← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 422

الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف للدهلوي

ولي الله الدهلوي

Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُقَدّمَة الْحَمد لله الَّذِي بعث سيدنَا مُحَمَّدًا صلوَات الله عَلَيْهِ إِلَى النَّاس ليَكُون هاديا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا ثمَّ ألهم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاء الْمُجْتَهدين أَن يحفظوا سير نَبِيّهم طبقَة بعد طبقَة إِلَى أَن تؤذن الدُّنْيَا بِانْقِضَاء ليتم النعم وَكَانَ على مَا يَشَاء قَدِيرًا وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي لَا نَبِي بعده صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ

стр. 2

أما بعد فَيَقُول الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله الْكَرِيم ولي الله بن عبد الرَّحِيم أتم الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا نعمه فِي الأولى وَالْأُخْرَى إِن الله تَعَالَى ألْقى فِي قلبِي وقتا من الْأَوْقَات ميزانا أعرف بِهِ سَبَب كل اخْتِلَاف وَقع فِي الْملَّة المحمدية على صَاحبهَا الصَّلَوَات والتسليمات وَأعرف بِهِ مَا هُوَ الْحق عِنْد الله وَعند رَسُوله ومكنني من أَن أبين ذَلِك بَيَانا لَا يبْقى مَعَه شُبْهَة وَلَا إِشْكَال ثمَّ سُئِلت عَن سَبَب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة خَاصَّة فانتدبت لبَيَان بعض مَا فتح عَليّ بِهِ ساعتئذ بِقدر مَا يَسعهُ الْوَقْت ويحيط بِهِ السَّائِل فَجَاءَت رِسَالَة مفيدة فِي بَابهَا وسميتها الانصاف فِي بَيَان أَسبَاب الِاخْتِلَاف وحسبي الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 3

بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوع إعلم أَن رَسُول الله ﷺ لم يكن الْفِقْه فِي زَمَانه الشريف مدونا وَلم يكن الْبَحْث فِي الْأَحْكَام يَوْمئِذٍ مثل بحث هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء حَيْثُ يبينون بأقصى جهدهمْ الْأَركان والشروط والآداب كل شَيْء ممتازا عَن الآخر بدليله ويفرضون الصُّور من صنائعهم ويتكلمون على تِلْكَ الصُّور الْمَفْرُوضَة ويحدون مَا يقبل الْحَد ويحصرون مَا يقبل الْحصْر إِلَى غير ذَلِك أما رَسُول الله ﷺ فَكَانَ يتَوَضَّأ فَيرى أَصْحَابه وضوءه

стр. 4

فَيَأْخُذُونَ بِهِ من غير أَن يبين أَن هَذَا ركن وَذَلِكَ أدب وَكَانَ يُصَلِّي فيرون صلَاته فيصلون كَمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَحج فرمق النَّاس حجه فَفَعَلُوا كَمَا فعل وَهَذَا كَانَ غَالب حَاله ﷺ وَلم يبين أَن فروض الْوضُوء سِتَّة أَو أَرْبَعَة وَلم يفْرض أَنه يحْتَمل أَن يتَوَضَّأ إِنْسَان بِغَيْر مُوالَاة حَتَّى يحكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ أَو الْفساد إِلَّا مَا شَاءَ الله وقلما كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْأَشْيَاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا رَأَيْت قوما كَانُوا خيرا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَن ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة حَتَّى قبض كُلهنَّ فِي الْقُرْآن مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ قَالَ مَا كَانُوا يسْأَلُون إِلَّا عَمَّا يَنْفَعهُمْ

стр. 5

قَالَ ابْن عمر ﵁ لَا تسْأَل عَمَّا لم يكن فَانِي سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يلعن من سَأَلَ عَمَّا لم يكن قَالَ الْقَاسِم إِنَّكُم تسْأَلُون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا نسْأَل عَنْهَا وتنقرون

стр. 6

عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا ننقر عَنْهَا وتسألون عَن أَشْيَاء مَا أَدْرِي مَا هِيَ وَلَو علمناها مَا حل لنا أَن نكتمها وَعَن عَمْرو بن إِسْحَاق قَالَ لمن أدْركْت من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَكثر مِمَّن سبقني مِنْهُم فَمَا رَأَيْت قوما أيسر سيرة وَلَا أقل تشديدا مِنْهُم وَعَن عبَادَة بن نسي الْكِنْدِيّ سُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَت مَعَ قوم لَيْسَ لَهَا ولي فَقَالَ أدْركْت أَقْوَامًا مَا كَانُوا يشددون تشديدكم وَلَا يسْأَلُون مسائلكم أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ وَكَانَ ﷺ يستفتيه النَّاس فِي الوقائع فيفتيهم وترفع إِلَيْهِ القضايا فَيَقْضِي فِيهَا وَيرى النَّاس يَفْعَلُونَ مَعْرُوفا فيمدحه أَو مُنْكرا فينكر عَلَيْهِ وَمَا كل مَا أفتى بِهِ مستفتيا عَنهُ أَو قضى بِهِ فِي قَضِيَّة أَو أنكرهُ على فَاعله كَانَ فِي الاجتماعات وَلذَلِك كَانَ الشَّيْخَانِ أَبُو بكر وَعمر إِذا لم يكن لَهما علم فِي الْمَسْأَلَة يسألان النَّاس عَن حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ مَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ فِيهَا شَيْئا يَعْنِي الْجدّة وَسَأَلَ النَّاس فَلَمَّا صلى الظّهْر

стр. 7

قَالَ أَيّكُم سمع رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْجدّة شَيْئا فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنا قَالَ مَاذَا قَالَ أَعْطَاهَا رَسُول الله ﷺ سدسا قَالَ أيعلم ذَلِك أحد غَيْرك فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة صدق فَأَعْطَاهَا أَبُو بكر السُّدس وقصة سُؤال عمر النَّاس فِي الْغرَّة ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر الْمُغيرَة وسؤاله إيَّاهُم فِي الوباء ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر عبد

стр. 8

الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَذَا رُجُوعه فِي قصَّة الْمَجُوس إِلَى خَبره وسرور عبد الله بن مَسْعُود بِخَبَر معقل بن يسَار

стр. 9

لما وَافق رَأْيه وقصة رُجُوع أبي مُوسَى عَن بَاب عمر وسؤاله عَن الحَدِيث وَشَهَادَة أبي سعيد لَهُ وأمثال ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مروية فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن

стр. 10

وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ كَانَت عَادَته الْكَرِيمَة ﷺ فَرَأى كل صَحَابِيّ مَا يسره الله لَهُ من عباداته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها وَعرف لكل شَيْء وَجها من قبل حفوف الْقَرَائِن بِهِ فَحمل بَعْضهَا على الْإِبَاحَة وَبَعضهَا على الِاسْتِحْبَاب وَبَعضهَا على النّسخ لأمارات وقرائن كَانَت كَافِيَة عِنْده وَلم يكن الْعُمْدَة عِنْدهم إِلَّا وجدان الاطمئنان والثلج من غير الْتِفَات إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال كَمَا ترى الْأَعْرَاب يفهمون مَقْصُود الْكَلَام فِيمَا بَينهم وتثلج صُدُورهمْ بالتصريح والتلويح والإيماء من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فانقضى عصره الْكَرِيم وهم على ذَلِك ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ كل وَاحِد مقتدى نَاحيَة من النواحي فكثرت الوقائع ودارت الْمسَائِل فاستفتوا فِيهَا فَأجَاب كل وَاحِد حسب مَا حفظه أَو استنبطه وَإِن لم يجد فِيمَا حفظه

стр. 11

أَو استنبطه مَا يصلح للجواب اجْتهد بِرَأْيهِ وَعرف الْعلَّة الَّتِي أدَار رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا الحكم فِي منصوصاته فطرد الحكم حَيْثُمَا وجدهَا لَا يألو جهدا فِي مُوَافقَة غَرَضه ﵊ فَعِنْدَ ذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف بَينهم على ضروب ١ - مِنْهَا أَن صحابيا سمع حكما فِي قَضِيَّة أَو فَتْوَى وَلم يسمعهُ الآخر فاجتهد بِرَأْيهِ فِي ذَلِك وَهَذَا على وُجُوه أَحدهَا أَن يَقع اجْتِهَاده مُوَافق الحَدِيث مِثَاله مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره أَن ابْن مَسْعُود ﵁ سُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا وَلم يفْرض لَهَا فَقَالَ لم أر رَسُول الله ﷺ يقْضِي فِي ذَلِك فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شهرا وألحوا فاجتهد بِرَأْيهِ وَقضى بِأَن لَهَا مهر نسائها لَا وكس وَلَا شطط وَعَلَيْهَا الْعدة وَلها الْمِيرَاث فَقَالَ معقل بن يسَار فَشهد بِأَنَّهُ ﷺ قضى بِمثل ذَلِك فِي امْرَأَة مِنْهُم ففرح بذلك ابْن مَسْعُود فرحة لم يفرح مثلهَا قطّ بعد الْإِسْلَام وَثَانِيها أَن يَقع بَينهمَا المناظرة وَيظْهر الحَدِيث بِالْوَجْهِ الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن فَيرجع عَن اجْتِهَاده إِلَى المسموع مِثَاله مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة من أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ كَانَ

стр. 12

من مذْهبه أَنه من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ حَتَّى أخْبرته بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ بِخِلَاف مذْهبه فَرجع وَثَالِثهَا أَن يبلغهُ الحَدِيث وَلَكِن لَا على الْوَجْه الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن فَلم يتْرك اجْتِهَاده بل طعن فِي الحَدِيث مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول من أَن فَاطِمَة بنت قيس شهِدت عِنْد عمر بن الْخطاب بِأَنَّهَا كَانَت مُطلقَة الثَّلَاث فَلم يَجْعَل لَهَا رَسُول الله ﷺ نَفَقَة وَلَا سُكْنى فَرد عمر شهادتها وَقَالَ لَا نَتْرُك كتاب الله بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى

стр. 13

وَقَالَت عَائِشَة ﵂ يَا فَاطِمَة أَلا تتقي الله يَعْنِي فِي قَوْلهَا لَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة

стр. 14

وَمِثَال آخر روى الشَّيْخَانِ أَنه كَانَ من مَذْهَب عمر ابْن الْخطاب أَن التَّيَمُّم لَا يجزىء الْجنب الَّذِي لَا يجد المَاء فروى عِنْده عمار أَنه كَانَ مَعَه فِي سفر فأصابته جَنَابَة وَلم يجد مَاء فتمعك فِي التُّرَاب فَذكر ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تفعل هَكَذَا وَضرب بيدَيْهِ الأَرْض فَمسح بهما وَجهه وَيَديه فَلم يقبل عمر وَلم ينْهض عِنْده حجَّة تقاوم مَا رَآهُ فِيهِ حَتَّى استفاض الحَدِيث فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من طرق كَثِيرَة واضمحل وهم القادح فَأخذُوا بِهِ وَرَابِعهَا أَن لَا يصل إِلَيْهِ الحَدِيث أصلا مِثَاله مَا أخرج مُسلم أَن ابْن عمر كَانَ يَأْمر النِّسَاء إِذا اغْتَسَلْنَ أَن يَنْقُضْنَ رؤوسهن فَسمِعت عَائِشَة ﵂ بذلك فَقَالَت يَا عجبا لِابْنِ عمر هَذَا يَأْمر النِّسَاء أَن يَنْقُضْنَ رؤوسهن أَفلا يَأْمُرهُنَّ أَن يَحْلِقن رؤوسهن لقد كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله ﷺ من إِنَاء وَاحِد وَمَا أَزِيد على أَن افرغ على رَأْسِي ثَلَاث افراغات مِثَال آخر مَا ذكره الزُّهْرِيّ من أَن هندا لم تبلغها رخصَة

стр. 15

رَسُول الله ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَة فَكَانَت تبْكي لِأَنَّهَا كَانَت لَا تصلي ٢ - وَمن تِلْكَ الضروب ان يرَوا رَسُول الله ﷺ فعل فعلا فَحَمله بَعضهم على الْقرْبَة وَبَعْضهمْ على الْإِبَاحَة مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول فِي قصَّة التحصيب أَي النُّزُول بِالْأَبْطح عِنْد النَّفر من عَرَفَات نزل رَسُول الله ﷺ بِهِ فَذهب أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر إِلَى أَنه على وَجه الْقرْبَة فجعلوه من سنَن الْحَج وَذَهَبت عَائِشَة ﵂ وَابْن عَبَّاس إِلَى أَنه كَانَ على وَجه الِاتِّفَاق وَلَيْسَ من السّنَن وَمِثَال آخر ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرمل فِي الطّواف سنة وَذهب ابْن عَبَّاس ﵁ إِلَى أَنه إِنَّمَا فعله النَّبِي ﷺ على سَبِيل الِاتِّفَاق لعَارض عرض وَهُوَ قَول الْمُشْركين

стр. 16

حطمتهم حمى يثرب وَلَيْسَ بِسنة ٣ - وَمِنْهَا اخْتِلَاف الْوَهم مِثَاله أَن رَسُول الله ﷺ حج فَرَآهُ النَّاس فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه كَانَ مُتَمَتِّعا وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ قَارنا وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ مُفردا مِثَال آخر أخرج أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ قلت لعبد الله بن عَبَّاس يَا أَبَا الْعَبَّاس عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي إهلال رَسُول الله ﷺ حِين أوجب فَقَالَ إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت من رَسُول الله ﷺ حجَّة وَاحِدَة فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا خرج رَسُول الله ﷺ حَاجا فَلَمَّا صلى فِي مَسْجده بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ أوجب فِي مَجْلِسه وَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظوه عَنهُ ثمَّ ركب فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام وَذَلِكَ أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل فَقَالُوا إِنَّمَا أهل رَسُول الله ﷺ حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا علا على شرف الْبَيْدَاء أهل

стр. 17

وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام فَقَالُوا إِنَّمَا أهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء وأيم الله لقد أوجب فِي مصلاة وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته وَأهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء ٤ - وَمِنْهَا اخْتِلَاف السَّهْو وَالنِّسْيَان مِثَاله مَا رُوِيَ أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول اعْتَمر رَسُول الله ﷺ عمْرَة فِي رَجَب فَسمِعت بذلك عَائِشَة فقضت عَلَيْهِ بالسهو ٥ - وَمِنْهَا اخْتِلَاف الضَّبْط مِثَاله مَا روى ابْن عمر عَنهُ ﷺ من أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ فقضت عَائِشَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وهم بِأخذ الحَدِيث على هَذَا مر رَسُول الله ﷺ على يَهُودِيَّة يبكي عَلَيْهَا أَهلهَا فَقَالَ إِنَّهُم يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا تعذب فِي قبرها فَظن أَن الْعَذَاب مَعْلُول للبكاء وَظن الحكم عَاما على كل ميت وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي عِلّة الحكم مِثَاله الْقيام للجنازة فَقَالَ قَائِل لتعظيم الْمَلَائِكَة فَيعم

стр. 18

الْمُؤمن وَالْكَافِر وَقَالَ قَائِل لهول الْمَوْت فيعمهما وَقَالَ قَائِل مر على رَسُول الله ﷺ بِجنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ لَهَا كَرَاهَة أَن تعلو فَوق رَأسه فيخص الْكَافِر ٧ - وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي الْجمع بَين الْمُخْتَلِفين مِثَاله رخص رَسُول الله ﷺ فِي الْمُتْعَة عَام خَيْبَر ثمَّ نهى عَنْهَا ثمَّ رخص فِيهَا عَام أَوْطَاس ثمَّ نهى عَنْهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس كَانَت الرُّخْصَة للضَّرُورَة وَالنَّهْي لانقضاء الضَّرُورَة وَالْحكم بَاقٍ على ذَلِك وَقَالَ الْجُمْهُور كَانَت الرُّخْصَة اباحة وَالنَّهْي نسخا لَهَا مِثَال آخر نهى رَسُول الله ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الِاسْتِنْجَاء فَذهب قوم إِلَى عُمُوم هَذَا الحكم وَكَونه غير مَنْسُوخ وَرَآهُ جَابر يَبُول قبل أَن يتوفى بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَذهب إِلَى أَنه نسخ للنَّهْي الْمُتَقَدّم وَرَآهُ ابْن عمر قضى حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام فَرد بِهِ قَوْلهم وَجمع قوم بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَذهب الشّعبِيّ وَغَيره إِلَى أَن النَّهْي مُخْتَصّ بالصحراء فاذا كَانَ فِي المراحيض فَلَا بَأْس بالاستقبال والاستدبار وَذهب قوم إِلَى أَن القَوْل عَام مُحكم وَالْفِعْل يحْتَمل كَونه خَاصّا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَا ينتهض نَاسِخا وَلَا مُخَصّصا وَبِالْجُمْلَةِ فاختلفت مَذَاهِب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَأخذ عَنْهُم التابعون كل وَاحِد مَا تيَسّر لَهُ فحفظ مَا سمع من حَدِيث رَسُول الله ﷺ ومذاهب الصَّحَابَة وعقلها وَجمع

стр. 19

الْمُخْتَلف على مَا تيَسّر لَهُ وَرجح بعض الْأَقْوَال على بعض واضمحل فِي نظرهم بعض الْأَقْوَال وان كَانَ مأثورا عَن كبار الصَّحَابَة كالمذهب الْمَأْثُور عَن عمر وَابْن مَسْعُود فِي تيَمّم الْجنب اضمحل عِنْدهم لما استفاض من الْأَحَادِيث عَن عمار وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهمَا فَعِنْدَ ذَلِك صَار لكل عَالم من عُلَمَاء التَّابِعين مَذْهَب على حياله وانتصب فِي كل بلد إِمَام مثل سعيد بن الْمسيب وَسَالم بن عبد الله بن عمر فِي الْمَدِينَة وبعدهما الزُّهْرِيّ وَالْقَاضِي يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن فِيهَا وَعَطَاء بن أبي رَبَاح بِمَكَّة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ بِالْكُوفَةِ وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ وَطَاوُس بن كيسَان بِالْيمن وَمَكْحُول بِالشَّام فأظمأ الله أكبادا إِلَى علومهم فرغبوا فِيهَا وَأخذُوا عَنْهُم الحَدِيث وفتاوى الصَّحَابَة وأقاويلهم ومذاهب هَؤُلَاءِ الْعلمَاء وتحقيقاتهم من عِنْد أنفسهم واستفتى مِنْهُم المستفتون ودارت الْمسَائِل بَينهم وَرفعت إِلَيْهِم الْأَقْضِيَة وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وأمثالهما جمعُوا

стр. 20

أَبْوَاب الْفِقْه أجمعها وَكَانَ لَهُم فِي كل بَاب أصُول تلقوها من السّلف وَكَانَ سعيد وَأَصْحَابه يذهبون إِلَى أَن أهل الْحَرَمَيْنِ أثبت النَّاس فِي الْفِقْه وأصل مَذْهَبهم فَتَاوَى عمر وَعُثْمَان وقضاياهما وفتاوى عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وقضايا قُضَاة الْمَدِينَة فَجمعُوا من ذَلِك مَا يسره الله لَهُم ثمَّ نظرُوا فِيهَا نظر اعْتِبَار وتفتيش فَمَا كَانَ مِنْهَا مجمعا عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمَدِينَة فانهم يَأْخُذُونَ عَلَيْهِ بنواجذهم وَمَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف عِنْدهم فانهم يَأْخُذُونَ بأقواها وأرجحها إِمَّا لِكَثْرَة من ذهب إِلَيْهِ مِنْهُم أَو لموافقته لقياس قوي أَو تَخْرِيج صَرِيح من الْكتاب وَالسّنة أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء فَحصل لَهُم مسَائِل كَثِيرَة فِي كل بَاب بَاب وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَأَصْحَابه يرَوْنَ أَن عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه أثبت النَّاس فِي الْفِقْه كَمَا قَالَ عَلْقَمَة لمسروق هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله وَقَول أى حنيفَة رَضِي الله ٢ عَنهُ للأوزاعي إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت إِن عَلْقَمَة أفقه من عبد الله بن عمر وَعبد الله هُوَ عبد الله وأصل مذْهبه فَتَاوَى عبد الله بن مَسْعُود وقضايا على ﵁ وفتاواه وقضايا شُرَيْح وَغَيره من قُضَاة الْكُوفَة فَجمع من ذَلِك مَا يسره الله ثمَّ صنع فِي آثَارهم كَمَا صنع أهل الْمَدِينَة فِي آثَار أهل الْمَدِينَة وَخرج كَمَا خَرجُوا فتلخص لَهُ مسَائِل الْفِقْه فِي كل بَاب بَاب

стр. 21

وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لِسَان فُقَهَاء الْمَدِينَة وَكَانَ أحفظهم لقضايا عمر وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَإِبْرَاهِيم لِسَان فُقَهَاء الْكُوفَة فَإِذا تكلما بِشَيْء وَلم ينسباه إِلَى أحد فانه فِي الْأَكْثَر مَنْسُوب إِلَى أحد من السّلف صَرِيحًا أَو إِيمَاء وَنَحْو ذَلِك فَاجْتمع عَلَيْهِمَا فُقَهَاء بلدهما وَأخذُوا عَنْهُمَا وعقلوه وَخَرجُوا عَلَيْهِ وَالله أعلم

стр. 22

بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف مَذَاهِب الْفُقَهَاء إعلم أَن الله تَعَالَى أنشأ بعد عصر التَّابِعين نشئا من حَملَة الْعلم إنجازا لما وعده ﷺ حَيْثُ قَالَ يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله فَأخذُوا عَمَّن اجْتَمعُوا مَعَه مِنْهُم صفة الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالْحج وَالنِّكَاح والبيوع وَسَائِر مَا يكثر وُقُوعه وَرووا حَدِيث النَّبِي ﷺ وسمعوا قضايا قُضَاة الْبلدَانِ وفتاوى مفتيها وسألوا عَن الْمسَائِل واجتهدوا فِي ذَلِك كُله ثمَّ صَارُوا كبراء قوم ووسد اليهم الْأَمر فنسجوا على منوال شيوخهم وَلم يألوا فِي تتبع الإيماءات والاقتضاءات فقضوا وأفتوا وَرووا وَعَلمُوا

стр. 23

وَكَانَ صَنِيع الْعلمَاء فِي هَذِه الطَّبَقَة متشابها وَحَاصِل صنيعهم أَن يتَمَسَّك بالمسند من حَدِيث رَسُول الله ﷺ والمرسل جَمِيعًا ويستدل بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ علما مِنْهُم أَنَّهَا إِمَّا أَحَادِيث منقولة عَن رَسُول الله ﷺ اختصروها فجعلوها مَوْقُوفَة كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم وَقد روى حَدِيث نهى رَسُول الله عَن المحاقلة والمزابنة فَقيل لَهُ أما تحفظ عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا غير هَذَا قَالَ بلَى وَلَكِن أَقُول قَالَ عبد الله قَالَ عَلْقَمَة أحب إِلَيّ وكما قَالَ الشّعبِيّ وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث وَقيل إِنَّه يرفع إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ لَا على من دون النَّبِي ﷺ أحب إِلَيْنَا فان كَانَ فِيهِ زِيَادَة أَو نُقْصَان كَانَ على من دون النَّبِي ﷺ أَو يكون استنباطا مِنْهُم من النُّصُوص أَو اجْتِهَادًا مِنْهُم بآرائهم وهم أحسن صنيعا فِي كل ذَلِك مِمَّن يَجِيء بعدهمْ وَأكْثر إِصَابَة وأقدم زَمَانا وأوعى علما فَتعين الْعَمَل بهَا

стр. 24

إِلَّا إِذا اخْتلفُوا وَكَانَ حَدِيث رَسُول الله ﷺ يُخَالف قَوْلهم مُخَالفَة ظَاهِرَة وَأَنه إِذا اخْتلفت أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ فِي مَسْأَلَة رجعُوا إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَة فان قَالُوا بنسخ بَعْضهَا أَو بصرفه عَن ظَاهره أَو لم يصرحوا بذلك وَلَكِن اتَّفقُوا على تَركه وَعدم القَوْل بِمُوجبِه فَإِنَّهُ كإبداء عِلّة فِيهِ أَو الحكم بنسخه أَو تَأْوِيله اتَّبَعُوهُمْ فِي كل ذَلِك وَهُوَ قَول مَالك فِي حَدِيث ولوغ الْكَلْب جَاءَ هَذَا الحَدِيث وَلَكِن لَا أَدْرِي مَا حَقِيقَته حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْأُصُول يَعْنِي لم أر الْفُقَهَاء يعْملُونَ بِهِ وَإنَّهُ إِذا اخْتلفت مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي مَسْأَلَة فالمختار عِنْد كل عَالم مَذْهَب أهل بَلَده وشيوخه لِأَنَّهُ أعرف بِصَحِيح أقاويلهم من السقيم وأوعى لِلْأُصُولِ الْمُنَاسبَة لَهَا وَقَلبه أميل إِلَى فَضلهمْ وتبحرهم فمذهب عمر وَعُثْمَان وَعَائِشَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت وأصحابهم مثل سعيد بن الْمسيب فانه كَانَ أحفظهم لقضايا عمر وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَمثل عُرْوَة وَسَالم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء

стр. 25

ابْن يسَار وقاسم وَعبيد الله بن عبد الله وَالزهْرِيّ وَيحيى بن سعيد وَزيد بن أسلم وَرَبِيعَة وأمثالهم أَحَق بِالْأَخْذِ من غَيره عِنْد أهل الْمَدِينَة لما بَينه النَّبِي ﷺ فِي فَضَائِل الْمَدِينَة وَلِأَنَّهَا مأوى الْفُقَهَاء وَمجمع الْعلمَاء فِي كل عصر وَلذَلِك ترى مَالِكًا يلازم محجتهم وَقد اشْتهر عَن مَالك أَنه متمسك بِإِجْمَاع أهل الْمَدِينَة وَعقد البُخَارِيّ بَابا فِي الْأَخْذ بِمَا اتّفق عَلَيْهِ الحرمان وَمذهب عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه وقضايا عَليّ وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وفتاوى إِبْرَاهِيم أَحَق بِالْأَخْذِ عِنْد أهل الْكُوفَة من غَيره وَهُوَ قَول عَلْقَمَة حِين مَال مَسْرُوق إِلَى قَول زيد بن ثَابت فِي التَّشْرِيك قَالَ هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله فَقَالَ لَا وَلَكِن رَأَيْت زيد بن ثَابت وَأهل الْمَدِينَة يشركُونَ فان اتّفق أهل الْبَلَد على شَيْء أخذُوا عَلَيْهِ بالنواجذ وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك السّنة الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا عندنَا كَذَا وَكَذَا وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بأقواها وأرجحها إِمَّا لِكَثْرَة الْقَائِلين بِهِ أَو لموافقته لقياس قوي أَو تَخْرِيج من الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك هَذَا أحسن مَا سَمِعت فاذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من

стр. 26

كَلَامهم وتتبعوا الايماء والاقضاء وألهموا فِي هَذِه الطَّبَقَة التدوين فدون مَالك وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب بِالْمَدِينَةِ وَابْن جريج وَابْن عُيَيْنَة بِمَكَّة وَالثَّوْري بِالْكُوفَةِ وَالربيع بن صبيح بِالْبَصْرَةِ وَكلهمْ مَشوا على هَذَا النهج الَّذِي ذكرته وَلما حج الْمَنْصُور قَالَ لمَالِك قد عزمت أَن آمُر بكتبك هَذِه الَّتِي وَضَعتهَا فتنسخ ثمَّ أبْعث فِي كل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين مِنْهَا نُسْخَة وَآمرهُمْ بِأَن يعملوا بِمَا فِيهَا وَلَا يتعدوه إِلَى غَيره فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تفعل هَذَا فان النَّاس قد سبقت اليهم أقاويل وسمعوا أَحَادِيث وَرووا رِوَايَات وَأخذ كل قوم بِمَا سبق اليهم ودانوا بِهِ من اخْتِلَاف النَّاس فدع النَّاس وَمَا اخْتَار أهل كل بلد مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ وتحكى نِسْبَة هَذِه الْقِصَّة إِلَى هَارُون الرشيد وَأَنه شاور مَالِكًا فِي أَن يعلق الْمُوَطَّأ فِي الْكَعْبَة وَيحمل النَّاس على مَا فِيهِ فَقَالَ لَا تفعل فان أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع وَتَفَرَّقُوا فِي الْبلدَانِ وكل سنة مَضَت قَالَ وفقك الله يَا أَبَا عبد الله حَكَاهُ السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ مَالك ﵁ أثبتهم فِي حَدِيث الْمَدَنِيين عَن رَسُول الله ﷺ وأوثقهم إِسْنَادًا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وأصحابهم من الْفُقَهَاء السَّبْعَة وَبِه وبأمثاله قَامَ علم الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى فَلَمَّا وسد إِلَيْهِ الْأَمر

стр. 27

حدث وَأفْتى وَأفَاد وأجاد وَعَلِيهِ انطبق قَول النَّبِي ﷺ يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الابل يطْلبُونَ الْعلم فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة على مَا قَالَه ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق وناهيك بهما فَجمع أَصْحَابه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها وَخَرجُوا عَلَيْهَا وَتَكَلَّمُوا فِي أُصُولهَا ودلائلها وَتَفَرَّقُوا إِلَى الْمغرب ونواحي الأَرْض فنفع الله بهم كثيرا من خلقه وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة مَا قُلْنَاهُ من أصل مذْهبه فَانْظُر فِي كتاب الْمُوَطَّأ تَجدهُ كَمَا ذكرنَا وَكَانَ أَبُو حنيفَة ﵁ ألزمهم بِمذهب إِبْرَاهِيم وأقرانه لَا يُجَاوِزهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن فِي التَّخْرِيج على مذْهبه دَقِيق النّظر فِي وُجُوه التخريجات مُقبلا على الْفُرُوع أتم اقبال وان شِئْت أَن تعلم حَقِيقَة مَا قُلْنَاهُ فلخص أَقْوَال إِبْرَاهِيم من كتاب الْآثَار لمُحَمد ﵀ وجامع عبد الرَّزَّاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ثمَّ قايسه بمذهبه تَجدهُ لَا يُفَارق تِلْكَ المحجة إِلَّا فِي مَوَاضِع يسيرَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْيَسِيرَة أَيْضا لَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة وَكَانَ أشهر أَصْحَابه ذكرا أَبُو يُوسُف تولى قَضَاء الْقُضَاة أَيَّام هَارُون الرشيد فَكَانَ سَببا لظُهُور مذْهبه وَالْقَضَاء بِهِ فِي أقطار الْعرَاق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَكَانَ أحْسنهم تصنيفا وألزمهم درسا مُحَمَّد بن الْحسن فَكَانَ من خَبره أَنه تفقه على أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف ثمَّ خرج إِلَى الْمَدِينَة فَقَرَأَ

стр. 28

الْمُوَطَّأ على مَالك ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده فطبق مَذْهَب أَصْحَابه على الْمُوَطَّأ مَسْأَلَة مَسْأَلَة فان وَافق مِنْهَا وَإِلَّا فان رأى طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذَاهِبين إِلَى مَذْهَب أَصْحَابه فَكَذَلِك وَإِن وجد قِيَاسا ضَعِيفا أَو تخريجا لينًا يُخَالِفهُ حَدِيث صَحِيح مِمَّا عمل بِهِ الْفُقَهَاء أَو يُخَالِفهُ عمل أَكثر الْعلمَاء تَركه إِلَى مَذْهَب من مَذَاهِب السّلف مِمَّا يرَاهُ أرجح مَا هُنَاكَ وهما أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يزَالَانِ على محجة إِبْرَاهِيم مَا أمكن لَهما كَمَا كَانَ أَبُو حنيفَة ﵀ يفعل ذَلِك وَإِنَّمَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِي أحد شَيْئَيْنِ إِمَّا أَن يكون لشيخهما تَخْرِيج على مَذْهَب إِبْرَاهِيم يزاحمانه فِيهِ أَو يكون هُنَاكَ لابراهيم ونظرائه أَقْوَال مُخْتَلفَة يخالفان شيخهما فِي تَرْجِيح بعضهما على بعض فصنف مُحَمَّد ﵀ وَجمع رَأْي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ونفع كثيرا من النَّاس فَتوجه أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵁ إِلَى تِلْكَ التصانيف تلخيصا وتقريبا أَو شرحا أَو تخريجا أَو تأسيسا أَو اسْتِدْلَالا ثمَّ تفَرقُوا إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فَسُمي ذَلِك مَذْهَب أبي حنيفَة وَإِنَّمَا عد مَذْهَب أبي حنيفَة مَعَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى وَاحِدًا مَعَ أَنَّهُمَا مجتهدان مطلقان مخالفتهما غير قَليلَة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لتوافقهم فِي هَذَا الأَصْل

стр. 29

ولتدوين مذاهبهم جَمِيعًا فِي الْمَبْسُوط وَالْجَامِع الْكَبِير وَنَشَأ الشَّافِعِي ﵁ فِي أَوَائِل ظُهُور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما فَنظر فِي صَنِيع الْأَوَائِل فَوجدَ فِيهِ أمورا كبحت عنانه عَن الجريان فِي طريقهم وَقد ذكرهَا فِي أَوَائِل كِتَابه الْأُم ١ - مِنْهَا أَنه وجدهم يَأْخُذُونَ بالمرسل والمنقطع فَيدْخل فيهمَا الْخلَل فانه إِذا جمع طرق الحَدِيث يظْهر أَنه كم من مُرْسل لَا أصل لَهُ وَكم من مُرْسل يُخَالف مُسْندًا فقرر أَلا يَأْخُذ بالمرسل إِلَّا عِنْد وجود شُرُوط وَهِي مَذْكُورَة فِي كتب الْأُصُول ٢ - وَمِنْهَا أَنه لم تكن قَوَاعِد الْجمع بَين المختلفات مضبوطة عِنْدهم فَكَانَ يتَطَرَّق بذلك خلل فِي مجتهداتهم فَوضع لَهَا أصولا ودونها فِي كتاب وَهَذَا أول تدوين كَانَ فِي أصُول الْفِقْه مِثَاله مَا بلغنَا أَنه دخل على مُحَمَّد بن الْحسن وَهُوَ يطعن على أهل الْمَدِينَة فِي قضائهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين وَيَقُول هَذَا زِيَادَة على كتاب الله فَقَالَ الشَّافِعِي أثبت عنْدك أَنه لَا

стр. 30

تجوز الزِّيَادَة على كتاب الله بِخَبَر الْوَاحِد قَالَ نعم قَالَ فَلم قلت إِن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز لقَوْله ﷺ أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة وَأورد عَلَيْهِ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل فَانْقَطع كَلَام مُحَمَّد بن الْحسن ٣ - وَمِنْهَا أَن بعض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم تبلغ عُلَمَاء التَّابِعين مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى فاجتهدوا بآرائهم أَو اتبعُوا العموميات أَو اقتدوا بِمن مضى من الصَّحَابَة فأفتوا حسب ذَلِك ثمَّ ظَهرت بعد ذَلِك فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة فَلم يعملوا بهَا ظنا مِنْهُم أَنَّهَا تخَالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم الَّتِي لَا اخْتِلَاف لَهُم فِيهَا وَذَلِكَ قَادِح فِي الحَدِيث أَو عِلّة مسقطة لَهُ أَو لم تظهر فِي الثَّالِثَة وَإِنَّمَا ظَهرت بعد ذَلِك عِنْدَمَا أمعن أهل الحَدِيث فِي جمع طرق الحَدِيث ورحلوا إِلَى أقطار الأَرْض وَبَحَثُوا عَن حَملَة الْعلم فكثير من الْأَحَادِيث لَا يرويهِ من الصَّحَابَة إِلَّا رجل أَو

стр. 31

رجلَانِ وَلَا يرويهِ عَنهُ أَو عَنْهُمَا إِلَّا رجل أَو رجلَانِ وهلم جرا فخفي على أهل الْفِقْه وَظهر فِي عصر الْحفاظ الجامعين لطرق الحَدِيث وَكثير من الْأَحَادِيث رَوَاهُ أهل الْبَصْرَة مثلا وَسَائِر الأقطار فِي غَفلَة عَنهُ فَبين الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يزل شَأْنهمْ أَنهم يطْلبُونَ الحَدِيث فِي الْمَسْأَلَة فاذا لم يَجدوا تمسكوا بِنَوْع آخر من الِاسْتِدْلَال ثمَّ إِذا ظهر عَلَيْهِم الحَدِيث بعد رجعُوا عَن اجتهادهم إِلَى الحَدِيث فاذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لَا يكون عدم تمسكهم ٢ بِالْحَدِيثِ قدحا فِيهِ اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا بينوا الْعلَّة القادحة مِثَاله حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فانه حَدِيث صَحِيح رُوِيَ بطرق كَثِيرَة معظمها ترجع إِلَى نُسْخَة الْوَلِيد أَو أبي الْوَلِيد بن كثير عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير أَو مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر عَن عبيد الله بن عبد الله وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عمر ثمَّ تشعبت الطّرق بعد ذَلِك وَهَذَانِ وَإِن كَانَا من الثِّقَات لكنهما ليسَا مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى وعول النَّاس عَلَيْهِم فَلم يظْهر الحَدِيث فِي عصر

стр. 32

سعيد بن الْمسيب وَلَا فِي عصر الزُّهْرِيّ وَلم يمش عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة وَلَا الْحَنَفِيَّة فَلم يعملوا بِهِ وَعمل بِهِ الشَّافِعِي وَحَدِيث خِيَار الْمجْلس فانه حَدِيث صَحِيح رُوِيَ بطرق كَثِيرَة وَعمل بِهِ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة من الصَّحَابَة وَلم يظْهر على الْفُقَهَاء السَّبْعَة ومعاصريهم فَلم يَكُونُوا يَقُولُونَ بِهِ فَرَأى مَالك وَأَبُو حنيفَة أَن هَذِه عِلّة قادحة فِي الحَدِيث وَعمل بِهِ الشَّافِعِي ٤ - وَمِنْهَا أَن أَقْوَال الصَّحَابَة جمعت فِي عصر الشَّافِعِي فتكثرت وَاخْتلفت وتشعبت وَرَأى كثيرا مِنْهَا يُخَالف الحَدِيث الصَّحِيح حَيْثُ لم يبلغهم وَرَأى السّلف لم يزَالُوا يرجعُونَ فِي مثل ذَلِك إِلَى الحَدِيث فَترك التَّمَسُّك بأقوالهم مَا لم يتفقوا وَقَالَ هم رجال وَنحن رجال ٥ - وَمِنْهَا أَنه رأى قوما من الْفُقَهَاء يخلطون الرَّأْي الَّذِي لم يسوغه الشَّرْع بِالْقِيَاسِ الَّذِي أثْبته فَلَا يميزون وَاحِدًا مِنْهُمَا من الآخر ويسمونه تَارَة بالاستحسان وأعني بِالرَّأْيِ

стр. 33

أَن ينصب مَظَنَّة حرج أَو مصلحَة عِلّة لحكم وَإِنَّمَا الْقيَاس أَن تخرج الْعلَّة من الحكم الْمَنْصُوص ويدار عَلَيْهَا الحكم فَأبْطل هَذَا النَّوْع أتم إبِْطَال وَقَالَ من اسْتحْسنَ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يكون شَارِعا حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْأُصُول مِثَاله رشد الْيَتِيم أَمر خَفِي فأقاموا مَظَنَّة الرشد وَهُوَ بُلُوغ خمس وَعشْرين سنة مقامة وَقَالُوا إِذا بلغ الْيَتِيم هَذَا الْعُمر سلم إِلَيْهِ مَاله قَالُوا هَذَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس أَلا يسلم إِلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا رأى الشَّافِعِي فِي صَنِيع الْأَوَائِل مثل هَذِه الْأُمُور أَخذ الْفِقْه من الرَّأْس فَأَسَّسَ الْأُصُول وَفرع الْفُرُوع وصنف الْكتب فأجاد وَأفَاد وَاجْتمعَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاء وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا ثمَّ تفَرقُوا فِي الْبلدَانِ فَكَانَ هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 34

بَاب أَسبَاب الِاخْتِلَاف بَين أهل الحديث وَأَصْحَاب الرَّأْي اعلم أَنه كَانَ من الْعلمَاء فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَالزهْرِيّ وَفِي عصر مَالك وسُفْيَان وَبعد ذَلِك قوم يكْرهُونَ الْخَوْض بِالرَّأْيِ ويهابون الْفتيا والاستنباط إِلَّا لضَرُورَة لَا يَجدونَ مِنْهَا بدا وَكَانَ أكبر هَمهمْ رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عبد الله بن مَسْعُود عَن شَيْء فَقَالَ إِنِّي لأكْره أَن أحل لَك شَيْئا حرمه الله عَلَيْك أَو أحرم مَا أحله الله لَك وَقَالَ معَاذ بن جبل يَا أَيهَا النَّاس لَا تعجلوا بالبلاء قبل نُزُوله فانه لَا يَنْفَكّ الْمُسلمُونَ أَن يكون فيهم من إِذا سُئِلَ سدد وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي كَرَاهَة التَّكَلُّم فِيمَا لم ينزل وَقَالَ ابْن عمر لجَابِر بن زيد

стр. 35

إِنَّك من فُقَهَاء الْبَصْرَة فَلَا تفت إِلَّا بقرآن نَاطِق أَو سنة مَاضِيَة فانك إِن فعلت غير ذَلِك هَلَكت وأهلكت وَقَالَ أَبُو النَّضر لما قدم أَبُو سَلمَة الْبَصْرَة أَتَيْته أَنا وَالْحسن فَقَالَ لِلْحسنِ أَنْت الْحسن مَا كَانَ أحد بِالْبَصْرَةِ أحب إِلَيّ لِقَاء مِنْك وَذَلِكَ أَنه بَلغنِي أَنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك فَلَا تفت بِرَأْيِك إِلَّا أَن يكون سنة عَن رَسُول الله ﷺ أَو كتاب منزل وَقَالَ ابْن الْمُنْكَدر إِن الْعَالم يدْخل فِيمَا بَين الله وَبَين عباده فليطلب لنَفسِهِ الْمخْرج وَسُئِلَ الشّعبِيّ كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ إِذا سئلتم قَالَ على الْخَبِير وَقعت كَانَ إِذا سُئِلَ الرجل قَالَ لصَاحبه أفتهم فَلَا يزَال حَتَّى يرجع إِلَى الأول وَقَالَ الشّعبِيّ مَا حدثوك هَؤُلَاءِ عَن رَسُول الله ﷺ فَخذ بِهِ وَمَا قَالُوهُ برأيهم فألقه فِي الحش أخرج هَذِه الْآثَار عَن آخرهَا الدَّارمِيّ فَوَقع شيوع تدوين الحَدِيث والأثر فِي بلدان الْإِسْلَام وَكِتَابَة الصُّحُف والنسخ حَتَّى قل من يكون من أهل الرِّوَايَة إِلَّا كَانَ لَهُ تدوين أَو صحيفَة أَو نُسْخَة من حَاجتهم بموقع عَظِيم فَطَافَ من أدْرك من عظمائهم ذَلِك الزَّمَان بِلَاد الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق ومصر واليمن وخراسان وجمعوا الْكتب وتتبعوا النّسخ وأمعنوا فِي التفحص عَن غَرِيب

стр. 36

الحَدِيث ونوادر الْأَثر فَاجْتمع باهتمام أُولَئِكَ من الحَدِيث والْآثَار مَا لم يجْتَمع لأحد قبلهم وتيسر لَهُم مَا لم يَتَيَسَّر لأحد قبلهم وخلص إِلَيْهِم من طرق الْأَحَادِيث شَيْء كثير حَتَّى كَانَ لكثير من الْأَحَادِيث عِنْدهم مائَة طَرِيق فَمَا فَوْقهَا فكشف بعض الطّرق مَا استتر فِي بَعْضهَا الآخر وَعرفُوا مَحل كل حَدِيث من الغرابة والاستفاضة وَأمكن لَهُم النّظر فِي المتابعات والشواهد وَظهر عَلَيْهِم أَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة لم تظهر على أهل الْفَتْوَى من قبل قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لِأَحْمَد أَنْتُم أعلم بالأخبار الصَّحِيحَة منا فاذا كَانَ خبر صَحِيح فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا حَكَاهُ ابْن الْهمام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كم من حَدِيث صَحِيح لَا يرويهِ إِلَّا أهل بلد خَاصَّة كأفراد الشاميين والعراقيين أَو أهل بَيت خَاصَّة كنسخة بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَو كَانَ الصَّحَابِيّ مقلا خاملا لم يحمل عَنهُ إِلَّا شرذمة قَلِيلُونَ فَمثل هَذِه الْأَحَادِيث يغْفل عَنْهَا عَامَّة أهل الْفَتْوَى وَاجْتمعت عِنْدهم آثَار فُقَهَاء كل بلد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانَ الرجل فِيمَا قبلهم لَا يتَمَكَّن إِلَّا من جمع حَدِيث بَلَده وَأَصْحَابه وَكَانَ من قبلهم يعتمدون فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال ومراتب عدالتهم على مَا يخلص إِلَيْهِم من مُشَاهدَة الْحَال وتتبع الْقَرَائِن وأمعن هَذِه الطَّبَقَة فِي هَذَا الْفَنّ وجعلوه شَيْئا مُسْتقِلّا بالتدوين والبحث وناظروا فِي الحكم بِالصِّحَّةِ وَغَيرهَا

стр. 37

فانكشف عَلَيْهِم بِهَذَا التدوين والمناظرة مَا كَانَ خفِيا من حَال الِاتِّصَال والانقطاع وَكَانَ سُفْيَان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غَايَة الِاجْتِهَاد فَلَا يتمكنون من الحَدِيث الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل إِلَّا من دون الْألف حَدِيث كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد السجسْتانِي فِي رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة وَكَانَ أهل هَذِه الطَّبَقَة يروون أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث فَمَا يقرب مِنْهَا بل صَحَّ عَن البُخَارِيّ أَنه اختصر صَحِيحه من سِتّمائَة ألف حَدِيث وَعَن أبي دَاوُد أَنه اختصر سنَنه من خَمْسمِائَة ألف حَدِيث وَجعل أَحْمد مُسْنده ميزانا يعرف بِهِ حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَمَا وجد فِيهِ وَلَو بطرِيق وَاحِد من طرقه فَلهُ أصل وَإِلَّا فَلَا أصل لَهُ وَكَانَ رُؤُوس هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَيزِيد بن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة ومسدد وهناد وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَالْفضل بن دُكَيْن وَعلي بن الْمَدِينِيّ وأقرانهم وَهَذِه الطَّبَقَة هِيَ الطّراز الأول من طَبَقَات الْمُحدثين فَرجع الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بعد إحكام فن الرِّوَايَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْأَحَادِيث إِلَى الْفِقْه فَلم يكن عِنْدهم من الرَّأْي أَن يجمع على تَقْلِيد رجل مِمَّن مضى مَعَ مَا يرَوْنَ من الْأَحَادِيث والْآثَار المناقضة فِي كل مَذْهَب من تِلْكَ الْمذَاهب فَأخذُوا يتتبعون أَحَادِيث النَّبِي ﷺ وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمجتهدين على قَوَاعِد أحكموها فِي نُفُوسهم وَأَنا أبينها لَك

стр. 38

فِي كَلِمَات يسيرَة كَانَ عِنْدهم إِنَّه إِذا وجد فِي الْمَسْأَلَة قُرْآن نَاطِق فَلَا يجوز التَّحَوُّل مِنْهُ إِلَى غَيره وَإِذا كَانَ الْقُرْآن مُحْتملا لوجوه فَالسنة قاضية عَلَيْهِ فاذا لم يَجدوا فِي كتاب الله أخذُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ سَوَاء كَانَ مستفيضا دائرا بَين الْفُقَهَاء أَو يكون مُخْتَصًّا بِأَهْل بلد أَو أهل بَيت أَو بطرِيق خَاصَّة وَسَوَاء عمل بِهِ الصَّحَابَة وَالْفُقَهَاء أَو لم يعملوا بِهِ وَمَتى كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث فَلَا يتبع فِيهَا خِلَافه أثرا من الْآثَار وَلَا اجْتِهَاد أحد من الْمُجْتَهدين وَإِذا أفرغوا جهدهمْ فِي تتبع الْأَحَادِيث وَلم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا أخذُوا بأقوال جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا يتقيدون بِقوم دون قوم وَلَا بلد دون بلد كَمَا كَانَ يفعل من قبلهم فان اتّفق جُمْهُور الْخُلَفَاء وَالْفُقَهَاء على شَيْء فَهُوَ المتبع وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بِحَدِيث أعلمهم علما أَو أورعهم ورعا أَو أَكْثَرهم ضبطا أَو مَا اشْتهر عَنْهُم فان وجدوا شَيْئا يَسْتَوِي فِيهِ قَولَانِ فَهِيَ مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ فان عجزوا عَن ذَلِك تأملوا فِي عمومات الْكتاب وَالسّنة وإيماآتهما واقتضاآتهما وحملوا نَظِير الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا فِي الْجَواب إِذْ كَانَتَا متقاربتين بَادِي الرَّأْي لَا يعتمدون فِي ذَلِك على قَوَاعِد من الْأُصُول وَلَكِن على مَا يخلص إِلَى الْفَهم ويثلج بِهِ الصَّدْر كَمَا أَنه لَيْسَ ميزَان التَّوَاتُر عدد الروَاة وَلَا حَالهم وَلَكِن الْيَقِين الَّذِي يعقبه فِي قُلُوب النَّاس كَمَا نبهنا على ذَلِك فِي بَيَان حَال الصَّحَابَة وَكَانَت هَذِه الْأُصُول مستخرجة من صَنِيع الْأَوَائِل وتصريحاتهم وَعَن مَيْمُون بن

стр. 39

مهْرَان قَالَ كَانَ أَبُو بكر إِذا ورد عَلَيْهِ الْخصم نظر فِي كتاب الله فان وجد فِيهِ مَا يقْضِي بَينهم قضى بِهِ وان لم يكن فِي الْكتاب وَعلم من رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك الْأَمر سنة قضى بهَا فان أعياه خرج فَسَأَلَ الْمُسلمين وَقَالَ أَتَانِي كَذَا وَكَذَا فَهَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي ذَلِك بِقَضَاء فَرُبمَا اجْتمع إِلَيْهِ النَّفر كلهم بِذكر عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ قَضَاء فَيَقُول أَبُو بكر الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا من يحفظ علينا علم نَبينَا فَإِن أعياه أَن يجد فِيهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ جمع رُؤُوس النَّاس وخيارهم فاستشارهم فاذا اجْتمع رَأْيهمْ على أَمر قضى بِهِ وَعَن شُرَيْح أَن عمر بن الْخطاب كتب إِلَيْهِ إِن جَاءَك شَيْء فِي كتاب الله فَاقْض بِهِ وَلَا يلفتك عَنهُ الرِّجَال فان جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله فَانْظُر سنة رَسُول الله ﷺ فَاقْض بهَا فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يكن فِيهِ سنة رَسُول الله ﷺ فَانْظُر مَا اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَخذ بِهِ فان جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يكن فِيهِ سنة رَسُول الله ﷺ وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد قبلك فاختر أَي الْأَمريْنِ شِئْت إِن شِئْت أَن تجتهد بِرَأْيِك ثمَّ تقدم فَتقدم وَإِن شِئْت أَن تتأخر فَتَأَخر وَلَا أرى التَّأَخُّر إِلَّا خيرا لَك وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ أَتَى علينا زمَان لسنا نقضي

стр. 40

ولسنا هُنَالك وَإِن الله قد قدر من الْأَمر أَن قد بلغنَا مَا ترَوْنَ فَمن عرض لَهُ قَضَاء بعد الْيَوْم فليقض فِيهِ بِمَا فِي كتاب الله فان جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كتاب الله فليقض بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ فَإِن جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم يقْض بِهِ رَسُول الله ﷺ فليقض فِيهِ بِمَا قضى بِهِ الصالحون وَلَا يقل إِنِّي أَخَاف وَإِنِّي أرى فان الْحَرَام بَين والحلال بَين وَبَين ذَلِك أُمُور مشتبهة فدع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن الْأَمر فَإِن كَانَ فِي الْقُرْآن أخبر بِهِ وَإِن لم يكن فِي الْقُرْآن وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ أخبر بِهِ فَإِن لم يكن فَعَن أبي بكر وَعمر وَإِن لم يكن قَالَ فِيهِ بِرَأْيهِ وَعَن ابْن عَبَّاس أما تخافون أَن تعذبوا أَو يخسف بكم أَن تَقولُوا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فلَان وَعَن قَتَادَة قَالَ حدث ابْن سِيرِين رجلا بِحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَقَالَ الرجل قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ابْن سِيرِين أحَدثك عَن النَّبِي ﷺ وَتقول قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا وَعَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه لَا رَأْي لأحد فِي كتاب الله وَإِنَّمَا رَأْي الْأَئِمَّة فِيمَا لم ينزل فِيهِ كتاب وَلم تمض فِيهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا رَأْي لأحد فِي سنة سنّهَا رَسُول الله ﷺ وَعَن الْأَعْمَش قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول يقوم عَن
следующие страницы →