← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فهو حرام، خرَّجه البخاري (١)، يشير إلى أنَّه إن كان مسكرًا، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة. واعلم أن المسكرَ المزيل للعقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لَذَّةٌ وطربٌ، فهذا هو الخمر المحرَّم شربه، وفي "المسند" (٢) عن طلق الحنفيِّ أنَّه كان جالسًا عند النبيِّ ﷺ ، فقال له رجل: يا رسولَ الله، ما ترى في شراب نصنعُه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال ﷺ : "من سائلٌ عَنِ المسكر؟ فلا تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يُحلف به - لا يشربه رجلٌ ابتغاءَ لذَّة سُكره، فيسقيه الله الخمر يومَ القيامة". قال طائفة من العلماء: وسواءٌ كان هذا المسكرُ جامدًا أو مائعًا، وسواءٌ كان مطعومًا أو مشروبًا، وسواءٌ كان من حبٍّ أو ثمرٍ أو لبنٍ، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تُعمل من ورق القِنَّب، وغيرها ممَّا يُؤكَلُ لأجل لذّته وسكره، وفي "سنن أبي داود" (٣) من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كلِّ مُسكرٍ ومُفتِّرٍ" والمفتر: هو المخدر للجسد، وإن لم ينته إلى حدِّ الإسكار. والثاني: ما يُزيلُ العقلَ ويسكر، ولا لذَّة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه، فقال

стр. 982

أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالبُ منه السلامة جاز، وقد رُوي عن عُروة بن الزُّبير أنه لمَّا وقعت الأكِلَة في رجله، وأرادوا قطعَها، قال له الأطباء: نسقيك دواءً حتَّى يغيبَ عقلُك، ولا تُحِسَّ بألم القطع، فأبى، وقال: ما ظننتُ أن خلقًا يشربُ شرابًا يزولُ منه عقلُه حتَّى لا يعرف ربَّه (١). وروي عنه أنه قال: لا أشرب شيئًا يحولُ بيني وبين ذكر ربي . وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثرُ أصحابنا كالقاضي، وابنِ عقيل، وصاحب "المغني": إنَّه محرم، لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحرم كشرب المسكر، وروى حنش الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ شرب شرابًا يَذهَبُ بعقلِه، فقد أتى بابًا مِن أبواب الكبائر" (٢). وقالت طائفة منهم ابنُ عقيل في "فنونه": لا يَحرُمُ ذلك؛ لأنَّه لا لذَّة فيه، والخمرُ إنَّما حرِّمت لِما فيها مِنَ الشِّدَّةِ المطرِبَة، ولا إطراب في البنج ونحوه ولا شدَّة. فعلى قولِ الأكثرين: لو تناول ذلك لِغير حاجة، وسكر به، فطلَّق، فحكمُ طلاقه حكمُ طلاق السَّكران، قاله أكثرُ أصحابنا كابن حامد والقاضي، وأصحاب الشافعي، وقالت الحنفية: لا يقعُ طلاقه، وعلَّلوا بأنَّه ليس فيه لذَّة، وهذا يدلُّ على أنَّهم لم يُحرِّموه. وقالت الشافعية: هو محرَّم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهرُ كلام أحمد أنه لا يقعُ طلاقُه بخلافِ السَّكران، وتأوله القاضي، وقال: إنَّما قال ذلك إلزامًا للحنفية، لا اعتقادًا له، وسياق كلامه محتمل لذلك.

стр. 983

وأمَّا الحدُّ، فإنما يجبُ بتناول ما فيه شِدَّة وطربٌ مِنَ المسكراتِ؛ لأنَّه هو الذي تدعو النفوس إليه، فجُعِلَ الحدُّ زاجرًا عنه. فأما ما فيه سكرٌ بغيرِ طربٍ ولا لذَّة، فليس فيه سوى التعزير، لأنه ليس في النفوس داع إليه حتَّى يحتاج إلى حدٍّ مقدَّر زاجرٍ عنه، فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثرُ العلماء الذين يرون تحريمِ قليلِ ما أسكر كثيرهُ يرون حدَّ مَنْ شربَ ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حِلَّه متأولًا، وهو قولُ الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي ثور، فإنَّه قال: لا يحدُّ لتأوُّله، فهو كالنَّاكح بلا وليٍّ. وفي حدِّ الناكح بلا وليٍّ بخلاف أيضًا، لكن الصحيح أنه لا يُحَدُّ، وقد فرَّق من فرَّق بينه وبين شرب النبيذ متاوِّلًا بأنَّ شرب النبيذ المختلف فيه داعٍ إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف الناكح بغير ولي، فإنَّه مغنٍ عن الزنى المجمع على تحريمه، وموجب للاستعفاف عنه. والمنصوصُ عن أحمد أنَّه إنَّما حدّ شارب النبيد متأوِّلًا، لأن تأويلَه ضعيف لا يُدرأُ عنه الحدُّ به، فإنه قال في رواية الأثرم: يُحدُّ من شرب النبيذ متأوِّلًا، ولو رُفِعَ إلى الإمام من طَلَّق البتة، ثم راجعها متأوِّلًا أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى أنَّها ثلاث لا يُفرق بينهما، وقال: هذا غيرُ ذاك، أمره بيِّنٌ في كتاب الله، وسنَّة نبيه ﷺ ، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ، وقال النبيّ ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمر"، فهذا بيَّن، وطلاق البتة إنَّما هو شيءٌ اختلفَ النَّاسُ فيه.

стр. 984

الحديث السابع والأربعون عَنِ المِقدامِ بن مَعدِ يَكرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللّهِ ﷺ يَقولُ: "ما مَلأ آدميُّ وِعاءً شَرًّا مَنْ بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدمَ أَكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالَةَ، فَثُلثٌ لِطعامِهِ، وثلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفسه" رواهُ الإمامُ أحمَدُ والتِّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ، وقَالَ التِّرمِذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). هذا الحديثُ خرَّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جدِّه، وخرّجه ابنُ ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى. وقد رُوي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث عبد الرحمن بن المُرَقَّع، قال: فتح رسولُ الله ﷺ خيبر وهي مخضرةٌ من الفواكه، فواقع الناسُ الفاكهةَ، فمغثتهمُ الحُمَّى، فشَكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما الحمى رائدُ الموت وسجنُ الله في

стр. 985

الأرض، وهي قطعةٌ من النار، فإذا أخذتكم فبرِّدوا الماء في الشِّنان، فصبُّوها عليكم بين الصَّلاتين" يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "لم يخلُقِ الله وعاءً إذا مُلِئَ شرًا من بطن، فإن كان لا بدَّ، فاجعلوا ثُلُثًا للطَّعام، وثُلثًا للشَّراب، وثُلثًا للرِّيح" (١). وهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كُلِّها. وقد رُوي أن ابنَ ماسويه الطبيبَ لمَّا قرأ هذا الحديث في "كتاب" أبي خيثمة، قال: لو استعملَ الناسُ هذه الكلمات، سَلِموا مِنَ الأمراض والأسقام، ولتعطَّلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كلِّ داء التُّخَم، كما قال بعضهم: أصلُ كُلِّ داء البَرَدةُ (٢)، وروي مرفوعًا ولا يصحُّ رفعه (٣). وقال الحارث بن كَلَدَة طبيبُ العرب: الحِمية رأسُ الدواء، والبِطنةُ رأسُ

стр. 986

الداء، ورفعه بعضهم ولا يصحُّ أيضًا (١). وقال الحارث أيضًا: الذي قتل البرية، وأهلك السباعَ في البرية، إدخالُ الطعام على الطعام قبل الانهضام. وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سببُ آجالكم؟ قالوا: التُّخَمُ. فهذا بعض منافع تقليلِ الغذاء، وتركِ التَّمَلِّي من الطَّعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما منافِعُه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك. قال الحسن: يا ابنَ آدم كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر. وقال المروذي: جعل أبو عبد الله: يعني أحمدَ يُعظِّمُ أمر الجوع والفقر، فقلت له: يُؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابنُ عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجلُ مِنْ قلبه رقَّة وهو يشبع؟ قال: ما أرى. وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه، فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال:

стр. 987

وأيُّ شيء هو؟ قال: شيءٌ يَهضِمُ الطعامَ إذا أكلته، قال: ما شبعتُ منذ أربعةِ أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقوامًا يجوعون أكثرَ مما يشبعون (١). وبإسناده عن نافع، قال: جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر، فقال: ما هذا؟ قال: جوارش: شيءٌ يُهضَمُ به الطعامُ، قال: ما أصنع به؟ إنِّي ليأتي عليَّ الشهرُ ما أشبع فيه من الطعام (٢). وبإسناده عن رجلٍ قال: قلتُ لابنِ عمر: يا أبا عبد إلرحمن رَقَّتْ مضغتك، وكَبرَ سِنُّك، وجلساؤك لا يعرفون لك حَقَّك ولا شَرَفَك، فلو أمرتَ أهلك أن يجَعلوا لك شيئًا يلطفونك إذا رجعتَ إليهم، قال: وَيْحَكَ، واللهِ ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرَّة واحدة، فكيف بي وإنَّما بقي مني كظِمْءِ الحمار (٣). وبإسناده عن عمرو بن الأسود العنسي أنَّه كان يدعُ كثيرًا من الشبع مخافة الأشر (٤). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الجوع" بإسناده عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: ما شبعتُ منذُ أسلمت (٥).

стр. 988

وروى بإسناده عن محمد بنِ واسع، قال: مَنْ قلَّ طُعْمُه، فهم، وأفهم، وصفا، ورقَّ، وإنَّ كَثرةَ الطعام ليُثقل صاحبه عن كثير مما يُريد (١). وعن أبي عبيدة الخَوَّاص، قال: حَتْفُكَ في شبعك، وحَظُّك في جوعك، إذا أنت شبعتَ ثقلتَ، فنِمْتَ، استمكن منك العدوُّ، فجثم عليك، وإذا أنت تجوَّعت كنت للعدو بمرصد. وعن عمرو بن قيس، قال: إيَّاكُمْ والبِطنة فإنَّها تُقسِّي القلب (٢). وعن سلمة بنِ سعيد قال: إن كان الرجلُ لَيُعَيَّر بالبطنة كما يُعير بالذنب يَعمَلُهُ. وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينًا، فاعدد نفسك زمنًا حتى تخمص. وعن ابن الأعرابي قال: كانت العربُ تقول: ما بات رجل بطينًا فتمَّ عزمُه. وعن أبى سليمان الداراني قال: إذا أردتَ حاجةً من حَوائجِ الدُّنيا والآخرة، فلا تأكل حتَّى تقضيها، فإن الأكلَ يُغير العقل. وعن مالك بن دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أن يكونَ بطنه أكبرَ همه، وأن تكونَ شهوته هي الغالبة عليه. قال: وحدثني الحسنُ بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره: كانت بلية أبيكم آدم ﵇ أكلةً، وهي بليتُكم إلى يوم القيامة. قال: وكان يُقال: من ملك بطنه، ملك الأعمالَ الصالحة كلها، وكان يُقال: لا تَسكُنُ الحِكمةُ معدة ملأى.

стр. 989

وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يُقال: قِلة الطعم عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات. وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه. وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نَرَ للأشر مثل دوام الجوع، فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامُه أن لا تشبع أبدًا. قال: وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسرَ ذلك يا أبا عبد الرحمن على أهل ولايته ومن وفَّقه لطاعته، لا يأكل إلا دونَ الشبع هو دوامُ الجوع. ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعامَ على بعض أصحابه، فقال له: أكلتُ حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟! (١). وروى أيضًا بإسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من أحبّ أن يُنوَّرَ له قلبُه، فليُقِلَّ طُعمَه. وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويَقِلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل (٢). وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهونُ على الله من أن يُجيعنا، إنَّما يُجيع أولياءَه. وعن عبد الله بن الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبعُ؟

стр. 990

قال: لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا. وعن رياح القيسي أنه قُرِّبَ إليه طعامٌ، فأكل منه، فقيل له: ازدد فما أراك شبعتَ، فصاح صيحة وقال: كيف أَشبَعُ أيامَ الدنيا وشجرةُ الزقوم طعامُ الأثيم بين يدي؟ فرفع الرجلُ الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء (١). قال المروذي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعمُ؟ يعني أحمد، قلتُ له: وكيف هو متنعم؟ قال: أليس يجد خبزًا يأكل، وله امرأة يسكن إليه ويطؤها، فذكرتُ ذلك لأبي عبد الله، فقال: صدق، وجعل يسترجِعُ، وقال: إنا لنشبع. وقال بشر بنُ الحارث: ما شبعت منذ خمسينَ سنة، وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم مِن الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسُه إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟ وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه، ضبط دينَه، ومن ملك جُوعَه، ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدةٌ من الجائع، قريبةٌ من الشبعان، والشبعُ يميت القلبَ، ومنه يكونُ الفرحُ والمرح والضحك. وقال ثابت البناني: بلغنا أنَّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉، فرأى عليه معاليق من كلِّ شيءٍ، فقال له يحيى: يا إبليس، ما هذه المعاليقُ التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهواتُ التي أُصيبُ من بني آدم، قال: فهل لي فيها شيءٌ؟ قال: ربما شبعت، فثقَّلناك عن الصَّلاة وعن الذِّكر، قال: فهل غيرُ هذا؟ قال: لا، قال: لله عليَّ أن لا أملأ بطني من طعامَ أبدًا، قال: فقال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصحَ مسلمًا أبدًا (٢).

стр. 991

وقال أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ، وقال (١): مفتاحُ الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصلُ كلِّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله ، وإن الله ليُعطي الدنيا من يُحبُّ ومن لا يُحبُّ، وإن الجوع عنده في خزائن مُدَّخَرة، فلا يُعطي إلا من أحبَّ خاصة، ولأن أدعَ من عشائي لقمةً أحبُّ إليَّ من أن آكلها ثم أقوم من أوَّل الليل إلى آخره. وقال الحسن بن يحيى الخشني: من أراد أن تَغْزُرَ دموعه، ويرِقَّ قلبه، فليأكل، وليشرب في نصف بطنه، قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان، فقال: إنما جاء الحديث: "ثلثٌ طعام وثلثٌ شراب"، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسَهم، فربحوا سدسًا (٢). وقال محمد بن النضر الحارثي: الجوعُ يبعث على البرِّ كما تبعثُ البِطنة على الأشر (٣). وعن الشافعي، قال: ما شبعتُ منذ ستَّ عشرةَ سنة إلا شبعة اطرحتها، لأن الشبع يُثقِلُ البدن، ويُزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة (٤). وقد ندب النبيُّ ﷺ إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام، وقال: "حسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه". وفي "الصحيحين" عنه ﷺ أنه قال: "المؤمنُ يأكل في مِعىً واحد، والكافرُ يأكل في سبعة أمعاء" (٥) والمراد أن المؤمن

стр. 992

يأكلُ بأدب الشَّرع، فيأكل في مِعىً واحدٍ، والكافر يأكل بمقتضى الشَّهوة والشَّرَهِ والنَّهم، فيَأكلُ في سبعة أمعاء. وندب ﷺ مع التقلُّل منَ الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الِإيثار بالباقي منه، فقال: "طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثَّلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة" (١). فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثُلُثِ بطنه، وشرِبَ في ثلث، وترك للنَّفَسِ ثُلثًا، كما ذكره النبيُّ ﷺ في حديث المقدام، فإن كثرة الشرب تجلِبُ النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كُلْ ما شئتَ ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم يجئك النوم (٢). وقال بعض السلف: كان شبابٌ يتعبَّدون في بني إسرائيل، فإذا كان عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا. وقد كان النبيُّ ﷺ وأصحابه يجوعون كثيرًا، ويتقلَّلون من أكل الشَّهوات، وإن كان ذلك لِعدم وجود الطعام، إلَّا أنَّ الله لا يختارُ لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابنُ عمر يتشبه بهم في ذلك، مع قدرته على الطعام، وكذلك كان أبوه من قبله.

стр. 993

ففي "الصحيحين" عن عائشة، قالت: ما شبع آلُ محمدٍ ﷺ منذ قَدِمَ المدينة من خبز بُرٍّ ثلاث ليال تباعًا حتى قُبض، ولمسلم: قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض (١). وخرَّج البخاري عن أبي هريرة قال: ما شَبِعَ رسول الله ﷺ من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض. وعنه قال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عن عمر أنه خطب، فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظلُّ اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه. وخرَّج الترمذي، وابن ماجه من حديث أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاث مِنْ بين يومٍ وليلةٍ وما لي طعامٌ إلا ما واراه إبط بلال" (٤). وخرَّج ابنُ ماجه (٥) بإسناده عن سليمان بن صُرَد، قال: أتانا رسولُ الله ﷺ ، فمكثنا ثلاثَ ليالٍ لا نَقدِرُ -أو لا يقدر- على طعام.

стр. 994

وبإسناده عن أبي هريرة، قال: أُتي رسول الله ﷺ بطعامٍ سُخْن، فأكل، فلما فرغ، قال: "الحمدُ لله، ما دخل بطني طعامٌ سخن منذ كذا وكذا" (١). وقد ذم الله ورسولُه من اتَّبع الشهواتِ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. وصحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ القرونِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ" (٢). وفي "المسند" (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا سمينًا، فجعل يومئُ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك". وفي "المسند" (٤) عن أبي برزة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم شهواتُ الغي في بطونكم وفروجكم، ومُضلات الهوى". وفي "مسند البزار" (٥) وغيره عن فاطمة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "شرارُ أمتي

стр. 995

الذين غذوا بالنَّعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوانَ الثياب، ويتشدّقون في الكلام". وخرَّج الترمذي وابن ماجه من حديث ابنِ عمر، قال: تجشأ رجلٌ عند النبيِّ ﷺ ، فقال: "كفّ عنا جُشاءك، فإن أكثرهم شبعًا في الدنيا أطولُهم جوعًا يوم القيامة" (١). وخرَّجه ابنُ ماجه (٢) من حديث سلمان أيضًا بنحوه، وخرَّجه الحاكم (٣) من

стр. 996

حديث أبي جُحيفة وفي أسانيدها كلِّها مقال. وروى يحيى بنُ منده في كتاب "مناقب الإمام أحمد" بإسنادٍ له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قولِ النبيِّ ﷺ : "ثُلث للطعام، وثُلث للشراب، وثلث للنفس" فقال: ثلث للطعام: هو القُوتُ، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح، والله أعلم.

стр. 997

الحديث الثامن والأربعون عَنْ عبد الله بن عمروٍ ﵄ عَنِ النَّبي ﷺ ، قالَ: "أربعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقًا، وإنْ كانَتْ خَصلةٌ مِنهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَها: مَنْ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإِذا خَاصم فَجَر، وإِذا عَاهَد غَدَر" خرَّجه البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وخرَّجا في "الصحيحين" أيضًا من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خَانَ". وفي رواية لمسلم: "وإن صام وصلَّى وزعَمَ أنَّه مُسلمٌ" وفي رواية له أيضًا: "من علامات المنافق ثلاثة" (٢). وقد رُوي هذا عن النبيِّ ﷺ من وجوه أخر. وهذا الحديث قد حمله طائفةٌ ممَّن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فإنهم حدَّثوا النبيَّ ﷺ فكذَّبوه، وائتمنهم على سِرِّه فخانوه، ووعدُوه أن يخرُجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمَّدُ المُحْرِمُ هذا التأويلَ عن عطاءٍ، وأنه قال: حدثني به جابرٌ، عن النبيِّ ﷺ ، وذكر أن الحسنَ

стр. 998

رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه (١). وهذا كذب، والمحرم هذا شيخ كذابٌ معروف بالكذب. وقد رُوي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله: ثلاثٌ من كنَّ فيه، فهو منافق، وقال: قد حدَّث إخوةُ يوسف فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنما بلغه عن النبيِّ ﷺ . فالحديث ثابت عنه ﷺ لا شكَّ في ثبوته وصحته والذي فسره به أهلُ العلم المعتبرون أن النفاقَ في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير، وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاقُ الأكبرُ، وهو أن يظهر الإنسانُ الإِيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلَّه أو بعضه، وهذا هو النِّفاق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدَّرْكِ الأسفل من النار. والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يُظهر الإِنسانُ علانيةً صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك. وأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة: أحدها: أن يُحدِّث بحديث لمن يصدِّقه به وهو كاذب له، وفي "المسند" (٢)

стр. 999

عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كَبُرَت خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك مصدِّقٌ، وأنت به كاذب". قال الحسنُ: كان يقال: النفاقُ اختلاف السِّرِّ والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقالُ: أُسُّ النفاق الذي بني عليه النفاق الكذبُ. الثاني: إذا وعَدَ أخلف، وهو على نوعين: أحدُهُما: أن يَعِدَ ومِنْ نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبًا وخُلفًا، قاله الأوزاعيُّ. الثاني: أن يَعِدَ ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له، فيُخلِفُ من غير عذرٍ له في الخلف. وخرَّج أبو داود، والترمذي من حديث زيد بنِ أرقم عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا

стр. 1000

وعَد الرَّجُلُ ونَوى أن يفِي به، فلم يَفِ، فلا جُناحَ عليه". وقال الترمذي: ليس إسنادُه بالقوي (١). وخرَّجه الإِسماعيلي وغيره من حديث سلمان أن عليًا لقي أبا بكر وعمرَ، فقال: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا: حديثٌ سمعناه من النبيِّ ﷺ ذكر خلالَ المنافق: "إذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا اؤتُمِنَ خانَ" فأيُّنا ينجو من هذه الخصالِ؟ فدخل عليٌّ على النبيِّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: "قد حدِّثتهما، ولم أضعه على الموضع الذي تضعونَه، ولكن المنافق إذا حدَّث وهو يحدِّث نفسه أن يكذبَ، وإذا وعَدَ وهو يحدِّث نفسه أن يُخلِفَ، وإذا اؤتمِنَ وهو يُحدث نفسه أن يخونَ" (٢). وقال أبو حاتم الرازي (٣) في هذا الحديث من رواية سلمان وزيد بن أرقم: الحديثان مضطربان وفي الإِسنادين مجهولان. وقال الدارقطني: الحديث غير ثبت والله أعلم. وخرَّج الطبراني والإِسماعيلي من حديث عليٍّ مرفوعًا: "العِدَةُ دَينٌ، ويلٌ لمن وعد ثم أخلف" قالها ثلاثًا، وفي إسناده جهالة (٤)، ويُروى من حديث ابن

стр. 1001

مسعود، قال: لا يَعِدْ أحدكُم صَبيَّه، ثم لا يُنجِزُ له، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: "العِدَةُ عطية" (١) وفي إسناده نظر، وأوَّله صحيح عن ابن مسعود من قوله. وفي مراسيل الحسن عن النبيِّ ﷺ قال: "العِدَةُ هِبَةٌ" (٢). وفي "سنن أبي داود" (٣) عن مولى لِعبد الله بن عامرِ بن ربيعة، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: جاء النبي ﷺ إلى بيتنا وأنا صبيّ، فخرجتُ لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أُعطِك، فقال رسول الله ﷺ : "ما أردتِ

стр. 1002

أن تعطيه؟ " قلت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال: "أما إن لم تفعلي كُتبت عليك كذبة". وفي إسناده من لا يُعرف. وذكر الزهريُّ عن أبي هُريرة، قال: من قال لِصبيٍّ: تَعالَ هاك تمرًا، ثم لا يُعطيه شيئًا فهي كذبة (١). وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعدِ، فمنهم من أوجبه مطلقًا، وذكر البخاري في "صحيحه" (٢) أن ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قولُ طائفة من أهل

стр. 1003

الظاهر وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريمًا للموعود، وهو المحكيٌّ عن مالك، وكثيرٌ من الفقهاء لا يوجبونه مطلقًا. والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحقِّ عمدًا حتى يصير الحقُّ باطلًا والباطلُ حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذبُ، كما قال ﷺ : "إيَّاكم والكَذِبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفُجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النارِ" (١). وفي "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ أبغضَ الرجال إلى اللهِ الألدُّ الخَصِمُ" (٢). وقد قال ﷺ : "إنَّكم لتَختَصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألحنَ بحُجَّته من بعض، وإنَّما أقضي على نحو مما أسمَعُ، فمن قضيتُ له بشىِءٍ من حقِّ أخيه، فلا يأخُذْهُ، فإنما أقطع له قِطعةً مِنَ النَّار" (٣). وقال ﷺ : "إنَّ مِنَ البيانِ سِحرًا" (٤). فإذا كان الرجلُ ذا قدرِة عند الخصومة -سواء كانت خصومتُه في الدِّين أو في الدنيا- على أن ينتصر للباطل، ويُخيل للسَّامع أنَّه حقٌّ، ويوهن الحقَّ، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك مِنْ أقبحِ المحرَّمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي "سنن أبي داود" (٥) عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ خَاصَمَ

стр. 1004

في باطلٍ وهو يعلَمُهُ لم يَزَلْ في سَخَطِ الله حَتى يَنزِعَ". وفي رواية له أيضًا: "ومَنْ أعانَ على خصومةٍ بظلم، فقد باء بغضب من الله" (١). الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يفِ بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وفي "الصحيحين" عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لِكُلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَةِ يُعرف به"، وفي رواية: "إنَّ الغادرَ يُنصبُ له لواءٌ يومَ القيامة، فيقال: ألا هذه غَدرةُ فلان" (٢)، وخرجاه أيضًا من حديث أنس بمعناه (٣). وخرَّج مسلم (٤) من حديث أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لِكلِّ غادرٍ لواء عندَ استه يومَ القِيامة". والغدرُ حرامٌ في كل عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَدُ كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ قَتلَ نفسًا مُعاهَدًا بغير حقها

стр. 1005

لم يَرَح رائحةَ الجنة، وإن ريحها ليوجَدُ من مسيرة أربعين عامًا" خرَّجه البخاري (١). وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقُضوا منها شيئًا. وأما عهودُ المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشدُّ، ونقضُها أعظم إثمًا. ومِنْ أعظمها: نقضُ عَهدِ الإمام على مَنْ بايعه، ورضِيَ به، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهُم الله يومَ القيامةِ ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، فذكر منهم: ورجلٌ بايع إمامًا لا يُبايعه إلَّا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد، وفَّى له، وإلَّا لم يفِ له" (٢). ويدخل في العُهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغَدْرُ فيها: جميعُ عقود المسلمين فيما بينهم إذا تَراضَوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاءُ بها، وكذلك ما يجبُ الوفاءُ به لله ممَّا يعاهدُ العبدُ ربَّه عليه من نذرِ التَّبرُّرِ ونحوه. الخامس: الخيانةُ في الأمانة، فإذا اؤتمِنَ الرجلُ أمانةً، فالواجبُ عليه أن يُؤدِّيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال النبيُّ ﷺ : "أدِّ الأمانة إلى من ائتَمَنَكَ" (٣)، وقال في خطبته في حجة

стр. 1006

الوداع: "مَنْ كانَت عندَه أمانةٌ، فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها" (١) وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق. وفي حديث ابنِ مسعوِدٍ من قوله، وروي مرفوعًا: "القتلُ في سبيل الله يُكفِّر كلَّ ذنب إلَّا الأمانة، يُؤتى بصاحب الأمانةِ فيقال له: أدِّ أمانتكَ، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبتِ الدُّنيا؟ فيقالُ: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتَّى ينتهيَ إلى قعرها، فيَجِدُها هناك كهيئتها، فيحمِلُها، فيضعها على عنقه فيَصْعَدُ بها في نار جهنم حتَّى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلَّت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين" قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدُّ ذلك الودائع (٢). وقد روي عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث -أعني حديث: "آية المنافق ثلاث"- من القرآن، فقال: مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ

стр. 1007

يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٤ - ٧٧]، وقالَ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣] (١) ورُوي عن ابن مسعود نحوُ هذا الكلام، ثم تلا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الآية (٢). وحاصلُ الأمرِ أن النفاق الأصغر كُلَّه يرجِع إلى اختلاف السريرة والعلانية قاله الحسن، وقال الحسن أيضًا: من النفاق اختلافُ القلب واللسان، واختلاف السِّرِّ والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (٣). وقالت طائفة من السلف: خشوعُ النفاق أن ترى الجسدَ خاشعًا، والقلب ليس بخاشع، وقد رُوي معنى ذلك عن عمر، وروي عنه أنه قال على المنبر: إن أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم، قالوا: كيف يكونُ المنافق عليمًا؟ قال: يتكلم بالحكمةِ، ويعمل بالجور، أو قال: المنكر. وسُئل حذيفة عن المنافق، فقال: الذي يصف الإِيمان ولا يعمل به. وفي "صحيح البخاري" (٤) عن ابن عمر أنه قيل له: إنا نَدخُلُ على

стр. 1008

سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم، قال: كُنَّا نعدُّ هذا نفاقًا. وفي "المسند" عن حُذيفة، قال: إنكم لتكلَّمون كلامًا إن كُنَّا لنعدُّه على عهد رسول الله ﷺ النفاقَ، وفي رواية قال: إن كان الرجلُ ليتكلَّمُ بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ ، فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدِكم في اليوم في المجلس عشر مرارٍ (١). قال بلالُ بنُ سعد: المنافق يقول ما يَعرِفُ، ويعمل ما يُنكِرُ. ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم، وكان عمرُ يسأل حُذيفة عن نفسه (٢). وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاقَ؟ فقال: نَعَمْ إني أدركتُ منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا (٣). وقال البخاري في "صحيحه" (٤): وقال ابنُ أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبيِّ ﷺ كُلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه. ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلَّا مؤمنٌ، ولا أمنه إلا منافق. انتهى.

стр. 1009

وروي عن الحسن أنه حلَفَ: ما مضى مؤمِنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشفِق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخفِ النفاق، فهو منافق (١) وسَمِعَ رجل أبا الدرداء يتعوَّذُ من النفاق في صلاته، فلما سلَّم، قال له: ما شأنك وشأنُ النفاق؟ فقال: اللهمَّ غفرًا -ثلاثًا- لا تأمن البلاء واللهِ إن الرجل ليُفتَنُ في ساعةٍ واحدة، فينقلِبُ عن دينه. والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا. قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق. وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاقَ على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يَخَفْ أن يكونَ يومئذ منافقًا حتى سأل حُذيفة، ولكن خاف أن يُبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قولُ أهل البدع، يشير إلى أنَّ عمر كان يخاف النفاقَ على نفسه في الحال، والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما

стр. 1010

أن المعاصي بريدُ الكفر، فكما يخشى على منِ أصرَّ على المعصية أن يُسلَبَ الإيمانَ عندَ الموت، كذلك يخشى على مَنْ أصرَّ على خصالِ النفاق أن يُسلَبَ الإيمانَ، فيصير منافقًا خالصًا. وسُئلَ الإِمامُ أحمد: ما تقولُ فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يُسمي من ظهرت منه أوصافُ النفاق العملي منافقًا، وروي نحوه عن حذيفة. وقال الشعبي: من كذب، فهو منافق، وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقةٍ من أهل الحديث، وقد سبق في أوائل الكتاب ذكرُ الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر: هل يسمى كافرًا كفرًا لا يَنقلُ عن الملة أم لا؟ واسمُ الكفر أعظم من اسم النفاق، ولعل هذا هو الذي أنكره عطاءٌ عن الحسن إن صحَّ ذلك عنه. ومِنْ أعظم خِصال النفاق العملي: أن يعملَ الإِنسان عملًا، ويُظهرَ أنه قصد به الخيرَ، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيِّىَءٍ، فيتمّ له ذَلك، ويتوصَّل بهذه الخديعةِ إلى غرضه، ويفرح بمكره وخِداعه وحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّئِ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وأنزل في اليهود: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبيُّ ﷺ عن شيءٍ، فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرِحُوا بما أُوتوا

стр. 1011

من كتمانهم وما سُئِلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثُه مخرج في "الصحيحين" (١). وفيهما أيضًا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبيُّ ﷺ إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفَرِحُوا بمقعدهم خلافَه فإذا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا (٢). وفي حديث ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ غَشَّنا، فَلَيسَ مِنَّا، والمَكْرُ والخَديعةُ في النَّارِ" (٣). وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، وأحسن أبو العتاهية في قوله: لَيسَ دُنيا إلَّا بدينٍ وليسَ الدِّ … ينُ إلَّا مكارِمَ الأخلاقِ إنما المكر والخديعَةُ في النَّا … رِ هُما مِنْ خِصالِ أهْلِ النِّفاق ولما تقرَّر عند الصحابة ﵃ أنَّ النفاق هو اختلافُ السرِّ والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكونَ إذا تغير عليه حضورُ قلبه ورقتُه وخشوعُه عندَ سماعِ الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكونَ ذلك منه نفاقًا، كما في "صحيح مسلم" (٤) عن حنظلة الأسيدي أنَّه مرَّ بأبي بكر وهو يبكي، فقال: ما لك؟ قال: نافق حنظلةُ يا أبا بكر، نكون عندَ رسول الله ﷺ يُذكِّرُنا بالجنة والنار كأنّا رأيُ عين، فإذا رجعنا، عافَسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنَّا لكذلك، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "ما لك يا حَنْظَلة؟ " قال: نافق حنظلة يا رسولَ الله، وذكر له مثلَ ما قال لأبي بكر،

стр. 1012

فقال رسول الله ﷺ : "لو تَدُومونَ على الحال التي تقومون بها من عندي، لصَافَحَتكُم الملائكة في مجالسكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً". وفي "مسند البزار" (١) عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكونُ عندك على حالٍ، فإذا فارقناك كُنَّا على غيره، قال: "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: الله ربُّنا في السرِّ والعلانية، قال: "ليس ذاكم النفاق". ورُوي من وجه آخر عن أنس (٢) قال: غدا أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقالوا: هلكنا، قال: "وما ذاك؟ " قالوا: النفاق، النفاق، قال: "ألستم تَشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟! قالوا: بلى، قال: "فلَيسَ ذلك بالنِّفاق" ثم ذكر معنى حديث حنظلة كما تقدَّم.

стр. 1013

الحديث التاسع والأربعون عَنْ عُمرَ بن الخطَّاب ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أنَّكُم تَوكَّلُونَ على اللهِ حَق تَوكُّلهِ لَرَزقكُمَ كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصًا، وتَروحُ بِطانًا" رواهُ الإمام أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه وابنُ حبَّان في "صحيحه" والحاكِمُ، وقال التِّرمذيُّ: حَسَنٌ صَحيحٌ (١). هذا الحديث خرَّجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هُبيرة، سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمر بن الخطاب يُحدثه عن النبي ﷺ ، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرَّج لهما مسلم، ووثقهما غيرُ واحد، وأبو تميم ولد في حياة النبيِّ ﷺ ، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر ﵁. وقد رُوي هذا الحديثُ من حديث ابنِ عمر (٢) عن النبيِّ ﷺ ، ولكن في إسناده من لا يُعرف حاله. قاله أبو حاتم الرازي (٣). وهذا الحديثُ أصل في التوكُّل، وأنَّه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها

стр. 1014

الرزقُ، قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقد قرأ النبىُّ ﷺ هذه الآية على أبي ذرٍّ، وقال له: "لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أخَذوا بها لَكَفتهم" (١) يعني: لو أنهم حقَّقوا التَّقوى والتوكل؛ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم. وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديثِ ابن عباس: "احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ" (٢). قال بعضُ السلف: بِحَسبِكَ من التوسل إليه أن يَعلَمَ من قلبك حُسنَ توكُّلك عليه، فكم من عبدٍ من عَباده قد فوَّضَ إليه أمره، فكفاه منه ما أهمّه، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وحقيقة التوكّل: هو صدقُ اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح، ودفعِ المضارِّ من أمور الدنيا والآخرة كُلَّها، وكِلَةُ الأمور كلّها إليه، وتحقيق الإِيمان بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يَضرُّ ولا ينفع سواه. قال سعيدُ بنُ جبير: التوكل جِماع الإِيمان (٣). وقال وهب بن مُنبِّه: الغاية القصوى التوكل. قال الحسن: إن توكلَ العبد على ربِّه أن يعلمَ أن الله هو ثقته. وفي حديث ابنِ عباس عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ سرَّه أن يكونَ أقوى الناس، فليتوكل على الله" (٤).

стр. 1015

وروي عنه ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إنِّي أسالُك صدقَ التوكُّل عليك" (١)، وأنه كان يقول: "اللهمَّ اجعلني ممن توكَّل عليك فكَفَيتَه" (٢). واعلم أن تحقيق التوكل لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قدَّر الله سبحانه المقدوراتِ بها، وجرت سُنَّته في خلقه بذلك، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمرِه بالتوكُّل، فالسَّعيُ في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكُّلُ بالقلب عليه إيمانٌ به، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقال سهل التُّستَرِي: من طعن في الحركة -يعني في السعي والكسب- فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل، فقد طعن في الإِيمان (٣)، فالتوكل حالُ النبي ﷺ ، والكسب سنَّتُه، فمن عمل على حاله، فلا يتركنّ سنته. ثمَّ إنَّ الأعمال التي يعملها العبدُ ثلاثةُ أقسام:

стр. 1016

أحدُها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا، للنَّجاة مِنَ النَّار ودخولِ الجنة، فهذا لابُدَّ من فعله مع التوكُّل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنَّه لا حولَ ولا قُوَّة إلَّا به، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصَّرَ في شيءٍ ممَّا وجب عليه من ذلك، استحقَّ العقوبة في الدُّنيا والآخرةِ شرعًا وقدرًا. قال يوسف بنُ أسباط: كان يُقال: اعمل عمل رجل لا يُنجيه إلا عملُه، وتوكَّلْ توكُّلَ رجلٍ لا يُصيبه إلا ما كُتِبَ له (١). والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدُّنيا، وأمر عباده بتعاطيه، كالأكلِ عندَ الجوعِ، والشُّرب عند العطشِ، والاستظلال من الحرِّ، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على المرء تعاطي أسبابه، ومن قَصَّر فيه حتى تضرَّر بتركه مع القُدرة على استعماله، فهو مُفرِّطٌ يستحقُّ العقوبة، لكن الله سبحانه قد يقوِّي بعضَ عباده من ذلك على ما لا يَقوى عليه غيرُه، فإذا عَمِلَ بمقتضى قوَّته التي اختص بها عن غيره، فلا حرجَ عليه، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يُواصلُ في صيامه، وينهى عَنْ ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إنِّي لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسقى" (٢)، وفي رواية: "إنِّي أظلُّ عند ربي يُطعمني ويسقيني" (٣)، وفي رواية: "إنَّ لي مُطْعِمًا يُطعمني، وساقيًا يسقيني" (٤). والأظهر أنَّه أراد بذلك أن الله يُقوِّيه ويُغذيه بما يُورده على قلبه من الفتوح القدسية، والمنحِ الإلهية، والمعارف الربانية التي تُغنيه عن الطعام والشراب

стр. 1017

بُرهةً مِنَ الدَّهر، كما قال القائل: لها أَحاديثُ مِنْ ذِكراكَ تَشغَلُها … عَنِ الشَّراب وتُلهيهَا عَنِ الزَّادِ لَها بِوجْهكَ نُورٌ تَستَضيءُ بُه … وقْتَ المَسيرِ وفي أَعقابها حَادي إذا اشتَكَتْ من كلالِ السَّيرِ أوْعَدها … رَوْحُ القدوم فتحيى عندَ مِيعادِ وقد كان كثيرٌ من السَّلف لهم مِنْ القُوَّهَ على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، ولا يتضرَّرونَ بذلك. وكان ابنُ الزبير يُواصل ثمانية أيام. وكان أبو الجوزاء يُواصل في صومه بين سبعة أيام، ثم يَقبضُ على ذراع الشاب فيكَادُ يَحطِمُها. وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يَأكلُ شيئًا غير أنه يشرب شربة حلوى. وكان حجاج بنُ فرافصة يبقى أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وكان بعضهم لا يُبالي بالحرِّ ولا بالبرد كما كان عليٌّ ﵁ يلبس لباس الصَّيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف، وكان النبيُّ ﷺ دعا له أن يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد (١). فمن كان له قوَّةٌ على مثل هذه الأمور، فعمل بمقتضى قوَّته ولم يُضعفه عن طاعة الله، فلا حرج عليه، ومن كلَّفَ نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات، فإنَّه يُنكرَ عليه ذلك، وكان السلف يُنكرون على عبد الرحمن بن أبي نُعم، حيث كان يترك الأكلَ مدة حتى يُعاد من ضعفه. القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعمِّ الأغلب، وقد يخرِقُ العادة في ذلك لمن يشاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرًا، ويغني عنه كثيرًا من خلقه كالأدوّية بالنسبة إلى كثيرٍ من البلدان وسكان البوادي ونحوها. وقد اختلف العلماءُ: هل الأفضل لمن

стр. 1018

أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقَّق التوكل على الله؟ وفيه قولان مشهوران، وظاهر كلام أحمد أنَّ التوكلَ لمن قوي عليه أفضلُ، لِمَا صحَّ عن النبىِّ ﷺ أنه قال: "يَدخُلُ مِنْ أُمَّتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسترقون ولا يَكتوون وعلى ربِّهم يتوكَّلون" (١). ومن رجح التداوي قال: إنَّهُ حال النبيِّ ﷺ الذي كان يُداوم عليه، وهو لا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، وحمل الحديثَ على الرُّقى المكروهة التي يُخشى منها الشركُ بدليل أنه قرنها بالكي والطِّيرة وكلاهما مكروه (٢). ومنها ما يَخرِقُهُ لِقليلٍ من العامة، كحصول الرِّزق لمن ترك السعي في طلبه، فمن رزقه الله صدقَ يقين وتوكل، وعَلِمَ من الله أنه يَخرِقُ له العوائد، ولا يُحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له تركُ الأسباب، ولم يُنكر عليه ذلك، وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدلُّ على ذلك، ويدلُّ على

стр. 1019

أنَّ النَّاس إنما يُؤتون مِن قلَّة تحقيق التوكُّل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يُتعبون أنفسَهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلَّا ما قُدِّر لهم، فلو حَقَّقوا التوكُّلَ على الله بقلوبهم، لساقَ الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سببٍ، كما يسوقُ إلى الطَّير أرزاقها بمجرَّدِ الغدوِّ والرواح، وهو نوعُ من الطَّلب والسَّعي، لكنه سعىٌ يسيرٌ. وربما حُرِم الإِنسانُ رزقَهُ أو بعضَه بذنب يُصيبه، كما في حديث ثوبان، عن النبىِّ ﷺ ، قال: "إن العبدَ ليُحرَمُ الرِّزق بالذَّنب يُصيبه" (١). وفي حديث جابر، عن النبىِّ ﷺ : "إنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، خُذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُم" (٢). وقال عمر: بين العبد وبين رِزقه حِجاب، فإن قنع ورضيت نفسه، أتاه رزقُه، وإن اقتحم وهتك الحجاب، لم يزد فوقَ رزقه. وقال بعض السلف: توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب، ولا تَكَلُّف. قال سالم بن أبي الجعد: حُدِّثْتُ أن عيسى ﵇ كان يقول: اعملوا للهِ ولا تعملوا لبطونكم، وإيَّاكم وفضولَ الدُّنيا، فإنَّ فضولَ الدُّنيا عند الله رجز، هذه طَيرُ السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد الله يرزقها، فإن قلتُم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمير وغيرها تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيءٌ لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، خرَّجه ابن أبي الدُّنيا.

стр. 1020

وخرَّج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابدٌ يتعبد في غارٍ، فكان غرابٌ يأتيه كلَّ يوم برغيف يجد فيه طَعْمَ كلِّ شيءٍ حتى مات ذلك العابد. وعن سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقامَ إلياسُ هاربًا من قومه في جبل عشرين ليلة، -أو قال: أربعين- تأتيه الغربان برزقه. وقال سفيان الثوري: قرأ واصلٌ الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فقال: ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبُه في الأرض؟ فدخل خَرِبَةً، فمكث ثلاثًا لا يُصيب شيئًا، فلمَّا كان اليومُ الرابع، إذا هو بدَوخَلةٍ من رُطَبٍ، وكان له أخٌ أحسن نيةً منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتَّى فرق الموتُ بينهما. ومن هذا الباب من قَوِي توكُّله على الله ووثوقه به، فدخل المفاوزَ بغير زاد، فإنَّه يجوزُ لمن هذه صفته دونَ من لم يبلغ هذه المنزلة، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل ﵇، حيث ترك هاجرَ وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرعٍ، وترك عندهما جِرابًا فيه تمرٌ وسِقاءً فيه ماء، فلمَّا تبعته هاجر، وقالت له: إلى من تَدعنا؟ قال لها: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، فقد يَقذِفُ الله في قلوب بعض أوليائه من الإِلهام الحقِّ ما يعلمون أنه حقٌّ، ويثقون به. قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: أيّ شيءٍ صِدقُ التوكل على الله؟ قال: أن يتوكَّل على الله، ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيءٍ، فإذا كان كذا، كان الله يرزقه، وكان متوكِّلًا. قال: وذكرتُ لأبي عبد الله التوكُّل، فأجازه لمن استعملَ فيه الصِّدق. قال: وسألت أبا عبد الله عن رجلٍ جلس في بيته، ويقول: أجلِسُ وأصبر ولا أُطلع على ذلك أحدًا، وهو يقدِرُ أن يحترف، قال: لو خرَجَ فاحترفَ كان أحبَّ إليَّ، وإذا جلس خفت أن يُخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه بشيء. قلت: فإذا كان يبعث إليه بشيءٍ، فلا يأخذ؟ قال: هذا جيد.
следующие страницы →