمَة طَاعَته الَّذِي يجب علينا التَّسْلِيم لحكمه والانقياد لأَمره من حَيْثُ لَا نجد فِي أَنْفُسنَا حرجا مِمَّا قَضَاهُ وَلَا فِي صدورنا غلا من شَيْء أبرمه وأمضاه
أَرَأَيْتُم إِذا كَانَ الرجل يتساهل فِي أَمر نَفسه ويسامح غرماءه فِي حَقه فَيَأْخُذ مِنْهُم الزيف ويغضي لَهُم عَن الْعَيْب هَل يجوز لَهُ أَن يفعل ذَلِك فِي حق غَيره إِذا كَانَ
стр. 55
نَائِبا عَنهُ كولي الضَّعِيف ووصي الْيَتِيم ووكيل الْغَائِب وَهل يكون ذَلِك مِنْهُ إِذا فعله إِلَّا خِيَانَة للْعهد وإخفارا للذمة فَهَذَا هُوَ ذَاك إِمَّا عيان حس وَإِمَّا عيان مثل
وَلَكِن أَقْوَامًا عساهم استوعروا طَرِيق الْحق واستطالوا الْمدَّة فِي دَرك الْخط وأحبوا عجالة النّيل فاختصروا طَرِيق الْعلم واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من مَعَاني أصُول الْفِقْه سَموهَا عللا وجعلوها شعارا لأَنْفُسِهِمْ فِي الترسم برسم الْعلم واتخذوها جنَّة عِنْد لِقَاء خصومهم ونصبوها دريئة للخوض والجدال يتناظرون بهَا ويتلاطمون عَلَيْهَا وَعند التصادر عَنْهَا قد حكم للْغَالِب بالحذق والتبريز فَهُوَ الْفَقِيه الْمَذْكُور فِي عصره والرئيس الْمُعظم فِي بَلَده ومصره
هَذَا وَقد دس لَهُم الشَّيْطَان حِيلَة لَطِيفَة وَبلغ مِنْهُم مكيدة بليغة فَقَالَ لَهُم هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُم علم قصير وبضاعة مزجاة لَا تفي بمبلغ الْحَاجة والكفاية فاستعينوا عَلَيْهِ بالْكلَام وصلوه بمقطعات مِنْهُ واستظهروا بأصول الْمُتَكَلِّمين يَتَّسِع لكم مَذْهَب الْخَوْض ومجال النّظر فَصدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه وأطاعه كثير مِنْهُم واتبعوه إِلَّا فريقا من الْمُؤمنِينَ فيا للرِّجَال والعقول أَيْن يذهب وأنى يخدعهم الشَّيْطَان عَن حظهم وَمَوْضِع رشدهم وَالله الْمُسْتَعَان انْتهى كَلَام الْخطابِيّ
стр. 56
بَاب حِكَايَة حَال النَّاس قبل الْمِائَة الرَّابِعَة وَبَيَان سَبَب الِاخْتِلَاف بَين الْأَوَائِل والأواخر فِي الانتساب إِلَى مَذْهَب من الْمذَاهب وَعَدَمه وَبَيَان سَبَب الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي كَونهم من أهل الِاجْتِهَاد الْمُطلق أَو أهل الِاجْتِهَاد فِي الْمَذْهَب وَالْفرق بَين هَاتين المنزلتين
إعلم أَن النَّاس كَانُوا فِي الْمِائَة الأولى وَالثَّانيَِة غير مُجْمِعِينَ على التَّقْلِيد لمَذْهَب وَاحِد بِعَيْنِه قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي قوت الْقُلُوب إِن الْكتب والمجموعات محدثة وَالْقَوْل بمقالات النَّاس والفتيا بِمذهب الْوَاحِد من النَّاس واتخاذ قَوْله والحكاية لَهُ فِي كل شَيْء والتفقه على مذْهبه لم يكن النَّاس قَدِيما على ذَلِك فِي القرنين الأول وَالثَّانِي انْتهى
أَقُول وَبعد القرنين حدث فيهم شَيْء من التَّخْرِيج غير أَن أهل المئة الرَّابِعَة لم يَكُونُوا مُجْتَمعين على التَّقْلِيد الْخَالِص
стр. 57
على مَذْهَب وَاحِد والتفقه لَهُ والحكاية لقَوْله كَمَا يظْهر من التتبع بل كَانَ النَّاس على دَرَجَتَيْنِ الْعلمَاء والعامة وَكَانَ من خبر الْعَامَّة أَنهم كَانُوا فِي الْمسَائِل الإجماعية الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا بَين الْمُسلمين أَو بَين جُمْهُور الْمُجْتَهدين لَا يقلدون إِلَّا صَاحب الشَّرْع وَكَانُوا يتعلمون صفة الْوضُوء وَالْغسْل وَأَحْكَام الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَنَحْو ذَلِك من آبَائِهِم أَو عُلَمَاء بلدانهم فيمشون على ذَلِك وَإِذا وَقعت لَهُم وَاقعَة نادرة استفتوا فِيهَا أَي مفت وجدوا من غير تعْيين مَذْهَب قَالَ ابْن الْهمام فِي آخر التَّحْرِير كَانُوا يستفتون مرّة وَاحِدًا وَمرَّة غَيره غير ملتزمين مفتيا وَاحِدًا انْتهى
وَأما الْخَاصَّة الْعلمَاء
فَكَانُوا على مرتبتين
١ - مِنْهُم من أمعن فِي تتبع الْكتاب وَالسّنة والْآثَار حَتَّى حصل لَهُ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة من الْفِعْل ملكة أَن يَتَّصِف بِفُتْيَا فِي النَّاس يُجِيبهُمْ فِي الوقائع غَالِبا بِحَيْثُ يكون جَوَابه أَكثر مِمَّا يتَوَقَّف فِيهِ ويخص باسم الْمُجْتَهد وَهَذَا الاستعداد يحصل تَارَة باستفراغ الْجهد فِي جمع الرِّوَايَات فانه ورد كثير من الْأَحْكَام فِي الْأَحَادِيث وَكثير مِنْهَا فِي آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتبع التَّابِعين مَعَ مَالا يَنْفَكّ عَنهُ الْعَاقِل الْعَارِف باللغة من معرفَة مواقع الْكَلَام وَصَاحب الْعلم بالآثار من معرفَة طرق الْجمع بَين المختلفات وترتيب الدَّلَائِل وَنَحْو ذَلِك كَحال القدوتين أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل
стр. 58
وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه
وَتارَة بإحكام طرق التَّخْرِيج وَضبط الْأُصُول المروية فِي كل بَاب بَاب عَن مَشَايِخ الْفِقْه من الضوابط وَالْقَوَاعِد مَعَ جملَة صَالِحَة من السّنَن والْآثَار كَحال الْإِمَامَيْنِ القدوتين أبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن
٢ - وَمِنْهُم من حصل لَهُ من معرفَة الْقُرْآن وَالسّنَن مَا يتَمَكَّن بِهِ من معرفَة رُؤُوس الْفِقْه وَأُمَّهَات مسَائِله بأدلتها التفصيلية وَحصل لَهُ غَالب الرَّأْي بِبَعْض الْمسَائِل الْأُخْرَى من أدلتها وَتوقف فِي بَعْضهَا وَاحْتَاجَ فِي ذَلِك إِلَى مُشَاورَة الْعلمَاء لِأَنَّهُ لم تتكامل لَهُ الأدوات كَمَا تتكامل للمجتهد الْمُطلق فَهُوَ مُجْتَهد فِي الْبَعْض غير مُجْتَهد فِي الْبَعْض وَقد تَوَاتر عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم كَانُوا إِذا بَلغهُمْ الحَدِيث يعْملُونَ بِهِ من غير أَن يلاحظوا شرطا
وَبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم وَقل من كَانَ لَا يعْتَمد على مَذْهَب مُجْتَهد بِعَيْنِه وَكَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِب فِي ذَلِك الزَّمَان وَسبب ذَلِك أَن المشتغل بالفقه لَا يَخْلُو من حالتين
إِحْدَاهمَا أَن يكون أكبر همه معرفَة الْمسَائِل الَّتِي قد أجَاب فِيهَا المجتهدون من قبل من أدلتها التفصيلية ونقدها وتنقيح أَخذهَا وترجيح بَعْضهَا على بعض وَهَذَا أَمر جليل لَا يتم لَهُ إِلَّا بِإِمَام يتأسى بِهِ قد كفي معرفَة فرش الْمسَائِل
стр. 59
وإيراد الدَّلَائِل فِي كل بَاب بَاب فيستعين بِهِ فِي ذَلِك ثمَّ يسْتَقلّ بِالنَّقْدِ وَالتَّرْجِيح وَلَوْلَا هَذَا الإِمَام صَعب عَلَيْهِ وَلَا معنى لارتكاب أَمر صَعب مَعَ إِمْكَان الْأَمر اسهل
ولابد لهَذَا الْمُقْتَدِي أَن يستحسن شَيْئا مِمَّا سبق إِلَيْهِ إِمَامه ويستدرك عَلَيْهِ شَيْئا فان كَانَ استدراكه أقل من مُوَافَقَته عد من أَصْحَاب الْوُجُوه فِي الْمَذْهَب وَإِن كَانَ أَكثر لم يعد تفرده وَجها فِي الْمَذْهَب وَكَانَ مَعَ ذَلِك منتسبا إِلَى صَاحب الْمَذْهَب فِي الْجُمْلَة ممتازا عَمَّن يتأسى بِإِمَام آخر فِي كثير من أصُول مذْهبه وفروعه
وَيُوجد لمثل هَذَا بعض مجتهدات لم يسْبق بِالْجَوَابِ فِيهَا إِذْ الوقائع متتالية وَالْبَاب مَفْتُوح فيأخذها من الْكتاب وَالسّنة وآثار السّلف من غير اعْتِمَاد على إِمَامه وَلكنهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سبق بِالْجَوَابِ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمُجْتَهد الْمُطلق المنتسب
وَثَانِيهمَا أَن يكون أكبر همه معرفَة الْمسَائِل الَّتِي يستفتيه فِيهَا المستفتون مِمَّا لم يتَكَلَّم فِيهِ المتقدمون وَحَاجته إِلَى إِمَام يأتسي بِهِ فِي الْأُصُول الممهدة فِي كل بَاب أَشد من حَاجَة الأول لِأَن مسَائِل الْفِقْه متعانقة متشابكة فروعها تتَعَلَّق بأمهاتها فَلَو ابْتَدَأَ هَذَا بِنَقْد مذاهبهم وتنقيح أَقْوَالهم لَكَانَ مُلْتَزما لما لَا يطيقه وَلَا يتَفَرَّع مِنْهُ طول عمره فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى بَاب إِلَّا أَن يجمل النّظر فِيمَا سبق فِيهِ
стр. 60
ويتفرغ للتفاريع وَقد يُوجد لمثل هَذَا استدراكات على إِمَامه بِالْكتاب وَالسّنة وآثار السّلف وَالْقِيَاس لَكِنَّهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى موافقتها وَهَذَا هُوَ الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب
وَأما الْحَالة الثَّالِثَة وَهِي أَن يستفرغ جهده أَولا فِي معرفَة أولية مَا سبق إِلَيْهِ ثمَّ يستفرغ جهده ثَانِيًا فِي التَّفْرِيع على مَا اخْتَارَهُ وَاسْتَحْسنهُ فَهِيَ حَالَة بعيدَة غير وَاقعَة لبعد الْعَهْد عَن زمَان الْوَحْي واحتياج كل عَالم فِي كثير مِمَّا لَا بُد لَهُ فِي علمه إِلَى مَا مضى من رِوَايَات الْأَحَادِيث على تشعب متونها وطرقها وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الرِّجَال ومراتب صِحَة الحَدِيث وَضَعفه وَجمع مَا اخْتلف من الْأَحَادِيث والْآثَار والتنبه لما يَأْخُذ الْفَقِيه مِنْهَا وَمن معرفَة غَرِيب اللُّغَة وأصول الْفِقْه وَمن رِوَايَة الْمسَائِل الَّتِي سبق التَّكَلُّم فِيهَا من الْمُتَقَدِّمين مَعَ كثرتها جدا وتباينها واختلافها وَمن تَوْجِيه أفكاره فِي تَمْيِيز تِلْكَ الرِّوَايَات وعرضها على الْأَدِلَّة فاذا أنفذ عمره فِي ذَلِك كَيفَ يُوفي حق التفاريع بعد ذَلِك وَالنَّفس الإنسانية وَإِن كَانَت زكية لَهَا حد مَعْلُوم تعجز عَمَّا وَرَاءه وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ميسر للطراز الأول من الْمُجْتَهدين حِين كَانَ الْعَهْد قَرِيبا والعلوم غير متشعبة على أَنه لم يَتَيَسَّر ذَلِك أَيْضا إِلَّا لنفوس قَليلَة وهم مَعَ ذَلِك كَانُوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عَلَيْهِم وَلَكِن لِكَثْرَة تصرفاتهم فِي الْعلم صَارُوا مستقلين
стр. 61
وَبِالْجُمْلَةِ فالتمذهب للمجتهدين سر ألهمه الله تَعَالَى الْعلمَاء وتبعهم عَلَيْهِ من حَيْثُ يَشْعُرُونَ أَو لَا يَشْعُرُونَ
وَمن شَوَاهِد مَا ذَكرْنَاهُ كَلَام الْفَقِيه ابْن زِيَاد الشَّافِعِي اليمني فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ سُئِلَ عَن مَسْأَلَتَيْنِ أجَاب فيهمَا البُلْقِينِيّ بِخِلَاف مَذْهَب الشَّافِعِي فَقَالَ فِي الْجَواب إِنَّك لَا تعرف تَوْجِيه كَلَام البُلْقِينِيّ مَا لم تعرف دَرَجَته فِي الْعلم فانه إِمَام مُجْتَهد مُطلق منتسب غير مُسْتَقل من أهل التَّخْرِيج وَالتَّرْجِيح وأعني بالمنتسب من لَهُ اخْتِيَار وترجيح يُخَالف الرَّاجِح فِي مَذْهَب الإِمَام الَّذِي ينتسب إِلَيْهِ وَهَذَا حَال كثير من جهابذة أكَابِر أَصْحَاب الشَّافِعِي من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَسَيَأْتِي ذكرهم وترتيب درجاتهم وَمِمَّنْ نظم البُلْقِينِيّ فِي سلك الْمُجْتَهدين المطلقين المنتسبين تِلْمِيذه الْوَلِيّ أَبُو زرْعَة فَقَالَ قلت مرّة لشَيْخِنَا الإِمَام البُلْقِينِيّ مَا تَقْصِير الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ عَن الِاجْتِهَاد وَقد اسْتكْمل إِلَيْهِ وَكَيف يُقَلّد قَالَ وَلم أذكرهُ هُوَ أَي شَيْخه البُلْقِينِيّ استحياء مِنْهُ لما أردْت أَن أرتب على ذَلِك فَسكت فَقلت فَمَا عِنْدِي أَن الِامْتِنَاع من ذَلِك إِلَّا للوظائف الَّتِي قدرت للفقهاء على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَأَن من خرج عَن ذَلِك واجتهد لم ينله شَيْء من ذَلِك وَحرم ولَايَة الْقَضَاء وَامْتنع النَّاس من استفتائه وَنسب إِلَيْهِ الْبِدْعَة فَتَبَسَّمَ ووافقني على ذَلِك انْتهى قلت أما أَنا فَلَا أعتقد
стр. 62
أَن الْمَانِع لَهُم من الِاجْتِهَاد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ حاشا منصبهم الْعلي على ذَلِك وَأَن يتْركُوا الِاجْتِهَاد مَعَ قدرتهم عَلَيْهِ لغَرَض الْقَضَاء أَو الْأَسْبَاب هَذَا مَا لَا يجوز لأحد أَن يَعْتَقِدهُ فيهم وَقد تقدم أَن الرَّاجِح عِنْد الْجُمْهُور وجوب الِاجْتِهَاد فِي مثل ذَلِك كَيفَ سَاغَ للْوَلِيّ نسبتهم إِلَى ذَلِك وَنسبَة البُلْقِينِيّ إِلَى مُوَافَقَته على ذَلِك وَقد قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي شرح التَّنْبِيه فِي بَاب الطَّلَاق مَا لَفظه وَمَا وَقع للأئمة من الِاخْتِلَاف من تغير الِاجْتِهَاد فيصححون فِي كل مَوضِع مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد كَانَ المُصَنّف يَعْنِي صَاحب التَّنْبِيه من الِاجْتِهَاد بِالْمحل الَّذِي لَا يُنكر وَصرح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِأَنَّهُ وَابْن الصّباغ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ بلغُوا رُتْبَة الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَمَا وَقع فِي فَتَاوَى ابْن الصّلاح من أَنهم بلغُوا رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِي الْمَذْهَب دون الْمُطلق فمراده أَنهم كَانَت لَهُم دَرَجَة الِاجْتِهَاد المنتسب دون المستقل وَأَن الْمُطلق كَمَا قَرَّرَهُ هُوَ فِي كِتَابه آدَاب الْفتيا وَالنَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نَوْعَانِ مُسْتَقل وَقد فقد من رَأس الأربعمائة فَلم يُمكن وجوده ومنتسب وَهُوَ بَاقٍ إِلَى أَن تَأتي أَشْرَاط السَّاعَة الْكُبْرَى وَلَا يجوز انْقِطَاعه شرعا لِأَنَّهُ فرض كِفَايَة وَمَتى قصر أهل عصر حَتَّى تَرَكُوهُ أثموا كلهم وعصوا بأسرهم كَمَا صرح بِهِ الْأَصْحَاب مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب وَغَيرهم وَلَا يُنَادى هَذَا الْفَرْض بِالِاجْتِهَادِ الْمُقَيد كَمَا صرح بِهِ ابْن اصلاح وَالنَّوَوِيّ فِي
стр. 63
شرح الْمُهَذّب وَالْمَسْأَلَة مبسوطة فِي كتَابنَا الْمُسَمّى بِالرَّدِّ على من أخلد إِلَى الأَرْض وَجَهل أَن الِاجْتِهَاد فِي كل عصر فرض وَلَا يخرج هولاء عَن الِاجْتِهَاد الْمُطلق المنتسب من كَونه شافعية كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَابْن الصّلاح فِي الطَّبَقَات وَتَبعهُ ابْن السُّبْكِيّ وَلِهَذَا صنفوا فِي الْمَذْهَب كتبا وأفتوا وتداولوا وولوا وظائف الشَّافِعِيَّة كَمَا ولي المُصَنّف وَابْن الصّباغ تدريس النظامية بِبَغْدَاد وَولي إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ تدريس النظامية بنيسابور وَولي ابْن عبد السَّلَام الْجَابِيَة والظاهرية بِالْقَاهِرَةِ وَولي ابْن دَقِيق الْعِيد الصلاحية الْمُجَاورَة لمشهد إمامنا الشَّافِعِي ﵁ والفاضلية والكاملية وَغير ذَلِك
أما من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد المستقل فانه يخرج بذلك عَن كَونه شافعيا وَلَا تنقل أَقْوَاله فِي كتب الْمَذْهَب وَلَا أعلم أحدا بلغ هَذِه الربتة من الْأَصْحَاب إِلَّا أَبَا جَعْفَر بن جرير الطَّبَرِيّ فانه كَانَ شافعيا ثمَّ اسْتَقل بِمذهب وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَغَيره وَلَا يعد تفرده وَجها فِي الْمَذْهَب انْتهى وَهِي عِنْدِي أحسن مِمَّا سلك الْوَلِيّ أَبُو زرْعَة ﵁ إِلَّا أَن كَلَامه يَقْتَضِي أَن ابْن جرير لَا يعد شافعيا وَهُوَ
стр. 64
مَرْدُود فقد قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أول كتاب الزَّكَاة من الشَّرْح تفرد ابْن جرير لَا يعد وَجها فِي مَذْهَبنَا وان كَانَ معدودا فِي طَبَقَات أَصْحَاب الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب ذكره أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ فِي الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة فَقَالَ هُوَ من أَفْرَاد عُلَمَائِنَا وَأخذ فقه الشَّافِعِي على الرّبيع الْمرَادِي وَالْحسن الزَّعْفَرَانِي انْتهى وَمعنى انتسابه إِلَى الشَّافِعِي أَنه جرى على طَرِيقَته فِي الِاجْتِهَاد واستقراء الْأَدِلَّة وترتيب بَعْضهَا على بعض وَوَافَقَ اجْتِهَاده وَإِذا خَالف أَحْيَانًا لم يبال بالمخالفة وَلم يخرج عَن طَرِيقه إِلَّا فِي مسَائِل وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي دُخُوله فِي مَذْهَب الشَّافِعِي
وَمن هَذَا الْقَبِيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فانه مَعْدُود فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة وَمِمَّنْ ذكره فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ وَقَالَ إِنَّه تفقه بالحميدي والْحميدِي تفقه بالشافعي وَاسْتدلَّ شَيخنَا الْعَلامَة على ادخال البُخَارِيّ فِي الشَّافِعِيَّة بِذكرِهِ فِي طبقاتهم وَكَلَام النَّوَوِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ شَاهد لَهُ وَذكر الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ فِي طبقاته مَا لَفظه كل تَخْرِيج أطلقهُ الْمخْرج إطلاقا فَظهر أَن ذَلِك الْمخْرج إِن كَانَ مِمَّن يغلب عَلَيْهِ الْمَذْهَب والتقليد كالشيخ أبي حَامِد والقفال عد من الْمَذْهَب وان كَانَ مِمَّن يكثر خُرُوجه كالمحمدين الْأَرْبَعَة يَعْنِي مُحَمَّد بن جرير وَمُحَمّد بن خُزَيْمَة وَمُحَمّد بن نصر الْمروزِي وَمُحَمّد بن الْمُنْذر فَلَا يعد أما الْمُزنِيّ وَبعده ابْن شُرَيْح فَبين الدرجتين لم يخرجُوا خُرُوج المحمدين
стр. 65
وَلم يتقيدوا بِقَيْد الْعِرَاقِيّين والخراسانيين انْتهى
وَمِمَّنْ ذكره السُّبْكِيّ فِي طبقاته الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِمَام أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَالَ إِنَّه مَعْدُود من الشَّافِعِيَّة فانه تفقه بالشيخ أبي إِسْحَاق الْمروزِي انْتهى قَول ابْن زِيَاد
وَمن شَوَاهِد مَا ذكره أَيْضا مَا فِي كتاب الْأَنْوَار حَيْثُ قَالَ والمنتسبون إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد أَصْنَاف
أَحدهَا الْعَوام وتقليدهم للشَّافِعِيّ متفرع على تَقْلِيد المنتسب
الثَّانِي البالغون إِلَى رُتْبَة الِاجْتِهَاد والمجتهد لَا يُقَلّد مُجْتَهدا وَإِنَّمَا ينسبون إِلَيْهِ لجريهم على طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد وَاسْتِعْمَال الْأَدِلَّة وترتيب بَعْضهَا على بعض
الثَّالِث المتوسطون وهم الَّذين لم يبلغُوا دَرَجَة الِاجْتِهَاد لكِنهمْ وقفُوا على أصُول الإِمَام وحكوا من قِيَاس مَا لم يجدوه مَنْصُوصا على مَا نَص عَلَيْهِ وَهَؤُلَاء مقلدون لَهُ وَكَذَا من يَأْخُذهُ بقَوْلهمْ من الْعَوام وَالْمَشْهُور أَنهم لَا يقلدون فِي أنفسهم لأَنهم مقلدون انْتهى كَلَام الْأَنْوَار فان قلت كَيفَ يكون شَيْء وَاحِد غير وَاجِب فِي زمَان وَاجِبا فِي زمَان آخر مَعَ أَن الشَّرْع وَاحِد فَلَيْسَ قَوْلك لم يكن الِاقْتِدَاء
стр. 66
بالمجتهد المستقل وَاجِبا ثمَّ صَار وَاجِبا إِلَّا قولا متناقضا متنافيا
قلت الْوَاجِب الأَصْل هُوَ أَن يكون فِي الْأمة من يعرف الْأَحْكَام الفرعية من أدلتها التفصيلية أجمع على ذَلِك أهل الْحق ومقدمة الْوَاجِب وَاجِبَة فَإِذا كَانَ للْوَاجِب طرق مُتعَدِّدَة وَجب تَحْصِيل طَرِيق من تِلْكَ الطّرق من غير تعْيين وَإِذا تعين لَهُ طَرِيق وَاحِد وَجب ذَلِك الطَّرِيق بِخُصُوصِهِ كَمَا إِذا كَانَ الرجل فِي مَخْمَصَة شَدِيدَة يخَاف مِنْهَا الْهَلَاك وَكَانَ لدفع مخمصته طرق من شِرَاء الطَّعَام والتقاط الْفَوَاكِه من الصَّحرَاء واصطياد مَا يتقوت بِهِ وَجب تَحْصِيل شَيْء من هَذِه الطّرق لَا على التعين فاذا وَقع فِي مَكَان لَيْسَ هُنَاكَ صيد وَلَا فواكه وَحب عَلَيْهِ بذل المَال فِي شِرَاء الطَّعَام وَكَذَلِكَ كَانَ للسلف طرق فِي تَحْصِيل هَذَا الْوَاجِب وَكَانَ الْوَاجِب تَحْصِيل طَرِيق من تِلْكَ الطّرق لَا على التعين ثمَّ انسدت تِلْكَ الطّرق إِلَّا طَرِيقا وَاحِدًا فَوَجَبَ ذَلِك الطَّرِيق بِخُصُوصِهِ وَكَانَ السّلف لَا يَكْتُبُونَ الحَدِيث ثمَّ صَار يَوْمنَا هَذَا كِتَابَة الحَدِيث وَاجِبَة لِأَن رِوَايَة الحَدِيث لَا سَبِيل لَهَا الْيَوْم إِلَّا بِمَعْرِِفَة هَذِه الْكتب
وَكَانَ السّلف لَا يشتغلون بالنحو واللغة وَكَانَ لسانهم عَرَبيا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِه الْفُنُون ثمَّ صَار يَوْمنَا هَذَا معرفَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَاجِبَة لبعد الْعَهْد عَن الْعَرَب الأول وشواهد
стр. 67
مَا نَحن فِيهِ كَثِيرَة جدا وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن الْقيَاس وجوب التَّقْلِيد لإِمَام بِعَيْنِه فانه قد يكون وَاجِبا وَقد لَا يكون وَاجِبا فاذا كَانَ إِنْسَان جَاهِل فِي بِلَاد الْهِنْد أَو فِي بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر وَلَيْسَ هُنَاكَ عَالم شَافِعِيّ وَلَا مالكي وَلَا حنبلي وَلَا كتاب من كتب هَذِه الْمذَاهب وَجب عَلَيْهِ أَن يُقَلّد لمَذْهَب أبي حنيفَة وَيحرم عَلَيْهِ أَن يخرج من مذْهبه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يخلع ربقة الشَّرِيعَة وَيبقى سدى مهملا بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ فِي الْحَرَمَيْنِ فانه متيسر لَهُ هُنَاكَ معرفَة جَمِيع الْمذَاهب وَلَا يَكْفِيهِ أَن يَأْخُذ بِالظَّنِّ من غير ثِقَة وَلَا أَن يَأْخُذ من أَلْسِنَة الْعَوام وَلَا أَن يَأْخُذ من كتاب غير مَشْهُور كَمَا ذكر كل ذَلِك فِي النَّهر الْفَائِق شرح كنز الدقائق
وَاعْلَم أَن الْمُجْتَهد الْمُطلق من جمع خَمْسَة من الْعُلُوم قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَشرط القَاضِي مُسلم مُكَلّف حر عدل سميع بَصِير نَاطِق كَاف مُجْتَهد وَهُوَ أَن يعرف من الْقُرْآن والسنه مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وخاصه وعامه ومجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه ومتواتر السّنة وَغَيره والمتصل والمرسل وَحَال الروَاة قُوَّة وضعفا ولسان الْعَرَب لُغَة ونحوا وأقوال الْعلمَاء من الصَّحَابَة فَمن
стр. 68
بعدهمْ اجتماعا واختلافا وَالْقِيَاس بأنواعه
ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا الْمُجْتَهد قد يكون مُسْتقِلّا وَقد يكون منتسبا إِلَى المستقل والمستقل من امتاز عَن سَائِر الْمُجْتَهدين بِثَلَاث خِصَال كَمَا ترى ذَلِك فِي الشَّافِعِي ظَاهرا
أَحدهَا أَن يتَصَرَّف فِي الْأُصُول وَالْقَوَاعِد الَّتِي يستنبط مِنْهَا الْفِقْه كَمَا ذكر ذَلِك فِي أَوَائِل الْأُم حَيْثُ عد صَنِيع الْأَوَائِل فِي استنباطهم واستدرك عَلَيْهِم وكما أخبرنَا شَيخنَا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمدنِي عَن مشايخه المكيين الشَّيْخ حسن بن عَليّ العجمي وَالشَّيْخ أَحْمد النخلي عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن الْعَلَاء الْبَاهِلِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم اللَّقَّانِيّ وَعبد الرؤوف الطبلاوي عَن الْجلَال أبي فضل السُّيُوطِيّ عَن أبي الْفضل الْمرْجَانِي إجَازَة عَن أبي الْفرج الْغَزِّي عَن يُونُس بن إِبْرَاهِيم الدبوسي عَن أبي الْحسن بن الْبَقر عَن الْفضل بن سهل الإسفرائيني عَن الْحَافِظ الْحجَّة أبي بكر أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب أخبرنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حبَان حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا أَبُو حَاتِم يَعْنِي الرَّازِيّ حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ قَالَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي الأَصْل قُرْآن وَسنة فان لم يكن فَقِيَاس عَلَيْهِمَا وَإِذا اتَّصل الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ وَصَحَّ الْإِسْنَاد مِنْهُ فَهُوَ سنة والاجماع أكبر من الْخَبَر الْمُفْرد والْحَدِيث
стр. 69
على ظَاهره وَإِذا احْتمل الْمعَانِي فَمَا أشبه مِنْهَا ظَاهره أولاها بِهِ وَإِذا تكافأت الْأَحَادِيث فأصحها إِسْنَادًا أولاها وَلَيْسَ الْمُنْقَطع بِشَيْء مَا عدا مُنْقَطع ابْن الْمسيب وَلَا يُقَاس أصل على أصل وَلَا يُقَال للْأَصْل لم وَكَيف وَإِنَّمَا يُقَال للفرع لم فاذا صَحَّ قِيَاسه على الأَصْل صَحَّ وَقَامَت بِهِ الْحجَّة انْتهى
وَثَانِيها أَن يجمع الْأَحَادِيث والْآثَار فَيحصل أَحْكَامهَا وينبه لأخذ الْفِقْه مِنْهَا وَيجمع مختلفها ويرجح بَعْضهَا على بعض ويعين بعض محتملها وَذَلِكَ قريب من ثُلثي علم الشَّافِعِي فِيمَا نرى وَالله أعلم
وَثَالِثهَا أَن يفرع التفاريع الَّتِي ترد عَلَيْهِ مِمَّا لم يسْبق بِالْجَوَابِ فِيهِ من الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بالْخبر
وَبِالْجُمْلَةِ فَيكون كثير التَّصَرُّفَات فِي هَذِه الْخِصَال فائقا على أقرانه سَابِقًا فِي حلبة رهانه مبرزا فِي ميدانه
وخصلة رَابِعَة نتلوها وَهِي أَن ينزل لَهُ الْقبُول من السَّمَاء فَأقبل إِلَى علمه جماعات من الْعلمَاء من الْمُفَسّرين والمحدثين والأصوليين وحفاظ كتب الْفِقْه ويمضي على ذَلِك الْقبُول والإقبال قُرُون متطاولة حَتَّى يدْخل ذَلِك فِي صميم الْقُلُوب والمجتهد الْمُطلق المنتسب هُوَ الْمُقْتَدِي الْمُسلم فِي الْخصْلَة الأولى الْجَارِي فِي مجْرَاه فِي الْخصْلَة الثَّانِيَة
والمجتهد فِي الْمَذْهَب هُوَ الَّذِي مُسلم مِنْهُ الأولى وَالثَّانيَِة
стр. 70
وَجرى مجْرَاه فِي التَّفْرِيع على منهاج تفاريعه
ولنضرب لذَلِك مثلا فَنَقُول كل من تطيب فِي هَذِه الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة إِمَّا أَن يكون يَقْتَدِي بأطباء اليونان أَو بأطباء الْهِنْد فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد المستقل ثمَّ إِن كَانَ هَذَا المتطبب قد عرف خَواص الْأَدْوِيَة وأنواع الْأَمْرَاض وَكَيْفِيَّة تَرْتِيب الْأَشْرِبَة والمعاجين بعقله بِأَن تنبه لذَلِك من تنبيههم حَتَّى صَار على يَقِين من أمره من غير تَقْلِيد واقتدر على أَن يفعل كَمَا فعلوا فَيعرف خَواص العقاقير الَّتِي لم يسْبق بالتكلم فِيهَا وَبَيَان أَسبَاب الْأَمْرَاض وعلاماتها ومعالجاتها مِمَّا لم يرصده السَّابِقُونَ وزاحم الْأَوَائِل فِي بعض مَا تكلم قل فِي ذَلِك مِنْهُ أَو كثر فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد الْمُطلق المنتسب وان سلم ذَلِك مِنْهُم من غير يَقِين كَامِل وَكَانَ أَكْثَرهم توليدا للأشربة والمعاجين من تِلْكَ الْقَوَاعِد الممهدة كأكثر متطببي هَذِه الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب
وَكَذَلِكَ كل من نظم الشّعْر فِي هَذِه الْأَزْمِنَة أما أَن يَقْتَدِي فِي ذَلِك بأشعار الْعَرَب ويختار أوزانهم وقوافيهم وأساليب قصائدهم أَو بأشعار الْعَجم فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد المستقل ثمَّ إِن كَانَ هَذَا الشَّاعِر مخترعا لأنواع من الْغَزل والتشبيب والمدح والهجو والوعظ وأتى بالعجب العجاب فِي الاستعارات والبديع وَنَحْوهَا مِمَّا لم يسْبق إِلَى مثله بل تنبه لذَلِك من بعض صنائعهم فَأخذ النظير وقايس الشَّيْء بالشَّيْء واقتدر على أَن
стр. 71
يخترع بحرا لم يتَكَلَّم فِيهِ من قبله وأسلوبا جَدِيدا كنظم المثنوي والرباعي ورعاية الرديف أَعنِي كلمة تَامَّة يُعِيدهَا فِي كل بَيت بعد القافية يفعل كل ذَلِك فِي الشّعْر الْعَرَبِيّ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد الْمُطلق وَإِن لم يكن مخترعا وَإِنَّمَا يتبع طرقهم فَقَط فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب
وَهَكَذَا الْحَال فِي علم التَّفْسِير والتصوف وَغَيرهمَا من الْعُلُوم
فان قلت مَا السَّبَب فِي أَن الْأَوَائِل لم يتكلموا فِي أصُول الْفِقْه كثير كَلَام فَلَمَّا نَشأ الشَّافِعِي تكلم فِيهَا كلَاما شافيا وَأفَاد وأجاد
قلت سَببه أَن الْأَوَائِل كَانَ يجْتَمع عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم أَحَادِيث بَلَده وآثاره وَلَا يجْتَمع أَحَادِيث الْبِلَاد فاذا تَعَارَضَت عَلَيْهِ الْأَدِلَّة فِي أَحَادِيث بَلَده حكم فِي ذَلِك التَّعَارُض بِنَوْع من الفراسة بِحَسب مَا تيَسّر لَهُ
ثمَّ اجْتمع فِي عصر الشَّافِعِي أَحَادِيث الْبِلَاد جَمِيعهَا فَوَقع التَّعَارُض فِي أَحَادِيث الْبِلَاد ومختارات فقهائها مرَّتَيْنِ مرّة فِيمَا بَين أَحَادِيث بلد وَأَحَادِيث بلد آخر وَمرَّة فِي أحايث بلد وَاحِد فِيمَا بَينهَا وانقصر كل رجل بشيخه فِيمَا رأى من الفراسة فاتسع الْخرق وَكثر الشغب وهجم على النَّاس من
стр. 72
كل جَانب من الاختلافات مَا لم يكن بِحِسَاب فبقوا متحيرين مدهوشين لَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا حَتَّى جَاءَهُم تأييد من رَبهم فألهم الشَّافِعِي قَوَاعِد جمع هَذِه المختلفات وَفتح لمن بعده بَابا وَأي بَاب وانقرض الْمُجْتَهد الْمُطلق المنتسب فِي مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة بعد الْمِائَة الثَّالِثَة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُحدثا جهبذا واشتغالهم بِعلم الحَدِيث قَلِيل قَدِيما وحديثا وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ المجتهدون فِي الْمَذْهَب وَهَذَا الِاجْتِهَاد أَرَادَ من قَالَ أدنى الشُّرُوط للمجتهد حفظ الْمَبْسُوط
وَقل الْمُجْتَهد المنتسب فِي مَذْهَب مَالك وكل من كَانَ مِنْهُم بِهَذِهِ الْمنزلَة فانه لَا يعد تفرده وَجها فِي الْمَذْهَب كَأبي عمر الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ
وَأما مَذْهَب أَحْمد فَكَانَ قَلِيلا قَدِيما وحديثا وَكَانَ فِيهِ المجتهدون طبقَة بعد طبقَة إِلَى أَن انقرض فِي الْمِائَة التَّاسِعَة واضمحل الْمَذْهَب فِي أَكثر الْبِلَاد اللَّهُمَّ إِلَّا نَاس قَلِيلُونَ بِمصْر وبغداد
ومنزلة مَذْهَب أَحْمد من مَذْهَب الشَّافِعِي منزلَة مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد من مَذْهَب أبي حنيفَة إِلَّا أَن مذْهبه لم يجمع فِي التدوين مَعَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَمَا دون مَذْهَبهمَا مَعَ مَذْهَب أبي حنيفَة فَلذَلِك لم يعدا مذهبا وَاحِدًا فِيمَا ترى وَالله أعلم
стр. 73
وَلَيْسَ تدوينه مَعَ مذْهبه تميزا على من تلقاهما على وجههما
وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فَأكْثر الْمذَاهب مُجْتَهدا مُطلقًا ومجتهدا فِي الْمَذْهَب وَأكْثر الْمذَاهب أصوليا ومتكلما وأوفرها مُفَسرًا لِلْقُرْآنِ وشارحا للْحَدِيث وأشدها إِسْنَادًا وَرِوَايَة وأقواها ضبطا لنصوص الإِمَام وأشدها تميزا بَين أَقْوَال الإِمَام ووجوه الْأَصْحَاب وأكثرها اعتناء بترجيح بعض الْأَقْوَال وَالْوُجُوه على بعض
وكل ذَلِك لَا يخفى على من مارس الْمذَاهب واشتغل بهَا وَكَانَ أَوَائِل أَصْحَابه مجتهدين بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق لَيْسَ فيهم من يقلده فِي جَمِيع مجتهداته حَتَّى نَشأ ابْن سُرَيج فَأَسَّسَ قَوَاعِد التَّقْلِيد والتخريج ثمَّ جَاءَ أَصْحَابه يَمْشُونَ فِي سَبيله وينسجون على منواله وَلذَلِك يعد من المجددين على رَأس الْمِائَتَيْنِ وَالله أعلم
وَلَا يخفى عَلَيْهِ أَيْضا أَن مَادَّة مَذْهَب الشَّافِعِي من الْأَحَادِيث والْآثَار مدونة مَشْهُورَة مخدومة وَلم يتَّفق مثل ذَلِك فِي مَذْهَب غَيره فَمن مَادَّة مذْهبه كتاب الْمُوَطَّأ وَهُوَ وان كَانَ مُتَقَدما على الشَّافِعِي فان الشَّافِعِي بنى عَلَيْهِ مذْهبه وصحيح
стр. 74
البُخَارِيّ وصحيح مُسلم وَكتب أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والدارمي ثمَّ مُسْند الشَّافِعِي وَسنَن النَّسَائِيّ وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ وَسنَن الْبَيْهَقِيّ وَشرح السّنة لِلْبَغوِيِّ
أما البُخَارِيّ فانه وان كَانَ منتسبا إِلَى الشَّافِعِي مُوَافقا لَهُ فِي كثير من الْفِقْه فقد خَالفه أَيْضا فِي كثير وَلذَلِك لايعد مَا تفرد بِهِ من مَذْهَب الشَّافِعِي
وَأما أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فهما مجتهدان منتسبان إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق وَكَذَلِكَ ابْن ماجة والدرامي فِيمَا نرى وَالله أعلم
وَأما مُسلم وَالْعَبَّاس الْأَصَم جَامع مُسْند الشَّافِعِي وَالَّذين ذَكَرْنَاهُمْ بعده فهم متفردون لمَذْهَب الشَّافِعِي يناضلون دونه
وَإِذا أحطت بِمَا ذَكرْنَاهُ اتَّضَح عنْدك أَن من حاد مَذْهَب الشَّافِعِي يكون محروما عَن مَذْهَب الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَإِن علم الحَدِيث وَقد أَبى أَن يناصح من يتطفل على الشَّافِعِي وَأَصْحَابه ﵃ … وَكن طفيليهم على أدب … فَلَا أرى شافعا سوى الْأَدَب …
стр. 75
بَاب حِكَايَة مَا حدث فِي النَّاس بعد الْمِائَة الرَّابِعَة
ثمَّ بعد هَذِه الْقُرُون كَانَ نَاس آخَرُونَ ذَهَبُوا يَمِينا وَشمَالًا وَحدث فيهم أُمُور مِنْهَا
١ - الجدل وَالْخلاف فِي علم الْفِقْه وتفصيله على مَا ذكره الْغَزالِيّ أَنه لما انقرض عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين أفضت الْخلَافَة إِلَى قوم تولوها بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلَا اسْتِقْلَال بِعلم الفتاوي وَالْأَحْكَام فاضطروا إِلَى الِاسْتِعَانَة بالفقهاء وَإِلَى استصحابهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم وَقد كَانَ بَقِي من الْعلمَاء من هُوَ مُسْتَمر على الطّراز الأول وملازم صف الدّين فَكَانُوا إِذا طلبُوا هربوا وأعرضوا فَرَأى أهل تِلْكَ الْأَعْصَار عز الْعلمَاء وإقبال الْأَئِمَّة عَلَيْهِم مَعَ إعراضهم فأشرأبوا لطلب الْعلم توصلا إِلَى نيل الْعِزّ ودرك الجاه
следующие страницы →