← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (١): من تركها، فقد كفر. وقال عبد الله بنُ شقيق: كانَ أصحابُ رسول الله ﷺ لا يَرَونَ من الأعمال شيئًا تركه كفر غير الصلاة (٢). وقال أيوب السختياني: تركُ الصَّلاةِ كفرٌ، لا يُختَلَفُ فيه. وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السلف والخلف، وهو قولُ ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماعَ أهل العلم! وقال محمد بن نصر المروزي: هو قولُ جمهور أهل الحديث. وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإِسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه وهو قول ابن حبيبٍ من المالكية. وخرَّج الدَّارقطني وغيرُه من حديثِ أبي هريرة قال: قيل: يا رسولَ الله الحج في كلِّ عام؟ قال: "لو قلتُ: نعم، لوجب عليكم، ولو وجب عليكم، ما أطقتُموه، ولو تركتموه لكفرتُم" (٣).

стр. 142

وخرّج اللالكائي (١) من طريق مؤمَّل، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيد عن عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه قال: "عُرى الإسلام وقواعدُ الدِّين ثلاثةٌ، عليهن أُسِّسَ الإسلامُ: شهادةُ أن لا إله إلَّا الله، والصَّلاةُ، وصومُ رمضانَ. من ترك منهنَّ واحدةً، فهو بها كافرٌ، حلالُ الدَّمِ، وتجدُه كثير المال لم يحجَّ، فلا يزالُ بذلك كافرًا ولا يحلُّ دَمُهُ، وتجده كثيرَ المال فلا يزكِّي، فلا يزالُ بذلك كافرًا ولا يحلُّ دمه" ورواه قتيبة بنُ سعيدٍ عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيدُ بنُ زيد أخو حماد، عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: "من ترك منهنّ واحدةً، فهو باللهِ كافرٌ، ولا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حلَّ دمُه ومالهُ" ولم يذكر ما بعده. وقد رُويَ عن عمر ضربُ الجزية على من لم يحجَّ، وقال: ليسوا بمسلمين (٢). وعن ابن مسعود أن تارك الزَّكاة ليس بمسلم (٣)، وعن أحمد رواية: أن ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كفرٌ دونَ الصيام والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سَمَّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوبِ المحارم، وليس سواء، لأنَّ ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلالٍ معصيةٌ، وتركَ الفرائض من غير جهلٍ، ولا عذرٍ هو كفر. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهودِ الذين أقرُّوا بنَعتِ النَّبي ﷺ بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.

стр. 143

وقد استدلَّ أحمد وإسحاق على كفرِ تاركِ الصَّلاةِ بكفر إبليسَ بترك السجودِ لآدمَ، وتركُ السُّجود لله أعظم. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إذا قرأ ابنُ آدم السَّجدةَ فسجدَ، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلي أُمِرَ ابنُ آدْمَ بالسُّجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (١). واعلم أن هذه الدعائم الخمسَ بعضُها مرتبطُ ببعض، وقد روي أنه لا يُقبل بعضُها بدون بعض كما في "مسند الإمام أحمد" (٢) عن زياد بن نُعيم الحضرمي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاثٍ لم يُغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهنّ جميعًا: الصَّلاةُ، والزكاةُ، وصومُ رمضان، وحَجُّ البيتِ" وهذا مرسل، وقد روي عن زياد عن عُمارةَ بن حزم عن النبيّ ﷺ (٣). ورُوي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدِّين خمسٌ لا يقبلُ الله منهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وإيمانٌ بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه، وبالجنة والنار، والحياةِ بعدَ الموتِ هذه واحدة، والصلواتُ الخمسُ عمود الدين لا يقبلُ الله الإيمان إلَّا بالصلاة، والزكاةُ طهور من الذنوب، ولا يقبلُ الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء، ثم جاء رمضان فترك صيامَه متعمدًا،

стр. 144

لم يقبل الله منه الإيمانَ، ولا الصلاةَ، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسَّر له الحجّ، فلم يحجّ، ولم يُوص بحجة، ولم يحجَّ عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها" ذكره ابن أبي حاتم (١)، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر يُحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني. قلت: الظاهر أنَّه من تفسيرِهِ لحديث ابن عمرَ، وعطاءٌ من جلَّةِ عُلَماءِ الشَّام. وقال ابنُ مسعود: من لم يزكِّ، فلا صلاةَ له. ونفيُ القبولِ هنا لا يُراد به نفيُ الصِّحَّةِ، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يُراد بذلك انتفاء الرِّضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملإ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن قام ببعضها دُونَ بعضٍ، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَبُ على ما أتى به منها عقوبةَ تاركه، بل تَبرَأَ به ذمته، وقد يُثابُ عليه أيضًا. ومن هنا يُعلَمُ أن ارتكابَ بعضِ المحرماتِ التي ينقص بها الإيمانُ تكونُ مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي ﷺ : "مَنْ شرِبَ الخمرَ لم يقبل الله له صلاة أربعين يومًا" (٢)، وقال: "مَنْ أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقولُ، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا" (٣)، وقال: "أيما عبدٍ أبقَ من مواليه، لم تُقبَلْ له صلاةٌ" (٤).

стр. 145

وحديثُ ابن عمر يستدلُّ به على أن الاسمَ إذا شمل أشياءَ متعدِّدةً، لم يَلزم زوال الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قولُ من قال: إنَّ الإِيمانَ لو دخلت فيه الأعمال، للزم أن يزولَ بزوالِ عمل مما دخل في مسمَّاه، فإنَّ النبيَّ ﷺ جعل هذه الخمسَ دعائمَ الإِسلام ومبانيه، وفسر بها الإِسلام في حديث جبريل، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًا سأل النبيَّ ﷺ عن الإِسلام، ففسره له بهذه الخمس (١). ومع هذا فالمخالفون في الإِيمان يقولون: لو زال من الإِسلام خَصلةٌ واحدةٌ، أو أربع خصالٍ سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك من الإِسلام. وقد روى بعضهم أن جبريلَ ﵇ سأَل النبيّ ﷺ عن شرائع الإِسلام، لا عن الإِسلام، وهذه اللفظة لم تصحَّ عندَ أئمَّة الحديثِ ونُقَّاده، منهم أبو زُرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العُقيلي وغيرُهم. وقد ضرب العلماءُ مثل الإِيمان بمثلِ شجرة لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ، فاسمُ الشجرةِ يَشمَلُ ذلك كلَّه، ولو زال شيءٌ من شُعَبها وفروعها، لم يزُل عنها اسمُ الشجرة، وإنَّما يُقال: هي شجرة ناقصةٌ، أو غيرُها أتمُّ منها. وقد ضربَ الله مثلَ الإِيمان بذلك في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]. والمرَاد بالكلمة كلمةُ التَّوحيد، وبأصلها التَّوحيد الثَّابت في القلوب، وأُكُلها: هو الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبيُّ ﷺ مثل المؤمن والمسلمِ بالنَّخلة (٢)، ولو زال شيءٌ من فروع

стр. 146

النخلة، أو من ثمرها، لم يزل بذلَك عنها اسمُ النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصةَ الفروع أو الثَّمر. ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهادَ أفضلُ الأعمال، وفي رواية: أن ابنَ عمر قيل له: فالجهاد؟ قال: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدَّثنا رسول اللهِ ﷺ . خرَّجه الإِمام أحمد. وفي حديث معاذ بن جبل: "إنَّ رأسَ الأمرِ الإِسلامُ، وعمودهُ الصَّلاةُ، وذِروةُ سنامه الجهاد" وذروةُ سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بُني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهادَ فرضُ كفاية عند جمهورِ العلماء، ليس بفرضِ عينٍ، بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يَستمِرُّ فعلُه إلى آخر الدَّهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يبقَ حينئذٍ ملة غير ملةِ الإِسلام، فحينئذٍ تضعُ الحربُ أوزارَها، ويُستغنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنَّها واجبةٌ على المؤمنين إلى أن يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك، والله أعلم.

стр. 147

الحديث الرابع عَنْ عبدِ اللهِ بن مَسعودٍ ﵁ قالَ: حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهُوَ الصَّادِقُ المَصدوقُ: "إنَّ أحَدكُم يُجْمَعُ خَلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ أربعِينَ يَومًا نطفة، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ يَكونُ مُضغةً مِثلَ ذلكَ، ثمَّ يُرسَلُ الله إليه المَلَك، فيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأربَعِ كلِماتٍ: بِكَتْب رِزقه وعمله وأجَلِه، وشقيٌّ أو سَعيدٌ، فوالَّذي لا إله غيره إنَّ أحدكُم ليَعْمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبَينها إلَّا ذِراعٌ، فيَسبقُ عليهِ الكِتابُ فيَعمَلُ بعمَلِ أهل النَّارِ فيدخُلها، وإنَّ أحدكم ليَعمَلُ بعملِ أَهل النَّارِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبينَها إلَّا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ، فيعمَلُ بعملَ أهل الجنَّةِ فيدخُلُها" رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود، ومن طريقه خرَّجه الشيخان في "صحيحيهما". وقد رُوي عن محمد بن يزيد الأسفاطي، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ فيما يرى النائم، فقلتُ: يا رسول الله، حديث ابن مسعود الذي حدَّث عنك، فقال: حدثنا رسولُ الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق. فقال ﷺ : "والذي لا إله إلا هو حدَّثته به أنا" يقولها ثلاثًا، ثم قال: غفر الله للأعمش كما حدَّث به، وغفر الله

стр. 148

لمن حدَّث به قبلَ الأعمش، ولمن حدَّث به بعده (١). وقد روي عن ابن مسعودٍ من وجوهٍ أخر. فقوله ﷺ : "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً" قد روي تفسيرُه عن ابن مسعود؛ روى الأعمش عن خيثمَة، عن ابن مسعودٍ، قال: إن النطفَة إذا وقعت في الرحم، طارت في كلِّ شعرٍ وظُفر، فتَمكثُ أربعين يومًا، ثم تنحدِرُ في الرَّحم، فتكونُ علقةً. قال: فذلك جمعُها. خرَّجه ابن أبي حاتم وغيره (٢). وروي تفسير الجمع مرفوعًا بمعنى آخر، فخرَّج الطبراني وابنُ منده في كتاب "التَّوحيد" من حديث مالك بن الحويرث أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى إذا أرادَ خلقَ عبدٍ، فجامعَ الرَّجُلُ المرأةَ، طار ماؤهُ في كلِّ عرقٍ وعضوٍ منها، فإذا كانَ يومُ السابع جمعه الله، ثم أحضره كلّ عرق له دونَ آدم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " وقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما (٣).

стр. 149

وخرَّج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتم، والطبراني من رواية مُطَهَّرِ بن الهيثم، عن موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه، عن جدّه أن النَّبيَّ ﷺ قال لجدّه: "يا فلان، ما وُلِدَ لك؟ " قال: يا رسول الله، وما عسى أن يُولَدَ لي؟ إمَّا غلامٌ وإمَّا جاريةٌ، قال: "فمن يشبهُ؟ " قال: من عسى أن يُشبه؟ يشبه أمه أو أباه، قال: فقال النبي ﷺ : "لا تقولن كذا. إن النطفة إذا استقرت في الرحم، أحضرها الله كلّ نسب بينها وبين آدم، أَمَا قرأت هذه الآية: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، قال: سلكك" وهذا إسناد ضعيف (١). ومطهر بن الهيثم ضعيف جدًّا. وقال البخاري: هو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن موسى بن عُلي عن أبيه أن أباه لم يُسلم إلا في عهد أبي بكر الصدّيق يعني: أنه لا صحبة له. ويشهد لهذا المعنى قولُ النَّبي ﷺ للذي قال له: وَلَدتِ امرأتي غُلامًا أسودَ: "لعله نزعه عرق" (٢). وقوله: "ثم يكون علقةً مثل ذلك" يعني: أربعين يومًا، والعلقة: قطعةٌ من دم. "ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك" يعني: أربعين يومًا. والمضغة: قطعة من لحم. "ثمَّ يُرسلُ الله إليه المَلَك، فينفخ فيه الرُّوحَ، ويؤمر بأربع كلمات: بكتبِ رزقِه وعملهِ وأجلهِ وشقيّ أو سعيد". فهذا الحديث يدلُّ على أنه يتقلب في مئة وعشرين يومًا، في ثلاثة أطوار، في كلّ أربعين منها يكون في طَوْرٍ، فيكون في الأربعين الأولى نطفةً، ثم في

стр. 150

الأربعين الثانية علقةً، ثم في الأربعين الثالثة مضغةً، ثم بعد المئة وعشرين يومًا ينفخ المَلَكُ فيه الرُّوحَ، ويكتب له هذه الأربع كلمات. وقد ذكر الله في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥]. وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النُّطفة والعلقةَ والمضغة في مواضع متعددةٍ من القرآن، وفي موضع آخر ذكر زيادةً عليها، فقال في سورة المؤمنين [١٢ - ١٤]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. فهذه سبعُ تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدمَ قبل نفخ الروح فيه. وكان ابنُ عباس يقول: خُلِقَ ابنُ آدمَ مِنْ سبع، ثم يتلو هذه الآية. وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم قال: فهل يخلق أحد حتَّى تجري فيه هذه الصفة؟. وفي رواية عنه قال: فهل تموت نفس حتَّى تمر على هذا الخلق؟ (١). ورُوي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إليَّ عمر وعلي والزبير وسعد في نفر مِنْ أصحابِ رسول الله ﷺ ، فتذاكَروا العزلَ، فقالوا: لا بأس به، فقال رجلٌ: إنَّهم يزعمون أنَّها الموؤودةُ الصُّغرى، فقال علي: لا تكون موؤودةً حتَّى تمرَّ على التَّارات السَّبع: تكون سُلالةً من طين، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم تكونُ علقةً، ثم تكون مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ، أطالَ الله بقاءك. رواه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (٢).

стр. 151

وقد رخص طائفةٌ مِنَ الفقهاء للمرأةِ في إسقاط ما في بطنها ما لم يُنفخ فيه الرُّوحُ، وجعلوه كالعزلِ، وهو قولٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الجنين ولدٌ انعقدَ، وربما تصوَّر، وفي العزل لم يُوجَدْ ولدٌ بالكُلِّيَّةِ، وإنَّما تسبَّب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقادُه بالعزل إذا أراد الله خلقه، كما قال النبيُّ ﷺ لمَّا سُئِلَ عن العزل: "لا عليكم أنْ لا تَعزِلُوا، إنَّه ليس مِن نفس منفوسة إلَّا الله خالقُها" (١). وقد صرَّح أصحابنا بأنَّه إذا صار الولدُ علقةً، لم يجُز للمرأة إسقاطُه؛ لأنَّه ولدٌ انعقدَ، بخلاف النُّطفة، فإنَّها لم تنعقد بعدُ، وقد لا تنعقدُ ولدًا. وقد ورد في بعض روايات حديث ابن مسعودٍ ذكرُ العظامِ، وأنَّه يكونُ عظمًا أربعين يومًا، فخرَّج الإِمام أحمد من رواية على بن زيدٍ سمعت أبا عبيدةَ يحدِّثُ قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ النُّطفةَ تكونُ في الرَّحمٍ أربعينَ يومًا على حالها لا تغيَّر، فإذا مضتِ الأربعونَ، صارت علقةً، ثمَّ مضغةً كذلك، ثم عظامًا كذلك، فإذا أراد الله أن يسوِّي خلقَه، بعث الله إليها ملكًا"، وذكر بقية الحديث (٢). ويُروى من حديث عاصم، عن أبي وائل عن ابن مسعودٍ عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ النطفةَ إذا استقرَّت في الرَّحمِ، تكونُ أربعينَ ليلةً، ثم تكونُ علقةً أربعينَ ليلةً، ثم تكونُ عِظامًا أربعين ليلةً، ثم يكسو الله العظامَ لحمًا" (٣). ورواية الإِمام أحمد تدلُّ على أن الجنين لا يُكسى اللَّحمَ إلَّا بعد مئةٍ وستِّين

стр. 152

يومًا، وهذه غلطٌ بلا ريبَ، فإنَّه بعد مئة وعشرينَ يومًا يُنفخُ فيه الرُّوحُ بلا ريب كما سيأتي ذكره، وعلي بنُ زيدٍ: هو ابنُ جدعان، لا يحتجّ به. وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيدٍ ما يدلّ على خلقِ اللّحمِ والعِظام في أوَّلِ الأربعين الثَّانية، ففي "صحيح مسلم" (١) عن حُذيفة بن أسيدٍ عن النَّبي ﷺ قال: "إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ الله إليها ملَكًا، فصوَّرها وخلق سمعها وبصرَها وجِلدَها ولحمَها وعِظامَها، ثم قال: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ فيَقضي ربُّك ما شاءَ، ويكتُب المَلَكُ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ أجلُه؟ فيقول ربُّك ما شاءَ، ويكتبُ الملَكُ، ثم يقول: يا ربِّ، رزقُه؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتُبُ الملَكُ، ثم يخرُجُ الملكُ بالصَّحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمِرَ ولا ينقُصُ". وظاهر هذا الحديث يدلُّ على أن تصويرَ الجنين وخلقَ سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أوَّل الأربعين الثانية، فيلزمُ من ذلك أنه يكون في الأربعين الثانية لحمًا وعظامًا. وقد تأوَّل بعضهم ذلك على أن المَلَك يقسِمُ النُّطفةَ إذا صارت علقةً إلى أجزاء، فيجعلُ بعضَها للجلد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدِّر ذلك كلَّه قبل وجوده. وهذا خلافُ ظاهر الحديث، بل ظاهرُه أنَّه يصوِّرها ويخلُق هذه الأجزاء كلها، وقد يكونُ خلقُ ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وُجودِ اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجِنَّةِ دُونَ بعض. وحديث مالكِ بن الحويرث المتقدِّم يدلُّ على أن التَّصويرَ يكونُ للنُّطفة أيضًا في اليوم السابع، وقد قال الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وفسَّرَ طائفةٌ مِنَ السَّلَف أمشاجَ النُّطفةِ بالعُروقِ الَّتي فيها. قال ابن مسعود: أمشاجها: عروقها (٢).

стр. 153

وقد ذكر علماء أهل الطبِّ ما يُوافق ذلك، وقالوا: إنَّ المنيَّ إذا وقعَ في الرحم، حصل له زَبَديَّةٌ ورغوةٌ ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعة، وفي هذه الأيام تصوَّرُ النطفةُ مِنْ غير استمداد من الرحم، ثم بعدَ ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدَّم يومًا ويتأخَّر يومًا، ثم بعدَ ستة أيام - وهو الخامس عشر من وقت العلوق - ينفُذُ الدم إلى الجميع فيصير علقة، ثم تتميَّز الأعضاءُ تميزًا ظاهرًا، ويتنحَّى بعضُها عن مُماسَّةِ بعضٍ، وتمتدُّ رطوبةُ النُّخاع، ثم بعد تسعةِ أيام ينفصلُ الرأسُ عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزًا يتبين في بعض، ويخفى في بعضٍ. قالوا: وأقلّ مدَّة يتصوَّر الذكر فيها ثلاثون يومًا، والزمان المعتدل في تصوُّرِ الجنين خمسة وثلاثون يومًا، وقد يتصوَّر في خمسة وأربعين يومًا. قالوا: ولم وجد في الأَسقاط ذَكَرٌ تَمَّ قبل ثلاثين يومًا، ولا أنثى قبل أربعين يومًا، فهذا يوافق ما دلَّ عليه حديثُ حذيفةَ بن أسيدٍ في التخليق في الأربعين الثانية، ومصيره لحمًا فيها أيضًا. وقد حَمل بعضُهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلِبُ عليه في الأربعين الأولى وصفُ المنيّ، وفي الأربعين الثانية وصفُ العلقة، وفي الأربعين الثالثة وصفُ المضغة، وإن كانت خلقته قد تمَّت وتمَّ تصويرُهُ، وليس في حديث ابن مسعود ذكرُ وقتِ تصوير الجنين (١). وقد روي عن ابن مسعود نفسِه ما يدلُّ على أن تصويره قد يقعُ قبل الأربعين

стр. 154

الثالثة أيضًا، فروى الشَّعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال: النُّطفة إذا استقرَّتْ في الرَّحم جاءها ملَكٌ فأخذها بكفه، فقال: أي ربِّ، مخلَّقة أم غير مخلّقة؟ فإن قيل: غير مخلَّقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإن قيل: مخلقة، قال: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد، ما الأجل وما الأثرُ، وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟ قال: فيُقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتُخْلَق، فتعيش في أجلها وتأكل رزقها، وتطأ في أثرها، حتَّى إذا جاء أجلُها، ماتت، فدفنت في ذلك، ثم تلا الشَّعبي هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]. فإذا بلغت مضغة، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة، قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست نسمة. خرَّجه ابن أبي حاتم وغيره (١). وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أنْ لا تصويرَ قبل ثمانين يومًا، فروى السُّدِّيُّ عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، قال: إذا وقعتِ النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ مضغةً أَربعين يومًا، فإذا بلغ أن تُخلَّق، بعث الله ملكًا يصوّرها، فيأتي الملَكُ بترابٍ بين أصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّرها كما يؤمر فيقول: أذكرٌ أو أنثى؟ أشقيّ أو سعيد؟ وما رزقه، وما عمره، وما أثره وما مصائبه؟ فيقول الله ﵎، ويكتب المَلَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفِنَ حيثُ

стр. 155

أخذ ذلك التراب، خرَّجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١)، ولكن السدي مختلف في أمره، وكان الإِمام أحمد ينكر عليه جمعهُ الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد، كما كان هو وغيرُه يُنكرون على الواقدي جمعه الأسانيدَ المتعددة للحديثِ الواحد. وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأوَّلوا حديثَ ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا: أقلُّ ما يتبيَّن خلق الولد أحد وثمانون يومًا، لأنه لا يكون مُضغةً إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغةً. وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعي بناءً على هذا الأصل: إنَّه لا تنقضي العدّةُ، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلَّقة، وأقلُّ ما يمكن أن يتخلق ويتصوَّر في أحد وثمانين يومًا. وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلقُ، فإن كانت المضغةُ غيرَ مخلقة، فهل تنقضي بها العدّة، وتصيرُ أمُّ الولد بها مستولدةً؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفيًا لا يعرفه إلا أهل الخبرة مِنَ النِّساء، فشهِدْن بذلك، قُبلَت شهادتُهنَّ، ولا فرق بين أن يكونَ بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء، ونصَّ على ذلك الإِمام أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه.

стр. 156

قال الشَّعبي: إذا نُكِسَ في الخلق الرابع، كان مخلقًا، انقضت به العدة، وعَتَقَتْ به الأمةُ إذا كان لأربعة أشهر، وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أمُّ الولدِ، فإنْ كان خِلقة تامة، عَتَقَت، وانقضت به العدةُ إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه، وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقُه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمةً، ونقل عنه جماعة أيضًا في العلقة إذا تبيَّن أنَّها ولدٌ أن الأمةَ تُعتق بها، وهو قولُ النخعي، وحكي قولًا للشافعي، ومِنْ أصحابِنا من طرَّدَ هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدَّة به أيضًا. وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنه يمكن التَّخليق في العلقة كما قد يستدلّ على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدِّم إلا أن يقال: حديث حذيفة إنَّما يدلُّ على أنَّه يتخلَّق إذا صار لحمًا وعظمًا، وإنَّ ذلك قد يقع في الأربعين الثانية، لا في حالِ كونهِ علقةً، وفي ذلك نظر، والله أعلم. وما ذكره الأطباء يدلُّ على أن العلقة تتخلق وتتخطَّط، وكذلك القوابِل مِنَ النِّسوة يشهدن بذلك، وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضًا، والله تعالى أعلم. وبقي في حديث ابن مسعود أن بعدَ مصيره مضغةً أنَّه يُبعث إليه الملَكُ، فيكتب الكلمات الأربعَ، ويَنفُخُ فيه الروحَ، وذلك كلُّه بعد مئة وعشرين يومًا. واختلفت ألفاظُ روايات هذا الحديثِ في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي رواية البخاري في "صحيحه": "ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ، ثم ينفخ فيه الروح" ففي هذه الرواية تصريحٌ بتأخُّر نفخ الرُّوح عن الكتابة، وفي رواية خرّجها البيهقي في كتاب "القدر" (١): "ثم يُبعث الملكُ، فينفخ فيه الروحَ، ثم يُؤْمرُ بأربع كلمات"، وهذه الرواية تصرِّحُ بتقدم النفخ على الكتابة، فإما أن يكون

стр. 157

هذا مِنْ تصرُّف الرُّواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإمَّا أن يكون المرادُ ترتيب الإِخبار فقط، لا ترتيبَ ما أخبر به. وبكل حالٍ، فحديثُ ابن مسعود يدلُّ على تأخُّرِ نفخِ الرُّوح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتَّى تتمَّ الأربعون الثالثة. فأمَّا نفخُ الرُّوح، فقد روي صريحًا عن الصَّحابة أنه إنَّما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهرٍ، كما دلّ عليه ظاهرُ حديث ابن مسعود. فروى زيدُ بنُ عليٍّ عن أبيه عن عليٍّ، قال: إذا تمَّتِ النُّطفة أربعة أشهر بُعِثَ إليها مَلَكٌ، فَنَفَخَ فيها الروح في الظُّلمات، فذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، خرَّجه ابن أبي حاتم، وهو إسناد منقطع (١). وخرَّج اللَّالكائي بإسنادهِ عن ابن عباس، قال: إذا وقعت النطفةُ في الرَّحم، مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم نفخ فيها الروح، ثم مكثَت أربعينَ ليلةً، ثم بُعِثَ إليها ملكٌ، فنقفها في نُقرة القفا، وكتب شقيًا أو سعيدًا (٢)، وفي إسناده نظر، وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام. وبنى الإِمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديثِ ابن مسعود، وأنَّ الطفل يُنفخ فيه الرُّوح بعد الأربعة أشهر، وأنَّه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر، صُلِّي عليه؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات. وحكي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق، ونقل غيرُ واحدٍ عن أحمد أنه قال: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلَّى عليه. وقال في رواية أبي الحارث عنه: تكون النَّسمةُ نطفةً أربعين ليلةً، وعلقةً

стр. 158

أربعين ليلةً، ومُضغةً أربعين ليلةً، ثم تكونُ عظمًا ولحمًا، فإذا تمَّ أربعة أشهر وعشرًا، نفخ فيه الروح. فظاهر هذه الرواية أنَّه لا ينفخ فيه الرُّوح إِلَّا بعد تمام أربعةِ أشهر وعشر، كما رُوي عن ابن عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد إنَّما تدلُّ على أنَّه يُنفخ فيه الرُّوح في مدَّة العشر بعد تمام الأربعة، وهذا هو المعروف عنه، وكذا قال ابن المسيب لمَّا سُئِلَ عن عِدَّةِ الوفاة حيث جعلت أربعة أشهر وعشرًا: ما بال العشر؟ قال: ينفخ فيها الروح (١). وأما أهل الطب، فذكروا أن الجنين إن تصوَّر في خمسة وثلاثين يومًا، تحرَّك في سبعين يومًا، وولد في مئتين وعشرة أيام، وذلك سبعةُ أشهر، وربَّما تقدَّم أيامًا، وتأخر في التصوير والولادة، وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يومًا، تحرَّك في تسعين يومًا، ووُلد في مئتين وسبعين يومًا، وذلك تسعةُ أشهرٍ، والله أعلم. وأما كتابة الملك، فحديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّها تكونُ بعد الأربعة أشهر أيضًا على ما سبق، وفي "الصحيحين" عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "وكَّلَ الله بالرَّحِم مَلَكًا يقول: أي ربِّ نطفة، أي ربِّ علقة، أي ربِّ مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا، قال: يا ربِّ أذكر أم أنثى، أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزقُ؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" وظاهر هذا يُوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدلُّ على أن الكتابة تكون في أوَّل الأربعين الثانية، وخرَّجه مسلم أيضًا بلفظٍ آخر من حديث حُذيفة بن أسيد يَبلُغُ به النَّبيَّ ﷺ قال: "يدخلُ المَلَكُ على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحمِ بأربعين أو خمسة وأربعين ليلةً، فيقول: يا ربّ أشقيٌّ أو

стр. 159

سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربِّ أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تُطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص". وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "إن النطفة تَقَعُ في الرَّحِم أربعين ليلة ثم يتسوَّرُ عليها الملك فيقول: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ " وذكر الحديثَ. وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "لبضع وأربعين ليلة". وفي "مسند" الإِمام أحمد (١) من حديث جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا استقرَّتِ النطفةُ في الرَّحم أربعين يومًا، أو أربعين ليلةً بُعِثَ إليها ملكٌ، فيقول: يا ربِّ، شقيٌّ أو سعيد؟ فيعلم". وقد سبق ما رواه الشَّعبيُّ عن علقمة، عن ابن مسعودٍ من قوله، وظاهره يدلُّ على أن المَلَكَ يُبعثُ إليه وهو نطفة، وقد رُوي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: "إنَّ الله تُعرَضُ عليه كلَّ يومٍ أعمالُ بني آدم، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، ثمَّ يُؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وهو قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] الآية، ويُؤْتى بالأرزاق، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، وتسبحه الملائكةُ ثلاث ساعاتٍ، قال: فهذا مِنْ شأنِكم وشأنِ ربِّكم" ولكن ليس في هذا توقيتُ ما يُنظر فيه مِنَ الأرحام بمدّة. وقد رُوي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية؛ فخرج اللالكائي بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إذا مكثتِ النطفة في رحِم المرأة أربعين ليلةً، جاءها مَلَكٌ، فاختلَجَها، ثم عرجَ بها إلى الرَّحمن ، فيقول: اخلُق يا أحسنَ الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاءُ

стр. 160

مِنْ أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول: يا ربّ أسَقْطٌ أم تام؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربّ أناقصُ الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ويقول: يا ربِّ أواحد أم توأم؟ فيبين له، فيقول: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربِّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا ربّ اقطع له رزقه، فيقطع له رزقه مع أجله، فيهبط بهما جميعًا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدُّنيا إلا ما قسم له (١). وخرَّج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر، قال: إن المني يمكثُ في الرَّحم أربعينَ ليلةً، فيأتيه مَلَكُ النُّفوس، فيعرج به إلى الجبَّار ، فيقول: يا ربّ أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاضٍ، ثم يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين يديه، ثم تلا أبو ذرّ من فاتحة سورة التغابن إلى قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣] (٢). وهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيدٍ. وقد تقدم عن ابن عباس أن كتابة الملَكِ تكونُ بعدَ نفخِ الروح بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر. وقد جمع بعضُهم بين هذه الأحاديث والآثار، وبينَ حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرَّتين، وقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم - أنها مرّة واحدة، ولعلَّ ذلك يختلف باختلاف الأجنَّة، فبعضهم يُكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة.

стр. 161

وقد يقال: إن لفظة "ثم" في حديث ابن مسعود إنَّما أريد به ترتيب الإِخبار، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه، والله أعلم. ومن المتأخرين من رجَّح أن الكتابة تكونُ في أوَّل الأربعين الثانية، كما دلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد، وقال: إِنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذكرت بلفظ "ثم" لئلا ينقطع ذكرُ الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه: نطفة وعلقة ومضغة، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجبُ وأحسنُ، فلذلك أخر المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدمًا على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، والمراد بالإِنسان: آدم ﵇، ومعلومٌ أن تسويته، ونفخ الرُّوح فيه، كان قبل جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهين، لكن لما كان المقصود ذكر قدرة الله في مبدأ خلق آدم وخلق نسله، عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخَّر ذكرَ تسوية آدم ونفخ الرُّوح فيه، وإن كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله، والله أعلم. وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي "مسند البزار" عن ابن عمر ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا خلَقَ الله النسمةَ، قال مَلَكُ الأرحام: أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ قال: فيقْضِي الله إليه أمره، ثم يقول: أي ربِّ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب بَيْنَ عينيه ما هو لاقٍ حتَّى النَّكبة يُنكَبُها" (١). وقد رُوي موقوفًا على ابن عمر غيرَ مرفوع، وحديثُ حذيفةَ بن أسيد المتقدم صريحٌ في أن الملك يكتبُ ذلك في صحيفةٍ، ولعلَّه يكتب في صحيفة، ويكتب بين عيني الولد.

стр. 162

وقد روي أنه يقترِنُ بهذه الكتابة أنه يُخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة به، فرُوي عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله إذا أراد أن يَخلُق الخلق، بعث مَلَكًا، فدخلَ الرَّحِمَ، فيقول: أي ربِّ، ماذا؟ فيقول: غلامٌ أو جاريةٌ أو ما شاء الله أن يخلُقَ في الرحم، فيقول: أي ربِّ، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقول ما شاء، فيقول: يا رب ما أجلُه؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما خلقه؟ ما خلائِقُه؟ فيقول: كذا وكذا، فما مِنْ شيءٍ إلا وهو يُخلَقُ معه في الرحم" خرَّجه أبو داود في كتاب "القدر" والبزار في "مسنده" (١). وبكل حال، فهذه الكتابةُ التي تُكتب للجنين في بطن أمِّه غيرُ كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائقِ المذكورة في قولهِ تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، كما في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الله قدَّر مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يَخلُقَ السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (٢). وفي حديث عُبادة بن الصَّامت عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أوَّل ما خَلَق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ" (٣). وقد سبق ذكرُ ما رُوي عن ابن مسعودٍ ﵁ أن الملَكَ إذا سأَل عن حالِ النُّطفة، أُمِر أن يذهبَ إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنَّكَ تجِدُ فيه قصَّةَ هذه النُّطفة، وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابق، بالسَّعادة والشقاوة،

стр. 163

ففي "الصحيحين" عن عليّ بن أبي طالب عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "ما مِنْ نفسٍ منفوسةٍ إلَّا وقد كتب الله مكانَها من الجنَّة أو النَّار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسولَ الله، أفلا نمكُثُ على كتابنا، وندعُ العمل؟ فقال: "اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لِما خُلِقَ له، أمَّا أهلُ السَّعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشَّقاوة"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتين [الليل: ٥] (١). ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأن كلًّا ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة أو الشقاوة. وفي "الصحيحين" عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّارِ؟ قال: "نَعَمْ"، قال: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: "كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له" (٢). وقد روي هذا المعنى عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال. وقد قيل: إن قوله في آخر الحديث "فوالله الَّذي لا إله غيره، إنَّ أحدَكم ليَعمَلُ بعملِ أهل الجنَّة" إلى آخر الحديث مُدرَجٌ من كلام ابن مسعود، كذلك رواه سلمة بنُ كهيلٍ، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعودٍ من قوله (٣)، وقد رُوي هذا المعنى عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعددة أيضًا.

стр. 164

وفي "صحيح البخاري" (١) عن سهلِ بن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّما الأعمال بالخواتيم". وفي "صحيح ابن حبان" (٢) عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّما الأعمال بالخواتيم". وفيه (٣) أيضًا عن معاوية قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول: "إنَّما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء، فإذا طابَ أعلاه، طاب أسفَلُه، وإذا خَبُثَ أعلاه، خَبُثَ أسفلُه". وفي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُل ليعمل الزمانَ الطويلَ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، ثم يُختم له عملُه بعمل أهل النَّار، وإن الرجلَ ليعملُ الزمانَ الطويلَ بعمل أهل النَّارِ، ثم يُختم له عمله بعملِ أهل الجنَّةِ". وخرَّج الإِمام أحمد من حديث أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا عَلَيكُم أنْ لا تَعْجَبوا بأحدٍ حتَّى تنظروا بم يُختم له، فإن العاملَ يعملُ زمانًا من عمره، أو بُرهة من دهره بعملٍ صالحٍ لو مات عليه، دخل الجنةَ، ثم يتحوَّلُ، فيعملُ عملًا سيِّئًا، وإن العبدَ ليعمل البُرهة من دهره بعملٍ سيِّئٍ، لو مات عليه، دخلَ النارَ، ثم يتحوَّل فيعملُ عملًا صالحًا" (٥). وخرَّج أيضًا من حديث عائشة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الرجل ليعملُ بعملِ أهل الجنَّة، وهو مكتوبٌ في الكتابِ من أهل النَّار، فإذا كان قبل موته تحوَّل، فعمِلَ بعمل أهل النَّار، فمات، فدخل النَّار، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهل

стр. 165

النَّار، وإنه لمكتوبٌ في الكتاب من أهل الجنَّة، فإذا كان قَبْلَ موته تحوَّل، فعمل بعمل أهل الجنَّة، فمات فدخلها" (١). وخرَّج أحمد، والنسائيُّ، والترمذيُّ من حديثِ عبد الله بن عمرٍو قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ وفي يده كتابانِ، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " فقلنا: لا يا رسول الله، إلَّا أن تُخْبِرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتابٌ مِنْ ربِّ العالمين، فيه أسماءُ أهَلِ الجنَّةِ، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنقصُ منهم أبدًا"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من ربِّ العالمين فيه أسماء أهل النَّار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا"، فقال أصحابُه: ففيم العملُ يا رسولَ الله إن كان أمرًا قد فُرِغَ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا وقاربوا، فإنَّ صاحب الجنَّة يُختم له بعمل أهل الجنَّة، وإن عمل أيَّ عملٍ، وإن صاحب النَّار يُختم له بعملِ أهل النَّار، وإن عمل أيَّ عملٍ"، ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: "فَرغَ ربُّكم مِنَ العباد: فريقٌ في الجنَّة، وفريقٌ في السَّعير" (٢). وقد روي هذا الحديثُ عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعددة، وخرَّجه الطبراني (٣) من حديث علي بن أبي طالب عن النَّبيِّ ﷺ ، وزاد فيه: "صاحب الجنَّة مختوم له بعمل أهل الجنَّة، وصاحبُ النَّار مختومٌ له بعمل أهل النَّار وإن عمل أيَّ

стр. 166

عمل، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء حتَّى يقالَ: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتُدركهم السعادة فتستنقذُهم، وقد يسلك بأهل الشقاءِ طريق أهل السعادة حتَّى يقالَ: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويُدركهم الشقاء، من كتبه الله سعيدًا في أمِّ الكتاب لم يُخرجه من الدُّنيا حتَّى يستعمِلَه بعملٍ يُسعِدُه قبلَ موته ولو بفَواقِ ناقة، ثم قال: الأعمال بخواتيمها، الأعمالُ بخواتيمها". وخرَّجه البزار في "مسنده" (١) بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ . وفي "الصحيحين" عن سهل بن سعد أن النبيَّ ﷺ التقى هو والمشركون وفي أصحابه رجلٌ لا يدع شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتبعها يَضرِبُها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلانٌ، فقال رسول الله ﷺ : "هو من أهل النَّار"، فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبُه، فاتَّبعه، فجُرِحَ الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجلَ الموت، فوضعَ نصلَ سيفه على الأرض وذُبابَه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرَّجلُ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أنك رسولُ الله، وقصَّ عليه القصةَ، فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليعمل عملَ أهل الجنَّةِ فيما يبدو للنَّاس وهو من أهل النَّار، وإنَّ الرجل ليعمل عملَ أهل النَّار فيما يبدو للنَّاس، وهو من أهل الجنَّة" زاد البخاري في رواية له: "إنَّما الأعمال بالخواتيم" (٢). وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك، وأن خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها النَّاس، إما من جهة

стр. 167

عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرَّجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره، فتوجب له حسنَ الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلَّا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألتُ عنه، فإذا هو مدمنُ خمرٍ. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذُّنوب، فإنَّها هي التي أوقعته. وفي الجملة: فالخواتيمُ ميراثُ السوابق، وكلُّ ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدُّ خوف السلف من سُوءِ الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقرَّبين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا. وبكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله تعالى قبضَ خلقه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنَّة، وهؤلاء في النَّار"، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنت؟ (١). وقال بعض السلف: ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاكَ قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبدًا. وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أمِّ الكتاب شقيًا، (٢) ويبكي ويقول: أخافُ أن أُسلبَ الإِيمانَ عند الموت.

стр. 168

وكان مالك بنُ دينار يقومُ طُولَ ليلهِ قابضًا على لحيته، ويقول: يا ربِّ، قد علمتَ ساكنَ الجنَّة من ساكن النَّار، ففي أيِّ الدَّارين منزلُ مالك؟ (١). قال حاتمٌ الأصمُّ: مَنْ خلا قلبُه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغترٌّ، فلا يأمن الشقاء: الأوَّل: خطرُ يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي، وهؤلاء في النَّار ولا أبالي، فلا يعلم في أيِّ الفريقين كان، والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، فنودي الملك بالسعادة والشَّقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ والثالث: ذكر هول المطلع، ولا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه؟ والرابع: يوم يَصدُرُ النَّاسُ أشتاتًا، ولا يدري، أيّ الطريقين يُسلك به. وقال سهل التُّستريُّ: المريدُ يخافُ أن يُبتلى بالمعاصي، والعارف يخافُ أن يُبتلى بالكُفر. ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة، وقد كان النبيُّ ﷺ يُكثرُ أن يقول في دعائه: "يا مقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقيل له: يا نبيَّ الله آمنا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ فقال: "نعم، إنَّ القُلوبَ بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كيف يشاء" خرَّجه الإِمام أحمد والترمذيّ من حديث أنس (٢). وخرج الإِمام أحمد من حديث أمِّ سلمة أن النَّبيَّ ﷺ كان يُكثِرُ في دعائه أن يقول: "اللهُمَّ مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله،

стр. 169

أو إنَّ القلوب لتتقلَّبُ؟ قال: "نعم؛ ما من خلق الله تعالى من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاءَ الله ، أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسألُ الله ربَّنا أن لا يزيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهب لنا من لدُنه رحمةً إنَّه هو الوهَّاب"، قالت: قلت: يا رسولَ الله، ألا تُعَلِّمني دعوةً أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهمَّ ربَّ النَّبيِّ محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجِرْني من مضلَّاتِ الفتن ما أحييتني" (١)، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وخرَّج مسلم (٢) من حديث عبد الله بن عمرو: سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين أصبعين من أصابع الرَّحمن كقلبٍ واحدٍ يصَرِّفُه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهُمَّ مُصرِّفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك".

стр. 170

الحديث الخامس عَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ" رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ، وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أمرُنا فَهو رَدٌّ". هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" (١) من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة ﵂ وألفاظ الحديث مختلفة، ومعناها متقارب، وفي بعض ألفاظه: "مَنْ أحدث في ديننا ما ليس فيه، فهو ردّ". وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ من أُصول الإِسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أن حديث: "الأعمال بالنيَّات" ميزان للأعمال في باطِنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس مِنَ الدِّين في شيء. وسيأتي حديثُ العِرباض بن ساريةَ (٢) عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدين

стр. 171

المهديِّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلِّ بدعةٍ ضلالةٌ". وكان ﷺ يقول في خطبته: "أصدقُ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرُ الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها" (١) وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها. فهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أن كلَّ عملٍ ليس عليه أمر الشارع، فهو مردود، ويدلّ بمفهومه على أن كلَّ عمل عليه أمره، فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينُه وشرعُه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه". فالمعنى إذًا: أن مَنْ كان عملُه خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع، فهو مردود. وقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحتَ أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمةً عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عملُه جاريًا تحت أحكام الشرع، موافقًا لها، فهو مقبولٌ، ومن كان خارجًا عن ذلك، فهو مردودٌ. والأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات. فأما العبادات، فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ

стр. 172

الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرَّب إلى الله بعمل، لم يجعله الله ورسولُه قربة إلى الله، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشف الرَّأس في غير الإِحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسولُه التقرُّب بها بالكلية. وليس ما كان قربة في عبادة يكونُ قربةً في غيرها مطلقًا، فقد رأى النَّبيُّ ﷺ رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنَّه نذر أن يقوم ولا يقعدَ ولا يستظلّ وأن يصومَ، فأمره النَّبيُّ ﷺ أنْ يَقعُدَ ويستظلَّ، وأن يُتمَّ صومه (١) فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربةً يُوفى بنذرهما. وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عندَ سماعِ خطبة النَّبيِّ ﷺ (٢) وهو على المنبر، فنذر أن يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ما دامَ النَّبيُّ ﷺ يخطُبُ، إعظامًا لسماع خطبة النَّبيِّ ﷺ ، ولم يجعل النَّبي ﷺ ذلك قربةً تُوفى بنذره، مع أن القيام عبادةً في مواضعَ أُخَر، كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربةٌ للمحرِم، فدلَّ على أنَّه ليس كلُّ ما كان قربة في موطنٍ يكون قربةً في كُلِّ المواطن، وإنَّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعةُ في مواضعها. وكذلك من تقرَّب بعبادة نُهِيَ عنها بخصوصها، كمن صامَ يومَ العيد، أو صلَّى في وقت النهي. وأمَّا من عمل عملًا أصلُه مشروعٌ وقربةٌ، ثم أدخلَ فيه ما ليس بمشروعٍ، أو أخلَّ فيه بمشروع، فهذا مخالفٌ أيضًا للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به، أو

стр. 173

إدخاله ما أدخلَ فيه، وهل يكونُ عملُه من أصله مردودًا عليه أم لا؟ فهذا لا يُطلق القولُ فيه بردٍّ ولا قَبولٍ، بل يُنظر فيه: فإن كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة، كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القُدرة عليها، أو كمن أخلَّ بالرُّكوع أو بالسجود أو بالطُّمانينة فيهما، فهذا عملُه مردودٌ عليه، وعليه إعادتُه إن كان فرضًا، وإن كان ما أخلَّ به لا يُوجِبُ بُطلانَ العمل، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يُوجِبُها ولا يجعلُها شرطًا، فهذا لا يُقالُ: إن عمله مردودٌ من أصله، بل هو ناقصٌ. وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودةٌ عليه، بمعنى أنَّها لا تكونُ قربةً ولا يُثابُ عليها، ولكن تارة يبطُلُ بها العمل من أصله، فيكون مردودًا، كمن زاد في صلاته ركعةً عمدًا مثلًا، وتارةً لا يُبطله، ولا يردُّه من أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النَّهار، وواصل في صيامه، وقد يبدَّلُ بعض ما يُؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورتَه في الصَّلاة بثوب مُحرَّم، أو توضأ للصلاة بماءٍ مغصُوبٍ، أو صلَّى في بُقعةٍ غَصْبٍ، فهذا قد اختلفَ العُلماءُ فيه: هل عملُه مردودٌ من أصله، أو أنه غيرُ مردود، وتبرأ به الذِّمَّةُ من عُهدة الواجب؟ وأكثرُ الفُقهاء على أنَّه ليس بمردود من أصله، وقد حكى عبدُ الرَّحمن بنُ مهدي عن قومٍ من أصحاب الكلامِ يقال لهم: الشِّمريَّة أصحاب أبي شمر (١) أنَّهم يقولون: إنَّ من صلَّى في ثوبٍ كان في ثمنه درهمٌ حرامٌ أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعتُ قولًا أخبثَ مِنْ قولهم، نسأل الله العافية، وعبد الرَّحمن بنُ مهدي من أكابر فُقهاء أهلٍ الحديث، المطَّلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعةً، فدلَّ على أنَّه لم يُعلم عن أحدٍ من السَّلف القولُ بإعادة الصَّلاة في مثل هذا.

стр. 174

ويشبه هذا الحجُّ بمالٍ حرامٍ، وقد ورد في حديثٍ أنَّه مردودٌ على صاحبه، ولكنه حديث لا يثبت (١)، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟. وقريب من ذلك الذَّبحُ بآلة محرَّمة، أو ذبحُ مَنْ لا يجوزُ له الذبحُ، كالسارق، فأكثرُ العلماء قالوا: إنَّه تُباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرَّمةٌ، وكذا الخلاف في ذبح المُحْرِم لِلصَّيدِ، لكن القول بالتَّحريم فيه أشهرُ وأظهرُ، لأنه منهيٌّ عنه بعينه. ولهذا فرَّق مَنْ فرَّق مِنَ العُلماء بين أن يكون النَّهيُ لمعنى يختصّ بالعبادة فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصًا بها فلا يبطلها، فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يُبطلها، لاختصاص النهي بالصلاة، بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهدُ لهذا أن الصيام لا يبطله إلَّا ارتكابُ ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنسُ الأكل والشرب والجماع، بخلاف ما نهي عنه الصائم، لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة عند الجمهور. وكذلك الحجُّ لا يبطله إلا ما نهي عنه في الإِحرام، وهو الجماعُ، ولا يبطله ما لا يختصُّ بالإِحرام من المحرَّمات، كالقتل والسرقة وشرب الخمر. وكذلك الاعتكافُ: إنَّما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو الجماعُ، وإنَّما يبطل بالسُّكر عندنا وعند الأكثرين، لنهي السَّكران عن قربان المسجد

стр. 175

ودخوله على أحدِ التأويلين في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أن المرادَ مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطلُ الاعتكافُ بغيره من ارتكاب الكبائر عندنا وعندَ كثيرٍ من العلماء، وإن خالف في ذلك طائفةٌ من السلف، منهم عطاء والزُّهري والثوري ومالك، وحُكي عن غيرهم أيضًا. وأمَّا المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية، كجعل حدِّ الزِّنى عقوبةً مالية، وما أشبه ذلك، فإنَّه مردودٌ من أصله، لا ينتقل به الملكُ، لأنَّ هذا غيرُ معهود في أحكام الإِسلام، ويدلُّ علي ذلك أن النَّبيَّ ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاةٍ وخادم، فقال النَّبيّ ﷺ : "المئة شاة والخادم ردٌّ عليكَ، وعلى ابنك جَلدُ مئة، وتغريبُ عام" (١). وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد، أو لفوات شرطٍ فيه، أو لظلم يحصُلُ به للمعقود معه أو عليه، أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايُق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقدُ: هل هو مردودٌ بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ هذا الموضع قد اضطربَ النَّاس فيه اضطرابًا كثيرًا، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردودٌ لا يفيد الملك، وفي بعضها أنه يُفيده، فحصل الاضطرابُ فيه بسبب ذلك، والأقربُ - إن شاء الله تعالى - أنه إن كان النهيُ عنه لحقٍّ لله ، فإنه لا يفيدُ الملكَ بالكلية، ونعني بكون الحق لله: أنه لا يسقطُ برضا المتعاقدين عليه، وإن كان النهيُ عنه لحقِّ آدميٍّ معيّن، بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقفُ على رضاه به، فإن رضي، لزم العقدُ، واستمر الملكُ، وإن لم يرض به، فله الفسخُ، فإن كان

стр. 176

الذي يلحقه الضررُ لا يُعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعَتاق، فلا عِبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهيُ رفقًا بالمنهى خاصةً لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عملُه. فأما الأوَّلُ، فله صورٌ كثيرةٌ: منها نكاحُ من يحرُمُ نكاحُه، إمَّا لعينه، كالمحرَّمات على التَّأبيد بسببٍ أو نسبٍ، أو للجمع أو لفواتِ شرط لا يَسقُطُ بالتراضِي بإسقاطه: كنكاح المعتدةِ والمحرِمة، والنكاح بغير وليٍّ ونحو ذلك، وقد روي أن النَّبيَّ ﷺ فرَّق بَيْنَ رجلٍ وامرأةٍ تزوَّجها وهي حُبْلى (١)، فردَّ النِّكاحَ لوقوعه في العدّة.

стр. 177

ومنها عقودُ الربا، فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردِّها، وقد أمر النبيُّ ﷺ من باع صاعَ تمرٍ بصاعين أن يردَّه (١). ومنها بيعُ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه

стр. 178

ممَّا لا يجوز التراضي ببيعه. وأما الثاني، فله صُورٌ عديدة: منها إنكاحُ الوليِّ من لا يجوزُ له إنكاحُها إلا بإذنها بغير إذنها، وقد ردَّ النَّبيُّ ﷺ نكاحَ امرأة ثيِّبٍ زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ (١)، وروي عنه أنَّه خيَّرَ امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (٢)، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإِجازة روايتان عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن تصرُّفه باطلًا من أصله، بل يقفُ على إجازته، فإن أجازه جازَ، وإن ردَّه بطَل، واستدلُّوا بحديث عُروة بن الجعد في شرائه للنبيِّ ﷺ شاتين، وإنَّما كان أمرَه بشراء شاةٍ واحدةٍ، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النبيُّ ﷺ (٣). وخصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرَّف لغيره في ماله بإذنٍ إذا خالف الإِذن. ومنها تصرُّف المريضِ في ماله كلِّه: هل يقعُ باطلًا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على اجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهورٌ للفقهاء، والخلاف في

стр. 179

مذهب أحمد وغيره، وقد صحَّ أن النَّبيَّ ﷺ رُفِع إليه أن رجلًا أعتق ستةَ مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا (١)، ولعلَّ الورثة لم يُجيزوا عتق الجميع والله أعلم. ومنها بيعُ المدلس ونحوه كالمُصَرَّاةِ، وبَيعِ النَّجَشِ، وتلقي الركبان (٢) ونحو ذلك، وفي صحَّته كُلِّه اختلافٌ مشهورٌ في مذهب الإِمام أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه. والصحيح أنه يصحُّ ويقفُ على إجازة من حصل له ظلمٌ بذلك، فقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه جعل مشتري المصرَّاة بالخيار (٣)، وأنه جعل للركبان الخيار إذا

стр. 180

هبطوا السوق (١)، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله، وقد أورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصرّاة، فلم يذكر عنه جوابًا. وأما بيعُ الحاضر للبادي، فمن صحَّحه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله، جعل الحقَّ فيه لأهل البلد كلِّهم، وهم غيرُ منحصرين، فلا يتصوَّرُ إسقاطُ حقوقهم، فصار كحقِّ الله . ومنها: لو باع رقيقًا يَحْرُمُ التَّفريقُ بينهم، وفرَّق بينهم كالأُمِّ وولدها، فهل يقع باطلًا مردودًا، أم يقفُ على رضاهم بذلك؟. وقد روي أن النبيَّ ﷺ أمر بردِّ هذا البيع (٢) ونصَّ أحمدُ على أنَّه لا يجوزُ التفريقُ بينهم، ولو رضوا بذلك، وذهب طائفةٌ إلى جواز التفريق بينهم برضاهم: منهم النخعيُّ، وعُبيد الله بنُ الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أن يصحَّ، ويقف على الرضا. ومنها لو خصَّ بعضَ أولاده بالعطيَّة دونَ بعض، فقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أمرَ بشيرَ بنَ سعدٍ لما خصَّ ولدهُ النُّعمانَ بالعطيَّةِ أن يردّه (٣)، ولم يدلَّ ذلك على أنَّه لم ينتقل الملكُ بذلك إلى الولد، فإنَّ هذه العطية تصحُّ وتقع مراعاةً، فإن سوَّى بينَ الأولادِ في العطية، أو استردَّ ما أعطى الولَد، جاز، وإن ماتَ ولم يفعل شيئًا من ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث. وحكي عن أحمد نحوه، وأنَّ العطية
следующие страницы →