← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الذي يلحقه الضررُ لا يُعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في الطلاق والعَتاق، فلا عِبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهيُ رفقًا بالمنهى خاصةً لما يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عملُه. فأما الأوَّلُ، فله صورٌ كثيرةٌ: منها نكاحُ من يحرُمُ نكاحُه، إمَّا لعينه، كالمحرَّمات على التَّأبيد بسببٍ أو نسبٍ، أو للجمع أو لفواتِ شرط لا يَسقُطُ بالتراضِي بإسقاطه: كنكاح المعتدةِ والمحرِمة، والنكاح بغير وليٍّ ونحو ذلك، وقد روي أن النَّبيَّ ﷺ فرَّق بَيْنَ رجلٍ وامرأةٍ تزوَّجها وهي حُبْلى (١)، فردَّ النِّكاحَ لوقوعه في العدّة.

стр. 177

ومنها عقودُ الربا، فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردِّها، وقد أمر النبيُّ ﷺ من باع صاعَ تمرٍ بصاعين أن يردَّه (١). ومنها بيعُ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام والكلب، وسائر ما نهي عن بيعه

стр. 178

ممَّا لا يجوز التراضي ببيعه. وأما الثاني، فله صُورٌ عديدة: منها إنكاحُ الوليِّ من لا يجوزُ له إنكاحُها إلا بإذنها بغير إذنها، وقد ردَّ النَّبيُّ ﷺ نكاحَ امرأة ثيِّبٍ زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ (١)، وروي عنه أنَّه خيَّرَ امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (٢)، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإِجازة روايتان عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن تصرُّفه باطلًا من أصله، بل يقفُ على إجازته، فإن أجازه جازَ، وإن ردَّه بطَل، واستدلُّوا بحديث عُروة بن الجعد في شرائه للنبيِّ ﷺ شاتين، وإنَّما كان أمرَه بشراء شاةٍ واحدةٍ، ثم باع إحداهما، وقبل ذلك النبيُّ ﷺ (٣). وخصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرَّف لغيره في ماله بإذنٍ إذا خالف الإِذن. ومنها تصرُّف المريضِ في ماله كلِّه: هل يقعُ باطلًا من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على اجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهورٌ للفقهاء، والخلاف في

стр. 179

مذهب أحمد وغيره، وقد صحَّ أن النَّبيَّ ﷺ رُفِع إليه أن رجلًا أعتق ستةَ مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا (١)، ولعلَّ الورثة لم يُجيزوا عتق الجميع والله أعلم. ومنها بيعُ المدلس ونحوه كالمُصَرَّاةِ، وبَيعِ النَّجَشِ، وتلقي الركبان (٢) ونحو ذلك، وفي صحَّته كُلِّه اختلافٌ مشهورٌ في مذهب الإِمام أحمد، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه. والصحيح أنه يصحُّ ويقفُ على إجازة من حصل له ظلمٌ بذلك، فقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه جعل مشتري المصرَّاة بالخيار (٣)، وأنه جعل للركبان الخيار إذا

стр. 180

هبطوا السوق (١)، وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله، وقد أورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصرّاة، فلم يذكر عنه جوابًا. وأما بيعُ الحاضر للبادي، فمن صحَّحه، جعله من هذا القبيل، ومن أبطله، جعل الحقَّ فيه لأهل البلد كلِّهم، وهم غيرُ منحصرين، فلا يتصوَّرُ إسقاطُ حقوقهم، فصار كحقِّ الله . ومنها: لو باع رقيقًا يَحْرُمُ التَّفريقُ بينهم، وفرَّق بينهم كالأُمِّ وولدها، فهل يقع باطلًا مردودًا، أم يقفُ على رضاهم بذلك؟. وقد روي أن النبيَّ ﷺ أمر بردِّ هذا البيع (٢) ونصَّ أحمدُ على أنَّه لا يجوزُ التفريقُ بينهم، ولو رضوا بذلك، وذهب طائفةٌ إلى جواز التفريق بينهم برضاهم: منهم النخعيُّ، وعُبيد الله بنُ الحسن العنبري، فعلى هذا يتوجه أن يصحَّ، ويقف على الرضا. ومنها لو خصَّ بعضَ أولاده بالعطيَّة دونَ بعض، فقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أمرَ بشيرَ بنَ سعدٍ لما خصَّ ولدهُ النُّعمانَ بالعطيَّةِ أن يردّه (٣)، ولم يدلَّ ذلك على أنَّه لم ينتقل الملكُ بذلك إلى الولد، فإنَّ هذه العطية تصحُّ وتقع مراعاةً، فإن سوَّى بينَ الأولادِ في العطية، أو استردَّ ما أعطى الولَد، جاز، وإن ماتَ ولم يفعل شيئًا من ذلك، فقال مجاهد: هي ميراث. وحكي عن أحمد نحوه، وأنَّ العطية

стр. 181

تبطلُ، والجمهور على أنَّها لا تبطلُ. وهل للورثة الرجوعُ فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد. ومنها الطلاقُ المنهي عنه، كالطلاق في زمن الحيض، فإنه قد قِيل: إنه قد نُهِيَ عنه لحقِّ الزوج، حيث كان يخشى عليه أن يَعْقُبه فيه النَّدمُ، ومن نُهِيَ عن شيء رفقًا به، فلم ينته عنه، بل فعله وتجشَّم مشقَّته، فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كمن صام في المرض أو السفر، أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفَّفُ النَّاسَ، أو صلَّى قائمًا مع تضرُّره بالقيام للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضَّرر، أو التَّلفَ ولم يتيمَّم، أو صامَ الدَّهرَ، ولم يفطر، أو قام اللَّيل ولم ينم، وكذلك إذا جمعَ الطَّلاق الثَّلاثَ على القول بتحريمه. وقيل: إنَّما نهي عن طلاق الحائض، لحقِّ المرأة لما فيه من الإِضرار بها بتطويل العدّة، ولو رضيت بذلك بأن سألته الطَّلاق بعِوَضٍ في الحيض، فهل يزولُ بذلك تحريمُهُ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهورُ من مذهبنا ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه يزولُ التَّحريمُ بذلك، فإن قيل: إن التَّحريم فيه لحقِّ الزوج خاصة، فإذا أقدم عليه، فقد أسقط حقَّه فسقط، وإن علل بأنَّه لحقِّ المرأة، لم يمنع نفوذُه ووقوعُه أيضًا، فإنَّ رضا المرأة بالطلاق غيرُ معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يُخالف فيه سوى شرذِمَةٍ يسيرةٍ مِن الروافض ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق غيرُ معتبرٍ، ولو تضرَّر به، ولكن إذا تضرَّرت المرأةُ بذلك، وكان قد بقي شيء من طلاقها، أمر الزوج بارتجاعها، كما أمر النَّبي ﷺ ابنَ عمر بارتجاع زوجته تلافيًا منه لضررها، وتلافيًا لما وقع منه من الطلاق المحرَّم حتَّى لا تصير بينونتُها منه ناشئة عن طلاق محرَّمٍ، وليتمكَّن من طلاقها على وجه مباح، فتحصل إبانتُها على هذا الوجه. وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّها عليه ولم يرها شيئًا (١)، وهذا ممَّا تفرَّد به أبو الزبير عن أصحاب

стр. 182

ابن عمر كلِّهم مثل ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاووس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مِهران وغيرهم. وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات، فلا يُقبل تفرّده، فإنّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أن النَّبيَّ ﷺ حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة، وكان ابنُ عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إن كنتَ طلَّقتَ واحدةً أو اثنتين، فإن رسولَ الله ﷺ أمرني بذلك: يعني بارتجاع المرأة، وإن كنت طلقت ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتك (١).

стр. 183

وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يُتابع عليها وهي قوله: ثم تلا رسولُ الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ولم يذكر ذلك أحدٌ من الرواة عن ابن عمر، وإنَّما روى عبدُ اللهِ بنُ دينار عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح. وقد كان طوائفُ من النَّاس يعتقدونَ أن طلاقَ ابن عمر كان ثلاثًا، وأن النَّبيَّ ﷺ إنَّما ردَّها عليه، لأنه لم يوقع الطَّلاق في الحيض، وقد رُوي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الدُّهني عنه، فلعلّ أبا الزبير اعتقد هذا حقًّا، فروى تلك اللفظةَ بالمعنى الذي فهمه، وروى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال: عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لِيُراجِعها فإنَّها امرأتُه" وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإِسناد، وتفرَّد بقوله: "فإنها امرأته" وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثًا، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه، وروى أَيوب عن ابن سيرين قال: مكثتُ عشرين سنة يُحدِّثني من لا أتَّهِمُ أن ابنَ عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمره النبيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتَّى لقيتُ أبا غلَّاب يونس بن جُبير وكان ذا ثَبتٍ، فحدَّثني أنه سأل ابنَ عمر فحدَّثه أنه طلقها واحدةً. خرَّجه مسلم (١). وفي رواية: قال ابنُ سيرين: فجعلتُ لا أعرِفُ للحديث وجهًا ولا أفهمه. وهذا يدلُّ على أنه كان قد شاع بين الثِّقاتِ من غير أهلِ الفقه والعلم أن طلاقَ ابن عمر كان ثلاثًا، ولعلَّ أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان نافع يُسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثًا أو واحدة؟ ولما قدم نافع مكة، أرسلوا

стр. 184

إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة، واستنكارُ ابن سيرين لِرواية الثلاث يَدُل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا يقول: إنَّ الطلاق المحرَّم غير واقع، وأن هذا القول لا وَجْهَ له. قال الإِمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقعُ الطلاقُ المحرم، لأنه يُخالِفُ ما أمر به، فقال: هذا قولُ سوءٍ رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض. وقال أبو عبيد: الوقوعُ هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابنُ المنذر ذلك عن كلِّ من يُحْفَظُ قولُه من أهل العلم إلَّا ناسًا من أهل البدع لا يُعتَدُّ بهم. وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم (١) عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها، وبإسناده عن خِلاس نحوه، فإن هذا الأثرَ قد سقطت من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه (٢) عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابن عمر أن الحيضة التي طلق فيها لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره. وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ من السلف، منهم زيدُ بنُ ثابت،

стр. 185

وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم والله أعلم. وهذا الحديث إنَّما رواه القاسم بن محمد لما سُئِلَ عن رجُلٍ له ثلاثة مساكن، فأوصى بِثُلثِ ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد؟ فقال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ عمل عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فَهُو ردٌّ" خرَّجه مسلم (١). ومرادُه أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحبُّ إلى الله وأنفعُ جائزٌ، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج، وربما يستدلُّ بعضُ من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ولعله أخذ هذا من جمع العتق، فإنه صح "أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، فدعاهم النَّبيُّ ﷺ فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة" خرَّجه مسلم (٢). وذهب فقهاءُ الحديث إلى هذا الحديث، لأن تكميلَ عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه، ولهذا شُرِعَتِ السِّرايةُ والسِّعايةُ (٣) إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبد. وقال ﷺ فيمن أعتق بعضَ عبدٍ له: "هو عتيقٌ كُلُّه ليس لله شريك" (٤). وأكثرُ العلماء على خلاف قول القاسم هذا، وأن وصية الموصي لا تجمع، ويُتبع لفظه إلا في العتق خاصة، لأن المعنى الذي جمع له في العتق غيرُ موجود في بقية الأموال، فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي.

стр. 186

وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق مِنْ كلّ عبدٍ ثلثه، ويستسعون في الباقي، واتباع قضاء رسول الله ﷺ أحقُّ وأولى، والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كُلِّها ضررًا عليهم، فيدفع عنهم هذا الضَّرر بجمع الوصية في مسكن واحدٍ، فإن الله قد شرط في الوصية عدَمَ المضارة بقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فمن ضارَّ في وصيته، كان عملهُ مردودًا عليه لمخالفته ما شرط الله في الوصية. وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو وصَّى له بثلث مساكنه كُلِّها، ثم تلف ثلثا المساكن، وبقي منها ثلث أنه يُعطى كله للموصى له، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه، وبَنَوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار، كما هو قولُ مالك، وظاهرُ كلام ابن أبي موسى من أصحابنا، والمشهورُ عند أصحابنا أن المساكن المتعدِّدة لا تُقسم قسمة إجبار وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعي، وقد تأوَّل بعضُ المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضمُّ بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يُجاب إلى قسمتها على قولهم، وهذا التأويل بعيد مخالف لِلظاهر، والله أعلم.

стр. 187

الحديث السادس عَنِ النُّعمانِ بن بشِيرٍ ﵄ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبهاتٌ، لا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ مِن النَّاسِ، فمَن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأ لِدينِهِ وعِرضِه، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَام، كالرَّاعِي يَرعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرتَعَ فِيهِ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذَا فَسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهِيَ القَلبُ" رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعضُ الزيادة والنقص، والمعنى واحد أو متقارب. وقد روي عن النبيِّ ﷺ من حديث ابن عمر (٢)، وعمار بن ياسر (٣)، وجابر (٤)، وابن مسعود، وابن عباس (٥)، وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.

стр. 188

فقوله ﷺ : "الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس" معناه: أن الحلال المحضَ بَيِّنٌ لا اشتباه فيه، وكذلك الحرامُ المحضُ، ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من النَّاس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟. وأما الرَّاسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيِّ القسمين هي. فأما الحلالُ المحضُ: فمثل أكلِ الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمةِ الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباسِ ما يحتاج إليه من القطن والكتَّان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسرِّي وغير ذلك إذا كان اكتسابُه بعقدٍ صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هِبة، أو غنيمة. والحرام المحضُ: مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرَّمة كالرِّبا والميسر وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذِ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك. وأما المشتبه: فمثلُ أكل بعضِ ما اختلفَ في حلِّه أو تحريمه، إمَّا من الأعيان كالخيلِ والبغالِ والحميرِ، والضبِّ، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يُسكِرُ كثيرُها، ولبسِ ما اختلف فيه إبَاحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينة (١) والتورّق (٢) ونحو

стр. 189

ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمدُ وإسحاق وغيرهما من الأئمة. وحاصلُ الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاجُ إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قال مجاهد وغيرُه: لكلِّ شيءٍ أُمِرُوا به أو نُهوا عنه، وقال تعالى في آخر سورة النساء [الآية: ١٧٦] التي بَيَّنَ الله فيها كثيرًا من أحكام الأموال والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وما قُبض ﷺ حتَّى أكمل له ولأُمته الدينَ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قَبْلَ موته بمدة يسيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال ﷺ : "تَركتُكُم على بَيضاءَ نقية لَيلُها كنهارِها لا يَزِيغُ عنها إلَّا هالِكٌ" (١). وقال أبو ذرٍّ: توفي رسولُ الله ﷺ وما طائِرٌ يُحرِّكُ جناحَيهِ في السَّماءِ إلَّا وقد ذَكَرَ لنا منه عِلمًا (٢).

стр. 190

ولمَّا شكَّ النَّاسُ في موته ﷺ ، قال عمُّه العباس ﵁: والله ما ماتَ رسولُ الله ﷺ حتَّى تركَ السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ، ونكَحَ وطلَّق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يَخْبطُ عليها العِضاهَ بمِخْبَطهِ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصَب ولا أدأب من رسول الله ﷺ كانَ فيكُم (١). وفي الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالًا إلَّا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلَّا مُبيَّنًا، لكن بعضَه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانُه، واشتهرَ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة من ذلك لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإِسلام، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب: منها أنه قد يكون النصُّ عليه خفيًا لم ينقله إلا قليلٌ من النَّاس، فلم يبلغ جميع حملة العلم. ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفةً أحدُ النصين دون الآخرين، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.

стр. 191

ومنها ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيرًا. ومنها ما يكون فيه أمر، أو نهي، فتختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التَّحريم أو التنزيه، وأسبابُ الاختلاف أكثرُ مما ذكرنا. ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجورًا غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله ﷺ في المشتبهات: "لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس" فدل على أن من النَّاس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء. وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أن مِن الأشياء ما يعلم سببُ حِلِّه وهو الملك المتيقن. ومنها ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل لا تزولُ إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلَّا في الأبضاع عندَ من يُوقعُ الطلاقَ بالشك فيه كمالكٍ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه. وأمَّا ما لا يعلم له أصلُ ملكٍ كما يجده الإِنسان في بيته ولا يدري: هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوُله، لأن الظاهر أن ما في بيته ملكُه لثبوت يده عليه، والورعُ اجتنابه، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجدُ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فألقيها"

стр. 192

خرَّجاه في "الصحيحين" (١). فإن كان هناك من جنس المحظور، وشكَّ هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهةُ. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النَّبيَّ ﷺ أصابه أرقٌ من الليل، فقال له بعضُ نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة. فقال: "إنِّي كنتُ أصبتُ تمرةً تحت جنبي، فأكلتُها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيتُ أن تكون منه" (٢). ومن هذا أيضًا ما أصلهُ الإِباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله، فيجوز استعمالُه، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، فلا يحلّ إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردَّد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التَّحريم ولهذا نهى النَّبيُّ ﷺ عن أكل الصيدِ الذي يجدُ فيه الصائد أثر سهمٍ غيرِ سهمه، أو كلبٍ غير كلبِه، أو يجده قد وقع في ماء (٣). وعلل بأنَّه لا يُدرى: هل مات من السبب المبيح له أو من غيره، ويرجع فيما أصله الحلُّ إلى الحِلِّ، فلا ينجسُ الماءُ والأرض والثوبُ بمجرّد ظنِّ النجاسة، وكذلك البدنُ إذا تحقق طهارته، وشكَّ: هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافًا لمالك ﵀ إذا لم يكن قد دخل في الصلاة. وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ : "أنه شُكي إليه الرَّجلُ يُخيل إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتَّى يسمع

стр. 193

صوتًا أو يجد ريحًا" (١) وفي بعض الروايات: "في المسجد" بدل الصلاة. وهذا يعمُّ حالَ الصلاةِ وغيرها، فإن وُجِدَ سبب قوي يغلب معه على الظنّ نجاسة ما أصلُه الطهارة مثل أن يكونَ الثوبُ يلبسه كافر لا يتحرَّزُ من النجاسات، فهذا محلّ اشتباه، فمن العلماء من رخص فيه أخذًا بالأصل، ومنهم من كرهه تنزيهًا، ومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحتُه أو يكون ملاقيًا لعورته كالسراويل والقميص، وترجع هذه المسائل وشبهها إلى قاعدةِ تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة. وقد تعارضت الأدلَّةُ في ذلك. فالقائلون بالطهارة يستدلون بأنَّ الله أحلَّ طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنَّما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النَّبيّ ﷺ دعوة يهودي، وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما نَسَجَه الكفارُ من الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب، ويستعملونها، وصحّ عنهم أنهم استعملوا الماء مِنْ مزادة مشركة (٢). والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنَّه صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه سئل عن آنية أهلِ الكتابِ الذين يأكلون الخنزيرَ، ويشربون الخمر، فقال: إن لم تجدوا غيرها، فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها (٣). وقد فسر الإِمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بينَ الحلال والحرام: يعني الحلالَ المحض والحرام المحض، وقال: من اتَّقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسَّرها تارةً باختلاط الحلال والحرام.

стр. 194

ويتفرّعُ على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثرُ ماله الحرامَ؛ فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكونَ شيئًا يسيرًا، أو شيئًا لا يعرف، واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرَّم؟ على وجهين. وإن كان أكثرُ ماله الحلال، جازت معاملته والأكلُ من ماله. وقد روى الحارث عن عليّ أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يُعطيكم من الحلال أكثر مما يُعطيكم من الحرام (٥). وكان النَّبيُّ ﷺ وأصحابه يُعاملون المشركين وأهلَ الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرامَ كلَّه. وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركُه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إليَّ. وقال الزُّهريُّ ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرامٌ بعينه، فإن لم يُعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أن فيه شبهةً؛ فلا بأس بالأكل منه، نصّ عليه أحمد في رواية حنبل. وذهب إسحاق بنُ راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمانَ وغيرهِما منَ الرُّخصة، وإلى ما رُوي عَنِ الحسنِ وابنِ سيرين في إباحةِ الأخذ مما يقضي من الرِّبا والقمار، نقله عنه ابنُ منصور. وقال الإِمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المالُ كثيرًا، أخرج منه قدرَ الحرام، وتصرَّف في الباقي، وإن كان المالُ قليلًا، اجتنبه كلَّه، وهذا لأنَّ القليل إذا تناول منه شيئًا، فإنَّه تَبْعُدُ معه السلامةُ من الحرام بخلاف الكثير، ومن أصحابنا منْ حَمَل ذلك على الورع دُون التَّحريم، وأباح التصرُّف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قولُ الحنفيَّة وغيرهم، وأخذ به قومٌ مِنْ أهل الورع منهم بشرٌ الحافي. ورخَّص قومٌ من السَّلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنَّه

стр. 195

من الحرام بعينه، كما تقدَّم عن مكحول والزُّهريُّ. وروي مثلُه عن الفُضيل بن عياض. وروي في ذلك آثارٌ عن السلف، فصحَّ عن ابن مسعود أنَّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الرِّبا علانيةً ولا يتحرَّجُ من مال خبيثٍ يأخُذُه يدعوه إلى طعامه، قال: أجيبوهُ، فإنَّما المَهْنأُ لكم والوِزرُ عليه (١). وفي رواية أنَّه قال: لا أعلم له شيئًا إلا خبيثًا أو حرامًا، فقال: أجيبوه. وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما رُوي عنه أنَّه قال: الإثم حَوَازُّ القلوب (٢). وروي عن سلمان مثلُ قولِ ابنِ مسعود الأول (٣)، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومُورِّق العِجلي، وإبراهيم النخعي، وابنِ سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب "الأدب" لحُمَيد بن زَنجويه، وبعضها في كتاب "الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم (٤). ومتى علم أن عينَ الشيءِ حرامٌ، أُخِذَ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناولُه، وقد حَكى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبد البر وغيرُه، وقد رُوي عن ابن سيرين في

стр. 196

الرجل يقضى من الرِّبا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يُقضى من القمار قال: لا بأس به، خرّجه الخلّال بإسناد صحيح، ورُوي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطَر. وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصدِّيق أنَّه أكل طعامًا ثم أخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه (١). وقد يقع الاشتباه في الحكم، لكون الفرع متردِّدًا بين أصول تجتذبُه، كتحريم الرجل زوجته، فإنَّ هذا متردِّدٌ بين تحريم الظِّهار الذي ترفعه الكفَّارةُ الكبرى، وبين تحريم الطَّلقة الواحدة بانقضاء عدَّتها الذي تُباحُ معه الزوجة بعقدٍ جديدٍ، وبين تحريم الطَّلاق الثلاث الذي لا تُباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحلَّه الله له مِنَ الطَّعام والشراب الذي لا يحرمه، وإنما يُوجب الكفَّارة الصُّغرى، أو لا يُوجب شيئًا على الاختلاف في ذلك، فمن هاهنا كَثُرَ الاختلافُ في هذه المسألة من زمن الصحابة فمن بعدهم. وبكلِّ حالٍ، فالأمور المشتبهة التي لا يتبين أنَّها حلال ولا حرام لكثيرٍ مِنَ

стр. 197

النَّاس، كما أخبر به النبي ﷺ ، قد يتَبيَّنُ لبعض النَّاس أنها حلال أو حرام، لما عِنده مِنْ ذلك من مزيدِ علمٍ، وكلام النبيِّ ﷺ يدل على أن هذه المشتبهات مِنَ النَّاسِ من يعلمُها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقَّف فيها، لاشتباهها عليه. والثاني: من يعتقدُها على غيرِ ما هي عليه، ودل كلامُه على أنَّ غير هؤلاء يعلمها، ومرادُه أنَّه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أنَّ المصيبَ عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلفِ فيها واحدٌ عندَ الله ، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنَّه غيرُ مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقدُ فيها اعتقادًا يستندُ فيه إلى شبهة يظنها دليلًا، ويكون مأجورًا على اجتهاده، ومغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده. وقوله ﷺ : "فمن اتَّقى الشُّبهاتِ، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقَعَ في الشُّبهَاتِ، وقع في الحرام" قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو من لا يعلمها، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بها، واتَّبع ما دلَّه علمهُ عليها، فذلك قسمٌ ثالث، لم يذكره لظهور حكمه، فإنَّ هذا القسم أفضلُ الأقسام الثلاثةِ؛ لأنَّه عَلِمَ حكمَ الله في هذه الأمور المشتبهة على النَّاس، واتَّبع علمَه في ذلك. وأما من لم يعلم حكم الله فيها، فهم قسمان: أحدهما من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى استبرأ: طلب البراءة لدينه وعرضه مِنَ النَّقْص والشَّين، والعوض: هو موضعُ المدح والذمِّ من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدحُ، وبذكره بالقبيح قدحٌ، وقد يكون ذلك تارةً في نفس الإنسان، وتارةً في سلفه، أو في

стр. 198

أهله، فمن اتَّقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ القَدح والشَّين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنَّ من ارتكب الشُّبهات، فقد عرض نفسه للقدح فيه والطَّعن، كما قال بعض السَّلف: من عرض نفسه للتُّهم، فلا يلومنَّ من أساء به الظنَّ. وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "فمن تركها، استبراءً لدينه وعرضه، فقد سَلِمَ " والمعنى: أنَّه يتركُها بهذا القصد - وهو براءةُ دينه وعرضه من النقص - لا لغرضٍ آخر فاسدٍ من رياءٍ ونحوه. وفيه دليلٌ على أنَّ طلب البراءة للعرض ممدُوحٌ كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد: "أنَّ ما وقى به المرءُ عِرضَه، فهو صدقةٌ". وفي رواية في "الصحيحين" (١) في هذا الحديث: "فمن ترك ما يشتبه عليه مِنَ الإثمِ، كان لما استبانَ أتركَ" يعني: أن من ترك الإثمَ مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنَّه إثمٌ، وهذا إذا كان تركه تحرُّزًا من الإثم، فأمَّا من يَقصِدُ التصنعَ للناسِ، فإنَّه لا يتركُ إلا ما يَظُنُّ أنَّه ممدوحٌ عندهم تركُه. القسم الثاني: من يمع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده، فأمَّا مَنْ أتى شيئًا مما يظنُّه الناس شبهةً، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر، فلا حَرَج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال النبيُّ ﷺ لمن رآه واقفًا مع صفية: إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيي" (٢). وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناسَ قد صلَّوا

стр. 199

ورجعوا، فاستحيى، ودخل موضعًا لا يراهُ النَّاس فيه، وقال: "من لا يستحيي من الناس، لا يستحيي من الله". وخرَّجه الطبراني مرفوعًا، ولا يصحّ (١). وإن أتى ذلك لاعتقاده أنَّه حلال، إمَّا باجتهادٍ سائغٍ، أو تقليدٍ سائغٍ، وكان مخطئًا في اعتقاده، فحكمهُ حكمُ الذي قبلَه، فإنَّ كان الاجتهادُ ضعيفًا، أو التقليدُ غيرَ سائغٍ، وإنَّما حمل عليه مجرّد اتباع الهوى، فحكمُهُ حكمُ من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر عنه النبيُّ ﷺ أنَّه وقع في الحرام، وهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أنَّه يكونُ ارتكابُهُ للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنَّه حرام بالتدريج والتسامح. وفي رواية في "الصحيحين" لهذا الحديث: "ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه مِنَ الإثمِ، أَوشَكَ أن يُواقعَ ما استبانَ" (٢). وفي رواية (٣): "ومَنْ يُخالطِ الرِّيبةَ، يوشِكُ أن يَجْسُرَ" أي: يَقرُب أنْ يَقْدَمَ على الحرام المحضِ، والجسورُ: المقدام الذي لا يهابُ شيئًا، ولا يُراقب أحدًا، ورواه بعضهم: "يجشُر" بالشِّين المعجمة، أي: يرتع، والجَشْر: الرعي، وجشرتُ الدابة: إذا رعيتها. وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي عن النبي ﷺ : "مَنْ يرعى بجنباتِ الحرامِ، يوشكُ أنْ يُخالطهُ، ومن تهاون بالمحقِّرات، يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الكبائر". والمعني الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده، لا يدري: أهو حلالٌ أو حرام، فإنَّه لا يأمن أن يكون حرامًا في نفس الأمر، فيُصادِفُ الحرام وهو لا

стр. 200

يدري أنَّه حرامٌ. وقد رُوي من حديث ابن عمر عن النبيِّ ﷺ قال: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن وبينهما مُشتبهات، فمن اتَّقاها، كان أنزَه لدينِهِ وعِرضه، ومن وقعَ في الشُّبهَاتِ أوشَكَ أنْ يقع في الحَرامِ، كالمرتع حَولَ الحِمى، يُوشِكُ أنْ يُواقعَ الحِمى وهو لا يشعر" خرجه الطبراني وغيره (١). واختلف العلماء: هل يُطيع والديه في الدُّخول في شيءٍ من الشُّبَهة أم لا يُطيعهما؟ فرُوي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشُّبهةِ، وعن محمَّد بن مقاتل العبَّادانيِّ قال: يُطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يُدارِيهما، وأبى أن يُجيبَ فيها. وقال أحمد: لا يشبعُ الرجل مِنَ الشُّبهة، ولا يشتري الثوبَ للتَّجمُّل مِن الشبهة، وتوقف في حدِّ ما يُؤكل وما يُلبس منها، وقال في التَّمرة يلقيها الطيرُ: لا يأكلُها، ولا يأخذها، ولا يتعرَّضُ لها. وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم: أحبُّ إليَّ أن يتنزَّهُ عنها، يعني: إذا لم يدرِ من أين هي. وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلَّا شيئًا يعلمُ من أينَ هو، ويسأل عنه حتى يقفَ على أصله. وقد رُويَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، إلا أن فيه ضعفًا (٢).

стр. 201

وقوله ﷺ : "كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه، ألا وإن لكلِّ ملكٍ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه": هذا مَثَلٌ ضربه النبيُّ ﷺ لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أن النبيَّ ﷺ قال: "وسأضرب لذلك مثلًا"، ثم ذكر هذا الكلامَ، فجعل النبيُّ ﷺ مثلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوكُ، ويمنعون غيرهم من قُربانه، وقد جعل النبيُّ ﷺ حول مدينته اثني عشر ميلًا حِمى محرمًا لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صيدُه (١)، وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة (٢).

стр. 202

والله حمى هذه المحرَّمات، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدودَه، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم، فلا يقولُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجعل من يرعى حول الحمى وقريبًا منه جديرًا بان يدخُلَ الحِمى ويرتع فيه، فكذلك من تعدَّى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنَّه قد قارب الحرام غايةَ المقاربة، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي التباعد عنِ المحرَّماتِ، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزًا. وقد خرّج الترمذي وابن ماجه مِنْ حديثِ عبد الله بن يزيد عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَّقين حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأسٌ " (١).

стр. 203

وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ، حتّى يتقيَه مِنْ مثقال ذرَّة، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلال، خشيةَ أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبمنَ الحرام. وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنَّما سُموا المتقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتقى (١). وروي عن ابن عمر قال: إنِّي لأحبُّ أن أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال (٢). وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإِيمان حتى يجعل بينه وبينَ الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه (٣). ويستدلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرَّمات وتحريم الوسائل إليها، ويَدُلُّ على ذلك أيضًا من قواعدِ الشريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر كثيرُه، وتحريمُ الخلوة بالأجنبية، وتحريمُ الصَّلاة بعد الصُّبح وبعدَ العصرِ سدًّا لذريعة الصَّلاة عندَ طُلوع الشمس وعندَ غروبها، ومنعُ الصَّائم من المباشرة إذا كانت تحرِّكُ شهوتَه، ومنع كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ فيما بين سرّتها ورُكبتها إلَّا مِنْ وراء حائلٍ، كما كان النبيُّ ﷺ يأمر امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تتَّزر، فيباشِرُها مِنْ فوق الإزار (٤).

стр. 204

ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبيُّ ﷺ : من سيَّبَ دابَّته ترعى بقُرْب زرع غيرِه، فإنَّه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهارًا، هذا هو الصحيح؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإرسالها في هذه الحال. وكذا الخلافُ لو أرسل كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرم، فدخل الحرمَ فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكل حال. وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب"، فيه إشارة إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتِّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه. فإن كان قلبُه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرَّماتِ كلها، وتوقي الشبهات حذرًا مِنَ الوقوعِ في المحرّمات. وإن كان القلبً فاسدًا، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب. ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنَّ كان الملكُ صالحًا كانت هذه الجنود صالحةً، وإن كان فاسدًا كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلا القلبُ السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]،

стр. 205

وكان النبيُّ ﷺ يقول في دعائه: "أَسأَلُكَ قلبًا سليمًا" (١)، فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلُّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه. وفي "مسند" الإِمام أحمد (٢) عن أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه ". والمراد باستقامة إيمانه: استقامةُ أعمال جوارحه، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلَّا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ الله، ومحبَّة طاعته، وكراهة معصيته. قال الحسن لرجل: داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم: يعني أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاحَ للقلوب حتى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليه، وتمتلئَ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التوحيد، وهو معنى "لا إله إلَّا الله"، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هو الله وحده لا شريكَ له، ولو كان في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 206

فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِّ والسُّفليّ معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنَّ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كله، وإن كانت حركةُ القلب وارادته لغيرِ الله تعالى، فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فساد حركة القلب. وروى الليثُ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبُّوا غيري. وفي "صحيح الحاكم" (١) عن عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: "الشِّركُ أخفى من دبيب الذرِّ على الصفا في اللَّيلة الظَّلماء، وأدناهُ أن تُحِبَّ على شيءٍ من الجور، وأن تُبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) [آل عمران: ٣١]. فهذا يدلُّ على أن محبةَ ما يكرهه اللهَ، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيِّ، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولهِ، فدلَّ على أن المحبَة لا تتمّ بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن: قال أصحابُ النبي ﷺ : يا رسول الله، إنَّا نُحِبُّ ربنا حبًا شديدًا. فأحبَّ الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ومن هنا قال الحسن: اعلم أنك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته.

стр. 207

وسئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قال: إذا كان ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر. وقال بشر بن السَّرِي: ليس من أعلام الحبِّ أن تُحبَّ ما يُبغِضُه حبيبك (١) وقال أبو يعقوب النهرجوري (٢): كلُّ من ادَّعى محبةَ الله ، ولم يُوافَق الله في أمره، فدعواه باطل. وقال رُويم: المحبة الموافقة في كلِّ الأحوال (٣)، وقال يحيى بنُ معاذ: ليسر. بصادقٍ من ادَّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده، وعن بعض السلف قال: قرأتُ في بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن عنده شيءٍ آثرَ من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيءٍ آثر من هوى نفسه. وفي " السنن " عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أعطى لله، ومنع لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله، فقد استكمل الِإيمان" (٤) ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الل وارادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أن يكونَ مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك. قال الحسن: ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتى أنظر على طاعةٍ أو على معصية؟ فإنَّ كانت طاعةٌ تقدمت، وإن كانت معصية تأخَّرت.

стр. 208

وقال محمد بن الفضل البَلخي (١): ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله . وقيل لداود الطائي: لو تنحيتَ من الظلّ إلى الشمس، فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تكتب. فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادة لِغير الله ، صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله ، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم.

стр. 209

الحديث السابع عنْ تَميمٍ الدَّاريّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثًا"، قُلْنا: لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم" رَواهُ مُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن عطاء بنِ يزيد الليثي، عن تميم الدَّاري، وقد روي عن سهيل وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وخرَّجه الترمذي من هذا الوجه، فمن العلماء مَنْ صححه من الطريقين جميعًا، ومنهم من قال: إن الصحيح حديثُ تميم، والإسناد الآخر وهم. وقد رُوي هذا الحديثُ عن النبي ﷺ من حديث ابنِ عمر، وثوبان، وابنِ عباسٍ، وغيرهم (٢). وقد ذكرنا في أوَّل الكتاب عن أبي داود أن هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي يدور عليها الفقه.

стр. 210

وقال الحافظ أبو نُعيم: هذا حديثٌ له شأن، ذكر محمدُ بنُ أسلم الطوسي أنَّه أحدُ أرباع الدين. وخرَّج الطبرانيُّ من حديث حُذيفة بنِ اليمان عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ لا يَهْتَمُّ بأمرِ المُسلِمين، فليس منهم، ومَنْ لَمْ يُمْسِ لصْبِحْ ناصِحًا للهِ ولِرسوله ولِكتابه ولإمامِه، ولعامّة المسلمين فليس منهم" (١). وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث أبي أمامة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "قال الله : أحبُّ ما تعبَّدَني به عبدي النصحُ لي" (٢). وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عمومًا، وفي بعضها: النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها: نصح ولاة الأمور لرعاياهم. فأمَّا الأوَّل - وهو النصحُ للمسلمين - عمومًا، ففي "الصحيحين" عن جرير بن عبد الله قال: بايعتُ النبي ﷺ على إقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاة، والنصح لكلِّ مسلم (٣). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "حقُّ المؤمن على المؤمن ستّ" فذكر منها: "وإذا استنصحك فانصَحْ له" (٤). ورُوي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبيِّ ﷺ . وفي "المسند" عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا

стр. 211

استَنْصَحَ أحَدُكُم أخاه، فليَنْصَح له" (١). وأما الثاني: وهو النصحُ لولاة الأمور، ونصحهم لرعاياهم، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: يَرْضَى لكم أن تعبُدُوه ولا تُشرِكُوا به شيئًا، وأن تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تُناصِحُوا مَنْ وَلَّاه الله أمركم" (٢). وفي "المسند" وغيره عن جُبير بنِ مطعم أن النبيِّ ﷺ قال في خطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنّ قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العمل لكه، ومناصحةُ ولاةِ الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين" (٣). وقد روى هذه الخطبة عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ منهم أبو سعيد الخدري. وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرَّجه الدَّارقطني في "الأفراد" بإسناد جيد، ولفظه أن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم:

стр. 212

النصيحةُ لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين" (١). وفي "الصحيحين" عن معقل بن يسار عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً ثُم لم يُحِطْها بنصيحةٍ إلا لم يَدْخُلِ الجنة". وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء ﵈ أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر بذلك عن نوحٍ، وعن صالح، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] يعني: أن من تخلف عن الجهاد لِعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكونَ ناصحًا لله ورسوله في تخلُّفِهِ، فإن المنافقين كانوا يُظهرون الأعذارَ كاذبين، ويتخلَّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله. وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن الدينَ النصيحةُ، فهذا يدلى على أن النصيحةَ تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذكرت في حديث جبريل، وسمَّى ذلك كُله دينًا، فإنَّ النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهِها، وهو مَقام الإحسان، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرّب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا. وفي مراسيل الحسن عن النبيِّ ﷺ قال: "أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدانِ، فكان أحدهما يُطِيعُه إذا أمره، ويُؤدي إليه إذا ائتمنه، وينصح له إذا غابَ عنه، وكان الآخر يَعصيه إذا أمره، ويخونُه إذا ائتمنه، ويغِشُّه إذا غاب عنه كانا سواء؟ " قالوا: لا، قال: "فكذاكم أنتم عندَ الله " خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.

стр. 213

وخرج الِإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه عن النبيِّ ﷺ (١). وقال الفضيل بنُ عياض: الحبُّ أفضلُ من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يُحبك، والآخر يخافك، فالذي يُحبّك منهما ينصحُك شاهدًا كنت أو غائبًا لِحبه إيَّاك، والذي يخافك عسى أن ينصحَك إذا شَهِدْتَ لما يخاف ويغشك إذا غبتَ ولا ينصحُك. قال عبدُ العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى ﵇: ما الخالصُ من العمل؟ قال: ما لا تُحِبُّ أن يَحْمَدَك الناسُ عليه، قالوا: فما النصحُ لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإن عَرَض لكَ أمران: أحدهما لله، والأخرُ للدنيا، بدأت بحقِّ الله تعالى. قال الخطابيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن جملة هي إرادةُ الخيرِ للمنصوح له، قال: وأصلُ النصح في اللغة الخُلوص، يقال: نصحتُ العسل: إذا خلصتَه من الشمع. فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحةُ الاعتقادِ في وحدانيته، وإخلاصُ النية

стр. 214

في عبادته، والنصيحة لكتابه: الِإيمانُ به، والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، وبذل الطاعة له فيما أَمَرَ به، ونهى عنه، والنصيحةُ لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم. انتهى. وقد حكى الِإمامُ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" (١) عن بعض أهلِ العلم أنَّه فسر هذا الحديث بما لا مزيدَ على حسنه، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه. قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان، وهي على وجهين: أحدهما فرض، والأخر نافلة، فالنصيحةُ المفترضة لله: هي شدة العناية من الناصح باتباعِ محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرَّم. وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه، وذلك أن يَعْرِض أمرانِ، أحدهما لنفسه، والآخرُ لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله، الفرض منه والنافلة، ولذلك تفسير، وسنذكر بعضَه لِيفهم بالتفسير من لا يفهم الجملة. فالفرضُ منها مجانبةُ نهيه، وإقامةُ فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقًا له، فإنَّ عَجَزَ عن الِإقامة بفرضه لِآفة حَلَّتْ به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلةُ المانعةُ له، قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، فسماهم محسنين لِنصيحتهم لله بقلوبهم لمَّا مُنِعُوا من الجَهاد بأنفسهم. وقد ترفع الأعمالُ كُلُّها عن العبد في بعض الحالات، ولا يُرفع عنه النصحُ للهِ، فلو كان من المرض بحالٍ لا يُمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا

стр. 215

غيره، غير أن عقلَه ثابت، لم يسقط عنه النصحُ لله بقلبه وهو أن يندمَ على ذنوبه، وينويَ إن صحَّ أن يقومَ بما افترض الله عليه، ويجتنبَ ما نهاه عنه، وإلا كان غيرَ ناصحٍ لله بقلبه. وكذلك النصحُ لله ولرسوله ﷺ فيما أوجبه على الناسِ عن أمرِ ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي، ويُحِبَّ طاعةَ من أطاعَ الله ورسولَه. وأما النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فرض، فبذل المجهود بإيثار الله على كُلِّ محبوب بالقلب وسائرِ الجوارح حتى لا يكونَ في الناصح فضل عن غيره؛ لأن الناصحَ إذا اجتهد، لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القيام به سرورُه ومحبتُه، فكذلك الناصحُ لربه، ومن تنفَّل لله بدون الاجتهاد، فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله. وأما النصيحة لكتاب الله، فشدةُ حبه وتعظيمُ قدره، إذ هو كلامُ الخالق، وشدةُ الرغبة في فهمه، وشدةُ العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لِطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم به له بعدَ ما يفهمه، وكذلك الناصحُ من العباد يفهم وَصِيَّةَ من ينصحه، وإن ورد عليه كتابٌ منه، عُني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصحُ لِكتاب ربه، يعنى بفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم يَنْشُرُ ما فهم في العباد ويُديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه. وأما النصيحة للرسولِ ﷺ في حياته، فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدّة الغضب، والإعراض عمّن تديّن بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة
следующие страницы →