← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمِنَهُ النَّاسُ على أموالهم وأنفسهم". خرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (رقم ٤٨٦٢) من حديث فضالة بن عبيد. وكان النَّبي ﷺ أحيانًا يجمع لمن قَدِمَ عليه يريدُ الإِسلامَ بين ذكر حق الله وحقِّ العباد كما في "مسند الإِمام أحمد" عن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله ما الإِسلام قال: "أنْ تُسلِمَ قلبك لله، وأن يَسْلَمَ المسلمون من لسانك ويدك". وفيه أيضًا عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أنه أتى النَّبي ﷺ ليسلم، فقال له: أسْأَلُكَ بوجه الله بِمَ بعثك الله ربنا إلينا؟ قال: "بالإِسلام" قال: قلتُ: وما آيةُ الإِسلام؟ قال: "أن تقولَ: أسلمتُ وجهي لله، وتخليت، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم محرم" وذكر الحديث، وقال فيه: قلت: يا رسول الله هذا ديننا؟ قال: "هذا دينكم". وخرَّجه النسائي بمعناه. وقوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فأصلُ الهجرة هجرانُ الشَّرِّ ومباعدته لِطالب الخير، ومحبته والرغبة فيه، والهجرة عند الإِطلاق في الكتاب والسنة إنَّما تنصرِفُ إلى هجرانِ بلدِ الشرك إلى دار الإِسلام رغبة في تعلم الإِسلام والعمل به، وإذا كان كذلك، فأصلُ الهجرةِ: أن يَهْجُرَ ما نهاه الله عنه من المعاصي، فيدخل في ذلك هجران بلدِ الشرك رغبة في دار الإِسلام، وإلا فمجردُ هجرةِ بلد الشرك مع الإِصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة، بل الهجرة التامة الكاملة هجرانُ ما نهى الله عنه، ومن جملة ذلك هجرانُ بلد الشرك مع القدرة عليه. ٢ - شرح جامع الترمذي، وقد قالوا: إنه في نحو عشرين مجلدًا، وقد فُقِدَ في جملة ما فُقِدَ من كتب التراث في فتنة التتر سنة (٨٠٣) هـ، ولم يبق سوى قطعة من كتاب اللباس تقع في عشر ورقات في المكتبة الظاهرية. والطريقة التي اتبعها في شرحه هذا كما يتبين من الورقات المتبقية منه أنه يذكرُ أحاديثَ الباب من الترمذي، وكلامه الذي يذكره بإثره، ثم يأخذ في تخريج

стр. 37

الأحاديث من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم، ويُبيِّنُ طرقها، ويتكلم على أسانيدها، ثم يخرج الأحاديث التي يجملها الترمذي بقوله: وفي الباب … ، ويسرد طرقها، ويُبين درجتها، ويكشف عن عللها، ويستدركُ على الترمذي ما ورد في الباب مما لم يذكره، ثم يفصل القول فيها، ثم يتكلم على فقه الحديث، وما يُستفاد منه، ويختم كلامه بأقاويل أهل العلم واختلافهم. ولو سلم هذا الشرح من الضياع لكان فيه غناءٌ، أي غناء عن كل الشروح التي انتهت إلينا. ويغلب على ظني أن السببَ في تولي الحافظ ابن رجب شرح هذين الكتابين أنهما يمتازان على غيرهما من الكتب التي ألفت في الموضوع نفسه، كونهما كتابي حديث وفقهٍ كما هو معلوم لكل من طالعهما، وأمعن النظر فيهما، وهو أهلٌ لأن يَنهَضَ بذلك، فقد جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها علمًا بفقه النُّصوص والاستنباط منها واستثمار ما فيها. ٤ - مجموعة رسائل يتضمن كل واحدة منها شرح حديثٍ واحد، ومنها ما قد طُبِعِ ومنها ما لم يُطبع، فمما طُبِعَ: ١ - الحِكَمُ الجديرةُ بالإِذاعة من قول النَّبي ﷺ : "بُعِثْتُ بالسيف بَينَ يدي السَّاعة"، وهو شرحُ حديث ابن عمر: "بعثتُ بالسيفِ بَيْنَ يدي الساعة حتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، وجُعِلَ رزقي تحت ظِلِّ رمحي، وجُعِلَ الذلةُ والصغارُ على مَنْ خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ، فهو منهم". ٢ - شرح حديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". ٣ - اختيار الأولى في "شرح اختصام الملأ الأعلى" وهو حديث مطول رواه أحمد والترمذيّ.

стр. 38

٤ - الكلام على كلمة الإِخلاص. وتحقيقها، وهي شرحُ حديث أنس: قال: كان النَّبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: "يامعاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: "ما مِنْ عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله إلَّا حرمه الله على النَّار"، قال: يا رسولَ الله ألا أخبر بها النَّاسَ فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثّمًا. ٥ - بيان فضل علم السَّلف على الخَلَفِ. وهي رسالة نافعة في بابها وضح فيها العلم النافع: بأنَّه ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل. ثم قال: ومن وقف على هذا، وأخلص القصد فيه لوجه الله تعالى، واستعانه عليه، أعانه وهداه ووفقه وسدده، وفهمه وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به وهو خشية الله ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه. ٦ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع، وهو شرح حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "مَثَلُ المؤمن كمثلِ خامةِ الزرع، من حيث أَتَتْها الريحُ كفأتها، فإذا اعتدلت تَكَفَّأُ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتَّى يَقصِمَها اللهُ إذا شاء". - نور الاقتباس في مشكاة وصية النَّبي لابن عباس، وهو شرحُ حديث ابن

стр. 39

عباس، قال: كنتُ رديف رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام - أو يا غُليم - ألا أُعلمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ " فقلت: بلى، فقال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يَقضِهِ اللهُ لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا". ٨ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، وهو شرحُ حديث: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ … ". ومما لم يطبع (١): ١ - شرح حديث زيد بن ثابت أن النَّبي ﷺ علمه دعاءً وأمره أن يتعاهد به أهله كُلَّ يوم، قال: "قل حين تُصبح: لبيك لبيك وسعديك، والخيرُ في يديك ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلتُ من قول، أو نذرت من نذر، أو حلفت من حلف، فمشيئتُكَ بين يديه، وما شئتَ كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير. اللهم وما صليتُ من صلاة، فعلى من صليت، وما لعنتُ من لعن فعلى من لعنتُ، أنت ولي في الدُّنيا والآخرة، توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين. اللهم إنِّي أسألك الرضا بعدَ القضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، ولذةَ _________ (١) وهذه الرسائل التي لم تطبع موجودة عندنا في مجموع فيه عدة رسائل للمؤلف عدد أوراقه ٢٧٥ ورقة، وقد صورناه من إحدى مكتبات استنبول، فرغ من كتابته سنة (٨٩٣) هـ عيسى بن علي بن محمد الحوراني الشافعي.

стр. 40

النظر إلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك من غير ضراء مُضِرَّة، ولا فِتنة مُضِلَّة، أعوذ بك اللهمَّ أن أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أعتدي أو يُعتدى علي، أو أكتسب خطيئةً محبطة، أو ذنبًا لا تغفره. اللهمَّ، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإِكرام، فإني أعهَدُ إليك في هذه الدُّنيا، وأُشهدك وكفى بك شهيدًا أني أشهدُ أنْ لا إله إلا أنتَ وَحْدَكَ لا شريك لك، لك الملكُ ولك الحمدُ وأنتَ على كل شيء قدير، وأشهدُ أن محمدًا عبدُك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّك تبعثُ من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لى ذنبي كُلَّه، إنه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت، وتُبْ عليّ إنَّك أنتَ التوابُ الرحيم". من الورقة ١٧ - ٤٢. ٢ - شرحُ حديث ابن عباس المرفوع: "الخمرُ أُمُّ الخبائث وأكبرُ الكبائر، من شربها وقع على أمه وعمته وخالته" من الورقة ٩٨ - ١٠٤. ٣ - شرح حديث شداد بن أوس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز النَّاسُ الذهب والفضة، فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إنِّي أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شُكْرَ نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذُ بك من شَرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" من الورقة ١٠٥ - ١٢١. ٤ - شرحُ حديث عمار بن ياسر: أن النَّبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الدعوات: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي. اللهم إنِّي أسألُكَ خشيتك في الغيب

стр. 41

والشهادة، وكلمة الحقِّ في الغضب والرضا، والقصدَ في الفقر والغنى، وأسألُك نعيمًا لا يَنفدُ، وقُرَّة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبردَ العيش بعد الموت، وأسألُك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّةٍ ولا فِتنة مضلَّةٍ، اللهم زينا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين" من الورقة ١٢١ - ١٣٨. ٥ - مختصر فيما رُوي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق. ٦ - شرح حديث أنس عن النَّبي ﷺ قال: "يَتْبَعُ الميتَ ثلاثٌ، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهلُه وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله". من الورقة ١٧٣ - ١٨٠. ٧ - رسالة في فضل صدقة السر من الورقة ١٨٠ - ١٨١. ٨ - شرح حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجالُ، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فواعدهن يومًا لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: "ما منكن امرأة تقدِّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النَّار" فقالت امرأة: واثنين؟ قال: "واثنين". من الورقة ١٨٢ - ١٩٨، واسمها: تسلية نفوس النساء والرجال عن فقد الأطفال. ٩ - شرح حديث أبي أمامة، عن النَّبي ﷺ قال: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيف الحاذ، ذو حظٍّ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضًا في النَّاس، لا يُشار له بالأصابعِ، وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك" ثم نقر بيده فقال: "عجلت منيتُه قلَّت بواكيه قَلَّ تراثُه" من الورقة ١٩٩ - ٢١١. ١٠ - شرح حديث أبي أمامة، عن النَّبي ﷺ قال: "الحُمَّى كيرٌ من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظّه من النَّار" من الورقة ٢١٢ - ٢٢٠.

стр. 42

سماها البشارة العظمى للمؤمن بأن حظه من النَّار الحمى. ٥ - شرح علل الترمذي: تناول فيه كلام الإِمام الترمذي في "العلل الصغيرة" بالشرح والتوضيح والاستدلال والاعتراض، وهو كتاب عظيم النفع في بابه، غزير العلم جم الفوائد، ينبئ عن براعة المؤلف في فن العلل، واتساع دائرته فيه وإتقانه له، وهو الفن الذي لا يتقنه إلا القليل من الحفاظ المحدثين على توالي العصور. طبع أولًا في مجلد واحد في بغداد سنة (١٣٩٦) هـ بتحقيق السيد صبحي جاسم السامرائي. ثم طبع ثانيًا في مجلدين في دمشق سنة (١٣٩٨) هـ بتحقيق الدكتور الفاضل نور الدين عتر. ثم طبع في عمان في مجلدين سنة (١٤٠٧) هـ بتحقيق الدكتور الفاضل همام عبد الرحيم سعيد، مع الدراسة الحافلة لهذا الشرح التي حصل بها على درجة الدكتوراه. في الفقه: ١ - القواعد الفقهية "مطبوع": وهو كتاب غاية في النفاسة، ضمنه مئة وستين قاعدة، وأورد في آخره فصلًا أدرج فيه فوائد تلحق بالقواعد في مسائل مشهورة فيها اختلاف في المذهب، وتنبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة بلغت إحدى وعشرين فائدة، معظمُها ذاتُ شأن في الفقه. ومع أنه قد أجاد فيه كلَّ الإِجادة، وعَدَّهُ بعضهم من عجائب الدهر، فقد صنفه في أيام يسيرة، وهذا يدلك على أنه كانت له معرفة تامة بمذهب الإِمام أحمد.

стр. 43

يقول في مقدمته: فهذه قواعدُ مهمة، وفوائدُ جمة، تَضبِطُ للفقيه أصولَ المذهب، وتُطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب، تَنْظِمُ له منثورَ المسائل في سِلْكٍ واحد، وتُقيد له الشواردَ، وتقرب عليه كُلَّ متباعد، فليمعن الناظر فيه النظر، وليوسع العذر، إن اللبيب مَنْ عذر، فلقد سنح بالبال على غايةٍ من الإِعجال كالارتجال أو قريبًا من الارتجال في أيام يسيرةٍ وليال. ٢ - الاستخراج في أحكام الخراج: ويقع في (١٢٤) صفحة، طبع في مصر بتحقيق عبد الله الصديق أحد علماء الأزهر، ثم قامت بتصويره دار المعرفة في بيروت. وقد سبق إلي التأليف في هذا الموضوع عالمان كبيران الأول: القاضي أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم، صاحب الإِمام أبي حنيفة المتوفى سنة (١٨٣) هـ. والثاني: الإِمام يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي المتوفى سنة (٢٠٣) هـ، وكلاهما قد طبع. ٣ - كتاب أحكام الخواتيم وما يتعلق بها، وقد طبع في مطابع الرحاب بالمدينة المنورة سنة (١٩٨٧) م بتحقيق الدكتور محمد بن حمود الوائلي. ومما لم يطبع: ١ - إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة. ٢ - الإِيضاح والبيان في طلاق كلام الغضبان. ٣ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة. ٤ - القول المعذاب في تزويج أمهات أولاد الغياب. ٥ - الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأَيمان.

стр. 44

٦ - نزهة الأسماع في مسألة السماع. ٧ - تعليق الطلاق بالولادة. ٨ - مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة: وهذا الكتاب لم نقف عليه، وقد نقل منه يوسف بن عبد الهادي في كتابه "سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث" المطبوع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة (١٩٥٣) م. وفي هذا الكتاب رد على شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في ما انتهيا إليه من القول بأن الطلاق الثلاثَ دفعة واحدة تقعُ طلقة واحدة رجعية، فقد قال فيه: اعلم أنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابةِ، ولا مِن التابعين، ولا مِنْ أئمةِ السلف المعتدِّ بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيءٌ صريحٌ في أن الطلاق الثلاث بعدَ الدخول يُحسَبُ واحدة إذا سيق بلفظ واحد. وأما حديثُ ابن عباسَ - وهو الذي اعتمده ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذه المسألة - فقد قال ابنُ رجب: فهذا الحديثُ لأئمة الإِسلام فيه طريقان، أحدهما: مسلكُ الإِمام أحمد ومَنْ وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسنادِ الحديث لشذوذه، وانفرادِ طاووس به، فإنه لم يُتابَعْ عليه، وانفرادُ الراوي بالحديث مخالفًا للأكثرين هو علةٌ في الحديث يُوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذًا أو منكرًا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقةُ المتقدمين كالإِمام أحمد ويحيى القطان ويحيى بن معين، ثم قال ابنُ رجب: ومتى أجمع علماءُ الأمة على اطّراح العمل بحديث وجب اطّراحه، وترك العمل به. ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس - وهو راوي الحديث - أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشَّافعي كما ذكره الموفق ابن قدامة في "المغني"، وهذه أيضًا علة في الحديث

стр. 45

بانفرادها، فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ والإِنكار وإجماع الأمة على خلافه؟. في التراجم: ١ - الذيل على طبقات الحنابلة، في جزأين، نشر منه الأول في دمشق سنة (١٩٥٠) م بعناية سامي الدهان وهنري لاوست، ثم نشره بتمامه في جزأين في القاهرة الشيخ محمد حامد الفقي، وهوكتاب قيم ترجم فيه لأعلام المذهب ذيّل به على "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى. ٢ - مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز. "مطبوع". ٣ - سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز. "مطبوع". ٤ - مشيخة ابن رجب. ٥ - وقعة بدر. تصانيفه في الوعظ والفضائل والرقائق: ١ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف. "مطبوع". ٢ - فضل علم السلف على علم الخلف. "مطبوع". ٣ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار. "مطبوع". ٤ - أهوال يوم القيامة. ٥ - أهوال القبور. "مطبوع". ٦ - الفرق بين النصيحة والتعيير. "مطبوع". ٧ - الذل والانكسار للعزيز الجبار: طبع بعنوان الخشوع في الصلاة.

стр. 46

٨ - فضائل الشام. ٩ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس. "مطبوع". ١٠ - الإِلمام في فضائل بيت الله الحرام. ١١ - الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان. ١٢ - ذم الخمر. - وفاته: توفي الحافظ ابن رجب سنة (٧٩٥) هـ بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير جوار قبر الشيخ الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ثم المقدسي الدمشقي المتوفَّى في ذي الحجة سنة (٤٨٦) هـ، وهو الذي نشر مذهب الإِمام أحمد ببيت المقدس، ثم بدمشق ﵀. قال ابن ناصر الدين في "الرد الوافر" ص ١٧٨: ولقد حدثني من حفر لحدَ ابن رجب أن الشيخ زينَ الدين بن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام، فقال له: احفِرْ لي هاهنا لحدًا، وأشار إلى البُقعة التي دُفِنَ فيها، قال: فحفرتُ له، فلما فرغتُ، نزل في القبر، واضطجع فيه فأعجبه، وقال: هذا جيد، ثم خرج، قال: فوالله ما شعرتُ بعد أيام إلا وقد أتي به ميتًا محمولًا على نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه ﵀. عمان في ٢٢/ ١٠/ ١٤١٠ هـ ١٧/ ٥/ ١٩٩٠ م

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للهِ الَّذي أكملَ لنا الدِّين، وأتمَّ علينا النِّعمةَ، وجعل أُمَّتنا - ولله الحمد - خيرَ أمَّة، وبعث فينا رسولًا منَّا يتلو علينا آياتِه، ويزكِّينا ويعلِّمنا الكتابَ والحكمة. أحمَدُه على نِعَمِهِ الجمَّة، وأشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، شهادةً تكونُ لمنِ اعتصمَ بها خيرَ عِصْمَة، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُهُ، أرسله للعالمين رحمة، وفوّض إليه بيانَ ما أُنزِلَ إلينا، فأوضحَ لنا كلَّ الأُمورِ المهمَّة، وخصَّه بجوامعِ الكلِمِ، فربَّما جمعَ أشتاتَ الحِكَم والعُلوم في كلمةٍ، أَوْ في شطرِ كلمة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاةً تكونُ لنا نورًا مِنْ كلِّ ظُلْمةٍ، وسلَّم تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فإنَّ الله بعثَ محمَّدًا ﷺ بجوامعِ الكَلِمِ، وخصَّهُ ببدائع الحِكَمِ. كما في "الصَّحيحينِ" عن أبي هريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "بُعِثْتُ بجوامِعِ الكَلِمِ" (١). قال الزُّهري (٢): جوامِعُ الكَلِمِ - فيما بَلَغَنَا - أن الله يجمع له الأُمورَ الكثيرةَ التي كانت تُكْتَبُ في الكُتب قبلَه في الأمرِ الواحدِ والأمرينِ، ونحو ذلك.

стр. 48

وخرَّج الإمام أحمدُ من حديثِ عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: خرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمَّدٌ النَّبيُّ الأُمِّيُّ". قالَ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ. "ولا نَبيٍّ بعدي، أُوتِيتُ فواتِحَ الكَلِمِ وخَواتِمَهُ وجوَامِعَهُ"، وذكر الحديثَ (١). وخرَّج أبو يعلى المَوصلي (٢) من حديثِ عمر بن الخطَّابِ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنِّي أُوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ وخواتِمَهُ، واختُصِرَ لي اختصارًا". وخرَّج الدَّارقطنيُّ (٣) من حديثِ ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "أُعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ، واختُصِرَ لي الحَديثُ اختصارًا". وروينا مِنْ حديث عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ القُرَشيّ، عن أبي بُردَةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيتُ فواتِحَ الكَلِمِ وخواتِمَهُ وجَوامِعَهُ"، فقلنا: يا رسول الله، علِّمنا ممَّا علَّمك الله ، قال: فعلَّمَنَا التَّشَهُّدَ (٤)

стр. 49

وفي "صحيح مسلم" (١) عن سعيد بن أبي بُردةَ بن أبي موسى، عن أبيه، عن جدِّهِ، أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ البِتْعُ والمِزْرِ (٢)، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أُعْطِي جوامع الكَلِم بخواتمه، فقال: "أنهى عَنْ كُلِّ مُسكرٍ أسكرَ عَنِ الصَّلاةِ". وروى هشامُ بنُ عمَّارٍ في كتاب "المبعث" (٣) بإسناده عن أبي سلَّام الحبشيِّ، قال: حُدِّثْتُ أن النبيَّ ﷺ كَان يقول: "فُضِّلْتُ على مَنْ قَبلِي بستٍّ ولا فخر"، فذكر منها: قال: "وأُعطِيتُ جَوامعَ الكَلِم، وكانَ أهلُ الكتابِ يجعلونها جزءًا باللَّيل إلى الصَّباح، فجمعها لي ربِّي في آيةٍ واحدةٍ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] ". فجوامعُ الكلم التي خُصَّ بها النَّبيُّ ﷺ نوعان: أحدهما: - ما هو في القُرآن، كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] قال الحسنُ: لم تترك هذه الآيةُ خيرًا إِلَّا أَمرت به، ولا شرًّا إلَّا نَهتْ عنه (٤). والثَّاني: ما هو في كلامه ﷺ ، وهو منتشرٌ موجودٌ في السُّنن المأثورةِ عنه

стр. 50

- ﷺ . وقد جمع العُلماءُ جموعًا من كلماتِه ﷺ الجامِعَةِ، فصنِّف الحافظُ أبو بكر بن السُّنِّيِّ كتابًا سماه: "الإِيجاز وجوامع الكلم مِنَ السُّنَن المأثورة"، وجمع القاضي أبو عبدِ الله القُضاعي مِنْ جوامع الكلم الوجيزة كتابًا سمَّاه: "الشهاب في الحِكَم والآداب" (١)، وصنَّفَ على مِنوالِه قومٌ آخرون، فزادُوا على ما ذكره زيادةً كثيرةً. وأشار الخطَّابيُّ في أوَّل كتابه "غريب الحديث" (٢) إلى يسير من الأحاديث الجامعة. وأملى الإِمامُ الحافظُ أبو عمرو بنُ الصَّلاح مجلسًا سمَّاه "الأحاديثَ الكلّيّة"، جمع فيه الأحاديثَ الجوامعَ الَّتي يُقال: إنَّ مدارَ الدِّين عليها، وما كان في معناها مِنَ الكلمات الجامعةِ الوجيزةِ، فاشتمل مجلسهُ هذا على ستَّةٍ وعشرين حديثًا. ثمَّ إنَّ الفقيهَ الإمامَ الزَاهِدَ القُدوةَ أبا زكريا يحيى النَّوويَّ رحمةُ اللهِ عليهِ أخذَ هذه الأَحاديثَ التي أملاها ابنُ الصَّلاحِ، وزادَ عليها تمامَ اثنينِ وأربعينَ حديثًا، وسمى كتابه "بالأَربعين"؛ واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكَثُرَ حفظُها، ونفع الله بها ببركة نيَّة جامِعِها، وحُسْنِ قصدِه ﵀. وقد تكرَّر سؤالُ جماعةٍ مِنْ طلبةِ العلمِ والدِّينِ لتعليق شرحٍ لهذه الأحاديث المُشارِ إليها، فاستخرتُ الله في جمع كتاب يتضمَّنُ شرح ما يُيسِّرُه الله تعالى مِنْ معانيها، وتقييد ما يفتحُ به سبحانه من تبيين قواعدِها ومبانيها، وإيَّاه أسألُ العونَ على ما قَصَدْتُ، والتَّوفيقَ لصلاح النِّيَّةِ والقصد فيما أردتُ، وأُعَوِّلُ في أمري كلّه عليه، وأبرأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلَّا إليه. وقد كان بعضُ مَنْ شرحَ هذه الأَربعينَ قد تعقَّب على جامعها ﵀ تركَه

стр. 51

لحديثِ: "أَلحِقُوا الفَرائِضَ بأهلها، فما أبقتِ الفرائِضُ، فلأَوْلَى رجُلٍ ذكرٍ" (١)، قال: لأنَّه جامعٌ لقواعدِ الفرائض التي هي نصفُ العلمِ، فكان ينبغي ذكرهُ في هذه الأحاديث الجامعة، كما ذكرَ حديثَ: "البيِّنَةُ على المُدَّعي، واليمينُ على من أنكر" (٢) لجمعه لأحكامِ القضاء. فرأيتُ أنا أن أضُمَّ هذا الحديثَ إلى أحاديثِ الأربعين التي جمعها الشيخُ ﵀، وأن أضُمَّ إلى ذلك كُله أحاديثَ أُخَرَ مِنْ جَوامعِ الكَلِمِ الجامِعَةِ لأنواعِ العُلوم والحِكَمِ، حتَّى تكمُلَ عدَّةُ الأحاديث كلّها خمسينَ حديثًا، وهذه تسميةُ الأحاديثِ المزيدة على ما ذكره الشيخُ ﵀ في كتابه -: حديث: "ألحِقوا الفَرائِضَ بأهلها"، حديث: "يحرُمُ مِنَ الرَّضَاع ما يَحْرُمُ من النَّسَب"، حديث: "إن الله إذا حرَّمَ شيئًا، حرَّم ثَمَنَهُ"، حديث: "كلُّ مُسكِرٍ حرامٌ"، حَديث: "ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطن"، حديث: "أَربَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان مُنافِقًا"، حديث: "لو أَنَّكم توكَّلون على اللهِ حَقَّ توكُّلِهِ، لرَزَقَكُم كما يرزُقُ الطَّير"، حديث "لا يزالُ لسانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكر اللهِ " (٣). وسمَّيته:

стр. 52

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم واعلم أنه ليس غرضي إلَّا شرحُ الألفاظ النَّبويَّةِ التي تضمَّنَتْها هذه الأحاديثُ الكلِّية، فلذلك لا أتقيَّد بألفاظِ الشَّيخِ ﵀ في تراجمِ رُواةِ هذه الأَحاديث مِنَ الصَّحابةِ ﵃، ولا بألفاظه في العَزْوِ إلى الكُتب التي يعزُو إليها، وإنَّما آتي بالمعنى الذي يدلُّ على ذلك، لأني قد أعلمتُك أنَّه ليس لي غرضٌ إلَّا في شرح معاني كلمات النَّبيِّ ﷺ الجوامع، وما تضمَّنَته مِنَ الآداب والحِكَمِ والمعارف والأحكام والشَّرائع. وأشيرُ إشارةً لطيفةً قبلَ الكلامِ في شرح الحديث إلى إسناده، ليُعْلَمَ بذلك صحَّتُهُ وقوَّتُه وضعفُه، وأذكرُ بعضَ ما رُوي في معناه مِنَ الأحاديث إنْ كان في ذلك البابِ شيءٌ غير الحديث الذي ذكره الشيخ، وإنْ لم يكن في الباب غيرُه، أو لم يكن يصحُّ فيه غيره، نبَّهت على ذلك كلِّه، وباللهِ المستعان، وعليه التُّكلانُ، ولا حَولَ ولا قوَّة إلَّا باللهِ.

стр. 53

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحديث الأول عَنْ عُمَرَ ﵁، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّمَا الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُهَا، فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ". رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (١). هذا الحديثُ تفرَّد بروايته يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ عن محمَّدِ بن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن علقمة بن وقَّاصٍ اللَّيثيِّ، عن عُمَر بن الخطَّابِ ﵁،

стр. 54

وليس له طريق تصحُّ غير هذه الطريق، كذا قاله عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه. وقال الخطابيُّ (١): لا أعلمُ خلافًا بين أهكِ الحديثِ في ذلك، مع أنَّه قد رُوِي من حديث أبي سعيدٍ (٢) وغيره، وقد قيل: إنَّه رُوي من طُرقٍ كثيرةٍ، لكن لا يصحُّ من ذلك شيءٌ عندَ الحُفَّاظ. ثمَّ رواهُ عن الأنصاريِّ الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ، فقيل: رواهُ عنهُ أكثرُ مِن مئتي راوٍ، وقيل: رواه عنه سبعُ مئة راوٍ (٣)، ومِنْ أعيانهم: مالكٌ، والثَّوريُّ،

стр. 55

والأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، وشعبةُ، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهم. واتَّفقَ العُلماءُ على صحَّته وتَلَقِّيهِ بالقَبولِ، وبه صدَّر البخاريُّ كتابَه "الصَّحيح"، وأقامه مقامَ الخُطبةِ له، إشارةً مثه إلى أن كلَّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله، فهو باطلٌ، لا ثمرةَ له في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مهدي: لو صنَّفتُ الأبوابَ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنِّيَّةِ في كلِّ بابٍ، وعنه أنَّه قال: مَنْ أَرادَ أنْ يصنِّفَ كتابًا، فليبدأ بحديثِ "الأعمال بالنِّيات" (١). وهذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ الَّتي يدُورُ الدِّين عليها، فرُويَ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: هذا الحديثُ ثلثُ العلمِ، ويدخُلُ في سبعينَ بابًا مِنَ الفقه (٢). وعَن الإمام أحمدَ قال (٣): أصولُ الإِسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمرَ: "الأعمالُ بالنِّيَّات"، وحديثُ عائشة: "مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس مِنهُ، فهوَ ردٌّ" وحديثُ النُّعمانِ بن بشيرٍ: "الحلالُ بيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ". وقال الحاكمُ: حدَّثُونا عَنْ عبدِ الله بن أحمدَ، عن أبيه أنَّه ذكرَ قوله ﵊: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وقوله: "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يُجْمَعُ في بطن أُمِّهِ أربَعِينَ يَومًا"، وقوله: "مَنْ أَحْدَث في دِيننا ما لَيْسَ منه فَهوَ ردٌّ" فقال: ينبغيَ أنْ يُبدأ بهذه الأحاديثِ في كُلِّ تصنيفٍ، فإنَّها أصولُ الحديث.

стр. 56

وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ، قال: أربعةُ أحاديث هي مِنْ أُصولِ الدِّين: حديث عُمَر: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات"، وحديث: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث "إنَّ خَلْقَ أَحدِكُم يُجْمَعُ في بطنِ أمّه"، وحديث "مَنْ صَنَعَ في أمرِنا شيئًا ليس منه، فهو رَدٌّ". وروى عثمان بنُ سعيدٍ عن أبي عُبيدٍ، قال: جَمَعَ النَّبي ﷺ جميعَ أمر الآخرةِ في كلمةٍ: "مَنْ أَحدثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ"، وجمع أمرَ الدُّنيا كلَّه في كلمةٍ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيات" يدخلان في كل باب. وعن أبي داودَ، قال (١): نظرتُ في الحديثِ المُسنَدِ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ، ثمَّ نظرتُ، فإذا مدارُ الأربعة آلافِ حديث على أربعةِ أحاديث: حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث عمر: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وحديثِ أبي هُريرة: "إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمرَ المؤمِنين بما أمرَ به المُرسلين" الحديث، وحديثِ: "مِنْ حُسنِ إسلام المرءِ تَركُهُ ما لا يعنيه". قال: فكلُّ (٢) حديثٍ مِنْ هذه ربعُ العلمِ. وعن أبي داودَ أيضًا، قال: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكتاب - يعني كتابَ "السنن" - جمعت فيه أربعةَ آلاف وثمان مئة حديثٍ (٣)، ويكفي الإِنسانَ لدينه مِنْ ذلك أربعةُ أحاديث: أحدُها: قولُه ﷺ : "الأعمالُ بالنِّيَّات"، والثاني: قوله ﷺ : "مِنْ حُسنِ إسلام المرء تركُهُ ما لا يعنيه"، والثالث: قولُه ﷺ : "لا يكونُ المُؤمِنُ مؤمنًا حتَّى لَا

стр. 57

يرضى لأخيه إلَّا ما يرضى لنفسه"، والرَّابع: قولُه ﷺ : "الحلال بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ". وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه يدورُ على خمسةِ أحاديث: "الحلال بَيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ"، وقوله ﷺ : "لا ضَررَ ولا ضِرارَ"، وقوله: "الأَعمالُ بالنِّيَّات"، وقوله: "الدِّينُ النَّصيحةُ"، وقوله: "وما نهيتُكم عنه، فاجتنبُوه، وما أمرتُكم به، فائتُوا مِنهُ ما استطعتم". وفي رواية عنه، قال: أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعةُ أحاديث: حديث عمر "الأعمال بالنِّياتِ"، وحديث: "الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّنٌ"، وحديث: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المرء تَركُهُ ما لا يعنيه"، وحديث: "ازْهَدْ في الدُّنيا يحبَّكَ الله، وازهد فيما في أيدي النَّاس يُحِبَّك النَّاسُ". وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوِّز المعافري الأندلسي (١): عُمْدَةُ الدِّينِ عندنَا كلماتٌ … أربعٌ مِنْ كلامِ خيرِ البريَّه اتَّق الشُّبهَاتِ وازهَدْ ودَعْ ما … لَيسَ يَعْنِيكَ وأَعمَلَنَّ بِنِيَّه فقوله ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، وفي رواية: "الأعمالُ بالنِّيَّات". وكلاهما يقتضي الحصرَ على الصَّحيح، وليس غرضنا ها هنا توجيه ذلك، ولا بسط القولِ فيه. وقد اختلف في تقدير قوله: "الأعمالُ بالنياتِ"، فكثير مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ

стр. 58

أن تقديرَه: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا، فالأعمالُ إنَّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة، فأمَّا ما لا يفتقِرُ إلى النيَّة كالعادات مِنَ الأكل والشُّرب، واللُّبسِ وغيرِها، أو مثلِ ردِّ الأماناتِ والمضمونات، كالودائعِ والغُصوب، فلا يَحتَاجُ شيءٌ من ذلك إلى نيَّةٍ، فيُخَصُّ هذا كلُّه من عمومِ الأعمال المذكورة ها هُنا. وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عُمومها، لا يُخَصُّ منها شيءٌ. وحكاه بعضُهم عن الجمهور، وكأنَّه يريدُ به جمهورَ المتقدِّمين، وقد وقع ذلك في كلام ابن جريرٍ الطَّبريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ وغيرِهما من المتقدِّمين، وهو ظاهرُ كلامِ الإمام أحمدَ. قال في رواية حنبلٍ: أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عملًا مِنْ صلاةٍ، أو صيامٍ، أو صَدَقَةٍ، أو نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ أنْ تكونَ النِّيَّةُ متقدِّمَةً في ذلك قبلَ الفعلِ، قال النَّبيُّ ﷺ : "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ"، فهذا يأتي على كل أمرٍ مِنَ الأُمورِ. وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سألتُ أبا عبد الله - يعني أحمدَ - عَنِ النِّيَّةِ في العملِ، قلت: كيف النيةُ؟ قال: يُعابرُ نفسَه، إذا أراد عملًا لا يريدُ به النَّاس. وقال أحمدُ بنُ داودَ الحربي: حدَّث يزيدُ بنُ هارونَ بحديثِ عمر: "الأعمالُ بالنياتِ" وأحمدُ جالسٌ، فقال أحمد ليزيدَ: يا أبا خالدٍ، هذا الخناقُ. وعلى هذا القول، فقيل: تقديرُ الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنِّيَّاتِ، فيكونُ إخبارًا عن الأعمالِ الاختيارية أنها لا تقعُ إلَّا عَنْ قصدٍ مِنَ العاملِ هو سببُ عملها ووجودِها، ويكونُ قولُه بعدَ ذلك: "وإنَّما لامرى ما نوى" إخبارًا عن حكمِ الشَّرع، وهو أن حظَّ العاملِ مِنْ عمله نيَّتُه، فإنْ كانت صالحةً، فعملُهُ صالحٌ، فله أجرُه، وإن كانت فاسدةً، فعمله فاسدٌ، فعليه وِزْرُهُ. ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: "الأعمال بالنيات": الأعمالُ صالحةٌ،

стр. 59

أو فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثابٍ عليها؛ بالنِّيَّاتِ، فيكونُ خبرًا عن حكمٍ شرعي، وهو أن صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّيات وفسادِها، كقوله ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالخواتيم" (١) أي: إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة. وقوله بعد ذلك: "وإنَّما لامرئٍ ما نوى" إخبارٌ أنَّه لا يحصلُ له مِنْ عمله إلَّا ما نواه به، فإنْ نَوى خيرًا، حصل له خير، وإنْ نَوى شرًا، حصل له شرٌّ، وليس هذا تكريرًا محضًا للجُملة الأولى، فإنَّ الجُملةَ الأولى دلَّت على أن صلاحَ العمل وفسادَه بحسب النِّيَّة المقتضيَةِ لإيجاده، والجملة الثَّانية دلَّت على أن ثوابَ العاملِ على عمله بحسب نيَّته الصَّالحة، وأنَّ عقابَه عليه بحسب نيَّته الفاسدة، وقد تكونُ نيَّتُهُ مباحة، فيَكونُ العملُ مباحًا، فلا يحصل له به ثوابٌ ولا عقابٌ، فالعملُ في نفسه صلاحُه وفسادُه وإباحَتُه بحسب النيَّة الحاملةِ عليه، المقتضية لوجودِهِ، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامتُه بحسب نيَّته التي بها صار العملُ صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا. واعلم أن النيَّةَ في اللُّغة نوعٌ من القَصدِ والإرادة، وإن كان قد فُرق بينَ هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنِّيَّةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين: أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلًا، وتمييزِ صيام رمضانَ مِنْ صيام غيرِهِ، أو تمييزِ العباداتِ مِنَ العادات، كتمييزِ الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيَّةُ هي التي تُوجَدُ كثيرًا في كلامِ الفُقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو الله وحدَه لا

стр. 60

شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النية هي الَّتي يتكلَّمُ فيها العارِفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإِخلاص وتوابعه، وهي الَّتي تُوجَدُ كثيرًا في كلام السَّلَفِ المتقدِّمين. وقد صنَّفَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا مصنَّفًا سمَّاه: كتاب "الإخلاص والنية"، وإنَّما أراد هذه النية، وهي النيةُ التي يتكرَّر ذكرُها في كلام النَّبي ﷺ تارةً بلفظ النيةِ، وتارةً بلفظ الإِرادة، وتارةً بلفظٍ مُقارب لذلك، وقد جاء ذكرُها كثيرًا في كتابِ الله بغيرِ لفظِ النِّيَّةِ أيضًا مِنَ الألفاظ المُقاربَةِ لها. وإنَّما فرَّقَ مَنْ فَرَّق بين النيةِ وبينَ الإِرادة والقصدِ ونحوهما، لظنِّهم اختصاصَ النية بالمعنى الأوَّلِ الذي يَذْكُرُهُ الفقهاءُ، فمنهم من قال: النيةُ تختصُّ بفعلِ النَّاوي، والإرادةُ لا تختصُّ بذلك، كما يريدُ الإنسانُ مِنَ اللهِ أن يغفرَ له، ولا ينوي ذلك. وقد ذكرنا أن النيةَ في كلام النَّبيِّ ﷺ وسلفِ الأُمَّة إنَّما يُرادُ بها هذا المعنى الثَّاني غالبًا، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، ولذلك يُعبَّرُ عنها بلفظِ الإِرادة في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ

стр. 61

وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٨ - ٣٩]. وقد يُعَبَّر عنها في القُرآن بلفظ "الابتغاء"، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. فنفى الخيرَ عَنْ كثيرٍ ممَّا يتناجى به الناسُ إلَّا في الأمرِ بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصَّدقةَ والإِصلاحَ بينَ النَّاس لعموم نفعهما، فدل ذلك على أن التَّناجي بذلك خيرٌ، وأمّا الثوابُ عليه مِنَ اللهِ، فخصَّه بِمَنْ فعله ابتغاءَ مرضاتِ اللهِ. وإنما جَعَل الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة، والإِصلاحَ بينَ النَّاس وغيرهما خيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللهِ، لما يترتَّبُ على ذلك مِنَ النَّفْعِ المُتعدِّي، فَيَحْصُلُ به للنَّاسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمَّا بالنِّسبة إلى الأمر، فإنْ قَصَدَ به وجهَ اللهِ، وابتغاءَ مَرضاته، كان خيرًا له، وأُثِيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك، لم يكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه، وهذا بخلاف من صامَ وصلَّى وذكرَ الله، يَقصِدُ بذلك عَرَضَ الدُّنْيا، فإنَّه لا خيرَ له فيه بالكُلِّيَّة، لأنَّه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتب عليه من الإِثم فيه، ولا لغيره، لأنه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يحصُلَ لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك. وأمّا ما ورد في السُّنَّةِ، وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنيَّةِ، فكثيرٌ

стр. 62

جدًّا، ونحن نذكر بعضَه، كما خرَّج الإِمام أحمدُ والنَّسائيّ مِنْ حديثِ عُبادةَ بن الصَّامتِ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله، ولم يَنْوِ إلَّا عِقالًا، فله ما نوى" (١). وخرَّج الإِمام أحمد من حديثِ ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ أكثرَ شُهداءِ أُمَّتي لأصْحَابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قتيل بَيْنَ الصفَّين الله أعلم بنيَّته" (٢). وخَرَّج ابنُ ماجه من حديث جابر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ على نيَّاتِهم" (٣). ومن حديث أبي هريرة عَنِ النَّبي ﷺ ، قال: "إنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم" (٤). وخَرَّج ابنُ أبي الدُّنيا (٥) من حديثِ عمر، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّما يُبعَثُ المقتتلون على النِّيَّاتِ". وفي "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يعوذُ عائذٌ بالبيتِ، فيُبعَثُ إليه بعثٌ، فإذا كانوا ببيداءَ مِنَ الأَرضِ، خُسِفَ بهم"، فقلت:

стр. 63

يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَنْ كان كارهًا؟ قال: "يُخْسَفُ به معهم، ولكنَّه يُبعَثُ يومَ القيامة على نيَّته" (١). وفيه أيضًا عَنْ عائشة، عَنِ النَّبي ﷺ معنى هذا الحديث، وقال فيه: "يهلِكون مَهْلِكًا واحدًا، ويَصدُرُونَ مصادرَ شتَّى، يبعثُهم الله على نيَّاتهم" (٢). وخرّج الإمام أحمد وابنُ ماجه مِنْ حديث زيدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ كانتِ الدُّنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجَعَلَ فقرَه بين عينيه، ولم يأتِهِ من الدُّنْيا إلَّا ما كُتِبَ له، ومَنْ كَانَتِ الآخرةُ نيَّتَه، جمَعَ الله له أمرَه، وجعل غِناه في قلبهِ، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ". لفظُ ابن ماجه، ولفظُ أحمد: "مَنْ كانَ همُّه الآخرة، ومن كانت نيَّته الدُّنيا" (٣)، وخرجه ابن أبي الدنيا، وعنده: "من كانت نيته الدنيا، ومن كانت نيته الآخرة". وفي "الصَّحيحين" عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلَّا أُثِبْتَ عليها، حتَّى اللُّقمَة تجعلُها في في امرأتك" (٤). وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ منقطعٍ (٥) عن عُمرَ، قال: لا عَمَلَ لِمَنْ لا نيَّةَ

стр. 64

له، ولا أجْرَ لمَنْ لا حِسْبَةَ لهُ يعني: لا أجر لمن لم يحتسبْ ثوابَ عمله عندَ الله . وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن مسعودٍ، قال: لا ينفعُ قولٌ إلَّا بعمل، ولا ينفعُ قولٌ وعَملٌ إلَّا بنيَّة، ولا ينفعُ قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ إلَّا بما وافق السُّنَّةَ. وعن يحيى بن أبي كثير، قال: تعلَّموا النِّيَّة، فإنَّها أبلغُ من العَمَلِ (١). وعن زُبَيدٍ اليامي، قال: إنِّي لأحبُّ أن تكونَ لي نيَّةٌ في كلِّ شيءٍ، حتَّى في الطَّعام والشَّراب، وعنه أنه قال: انْوِ في كلِّ شيءٍ تريدُه الخيرَ، حتَّى خروجك إلى الكُناسَةِ. وعن داود الطَّائيِّ، قال: رأيتُ الخيرَ كلَّه إنَّما يجمعُه حُسْنُ النِّيَّةِ، وكفاك به خيرًا وإن لم تَنْصَبْ. قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقيِّ، ولو تعلَّقت جميع جوارحه بحبِّ الدُّنيا، لردَّته يومًا نيَّتُهُ إلى أصلِهِ. وعن سفيانَ الثَّوريِّ، قال: ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيَّتي، لأنَّها تتقلَّبُ عليَّ (٢). وعن يوسُفَ بن أسباط، قال: تخليصُ النِّيةِ مِنْ فسادِها أشدُّ على العاملينَ مِنْ طُولِ الاجتهاد (٣). وقيل لنافع بن جُبير: ألا تشهدُ الجنازةَ؟ قال: كما أنتَ حتَّى أنوي، قال: ففكَّر هُنَيَّة، ثم قال: امض.

стр. 65

وعن مطرِّف بن عبدِ الله قال: صلاحُ القلب بصلاحِ العملِ، وصلاحُ العملِ بصلاحِ النيَّةِ (١). وعن بعض السَّلَف قال: مَنْ سرَّه أن يَكْمُلَ له عملُه، فليُحسِن نيَّته، فإنَّ الله يأجُرُ العَبْدَ إذا حَسُنَت نيَّته حتَّى باللُّقمة. وعن ابن المبارك، قال: رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمهُ النيَّةُ، وربَّ عمل كبيرٍ تُصَغِّره النيَّةُ. وقال ابن عجلان: لا يصلحُ العملُ إلَّا بثلاثٍ: التَّقوى لله، والنِّيَّةِ الحسنَةِ، والإصابة. وقال الفضيلُ بنُ عياض: إنَّما يريدُ الله منكَ نيَّتَك وإرادتَك. وعن يوسف بن أسباط، قال: إيثارُ الله أفضلُ من القَتل في سبيله. خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب "الإخلاص والنيَّة". وروى فيه بإسنادٍ منقطع عن عُمَر ﵁، قال: أفضلُ الأعمال أداءُ ما افترضَ الله ، والورعُ عمَّا حرَّم الله ، وصِدْقُ النِّيَّةِ فيما عندَ اللهِ . وبهذا يعلم معنى ما رُوي عن الإِمامِ أحمدَ أن أُصولَ الإِسلام ثلاثةُ أحاديث: حديثُ: "الأعمال بالنِّيَّات"، وحديثُ: "مَنْ أحدثَ في أمرِنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ"، وحديثُ: "الحلالُ بيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ". فإنَّ الدِّين كلَّه يرجعُ إلى فعلِ الماموراتِ، وترك المحظورات، والتَّوقُف عن الشُّبُهاتِ، وهذا كلُّه تضمَّنه حديثُ النُّعمان بن بشيرٍ.

стр. 66

وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين: أحدهما: أنْ يكونَ العملُ في ظاهره على موافقَةِ السُّنَّةِ، وهذا هو الذي تضمَّنه حديثُ عائشة: "مَنْ أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ". والثاني أن يكونَ العملُ في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله ، كما تضمَّنه حديث عمر: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ". وقال الفضيلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: أخلصُه (١) وأصولُه. وقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتَّى يكون خالصًا صوابًا، قال: والخالصُ إذا كان لله ، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة. وقد دلّ على هذا الَّذي قاله الفضيلُ قولُ الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإِرادات، ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة. وقولُه ﷺ : "فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله ورسولهِ، ومَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأة ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه". لما ذكر ﷺ أن الأعمالَ بحسبِ النِّيَّاتِ، وأنَّ حظَّ العاملِ من عمله نيَّتُه مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، وهاتانِ كلمتانِ جامِعتانِ، وقاعِدَتانِ كلِّيَّتانِ، لا يخرُجُ عنهما شيءٌ، ذكر بعدَ ذلك مثالًا من أمثال الأعمال الَّتي صُورتُها واحدةٌ، ويختَلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّه يقول: سائرُ الأعمالِ على حَذوِ هذا المثال. وأصلُ الهجرة: هِجرانُ بلدِ الشِّرك، والانتقالُ منه إلى دارِ الإِسلام، كما

стр. 67

كان المهاجرونَ قبلَ فتحِ مكَّة يُهاجرون منها إلى مدينة النَّبيِّ ﷺ ، وقد هاجرَ مَنْ هاجَرَ منهم قبلَ ذلك إلى أرض الحبشة إلى النَّجاشيِّ. فأخبرَ النبيُّ ﷺ أن هذه الهجرةَ تختلفُ باختلافِ النيَّات والمقاصدِ بها، فمن هاجَرَ إلى دار الإسلام حُبًّا لله ورسوله، ورغبةً في تعلُّم دينِ الإِسلام، وإظهارِ دينِه حيث كان يعجِزُ عنه في دارِ الشِّركِ، فهذا هو المهاجِرُ إلى الله ورسوله حقًّا، وكفاه شرفًا وفخرًا أنَّه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله. ولهذا المعنى اقتصرَ في جواب هذا الشرط على إعادتِهِ بلفظه، لأنَّ حُصولَ ما نواه بهجرته نهايةُ المطلوب في الدُّنيا والآخرة. ومن كانت هجرتُهُ من دارِ الشِّرك إلى دارِ الإسلام لطَلَب دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكِحُها في دارِ الإِسلام، فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه مِنْ ذلكَ، فالأوَّل تاجرٌ، والثَّاني خاطب، وليسَ واحد منهما بمهاجرٍ. وفي قوله: "إلى ما هاجرَ إليه" تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدُّنيا، واستهانةٌ به، حيث لم يذكره بلفظه. وأيضًا فالهجرةُ إلى اللهِ ورسولهِ واحدةٌ فلا تعدُّد فيها، فلذلك أعادَ الجوابَ فيها بلفظ الشَّرط. والهجرةُ لأمور الدُّنيا لا تنحصِرُ، فقد يُهاجِرُ الإِنسانُ لطلبِ دُنيا مُباحةٍ تارةً، ومحرَّمةٍ أخرى، وأفرادُ ما يُقصَدُ بالهجرةِ من أُمورِ الدُّنيا لا تنحصِرُ، فلذلك قال: "فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليه"، يعني كائنًا ما كان. وقد رُويَ عن ابن عبَّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]. قال: كانت المرأةُ إذا أتت النَّبيَّ ﷺ ، حلَّفها بالله: ما خرجت من بُغضِ زوجٍ، وبالله: ما خرجت رغبةً بأرضٍ عنْ أرضٍ، وباللهِ: ما خرجت التماسَ دُنيا، وبالله: ما خرجت إلَّا

стр. 68

حُبًّا لله ورسوله. خرجهُ ابنُ أبي حاتم، وابنُ جريرٍ، والبزَّارُ في "مسنده" (١)، وخرَّجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا. وقد روى وكيعٌ في كتابه عن الأعمش، عن شقيقٍ - هو أبو وائلٍ - قال: خطبَ أعرابيٌّ مِنَ الحيِّ امرأةً يقال لها: أمَّ قيسٍ، فابت أن تزوَّجهُ حتَّى يُهاجِرَ، فهاجَرَ، فتزوَّجته، فكُنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ. قال: فقال عبدُ الله: يعني ابن مسعود: مَنْ هاجَر يبتغي شيئًا، فهو له (٢). وهذا السِّياقُ يقتص أن هذا لم يكن في عهدِ النبيِّ ﷺ ، وإنما كان في عهدِ ابن مسعودٍ، ولكن رُوي مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عَن الأَعمش، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجلٌ خطبَ امرأةً يقال لها: أمَّ قيسٍ، فأبت أن تزوَّجَه حتَّى يهاجِرَ، فهاجرَ، فتزوَّجها، فكنَّا نسمِّيه مهاجرَ أمِّ قيسٍ. قال ابنُ مسعودٍ: مَنْ هاجرَ لشيءٍ فهو له (٣). وقد اشتهرَ أن قصَّةَ مُهاجرِ أمِّ قيسٍ هي كانت سببَ قولِ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها"، وذكر ذلك كثير من المتأخِّرين

стр. 69

في كُتُبهم، ولم نر لذلك أصلًا بإسنادٍ يصحُّ، والله أعلمُ (١). وسائر الأعمال كالهجرةِ في هذا المعنى، فصلاحُها وفسادُها بحسب النِّيَّة الباعثَةِ عليها، كالجهادِ والحجِّ وغيرهما، وقد سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن اختلاف نيَّاتِ النَّاس في الجهاد وما يُقصَدُ به من الرِّياء، وإظهار الشَّجاعة والعصبيَّة، وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَنْ قاتَل لِتَكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيل الله" فخرج بهذا كلُّ ما سألوا عنه من المقاصد الدُّنيوية. ففي "الصَّحيحين" عن أبي موسى الأشعريِّ أنَّ أعرابيًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله: الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ، والرَّجلُ يُقاتِل للذِّكر، والرَّجُلُ يقاتِل ليُرى مكانُهُ، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ قاتَلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيل الله". وفي رواية لمسلم: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شجاعةً، ويقاتِلُ حميَّةً، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكرَ الحديث. وفي رواية له أيضًا: الرجُلُ يقاتِلُ غضبًا، ويُقاتلُ حَمِيَّةً (٢). وخَرَّج النَّسائيُّ من حديث أبي أُمامة، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمِسُ الأجرَ والذِّكْرَ، ما لَهُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيءَ له"، ثمَّ قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لا يَقبلُ من العمل إلَّا ما كانَ خالصًا، وابتُغي به وجهُهُ" (٣).

стр. 70

وخرَّج أبو داود (١) من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول اللهِ، رجلٌ يريدُ الجِهادَ وهو يبتغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنيا؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا أجر له"، فأعاد عليه ثلاثًا، والنَّبيُّ ﷺ يقول: "لا أجْرَ له". وخَرَّج الإِمام أحمدُ وأبو داود مِنْ حديثِ مُعاذِ بن جبلٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الغزوُ غَزوانِ، فأمَّا من ابتغى وجهَ الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَّ نومَهُ ونَبهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَنْ غَزا فخرًا ورياءً وسُمعةً، وعصى الإِمام، وأفسدَ في الأرض، فإنَّه لم يرجع بالكفاف" (٢). وخرَّج أبو داود (٣) من حديث عبدِ الله بن عمرٍو قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الجِهاد والغزو، فقال: "إن قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلتَ مُرائيًا مُكاثرًا، بعثكَ الله مُرائيًا مُكاثرًا، على أيِّ حالٍ قاتَلْتَ أو قُتِلْتَ بعثكَ الله على تِيك الحالِ".

стр. 71

وخرَّح مسلمٌ (١) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهِدَ، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتَّى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ، لأنْ يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقي في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمه، وقرأَ القُرآن، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآنَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ تعلَّمت العلمَ، ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقال: هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلَّا أنفقتُ فيها لكَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جوادٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أمِر به، فسُحب على وجهه، حتَّى أُلقي في النار". وفي الحديث: إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ، بكى حتَّى غُشِي عليه، فلمَّا أفاق، قال: صدَقَ الله ورسولُه، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله، كما خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ تعلَّم عِلمًا مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلَّا لِيُصِيبَ به عرَضًا من الدُّنيا، لم

стр. 72

يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّة يومَ القِيامَةِ" يعني: ريحها (١). وخرَّج الترمذيُّ (٢) من حديثِ كعبِ بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء، أو يُجاري به العُلَماء، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه، أدخله الله النَّار" (٣). وخرَّجه ابن ماجه بمعناه مِنْ حَديثِ ابن عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، ولفظُ حديثِ جابرٍ: "لا تَعَلَّموا العِلمَ، لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لِتُماروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّروا به المجالس، فمَنْ فعل ذلك، فالنَّارَ النَّارَ". وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ: لِتُماروا به السُّفَهاء، أو لتُجادِلوا به الفُقهاء، أو لتصرفوا به وُجُوهَ النَّاس إليكم، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ (٤). وقد ورد الوعيدُ على العمل لغيرِ اللهِ عمومًا، كما خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ (٥) من حديثِ أبيّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "بَشِّرْ هذه الأمَّةَ

стр. 73

بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ". واعلم أن العمل لغيرِ اللهِ أقسامٌ: فتارةً يكونُ رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرض دُنيويٍّ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم، كما قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]. وكذلك وصف الله الكفار بالرِّياء في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]. وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيام، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبِة أو الحجِّ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ، أو الَّتي يتعدَّى نفعُها، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة. وتارةً يكونُ العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحُبُوطه أيضًا. وفي "صحيح مُسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله ﵎: أنا أغنى الشُّركاءِ (١) عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري، تركته وشريكَه"، وخرَّجه ابنُ ماجه، ولفظه: "فأنا منه بريءٌ، وهوَ لِلّذي أشركَ" (٢).

стр. 74

وخرَّج الإمام أحمد (١) عن شدّاد بن أوس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ صَلَّى يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومنْ صَامَ يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي، فقد أشرك، وإنَّ الله يقولُ: أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئًا، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الَّذي أشركَ به أنا عنه غنيٌّ". وخرَّج الإمام أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديث أبي سعيد بن أبي فضالةَ - وكانَ مِنَ الصَّحابة - قال: قالَ رسول اللهِ ﷺ : "إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه، نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أشركَ في عمل عمِلَهُ للهِ ، فليَطلبْ ثوابَهُ من عند غيرِ الله ، فإنَّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك" (٢). وخرَّج البزّار في "مسنده" (٣) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قَيس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الله يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمن أَشركَ معي شريكًا، فهو لشرِيكي. يا أيُّها النَّاسُ أَخلِصوا أعمالَكُم للهِ ، فإنَّ الله لا يقبَلُ مِنَ الأَعمالِ إلَّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ولا تقولوا: هذا للهِ وللرَّحِمِ، فإنَّها للرَّحِم، وليس للهِ منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذا للهِ ولوجُوهِكُم، فإنَّها لوجوهكم، وليس لله فيها شيءٌ".

стр. 75

وخَرَّج النَّسائيُّ (١) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ أن رجُلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجْرَ والذِّكْر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شَيءَ لهُ" فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ : "لا شيء له"، ثمَّ قال: "إنَّ الله لا يقبلُ منَ العَمَل إلَّا ما كانَ له خالِصًا، وابتُغِي به وجهُه". وخَرَّج الحاكمُ (٢) مِنْ حديث ابن عباس: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أُريد وجْه اللهِ، وأريدُ أنْ يُرى موطِني، فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وممَّن رُوي عنه هذا المعنى، وأنَّ العملَ إذا خالطه شيءٌ مِنَ الرِّياءِ كان باطلًا: طائفةٌ من السَّلفِ، منهم عبادةُ بنُ الصَّامتِ، وأبو الدَّرداءِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وغيرُهم. وفي مراسيلِ القاسم بن مُخَيمرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَقبلُ الله عملًا فيه مثقالُ حبَّةِ خردلٍ مِنْ رياءٍ" (٣). ولا نعرفُ عن السَّلفِ في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عَنْ بعضِ المتأخِّرينَ. فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلًا نيَّةٌ غيرُ الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ
следующие страницы →