← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واعلم أن كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نواهي الله ورسوله، فلو أنَّ من أرادَ أن يعمل عملًا سأل عمَّا شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فاجتنبه، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيُّ ﷺ في هذا الحديث، وانتهى عما نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره، حَصَلَ له النجاةُ في الدنيا والآخرة، ومَنْ خالف ذلك، واشتغلَ بخواطرِه وما يستحسنه، وقع فيما حَّذرَ منه النبيُّ ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدمِ انقيادهم وطاعتهم لرسلهم، وقوله ﷺ : "إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أموتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" قال بعضُ العلماء: هذا يُؤخذ منه أنَّ النَّهي أشدُّ من الأمر؛ لأن النهي لم يُرَخَّصْ في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيِّدَ بحسب الاستطاعة، ورُويَ هذا عن الإمام أحمدِ. ويشبه هذا قولُ بعضهم: أعمال البِرِّ يعملُها البر والفاجرُ، وأمَّا المعاصي، فلا يتركها إلَّا صِدِّيق (١). ورُوي عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال له: "اتَّق المحارم، تَكُن أعبدَ الناس" (٢).

стр. 247

وقالت عائشة ﵂: من سرّه أن يسبق الدائبَ المجتهدَ، فليكفَّ عن الذنوب، وروى عنها مرفوعًا (١). وقال الحسن: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه. والظاهر أنَّ ما ورد مِن تفضيل ترك المحرَّمات على فعل الطاعات، إنَّما أُريد به على نوافل الطَّاعات، وإلَّا فجنسُ الأعمال الواجبات أفضلُ مِنْ جنسِ ترك المحرَّمات؛ لأنَّ الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوبُ عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمالِ، ولذلك كان جنسُ ترك الأعمال قد يكون كفرًا كتركِ التوحيد، وكتركِ أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضى الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قولُ ابنِ عمر: لردُّ دانقٍ حرام أفضلُ مِنْ مئة ألف تُنْفَقُ في سبيل الله. وعن بعض السلفِ قال: تركُ دانق مما يكره الله أحبُّ إلي من خمس مئة حجة. وقال ميمون بن مِهران: ذكر اللهِ باللسان حسن وأفضلُ منه أن يذكر الله العبدُ

стр. 248

عندَ المعصية فيمسِكَ عنها. وقال ابنُ المبارك: لأن أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّقَ بمائة ألفٍ ومئة ألف، حتى بلغ ست مئة ألف. وقال عمر بنُ عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل، وصِيام النهار، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله، وترك ما حرَّم الله، فإن كان مع ذلك عملٌ، فهو خير إلى خير، أو كما قال. وقال أيضًا: وددتُ أني لا أصلي غيرَ الصَّلوات الخمس سوى الوتر، وأن أؤدِّي الزكاة، ولا أتصدّق بعدها بدرهم، وأن أصومَ رمضان ولا أصوم بعده يومًا أبدًا، وأن أحجَّ حجة الِإسلام ثم لا أحجَّ بعدها أبدًا، ثم أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ، فأمسك عنه. وحاصل كلامهم يدلُّ عليَّ أن اجتناب المحرمات - وإن قلَّتْ - أفضلُ من الِإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذاك فرضٌ، وهذا نفلٌ. وقالت طائفة من المتأخرين: إنما قال ﷺ : "إذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم "؛ لأن امتثالَ الأمر لا يحصلُ إلَّا بعمل، والعملُ يتوقَّفُ وجودُه عليَّ شروط وأسباب، وبعضها قد لا يُستطاع، فلذلك قيَّده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦]. وقال في الحجّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما النهي: فالمطلوب عدمُه، وذلك هو الأصل، والمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يُستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر، فإنَّ الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويًا، لا صبر معه للعبد علي الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدة،

стр. 249

ربما كانت أشقَّ عليَّ النفوس من مجرَّدِ مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا يُوجَدُ كثيرًا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى عليَّ ترك المحرمات. وقد سئل عمرُ عن قومٍ يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئِكَ قومُ امتحنَ الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم (١). وقال يزيد بن ميسرة: يقولُ الله في بعض الكتب: أيُّها الشابُّ التارك شهوتَه، المتبذل شبابه لأجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي (٢). وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنَّها مثلُ حريق النار، وكيف ينجو منها الحصوريون؟ (٣) والتحقيق في هذا أن الله لا يكلِّفُ العبادَ مِنَ الأعمال ما لا طاقةَ لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرَّدِ المشقة رخصةً عليهم، ورحمةً لهم، وأمَّا المناهي، فلم يَعْذِرْ أحدًا بارتكابها بقوَّةِ الدَّاعي والشَّهوات، بل كلَّفهم تركها على كلِّ حال، وأنَّ ما أباح أن يُتناول مِنَ المطاعم المحرَّمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إن النهي أشدُّ من الأمر. وقد روي عن النبيِّ ﷺ من حديث ثوبان وغيره أنَّه قال: "استقيموا ولن تُحْصُوا" (٤) يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها.

стр. 250

وروى الحكم بن حزن الكُلَفي، قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ ، فشهدتُ معه الجمعة، فقام رسولُ الله ﷺ متوكئًا على عصًا أو قوسٍ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بكلماتٍ خفيفاتٍ طيبات مباركات، ثم قال: "أيُّها النَّاسُ إنَّكُم لن تُطيقُوا، أو لن تَفْعَلوا كُلَّ ما أَمَرْتُكم بهِ، ولكن سَدِّدُوا وأبشِرُوا" خرجه الإمام أحمد وأبو داود (١). وفي قوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" دليل عليَّ أنَّ من عَجَزَ عن فعل المأمور به كلَّه، وقدرَ عليَّ بعضه، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل: منها الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنَّه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل عليَّ المشهور. ومنها الصلاة، فمن عَجَزَ عن فعل الفريضة قائمًا صلى قاعدًا، فإنَّ عجز صلَّى مضطجعًا، وفي "صحيح البخاري" (٢) عن عِمْرَانَ بن حصين أن النبيَّ ﷺ قال: "صَلِّ قائمًا، فإنَّ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ ". ولو عجز عن ذلك كلَّه، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقُط عنه الصلَاةُ على المشهور. ومنها زكاة الفطر، فإذا قَدَرَ على إخراج بعضِ صاع، لزمه ذلك عليَّ

стр. 251

الصحيح، فأمَّا من قدر عليَّ صيام بعضِ النهار دُونَ تكملته، فلا يلزمه ذلك بغير خلاف؛ لأن صيامَ بعض اليوم لَيس بقُربَةٍ في نفسه، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يُؤْمَرُ بتكميله بكلِّ طريق. وأما من فاته الوقوفُ بعرفةَ في الحج، فهل يأتي بما بقيَ منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي، ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد، أشهرهما: أنَّه يقتصر عليَّ الطواف والسعي؛ لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر (١).

стр. 252

الحديث العاشر عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤمِنينَ بما أَمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ: أشْعَثَ أغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبّ يا ربّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، وغُذِي بالحَرَام، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟ ". رواهُ مُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وخرَّجه الترمذي، وقال: حسن غريب. وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري. وقوله ﷺ : "إن الله تعالى طيب" هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن الله طيِّبٌ يحبُّ الطَّيِّبَ، نظيفٌ يحبُّ النظافة، جواد يحبُّ الجود". خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال (٢). والطيب هنا: معناه الطاهر. والمعنى أنَّه تعالى مقدَّسَ منزّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في

стр. 253

قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها. وقوله: "لا يقبل إلا طيبًا" قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظُه: "لا يتصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا … " (١) والمراد أنه تعالى لا يقبل مِن الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا. وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: "لا يقبلُ الله إلا طيبًا" أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ. وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] هذا كلُّه. وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ووصف الرسول ﷺ بأنه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث. وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوال والاعتقاداتُ أيضًا، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وإن الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة كانت في الجسد الطيّب، وإن الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون

стр. 254

لهم: طبتم، وقد ورد في الحديث أنَّ المؤمن إذا زار أخا له في الله تقول له الملائكة: "طِبْتَ، وطابَ ممشاك، وتبوَّأْت من الجنة منزلًا" (١). فالمؤمن كله طيب قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الِإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هىٍ ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه. فهذه الطيبات كلُّها يقبلها الله . ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عملُه. وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلَّا بأكل الحلال، وأنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبولَه، فإنَّه قال بعد تقريره: "إن الله لا يقبلُ إلَّا طيبًا" إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعملُ صالح مقبول، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام. وقد خرَّج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباسٍ، قال: تُليَتْ هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فقام سعدُ بنُ أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادعو الله أنَّ يجعلني مستجابَ الدعوة، فقال النبيِّ ﷺ : "يا سعد،

стр. 255

أطبْ مطعَمَك تكن مستجاب الدَّعوة، والذي نفس محمد بيده، إنَّ العبدَ ليقذف الَلُّقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه عمل أربعين يومًا، وأيُّما عبدٍ نبت لحمُه من سُحْتٍ، فالنارُ أولى به" (١). وفي "مسند" الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر قال: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم في ثمنه درهمٌ حرام، لم يقبلِ الله له صلاة ما كان عليه"، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ (٢). ويُروى من حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا معناه أيضًا، خرجه البزار وغيره بإسنادٍ ضعيف جدًا (٣). وخرج الطبراني بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا خرج الرجلُ حاجًا بنفقةٍ طيبة، ووضع رجله في الغَرْزِ، فنادى: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيكَ، ناداه منادٍ من السَّماء: لبَّيْكَ وسَعْدَيك زادُك حلالٌ، وراحلتك حلالٌ، وحجك مبرورٌ غيرُ مأزورٍ (٤)، وإذا خرج الرجلُ بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في

стр. 256

الغَرْزِ، فنادى: لبَّيكَ الّلهمَّ لبَّيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجُّك غيرُ مبرورٍ" (١). ويُروى من حديث عمر نحوه بإسناد ضعيف أيضًا. وروى أبو يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباسٍ، قال: لا يقبل الله صلاة امرئٍ في جوفه حرام (٢). وقد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الِإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل، ومدحُ فاعله، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإنَّ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني، لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ، ولا من أتى كاهنًا، ولا من شرب الخمر أربعين يومًا، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم - من قوله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السلف على نفوسهم، فخافوا أنَّ لا يكونوا مِنَ المتَّقين الذين يُتقبل منهم. وسُئل أحمد عن معنى "المتقين" فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له. وقال أبو عبد الله النباجي الزاهد ﵀: خمسُ خصال بها تمامُ العمل:

стр. 257

الإيمان بمعرفة الله ، ومعرفةُ الحقِّ، وإخلاصُ العمل للهِ، والعمل على السُّنَّةِ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقِدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله ، ولم تَعرف الحقَّ، لم تنتفع، وإذا عرفتَ الحقَّ، ولم تَعْرِفِ الله، لم تنتفع، وإن عرفتَ الله، وعرفت الحقَّ، ولم تُخْلِصِ العمل، لم تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحق، وأخلصت العمل، ولم يكن على السُّنة، لم تنتفع، وإن تمَّتِ الأربع، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع (١). وقال وُهيب بن الورد: لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام (٢). وأما الصدقة بالمال الحرام، فغير مقبولةٍ كما في "صحيح مسلم" (٣) عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةً من غلولٍ ". وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ - إلا أخذها الرحمن بيمينه" وذكر الحديث (٤). وفي "مسند" الِإمام أحمد عن ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يكتسب عبدٌ مالًا من حرام، فيُنفِقَ منه، فَيُبارَكَ له فيه، ولا يتصدّقُ به، فيتقبلَ منه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار، إن الله لا يمحو السيِّىَء بالسيِّئ، ولكن

стр. 258

يمحو السيَّئَ بالحسن، إن الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ" (١). ويُروى من حديث دراج، عن ابن حُجيرة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كسب مالًا حرامًا، فتصدق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصرُه عليه ". خرَّجه ابنُ حبان في "صحيحه" (٢)، ورواه بعضهم موقوفًا على أبي هريرة. ومن مراسيل القاسم بن مُخَيْمِرَة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصاب مالًا مِنْ مأثم، فوَصَلَ به رحمه، أو تصدَّق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا، ثم قذف به في نار جهنم" (٣). ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن مَيْسَرَة أنهما جعلا مثلَ من أصاب مالًا من غير حلِّه، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسَا بِهِ أرملةً (٤). وسُئِلَ ابنُ عباسٍ عمَّن كان على عمل، فكان يَظلِمُ ويأْخُذُ الحرام، ثمَّ تابَ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه، فقال: إن الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ. وكذا قال ابن مسعود: إن الخبيث لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطَّيِّب يُكفِّرُ الخبيث (٥). وقال الحسنُ: أيُّها المتصدِّق على المسكين يرحمُه، أرحم من قد ظَلَمْتَ. واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين: أحدهما: أنَّ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه، فهذا هو

стр. 259

المراد من هذه الأحاديث أنَّه لا يُتَقبَّلُ منه: بمعنى أنَّه لا يُؤْجَرُ عليه، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ، لعدم قصده ونيته، كذا قاله جماعةٌ من العلماء، منهم: ابنُ عقيلٍ من أصحابنا، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنَّه سال سعيد بنَ المسيب قال: وجدت لقطةً، أفأتصدق بها؟ قال: لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها (١). ولَعلَّ مرادَه إذا تَصدَّقَ بها قبلَ تعريفها الواجب. ولو أخذ السلطانُ، أو بعضُ نوابه من بيت المال ما لا يستحقه، فتصدق منه أو أعتق (٢)، أو بنى به مسجدًا أو غيره مما ينتفع به الناسُ، فالمنقولُ عن ابنِ عمر أنَّه كالغاصبِ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قال لعبد الله بن عامر أميرِ البصرة، وكان الناس قد اجتمعُوا عنده في حال موته وهم يُثنون عليه ببرة وإحسانه، وابن عمر ساكتٌ، فطلب منه أنَّ يتكلَّم، فروى له حديث: "لا يقبلُ الله صدقةً من غُلولٍ"، ثم قال له: وكنت على البصرة (٣). وقال أسدُ بنُ موسى في "كتاب الورع ": حدثنا الفضيلُ بن عياض، عن منصور، عن تميم بن سلمة قال: قال ابنُ عامر لعبد الله بنِ عمر: أرأيتَ هذا العقاب التي نُسَهِّلُها، والعيون التي نُفجِّرُها، أَلَنا فيها أجرٌ؟ فقال ابن عمر: أما علمتَ أنَّ خبيثًا لا يُكَفِّرُ خبيثًا قط؟ حدثنا عبدُ الرحمن بنُ زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بنِ مِهران قال: قال ابنُ عمر لابنِ عامر وقد سأله عن العتق: مَثَلُكَ مثلُ رجلٍ سرق إبلَ حاجٍّ، ثم جاهد بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟ وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاووسٍ ووهيب بن الورد

стр. 260

يَتَوقَّوْن الانتفاع بما أحدثه مثلُ هؤلاء الملوك، وأما الإمام أحمد ﵀، فإنه رخَّصَ فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد والقناطر والمصانع، فإنَّ هذه يُنفق عليها من مال الفيء، اللهمّ إلَّا أنَّ يتيقَّن أنهم فعلوا شيئًا من ذلك بمالٍ حرام كالمُكوس والغصوب ونحوها، فحينئذ يتوقَّى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام، ولعلَّ ابنَ عمر إنما أنكر عليهم أخذَهُم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أنَّ ما فعلوه منها بعد ذلك، فهو صدقة منهم، فإنَّ هذا شبيه بالغصوب، وعلى مثل هذا يُحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد. قال أبو الفرج بنُ الجوزي: رأيت بعضَ المتقدمين سئل عمن كسب حلالًا وحرامًا من السلاطين والأمراء، ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما يُوجِبُ طيب قلب المنفق، وأنَّ له في إيقاف ما لا يملكه نوعٍ سمسرة؛ لأنَّه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيرد عليهم. قال: فقلتُ واعجبًا من متصدِّرين للفتوى لا يعرفونَ أصولَ الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أوَّلًا، فإن كان سلطانًا، فما يخرج من بيت المال، قد عرفت وجوهُ مصارفِه، فكيف يمنع مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان مِن الأمراء ونوَّاب السلاطين، فيجب أن يردَّ ما يجب ردُّه إلى بيت المال، وإن كان حرامًا أو غصَبًا، فكلُّ تصرف فيه حرام، والواجب ردُّه على من أخذ منه أو ورثته، فإنَّ لم يعرف ردّ إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى. وإنما كلامُه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرَّفونَ فيه لأنفسهم تصرف المُلَّاكِ ببناء ما ينسبونه إليهم من مدارسَ وأربطةٍ ونحوها مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قومًا دون قوم، فأما لو فرض إمامٌ عادلٌ يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم

стр. 261

منه ما يحتاجون إليه من مسجدٍ أو مدرسة، أو مارستان، ونحوِ ذلك كان ذلك جائزًا، ولو كان بعضُ من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه بناء محتاجًا إليه في حال، يجوز البناء فيه من بيتِ المال، لكنه نسبه إلى نفسه، فقد يتخرَّجُ على الخلاف في الغاصب إذا ردَّ المالَ إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بني على قدر الحاجة من غير سرفٍ ولا زخرفةٍ. وقد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال، ونهاهم أنَّ يتجاوزوا ما تصدَّع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًا. ورُوي عنه أنَّه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم. واعلم أنَّ من العلماء من جعل تصرُّف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفًا على إجازة مالكه، فإنَّ أجاز تصرُّفه فيه، جاز، وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمد أنَّ من أخرج زكاته من مالٍ مغصوبٍ، ثم أجازه له المالك، جاز وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرج ابن أبي موسى روايةً عن أحمد أنَّه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزمًا ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلافُ نصِّ أحمد. وحكي عن الحنفية أنَّه لو غصب شاة، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازها المالك أجزأت عنه. الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أنَّ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى (١) ورثته، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم. قال ابنُ عبد البر: ذهب الزُّهري ومالك والثوري، والأوزاعي، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي (٢)، روي ذلك عن عُبادة بن

стр. 262

الصامت ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس لأنهما كانا يريان أنَّ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقدَ أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب. انتهى. وروي عن مالك بن دينار، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يُجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إلي من وزنه ذهبًا. وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردة إليهم، فإنَّ لم يقدر عليهم، تصدَّق به كلَّه، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدَّقُ بالثمن، وخالفه ابنُ المبارك، وقال: يتصدق بالرِّبح خاصَّةً. وقال أحمد: يتصدَّق بالربح. وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيعُ ممَّن تكره معاملته: أنَّه يتصدَّق منه بمقدار الرِّبح، ويأخذ الباقي. وقد رُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة نحوُ ذلك: منهم عمرُ بنُ الخطاب، وعبدُ الله بنُ يزيد الأنصاري. والمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام أنّها تُحفظ، ولا يُتَصَدَّقُ بها حتى يظهر مستحقُّها. وكان الفضيلُ بنُ عياض يرى أنَّ من عنده مالٌ حرامٌ لا يعرف أربابه، أنَّه يُتلفه، ويُلقيه في البحر، ولا يتصدَّق به، وقال: لا يتقرَّب إلى الله إلَّا بالطيب. والصحيح الصدقةُ به؛ لأنَّ إتلاف المال واضاعته منهيٌّ عنه، و إرصاده أبدًا تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه

стр. 263

حتى يكونَ تقرُّبًا منه بالخبيث، وإنَّما هي صدقةٌ عن مالكه، ليكون نفعُه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا. وقوله: "ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدّ يديه إلى السَّماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟! ". هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة: أحدها: إطالةُ السفر، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالد لولده" (١) خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: "دعوة الوالد على ولده ". وروي مثله عن ابن مسعود من قوله. ومتى طال السفر، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مَظِنَّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء. والثاني: حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار، وهو - أيضًا - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء، كما في الحديث المشهور عن النبيِّ ﷺ : "ربَّ

стр. 264

أشعث أغبرَ ذي طِمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه" (١). ولما خرج النبيُّ ﷺ للاستسقاء، خرج متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا (٢). وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبسَ له ابنُ أخٍ، فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عكازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعلَّه أنَّ يشفِّعني في ابن أخي (٣). الثالث: مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله تعالى حييُّ كريمٌ، يستحي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أنَّ يردَّهما صِفرًا خائبتين" خرجه الِإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٤). وروي نحوه من حديث أنس (٥) وجابر (٦) وغيرهما. وكان النبيُّ ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه (٧)، ورَفَع

стр. 265

يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (١). وقد روي عن النبيِّ ﷺ في صفة رفع يديه في الدُّعاء أنواعٌ متعددة، فمنها أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (٢)، وفعله لما ركب راحلته (٣). وذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ دعاء القنوت في الصلاة يُشير فيه بأصبعه، منهم الأوزاعي وسعيدُ بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن عباسٍ وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (٤). وعن ابنُ سيرين: إذا أثنيت على الله، فأَشِرْ بأصبعٍ واحدة. ومنها: أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما ممَّا يلي وجهَه. وقد رُويت هذه الصِّفةُ عن النبيِّ ﷺ في دعاء الاستسقاء (٥)، واستحبّ بعضُهمُ الرفعَ في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم الجوزجاني. وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرُّع.

стр. 266

ومنها عكسُ ذلك، وقد رُوي عَنِ النبيِّ ﷺ في الاستسقاء أيضًا (١)، ورُوي عن جماعة من السَّلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارةٌ بالله ، واستعاذة به، منهم: ابنُ عمر، وابنُ عباسٍ، وأبو هريرة، ورُوي عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا استعاذَ، رفع يديه على هذا الوجه (٢). ومنها رفع يديه، جعل كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض. وقد ورد الأمرُ بذلك في سُؤال الله في غيرِ حديث، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن سيرين أنَّ هذا هو الدُعاء والسُّؤال لله . ومنها عكسُ ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أنس أن النبيَّ ﷺ استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء. وخرجه الِإمام أحمد (٤) ﵀ ولفظه: "فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء". وخرجه أبو داود (٥)، ولفظه: استسقى هكذا يعني: مدّ يديه، وجعل بطونَهما مما يلي الأرض. وخرج الإِمام أحمد (٦) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: كان النبيُّ ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثُنْدوتِه، وجعل بُطونَ كفَّيه مما يلي

стр. 267

الأرض. وهكذا وصف حمادُ بن سلمة رفع النبيُّ ﷺ يديه بعرفة. ورُوي عن ابن سيرينَ أنَّ هذا هو الاستجارة. وقال الحميدي: هذا هو الابتهالُ. والرابع: الإِلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء، وخرَّج البزارُ (١) من حديث عائشة مرفوعًا: "إذا قال العبدُ: يا ربَّ أربعًا، قال الله: لَبَّيْكَ عَبدي، سل تُعْطَه ". وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة: أنَّ قومًا شَكَوا إلى النبيِّ ﷺ قُحُوط المطر، فقال: "اجثُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا ربَّ يا ربَّ" ورفع السَّبَّابة إلى السَّماء، فسُقُوا حتى أحبُّوا أنَّ يُكشَفَ عنهم (٢). وفي "المسند" وغيره عن الفضل بن عباسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "الصلاةُ مثنى مثنى، وتَشَهُّدٌ في كلِّ ركعتين، وتضرُّعٌ، وتخشع وتمسكنٌ، وتُقنِعُ يَديك - يقول: ترفعهما إلى ربِّك مستقبلًا بهما وجهَك - وتقول: يا ربّ ياربّ، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداجٌ" (٣). وقال يزيد الرَّقاشي عن أنس: ما مِنْ عبدٍ يقول: يا ربَّ يا ربَّ يا ربّ، إلا قال له ربُّه: "لبيك لبيك ".

стр. 268

وروي عن أبي الدرداء وابن عباسٍ أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر ربِّ ربِّ (١) وعن عطاءٍ قال: ما قال عبدٌ يا ربُّ يا ربُّ ثلاث مرات، إلَّا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرؤون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٥] (٢). ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرَّبِّ، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. ومثل هذا في القرآن كثير. وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا ربّ. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم. وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنَّه التوسُّع في الحرام أكلًا

стр. 269

وشربًا ولبسًا وتغذيةً، وقد سبق حديثُ ابن عباسٍ في هذا المعنى أيضًا، وأن النبيِّ ﷺ قال لسعد: "أَطِبْ مطعمَكَ، تَكُن مُستجاب الدعوة" (١) فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجبٌ لإجابة الدعاء. ورَوى عكرمةُ بن عمار: حدَّثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت. وعن وهب بن مُنبِّه قال: من سرَّه أنَّ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته. وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحًا أُجيبَت دعوتُه. وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أنَّ دعاءَ العبد يحبس عن السماوات بسوءِ المطعم. وقوله ﷺ : "فأنَّى يستجاب لذلك" معناه: كيف يُستجاب له؟ فهو استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإِجابة، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه، وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء (٢). ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ، وانطبقت

стр. 270

عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم (١). وقال وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر (٢). وعنه قال: العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وعن عمر قال: بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله الدعاء والتسبيحَ. وعن أبي ذر ﵁ قال: يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح (٣). وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسيرُ، وقيل لسفيان: لو دعوتَ الله؟ قال: إن تركَ الذنوب هو الدعاء. وقال ليث: رأى موسى ﵇ رجلًا رافعًا يديه وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى: أي ربَّ عبدُك دعاكَ حتى رحمتَه، وأنت أرحمُ الراحمين، فما صنعتَ في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتَّى يَنقَطِعَ ما نظرتُ في حاجته حتى ينظر في حقِّي. وخرج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عباسٍ مرفوعًا معناه. وقال مالك بنُ دينار: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه أنَّ أَخبرهم أنكم تخرُجون إلى الصَّعيد بأبدانٍ نجسة،

стр. 271

وترفعون إليَّ أكُفًّا قد سفكتُم بها الدماء وملأتم بها بيوتَكم من الحرام، الآن اشتدَّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا. وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإِجابة، وقد سددتَ طرقها بالمعاصي، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ … ثُمَّ نَنساهً عِندَ كَشفِ الكُروبِ كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ … قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب

стр. 272

الحديث الحادي عشر عَنِ الحَسَنِ بن علي سِبْطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورَيحَانَتِهِ ﵁ قال: حَفِظْتُ مِنْ رسولِ الله ﷺ : "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لَا يَرِيبُكَ" رواه النَّسَائِي والتِّرمِذيُّ، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ (١). هذا الحديث خرّجه الِإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابنُ حبان في "صحيحه" والحاكم من حديث بُريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء، عن الحسن بن عليّ، وصححه الترمذي، وأبو الحوراء السعدي، قال الأكثرون: اسمه ربيعةُ بنُ شيبان، ووثقه النَّسَائِي وابن حبان (٢)، وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعةُ بن شيبان، ومال إلى التفرقة بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف (٣). وهذا الحديثُ قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذي

стр. 273

وغيره زيادة في هذا الحديث وهي "فإنَّ الصِّدق طُمأنينة وإنَّ الكذب ريبة"، ولفظ ابنِ حِبان: "فإن الخير طمأنينة، وإن الشرَّ ريبة". وقد خرجه الإمامُ أحمد (١) بإسنادٍ فيه جهالة عن أنس، عن النبيِّ ﷺ قال: "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" وخرجه من وجهٍ آخر أجود منه موقوفًا على أنس. وخرجه الطبراني (٢) من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، قال الدارقطني: وإنَّما يُروى هذا من قول ابنِ عمر، وعن عمر، ويُروى عن مالك من قوله. انتهى. ويروى بإسنادٍ ضعيف، عن عثمان بنِ عطاء الخراساني - وهو ضعيف - عن أبيه، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال لرجل: "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك" قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: "إذا أردتَ أمرًا، فضع يَدَك على صدرِكَ، فإن القلبَ يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم الورعَ يدع الصغيرةَ مخافةَ الكبيرة". وقد رُوي عن عطاء الخراساني مرسلًا. وخرَّج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع عن النبيِّ ﷺ وزاد فيه: قيل له: فمن الورعُ؟ قال: "الذي يقف عند الشبهة" (٣).

стр. 274

وقد روي هذا الكلام موقوفًا على جماعة من الصحابة: منهم عُمَرُ، وابنُ عمرَ، وأبو الدرداء، وعن ابنِ مسعود، قال: ما تريدُ إلى ما يَريبُكَ وحولَك أربعةُ آلاف لا تَريبُكَ؟! رِباً وقال عمر دَعُوا الرِّبا والرِّيبة، يعني: ما ارتبتم فيه، وإن لم تتحققوا أنه رِبًا. ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإنَّ الحلالَ المحض لا يَحْصُلُ للمؤمن في قلبه منه ريب - والريب: بمعنى القلق والاضطراب - بل تسكن إليه النفسُ، ويطمئن به القلبُ، وأما المشتبهات فيَحْصُل بها للقلوب القلقُ والاضطرابُ الموجب للشك. وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبدُ ورعًا، ترك ما يَريبه إلى ما لا يَريبُه. وقال الفضيلُ: يزعم الناسُ أنَّ الورعَ شديدٌ، وما ورد على أمران إلا أخذتُ بأشدِّهما، فدع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك. وقال حسانُ بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيءٍ، فدعه. وهذا إنما يسهل على مثل حسان ﵀. قال ابن المبارك: كتب غلامٌ لحسانَ بن أبي سنان إليه مِن الأهواز: إن قَصَبَ السكر أصابته آفةٌ، فاشتر السكر فيما قِبَلَكَ، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا قليلٌ فإذا فيما اشترى ربحَ ثلاثين ألفًا، قال: فأتى صاحبَ السُّكر، فقال: يا هذا إِن غلامي كان كتب إليَّ، فلم أُعْلِمكَ، فأَقلْني فيما اشتريت منك، فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طَيَّبتُه لك، قال: فرجع فلم يحتمل قَلْبُهُ، فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأُحِبُّ أنَّ تستردَّ هذا البَيع، قال: فما زال به حتى ردَّ عليه.

стр. 275

وكان يونُس بنُ عبيد إذا طُلِبَ المتاعُ ونَفَقَ، وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: أعْلِمْ من تشتري منه أنَّ المتاعَ قد طُلِبَ. وقال هشامُ بنُ حسان: ترك محمدُ بنُ سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليومَ بأسًا. وكان الحجاج بنُ دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجلٍ وأمره أنَّ يبيعه يَوْمَ يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة، فوجدتُ الطعام مبغَّضًا فحبستُه، فزاد الطعامُ، فازددتُ فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خُنتنا، وعملتَ بخلافِ ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدَّق بجميع ثمن ذلك الطعام على فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلتَ ذلك. وتنزّه يزيدُ بنُ زُريع عن خمس مئة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمالَ للسلاطين، وكان يزيدُ يعملُ الخُوص (١)، ويتقوَّتُ منه إلى أنَّ مات ﵀. وكان المِسْوَرُ بنُ مَخرَمَةَ قد احتكر طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف فكرهه، فقال: ألا أُراني قد كرهت ما يَنفعُ المسلمين؟ فآلى أنَّ لا يربحَ فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال له عمر: جزاك الله خيرًا. وفي هذا أنَّ المحتكر ينبغي له التنزُّه عن ربح ما احتكره احتكارًا منهيًا عنه، وقد نصَّ الإمامُ أحمد ﵀ على التنزُّه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه لِدخوله في ربح ما لم يضمن، وقد نهى عنه النبيُّ (٢) ﷺ ، فقال أحمد في رواية

стр. 276

عنه فيمن أجر ما استأجره بربحٍ: إنه يتصدَّق بالربح، وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب: إنه يتصدق به، وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة قبل صلاحها بشرط القطع، ثم تركها حتى بدا صلاحها: إنه يتصدَّق بالزيادة، وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب؛ لأن الصدقة بالشبهات مستحب. وروي عن عائشة ﵂ أنها سُئِلَتْ عن أكل الصيدِ للمحرم، فقالت: إنما هي أيامٌ قلائل فما رابك، فدعه يعني ما اشتبه عليك: هل هو حلال أو حرام، فاتركه، فإن الناسَ اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْه هُوَ. وقد يستدلُّ بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضلُ؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة، ولكن المحققون مِن العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على إطلاقه، فإن من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النبيِّ ﷺ رخصة ليس لها معارض، فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعضَ العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تَيَقَّن الطهارة، وشكَّ في الحدث، فإنَّه صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسمع صوتًا أو يَجِدَ ريحًا" (١) ولا سيما إن كان شكُّه في الصلاة، فإنَّه لا يجوز له قطعُها لِصحة النهي

стр. 277

عنه، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك. وإن كان للرخصة معارض، إما من سنة أخرى، أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها، فالأولى تركُ العمل بها، وكذا لو كان قد عمل بها شذوذٌ من الناس، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة، فإن الأخذ بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ، فإن هذه الأمة قد أجارها الله أنَّ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة، فهو الحقُّ، وما عداه فهو باطل. وها هنا أمر ينبغي التفطنُ له وهو أن التدقيقَ في التوقف عن الشبهات إنما يَصْلُحُ لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعمالُه في التقوى والورع، فأما مَنْ يقع في انتهاك المحرَّمات الظاهرة، ثم يريد أنَّ يتورَّعَ عن شيءٍ من دقائق الشُّبَهِ، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابنُ عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألوني عن دم البعوض وقد قتلُوا الحسين، وسمعتُ النبيِّ ﷺ يقول: "هُمَا رَيحَانَتاي من الدُّنيا" (١). وسأل رجلٌ بشرَ بنَ الحارث عن رجلٍ له زوجةٌ وأُمُّه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بَرَّ أمه في كُلِّ شيءٍ، ولم يبق من برِّها إلا طلاقُ زوجته فليفعلْ، وإن كان يَبَرُّها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أُمِّه، فيضربها، فلا يفعل. وسئل الإِمامُ أحمد ﵀ عن رجل يشتري بقلًا، ويشترط الخُوصة: يعني التي تُربط بها جُرْزَةُ البقل، فقال أحمد: أيشٍ هذه المسائل؟! قيل له:

стр. 278

إنه إبراهيمَ بن أبي نعيم، فقال أحمد: إن كان إبراهيمُ بنُ أبي نعيم، فنعم هذا يُشبه ذاك. وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الِإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمنًا، فجاء به على ورقة، فأمر بردِّ الورقة إلى البائع. وكان أحمد لا يستمدُّ من محابر أصحابه، وإنما يُخرج معه مِحبرَةً يستمدُّ منها، واستأذنه رجل أنَّ يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسَّم، وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان يُنكِرُه على من لم يَصِلْ إلى هذا المقام، بل يتسامحُ في المكروهات الظاهرة، ويقدم على الشبهات، من غير توقف. وقوله ﷺ : "فإنَّ الخيرَ طُمأنينة وإن الشرَّ ريبة" يعني: أنَّ الخيرَ تطمئنُّ به القلوبُ، والشرَّ ترتابُ به، ولا تطمئنّ إليه، وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيدٌ لهذا الكلام على حديث (١) النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى. وخرَّج ابنُ جرير (٢) بإسناده عن قتادة عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية:

стр. 279

﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] ثم قال لجاريته: إن دَرَيْتِ ما مناكِبُها، فأنت حُرة لوجه الله، قالت: مناكبُها: جبالُها، فكأنما سُمعَ في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم، فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخيرُ طمأنينة والشر ريبة، فذَرْ ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقوله في الرواية الأخرى: "إنَّ الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة" يشير إلى أنَّه لا ينبغي الاعتمادُ على قول كلِّ قائلٍ كما قال في حديث وابصة: "وإنْ أفتاك الناسُ وأفتوكَ" وإنما يُعْتَمَدُ على قولِ مَنْ يقول الصدقَ، وعلامةُ الصدق أنَّه تطمئن به القلوبُ، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبةُ، فلا تسكن القلوبُ إليه، بل تَنفِرُ منه. ومن هنا كان العقلاء في عهد النبيِّ ﷺ إذا سمعوا كلامَه وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنَّه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلامَ مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنَّه جاء بالباطل، وقد رُوي أن عمرو بن العاص سمعه قبلَ إسلامه يَدَّعي أنه أُنْزِلَ عليه: يا وَيْرُ يا وَيْرُ، لَكِ أذنان وصَدْر، وإنَّك لتعلم يا عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنك تَكْذِبُ. وقال بعضُ المتقدمين: صوِّرْ ما شئتَ في قلبك، وتفكر فيه، ثم قِسه إلى ضدِّه، فإنك إذا ميَّزْتَ بينهما، عرفتَ الحقَّ من الباطل، والصدقَ من الكذب، قال: كأنك تَصَوَّرُ محمدًا ﷺ ، ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤]، ثم تتَصوَّرُ ضِدَّ محمد ﷺ ، فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:

стр. 280

ألا يَا رَبَّة المَخْدَع … قَدْ هُيئ لَكِ المَضْجَعْ يعني قوله لِسجاح (١) حين تزوَّج بها، قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينًا عجيبًا، يلوطُ بالقلب، ويَحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني قول مسيلمة - باردًا غثًّا فاحشًا، فتعلم أن محمدًا حق أُتِي بوحي، وأن مسيلمة كذَّاب أُتِيَ بباطل.

стр. 281

الحديث الثاني عشر عَنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" (١) حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ. هذا الحديث خرّجه الترمذي، وابن ماجه من رواية الأوزاعي، عن قُرَّةَ بنِ عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵃، وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنف ﵀؛ لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه آخرون، وقال ابنُ عبد البرِّ: هذا الحديثُ محفوظ عن الزهري بهذا الِإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الِإسناد وإنما هو محفوظٌ عن الزهري، عن عليّ بن حسين، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، كذلك رواه الثقات عن الزهري، منهم مالك في الموطأ (٢)، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال: "من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه" وممن قال: إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلًا الِإمام أحمد، ويحيى بن معين،

стр. 282

والبخاري، والدارقطني، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن عليِّ بن حسين عن أبيه عن النبي ﷺ ، فوصله وجعله من مسند الحسين بن عليّ، وخرَّجه الِإمامُ أحمد في "مسنده" (١) من هذا الوجه، والعمري ليس بالحافظ، وخرَّجه (٢) أيضًا من وجه آخر عن الحسين، عن النبي ﷺ ، وضعفه البخاري في "تاريخه" (٣) من هذا الوجه أيضًا، وقال: لا يصحُ إلا عن عليّ بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر وكُلُّها ضعيفة. وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإِمامُ أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماعُ آداب الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث: قول النبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخر فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصْمُتْ" وقوله ﷺ : "مِنْ حُسنِ إسلام المَرءِ تَركُهُ ما لَا يَعْنِيهِ" وقوله للذي اختصر له في الوصية: "لا تَغْضَبْ "، وقوله ﷺ : "المُؤْمِنُ يُحبُ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه". ومعنى هذا الحديث: أن مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعالِ؛ ومعنى يعنيه: أنَّه تتعلق عنايتُه به، ويكونُ من مقصده ومطلوبه، والعنايةُ: شدَّةُ الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه: إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المُراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والِإسلام، ولهذا جعله من حسن الإِسلام، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء، ترك ما لا يعنيه في الإِسلام من الأقوال

стр. 283

والأفعال، فإنَّ الإسلامَ يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇. وإن الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه تركُ المحرمات، كما قال ﷺ : "المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (١) وإذا حسن الإسلامُ، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامُه، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أنَّ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإِسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه، كما وصَّى ﷺ رجلًا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه. وفي "المسند" والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: "الاستحياء من الله تعالى أنَّ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء" (٢).

стр. 284

قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك. وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ، فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ، فاذكر نظره إليك. وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦، ١٧، ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق).

стр. 285

وفي "المسند" من حديث الحسين، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ من حُسْنِ إسلامِ المَرءِ قِلَّةَ الكَلامِ فيما لا يَعنيه" (١). وخرّج الخرائطي (٢) من حديث ابن مسعود قال: أتى النبيِّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله إني مطاعٌ في قومي فما آمرهم؟ قال له: "مُرْهُم بإفشاء السَّلام، وقِلَّةِ الكلام إلا فيما يعنيهم ". وفي "صحيح ابن حبان" (٣) عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكونَ له ساعات: ساعةٌ يُناجى فيها ربَّه، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نَفسه، وساعةٌ يتفكَّرُ فيها في صُنع الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أنَّ لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوُّدٍ لمعاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاشٍ، أو لذَّةٍ في غير محرَّم؛ وعلى العاقل أنَّ يكونَ بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسَب كلامَه من عمله، قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه ". وقال عمر بنُ عبد العزيز ﵀: من عدَّ كلامه من عمله، قلَ كلامُه إلا فيما يعنيه. وهو كما قال، فإنَّ كثيرًا من الناس لا يعدُّ كلامَه من عمله، فيُجازف فيه، ولا يتحرَّى، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النبيَّ ﷺ فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثَكِلَتكَ أُمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؟ " (٤).
следующие страницы →