← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 1016–1052 · переход к 1021.

стр. 1016

أحدُها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا، للنَّجاة مِنَ النَّار ودخولِ الجنة، فهذا لابُدَّ من فعله مع التوكُّل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنَّه لا حولَ ولا قُوَّة إلَّا به، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصَّرَ في شيءٍ ممَّا وجب عليه من ذلك، استحقَّ العقوبة في الدُّنيا والآخرةِ شرعًا وقدرًا. قال يوسف بنُ أسباط: كان يُقال: اعمل عمل رجل لا يُنجيه إلا عملُه، وتوكَّلْ توكُّلَ رجلٍ لا يُصيبه إلا ما كُتِبَ له (١). والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدُّنيا، وأمر عباده بتعاطيه، كالأكلِ عندَ الجوعِ، والشُّرب عند العطشِ، والاستظلال من الحرِّ، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على المرء تعاطي أسبابه، ومن قَصَّر فيه حتى تضرَّر بتركه مع القُدرة على استعماله، فهو مُفرِّطٌ يستحقُّ العقوبة، لكن الله سبحانه قد يقوِّي بعضَ عباده من ذلك على ما لا يَقوى عليه غيرُه، فإذا عَمِلَ بمقتضى قوَّته التي اختص بها عن غيره، فلا حرجَ عليه، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يُواصلُ في صيامه، وينهى عَنْ ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إنِّي لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسقى" (٢)، وفي رواية: "إنِّي أظلُّ عند ربي يُطعمني ويسقيني" (٣)، وفي رواية: "إنَّ لي مُطْعِمًا يُطعمني، وساقيًا يسقيني" (٤). والأظهر أنَّه أراد بذلك أن الله يُقوِّيه ويُغذيه بما يُورده على قلبه من الفتوح القدسية، والمنحِ الإلهية، والمعارف الربانية التي تُغنيه عن الطعام والشراب

стр. 1017

بُرهةً مِنَ الدَّهر، كما قال القائل: لها أَحاديثُ مِنْ ذِكراكَ تَشغَلُها … عَنِ الشَّراب وتُلهيهَا عَنِ الزَّادِ لَها بِوجْهكَ نُورٌ تَستَضيءُ بُه … وقْتَ المَسيرِ وفي أَعقابها حَادي إذا اشتَكَتْ من كلالِ السَّيرِ أوْعَدها … رَوْحُ القدوم فتحيى عندَ مِيعادِ وقد كان كثيرٌ من السَّلف لهم مِنْ القُوَّهَ على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، ولا يتضرَّرونَ بذلك. وكان ابنُ الزبير يُواصل ثمانية أيام. وكان أبو الجوزاء يُواصل في صومه بين سبعة أيام، ثم يَقبضُ على ذراع الشاب فيكَادُ يَحطِمُها. وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يَأكلُ شيئًا غير أنه يشرب شربة حلوى. وكان حجاج بنُ فرافصة يبقى أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وكان بعضهم لا يُبالي بالحرِّ ولا بالبرد كما كان عليٌّ ﵁ يلبس لباس الصَّيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف، وكان النبيُّ ﷺ دعا له أن يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد (١). فمن كان له قوَّةٌ على مثل هذه الأمور، فعمل بمقتضى قوَّته ولم يُضعفه عن طاعة الله، فلا حرج عليه، ومن كلَّفَ نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات، فإنَّه يُنكرَ عليه ذلك، وكان السلف يُنكرون على عبد الرحمن بن أبي نُعم، حيث كان يترك الأكلَ مدة حتى يُعاد من ضعفه. القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعمِّ الأغلب، وقد يخرِقُ العادة في ذلك لمن يشاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرًا، ويغني عنه كثيرًا من خلقه كالأدوّية بالنسبة إلى كثيرٍ من البلدان وسكان البوادي ونحوها. وقد اختلف العلماءُ: هل الأفضل لمن

стр. 1018

أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقَّق التوكل على الله؟ وفيه قولان مشهوران، وظاهر كلام أحمد أنَّ التوكلَ لمن قوي عليه أفضلُ، لِمَا صحَّ عن النبىِّ ﷺ أنه قال: "يَدخُلُ مِنْ أُمَّتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسترقون ولا يَكتوون وعلى ربِّهم يتوكَّلون" (١). ومن رجح التداوي قال: إنَّهُ حال النبيِّ ﷺ الذي كان يُداوم عليه، وهو لا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، وحمل الحديثَ على الرُّقى المكروهة التي يُخشى منها الشركُ بدليل أنه قرنها بالكي والطِّيرة وكلاهما مكروه (٢). ومنها ما يَخرِقُهُ لِقليلٍ من العامة، كحصول الرِّزق لمن ترك السعي في طلبه، فمن رزقه الله صدقَ يقين وتوكل، وعَلِمَ من الله أنه يَخرِقُ له العوائد، ولا يُحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له تركُ الأسباب، ولم يُنكر عليه ذلك، وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدلُّ على ذلك، ويدلُّ على

стр. 1019

أنَّ النَّاس إنما يُؤتون مِن قلَّة تحقيق التوكُّل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يُتعبون أنفسَهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلَّا ما قُدِّر لهم، فلو حَقَّقوا التوكُّلَ على الله بقلوبهم، لساقَ الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سببٍ، كما يسوقُ إلى الطَّير أرزاقها بمجرَّدِ الغدوِّ والرواح، وهو نوعُ من الطَّلب والسَّعي، لكنه سعىٌ يسيرٌ. وربما حُرِم الإِنسانُ رزقَهُ أو بعضَه بذنب يُصيبه، كما في حديث ثوبان، عن النبىِّ ﷺ ، قال: "إن العبدَ ليُحرَمُ الرِّزق بالذَّنب يُصيبه" (١). وفي حديث جابر، عن النبىِّ ﷺ : "إنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، خُذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُم" (٢). وقال عمر: بين العبد وبين رِزقه حِجاب، فإن قنع ورضيت نفسه، أتاه رزقُه، وإن اقتحم وهتك الحجاب، لم يزد فوقَ رزقه. وقال بعض السلف: توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب، ولا تَكَلُّف. قال سالم بن أبي الجعد: حُدِّثْتُ أن عيسى ﵇ كان يقول: اعملوا للهِ ولا تعملوا لبطونكم، وإيَّاكم وفضولَ الدُّنيا، فإنَّ فضولَ الدُّنيا عند الله رجز، هذه طَيرُ السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد الله يرزقها، فإن قلتُم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمير وغيرها تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيءٌ لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، خرَّجه ابن أبي الدُّنيا.

стр. 1020

وخرَّج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابدٌ يتعبد في غارٍ، فكان غرابٌ يأتيه كلَّ يوم برغيف يجد فيه طَعْمَ كلِّ شيءٍ حتى مات ذلك العابد. وعن سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقامَ إلياسُ هاربًا من قومه في جبل عشرين ليلة، -أو قال: أربعين- تأتيه الغربان برزقه. وقال سفيان الثوري: قرأ واصلٌ الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فقال: ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبُه في الأرض؟ فدخل خَرِبَةً، فمكث ثلاثًا لا يُصيب شيئًا، فلمَّا كان اليومُ الرابع، إذا هو بدَوخَلةٍ من رُطَبٍ، وكان له أخٌ أحسن نيةً منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتَّى فرق الموتُ بينهما. ومن هذا الباب من قَوِي توكُّله على الله ووثوقه به، فدخل المفاوزَ بغير زاد، فإنَّه يجوزُ لمن هذه صفته دونَ من لم يبلغ هذه المنزلة، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل ﵇، حيث ترك هاجرَ وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرعٍ، وترك عندهما جِرابًا فيه تمرٌ وسِقاءً فيه ماء، فلمَّا تبعته هاجر، وقالت له: إلى من تَدعنا؟ قال لها: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، فقد يَقذِفُ الله في قلوب بعض أوليائه من الإِلهام الحقِّ ما يعلمون أنه حقٌّ، ويثقون به. قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: أيّ شيءٍ صِدقُ التوكل على الله؟ قال: أن يتوكَّل على الله، ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيءٍ، فإذا كان كذا، كان الله يرزقه، وكان متوكِّلًا. قال: وذكرتُ لأبي عبد الله التوكُّل، فأجازه لمن استعملَ فيه الصِّدق. قال: وسألت أبا عبد الله عن رجلٍ جلس في بيته، ويقول: أجلِسُ وأصبر ولا أُطلع على ذلك أحدًا، وهو يقدِرُ أن يحترف، قال: لو خرَجَ فاحترفَ كان أحبَّ إليَّ، وإذا جلس خفت أن يُخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه بشيء. قلت: فإذا كان يبعث إليه بشيءٍ، فلا يأخذ؟ قال: هذا جيد.

стр. 1021

وقلت لأبي عبد الله: إنَّ رجلًا بمكة قال: لا آكلُ شيئًا حتى يطعموني (١)، ودخل في جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متَّزِرٌ بخرقةٍ، فألقيا إليه قميصًا، وأخذا بيديه، فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئًا، فلم يأكل حتى وضعا مفتاحًا من حديد في فيه، وجعلا يدُسَّان في فمه، فضحك أبو عبد الله، وجعل يعجب. وقلت لأبي عبد الله: إن رجلًا ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أن لا يقع في يده ذهبٌ ولا فضَّةٌ، وترك دُورَه لم يأمر فيها بشيءٍ، وكان يمرُّ في الطريق، فإذا رأى شيئًا مطروحًا، أخذه ممَّا قد أُلقي. قال المروذي: فقلتُ للرجل: مالك حجة على هذا غير أبي معاوية الأسود، قال: بل أويس القرني، وكان يمرُّ بالمزابل، فيلتقط الرِّقاع، قال: فصدَّقه أبو عبد الله، وقال: قد شدَّد على نفسه. ثم قال: قد جاءني البَقْلِيُّ ونحوه، فقلت لهم: لو تعرضتُم للعمل تُشهِرون أنفسَكم، قال: وأيشٍ نُبالي من الشُّهرة؟ وروى أحمدُ بنُ الحسين بن حسان عن أحمد أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زادٍ، قال: إن كنتَ تُطيقُ وإلا فلا إلَّا بزادٍ وراحلةٍ، لا تُخاطر. قال أبو بكر الخلال: يعني إن أطاق وعلم أنَّه يقوى على ذلك، ولا يسأل، ولا تَستشرفُ نفسه لأنْ يأخذَ أو يُعطى فيقبل، فهو متوكل على الصدق، وقد أجاز العلماء التوكل على الصدق. قال: وقد حجَّ أبو عبد الله وكفاه في حجته أربعة عشر درهمًا. وسئل إسحاق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: إن كان الرجلُ مثل عبد الله بن منير (٢)، فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن

стр. 1022

له أن يدخل، ومتى كان الرجل ضعيفًا، وخشي على نفسه أن لا يصبر، أو يتعرَّض للسؤال، أو أن يقعَ في الشَّكِّ والتسخُّط، لم يجُز له ترك الأسباب حينئذٍ، وأنكر عليه غايةَ الإِنكار كما أنكر الإِمامُ أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلى من دخل المفازة بغير زادٍ، وخشي عليه التعرُّض للسؤال. وقد روي عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يَحُجُّون ولا يتزوَّدون ويقولون: نحن متوكِّلون، فيحجُّون، فيأتون مكة، فيسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (١)، وكذا قال مجاهدٌ، وعكرمة، والنخعي، وغيرُ واحد من السلف، فلا يُرخَّصُ في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبُه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكُلية. وقد رُوي عن أحمد أنه سُئل عن التوكُّل، فقال: قطعُ الاستشراف باليأس من الخلق، فسُئِلَ عن الحُجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبريلُ وهو يُرمى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك، فلا (٢). وظاهر كلام أحمد أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئِل عمَّن يقعدُ ولا يكتسِبُ ويقول: توكَّلت على الله، فقال: ينبغي للناس كُلِّهم يتوكَّلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. وروى الخلال بإسناده عن الفُضيل بن عياض أنه قيل له: لو أنَّ رجلًا قعد في بيته زعم أنَّه يثق بالله، فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق بالله حتى يعلم منه أنه قد

стр. 1023

وثق به، لم يمنعه شيءٌ أراده، لكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غَيرُهم، وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبىُّ ﷺ يُؤجِّرُ نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتَّى يرزقنا الله ، وقال الله : ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ولابُد من طلب المعيشة. وقد رُوي عن بشر ما يُشعر بخلاف هذا، فروى أبو نعيم في "الحلية" (١) أن بشرًا سُئِل عن التوكُّل، فقال: اضطرابٌ بلا سكون، وسكون بلا اضطراب، فقال له السائل: فسِّره لنا حتَّى نفقهَ، قال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يضطربُ بجوارحه، وقلبُه ساكن إلى الله، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب فرجل ساكنٌ إلى الله بلا حركة، وهذا عزيزٌ، وهو من صفات الأبدالِ. وبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية، فلابُدَّ له من معاناة الأسباب لاسيما من له عيال لا يصبرون، وقد قال النبيُّ ﷺ : "كَفى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ من يَقُوتُ" (٢). وكان بشرٌ يقول: لو كان لي عيالٌ لعملتُ واكتسبتُ. وكذلك من ضيَّع بتركه الأسباب حقًا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإنَّ هذا عاجزٌ مفرِّطٌ، وفي مثل هذا جاء قولُ النبيِّ ﷺ : "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينْفَعُك، واستعن بالله ولا تَعْجِز، فإن أصابك شيءٌ، فلا تقولنَّ: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن الَّلو تفتحُ عمل الشيطان" خرَّجه مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة (٣).

стр. 1024

وفي "سنن أبي داود" (١) عن عوف بن مالك أن النبيَّ ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لمَّا أدبر: حسبُنا الله ونِعم الوكيل، فقال النبيُّ ﷺ : "إن الله يلومُ على العجز، ولكن عليك بالكيسِ، فإذا غلبك أمرٌ، فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". وخرَّج الترمذي (٢) من حديث أنس، قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكَّل، أو أُطلقها وأتوكَّل؟ قال: "اعقلها وتوكَّل". وذكر عن يحيى القطان أنه قال: هو عندي حديث منكر، وخرَّجه الطبراني من حديث عمرو بن أمية، عن النبيِّ ﷺ (٣). وروى الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عائذ أن النبيَّ ﷺ قال: "إن التوكلَ بَعدَ الكَيْسِ" وهذا مرسل (٤)، ومعناه أن الإِنسان يأخذ بالكَيْس، والسعي في الأسباب المباحة، ويتوكَّلُ على الله بعد سعيه، وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا يُنافي الإِتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضلَ. قال معاوية بن قرة: لقي عمرُ بنُ الخطَّاب ناسًا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يُلقي حبَّه في الأرض، ويتوكَّل على الله (٥). قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد بن منصور قال: سأل المازني بشرَ بنَ

стр. 1025

الحارث عن التوكل، فقال: المتوكل لا يتوكَّلُ على الله ليُكفى، ولو حلَّت هذه القصة في قلوب المتوكلة، لضجُّوا إلى الله بالندم والتوبة، ولكن المتوكل يَحُلُّ بقلبه الكفاية من الله ﵎ فيصدق الله فيما ضمن. ومعنى هذا الكلام أن المتوكل على الله حقَّ التوكل لا يأتي بالتوكل، ويجعله سببًا لحصول الكفاية له من الله بالرِّزق وغيره، فإنه لو فعل ذلك، لكانَ كمن أتى بسائر الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها، وهذا نوعُ نقص في تحقيق التوكُّل. وإنَّما المتوكلُ حقيقة من يعلم أنَّ الله قد ضَمِنَ لعبده رزقه وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه، ويثق بقلبه، ويحققُ الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرِّزق من غير أن يخرج التوكُّل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسومٌ لكلِّ أحدٍ من برٍّ وفاجرٍ، ومؤمنٍ وكافرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، هذا مع ضعف كثيرٍ من الدواب وعجزها عن السَّعي في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]. فمادام العبدُ حيًّا، فرزقُه على الله، وقد يُيسره الله له بكسب وبغير كسب، فمن توكَّل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكُّل سببًا وكسبًا، ومن توكَّل عليه لثقته بضمانه، فقد توكَّل عليه ثقة به وتصديقًا، وما أحسنَ قول مثنَّى الأنباري (١) وهو من أعيان أصحاب الإِمام أحمد: لا تكونوا بالمضمون مهتمِّين، فتكونوا للضامن متَّهمين، وبرزقه غير راضين. واعلم أن ثمرة التوكل الرِّضا بالقضاء، فمن وَكَلَ أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له، ويختاره، فقد حقق التوكل عليه، ولذلك كان الحسنُ والفضيلُ وغيرهما يُفسِّرون التوكل على الله بالرِّضا.

стр. 1026

قال ابنُ أبي الدنيا (١): بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكلُ على ثلاثِ درجاتٍ: أولها: تركُ الشِّكاية، والثانية: الرضا، والثالثة: المحبة، فترك الشكاية درجة الصبر، والرضا سكون القلب بما قسم الله له، وهي أرفع من الأولى، والمحبَّةُ أن يكونَ حُبُّه لما يصنع الله به، فالأولى للزاهدين، والثانية للصادقين، والثالثة للمرسلين. انتهى. فالمتوكل على الله إن صبر على ما يُقدِّرُه الله له من الرزق أو غيره، فهو صابر، وإن رضي بما يُقدر له بعد وقوعه، فهو الراضي، وإن لم يكن له اختيارٌ بالكليَّة ولا رضا إلا فيما يقدر له، فهو درجة المحبين العارفين، كما كان عمر بنُ عبد العزيز يقول: أصبحتُ ومالي سرور إِلا في مواضع القضاء والقدر.

стр. 1027

الحديث الخمسون عَنْ عَبد الله بنِ بُسْرٍ قالَ: أتى النَّبيَّ ﷺ رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلام قد كَثُرَتْ علينا، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ؟ قال: "لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكرَ الله " خرَّجه الإِمامُ أحمدُ بهذا اللَّفظِ (١). وخرَّجه الترمذي، وابنُ ماجه، وابنُ حبان في "صحيحه" بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب، وكُلُّهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسر. وخرَّج ابنُ حبان في "صحيحه" (٢) وغيره من حديث معاذ بن جبل، قال: آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله ﷺ أن قلتُ له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله؟ قال: "أن تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله ". وقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته، والإِكثار منه. قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومَدَحَ من ذكره كذلك؛

стр. 1028

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرَّ على جبلٍ يقالُ له: جُمْدَان، فقال: "سِيروا هذا جُمدان، قد سبق المُفرِّدونَ". قالوا: ومن (١) المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذَّاكرات". وخرّجه الإِمام أحمد، ولفظه: "سبقَ المفَرِّدونَ" قالوا: وما المفردون؟ قال: "الذينَ يُهْتَرونَ في ذكرِ اللهِ". وخرَّجه الترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول الله، وما المفرِّدون؟ قال: "المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم، فيأتون يومَ القيامة خِفافًا" (٢). وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نَحْنُ مَعَ رسول الله ﷺ نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استَنبَهَ، فقال: "يا مُعاذُ، أينَ السابقون؟ " فقلت: قد مَضَوا، وتخلَّف ناسٌ. فقال: "يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله " خرَّجه جعفر الفِريابي (٣).

стр. 1029

ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنه لمَّا سبق الركب، وتخلف بعضهم، نبه النبيُّ ﷺ على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله، ويُولَعون به، فإنَّ الاستهتار بالشيء: هو الولوعُ به، والشغفُ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره، وهذا على رواية من رواه "المستهترون" ورواه بعضُهم، فقال فيه: "الذين أُهتِروا في ذكرِ الله" وفسر ابنُ قتيبة (١) الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام، كما في الحديث: "المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران" (٢). قال: والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته، قال: والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه، وأما على الرواية الأولى، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى، كذا قال، ويحتمل -وهو الأظهر- أن المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة، والله أعلم. ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإِفاضة: ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه، وإنما السابق من غُفر له. وبهذا الإِسناد عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أحبَّ أن يرتع في رياض الجنّة، فليُكثر ذكرَ الله " (٣).

стр. 1030

وخرَّج الإِمام أحمد والنسائي، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري أن رسولَ الله ﷺ قال: "استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات" قيل: وما هُنَّ يا رسولَ الله؟ قال: "التكبيرُ والتسبيحُ والتهليلُ والحمدُ لله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله" (١). وفي "المسند" و"صحيح ابن حبان" عن أبي سعيد الخدري أيضًا عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أكثروا ذِكرَ الله حتَّى يقولوا: مجنون" (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" (٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون: إنكم تُراؤون". وخرَّج الإِمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ أنه سئل: أيُّ العباد أفضلُ درجةً عِندَ الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا"، قيل: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتى ينكسر ويتخضَّب دمًا، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً" (٤).

стр. 1031

وخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث سهل بنِ معاذ، [عن أبيه]، عن النبىِّ ﷺ أن رجلًا سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظمُ أجرًا يا رسول الله؟ قال "أكثرُهم لله ذِكرًا"، قال: فأيّ الصَّائمين أعظمُ؟ قال: "أكثرهم لله ذِكرًا"، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله ﷺ يقول: "أكثرهم لله ذكرًا"، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ، فقال رسول اللهِ ﷺ : "أجل". وقد خرَّجه ابنُ المبارك، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يذكر الله على كلّ أحيانِهِ. وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله، يدخل أحدهم الجنةَ وهو يضحك (٤)، وقيل له: إن رجلًا أعتق مئة نسمة، فقال: إن مئة نسمة من مالٍ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رطبًا مِنْ ذِكر الله (٥). وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أن أحملَ على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل (٦).

стр. 1032

وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر، وخرَّجه الحاكم مرفوعًا وصحَّحه، والمشهورُ وقفُه (١). وقال زيدُ بنُ أسلم: قال موسى ﵇: يا ربِّ قد أنعمتَ علىَّ كثيرًا، فدُلني على أن أشكرك كثيرًا، قال: اذكُرني كثيرًا، فإذا ذكرتني كثيرًا، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني. وقال الحسن: أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكرًا وأتقاهم قلبًا. وقال أحمد بنُ أبي الحواري: حدَّثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله ﷺ : "مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش، فقلتُ: من هذا؟ مَلَكٌ؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلتُ: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطبًا من ذكر الله، وقلبُه معلَّق بالمساجد، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ" (٢). وقال ابن مسعود: قال موسى ﵇: ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني فلا تنساني. وقال أبو إسحاق عن مِيثم: بلغني أن موسى ﵇، قال: ربِّ أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرُهم لي ذكرًا. وقال كعب: من أكثر ذكر الله، برئ من النفاق، ورواه مؤمَّل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (٣).

стр. 1033

وخرَّج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعًا: "مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان" (١). ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، فمن أكثر ذكرَ الله، فقد بايَنَهُم في أوصافهم، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأن لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ، وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين. قال الربيعُ بنُ أنس، عن بعض أصحابه: علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره، فإنك لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرت ذكره (٢). قال فتح الموصِلي: المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين، قال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه. قال إبراهيم بن الجنيد: كان يُقال: من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان، وقلَّما وَلِعَ المرءُ بذكر الله إلا أفاد منه حبَّ الله. وكان بعضُ السلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك. قال أبو جعفر المحَوَّلي: وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه، ولا يسأمُ من خدمته. وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النبى ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه (٣)، والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على

стр. 1034

طهارةٍ أو على حدث. وقال مِسعر: كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ، ويوسفُ ﵇ في السجن لا يسكن عن ذكر الله . وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا يُنام حتَّى يُسبِّحَ به (١). وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح (٢). وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يَفتُرُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أن تُخطئ الأصابع (٣)، يعني أنه يَعُدُّ ذلك بأصابعه. وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر، اختُلِست من بين أيدي الرجال. كان الحسن البصري كثيرًا ما يقول إذا لم يُحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إنَّ صاحبكم لفقيه، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلَّا بُني له بَيتٌ في الجنة. وكان عامةُ كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. كان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون، نزل إلى البحر، وقام

стр. 1035

في الماء يذكر الله مع دوابٍّ البحر (١). نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل، وجدتُه يذكر الله، فأغتمٌ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]. المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه، فلو كُلّف أن ينسى تذكُّره لما قدر، ولو كلف أن يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر. كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ … اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحدٌ أحدٌ، فإذا قالوا له: قُل: اللات والعُزَّى، قال: لا أحسنه (٢). يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم … وتَأبَى الطِّباعُ على النَّاقِل كلَّما قويت المعرفةُ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح، كما يُلهمون النفسَ، وتصيرُ "لا إله إلا الله" لهم، كالماء البارد لأهل الدنيا، كان الثوري ينشد: لا لأِنِّي أنساكَ أُكثرُ ذِكرا … كَ ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قَلَقُه، قال النبىُّ ﷺ لابن مسعودٍ: "اقرأ عليَّ القرآن"، قال: أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل؟ قال: "إنِّي أُحبُّ أن أسمعه من غيري"، فقرأ عليه، ففاضت عيناه (٣).

стр. 1036

سمع الشبلي قائلًا يقولُ: يا ألله يا جَوادُ، فاضطرب: وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن مِنى … فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما … أَطارَ بِليلى طائرًا كان في صدري النبض ينزعج عند ذكر المحبوب: إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه … تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وإنِّي لَتَعْرونِي لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ … كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: "رجلٌ ذكرَ الله خاليًا، ففاضت عيناه". قال أبو الجلد: أوحى الله إلى موسى ﵇: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤُك، وكُن عندَ ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني، فاجعل لِسانك من وراء قلبك (١). وصف علي يومًا الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم (٢). قال زهير البابي: إن لله عبادًا ذكروه، فخرجت نفوسُهم إعظامًا واشتياقًا، وقوم ذكروه، فوجِلَتْ قلوبهم فرقًا وهيبة، فلو حُرِّقوا بالنَّار، لم يجدوا مَسَّ النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضّوا عرقًا من خوفه، وقومٌ ذكروه، فحالت ألوانهم غبرًا، وقومٌ ذكروه، فجَفَّتْ أعينُهم سهرًا.

стр. 1037

صلَّى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أن يُكبِّر، لم يقدر إجلالًا لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتَّى سمعت قعقعةُ عظامه. كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتَّى يرى ذلك جميع من عنده، وكان يقولُ: ما أظن محقًا يذكر الله عن غير غفلة، ثم يبقى حيًا إلا الأنبياء، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم (١). إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت … مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباح يجتهد أن يقول: لا إله إلا الله، فما قدر إجلالًا وهيبةً، فلما كان عندَ الصباح، نزل، فبال الدَّم. وما ذكرتُكُمُ إلَّا نَسيتُكُم … نِسيانَ إِجلالِ لا نِسيانَ إِهمالِ إِذَا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أَنا … أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي الذكر لذَّة قلوب العارفين. قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال مالك بنُ دينار: ما تَلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله . وفي بعضِ الكتب السالفة: يقولُ الله : معشر الصدِّيقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعَّموا. وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره: ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها (٢). وعن ابن عمر قال: أخبرني أهلُ الكتاب أن هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله مِنَ الإِبل إلى وردها يوم ظِمئِها. قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلَّا بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلَّا برؤيته،

стр. 1038

قال ذو النون: ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلَّا برؤيته (١). أبدًا نُفوس الطَّالبيـ … ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ وكَذَا القُلُوبُ بذكرِكُم … بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ … يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ؟ بِحياتِكُم يا سادتي … جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا قد سبق حديث: "اذكروا الله حتَّى يقولوا: مجنون" (٢) ولبعضهم: لقد أكثرتُ من ذِكرا … كَ حَتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكر حالَه، فقال لأصحابه: أمجنون صاحبُكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال: لا يا أخي، ولكن هذا دواءُ الجنون. وحُرمَةِ الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ … ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم … بأنَّ قلبي لَكُمْ من دونِهم فرضُوا ومِنْ حديثي بكُم قالوا: به مَرَضٌ … فقُلْتُ: لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم. قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيرًا، وكلموا الناس قليلًا، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيرًا؟ قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه. وكان بعضُ السلف يُصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة حتَّى أُقعِدَ من رجليه، فكان

стр. 1039

يُصلي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة، ويقول: عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك، بل عَجِبْتُ للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكر سِواك. وكان بعضُهم يَصومُ الدَّهرَ، فإذا كان وقتُ الفطور، قال: أحسُّ نفسي تخرُج لاشتغالي عن الذكر بالأكل. قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحِشُ وحدَك؟ قال: كيف أستوحِشُ وهو يقول: أنا جليسُ من ذكرني؟ (١) كَتمتُ اسمَ الحبيب من العبادِ … ورَدَّدتُ الصَّبابةَ في فُؤادي فَواشَوقًا إلى بَلدٍ خَلِيٍّ … لعلِّي باسم مَنْ أَهوى أُنادي فإذا قَوِي حالُ المحبِّ ومعرفته، لم يشغَلْهُ عن الذكر بالقلب واللسان شاغل، فهو بَينَ الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحلِّ الأعلى، كما قال عليٌّ ﵁ في وصفهم: صَحِبوا الدُّنيا بأجسادٍ أرواحُها معلقة بالمحلِّ الأعلى، وفي هذا المعنى قيل: جِسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكم … فالجِسمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وطن وقال غيره: ولقَد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدِّثي … وأَبحْتُ جِسمي من أراد جُلوسي فالجِسمُ منِّي للجَليس مُؤَانسٌ … وحَبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي وهذه كانت حالة الرسل والصدِّيقين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 1040

لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفي "الترمذي" (١) مرفوعًا: "يقول الله : إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرنَهُ". وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] يعني: الصلاة في حال الخوف، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذكره. ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في "المسند"، و"الترمذي"، و"سنن ابن ماجه" عن عمرَ مرفوعًا: "مَنْ دخلَ سوقًا يُصاحُ فيها ويُباع، فقال: لا إله إلا وحدَه لا شريك له، له المُلك وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموتُ بيده الخير وهُو على كل شيءٍ قدير، كتب الله له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألفَ ألف سيئة، ورفع له ألف ألفِ درجة" (٢). وفي حديث آخر: "ذاكِرُ الله في الغافلين كمثلِ المقاتل عن الفارين، وذاكرُ الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس" (٣).

стр. 1041

قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: مادام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاة، وإن كان في السوق وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل (١). وكان بعضُ السلف يقصِدُ السُّوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة. والتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه: تعالَ حتَّى نذكر الله في غفلة الناسِ، فخلَوا في موضع، فذكرا الله، ثم تفرَّقا، ثم ماتَ أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السُّوق؟ فصل في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة معلومٌ أن الله فرض على المسلمين أن يذكروهُ كل يوم وليلة خمس مرَّات، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشَرَع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرًا يكونُ لهم نافلةً، والنافلةُ: الزِّيادة، فيكونُ ذلك زيادةً على الصلوات الخمس، وهو نوعان: أحدهما: ما هو من جِنس الصلاة، فشرع لهم أن يُصلُّوا مع الصَّلوات الخمس قبلها، أو بعدها أو قَبلها وبعدها سننًا، فتكون زيادةً على الفريضة، فإن كان في الفريضة نقصٌ، جَبَر نقصها بهذه النوافل، وإلَّا كانت النَّوافلُ زيادةً على الفرائض. وأطولُ ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بَينَ

стр. 1042

صلاة العشاء وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فشرع كلِّ واحدة من هاتين الصَّلاتين صلاة تكون نافلةً؛ لئلاَّ يطولَ وقتُ الغفلة عن الذِّكر، فشرع ما بَين صلاةِ العشاء، وصلاة الفجر صلاةَ الوتر وقيامَ الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر صلاة الضحى. ويعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض، فآكدُها الوتر، ولذلك اختلفَ العلماءُ في وجوبه، ثمَّ قيامُ الليل، وكان النبيُّ ﷺ يُداومُ عليه حضرًا وسفرًا، ثمَّ صلاة الضحى، وقد اختلف الناسُ فيها، وفي استحباب المداومة عليها، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد التَّرغيبُ أيضًا في الصَّلاة عقيبَ زوالِ الشَّمس. وأما الذكرُ باللسان، فمشروعٌ في جميع الأوقات، ويتأكَّدُ في بعضها. فممَّا يتأكَّد فيه الذكرُ عقيبَ الصَّلوات المفروضات، وأن يُذكر الله عقيبَ كلِّ صلاة منها مئة مرة ما بين تسبيح وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ. ويُستحبُّ -أيضًا- الذِّكرُ بعدَ الصَّلاتين اللتين لا تَطوُّعَ بعدهما، وهما: الفَجرُ والعصرُ، فيُشرع الذكرُ بعد صلاة الفجر إلى أن تطلُع الشَّمسُ، وبعدَ العصر حتَّى تغربَ الشمس، وهذان الوقتان -أعني وقت الفجر ووقت العصر- هما أفضلُ أوقات النَّهار للذِّكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ

стр. 1043

طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. وأفضلُ ما فعل في هذين الوقتين من الذكر: صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر، وهما أفضلُ الصلوات. وقد قيل في كل منهما: إنَّها الصلاةُ الوسطى، وهما البَردَانِ اللذان من حَافَظ عليهما، دخلَ الجنة، ويليهما من أوقات الذكر: الليلُ. ولهذا يُذكر بعد ذكر هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ اللَّيلِ وصلاته. والذكرُ المطلقُ يدخل فيه الصَّلاةُ، وتلاوة القرآن، وتعلُّمه، وتعليمُه، والعلمُ النافع، كما يدخلُ فيه التَّسبيحُ والتَّكبير والتَّهليل، ومِن أصحابنا من رجَّح التلاوة على التَّسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر. وسُئلَ الأوزاعيُّ عن ذلك، فقال: كان هديهُم ذكرَ الله، فإن قرأ، فحسن. وظاهر هذا أنَّ الذكر في هذا الوقت أفضلُ من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التَّسبيح عقيبَ المكتوبات مئة مرة: إنه أفضلُ من التلاوة حينئذٍ. والأذكارُ والأدعيةُ المأثورةُ عن النبيِّ ﷺ في الصَّباح والمساء كثيرة جدًا. ويستحبُّ أيضًا إحياءُ ما بين العشاءين بالصَّلاة والذِّكر، وقد تقدَّم (١) حديثُ أنس أنه نزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. ويستحبُّ تأخيرُ صلاة العشاء إلى ثُلث اللَّيل، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة -وهو مذهبُ الإِمام أحمد وغيره- حتَّى يفعل هذه الصَّلاة في أفضل وقتها، وهو آخرُه، ويشتغل منتظرُ هذه الصَّلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول مِنَ اللَّيل بالصَّلاة، أو بالذِّكر وانتظار الصَّلاة في المسجد، ثمَّ إذا صلَّى العشاءَ، وصلَّى بعدَها ما يتبعُها من سننها الراتبة، أو أوتَرَ بعدَ ذلك إن كان يُريد أن يُوتِرَ قبلَ النوم.

стр. 1044

فإذا أوى إلى فراشه بعدَ ذلك للنوم، فإنه يُستحبُّ له أن لا ينامَ إلا على طهارةٍ وذكرٍ، فيُسبِّح ويحمد ويكبِّر تمام مئة، كما علَّم النبي ﷺ فاطمةَ وعليًا أن يفعلاه عندَ منامهما (١) ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبيِّ ﷺ عندَ النوم، وهي أنواع متعدِّدةٌ من تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك. فإذا استيقظ من الليل، وتقلَّب على فِراشه، فليذكر الله كلَّما تقلَّب، وفي "صحيح البخاري" (٢) عن عُبادة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ تعارَّ مِنَ اللَّيلِ، فقال: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، ثم قال: ربِّ اغفر لي -أو قال: "ثم دعا- استجيب له، فإن عزم، فتوضأ ثم صلى قُبِلت صلاته". وفي "الترمذي" (٣) عن أبي أُمامة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أوى إلى فراشه طاهرًا يذكرُ الله حتَّى يُدرِكَه النُّعاس، لم يتقلَّبْ ساعةً من الليل يسألُ الله شيئًا من خيرِ الدُّنيا والآخرة، إلَّا أعطاه إيَّاه". وخرَّجه أبو داود بمعناه من حديث معاذ (٤)، وخرَّجه النسائي (٥) من حديث

стр. 1045

عمرو بن عبسة. وللإمام أحمد (١) من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث: "وكان أوَّل ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلَّا أنت اغفر لي، إلا انسلخَ من خطاياه كما تنسلخُ الحية من جلدها". وثبت أنه ﷺ كان إذا استيقظ من منامه يقول: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور" (٢). ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد، أتى بذلك كلِّه على ما ورد عن النبيِّ ﷺ ، ويَختِمُ تهجُّده بالاستغفار في السحر، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار، وإذا طلع الفجر، صلَّى ركعتي الفجرِ، ثمَّ صلَّى الفجر، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذِّكر المأثور إلى أن تطلع الشَّمسُ على ما تقدَّم ذكره، فمن كان حالُه على ما ذكرنا، لم يزل لسانُه رطبًا بذكر الله، فيستصحبُ الذكر في يقظته حتَّى ينامَ عليه، ثم يبدأُ به عندَ استيقاظه، وذلك من دلائل صدقِ المحبة، كما قال بعضهم: وآخِرُ شيءٍ أنت في كلِّ هَجعةٍ … وأوَّل شيءٍ أنتَ وقتَ هُبُوبي وأول ما يفعله الإِنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه، فعامَّةُ ذلك يشرع ذكرُ اسم الله عليه، فيُشرعُ له ذكرُ اسم الله وحمده على أكلِه وشُربه ولباسه وجماعه لأهله ودخوله منزله، وخروجه منه، ودخولِه الخلاء، وخروجه

стр. 1046

منه، وركوبه دابته، ويُسمَّي على ما يذبحه من نُسكٍ وغيره. ويُشرع له حمدُ الله تعالى على عُطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدِّين أو الدُّنيا، وعندَ التقاء الإِخوان، وسؤال بعضهم بعضًا عن حاله، وعندَ تجدُّد ما يحبه الإِنسانُ من النِّعَمِ، واندفاع ما يكرهه من النِّقَمِ، وأكملُ مِنْ ذلك أن يحمد الله على السَّراء والضَّرَّاء والشدَّة والرَّخاء، ويحمدُه على كلِّ حال. ويُشرع له دعاءُ الله تعالى عند دخولِ السوق، وعندَ سماعِ أصواتِ الدِّيَكةِ باللَّيل، وعندَ سماعِ الرَّعد، وعند نزولِ المطر، وعند اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلّة، وعند رؤية باكورة الثِّمار. ويشرع أيضًا ذكرُ الله ودعاؤه عند نزول الكَرْب، وحدوثِ المصائب الدنيوية، وعندَ الخروج للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر. ويُشرع التعوُّذ بالله عند الغضب، وعندَ رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصواتِ الكلاب والحمير بالليل. وتُشرع استخارة الله عند العزم على ما لا يظهر الخيرة فيه. وتجب التَّوبة إلى الله والاستغفارُ من الذُّنوب كلِّها صغيرها وكبيرِها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فمن حافظ على ذلك، لم يزل لسانه رطبًا بذكر الله في كلِّ أحواله.

стр. 1047

فصل قد ذكرنا في أوَّل الكتاب أنَّ النبيَّ ﷺ بُعِثَ بجوامع الكلم، فكان ﷺ يُعجِبُه جوامع الذكر، ويختاره على غيره من الذكر، كما في "صحيح مسلم" (١) عن ابن عباس، عن جُويرية بنت الحارث أن النَّبيَّ ﷺ خرج من عندها بُكرةً حين صلَّى الصبحَ وهي في مسجدها، ثمَّ رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، فقال: "مازلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم، فقال النبيُّ ﷺ : "لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرات، لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزَنتهُنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته". وخرَّجه النسائي (٢)، ولفظه: "سبحانَ الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومِداد كلماته". وخرَّج أبو داود، والترمذيُّ، والنسائي من حديث سعد بن أبي وقَّاص أنَّه دخل مع النبيِّ ﷺ على امرأةٍ وبَين يديها نوى، أو قال: حَصى تسبِّح به، فقال: "ألا أُخبِرُك بما هو أيسرُ من هذا وأفضل؟ سبحانَ الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحانَ الله عدد ما خلَق في الأرض، وسُبحان الله عدد ما بينَ ذلك، وسبحانَ الله عددَ ما هو خالق، والله أكبر مثلُ ذلك، والحمد لله مثلُ ذلك، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله مثل ذلك" (٣).

стр. 1048

وخرَّج الترمذي (١) من حديث صَفيَّة، قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وبَينَ يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقُلتُ: لقد سبَّحت بهذه، فقال: "ألا أعلمك بأكثر ممَّا سبَّحت به؟ " فقلت: علمني، فقال: "قولي: سبحان الله عددَ خلقه". وخرَّج النسائى، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي أُمامة أن النبيَّ ﷺ مرَّ به وهو يحرِّك شفتيه، فقال: "ماذا تقولُ يا أبا أمامة؟ " قال: أذكر ربي، قال: "ألا أخبرك بأكثرَ وأفضلَ من ذكرك اللَّيل مع النَّهار والنهار مع الليل؟ أن تقولَ: سبحان الله عدد ما خلقَ، وسُبحان الله ملءَ ما خلق، وسُبحان الله عددَ ما في الأرض والسَّماء، وسُبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابُه، وسبحان الله ملءَ ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كلّ شيءٍ، وسبحان الله ملء كلِّ شيء، وتقولَ: الحمد لله مثل ذلك" (٢).

стр. 1049

وخرَّج البزار (١) نحوه من حديث أبي الدرداء. وخرَّج ابن أبي الدُّنيا بإسناد له أن النبيَّ ﷺ قال لمعاذ: "يا معاذ، كم تذكرُ ربَّك كلَّ يوم؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة؟ " قال: كلُّ ذلك أفعل، قال: "أفلا أدلُّك على كلمات هنَّ أهونُ عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه، لا إله إلا الله عدد كلماتِه، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله إلا الله زِنة عرشه، لا إله إلا الله مِلء سماواته، لا إله إلا الله ملء أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثل ذلك معه" (٢). وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقَّدة، فقال: ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر، سبحان الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا، سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملءَ ما خلق، وملءَ ما هو خالق، وملء سماواته، وملءَ أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى رحمته، ومداد كلماته، ومبلغ رضاهُ حتَّى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كلِّ سنة وشهر وجمعة ويومٍ وليلة وساعة من

стр. 1050

الساعات، وتنسم وتنفس من أبدٍ إلى الأبد أبد الدُّنيا والآخرة أمد من ذلك لا ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه. وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته، فقلت: ما صنعتَ؟ قال: خيرًا، فقلت: ترجو للخاطئ شيئًا؟ قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء. قال ابن أبي الدُّنيا: وحدثني محمد بن الحسين، حدثني بعض البصريين أن يونسَ بن عبيد رأى رجلًا فيما يرى النَّائم كان قد أصيب ببلادِ الرُّوم، فقال: ما أفضل ما رأيت ثَمَّ من الأعمال؟ قال: رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان. وكذلك كان النبيُّ ﷺ يُعجبه من الدعاء جوامعه، ففي "سنن أبي داود" (١) عند عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. وخرَّج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضًا أن النبيَّ ﷺ قال لها: "يا عائشة، عليك بجوامع الدُّعاء: اللهمَّ إنِّي أسألك من الخير كلِّه عاجلهِ وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهمَّ إنِّي أسألك مِنْ خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك، وأعوذُ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدك ونبيك، اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذ بك من النَّار، وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأسألُك ما قضيتَ لي من قضاءٍ، أن تجعل عاقبته رشدًا" وخرَّجه الإِمام أحمد، وابنُ ماجه، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء، وعند

стр. 1051

الحاكم "عليك بالكوامل" وذكره. وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أن النبيَّ ﷺ قال لها: "ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ " وذكر هذا الدعاء (١). وخرَّج الترمذي (٢) من حديث أبي أمامة قال: دعا رسول الله ﷺ بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله، دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئًا، فقال: "ألا أدلُّكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه؟ تقولون: اللهمَّ إنَّا نسألكَ من خير ما سألك منه نبيُّك محمد، ونعوذُ بك من شرِّ ما استعاذَ منه نبيُّك محمد، وأنت المستعانُ، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله". وخرَّجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة أن النبيَّ ﷺ كان يقول في دعاء له طويل: "اللهم إنِّي أسألك فواتحَ الخير، وخواتِمه، وجوامعَه، وأوَّله وآخره، وظاهره، وباطنه" (٣). وفي "المسند" (٤) أن سعد بن أبي وقاص سمِع ابنًا له يدعو، ويقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمها وإستَبرقَها ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسِلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوَّذت بالله من شرٍّ كثير، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكونُ قومٌ يعتدون في الدُّعاء، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وإن بِحَسبكَ أن تقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ،

стр. 1052

وأعوذُ بك من النَّار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ". وفي "الصحيحين" (١) عن ابن مسعود، قال: كنا نقول في الصَّلاة خلف رسول الله ﷺ : السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم: "إن الله هو السلامُ، فإذا قعدَ أحدُكم في الصَّلاة، فليقل: التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يَتخيَّرُ من المسألة ما شاء". وفي "المسند" (٢) عن ابن مسعود قال: إن رسول الله ﷺ عُلِّمَ فواتِحَ الخير وجوامعه، أو جوامعَ الخير وفواتحه وخواتمه، وإنّا كنَّا لا ندري ما نقولُ في صلاتنا حتَّى علَّمنا، فقال: "قولوا: التحيات لله" فذكره إلى آخره، والله أعلم. آخر الكتاب والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبُنا الله ونعم الوكيل