← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الحديث الثاني عشر عَنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" (١) حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ. هذا الحديث خرّجه الترمذي، وابن ماجه من رواية الأوزاعي، عن قُرَّةَ بنِ عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵃، وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنف ﵀؛ لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه آخرون، وقال ابنُ عبد البرِّ: هذا الحديثُ محفوظ عن الزهري بهذا الِإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الِإسناد وإنما هو محفوظٌ عن الزهري، عن عليّ بن حسين، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، كذلك رواه الثقات عن الزهري، منهم مالك في الموطأ (٢)، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: "من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه" وممن قال: إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلًا الِإمام أحمد، ويحيى بن معين،

стр. 282

والبخاري، والدارقطني، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن عليِّ بن حسين عن أبيه عن النبي ﷺ ، فوصله وجعله من مسند الحسين بن عليّ، وخرَّجه الِإمامُ أحمد في "مسنده" (١) من هذا الوجه، والعمري ليس بالحافظ، وخرَّجه (٢) أيضًا من وجه آخر عن الحسين، عن النبي ﷺ ، وضعفه البخاري في "تاريخه" (٣) من هذا الوجه أيضًا، وقال: لا يصحُ إلا عن عليّ بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر وكُلُّها ضعيفة. وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإِمامُ أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماعُ آداب الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث: قول النبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخر فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصْمُتْ" وقوله ﷺ : "مِنْ حُسنِ إسلام المَرءِ تَركُهُ ما لَا يَعْنِيهِ" وقوله للذي اختصر له في الوصية: "لا تَغْضَبْ "، وقوله ﷺ : "المُؤْمِنُ يُحبُ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه". ومعنى هذا الحديث: أن مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعالِ؛ ومعنى يعنيه: أنَّه تتعلق عنايتُه به، ويكونُ من مقصده ومطلوبه، والعنايةُ: شدَّةُ الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه: إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المُراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والِإسلام، ولهذا جعله من حسن الإِسلام، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء، ترك ما لا يعنيه في الإِسلام من الأقوال

стр. 283

والأفعال، فإنَّ الإسلامَ يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇. وإن الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه تركُ المحرمات، كما قال ﷺ : "المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (١) وإذا حسن الإسلامُ، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامُه، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أنَّ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإِسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه، كما وصَّى ﷺ رجلًا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه. وفي "المسند" والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: "الاستحياء من الله تعالى أنَّ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء" (٢).

стр. 284

قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك. وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ، فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ، فاذكر نظره إليك. وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦، ١٧، ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق).

стр. 285

وفي "المسند" من حديث الحسين، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ من حُسْنِ إسلامِ المَرءِ قِلَّةَ الكَلامِ فيما لا يَعنيه" (١). وخرّج الخرائطي (٢) من حديث ابن مسعود قال: أتى النبيِّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله إني مطاعٌ في قومي فما آمرهم؟ قال له: "مُرْهُم بإفشاء السَّلام، وقِلَّةِ الكلام إلا فيما يعنيهم ". وفي "صحيح ابن حبان" (٣) عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكونَ له ساعات: ساعةٌ يُناجى فيها ربَّه، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نَفسه، وساعةٌ يتفكَّرُ فيها في صُنع الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أنَّ لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوُّدٍ لمعاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاشٍ، أو لذَّةٍ في غير محرَّم؛ وعلى العاقل أنَّ يكونَ بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسَب كلامَه من عمله، قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه ". وقال عمر بنُ عبد العزيز ﵀: من عدَّ كلامه من عمله، قلَ كلامُه إلا فيما يعنيه. وهو كما قال، فإنَّ كثيرًا من الناس لا يعدُّ كلامَه من عمله، فيُجازف فيه، ولا يتحرَّى، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النبيَّ ﷺ فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثَكِلَتكَ أُمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؟ " (٤).

стр. 286

وقد نفى الله الخير عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ بينهم، فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وخرَّج الترمذي، وابن ماجه من حديث أمِّ حبيبة، عن النبيِّ ﷺ قال: "كلُّ كلام ابن آدمَ عليه لا له إلا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، وذكرَ الله " (١). وقد تعجب قومٌ من هذا الحديثِ عندَ سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجُّبُكم من هذا، أليسَ قد قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] أليس قد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]؟ وخرَّج الترمذي من حديث أنس قال: تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني النبي ﷺ فقال رجل يعني: أبشرْ بالجَنَّةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أولا تدري، فلعلَّه تَكلَّم بِما لا يَعنيه أو بَخِلَ بما لا يُغنِيه" (٢). وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه

стр. 287

متعددة عن النبيِّ ﷺ ، وفي بعضها: أنه قتل شهيدًا. وخرَّج أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث شهاب بن مالك وكان وفَدَ على النبيِّ ﷺ أنه سَمعَ النبيَّ ﷺ وقالت له امرأة: يا رسولَ إله ألا تُسلمُ علينا؟ فقال: "إنك من قَبيل يُقَلِّلن الكثيرَ، وتمنع ما لا يُغنيها، وتسأل عما لا يعنيها" (١). وخرَّج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أكثرُ الناسِ ذنوبًا أكثَرُهُم كلامًا فيما لا يَعنيه" (٢). قال عمرو بنُ قيس الملائي: مرَّ رجلٌ بلقمان والناسُ عندَه، فقال له: ألستَ عبدَ بني فلان؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديثِ وطولُ السُّكوت عما لا يعنيني. وقال وهبُ بنُ مُنبِّهٍ: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما برجل يمشي على الهواء،

стр. 288

فقالا له: يا عبدَ الله بأيِّ شيءٍ أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسيرٍ من الدُّنيا: فَطَمْتُ نفسي عن الشهوات، وكففتُ لساني عما لا يعنيني، ورغبتُ فيما دعاني إليه، ولزمت الصمتَ، فإن أقسمت على الله، أبرَّ قسمي، وإن سألته أعطاني. دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلَّلُ، فسألوه عن سبب تهلل وجهه، فقال: ما مِنْ عمل أوثقَ عندي من خَصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين. وقال مُوَرِّق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدِرْ عليه ولستُ بتاركٍ طلبه أبدًا، قالوا: وما هو؟ قال: الكفُّ عما لا يعنيني. رواه ابن أبي الدنيا. وروى أسدُ بن موسى، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أوَّل من يَدخُلُ عليكم رَجُلٌ من أهل الجنة" فدخل عبدُ الله بنُ سلام، فقامَ إليه ناسٌ، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عَمَلِكَ في. نَفسِكَ، قال: إنَّ عملي لضعيف، أوثقُ ما أرجو به سلامةُ الصدر، وتركي ما لا يعنيني (١) وروى أبو عبيدة، عن الحسن قال: مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال سهل بنُ عبد الله التُّستَرِي: من تكلم فيما

стр. 289

لا يعنيه، حُرِمَ الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من اللهِ . وهذا الحديث يدلُّ على أن تركَ ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله، فقد كَمُلَ حُسْنُ إسلامه، وقد جاءت الأحاديثُ بفضل من حسن إسلامُه وأنَّه تضاعف حسناته، وتُكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام، ففي صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أحْسَنَ أحَدُكُم إسلامَهُ، فكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بعَشرِ أَمْثالِها إلى سبع مئة ضِعفٍ، وكلُّ سَيَئةٍ يعملها تُكتَبُ بمثلِها حتَّى يَلقى اللهَ " فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها لا بدَّ منه، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسان الإِسلام، وإخلاصِ النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله، كالنفقة في الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما رُوي عن عطية، عن ابن عمر قال: نزلت: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥] في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وخرَّج النَّسَائِي (٢) من حديث أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أسلمَ

стр. 290

العبدُ فحَسُنَ إسلامُهُ، كَتَبَ الله له كُلَّ حَسنةٍ كان أزلَفَها، ومُحِيتْ عنه كُلُّ سيئة كان أزلَفَها، ثم كان بَعْدَ ذلك القِصَاصُ، الحسَنَةُ بعَشْر أمثالِها إلى سَبع مئةِ ضِعفٍ، والسَّيِّئَةُ بمِثلِها إلا أنَّ يتجاوَزَ الله"، وفي روايةَ أخرى: "وقيل له: ائتنف العمل". والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام، وهذا يدلُّ على أنَّه يُثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتُمحى عنه سيئاته إذا أسلم، لكن بشرط أن يَحْسُنَ إسلامُه، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه، وقد نص على ذلك الإِمام أحمد، ويدلُّ على ذلك ما في "الصحيحين" (١) عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما مَنْ أحسَنَ منكم في الإسلام فلا يُؤَاخَذُ بها، ومن أساءَ أُخِذَ بعمله في الجاهلية والإسلام". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عمرو بن العاص قال للنبيِّ ﷺ لما أسلم: أريدُ أن أشْتَرطَ، قال: "تشترط ماذا؟ " قلتُ: أنَّ يُغْفَرَ لي، قال: "أما عَلمتَ أن الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قبله؟ ". وخرَّجه الإِمام أحمد ولفظه: "إن الإِسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الذنوب" وهذا محمولٌ على الإسلام الكامل الحسن جمعًا بينه وبين حديث ابن مسعودٍ الذي قبله. وفي صحيح مسلم (٣) أيضًا عن حكيم بن حزامِ قال: قلتُ: يا رسول الله أرأيتَ أمورًا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خيرٍ" وفي رواية له:

стр. 291

قال: فقلتُ: والله لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهلية إلا صنعتُ في الإسلام مثله، وهذا يدلّ على أن حسنات الكافر إذا أسلم يُثابُ عليها كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد المتقدِّم (١). وقد قيل: إن سيئاته في الشرك تبدَّل حسنات، ويُثابُ عليها أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠]، وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين: فمنهم مَنْ قال: هو في الدنيا بمعنى أنَّ الله يُبَدِّلُ من أسلم وتاب إليه، بَدَلَ ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان والأعمال الصالحة، وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" عن أكثر المفسرين، وسمى منهم ابنَ عباسٍ، وعطاء، وقتادة، والسُّدي، وعِكرمة. قلت: وهو المشهورُ عن الحسن. قال: وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل الإِسلام. قلت: إنما يصحُّ هذا القول على أنَّ يكونَ التبديلُ في الآخرة كما سيأتي، وأما إن قيل: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلم والمسلمُ إذا تاب في ذلك سواء، بل المسلم إذا تاب، فهو أحسنُ حالًا من الكافر إذا أسلم. قال: وقال آخرون: التبديلُ في الآخرة: جعلت لهم مكان كلِّ سيئةٍ حسنة، منهم عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو العالية، ومجاهد، وخالد سبلان، وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصلهُ

стр. 292

أنه يلزمُ من ذلك أنَّ يكونَ مَنْ كثرت سيئاته أحسنَ حالًا ممن قلَّت سيئاته حيث يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أنَّ يُبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أن معنى تبدل: أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها تبدل مئةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عمل ألف سيئة أنَّ تبدَّل ألف حسنة، فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالًا. قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وردّه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائبَ يُوقف على سيئاته، ثم تبدَّل حسنات، قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يُؤتى كتابَه في سَتْر من الله ، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغيَّر لها لونُه حتى يمرَّ بحسناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاتُه قد بُدِّلت حسناتٍ، فعند ذلك يقول: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ (١) [الحاقة:

стр. 293

١٩] ورواه بعضهم عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وقال بعضهم: عن أبي عثمان عن سلمان. وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أهلِ الجنةِ دُخولًا الجنَة، وآخِرَ أهلِ النارِ خروجًا منها، رجلٌ يُؤتَى به يوم القيامةِ فيقال: اعرِضُوا عليه صِغارَ ذنوبه، وارفَعُوا عنه كِبارَهَا، فيَعْرِضُ الله عليه صِغارَ ذنوبهِ، فيقالُ له: عَمِلْتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعَمِلْتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإنَّ لك مكانَ كُلِّ سيئةٍ حسنةً، فيقول: با ربَّ قد عمِلْتُ أشياء لا أراها هاهنا" قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ ضَحِكَ حتَّى بدت نواجذه. فإذا بُدِّلَت السيئاتُ بالحسنات في حقِّ من عوقِبَ على ذنوبه بالنار، ففي حقِّ من مَحى سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى؛ لأن مَحْوَها بذلك أحبُّ إلى الله من محوها بالعقاب. وخَرَّج الحاكم (٢) من طريق الفضل بن موسى، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليتَمنَّينَّ أقوامٌ أنَّهم أكثَرُوا من السيِّئاتِ "، قالوا: بِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "الذين بَدَّل الله سيئاتِهم حسنات "، وخرَّجه ابنُ أبي حاتم (٣) من طريق سليمان أبي داود الزهري عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع، ويروى مثلُ هذا عن الحسن البصري أيضًا يُخالف قولَه المشهور: إن التبديلَ في الدنيا.

стр. 294

وأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلَّت سيئاتُه يُزاد في حسناته، ومن كثرت سيئاتُه يُقَلَّلُ من حسناته، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردِّ هذا، وأنَّه يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة. وأما قوله: يَلْزَمُ من ذلك أنَّ يكون مَنْ كَثُرَت سيئاتُه أحسنَ حالًا ممن قلَّتْ سيئاتُهُ، فيقال: إنما التبديلُ في حقِّ مَنْ نَدِمَ على سيئاته، وجعلها نصبَ عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا، ووجلًا، وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت هذه حاله، فإنَّه يتجرَّعُ من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عندَ فعلها، ويصيرُ كلُّ ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمال صالحةٍ ماحية له، فلا يُستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات. وقد ورَدَت أحاديثُ صريحةٌ في أنَّ الكافرَ إذا أسلم، وحَسُنَ إسلامُه، تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرْك حسنات، فخرَّج الطبراني (١) من حديث عبد الرحمن بن

стр. 295

جبير بن نفير عن أبي فروة شطب أنَّه أتى النبيَّ ﷺ فقال: أرأيتَ رجلًا عَمِلَ الذنوب كُلَّها، ولم يترك حاجةً ولا داجةً، فهل له مِنْ توبة؟ فقال: "أسلمتَ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "فافعلِ الخيراتِ، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيراتٍ كلها"، قال: وغَدَرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم"، قال: فما زال يُكبِّرُ حتَّى توارَى. وخرجه (١) من وجه آخر بإسناد ضعيف عن سلمة بن نفيل، عن النبيِّ ﷺ . وخرَّج ابنُ أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلًا، وخرَّج البزارُ الحديثَ الأوَّل وعنده: عن أبي طويل شطب الممدود أنَّه أتى النبيِّ ﷺ فذكره بمعناه، وكذا خرَّجه أبو القاسم البغوي في "معجمه"، وذكر أن الصوابَ عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير مرسلًا أن رجلًا أتى النبيِّ ﷺ طوي شَطْب، والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل (٢).

стр. 296

الحديث الثالث عشر عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه". رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (١). هذا الحديث خرجاه في "الصحيحين" من حديث قتادة عن أنسٍ، ولفظُ مسلم "حَتَّى يُحِبَّ لجاره أو لأخيه" بالشَّكِّ. وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: "لا يبلغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتَّى يحبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفسه من الخِير". وهذه الرواية تبيِّنُ معنى الرِّواية المخرجة في "الصحيحين"، وأنَّ المرادَ بنفي الِإيمان نفيُ بلوغِ حقيقته ونهايته، فإنَّ الِإيمانَ كثيرًا ما يُنفى لانتفاءِ بعض أركانِهِ وواجباته، كقوله ﷺ : "لا يزني الزَّاني حِينَ يَزني وهو مؤمن، ولا يسرِقُ السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حين يشربها وهو مؤمنٌ" (٢)، وقوله: "لا يُؤْمِنُ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بوائِقَه" (٣).

стр. 297

وقد اختلف العلماءُ في مرتكب الكبائر: هل يُسفى مؤمنًا ناقصَ الإِيمان، أم لا يُسمى مؤمنًا؟ وإنَّما يُقالُ: هو مسلم، وليس بمؤمنٍ على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد. فأمَّا من ارتكبَ الصَّغائرَ، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكبَ من ذلك. والقولُ بأنَّ مرتكب الكبائر يقال له: مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ مرويٌّ عن جابرِ بنِ عبد الله، وهو قولُ ابن المبارك وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلمٌ، ليس بمؤمنٍ مرويٌّ عنَ أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضُهم أنَّه المختارُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ. وقال ابنُ عباسٍ: الزاني يُنزَعُ منه نورُ الإيمان (١). وقال أبو هريرة: يُنْزَعُ منه الإيمانُ، فيكون فوقَه كالظُّلَّةِ، فإذا تابَ عاد إليه. وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً، ويخلعه أخرى، وكذا قال الِإمام أحمد ﵀ وغيره (٢)، والمعنى: أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان، لبسه، فإذا نقصَ منها شيئًا نزعه، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيءٍ. والمقصودُ أن مِن جملة خِصال الِإيمانِ الواجبةِ أن يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمنِ ما يدب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زالَ ذلك عنه، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك. وقد رُوِيَ أنَّ النبيِّ ﷺ قال لأبي هريرة: "أَحِبَّ للناسِ ما تُحبُّ لنفسِك

стр. 298

تكن مسلمًا" خرَّجه الترمذي وابن ماجه (١). وخرَّج الإمام أحمد في حديث معاذٍ أنَّه سألَ النبيِّ ﷺ عن أفضلِ الإيمان، قال: "أفضل الإيمانِ أن تُحِبَّ للهِ وتُبغِضَ للهِ، وتعْملَ لسانَك في ذكر الله"، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: "أنْ تُحِبَّ للنَّاس ما تَحبُّ لنفسك، وتكرَه لهم ما تكرة لنفسك، وأن تقول خيرًا أو تَصمُت" (٢). وقد رتَّب النبيُّ ﷺ دخولَ الجنة على هذه الخَصْلَةِ؛ ففي "مسند" الإِمام أحمد ﵀ عن يزيد بن أسدٍ القَسْرِي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أتحبُّ الجنَّةَ"؟ قلت: نعم، قال: "فأحبَّ لأخيكَ ما تُحبُّ لنفسك" (٣). وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنة، فلتدركه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، ويأتي إلى الناسِ الذي يحبُّ أن يُؤْتَى إليه" (٤). وفيه أيضًا عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذرٍّ، إني أراكَ ضعيفًا، وإني أحب لك ما أُحبُّ لنفسي لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مالَ يتيم" (٥).

стр. 299

وإنما نهاه عن ذلك، لما رأى من ضعفه، وهو ﷺ يحبُّ هذا لكلٍّ ضعيفٍ، وإنما كان يتولَّى أمورَ النَّاس؛ لأنَّ الله قوَّاه على ذلك، وأمره بدعاء الخلْقِ كلّهم إلى طاعته، وأن يتولَّى سياسةَ دينهم ودنياهم. وقد رُويَ عن علي قال: قال لي النبيِّ ﷺ : "إنِّي أرضى لك ما أرضى لِنفسي، وأكره لك ما أكرهُ لنفسي، لا تقرأ القرآنَ وأنتَ جنبٌ، ولا وأنتَ راكعٌ، ولا أنت ساجد" (١). وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلَّا ما يرضى لنفسه، وهذا كلُّه من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي مِنْ جملة الدين كما سبق تفسيرُ ذلك في موضعه.

стр. 300

وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديثَ النعمان بنِ بشير، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَثَلُ المؤمنِينَ في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عُضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهر" خرجاه في "الصحيحين" (١)، وهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يسوؤه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويُحزِنُه ما يُحزنه. وحديثُ أنس الذي نتكلَّمُ الآن فيه يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يَفوقَه أحدٌ في خير، أو يُساويَه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يمتازَ على الناسِ بفضائله، وينفردَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أن يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيَما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يُريد العلوَّ في الأرض ولا الفساد، فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. وروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ عن عليٍّ ﵁، قال: إنَّ الرَّجُلَ ليُعْجبُهُ مِن شِراكِ نعله أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبه فَيَدْخُلُ في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وكذا رُوي عن الفَضيل بنِ عياض في هذه الآية، قال: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعل غيره، ولا شِراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره. وقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنَّه إذا أراد الفخر على غيره لا مجرَّدَ التجمل (٣)، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرين في هذه الآية: العلوُّ في الأرض:

стр. 301

التكبُّر، وطلبُ الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي (١). وقد ورد ما يَدُلُّ على أنَّه لا يأثم مَنْ كره أن يفوقَه من الناسِ أحدٌ في الجمال، فخرَّج الإمامُ أحمدُ ﵀ والحاكم في "صحيحه" من حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتيتُ النبيِّ ﷺ وعنده مالكُ بن مرارةَ الرَّهَاوِيُّ، فأدركتُه وهو يقول: يَا رسولَ الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من الناس فضلني بشِراكَيْن فما فوقهما، أليس ذلك هو من البَغي؟ فقال: "لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِرَ - أو قال: - سفه الحقَّ وغَمَصَ الناس" (٢). وخرَّج أبو داود (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ معناه، وفي حديثه: "الكبر" بدل "البغي". فنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يَفوقَهُ أحدٌ في الجمال بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبر والبغي ببطر الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناع مِن قبوله كِبرًا إذا خالف هواه. ومن هنا قال بعض السلف: التواضُعُ أن تَقْبَلَ الحق مِن كل من جاء به، وإن كان صغيرًا، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان يحبُّه أولا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قَبُولَ الحقّ تعاظُمًا عليه، فهو متكبِّرٌ. وغمصُ الناس: هو احتقارُهم وازدراؤهم، وذلك يحصُل مِنَ النَّظرِ إلى النفس بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقص.

стр. 302

وفي الجملة، فينبغي للمؤمن أن يُحِبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لِنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه، اجتهدَ في إصلاحه. قال بعضُ الصالحين مِنَ السلف: أهلُ المحبة لله نظروا بنور الله، وعطَفُوا على أهلِ معاصي الله، مَقَتُوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهُم بالمواعظ عن فِعالهم، وأشفقوا على أبدانِهم من النار، لا يكون المؤمنُ مؤمنًا حقًا حتى يرضى للناسِ ما يرضاه لنفسه، وإن رأى في غيره فضيلةً فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها، فإنَّ كانت تلك الفضيلةً دينية، كان حسنًا، وقد تمنى النبيُّ ﷺ لنفسه منزلةَ الشَّهادة (١). وقال ﷺ : "لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجل آتاهُ الله مالًا، فهو يُنفقهُ آناء الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجُلٌ آتاهُ الله القرآن، فهو يقرؤهُ آناءَ الليل وآناءَ النهار" (٢). وقال في الذي رأى مَنْ ينفق مالَه في طاعة الله، فقال: "لو أنَّ لي مالًا، لفعلتُ فيه كما فعل، فهما في الأجر سواءٌ" (٣) وإن كانت دنيويةً، فلا خيرَ في تمنيها، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

стр. 303

وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠]. وأما قول الله : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجَل نفس ما أُعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمني النِّساءِ أن يكنَّ رجالًا، أو يعَون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائل الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك. وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه. ومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أَنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أن ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأن يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولا يكره أن أحدًا يُشارِكُه في ذلك، بل يُحِبُّ للناس كُلِّهم المنافسةَ فيه، ويحثُّهم على ذلك، وهو من تمام أداءِ النصيحة للإخوان. قال الفضيلُ: إن كنتَ تحبُّ أن يكونَ الناسُ مثلَك، فما أديتَ النَّصيحة لربِّك، كيف وأنت تحبُّ أن يكونوا دونك؟! يشير إلى أنَّ أداء النَّصيحة لهم أن يُحبَّ أن يكونوا فوقَه، وهذه منزلةٌ عالية، ودرجةٌ رفيعةٌ في النُّصح، وليس ذلك بواجبٍ، وإنَّما المأمورُ به في الشرع أن يُحبَّ أن يكونوا مثلَه، ومع هذا، فإذا فاقه أحدٌ في فضيلة دينية، اجتهد على لَحاقه، وحزن على تقصيرِ نفسه، وتخلُّفِهِ عن لحاق السابقين، لا حسدًا لهم على ما آتاهُم الله، بل منافسةً لهم، وغبطةً وحزنًا على النَّفس بتقصيرها وتخلُّفها عن درجات السابقين. وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسَه مقصِّرًا عن الدَّرجات العالية، فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها، والنظر إلى نفسه بعينِ النَّقص، وينشأ مِنْ هذا أن يُحِبَّ للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنَّه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثلِ حاله، كما أنَّه لا يرضى لنفسه بما هي عليه،

стр. 304

بل هو يجتهد في إصلاحها. وقد قالَ محمدُ بنُ واسع لابنه: أمَّا أبوكَ، فلا كثَّرَ الله في المسلمين مثلَه (١). فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يُحبُّ للمسلمين أن يكونوا مثلَه مع نصحه لهم؟ بل هو يحبُّ للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحبُّ لنفسه أن يكونَ خيرًا ممَّا هو عليه. وإن عَلِمَ المرءُ أن الله قد خصَّه على غيره بفضل، فأخبر به لمصلحة دينية، وكان إخباره على وجه التحدُّث بالنِّعمِ، ويرى نفسه مقصرًا في الشُّكر، كان جائزًا، فقد قال ابنُ مسعود: ما أعلم أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني، ولا يمنع هذا أن يُحِبَّ للنَّاسِ أنْ يُشاركوه فيما خصَّهُ الله به، فقد قال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّي لأمرُّ على الآيةِ من كِتاب الله، فأودُّ أنَّ النَّاسَ كُلَّهم يعلمُون منها ما أعَلم. وقال الشافعيُّ: وددتُ أنَّ النَّاسَ تعلَّموا هذا العلمَ، ولم يُنسَبْ إليَّ منه شيءٍ (٢). وكان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أن يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله: أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها؛ ليكونَ لك مثلُ أجري (٣).

стр. 305

الحديث الرابع عشر عَنْ عبدِ الله بن مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بِإحْدَى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ". رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود (٢)، وفي رواية لمسلم: "التارك للإسلام" بدل قوله: "لدينه". وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة: فخرَّج مسلم من حديث عائشة عن النبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ ابن مسعود. وخرَّج الترمذيُّ، والنسائي، وابنُ ماجه من حديث عثمان عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَحلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ: رجلٍ كفر بعد إسلامه، أو زَنى بعد إحصانِه، أو قتلَ نفسًا بغير نفسٍ". وفي رواية للنسائي: "رجلٌ زنى بعد

стр. 306

إحصانه، فعليه الرجمُ، أو قتل عمدًا، فعليه القَوَدُ، أو ارتدَّ بعدَ إسلامِهِ، فعليه القتلُ" (١). وقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ من روايةِ ابن عبَّاس (٢) وأبي هريرة وأنس (٣) وغيرهم، وقد ذكرنا حديثَ أنسٍ فيما تقدَّم، وفيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حقُّ الإسلام التي يُستباح بها دَمُ مَنْ شهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، والقتلُ بكلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الخصالِ الثَّلاثِ متفقٌ عليه بين المسلمين. أما زنى الثَّيِّب، فأجمع المسلمون على أن حَدَّه الرجمُ حتَّى يموتَ، وقد رجم النبيُّ ﷺ ماعَزًا والغامدية (٤)، وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: "والشَّيخُ والشَّيخَةُ إذا زَنيا فارجُموهُما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم" (٥). وقد استنبط ابنُ عباسٍ الرَّجمَ مِنَ القرآن من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، قال: فمن كفر بالرَّجم، فقد كفر بالقرآن من حيثُ لا يحتسب،

стр. 307

ثمَّ تلا هذه الآية وقال: كان الرجمُ مما أَخفوا. خرَّجه النَّسَائِي، والحاكم، وقال: صحيحُ الإسناد (١). ويُستنبط أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٩]. وقال الزهري: بلغنا أنها نزلت في اليهوديَّيْن الَّلذيْن رجمهما النبيِّ ﷺ قال: "إنَّي أحكم بما في التوراة" وأمر بهما فرُجِما (٢). وخرَّج مسلم في "صحيحه" (٣) من حديث البراء بنِ عازب قصة رجم اليهود، وقال في حديثه: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وأنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في الكفار كلها. وخرَّجه الإمام أحمد (٤) وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يقولون: ائتوا محمدًا، فإنَّ أفتاكم بالتَّحميم والجلدِ، فخُذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: في اليهود. ورُوِيَ من حديث جابر قصَّةُ رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله:

стр. 308

﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١) [المائدة: ٤٢]. وكان الله تعالى قد أمر أوَّلًا بحبسِ النِّساء الزَّواني إلى أن يتوفَّاهنَّ الموت أو يجعل الله لهنَّ السبيل، ثم جعل الله لهنَّ سبيلاً، ففي "صحيح مسلم" عن عبادة، عن النبيِّ ﷺ قال: "خُذوا عنَّي خُذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيب جلدُ مئة والرجمُ" (٢). وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعةٌ من العلماء، وأوجبوا جلدَ الثيب مئة، ثم رجمه كما فعل عليٌّ بِشُراحة الهَمْدَانيَّةِ، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورَجمتُها بسنة رسول الله ﷺ (٣). يشير إلى أن كتاب الله فيه جلدُ الزَّانيين من غير تفصيلٍ بين ثيِّبٍ وبِكرٍ، وجاءت السُّنةُ برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضًا،

стр. 309

وهذا القول هو المشهور عن الإِمام أحمد ﵀ وإسحاق، وهو قول الحسن وطائفة من السلف. وقالت طائفة منهم: إن كان الثَّيِّبان شيخين رُجمَا وجُلِدا، وإن كانا شابَّين، رُجِما بغيرِ جلدٍ؛ لأنَّ ذنبَ الشيخِ أقبحُ، لا سيما بالزنى، وهذا قولُ أبيِّ بنِ كعبٍ، وروي عنه مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا. وأما النَّفسُ بالنفسِ، فمعناه أن المكلَّف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدًا، فإنَّه يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآن على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ويُستثنى من عُموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ صُورٌ: منها أن يقتل الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنه لا يُقْتَلُ به، وصحَّ ذلك عن عُمر. وروي عن النبيِّ ﷺ من وجور مُتعدَّدَةٍ، وقد تُكُلِّمَ في أسانيدها (١)، وقال

стр. 310

مالك: إنْ تَعمدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أن يذبحه، فإنَّه يُقتل به، وإن حذفه بسيفٍ أو عصا، لم يقتل. وقال البتِّي: يقتل بقتله بجميع وجوه العَمدِ للعمومات. ومنها: أن يقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ (١). وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون عبدهِ، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه، وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره، وهو رواية عن الثوري، وقول طائفةٍ من أهل الحديث؛ لحديث سمرة عن النبيِّ ﷺ : "من قَتَلَ عبدهُ، قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ" (٢) وقد طعن فيه الإِمام أحمد وغيره. وقد أجمعوا على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرارِ في الأطراف، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مطَّرَحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أن المراد بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الأحرار؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف، وهو يختصُّ بالأحرار.

стр. 311

ومنها أن يَقتُلَ المسلم كافرًا، فإنَّ كان حربيًا، لم يقتل به بغير خلافٍ؛ لأنَّ قتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإن كان ذميًا أو معاهَدًا، فالجمهور على أنَّه لا يقتل به أيضًا، وفي "صحيح البخاري" (١) عن علي عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يُقتلُ مسلمٌ بكافر". وقال أبو حنيفة وجماعةٌ من فقهاء الكوفيين: يُقتل به، وقد روى ربيعةُ عن ابن البيلماني عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمةِ، وقال: "أنا أحقُّ من وفى بذمَّته" (٢) وهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفه الإِمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربي، والجوزجاني، وابنُ المنذر، والدَّارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟ وقال الجوزجاني: إنَّما أخذه ربيعةُ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى عن ابنِ المنكدر عن ابن البيلماني، وابن أبي يحيى متروك الحديث. وفي "مراسيل أبي داود" (٣) حديث آخر مرسل أن النبيَّ ﷺ قَتَلَ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلةً، وقال: "أنا أولى وأحقُّ من وفى بذِمَّته". وهذا مذهبُ مالك وأهل المدينةِ أن القتلَ غيلة لا تُشترط له المكافاة، فَيُقْتَلُ فيه المسلمُ بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابن البيلماني أيضًا على تقدير صحَّته. ومنها: أن يقتل الرجل امرأةً، فيُقتل بها بغيرِ خلاف، وفي كتاب عمرو بنِ حزمٍ عن النبيِّ ﷺ أن الرَّجُلَ يقتل بالمرأة (٤). وصحَّ أنَّه ﷺ قتل يهوديًا قتل

стр. 312

جارية (١) وأكثرُ العلماء على أنَّه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيءٌ. وروي عن عليّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدية (٢)؛ لأن ديةَ المرأة نصفُ ديةِ الرجل وهو قولُ طائفةٍ مِنَ السَّلف وأحمد في رواية عنه. وأمَّا التَّاركُ لِدينه المفارق للجماعة، فالمرادُ به من ترك الإِسلام، وارتدَّ عنه، وفارقَ جماعة المسلمين، كما جاء التصريحُ بذلك في حديث عثمان، وإنَّما استثناه مع من يحلُّ دمه من أهل الشهادتين باعتبارِ ما كان عليه قبل الرِّدَّة وحكم الإِسلام لازم له بعدها، ولهذا يُستتاب، ويُطلب منه العود إلى الإِسلام، وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الرِّدَّة من العبادات اختلافٌ مشهورٌ بَيْنَ العلماء. وأيضًا فقد يتركُ دينَه، ويُفارقُ الجماعة، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا مِنْ أرَكان الإِسلام، أو سبَّ الله ورسولَه، أو كفرَ ببعضِ الملائكة أو النَّبيِّينَ أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "من بدَّل دينَهُ فاقتلوه" (٣). ولا فرق في هذا بين الرجلِ والمرأة عندَ أكثر العلماء، ومنهم من قال: لا تُقتل المرأةُ إذا ارتدَّت كما لا تُقتل نساء أهلِ دارِ الحرب في الحرب، وإنما تُقتل رجالُهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، والجمهور فرَّقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظَ لما سبقه من الإِسلام، ولهذا يقتل بالرِّدَّة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشَّيخ الفاني والزَّمِن والأعمى، ولا يُقتلون في الحرب.

стр. 313

وقوله ﷺ : "التارك لدينه المفارق للجماعة" يدلّ على أنَّه لو تاب ورجع إلى الإسلام، لم يقتل؛ لأنَّه ليس بتاركٍ لدينه بعدَ رجوعه، ولا مفارقٍ للجماعة. فإن قيل: بل استثناء هذا ممَّن يعصم دَمُه من أهل الشهادتين يدلُّ على أنَّه يقتل ولو كان مقرًا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المُحصَن، وقاتل النفس، وهذا يدلُّ على أن المرتدَّ لا تُقبل توبتُه، كما حُكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتدَّ ممَّن وُلِدَ على الإسلام، فإنَّه لا تُقبل توبتُه، وإنما تقبل توبةُ مَنْ كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتدَّ على قول طائفةٍ من العلماء، منهم: الليثُ بنُ سعدٍ، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق. قيل: إنَّما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبْلَ مفارقة دينه كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزَّاني، وقاتل النفس؛ لأنَّ قتلَهُما وَجب عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يُمكنَ تلافي ذلك. وأمَّا المرتدُّ، فإنما قُتِلَ لوصفٍ قائمٍ به في الحال، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة، فإذا عاد إلى دينِهِ، والى موافقة الجماعة، فالوصف الذي أُبيح به دمُه قدِ انتفى، فتزولُ إباحةُ دمِهِ، والله أعلم. فإنَّ قيل: فقد خرَّج النَّسَائِي (١) من حديث عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَحل دمُ امرئٍ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث خصالٍ: زانٍ محصن يُرجَمُ، ورَجُلٍ قتل متعمدًا فيُقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض". وهذا يدلُّ على أن المرادَ من جمع بين الردَّة والمحاربة. قيل: قد خرَّج أبو داود (٢) حديث عائشة بلفظ آخر، وهو أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يحل دَمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله

стр. 314

إلا في إحدى ثلاث: زنى بعد إحصانٍ فإنَّه يُرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنَّه يقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها". وهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ وُجِدَ منه الحِراب من المسلمين، خُيِّرَ الإمامُ فيه مطلقًا، كما يقوله علماءُ أهلِ المدينة مالك وغيره، والرواية الأولى قد تُحمل على أن المرادَ بخروجه عن الإسلام خروجُه عن أحكام الإسلام، وقد تُحمل على ظاهرها، ويستدلُّ بذلك مَنْ يقول: إن آيةَ المحاربة تختصُّ بالمرتدين، فمن ارتدَّ وحارب، فُعِل به ما في الآية، ومن حارب من غيرِ رِدَّةٍ، أقيمت عليه أحكامُ المسلمين مِنَ القِصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنها غيرُ مشهورةٍ عنه، وكذا قال طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختصُّ بالمرتدين، منهم أبو قِلابة وغيرُه. وبكلِّ حالٍ، فحديث عائشة ألفاظُه مختلفةٌ، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا، وحديثُ ابنِ مسعودٍ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يُقال على هذا: إنَّه قد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث: فمنها في اللواط، وقد جاء من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "اقتُلوا الفاعِلَ والمفعولَ به" (١) وأخذ به كثيرٌ من العلماء كمالكٍ وأحمد، وقالوا: إنَّه موجبٌ للقتل بكلِّ حالٍ، محصنًا كان أو غير محصن، وقد رُوي عن عثمان أنَّه قال: لا يحل دمُ امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: ورجل عمِلَ عمَلَ قوم لوط (٢).

стр. 315

ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله، وروي أن النبيِّ ﷺ قتل من تزوَّجَ بامرأة أبيه (١)، وأخذ بذلك طائفةٌ من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقًا محصنًا كان أو غير محصن. ومنها الساحر، وفي "الترمذي" من حديث جُندب (٢) مرفوعًا: "حدُّ السَّاحر ضربةٌ بالسَّيف" وذكر أن الصحيح وقفه على جندب، وهو مذهبُ جماعةٍ من العلماء، منهم عُمَرُ بنُ عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنه يكفر بسحره، فيكون حكمُه حكمَ المرتدين. ومنها قتلُ من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (٣)، وقال به طائفةٌ من العلماء.

стр. 316

ومنها من ترك الصَّلاة، فإنَّه يُقتل عندَ كثيرٍ من العُلماء مع قولهم: إنَّه ليس بكافرٍ، وقد سبق ذكرُ ذلك مستوفى. ومنها قتلُ شاربِ الخمر في المرَّة الرابعة، وقد ورد الأمرُ به عنِ النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ متعدِّدَةٍ (١)، وأخذَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص (٢) وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبيِّ ﷺ أُتي بالشَّارب في المرَّةِ الرابعة، فلم يقتُله (٣). وفي "صحيح البخاري" أن رجلًا كان يُؤتى به النبيَّ ﷺ في الخمر، فلعنه رجلٌ، وقال: ما أكثرَ ما يُؤتى به، فقال النبيُّ ﷺ : "لا تلعنه، فإنَّه يُحِبُّ الله ورسوله"، ولم يقتله بذلك (٤). وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (٥)، وقيل: إنَّ بعضَ الفُقهاء ذهبَ إليه.

стр. 317

ومنها ما رُوي عنه ﷺ أنَّه قال: "إذا بُوِيعَ لِخَليفَتين، فاقتلوا الآخرَ منهما" خرَّجه مسلم (١) من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي أحاديثَ هذا الباب كلها. ومنها: قولُه ﷺ : "من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحد، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّقَ جماعَتَكُم فاقتلوه" وفي رواية: "فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان". وقد خرَّجه مسلم (٢) أيضًا من رواية عرفجة. ومنها: من شَهَرَ السِّلاحَ، فخرَّج النسائيُّ من حديث ابن الزبير عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ شَهَرَ السِّلاحَ ثم وضعه، فدمه هدرٌ". وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا. وقال البخاري: إنما هو موقوف (٣). وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يريد من شهر سلاحه ثمَّ وضعه في النَّاس حتى استعرض النَّاس (٤)، فقد حل قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال

стр. 318

والنساء والذرية. وقد رُوِيَ عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرَّج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه أن غلامًا شهر السَّيف على مولاه في إمرةِ سعيدِ بنِ العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه النَّاسُ عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه" فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من قُتِلَ دون ماله، فهو شهيد" (٢)، وفي رواية: "ومن قتل دون دمه، فهو شهيد" (٣). فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعيُّ وأحمد، وهل يجب أن ينوي أنَّه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإِمام أحمد. وذهب طائفة إلى أنَّ مَنْ أراد مالَه أو دمَه، أُبيح له قتلُه ابتداء، ودخل على ابن عمرَ لِصٌّ، فقام إليه بالسيف صلتاً، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله (٤). وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجلٍ ومعه حديدة، قال: اقتله بأيِّ قتلة قدرتَ عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولَّى هاربًا من غير جناية، منهم أيوبُ السختياني. وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت عن النبيِّ ﷺ قال: "الدَّارُ

стр. 319

حرمك، فمن دخل عليك حَرَمَكَ، فاقتله" ولكن في إسناده ضعف (١). ومنها قتلُ الجاسوسِ المسلم إذا تجسَّسَ للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه أحمد، وأباح قَتْلَهُ طائفة من أصحاب مالِك، وابنُ عقيل من أصحابنا، ومن المالكية مَنْ قال: إن تكرَّر ذلك منه، أُبِيحَ قتله، واستدلَّ من أباحَ قتله بقولِ النبيِّ ﷺ في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتابَ إلى أهلِ مكَّةَ يخبرهم بسير النبيِّ ﷺ إليهم، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمرُ في قتله، فقال: "إنَّه شهدَ بدرًا" (٢)، فلم يقل: إنه لم يأت ما يُبيح دمه، وإنَّما علَّل بوجود مانعٍ مِنْ قتله، وهو شهودُه بدرًا ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانعُ منتفٍ في حقِّ مَنْ بعدَه. ومنها ما خرَّجه أبو داود في "المراسيل" (٣) من رواية ابن المسيب أن النبيِّ ﷺ قال: "من ضرب أباه فاقتلوه" ورُويَ مسندًا من وجهٍ آخرَ لا يصح (٤). واعلم أنَّ من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر، كحديث "مَنْ ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث: "قتل السارق في المرة الخامسة" (٥). وباقي النصوص كلُّها يمكن ردُّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ تضمَّن أنَّه لا يُستباحُ دمُ المسلم إلَّا بإحدى ثلاث

стр. 320

خصالٍ: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإمَّا أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفسًا بغير حقٍّ. فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يُستباح إلَّا بأحد ثلاثة أنواع: تركِ الدين، وإراقةِ الدم المحرَّم، وانتهاك الفرج المحرّم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تُبيح دم المسلم دون غيرها. فأمَّا انتهاكُ الفرج المحرّم، فقد ذكر في الحديث أنَّه الزنى بعد الإِحصان، وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإنَّ المحصن قد تمَّت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنِّكاح، فإذا أتاها بعد ذلك مِنْ فرجٍ محرَّم عليه، أُبيح دمه، وقد ينتفي شرط الِإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباحُ بحال، إمَّا مطلقًا كاللواط، أو في حقِّ الواطئ، كمن وطئ ذاتَ محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائمًا مقامَ الِإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محلّ النِّزاع بين العلماء، والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّه يكون خلفًا عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم. وأما سفك الدَّم الحرام، فهل يقومُ مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشقِّ العصا، والمبايعةِ لإِمامٍ ثانٍ، ودلِّ الكُفَّارِ على عورات المسلمين؟ هذا هو محلُّ النزاع. وقد روي عن عمر ما يَدُلُّ على إباحة القتل بمثل هذا. وكذلك شهرُ السلاحِ لطلب القتل: هل يقومُ مقامَ القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابنُ الزبير وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك (١). وكذلك قطعُ الطَّريق بمجرَّده: هل يبيحُ القتلَ أم لا؟ لأنَّه مظِنَّةٌ لسفك الدِّماء المحرّمة، وقول الله : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، يدلُّ على أنَّه إنَّما يُباحُ قتل
следующие страницы →