Полный текст (1 052 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقَدّمة النّاشر
إن إحياء بعض كتب التراث الهامة بإعادة نشرها أو تهذيبها واختصار بعضها الآخر اختصارًا غير مخل، إن هو إلَّا محاولة القصد منها إفادة القارئ ومساعدته بجعلها سهلة قريبة المأخذ، محببة إلى النفس، فضلًا عن إظهارها بالمظهر الجميل الذي يشعر بأهميتها بين المؤلفات.
ولقد عمل مكتب التحقيق في "مؤسسة الرسالة" جاهدًا على تبني هذه الفكرة وتنفيذها فعلًا فأصدر مجموعة من هذه الكتب، أحدها هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
وإن وجود الأستاذ الشيخ شعيب الأرنؤوط والأستاذ الشيخ نعيم العرقسوسي وغيرهما على رأس هؤلاء الذين يعملون بصمت، وبنفس رضية ولا يألون جهدًا في سبيل إنتاج تعتز به المؤسسة، يجعلنا نشعر باعتزاز بأن ما نقدمه لقرائنا هو مصدر اطمئنان وثقة نشكر الله عليه.
وأنا إذ أشكر العاملين في المؤسسة على ما يبذلونه من جهد أدعو الله العلي القدير أن يبارك لهم في أعمالهم وأن يوفقهم ويأخذ بأيديهم، فهم أهل فضل ومكرمة، وأن يجزيهم عن المؤسسة أحسن الجزاء.
إننا ندعو الله مخلصين أن يثيبنا على ما نقدم، آملين أن نوفق إلى خدمة القارئ، والله من وراء القصد.
رضوان دعبول
стр. 2
بسم الله الرَّحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي هدانا لدينِ الإِسلامِ، وأكرمنا بسنة خيرِ الأنامِ، ووفقنا لِطاعته ومرضاته، وصلى الله على سيدنا محمد النَّبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكَلِمَاتِه، بلغ الرِّسالةَ، وأدى الأمانةَ، ونَصَحَ للأُمَّةِ، وعلى آله وأصحابه الأخيار المُنْتَجَبِينَ، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
وبعد، فهذا كتابٌ عظيم حافِل، يتضمَّنُ شرحَ خمسين حديثًا منتقاةٍ من جوامع كلمِهِ ﷺ ، يَندرِجُ تحتها معانٍ كثيرةٌ في ألفاظٍ قليلة، وهي مما خصَّ الله به رسولَه ﷺ .
وقد أشار الإِمامُ أبو سليمان حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم الخطابي المُتوفَّى سنة (٣٨٨) هـ إلى يسيرٍ من جوامع كَلِمِهِ ﷺ في كتابه "غريب الحديث" ١/ ٦٤ فقال: وقد أمدَّ اللهُ رسولَه ﷺ بجوامع الكَلِمِ التي جعلها رِدْءًا لِنبوته، وعَلَمًا لرسالته، لينتظِمَ في القليل منها عِلْمُ الكثيرِ، فَيَسْهُلُ على السامعين حِفظُهُ ولا يؤوْدُهُم حَمْلُهُ، ومن تتبع الجوامع من كلامه، لم يَعْدَم بيانَها، وقد وصفتُ منها ضروبًا، وكتبتُ لك مِن أمثلتها حروفًا تدلُّ على ما وراءها من نظائرها وأخواتها، فمنها في القضايا والأحكام قولُه: "المؤمِنونَ تتكافؤُ دماؤُهم، ويَسعَى بِذِمَّتِهم أدناهُم، وهُمْ يَدٌ على من سِواهم" وقوله: "المنيحةُ مردودةٌ، والعارِيَّة مؤدَّاةٌ، والدَّين مَقضِي، والزَّعيمُ غارِم". فهذان الحديثان على خِفَّةِ ألفاظهما يتضمنان عامةَ أحكام الأنفس والأموال. ومنها قولُه ﷺ : "سَلُوا الله اليقينَ والعافيةَ". فتأمَّل هذه الوصَيَّة الجامعة تجدها محيطةً بخير الدُّنيا والآخرة، وذلك أن مِلاك أمرِ الآخرةِ اليقينُ، وملاك أمر الدُّنيا العافيةُ، فكُلُّ طاعة لا يقين معها هَدَرٌ، وكل
стр. 3
نعمة لم تصحبها العافية كَدَرٌ، فصار هذا الكلام على وجازته وقِلَّة حروفه أحَدُ شطريه محيطًا بجوامع أمرِ الدين وشطره الآخر متضمنًا عامةَ مصالحِ الدُّنيا.
ثم أملى الإِمامُ الحافظُ المفتي شيخُ الإِسلام تقيُّ الدين أبو عمرو عثمانُ بنُ موسى الشَّهْرزُوري الشهير بابن الصَّلاح المتوفَّى ٦٤٣ هـ مجلسًا سمَّاه: الأحاديث الكلية جمع فيه الأحاديثَ الجوامعَ التي يُقال: إن مدارَ الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، وقد اشتمل مجلسُه هذا على ستة وعشرين حديثًا.
ثم إنَّ الفقيه الإِمامَ الزاهدَ القُدوةَ أبا زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفَّى سنة ٦٧٦ هـ أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابنُ الصلاح، وزاد عليها تمامَ اثنين وأربعين حديثًا، وسمَّى كتابه بالأربعين، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكَثُرَ حفظُها، ونفع اللهُ بها ببركةِ نيَّةِ جامعها وحُسْنِ قصده ﵀.
ثم إنَّ الحافظ ابن رجب ضَمَّ إلى ذلك كُلِّه ثمانية أحاديث أُخَرَ من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلومِ والحِكَمِ، فبلغت خمسين حديثًا. ثم استخارَ الله تعالى - إجابةً لجماعة من طلبة العلم - في جمع كتاب يتضمن شرح ما يَسَّرَ الله من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها.
وقد اعتنى في شرحه هذا بالتفقه بالأحاديث النبوية وتفسير غريبها، وشرحِ معانيها، وتأويلِ مختلفها، وبيان أحكامها، وما يَترتَّبُ عليها من الفِقه واختلاف العلماء، فكان من أَجَلِّ الشروح (١) التي انتهت إلينا، وأكثرِها أهميةً، وأحفلِها بالفوائد.
_________
(١) وقد تولى شرح الأربعين النووية غير واحد من الأئمة منهم:
١ - أبو العباس أحمد بن فرج بن أحمد الإِشبيلي (ت ٦٩٩) هـ.
٢ - والإِمام أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب الشهير بابن دقيق العيد (ت =
стр. 4
وقد بدأه بمقدمة موجزةٍ أبانَ فيها عن الطريقة التي اتبعها في الشرح، فقال: اعلم أنه ليس من غرضي إلَّا شَرْحُ الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية، فلذلك لا أتقيَّدُ بألفاظِ الشيخ ﵀ في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة ﵃، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنَّما آتي بالمعنى الذي يدلُّ على ذلك، لأني قد أعلمتُك أنه ليس لي غرض إلا في شرح معاني كلمات النَّبيِّ ﷺ الجوامع، وما تضمنته من الآداب والحِكَمِ والمعارفِ، والأحكامِ والشرائع.
وأُشير إشارةً لطيفَة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليُعْلَمَ بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكرُ بعضَ ما رُوي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك
_________
= ٧٠٢) هـ وهو مطبوع.
٣ - والإِمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي الطوفي (ت ٧١٠) هـ.
٤ - وتاج الدين عمر بن علي اللخمي الإسكندري الفاكهاني (ت ٧٣١) هـ.
٥ - وزين الدين سَرِيجا بن محمد المَلَطي (ت ٧٨٨) هـ.
٦ - والعلامة سعد الدين سعد بن عمر التفتازاني (ت ٧٩١) هـ وهو مطبوع.
٧ - وجمال الدين يوسف بن الحسن التبريزي (ت ٨٠٤) هـ.
٨ - والحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤) هـ.
٩ - والعلامة معين الدين عبد الرَّحمن بن صفي الدين (ت ٩٠٥) هـ.
١٠ - والحافظ جلال الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي (ت ٩١١) هـ.
١١ - العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي الهيثمي (ت ٩٧٣) هـ وهو مطبوع.
١٢ - والعلامة مصلح الدين محمد السعدي العبادي (ت ٩٧٩) هـ.
١٣ - والعلامة نور الدين علي بن سلطان محمد القاري الهروي المكي (ت ١١١٤) هـ وهو مطبوع.
стр. 5
الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ وإن لم يكن في الباب غيرُه أو لم يكن يَصِحُّ فيه غيره، نبهتُ على ذلك كُلِّهِ.
ويرى القارئ بإثر كل حديث تصدَّى المؤلفُ لشرحه جملةَ أشياء هي:
١ - تخريج الحديث من الصِّحاح والمسانيد والسنن والمعاجم مما وعته ذاكرته، وإيرادُ طرقه وألفاظه، والمقارنة بينها، والتدقيق في صحتها، وبيانُ درجته من الصحةِ أو الحسن أو الضعف، والمؤلف ﵀ إمامٌ في هذا الباب، فقد غلب عليه علمُ الحديث روايةً ودراية، وصرف مُعْظَمَ وقته فيه حتَّى صار لا يُعرف إلا به، ولم يُرَ أتقن منه فيه.
٢ - الاستشهادُ بالآيات القرآنية التي تجلو معنى الحديثِ الذي يَعْرِضُ له وتوضحه، ونقل ما هو مأثور عن السلف في بيان المراد منها، واحتفاله بذلك في إحلالها مرتبةَ الصدارةِ من شواهده.
٣ - إكثارُه من الاستشهادِ بالأحاديث النبوية مما ورد في المعنى الذي تضمنه الحديثُ الذي هو بصدد شرحه، يأتي بها على وجهها لا يَخْرِمُ منها حرفًا، وتخريجُها من مصادرها، وهو شيء كثير وعدد ضخم يدُلُّ على قوة حفظه، ودِقَّة فهمه، وسَعَةِ اطِّلاعه.
وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح وهي الكثرة الكاثرة، وقد بين المؤلف درجتها إما بعزوها إلى مخرجيها من أصحاب الصحاح، وإما بالتنصيص على صحتها، ومنها ما فيه ضعفٌ خفيف وقد نبَّه على ضعفها في الأعم الأغلب، وهي من النوع الذي يصلح للمتابعات والشواهد، أو تكون واردة في غير العقائد والأحكام.
وقد ترخص غير واحدٍ من الأئمة ذوي التحقيق في رواية الأحاديث الضعيفة، وجواز العمل بها إذا كان ضعفُها غيرَ شديدٍ، وتَندَرِجُ تحتَ أصلٍ
стр. 6
عام في فضائل الأعمال وكرائم الأخلاق، والقصص والمواعظ، والترغيب والترهيب، وما إلى ذلك.
٤ - تفسيرُ غريب الحديث وشرح مضامينه بالاعتماد على الأحاديث التي ترد في موضوعه وفيها من التقييد والتخصيص والتوضيح وإزالة اللَّبس ما ليس في حديث الباب. وقد أسهب في الشرح إسهابًا مفيدًا ممتعًا، شحنه بالفوائد والفرائدِ مما تَمَسُّ حاجةُ الإِنسان إليه في شؤون دنياه وآخرته.
٥ - إيرادُ الأحكام الفقهية المستفادة من الحديث - وهي مما تشتد حاجةُ المكلف إليها - ونسبتُها إلى قائليها من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مما يدل على اطلاعه الواسع على فتاوى السلف، وحفظِه لآثارهم العلمية، وما كانوا يجتهدون من مسائل، وتفهُّم لها، ومعرفةٍ بمراميها وغاياتها، وما اختلفوا فيه من هذه المسائل، فإنه يحتج لِكُلِّ قول منها بدليله، ثم يُرجح ما يراه أبلغَ في الحجة، وأوفق للنص.
٦ - ذكرُ طائفة من الحِكَمِ المأثورة عن السلف الصالح الذين وُصِفُوا بالعلم والتقوى والورع في نهاية شرحِ الحديث مما له صلة به، وهي حِكَمٌ مؤثِّرة تتغلغل إلى أعماقِ النفس، فتحدث فيها تغييرًا ملموسًا نحو الأفضل.
ويرى بعض أهل العلم أن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وأن هناك ترابطًا قويًا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له.
الطبعات السابقة لهذا الشرح:
وقد سبق لهذا الشرح أن طبع في الهند في بلدة (آمرتسر) ولم يرد وصفٌ للأصل المعتمدِ في الطبع، ولا السنةِ التي طُبِع فيها، وجاء في آخر صفحة منها بقلم مُصَحِّحَيْها عبد الغني وعبد الواحد الغزنوييْن ما نصه: ولما لم يَتَيَسَّرْ لنا
стр. 7
نسخةٌ صحيحة، فالمرجو من الناظزين أن يَعْذُرونَا في العثراتِ، ويرحم الله من عمَّا عن الخطأ والخطل، وسد ما رأى من الخلل.
ثم قامت بطبعه مكتبةُ مصطفى البابي الحلبي في مصر سنة (١٣٤٦) هـ. معتمدةً على الطبعة الهندية، فجاءت صورةً مطابقة لها بتصحيفاتها وتحريفاتها التي تزيد على الألف كما تبين لنا في المقابلة على الأصول الخطية النفيسة التي اعتمدنا عليها في هذه الطبعة.
وعن هذه الطبعة - أعني طبعة مصطفى البابي الحلبي - صوَّر الوراقون الذين يطمعون بالربح المادي ولو بطريقة غير مشروعة، وعمَّموها في الأسواق.
وقد نشر المرحوم العلامة أحمد شاكر ثمانية أحاديث من هذا الشرح في أربع رسائل، اقتصر فيها على تحقيق النَّصِّ، مع تعليقات قليلة تناول فيها مباحث في اللغة والحديث.
ثم قام الشيخ محمدٌ الأحمدي أبو النور بتحقيق هذا الشرح معتمدًا على عدة نسخ موجودة في دار الكتب المصرية، فأصدر منه سنة (١٣٨٨) هـ (١٩٦٩) م جزأين يتضمنان شرح عشرين حديثًا، ثم توقف عن إصدار ما تبقّى منه وهو ثلاثة أخماسه إلى يومنا هذا [¬*].
وكانت لي في أوائل انتحالي لهذه الصنعة رغبة قوية في تحقيق هذا الشرح الحافل الذي تتبدَّى منه وفرةُ محفوظِ المؤلف، ودِقَّةُ فهمه، واتساعُ دائرته في علوم السنة رواية ودراية وتفقهًا، وكان يَصرِفُنِي عن تحقيقه عدم وجود أصلٍ متقنٍ أعتمده، ثم شاء الله أن يُحقق لي هذه الرغبة بعد عشرين عامًا أو تزيد، فيسَّرَ لي عدةَ أصول خطية نفيسة مقابلة ومصححة، وكلها قريبةُ عهد بالمؤلف ﵀، فالحمد لله حق حمده، ونسأله التوفيق لرشده، ونرغب إليه في المزيد من فضله.
- وصف الأصول المعتمدة:
- الأولى: نسخة مُصوَّرةٌ عن الأصل الخطي الموجودة في ظاهرية دمشق،
_________
[¬*] (تعليق الشاملة): ثم أتم الشيخ محمد الأحمدي أبو النور تحقيق الكتاب، وهو منشور تامًا بـ «الشاملة»
стр. 8
وقد أحضرها إلينا الأستاذ سليمان الحرش فجزاه الله خيرًا، ورمزنا لها بِـ (أ)، وعدد أوراقها (٢٣١) ورقة، في كلّ صفحة خمسة وعشرون سطرًا، وفي كلّ سطر اثنتا عشرة كلمة تقريبًا، وخَطُّهَا نَسخيٌ واضحٌ ومقروء، وقد كتبت الأحاديث المشروحة بالأحمر، وهي غاية في الجودة والنفاسة، والخطأ فيها نادرٌ، جاء في حواشيها تصحيحات واستدراكات جيدة تزيد من قيمتها وتُعلي من شأنها.
وجاء في لوحة العنوان ما نصّه:
١ - كتاب شرح النواوية، تأليف الشيخ الإِمام العالم العلامة الرِّحْلَةِ محدث الشام الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرَّحمن بن الشيخ الإِمام العالم العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٢ - الحمد لله رب العالمين: وجدتُ بخط شيخنا العلامة الشيخ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل البقاعي الشافعي تغمده الله تعالى برحمته ما صورتُه: قال كاتبُ هذه الأحرف لَطَفَ الله تعالى به: نسختُ هذا الشرح، وقرأتُ منه على مصنفه قطعةً بدمشق وهو ممسك بأصله، ثم توفي إلى رحمة الله تعالى، ولم أعلم أنه خلَّف بعده مثلَه، ثم إنَّ صاحبنا الشيخ عبد القادر الحجازي المدني الشهير بالحجار نسخ الشرحَ، وقرأه على الشيخ ﵀، ثم بعد ذلك نظم بيتًا من الشعر في مدح الشرح، فتممتُ عليه أبياتًا، والبيتُ الذي هو قوله:
هذا كتابٌ لو يُباع بوزنه … ذهبًا لكان البائعُ المغبونا
بل لو يُباعُ بوزنه دُرًّا ويا … قُوتًا كذلك لؤلؤًا مكنونا
رَجَعَ الذي قد باعه إن كان ذا … عقلٍ بصفقة خاسرٍ محزونا
كم دُرّ علمٍ نافع أبدى به … للنَّاس كان بصدره مخزونا
ما باع جوهر علمه الباقي بغا … لي الدر إلا أحمقًا مفتونا
يا ربِّ فارحمه وكُلَّ شيوخنا … والوالدين وقائلًا: آمينا
قال ذلك وكتبهُ إسماعيل البقاعي ثم الدمشقي عفا الله تعالى عنه … وبمنه
стр. 9
في رابع شوال سنة أربع وثمانمئة.
وذا خطّ العبد الفقير الضعيف عبد الرَّحمن بن يوسف الحنبلي عمَّا الله تعالى عنه وغفر له ..
قلت: وإسماعيل البقاعي هذا ترجمه الحافظ في "إنباء الغمر" ٥/ ١٦٥: فقال: إسماعيلُ بنُ علي بن محمد البقاعي ثم الدمشقي الناسخ، كان يشتغلُ بالعلم ويَصْحَبُ الحنابلة، ويميلُ إلى معتقدهم مع كونه شافعيًا، وكان يقرأ الحديثَ للعامة وينصحهم ويَعِظُهُم، ويكتب للنَّاس مع الدينِ والخير، وله نظم حسن أنشدني منه بدمشق، وقد كتب بخطه "صحيح البخاري" في مجلدة واحدة معدومة النظير، سلمت من الحريق إلا اليسير من حواشيها، فبيعت بأزيدَ من عشرين مثقالًا، وفرَّ في الكائنة إلى طرابلس، فأقام بها إلى آخر سنة خمس، ورجع فمات بدمشق في المحرم سنة (٨٠٦) هـ.
وقد كتبت هذه النسخة سنة (٨٥٢) هـ، أي: بعد وفاة المؤلف ﵀ بسبع وخمسين سنة، فقد جاء في خاتمة الورقة الأخيرة ما نصه:
تم الكتاب المبارك على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وغفرانه العبد الحقير المعترف بالتقصير محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنبلى عفا الله عنه، وذلك في عاشر رمضان المعظم سنة اثنتين وخمسين.
ثم قوبلت وصححت سنة (٨٥٣) هـ. ففي الورقة الأخيرة أيضًا بخطٍّ مغاير ما نصه:
بلغ مقابلة وتصحيحًا بحمد الله تعالى وعونه حَسْبَ الطاقةِ في مجالس متفرقة آخِرُها السادسُ من شهرِ الله المحرم الحرام عامَ ثلاثة وخمسين وثمانمئة بمدرسة الضيائية تغمد الله تعالى واقفها بالرحمة والرضوان بسفح قاسيون بإمساك نسخة مع مالك هذه النسخة المباركة الفقير إلى الله تعالى شيخ … علاء الدين
стр. 10
البغدادي، والنسخة الممسكة مقابلة على قريبٍ من عشر نسخ، منها نسخة عليها خط المصنف تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه ومع ذلك:
إن تجد عيبًا فسُدَّ الخللا … جلَّ من لا عَيْبَ فيه وعلا
وكتب الفقير إلى الله تعالى سبحانه عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن يوسف الحنبلي حامدًا لله ومصليًا على رسوله محمد …
قلت: والمدرسةُ الضيائية هي بسفح جبل قاسيون شرقي الجامع المظفري، بناها واقِفُها من ماله بمعونة أهل الخير وجعلها دار حديث الحافظُ المتقنُ الثبتُ ضياءُ الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (٦٤٣) هـ، وأوقف فيها كتبه وأجزاءه، وكان بها كتب كثيرة نفيسة وأجزاء حديثية من وقف الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرَّحمن، والحافظ عبد العزيز، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي. وقد نُهبت في نكبة الصالح نوبة قازان التتري سنة (٦٩٩) هـ، وراح منها شيء كثير، ثم تمايلت وتراجعت.
وقد درَّس بها واقفها وبعدَه جماعةٌ من أهل العلم، منهم الشيخ تقي الدين، وشمس الدين خطيب جبل الصالحية، وشمس الدين بن الكمال المقدسي، وأبو العباس السعدي، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الله المقدسي، وزين الدين الحراني، وشمس الدين القباقبي، وأحمد بن محمد بن عبد الرحيم.
قال الشيخ أحمد دهمان ﵀: أصبحت هذه المدرسة دارًا تستغل لمصالح الجامع المظفري (جامع الحنابلة) ولم يبق فيها من بنائها القديم إلَّا قوس إيوانها الشمالي.
قلتُ: وعبد الرَّحمن بن إبراهيم بن يوسف كان شيخًا ليوسف بن عبد الهادي، وقد ترجم له في "الجوهر المنضد" ص ٦٤، فقال:
стр. 11
الشيخُ الإِمام العالم العلامة الزاهد العابد الورع القدوة الحجة ذو الفضل زين الدين أبو الفرج عبد الرَّحمن بن الحبال الحنبلي الفقيه المقرئ المحدث المتقن، كان يُقرئ بمدرسة شيخ الإِسلام في العلم والقرآن وغيرهما، وكان صاحبَ زهدٍ ورضًا وورع ودينٍ ونفس رضية طيبة، وكلام حسن، تابعًا للسنة والآثار، رفيقًا بالطلبة، شفيقًا عليهم، له معرفةٌ بالتفسير وكلام السلف، كتب القرآن مرارًا، حتَّى إنه كتب أكثر من مئة مصحف، وكانت معه مشيخة الضيائية، توفي سنة (٨٦٦) هـ، وصلّي عليه عقب صلاة الجمعة بالجامع المظفري، ودُفِنَ تحت الروضة بسفح قاسيون، وكانت جنازته حافلة رفعت على الرؤوس.
وأما مالك النسخة علاء الدين البغدادي، فقد ترجم له السخاوي في "الضوء اللامع" ٥/ ٢٠٨ فقال: علي بن البهاء بن عبد الحميد بن البهاء بن إبراهيم بن محمد بن العلاء الزريراني بالنون، البغدادي الأصل العراقي المولد ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، ويُعْرَفُ بالعلاء بن البهاء. وُلِدَ تقريبًا سنة ثمان عشرة وثمانمئة، وقَدِمَ الشام في سنة سبع وثلاثين، فتفقه بالتقي بن قندس، وبالبرهان بن مُفْلِح، وعنهما أخذ الأصول، وحجَّ وزار بيت المقدس مرارًا، ولقيتهُ بصالحية دمشق، فسمع معنا على كثيرين، بل قرأ "الصحيحين" على الشمس محمد بن أحمد بن معتوق والنظّام بن مفلح، وكذا سمع بعض "المسند" وغيره على ابن الطحان وابن ناظر الصاحبة وابن بردس، ومن مسموعه على ابن الطحان "مآخذ العلم" لابن فارس، وقَدِمَ القاهرة في سنة سبع وسبعين، وتردد لمدرسي الوقت لتمييز مراتبهم، وحضر عندي في مجالس الإِملاء، وسمع مني وعلى الشهاب الشاوي بعض "المسند" وأقام إلى أثناء ذي القعدة من التي تليها، ثم توجه بعد أن درّس جماعة من الطلبة كالتقي البسطي، والسيد عبد القادر القادري، وأذن لهما ولغيرهما، ونزل في صوفية الخانقاه الشيخونية، واستوحش من قاضي المذهب البدر السعدي ومن غيره، ولما رجع ناب فيما بلغني عن النجم بن البرهان بن مفلح في القضاء، وما أحببتُه له ولكن
стр. 12
الغالب عليه الصفاء والخير مع استحضارٍ للفقه ومشاركة، وكان مجاورًا بمكة في سنة تسعين، وأقرأ هناك الفقه.
وفي الورقة الأخيرة:
١ - الحمد لله رب العالمين: أنهاه مطالعةً مالِكُه أفقرُ عبيد الله وأَحْوَجُهُم إلى غفران ربِّه الهادي أحمدُ بن علي بن البغدادي غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمن دعا لهم بالمغفرة ولسائرِ المسلمين في مجالسَ آخِرُها ليلة الجمعة، حادي عشر ربيع الأول المشرف بالمولد الشريف سنة ثلاث وتسعمئة، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين.
وأحمد بن علي هذا ترجم له نجم الدين الغزي في "الكواكب السائرة" ١/ ١٤٠ فقال: أحمدُ بن علي بن البهاء بن عبد الحميد بن إبراهيم الشيخ العلامة القاضي شهاب الدين ابن القاضي العلامة علاء الدين البغدادي الدمشقي الصالحي الحنبلي. وُلِد ليلة الاثنين عاشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمئة، وأخذ العلمَ عن أبيه وغيره، وكان من العلماء المتميزين في الفقه والفرائض، وانتهت إليه رئاسةُ مذهبه، وقُصِدَ بالفتاوى وانتفع النَّاسُ به فيها، وفي الاشتغال، وتعاطي الشهادة على وجهِ إتقانٍ لم يُسبَقْ إليه، وفوض إليه نيابة القضاء في الدولة العثمانية قاضي القضاة زينُ العابدين في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وتسعمئة، ثم ترك القضاء وأقبل على العلم والعبادة. وكان من أخصِّ أصحاب شيخ الإِسلام الجدِّ، وله على الوالد مشيخة، وللوالد عليه مشيخة أيضًا، أخذ عنه كثيرًا مِن نظمه وتأليفه، وهو الذي أشار إليه بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده شيخ الإِسلام رضي الدين الغزي، وكان يمنعه أولًا من الكتابة في حياة شيوخه، فاستأذنه له في الكتابة صاحب الترجمة، فأَذِنَ له فيها، وكتب ليلة عيد الأضحى سنة ثمانٍ وعشرين وتسعمئة كما استوفيت القصة في كتاب "بلغة الواجد في ترجمة الوالد" ثم كانت وفاةُ الشيخ شهاب الدين البغدادي بكرةَ النَّهار
стр. 13
يومَ الجمعة حادي عشر رجب سنة تسع وعشرين وتسعمئة، ودُفِن بتربة باب الفراديس.
٢ - طالع فيه العبد الحقير راجي عفو ولطف ربه القدير إسماعيل بن عبد الباقي اليازجي الواعظ والمدرس بالجامع الشريف الأموي غفر الله له وأحسن عاقبته، آمين.
قلت: وإسماعيل هذا ترجم له المرادي في "سلك الدرر" ١/ ٢٥٥، فقال: إسماعيل بن عبد الباقي بن إسماعيل اليازجي الحنفي الدمشقي الشيخُ الإِمامُ العالم الفقيه الواعظ. كان من العلماء الأجِلَّاء البارعين في الفنون، وُلِدَ بعد الخمسين وألف تقريبًا، ونشأ بدمشق، واشتغل بطلب العلم على جماعة من الشيوخ … ، واشتهر بالفضل، ودرسَ وأفاد بالجامع الأموي، ووعظ به، وله شرحٌ على "الهداية" بالفقه، وصل فيه إلى ربع العبادات في مجلد كبير، وكتب شرحًا على "الجلالين" بالتفسير جزأين ولم يتم، توفي سنة (١١٢١) هـ، واليازجي لفظة تركية معناها: الكاتب.
٣ - استوعب مطالعته … بما فيه العبدُ الفقيرُ … القادري المجاور في مدرسةِ العمرية عفا الله عنه وسامحه، آمين، سنة (١٠٤٧) هـ.
النسخة الثانية المرموز لها بـ (ب):
عَدَدُ أوراقها (٢٣٠) ورقة، في كُلِّ صفحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٧) كلمة تقريبًا، وهي نسخةٌ جيدة يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيها، وفي حواشيها تصويبات واستدراكات قيمة، وخطها نسخي مقروء واضح.
وجاء العنوانُ في اللوحة الأولى منه هكذا:
كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم تأليف الشيخ الإِمام العامل العلامة المحدّث المفسِّر الأصولي العابد
стр. 14
الزاهد، الرباني، بقية السلف الصالحين زين الدين أبو الفرج عبد الرَّحمن بن الشيخ أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي.
وقد كتبت سنة (٨٣٨) هـ، فقد جاء في نهاية الورقة الأخيرة ما نصه: وافق الفراغ من تعليقه في مستهل رجب الفردِ من شهور ثمانية وثلاثين وثمانمئة، عَلَّقَهُ العبدُ الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه وغفرانه يوسف بن يوسف بن محمد بن خضر التُّجيبي الصفدي الشافعي غفر الله له ورَحِمَ سلفه، وكُتِبَ برسم الأخ العزيز غرس الدين خليل بن علي بن عبد الواحد متَّع الله بطول بقائه، ولطف به في الدارين، وجعلنا وإيَّاه من خير الفريقين، ورَحِمَ سلفه وسَلَفَ من قرأ فيه، ودعا لكاتبه بالمغفرة ولجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وجاء في هامش الورقة الأخيرة ما نصه:
بلغ مقابلةً بحسب الطاقةِ على نسخة قُوبِلَ بَعْضُها على مؤلفه، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.
وقد تملَّك هذه النسخة الشيخُ العلامة شمس الدين محمد بن علي بن محمد الشهير بابنِ طولون الصالحي الحنفي المتوفى سنة (٩٥٣) هـ، مؤلف "القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية"، وقد أوقفها على المدرسة العمرية الكائنة بصالحية دمشق كما جاء في لوحة العنوان، وفي رأس الورقة الأولى منه وجه ثان.
النسخة الثالثة المرموز لها بِـ (ج):
وهي مصورة عن الأصل الموجود في الظاهرية رقم (١٢٩٨) عام ٦٧٦ حديث.
عنوان هذه النسخة: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم. وعدد أوراقها (١٥٥) ورقة، في كل صفحة ثلاثون سطرًا، في
стр. 15
كل سطر (٢٢) كلمة تقريبًا، الخطُّ نسخي مقروء، تاريخ النسخ (٨٢٨) هـ، الناسخ إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الشافعي، فقد جاء في الورقة الأخيرة منه:
وكان الفراغ من تعليقه ليلة الاثنين تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثمانمئة من الهجرة النبوية، علقه لنفسه بسرعة على ضوءِ السراج إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الشافعي غفر الله له ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين، ويغلب على الظن أن هذه النسخة لم تقابل، فليس في الحواشي أيَّة تصحيحات.
وقد ترجم للناسخ السخاوي في "الضوء اللامع" ١/ ١٦٦ فقال:
إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر برهان الدين الحلبي الأصل الدمشقي القبيباتي الشَّافعي، ويُعرف بالناجي - بالنون والجيم - لكونه كان فيما قبل حنبليًا ثم تشفع، وربما قيل له: المحدث. ولد في أحد الربيعين سنة عشر وثمانمئة بدمشق وقال: إنه سَمِعَ على شيخنا وابن ناصر الدين والفخر عثمان بن الصَّلِف والعلاء بن بردس، والشهاب أحمد بن حسن بن عبد الهادي، والزين عبد الرَّحمن بن الشيخ خليل والأريحي، ومما سمعه على العلاء "الشمائل" و"مشيخة الأشرف الفخر" و"السنن" لأبي داود و"الترمذي"، وعلى الأخير "صحيح البخاري" وكذا سمع على عبد الله وعبد الرحمن ابني زريق، بل قال: إنه أجازت له عائشة ابنة عبد الهادي ثم حُوقِقَ حتَّى بين أنها عامة، واختص بالعلاء بن زكنون، وقرأ عليه القرآن وغيره، وتزوج ابنته ثم فارقه وتحوَّلَ شافعيًا غَيْرَ مرة، وقد تكلم على النَّاس بأماكن، بل وخطب مع مزيد تحريه وشدة إنكاره على معتقدي ابن عربي ونحوه كابن حامد، محبًا في أهل السنة، منجمعًا عن بني الدُّنيا، قانعًا باليسير، والثناء عليه مستفيض، ووصفه الخضيري بأنَّه شيخ عالم فاضل محدث محرر مُتْقِن معتمد، خدم هذا الشأن بلسانه وقلمه، وطالع كثيرًا من كتبه. قلت: ويقال: إنه علق على "الترغيب" للمنذري شيئًا في مجلد
стр. 16
لطيف، وعمل مولدًا في كراريس وغير ذلك، وبلغني أنه كثيرًا ما يقرأ الفاتحة في جماعته ثم يدعو لي مع كونه لم أعلم اجتماعي به، وهو الآن في الأحياء. انتهى.
قلت: وترجم له ابن العماد في "شذرات الذهب" ٧/ ٣٦٥، وذكر وفاته سنة (٩٠٠) هـ، وقال: توفي بدمشق عن أزيد من تسعين سنة.
النسخة الرابعة المرموز لها بِـ (د):
وقد أهدانا صورة عنها الأستاذ محمود الأرنؤوط نَجْلُ صاحبنا وأخينا العلامة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله ورعاه، وسدد على الحق خطاه، إسهامًا منه في خدمة العلم، فجزاه الله خير الجزاء.
وتقع في (١٩٤) ورقة، وعددُ السطور في كل صفحة (٢٧) سطرًا، وفي كل سطر (١٤) كلمة تقريبًا، وخطها نسخي واضح، وفي حواشيها تصويبات واستدراكاتٌ، وتفسيرٌ لبعض الكلمات، وتكاد تلحق بالنسخة الأولى في الجودَةِ والنفاسة.
وقد جاء في الورقة الأخيرة منها ما نصه:
تم الكتاب المبارك بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وعلقه لنفسه، ثم لمن شاء الله تعالى من بعدُ أقل عبيد الله وأحوجُهم إلى مغفرة ربه ورحمته أحمد بن إسماعيل بن خليل بن عثمان بن منصور بن عكاشة التروطي بلدًا، وهي ضيعة بالريف ببلاد مصر المحروسة، وكان الفراغُ من نسخه في يوم الأربعاء المبارك ثالث عشر ذي القعدة الحرام سنة .... وثمانمئة بطاحون الجركسية بمدينة دمشق المحروسة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قلت: طاحونة الجركسية تقع في صالحية دمشق مقابل مسجد محيي
стр. 17
الدين بن عربي، ولا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا.
وجاء اسم الشرح في لوحة العنوان هكذا:
كتاب جامع العلوم والحكم في شرح حديث سيد العرب والعجم
وفيها أيضًا ما نصه: تملكه العبد الفقير راجي عفو لطف ربه القوي إسماعيل بن عبد الباقي اليازجي الواعظ والمدرس بالجامع الشريف الأموي في سابع عشر شهر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وألف أحسن الله ختامها، آمين.
قلت: وقد تقدمت ترجمته في النسخة الأولى.
وقد جاء في الورقة (١١) وجه أول تعليقًا على قول المصنف من حديث العرباض بن سارية ما نصه:
قلتُ: كدا وقع هنا، وكذا في شرح الحديث الثامن عشر عند قوله "وأتبع السَّيِّئة الحسنة تمحها" قلت: هو في الورقة (٧٢) وجه أول من هذه النسخة، وهو وهم بلا شك، وإنَّما هو النواسُ بن سمعان كما ذكره المصنف على الصواب في شرح الحديث الثلاثين عند قوله: "وحدّ حدودًا فلا تعتدوها".
وجاء في الورقة (١٣) وجه أول تعليقًا على قوله: "بعث سرية فغارت" ما نصه:
كذا وجد ثلاثيًا، وإنَّما هو بألف رباعي قال الله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾.
وجاء في الورقة (٥٢) تعليقًا على قوله كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان ما نصه:
أقول: الأوجه عندي أن الاستثناء في الثلاث من جهة جنس الآدمية وإن اختلفت جهة الإِسلام والكفر، والله أعلم لمحرره إسماعيل اليازجي عفي عنه،
стр. 18
وتعقب اليازجي هذا محمد الحنبلي، فقال:
أقول: بل ما قاله بعيد جدًّا، والأوجه ما ذكره الحافظ ﵀، والذي زعمه لا يظهر إلا مع التكلف الشديد، والله ولي التسديد كاتبه محمد الحنبلي.
وجاء في الورقة (٧٤) وجه أول تعليقًا على قوله: "لم تلفه إلا بغيضًا" نسخة: لم تلقه.
عمان في ٢٢/ ١٠/ ١٤١٠ هـ
١٧/ ٥/ ١٩٩٠ م
стр. 19
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه وولادته:
هو الإِمام الحافظُ العلَّامةُ زينُ الدين عبدُ الرَّحمن بنُ أحمد بن عبد الرَّحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السَّلامي البغدادي، ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ الشهير بابن رجب وهو لقبُ جده عبد الرَّحمن.
واتفقت المصادرُ التي ترجمت له على أنه وُلِدَ في بغداد سنة (٧٣٦) هـ بعد انصرامِ ثمانين عامًا على سقوطِ بغداد حاضرة العلم بأيدي المغول.
وهو ينتمي إلى أُسرة عريقةٍ في العلم والفضلِ والصلاح، فجدُّه عبدُ الرَّحمن بن الحسن كانت له حلقةٌ في بغداد يُقرأ عليه فيها الحديثُ، وقد حضرها المؤلفُ غير مرة وهو في الثالثة والرابعة والخامسة (١)، وأبوه هو الشيخ المقرئُ المحدث شهاب الدين أحمد ولد ببغداد سنة (٧٠٦) هـ ونشأ بها وسمع
_________
(١) قال المؤلف في "ذيل الطبقات" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ قُرِئَ على جدي أبي أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد - وأنا حاضر - في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار - سنة ست وثمانين وستمئة - أخبرنا أبو الحسن محمدُ بنُ أحمد بن عمر القطيعي … أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداوودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عبد الله الفربري، حدثنا البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول: "من يقل على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النَّار".
قلت: وله ترجمة في "الدرر الكامنة" ٢/ ١٠٧، وجاء فيها أنه حدَّث ببغداد، وكان يقرئ حسبة، وإنَّما لقب برجب لأنه ولد فيه، ومات في خامس صفر سنة ٧٤٢ هـ.
стр. 20
من مشايخها، وقرأ بالروايات، ثم رحل إلى دمشق بأولاده سنة (٧٤٤) هـ، فسمع بها وبالحجاز وبالقدس، وجلس للإِقراء بدمشق، وانتفع به، وله معجم خاص بشيوخه نَقَل منه الحافظُ ابنُ حجر في "الدرر الكامنة" في أكثر من موضع.
بداية طلبه للعلم:
كان والده ﵀ يَحْرِصُ على إسماعه الحديث من الشيوخ الثقات الذين لهم شهرة علمية في الرواية في مُخْتَلِفِ البلادِ الإِسلامية، ويأخذ له الإِجازاتِ منهم، لتكون له حافزًا على مواصلة الطلب والتحمل، فقد سمِعَ الحديث باعتناء والده ببغداد، ودمشق ومصر وغيرها على كثير من الشيوخ، وأجاز (١) له طائفة منهم.
شيوخه في الإِجازة:
١ - زينبُ بنتُ أحمد بن عبد الرحيم المقدسية المتوفاة سنة (٧٤٠) هـ "ذيل الطبقات" ١/ ٥٣ و ٨٢ و ١٥٥.
٢ - صفيُّ الدين أبو الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي الحنبلي. المتوفى سنة (٧٣٩) هـ وقد أجازه بما تجوز له روايته غير مرة. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٣٠.
٣ - عبدُ الرحيم بن عبد الله الزريراتي المتوفى سنة (٧٤١) هـ المدرس بالمجاهدية في بغداد، وقد حضر درسه وهو صغير لا يُحِقُّه "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٣٦.
٤ - أبو الربيع عليُّ بنُ عبد الصمد بن أحمد البغدادي الحنبلي المتوفى
_________
(١) الإِجازة: هي أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته، وكأنها تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه، قال ابن الصلاح: ان الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويز الإِجازة، وإباحة الرواية بها.
стр. 21
سنة (٧٤٢) هـ سمع منه في الخامسة جزءًا فيه أربعون حديثًا أخرجها أبوه لنفسه بسماعه من أبيه، وحصل في سماع العشرة الأخيرة بُعْدٌ عن مجلسِ القراءة، فلم يَدْرِ أسمعها أم لا. "ذيل الطبقات" ١/ ٦٧ و ٢/ ١٧٦ و ١٩٢ و ٢٩٣.
٥ - الحافظُ القاسمُ بنُ محمد البرزالي المتوفى سنة (٧٣٩) هـ. "ذيل الطبقات" ٢/ ١٨٤ و ١٩٢.
٦ - محمد بن أحمد بن حسان التلي الدمشقيّ المتوفى سنة (٧٤١) هـ وقد أجاز له ما تجوز روايته بخط يده. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٣٤.
وقد قَدِمَ به أبوه إلى دمشق سنة (٧٤٤) هـ لِيَتِمَّ له بها وبغيرها سماع العوالي على مسندي أعصارهم، وليتخرج في الحديث وغيره بطائفةٍ من الشيوخ الكبار، وكانت دمشق يومئذ مركزًا هامًا من المراكز العلمية يؤُمُّها الطلبةُ من كل حدبٍ وصوب لتلقي المعارف الإِسلامية وما يمت إليها بسبب في مدارسها العامرة الكثيرة التي تمَّ إنشاؤها على يد الأمراء المسلمين الذين عُرِفوا بحب العلم، وتشجيع المشتغلين به، واحترامهم، وإيجاد الظروف الملائمة لهم - فسمع بها من:
١ - قاضي القضاة أبو العباس أحمدُ بن الحسن بن عبد الله الشهير بابن قاضي الجبل المتوفى سنة (٧٧١) هـ. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٥٣.
٢ - شهابُ الدين أبو العباس أحمد بنُ عبد الرَّحمن الحَريري المقدسي الصالحي المتوفى سنة (٧٥٨) هـ. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٨٦.
٣ - عمادُ الدين أبو العباس أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قُدامة المقدسي المتوفى سنة (٧٥٤) هـ. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٣٩.
٤ - تقي الدين أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد
стр. 22
المعروف بابن قيم الضيائية، المتوفى سنة (٧٦١) هـ. "ذيل الطبقات" ١/ ٣٢١.
٥ - الإِمام العلامة عز الدين أبو يعلى حمزةُ بنُ موسى أحمد بن بدران المعروف بابن شيخ السلامية المتوفى سنة (٧٦٩) هـ. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٣.
٦ - علاء الدين عليُّ بنُ زين الدين المنجا المتوفى سنة (٧٥٠) هـ قرأ عليه جزءًا فيه الأحاديث التي رواها مسلم في "صحيحه" عن الإِمام أحمد. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٧.
٧ - مسند العصر عمر بن حسن بن فريد بن أميلة المراغي الحلبي ثم الدمشقيّ ثم المزي المتوفى سنة (٧٧٨) هـ. "ذيل الطبقات" ١/ ٩٨.
٨ - المسند المعمَّر شمسُ الدين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقيّ الأنصاري العُبادي المعروف بابن الخباز، أكثر عنه جدًّا، وعلى ابن الخباز هذا قرأ والدُ المصنف أحمد مسندَ الإِمام أحمد بتمامه كما في "المنهج الأحمد" ٢/ ١٥٧/ ٢.
وجاء في "قواعد التحديث" للقاسمي ص ٢٦٢: أن الحافظ أبا الفضل العراقي قرأ صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يُعارض بنسخته.
٩ - شمس الدين يوسف بن عبد الرَّحمن بن نجم الحنبلي المتوفى سنة (٧٥١) هـ، سمع منه جزء ابن زَبْرٍ الصغير، كان حضره على أبيه ومحمد بن الخباز، وأحمد بن عبد الرَّحمن الحريري. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٨٦، و"المنهج الأحمد" ورقة ٤٥١.
стр. 23
١٠ - الفقيه الفرضي جمال الدين يوسف بن عبد الله بن العفيف محمد النابلسي المتوفى سنة (٧٥٤) هـ، قرأ عليه سنن ابن ماجه بسماعه من عبد الحافظ بن بدران. "ذيل الطبقات" ٢/ ٣٤١، و"المقصد الأرشد" ٣/ ١٤١.
١١ - شمس الدين أبو عبد الله محمدُ بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١) هـ لازم مجالسه قبل موته أزيدَ من سنة، وسَمِعَ عليه قصيدته النونية في السنة، وأشياءَ من تصانيفه وغيرها. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٨.
١٢ - شهابُ الدين أحمدُ بن محمد بن عمر الصالحي المسند الشيرازي الأصل، ثم الدمشقيّ المتوفى سنة (٧٧١) هـ. "شذرات الذهب" ٦/ ٢٢٠.
١٣ - ابن النباش - وكان من أصحاب صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق - قرأ عليه مختصر الخرقي من حفظه، وسمع عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته، وصحبه إلى الممات. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٣٢.
١٤ - عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي أبو الفرج زين الدين الزرعي ثم الدمشقيّ المتوفى سنة (٧٦٩) هـ وهو أخو الشيخ شمس الدين بن القيم ذكره المؤلف في مشيخته وقال: سمعت عليه كتاب "التوكل" لابن أبي الدُّنيا بسماعه على الشهاب العابر، وتفرد بالرواية عنه. "الدارس في تاريخ المدارس" ٢/ ٩٠ - ٩١، و"شذرات الذهب" ٦/ ٢١٦.
١٥ - الشيخ الأصيل المعتبر شمس الدين أبو المحاسن وأبو المظفر يوسف بن يحيى بن الناصح عبد الرَّحمن بن الحنبلي الشيرازي الأصل الدمشقيّ ثم الصالحي المتوفى سنة ٧٥١ هـ. "المقصد الأرشد" ٣/ ١٣٤ - ١٣٥.
ثم رحل إلى مصر قبل سنة (٧٥٤) هـ فسمع بها من:
стр. 24
١ - ناصر الدين محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الأيوبي المتوفى سنة (٧٥٦) هـ أخذ عنه كثيرًا. "ذيل الطبقات" ١/ ٢٤ و ٤١.
٢ - صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي المتوفى سنة (٧٥٤) هـ. "ذيل الطبقات" ١/ ١١٨ و ١٣٧ و ١٣٨ و ١٤٠ و ١٧٧ و ١٨٠ و ١٨٢ و ١٨٧ و ١٨٩ و ١٩٦.
٣ - المسند فتح الدين أبو الحرم محمد بن محمد القلانسي الحنبلي المتوفى سنة (٧٦٥) هـ.
٤ - عز الدين عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة قاضي الديار المصرية المتوفى سنة (٧٦٧) هـ لقيه بمصر وبمكة، قال في "الذيل" ١/ ٨٥: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز … قاضي الديار المصرية وابن قاضيها يمنع النَّاس أن يخاطبوه بقاضي القضاة أو يكتبوا له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضي المسلمين.
٥ - ورافق الحافظ الكبير زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) هـ، وسمع معه كثيرًا. "إنباء الغمر" ٣/ ١٧٥.
وسمع ببغداد وكان فيها سنة (٧٤٨ هـ) (١) بعدما رحل عنها سنة (٧٤٤ هـ) من:
١ - جمال الدين أبو العباس أحمد بن عليّ بن محمد بن البابصري
_________
(١) قال في "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤١ في ترجمة سليمان بن عبد الرَّحمن بن عليّ الشيباني النهرماري: توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمئة، وصُلِّي عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرتُ الصلاة عليه، ودُفِنَ بمقبرة الإِمام أحمد بباب حرب.
قلت: وفي تلك السنة توجه إلى الحجاز بصحبة أبيه لأداء الحج كما في "الذيل" ٢/ ٢٦٣.
стр. 25
البغدادي المتوفى سنة (٧٥٠) هـ حضر دروسه وإشغالَه غيرَ مرة، وسمع بقراءته الحديث "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٦.
٢ - صفي الدين أبو عبد الله الحسين بن بدران البصري البغدادي المتوفى سنة (٧٤٩) هـ قرأ عليه وحضر مجالسه كثيرًا، وسمع بقراءته صحيح البخاري على الشيخ جمال الدين مسافر بن إبراهيم الخالدي بسماعه من الرشيد بن أبي القاسم. "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٤.
٣ - أبو العباس أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي البغدادي قراءة عليه. "ذيل الطبقات" ١/ ٣٠١.
٤ - تاج الدين عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه الواسطي المقرئ المتوفى سنة (٧٤٠) هـ.
٥ - سراج الدين أبو حفص عمر بن عليّ بن عمرو القزويني محدث العراق المتوفى سنة (٧٥٠) هـ، ففي "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٤: وقَدِمَ سراجُ الدين أبو حفص عمر بن عليّ البغدادي البزار في آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرًا، ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين وسبعمئة، وحججتُ أنا تلك السنة أيضًا مع والدي، فقرأت على شيخنا أبي حفص ثلاثيات البخاري بالحلة اليزيدية.
وقد توالت رحلاتُه إلى القدس ونابلس ومصر والحجاز وغيرها في طلب الحديث، وكانت دمشق وطنَ إقامته ومستقره في أثناء ذلك، مِنها يرتحلُ، وإليها يعود، وقد امتدت رحلاتُه إلى سنة (٧٦٣) هـ.
٦ - فسمع بالقدس من الحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي المتوفى سنة (٧٦١) هـ ذكر في "ذيل الطبقات" ٢/ ٣٦٥ أنه سمعه ببيت المقدس يقول: رحم الله شيخنا القاضي تقي الدين بن سليمان سمعته يقول: لم أصل الفريضة قط منفردًا إلا مرتين، وكأني لم أصلها قط.
стр. 26
٧ - وسَمعَ بمكة سنة (٧٤٩) هـ من فخر الدين عثمان بن يوسف بن أبي بكر النُّويري الفقيه المالكي المتوفى سنة (٧٥٦) هـ "ابن قاضي شهبة" ص ٤٨٨.
ويؤخذ من ترجمة شمس الدين محمد بن الشيخ أحمد السقا في "ذيل الطبقات" ٢/ ٤٤٦ أنه حج سنة (٧٦٣) هـ والتقى بمكة بالفضلاء من أهل العلم.
٨ - وسَمِعَ بالمدينة من حافظها ومؤرخها عفيف الدين أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد الخزرجي العُبادي المطري المتوفى سنة (٧٦٥) هـ. "ذيل الطبقات" ٢/ ٣٧٠.
وبوفاة أبيه سنة (٧٧٤) هـ كان قد فَرَغَ من سماع الشيوخ والتفقه، فأقبل على العلم ولازمه مطالعة وكتابة وتصنيفًا وتدريسًا واشتغالًا وإفتاءً إلى أن وافته المنية سنة (٧٩٠) هـ ﵀.
فقد تولَّى التدريس بالمدرسة الحنبلية، وتُشتهر بالمدرسة الكبرى بعدَ وفاة القاضي شمس الدين بن التقي سنة (٧٨٨) هـ وبقي يُدَرِّسُ فيها إلى سنة (٧٩١)، ثم أُخِذَتْ منه مع تَحَقُّقِ الأهلية فيه، وكانت هذه المدرسة عند القباقبية العتيقة شمال الجامع الأموي داخلَ باب الفراديس المعروف الآن بباب العمارة، وقد اندثرت ولم يبق لها أثر.
أوقفها الشيخُ شرفُ الإِسلام عبد الوهَّاب بن عبد الواحد بن محمد الأنصاري الشيرازي، ثم الدمشقيّ الحنبلي الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم المتوفى سنة (٥٣٦) هـ. قلتُ: وعبدُ الواحد والد شرف الإِسلام هو الذي نشر المذهب الحنبلي بين المقادسة والدمشقيين ولم يكن يُعرف قبله لا في بلاد القدس ولا في بلاد الشام.
стр. 27
وولي في حياة والده حلقةَ الثلاثاء التي كانت تُقام في جامع بني أمية الكبير - وهي خاصةٌ بكبار أصحاب مذهب الإِمام أحمد - بعد وفاة ابن قاضي الجبل سنة (٧٧١) هـ وذلك قبل وفاة والده.
وكان ﵀ مجليًا في فن الوعظ، يَشُدُّ إليه انتباهَ مستمعيه، ويُوقِظُ فيهم الإِحساس النبيل، ويُفقههم في دين الله بما وهبه الله من علم نافع، وأسلوب ماتع، وقلب خاشع، ونية صادقة. وقد اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه.
وكان يسكن بدار الحديث السكرية، وهي بالقصاعين (وتعرف الآن بالخيضرية) داخل باب الجابية جنوب دار القرآن الخيضرية التي لا تزال قائمة إلى الآن، وقد ظَلَّ فيها إلى أن مات. ولم يُثْبِتْ أحد أنه تولَّى مشيختها ولم يَنْفِهِ مع أن الشروط التي ينبغي أن تُوجَدَ في من يتولى مشيخة التدريس فيها متحققةٌ فيه إذ لم يكن في عصره أتقن منه في علم الحديث رواية ودراية.
وفي مكتبة خدابخش بتنة بالهند نسخةٌ خطية من جامع العلوم والحكم، ومنها نسخة مصورة عنها في معهد المخطوطات العربية كتبها من نسخة المؤلف عبد القادر بن محمد بن علي الحجار الحنبلي مذهبًا، المدني مولدًا، وقد انتهى من كتابتها سنة (٧٩٠) هـ ثم عرضها على المؤلف في عدة مجالس إلى تمام الأسبوع، وكتب له ابن رجب في الورقة الأخيرة منه بخطه: فأثنى عليه، وصحح نسخته، وأجاز له روايتها له في ثاني عشر جُمادى الأولى من السنة المذكورة أي سنة (٧٩٠) هـ بدار الحديث السكرية بالقصاعين بدمشق المحروسة.
تلاميذه:
وقد تصدَّى الحافظُ ابنُ رجب للإِفادةِ، فأقبل عليه الطلبةُ يأخذون عنه، ويُفيدون من علومه، ويسمعون مروياته، وقد تخرَّج به غيرُ واحد منهم، فكانوا
стр. 28
فيما بعد علماءَ ثقات، نالوا مراتبَ عالية، وخلفوا آثارًا علمية نافعة، فممن أخذ عنه:
١ - قاضي القُضاة شهابُ الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن عليّ الحنبلي المعروف بابن الرسام المتوفَّى سنة (٨٤٤) هـ، أجازه ابن رجب وكان يعمل المواعيدَ، وله كتابٌ في الوعظ على نَمَطِ كتاب شيخه ابن رجب المعروف بلطائف المعارف. "شذرات الذهب" ٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
٢ - محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي، ثم المصري مفتي الديار المصرية (ت ٨٤٤) هـ، سَمِعَ منه في دمشق، وأخذ عنه الفقه ولازمه. "الضوء اللامع" ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٩، "شذرات الذهب" ٧/ ٢٥٠.
٣ - داود بن سليمان بن عبد الله الزين المَوْصلي، ثم الدمشقيّ الحنبلي (ت ٨٤٤) هـ سمع منه شرحه للأربعين النووية، ومجلسًا في فصل الربيع من لطائفه مع حضور مواعيده. "الضوء اللامع" ٣/ ٢١٢.
٤ - عبد الرَّحمن بن أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف الدمشقيّ الأصل المكي الشافعي المقرئ (ت ٨٥٣) هـ سمع منه بدمشق.
٥ - الإِمام العلامة المفسر المحدث الفقيه زين الدين عبد الرَّحمن بن سليمان بن أبي الكرم الدمشقيّ الصالحي الحنبلي الشهير بأبي شعر (ت ٨٤٤ هـ) قرأ عليه من أول المقنع لابن قدامة إلى أثناء البيع. "الضوء اللامع" ٤/ ٨٢، "شذرات الذهب" ٧/ ٢٥٣.
٦ - الفقيه أبو ذر عبد الرَّحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد المصري الحنبلي الشهير بالزركشي صنعة أبيه (ت ٨٤٦ هـ)، ارتحل إلى دمشق قبل سنة (٨٠٣) هـ فأخذ الفقه على ابن رجب "إنباء الغمر" ٩/ ١٩٤، "الضوء اللامع" ٤/ ١٣٦ - ١٣٧.
стр. 29
٧ - شيخ الحنابلة الإِمام العلامة الأصولي علاء الدين أبو الحسن عليّ بن محمد بن عباس البعلي الدمشقيّ الحنبلي الشهير بابن اللحام وهي صنعة أبيه (ت ٨٠٣ هـ)، تتلمذ لابن رجب وتفقه به، وقد أذن له في الإِفتاء، ووعظ في الجامع الأموي في حلقته بعده. "إنباء الغمر" ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢، "الضوء اللامع" ٥/ ٣٢٠ - ٣٢١، "شذرات الذهب" ٧/ ٣١، "المقصد الأرشد" ٢/ ٢٣٧.
٨ - علاء الدين عليّ بن محمد بن عليّ الطرسوسي المزي (ت بعد ٨٥٠ هـ بيسير) حضر على ابن رجب، وسمعه يقول: أرسل إليّ الزين العراقي يستعين بي في شرح الترمذي. "الضوء اللامع" ٥/ ٣٢٨.
٩ - عليُّ بنُ محمد بن إبراهيم الجعفري النابلسي الحنبلي ولد سنة (٧٥٢ هـ) وقف السخاوي له على تصنيفين أحدهما في وصف الحَمام سماه "رشف المدام" نقل فيه عن ابن رجب فكأنه أخذ عنه الفقه. "الضوء اللامع" ٥/ ٢٧٩.
١٠ - الشيخ الإِمام العلامة القاضي علاء الدين علي بن محمد بن أبي بكر السلمي الحموي الحنبلي (ت ٨٢٨ هـ) تفقه بابن رجب في دمشق. "الضوء اللامع" ٦/ ٣٤، "المقصد الأرشد" ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦.
١١ - أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الحلبي الأصل، الدمشقيّ الشافعي (ت ٨٤١ هـ) سمع منه بدمشق مجلس البطاقة. "الضوء اللامع" ٦/ ١٢٠.
١٢ - قاضي مكة شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الأصل النابلسي، ثم الدمشقيّ الحلبي (ت ٨٦٤ هـ) سمع منه بدمشق. "الضوء اللامع" ٦/ ٣٠٩.
١٣ - شهاب الدين أحمد بن عليّ بن محمد الأنصاري الحلبي، ثم
стр. 30
الدمشقيّ الصالحي الحنبلي المؤذن بالجامع الأموي الشهير بابن الشحام (ت ٨٦٤ هـ) حضر مواعيدَ ابن رجب في دمشق. "الضوء اللامع" ٢/ ٤١، "شذرات الذهب" ٧/ ٣٠٣.
١٤ - القاضي عز الدين محمد بن بهاء الدين عليّ المقدسي الحنبلي خطيب الجامع المظفري بصالحية دمشق وهو صاحبُ نظم مفردات الإِمام أحمد (ت ٨٢٠ هـ) أخذ عنه في دمشق. "شذرات الذهب" ٧/ ١٤٧.
١٥ - قاضي حمص شمس الدين محمد بن خالد بن موسى الحمصي الشهير بابن زَهْرَة قرأ عليه في دمشق. "شذرات الذهب" ٧/ ١٩٥.
١٦ - شمس الدين أبو عبيد الله محمد بن خليل بن طوغان الدمشقيّ الحريري الحنبلي (ت ٨٠٣) هـ تخرج به في دمشق. "شذرات الذهب" ٧/ ٣٥.
١٧ - قاضي قضاة دمشق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري (ت ٨٢٠ هـ) أخذ عنه في دمشق.
١٨ - محب الدين أبو الفضل بن الشيخ نصر الله المولود سنة (٧٦٥ هـ) في بغداد أخذ عنه في دمشق. "المنهج الأحمد" الورقة ٤٨٨.
١٩ - الإِمام الواعظ قاضي القضاة صدر الدين أبو بكر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح المتوفى سنة (٨٢٥ هـ) "الدارس" ٢/ ٥١.
وقد قال ابنُ حِجِّي فيما نقله عنه الحافظ في "الدرر الكامنة" ٣/ ١٧٦: وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.
- ثناء أهل العلم عليه:
١ - قال القاضي علاء الدين بنُ اللحام فيما نَقَلَهُ عنه يوسف بنُ عبد الهادي:
стр. 31
سيدُنا وشَيخُنا الإِمامُ العالِمُ العلَّامةُ الأَوْحَد الحافِظُ شيخ الإِسلام مُجلّي المشكلات وموضحُ المبهمات. "الجوهر المنضد" ص ٤٧.
وقال أيضًا: شَيخُنا الإِمام العالمُ الحافظُ بقيةُ السلف الكرام، وحيدُ عصره، وفريدُ دهره شيخُ الإِسلام.
ونقل عنه أنه قال: ذكر لنا مرة الشيخُ مسألةً، فأطنبَ فيها، فعَجِبْتُ من ذلك ومن إتقانه لها، فَوَقَعَتْ بعد ذلك بمحضرٍ من أرباب المذاهب وغيرهم، فلم يتكلَّمْ فيها الكلمةَ الواحدةَ، فلما قام، قلتُ له: ألَيْسَ قد تكلمت فيها بذلك الكلام؟ قال: إنَّما أتكلم بما أرجو ثوابَه، وقد خِفْتُ من الكلام في هذا المجلس.
٢ - وقال حافظُ الشام، ومؤرخُ الإِسلام شهابُ الدين أحمد بن حِجّي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: أتقن الفنَّ، وصار أعرفَ أهلِ عصره بالعلل وتتبع الطرق، تخرَّج به غالبُ أصحابنا الحنابلة بدمشق. "إنباء الغمر" ٣/ ١٧٦.
٣ - وقال ابن ناصر الدين الدمشقيّ: الشيخُ الإِمامُ العلامةُ الزاهدُ القُدوةُ البركة الحافِظُ العُمْدَةُ الثقةُ الحجة، أوعظُ المسلمين، مفيدُ المحدثين … أحد الأئمة الزهاد، والعلماء العباد. "الرد الوافر" ص ١٧٦.
٤ - وقال ابن قاضي شهبة: الشيخُ الإِمامُ العلامةُ الحافظُ الزاهدُ الوَرِعُ، شيخ الحنابلة وفاضِلُهم، أوحدُ المحدثين … "ابن قاضي شهبة" ١/ ٣/ ٤٨٨.
٥ - وقال الحافظ ابن حجر: الشيخُ المحدث الحافظ، مهر في فنون الحديثِ أسماءً ورجالًا وطرقًا واطلاعًا على معانيه، وكان صاحبَ عبادة وتهجد.
"الدرر الكامنة" ٢/ ٣٢٢، و"إنباء الغمر" ٣/ ١٧٦.
٦ - وقال تقي الدين محمد بن فهد: الإِمامُ الحافظُ الحجة، والفقيه العُمدة، أحدُ العلماء الزهاد والأئمة العباد، مفيد المحدثين واعظ المسلمين.
стр. 32
"لحظ الألحاظ" ص ١٨٠.
٧ - وقال ابنُ مفلح: الشيخُ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة.
"المقصد الأرشد" ٢/ ٨١.
٨ - وقال يوسف بن عبد الهادي: الشيخُ الإِمام، أوحدُ الأنام، قدوةُ الحفاظ، جامعُ الشتات والفضائل، الفقيه الزاهد البارع الأصولي الفقيه المحدث.
وقال بعد أن ذكرَ طائفةً كبيرة من مؤلفاته: وغير ذلك من الكتب النافعة المفيدة التي لم نر مِثْلَها، وله تحقيقٌ في المسائل عن نصوصِ أحمد، وكلام الأصحاب، وله مسائلُ كثيرةٌ غريبةٌ، وأشياءُ حسنة يَعْجَزُ الإِنسانُ عن حصرها. "الجوهر المنضد" ص ٤٦.
٩ - وقال السيوطي: الإِمام الحافظ المحدِّث الواعظ … "ذيل تذكرة الحفاظ" ص ٣٦٧.
١٠ - وقال النُّعيمي: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخُ الحنابلة … "الدارس" ٢/ ٧٦.
١١ - وقال العليمي: كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزُهَّاد الأخيار. "المنهج الأحمد" ٢/ ١٧٤/ ١.
١٢ - وقال ابنُ العماد: الشيخ الإِمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة. "شذرات الذهب" ٦/ ٣٣٩.
- تصانيفُه:
يُعَدُّ الحافظُ ابن رجب من أقدرِ علماء عصره على التصنيف، وأمهرهم فيه، فقد ألف تآليف كثيرة مفيدة، وتصانيفَ عديدة ممتعة في التفسير والحديث والفقه
стр. 33
والتاريخ والرقائق، وهي تنبئ عن اتساع دائرته، وتعدد مواهبه، وإخلاصه وزهده.
ففي علوم القرآن:
١ - تفسير سورة النصر.
٢ - تفسير سورة الإِخلاص، وقد تولَّت الدار السلفية بالكويت سنة (١٩٨٩) م طبع هاتين السورتين في مجموع يشتمل على رسالة ثالثة للمؤلف نفسه هي "فضل علم السلف على الخلف" بتحقيق الأخ الفاضل الأستاذ محمد بن ناصر العجمي.
٣ - إعراب البسملة.
٤ - إعراب أم الكتاب.
٥ - تفسير سورة الفاتحة.
٦ - الاستغناء بالقرآن، ذكره في "هدية العارفين" ١/ ٥٢٧.
وقد غني بتفسير طائفة غير قليلة استشهد بها في مواضعَ متعددة من كتبه الكثيرة، وهو يُفَسِّرُ القرآن بالقرآنِ، فإن ما أُجْمِلَ في مكانٍ قد فُسِّرَ في موضع آخر، فإن أعياه ذلك، عَوَّلَ على ما أُثِرَ عن رسول الله ﷺ من الآثار، فإنها شارحة له، وموضحة له، ثمَّ على أقاويل الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولِمَا لهم من الفهم التامٍ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، ثم على جِلَّة التابعين كسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيِّب، وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم.
стр. 34
في الحديث:
١ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتب قطعة منه وصل فيه إلى كتاب الجنائز، ومنه استمد الحافظ ابنُ حجر اسمَ شرحه على البخاري، يُوجَدُ منه في المكتبة الظاهرية بدمشق مجلدان، الأول: يبدأ من كتاب الإِيمان الحديث العاشر، وينتهي بباب السمر في الفقه والخير بعد العشاء من كتاب الصلاة، وفيه خروم. والثاني يبدأ بباب السمر والضيف مع الأهل، وينتهي بباب الإِشارة في الصلاة، ويوجد في دار الكتب المصرية مجلد يبدأ بكتاب الصلاة، وينتهي بكتاب الكسوف وفي أوله خروم.
وإليك نموذجًا من هذا الشرح من كتاب الإِيمان: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده:
فصلٌ: خرَّج البخاريُّ من حديث الشَّعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي ﷺ قال: "المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسلِمُونَ مِنْ لِسانه ويده، والمهاجِرُ منْ هَجَرَ ما نهى الله عنه".
خرَّجه من رواية شعبة عن عبد الله بن أبي السفر، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي عن عبدِ الله، ثم قال: وقال أبو معاوية: حدثنا داودُ، عن عامر قال: سمعتُ عبدَ الله بن عمرو، عن النَّبي ﷺ … ، وقال عبد الأعلى: عن داود، عن عامر عن عبد الله.
ومقصودُ البخاري بهذا أن شعبة روى الحديثَ معنعنًا إسناده كله، وداودُ بن أبي هند رواه عن الشَّعبي، واختلف عليه فيه، فقال: عبدُ الأعلى عن داود كذلك، وقال: أبو معاوية عن داود عن عامر، قال: سمعتُ عبد الله، فذكر في حديثه تصريحَ الشَّعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو، وإنَّما احتاجَ إلى هذا، لأن البخاريَّ لا يرى أن الإِسنادَ يتَّصلُ بدون ثبوتِ لقي الرواة بعضِهم
стр. 35
لبعض، وخصوصًا إذا روى بعضُ أهل بلد عن بعض أهل بلدٍ ناءٍ عنه، فإن أئمة الحديث ما زالوا يستدلُّونَ على عَدَم السماع بتباعد بلدان الرواة، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء وما أشبه ذلك.
وهذا الحديثُ قد رواه الشَّعبي - وهو مِنْ أهل الكوفة - عن عبد الله بن عمرو - وهو حجازي ترك مصر، ولم يسكن العراقَ - فاحتاجَ أن يذكرَ ما يَدُلُّ على سماعه منه، وقد كان عبدُ الله بن عمرو قَدِمَ مع معاوية الكوفة عامَ الجماعة، فسمِعَ منه أهلُ الكوفة كأبي وائل، وزِرْ بن حُبيش، والشعبي.
وإنَّما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين عن عبد الله بن عمرو من رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن رجلًا سأَل النَّبي ﷺ : أيُّ المسلمين خير؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المسلمُونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ"، وهذا اللفظ يُخالِفُ لفظ رواية البخاري.
وأما رواية "المسلم" فيقتضي حصر المسلم فيمن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمرادُ بذلك: المسلمُ الكاملُ الإِسلام، فمن لِم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فإنَّه ينتفي عنه كمالُ الإِسلام الواجب، فإنَّ سلامة المسلمين من لسانِ العبدِ ويده واجبة، فإنَّ أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد الفعل، وأذى اللسان القول.
والظاهرُ أن النَّبي ﷺ إنَّما وصف المسلم بهذا في هذا الحديث، لأن السائلَ كان مسلمًا قد أتى بأركانِ الإِسلام الواجبة لله ، وإنَّما يَجْهَلُ دخولَ هذا القدرِ الواجب من حقوقِ العباد في الإِسلام، فبيَّنَ له النَّبيُّ ﷺ ما جَهِلَهُ.
ويُشبه هذا أن النَّبي ﷺ لما خطبَ في حجة الوداعَ وبَيَّنَ للنَّاس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أتبع ذلك بقوله: "سأُخبركم من المسلم؟ مَنْ سَلِمَ
стр. 36
المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمِنَهُ النَّاسُ على أموالهم وأنفسهم".
خرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (رقم ٤٨٦٢) من حديث فضالة بن عبيد.
وكان النَّبي ﷺ أحيانًا يجمع لمن قَدِمَ عليه يريدُ الإِسلامَ بين ذكر حق الله وحقِّ العباد كما في "مسند الإِمام أحمد" عن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله ما الإِسلام قال: "أنْ تُسلِمَ قلبك لله، وأن يَسْلَمَ المسلمون من لسانك ويدك". وفيه أيضًا عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أنه أتى النَّبي ﷺ ليسلم، فقال له: أسْأَلُكَ بوجه الله بِمَ بعثك الله ربنا إلينا؟ قال: "بالإِسلام" قال: قلتُ: وما آيةُ الإِسلام؟ قال: "أن تقولَ: أسلمتُ وجهي لله، وتخليت، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم محرم" وذكر الحديث، وقال فيه: قلت: يا رسول الله هذا ديننا؟ قال: "هذا دينكم". وخرَّجه النسائي بمعناه.
وقوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فأصلُ الهجرة هجرانُ الشَّرِّ ومباعدته لِطالب الخير، ومحبته والرغبة فيه، والهجرة عند الإِطلاق في الكتاب والسنة إنَّما تنصرِفُ إلى هجرانِ بلدِ الشرك إلى دار الإِسلام رغبة في تعلم الإِسلام والعمل به، وإذا كان كذلك، فأصلُ الهجرةِ: أن يَهْجُرَ ما نهاه الله عنه من المعاصي، فيدخل في ذلك هجران بلدِ الشرك رغبة في دار الإِسلام، وإلا فمجردُ هجرةِ بلد الشرك مع الإِصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة، بل الهجرة التامة الكاملة هجرانُ ما نهى الله عنه، ومن جملة ذلك هجرانُ بلد الشرك مع القدرة عليه.
٢ - شرح جامع الترمذي، وقد قالوا: إنه في نحو عشرين مجلدًا، وقد فُقِدَ في جملة ما فُقِدَ من كتب التراث في فتنة التتر سنة (٨٠٣) هـ، ولم يبق سوى قطعة من كتاب اللباس تقع في عشر ورقات في المكتبة الظاهرية.
والطريقة التي اتبعها في شرحه هذا كما يتبين من الورقات المتبقية منه أنه يذكرُ أحاديثَ الباب من الترمذي، وكلامه الذي يذكره بإثره، ثم يأخذ في تخريج
стр. 37
الأحاديث من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم، ويُبيِّنُ طرقها، ويتكلم على أسانيدها، ثم يخرج الأحاديث التي يجملها الترمذي بقوله: وفي الباب … ، ويسرد طرقها، ويُبين درجتها، ويكشف عن عللها، ويستدركُ على الترمذي ما ورد في الباب مما لم يذكره، ثم يفصل القول فيها، ثم يتكلم على فقه الحديث، وما يُستفاد منه، ويختم كلامه بأقاويل أهل العلم واختلافهم.
ولو سلم هذا الشرح من الضياع لكان فيه غناءٌ، أي غناء عن كل الشروح التي انتهت إلينا.
ويغلب على ظني أن السببَ في تولي الحافظ ابن رجب شرح هذين الكتابين أنهما يمتازان على غيرهما من الكتب التي ألفت في الموضوع نفسه، كونهما كتابي حديث وفقهٍ كما هو معلوم لكل من طالعهما، وأمعن النظر فيهما، وهو أهلٌ لأن يَنهَضَ بذلك، فقد جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها علمًا بفقه النُّصوص والاستنباط منها واستثمار ما فيها.
٤ - مجموعة رسائل يتضمن كل واحدة منها شرح حديثٍ واحد، ومنها ما قد طُبِعِ ومنها ما لم يُطبع، فمما طُبِعَ:
١ - الحِكَمُ الجديرةُ بالإِذاعة من قول النَّبي ﷺ : "بُعِثْتُ بالسيف بَينَ يدي السَّاعة"، وهو شرحُ حديث ابن عمر: "بعثتُ بالسيفِ بَيْنَ يدي الساعة حتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، وجُعِلَ رزقي تحت ظِلِّ رمحي، وجُعِلَ الذلةُ والصغارُ على مَنْ خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ، فهو منهم".
٢ - شرح حديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه".
٣ - اختيار الأولى في "شرح اختصام الملأ الأعلى" وهو حديث مطول رواه أحمد والترمذيّ.
стр. 38
٤ - الكلام على كلمة الإِخلاص. وتحقيقها، وهي شرحُ حديث أنس: قال: كان النَّبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: "يامعاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "ما مِنْ عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله إلَّا حرمه الله على النَّار"، قال: يا رسولَ الله ألا أخبر بها النَّاسَ فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثّمًا.
٥ - بيان فضل علم السَّلف على الخَلَفِ. وهي رسالة نافعة في بابها وضح فيها العلم النافع: بأنَّه ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل.
ثم قال: ومن وقف على هذا، وأخلص القصد فيه لوجه الله تعالى، واستعانه عليه، أعانه وهداه ووفقه وسدده، وفهمه وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به وهو خشية الله ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه.
٦ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع، وهو شرح حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "مَثَلُ المؤمن كمثلِ خامةِ الزرع، من حيث أَتَتْها الريحُ كفأتها، فإذا اعتدلت تَكَفَّأُ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتَّى يَقصِمَها اللهُ إذا شاء".
- نور الاقتباس في مشكاة وصية النَّبي لابن عباس، وهو شرحُ حديث ابن
стр. 39
عباس، قال: كنتُ رديف رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام - أو يا غُليم - ألا أُعلمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ " فقلت: بلى، فقال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يَقضِهِ اللهُ لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا".
٨ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، وهو شرحُ حديث: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ … ".
ومما لم يطبع (١):
١ - شرح حديث زيد بن ثابت أن النَّبي ﷺ علمه دعاءً وأمره أن يتعاهد به أهله كُلَّ يوم، قال: "قل حين تُصبح: لبيك لبيك وسعديك، والخيرُ في يديك ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلتُ من قول، أو نذرت من نذر، أو حلفت من حلف، فمشيئتُكَ بين يديه، وما شئتَ كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير.
اللهم وما صليتُ من صلاة، فعلى من صليت، وما لعنتُ من لعن فعلى من لعنتُ، أنت ولي في الدُّنيا والآخرة، توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين.
اللهم إنِّي أسألك الرضا بعدَ القضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، ولذةَ
_________
(١) وهذه الرسائل التي لم تطبع موجودة عندنا في مجموع فيه عدة رسائل للمؤلف عدد أوراقه ٢٧٥ ورقة، وقد صورناه من إحدى مكتبات استنبول، فرغ من كتابته سنة (٨٩٣) هـ عيسى بن علي بن محمد الحوراني الشافعي.
стр. 40
النظر إلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك من غير ضراء مُضِرَّة، ولا فِتنة مُضِلَّة، أعوذ بك اللهمَّ أن أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أعتدي أو يُعتدى علي، أو أكتسب خطيئةً محبطة، أو ذنبًا لا تغفره.
اللهمَّ، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإِكرام، فإني أعهَدُ إليك في هذه الدُّنيا، وأُشهدك وكفى بك شهيدًا أني أشهدُ أنْ لا إله إلا أنتَ وَحْدَكَ لا شريك لك، لك الملكُ ولك الحمدُ وأنتَ على كل شيء قدير، وأشهدُ أن محمدًا عبدُك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّك تبعثُ من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لى ذنبي كُلَّه، إنه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت، وتُبْ عليّ إنَّك أنتَ التوابُ الرحيم". من الورقة ١٧ - ٤٢.
٢ - شرحُ حديث ابن عباس المرفوع: "الخمرُ أُمُّ الخبائث وأكبرُ الكبائر، من شربها وقع على أمه وعمته وخالته" من الورقة ٩٨ - ١٠٤.
٣ - شرح حديث شداد بن أوس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز النَّاسُ الذهب والفضة، فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إنِّي أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شُكْرَ نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذُ بك من شَرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" من الورقة ١٠٥ - ١٢١.
٤ - شرحُ حديث عمار بن ياسر: أن النَّبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الدعوات: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي. اللهم إنِّي أسألُكَ خشيتك في الغيب
следующие страницы →