← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مرسلًا خرجه عبدُ الرزاق (١) وغيره، وفيه زيادة: "هلَّا حددت شفرتك قبل أن تُضْجِعَها". وقال الِإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسول الله ﷺ بذلك أن تُوارى الشفار. وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف ربها، وتعرف أنها تموت. وقال: يُروى عن ابن سابط أنه قال: إن البهائم جُبِلَتْ على كلِّ شيءٍ إلا على أنها تعرف ربها، وتخاف الموتَ. وقد وردَ الأمرُ بقطع الأوداج عندَ الذبح، كما خرَّجه أبو داود من حديث عِكرمة، عن ابن عباس، وأبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنَّه نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، وخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢) وعنده قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسيرَ، ثم يدعونها حتى تموتَ، ولا يقطعون الودجَ، فنهى عن ذلك. وروى عبدُ الرزاق في كتابه (٣) عن محمد بن راشدٍ، عن الوضين بنِ عطاء، قال: إن جزَّارًا فتح بابًا على شاةٍ ليذبحها فانفلتت منه حتَّى جاءت النبيَّ ﷺ ، فاتبعها، فأخذ يَسْحَبُها برجلها، فقال لها النبيُّ ﷺ : "اصبري لأمرِ الله، وأنتَ يا جزَّارُ فسُقْها إلى الموتِ سَوقًا رفيقًا". وبإسناده (٤) عن ابن سيرين أن عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها،

стр. 387

فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت قودًا جميلًا. وروى محمدُ بنُ زيادٍ أن ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا، فأخرج القصابُ شفرته، فقال: ما أسوقها سوقًا جميلًا وأنا أريد أن أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقًا جميلًا. وفي "مسند الإمام أحمد" (١) عن معاوية بن قُرة، عن أبيه: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحَمها، فقال النبيُّ ﷺ : "والشاة إن رحمتها رَحِمَكَ الله". وقال مطرف بنُ عبد الله: إن الله ليرحم برحمة العصفور. وقال نوفٌ البكالي: إن رجلًا ذبح عِجَّوْلًا (٢) بين يدي أمه، فخُبِّلَ، فبينا هو تحتَ شجرة فيها وكْر فيه فَرْخٌ، فوقع الفرخُ إلى الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فردَّ الله إليه قوَّته. وقد رُوي من غير وجه عن النبيّ ﷺ : أنه نهى أن تُولَّه والدة عن ولدها، وهو عام في بني آدم وغيرهم. وفي سنن أبي داود (٣): أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الفَرَع، فقال: "هو حَقٌّ وأن تتركوه حتى يكون بكرًا ابنَ مخاض، أو ابنَ لَبُون، فتُعطيهَ أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خيرٌ من أن تَذْبَحَهُ فيلصقَ لحمُه بوبره، وتُكفئ إناءَك وتُولّه ناقتك ".

стр. 388

والمعنى: أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناءه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وقولَه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه.

стр. 389

الحديث الثامن عشر عَنْ أبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ ﵄، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (١). رواه التَّرمِذيُّ وقَالَ: حَديثٌ حَسنٌ، وفي بعضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحيحٌ. هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذرٍّ، وخرجه أيضًا بهذا الِإسناد عن ميمون عن معاذ، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنه قال: حديثُ أبي ذرٍّ أصحُّ. فهذا الحديثُ قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن حبيب، عن ميمون: أن النبيَّ ﷺ وصَّى بذلك، مرسلًا، ورجَّحَ الدارقطني هذا المرسل. وقد حسَّن الترمذي هذا الحديثَ، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه، فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرطِ الشيخين، وهو وهم مِن وجهين: أحدُهما: أن ميمونَ بنَ أبي شبيب، ويقال: ابنُ شبيب لم يخرج له البخاري في "صحيحه" شيئًا، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثًا عن

стр. 390

المغيرة بن شعبة. والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لم يصحّ سماعه من أحد من الصحابة، قال الفلاس: ليس في شيء من رواياته عن الصحابة "سمعتُ"، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبيّ ﷺ . وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة. وقال أبو داود: لم يدرك عائشة، ولم ير عليًا، وحينئذ فلم يدرك معاذًا بطريق الأولى. ورأْيُ البخاري وشيخهِ عليّ بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديثَ لا يَتَّصِلُ إلا بصحة اللقي (١)، وكلامُ الإمام أحمد يدلُّ على ذلك، ونصَّ عليه الشافعي في "الرسالة" وهذا كُلُّه خلاف رأي مسلم ﵀. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه وصَّى بهذه الوصية معاذًا وأبا ذرٍّ من وجوهٍ أخَر، فخرج البزارُ (٢) من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ: أن النبيَّ ﷺ بعثه إلى قوم، فقال: يا رسول الله أوصني، قال: "أفش السَّلام، وابذل الطعام، واستحي من الله استحياء رجل ذا هيئةٍ من أهلك، وإذا أسأتَ فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت". وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بنِ العاص: أن

стр. 391

معاذَ ين جبل أراد سفرًا، فقال: يا رسولَ الله أوصني، قال: "اعبد الله، ولا تشرك به شيئًا" قال: يا رسول الله زِدني، قال: "إذا أسأت فأحسن" قال: يا رسول الله زدني " قال: "استقم ولتُحسِنْ خلقك" (١). وخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديث درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي ذرٍّ: أن رسول الله ﷺ قال له: "أُوصيك بتقوى الله في سِرٍّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا وإن سقط سوطُك، ولا تَقبضْ أمانةً، ولا تقض بين اثنين". وخرج أيضًا من وجه آخر عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسول اللُه علِّمني عملًا يقرِّبني من الجنة ويُباعدني من النار، فال: "إذا عملت سيئة، فاعْمَلْ حسَنَةً، فإنَّها عشرُ أمثالها" قال: قلتُ: يا رسول الله أمِنَ الحسناتِ لا إله إلَّا الله؟ قال: "هي أحسنُ الحسناتِ". وخرج ابن عبد البرّ في "التمهيد" بإسناد فيه نظر عن أنسٍ قال: بعث النبيُّ ﷺ معاذًا إلى اليمن، فقال: "يا معاذ اتَّق الله، وخالِقِ النَّاس بخُلُقٍ حَسَن، وإذا عملتَ سيئةَّ، فأتْبِعْهَا حسنة" فقال: قلتُ: يا رسولَ الله لا إله إلا الله مِن الحسنات؟ قال: "هي من أكبرِ الحسناتِ". وقد رويت وصية النبيِّ ﷺ لمعاذ من حديثِ ابنِ عمر وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف. ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه سُئِلَ: ما أكْثَرُ ما يُدخِلُ الناسٌ الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسنُ الخُلُقِ" خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وابن حبان في "صحيحه" (٣).

стр. 392

فهذه الوصية وصيةٌ عظيمةٌ جامعة لحقوق الله وحقوق عباده، فإن حقَّ الله على عباده أن يتقوه حقَّ تقاته، والتقوى وصيةُ الله للأوّلين والأخرين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وأصلُ التقوى: أن يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه. وتارة تُضافُ التقوى إلى اسم اللُهِ ، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] و [المجادلة: ٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، فإذا أضيفت التقوى إليه ، فالمَعنىَ: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقى، وعن ذلك ينشأ عقابُه الدنيوي والأخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فهو سبحانه أهل أن يُخشى ويُهاب ويُجل ويُعَظَّمَ في صدورِ عباده حتَّى يعبدوه ويُطيعوه، لما يستحقُّه من الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمة وقوَّة البطش، وشِدَّةِ البأس. وفي الترمذيَ عن أنس عن النبيِّ ﷺ في هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: "قال الله تعالى: أنا أهل أن اتَّقى، فمن اتَّقاني فلم يَجْعَل معي إلهًا آخر، فأنا أهلٌ أن أغفِرَ له" (١).

стр. 393

وتارةً تُضافُ التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه، كالنار، أو إلى زمانه، كيوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣]. ويدخل في التقوى الكاملة فعلُ الواجبات، وتركُ المحرمات والشبهات، وربما دَخَلَ فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وتركُ المكروهات، وهو أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤].

стр. 394

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال مُعاذُ بنُ جبل: يُنادى يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرحمن لا يحتجِبُ منهم ولا يستترُ، قالوا له: مَنِ المتَّقون؟ قال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثان، وأخلصوا للهِ بالعبادة. وقال ابنُ عباس: المتَّقون الذين يَحْذَرون من اللُه عقوبتَه في ترك ما يعرفون من الهدى، ويَرجون رحمَته في التصديق بما جاءَ به. وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم، وأذوا ما افْتُرِض عليهم. وقال عُمَر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيا بَيْنَ ذلك، ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله، وأداءُ ما افترضَ الله، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا، فهو خيرٌ إلى خير. وقال طلقُ بنُ حبيب: التقوى أن تعملَ بطاعةِ الله على نورٍ من الله ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من اللُه تخافُ عقابَ الله. وعن أبي الدرداء قال: تمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرِّةٍ، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكون حرامًا يكون حجابًا بينه وبينّ الحرام، فإن الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فلا تحقرن شيئًا من الخير أن تفعله، ولا شيئًا من الشرِّ أن تتقيه.

стр. 395

وقال الحسنُ: ما زالت التقوى بالمتقين حتَّى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سُمُّوا متقينَ، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى. وقال موسى بنُ أَعْيَن: المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين. وقد سبق حديثُ "لا يَبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقين حتى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس" (١). وحديث: "من اتقى الشبُهاتِ استبرأ لِدينه وعِرْضه" (٢). وقال ميمونُ بنُ مِهران: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: أن يُطاع، فلا يُعصى، ويُذكر، فلا ينسى، وأن يُشكر، فلا يُكفر. وخرجه الحاكم مرفوعًا (٣) والموقوف أصحّ، وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات.

стр. 396

ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. وقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرةَ وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذتَ طريقًا ذا شوكٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعتَ؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلْتُ عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال: خلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها … وكَبيرَها فَهْوَ التُّقَى واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ … ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرةً … إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى وأصلُ التقوى: أن يعلم العبدُ ما يُتقى ثم يتقي، قال عونُ بنُ عبد الله: تمامُ التقوى أن تبتغي علمَ ما لم يُعلم منها إلى ما عُلِمَ منها. وذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقيًا من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثم قال معروفٌ: إذا كنت لا تحسن تتقي أكلتَ الربا، وإذا كنت لا تُحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تُحسن تتقي وضعتَ سيفك على عاتقك، وقد قال النبي ﷺ لمحمد بن مسلمة: "إذا رأيتَ أمتي قد اختلفَتْ، فاعمد إلى سيفِكَ فاضْرِبْ به أُحُدًا" ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتَّقِيَهُ، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الحديث: "إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع" (١)؟ يعني: مشي الناس خلف الرجل.

стр. 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 398

وفي الجملة، فالتقوي هي وصيةُ الله لجميع خلقه، ووصيةُ رسول الله ﷺ لأمته، وكان ﷺ إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا (١). ولما خطبَ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوداع يومَ النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم (٢). ولما وَعَظَ الناسَ، وقالوا له: كأنَّها موعِظَةُ مودِّع فأوصنا، قال: "أوصيكم

стр. 399

بتقوى اللهِ والسَّمْعِ والطَّاعة" (١). وفي حديث أبي ذرٍّ الطويل الذي خرجه ابنُ حبان (٢) وغيره: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: "أوصيكَ بتقوى الله، فإنه رأسُ الأمرِ كله". وخرج الإِمام أحمد (٣) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأسُ كل شيء، وعليكَ بالجهاد، فإنه رهبانيةُ الإسلام"، وخرجه غيرُه ولفظه: قال: "علَيكَ بتقوى الله فإنها جِماع كل خيرٍ". وفي الترمذي (٤) عن يزيد بن سلمة: أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني سمعتُ منك حديثًا كثيرًا فأخَاف أن ينسيني أوَّلَه آخرُه، فحدثني بكلمة تكون جماعًا، قال: "اتَّق الله فيما تَعْلَمُ". ولم يزل السلفُ الصالح يتَواصَوْنَ بها، كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: أما بعد، فإني أُوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أهلُه،

стр. 400

وأن تَخلِطُوا الرغبةَ بالرهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) [الأنبياء: ٩٥]. ولمَّا حضرته الوفاةُ، وعهد إلى عمر، دعاه، فوصَّاهُ بوصيةٍ، وأوَّلُ ما قالَ له: اتقِ الله يا عمر. وكتب عُمَرُ إلى ابنه عبد الله: أما بعدُ، فإني أوصيك بتقوى الله ، فإنه من اتقاه وقاه، ومَنْ أقرضه جزاه، ومَنْ شكره زاده، فاجعل التقوى نصبَ عينيك وجلاء قلبك. واستعمل عليُّ بن أبي طالب رجلًا على سَريَّة، فقال له: أوصيك بتقوى الله الذي لا بُدَّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونَه وهو يَملِكُ الدنيا والآخرة. وكتب عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبلُ غَيْرَها، ولا يَرحَمُ إلَّا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإيَّاك من المتقين. ولما وُلِّي خطب، فحَمِد الله، وأثنى عليه، وقال: أوصيكُم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خَلفٌ من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى الله خَلَفٌ. وقال رجل ليونس بن عُبيد: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسانِ. فإن الله مَعَ الذين اتَّقَوا والَّذينَ هُمْ مُحسِنُون. وقال له رجل يُريدُ الحجّ: أوصني، فقال له: اتَّقِ الله، فمن اتقى الله، فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عندَ موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورةِ

стр. 401

النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وكتب رجلٌ من السلف إلى أخٍ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها أكرم ما أسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننا الله وإيَّاكَ عليها، وأوجب لنا ولك ثوابَها. وكتب رجلٌ منهم إلى أخٍ له: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقوى، فإنها خيرُ زادِ الآخِرَةِ والأولى، واجعلها إلى كلِّ خيرٍ سبيلَك، ومِن كلِّ شرٍّ مهرَبك، فقد توكل الله لأهلها بالنجاة مما يحذرون، والرزق من حيث لا يحتسبون. وقال شعبة: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجةٌ، فقال: أوصيك بما أوصى به النبيُّ ﷺ معاذَ بنَ جبل: "اتَّقِ الله حيثُما كُنتَ، وأتْبِع السَّيِّئة الحَسَنة تَمحُها، وخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ". وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقولُ في دعائه: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعِفَّةَ والغِنَى" (١). وقال أبو ذرٍّ: قرأ رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ثم قال: "يا أبا ذرٍّ لو أن النَّاسَ كُلَّهم أخذوا بها لكَفَتهم" (٢). فقوله ﷺ : "اتق الله حيثما كُنت" مراده في السير والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أن النبيَّ ﷺ قال له: "أُوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته"، وكان النبيُّ ﷺ يقول في دعائه: "أسألك خشيتَك في الغَيبِ والشَّهادة" (٣) وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات.

стр. 402

وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أن ﷺ قال له: "استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك" وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السير، فإن مَنْ عَلِمَ أن الله يراه حيث كان، وأنه مُطَّلِعٌ على باطنه وظاهره، وسرة وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارةُ في القرآن بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. كان بعضُ السلف يقولُ لأصحابه: زهَّدنا الله وإيَّاكم في الحرام زهد مَنْ قَدَرَ عليه في الخلوة، فَعَلِم أن الله يراه، فتركه من خشيته، أو كما قال. وقال الشافعي: أعزُّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قِلَّة، والورعُ في خَلوة، وكلمةُ الحقِّ عندَ من يُرجى ويُخاف. وكتب ابنُ السّماك الواعظ إلى أخ له: أما بعدُ، أُوصيكَ بتقوى الله الذي هو نَجِيُّكَ في سريرتك ورقيبُك في علانيتك، فاجعلِ الله من بالك على كُلِّ حالك في ليلك ونهارك، وخفِ الله بقدر قُربه منك، وقُدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تَخرُجُ من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى مُلك غيره، فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلُكَ والسلام. وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي؛ إن كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإن كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ وكان وهيبُ بن الورد يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك، وقال له رجل: عِظني، فقال: اتَّقِ الله أن يكونَ أهونَ الناظرين إليك. كان بعضُ السلف يقول: أتراك ترحم مَنْ لم تقرّ عينيه بمعصيتك حتَّى علم أن لا عين تراه غيرك؟

стр. 403

وقال بعضُهم: ابنَ آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك مِن عينٍ ناظرةٍ إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صَفَتْ لك معصيتُهُ، ولم تستحي منه حياءَك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحدُ رجلين: إن كنت ظننتَ أنه لا يراك، فقد كفرتَ، وإن كنت علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه لقد اجترأت عليه. دخل بعضُهم غَيضةً (١) ذات شجر، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصيةٍ مَنْ كان يراني؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأ الغَيْضَةَ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟ رأى محمد بن المنكدر رجلًا واقفًا مع امرأة يُكلمها فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما. قال الحارثُ المحاسبي: المراقبةُ علمُ القلب بقرب الربِّ. وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ: إذا ما خلَوْت الدَّهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً … ولا أن ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ وكان ابنُ السَّماك (٢) ينشد:

стр. 404

يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي … والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ … وسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكَا والمقصود أن النبيَّ ﷺ لما وصَّى معاذًا بتقوى الله سِرًّا وعلانيةً، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك وهو أن يستحيَ من الله كما يستحي من رجلٍ ذي هيبةٍ من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعِرَ دائمًا بقلبه قُرْبَ الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه. وقد امتثل معاذُ ما وصَّاه به النبي ﷺ ، وكان عمر قد بعثه على عَمَلٍ، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأتُه، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يُضيق عليّ، ويمنعني من أخذ شي وإنما أراد معاذ ربَّه ، فظنت امرأتُه أن عُمَر بعث معه رقيبًا، فقامت تشكوه إلى الناس. ومن صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنَّهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحِشَ إلا اللممَ. وفي الجملة فتقوى الله في السرِّ هو علامةُ كمالِ الإيمانِ، وله تأثيرٌ عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: "ما أسَرَّ عبدٌ سَريرةً إلا ألبسه الله رِداءَها علانيةً إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا" (١) رُوي هذا مرفوعًا، ورُوي عن ابن مسعود من قوله.

стр. 405

وقال أبو الدرداء: لِيَتَّقِ أحدُكم أن تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين. قال سليمانُ التيميُّ: إن الرجل لَيُصيب الذنبَ في السير فيصبح وعليه مذلتُه، وقال غيره: إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله، ثم يجيءُ إلى إخوانه، فيرون أثَرَ ذلك عليه، وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله، فإنه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله، عاد حامده من النَّاس له ذامًا. قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد. ومِنْ أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيبٌ أبو محمد تاجرًا يَكْرِي الدراهمَ، فمرَّ ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكِلُ الربا، فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ، أفشيت سرِّي إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كُلَّه، وقال: يا ربِّ إنِّي أسيرٌ، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد، فبكى وقال: يا رب أنتَ تذم مرَّةً وتحمد مرَّةً، وكله من عندك. قوله ﷺ : "وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها" لما كان العبد مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنه لا بُدَّ أن يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أن يفعل ما يمحو به هذه

стр. 406

السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وفي "الصحيحين" عن ابنِ مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلَةً، ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فسكت النبي ﷺ حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: "بل للناس عامة" (١). وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي ﷺ في هذه الوصية في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق، وكظمِ الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وهذا هو غايةُ حسن الخلق الذي وصى به النبي ﷺ لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يُصرُّوا عليها، فدل على أن المتقين قد يَقَع منهم أحيانًا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنهم لا يُصرون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، فيستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة: هي تركُ الإصرار. ومعنى قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا عظمته وشِدَّة بطشه وانتقامِه، وما

стр. 407

توعد به على المعصية من العقابِ، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال والاستغفارَ وتركَ الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وفي "الصحيحين" (١) عن النبيِّ ﷺ قال: "أَذْنَبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: رَبِّ إنِّي عملتُ ذنبًا فاغْفِر لي فقال الله: عَلِمَ عبدي إن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر - إِلى أن قال في الرابعة: - فليعمل ما شاء" يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبًا استغفر منه. وفي الترمذي (٢) من حديث أبي بكر الصدِّيق ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أصرَّ من استَغْفَر ولو عادَ في اليومَ سَبْعِينَ مرة". وخرَّج الحاكم (٣) من حديث عُقبة بن عامر أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله أحدُنا يُذنب، قال: "يُكتب عليه"، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: "يغفر له، ويُتاب عليه"، قال: فيعود فيذنب، قال: "يكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: "يغفر له، ويتاب عليه، ولا يَمَلُّ الله حتى تملُّوا". وخرّج الطبراني (٤) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عائشة ﵂ قالت: جاء حبيبُ بنُ الحارث إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني رجل مِقْرافٌ للذنوب، قال: "فتب إلى اللهِ "، قال: أتوبُ، ثم أعودُ، قال: "فكلما أذنبتَ، فتُبْ"، قال: يا رسول الله إذًا تكثرُ ذنوبي، قال: "فعفو الله أكثرُ من ذنوبك يا

стр. 408

حبيب بن الحارث". وخرَّجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيفٍ. وبإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عَمِلَها، فوَجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله، لم يحبسها شيءٌ حتى يمحاها (١). وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عليٍّ قال: خياركُم كُلُّ مُفَتَّنٍ (٢) توَّاب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور (٣). وخرَّج ابن ماجه (٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "التائبُ مِنَ الذَنْبِ كَمَنْ لَا ذَنبَ لَهُ".

стр. 409

وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود، فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار. وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني: أن المؤمن كلما أذنب تاب، وقد رُوي "المؤمن مُفَتَّنٌ توَّاب" (١). وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: "المؤمن واهٍ راقعٌ فسعيدٌ من هلك على رقعه" (٢). وقال عمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: من أحسن منكم، فليَحْمَدِ الله، ومن أساء، فليستغفر الله، فإنه لا بُدَّ لأقوامٍ من أن يعملوا أعمالًا وظَّفها الله في رقابهم، وكتبها عليهم. وفي رواية أخرى عنه أنَّه قال: أيها الناسُ مَنْ ألمَّ بذنبٍ، فليستغفرِ الله وليتب، فإن عادَ، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد، فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال، وإن الهلاك كُل الهلاك في الإصرار عليها. ومعنى هذا أن العبدَ لا بُدَّ أن يفعل ما قُدِّرَ عليه من الذنوب كما قال النبيُّ ﷺ : "كُتِبَ على ابن آدمَ حَظهُ من الزنى، فهو مُدركُ ذلك لا محالةَ" (٣). ولكن الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل، فقد تخلص من شر الذنب، وإن أصر على الذنب، هلك. وفي "المسند" (٤) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ قال:

стр. 410

"ارحَمُوا تُرْحَموا، واغْفِروا يُغْفَرْ لكُم، وَيلٌ لأقْماعِ القولِ، وَيلٌ للمُصِرِّين الذين يُصرون على ما فعلوا وهُمْ يَعْلَمون" وفسر أقماعُ القول بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع (١). وقوله ﷺ : "أَتْبِعِ السَّيِّئَة الحَسَنة" قد يُراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسَل خرجه ابنُ أبي الدنيا من مراسيل محمدِ بن جُبيرٍ (٢) أن النبيَّ ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "يا معاذ اتَّقِ الله ما استطعتَ، واعمل بقوَّتِكَ لله ما أطقت، واذكرِ الله عند كلِّ شجرةٍ وحجر، وإن أحدثت ذنبًا، فأحدث عنده توبة، إن سرًّا فسرٌّ وإن علانية فعلانية". وخرجه أبو نعيم (٣) بمعناه من وجهٍ آخرَ ضعيف عن معاذ. وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنة في سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانية، فأحسن حسنةً في علانية، لكي تكونَ هذه بهذه. وهذا يحتمِلُ أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعمَّ منها. وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه، فإنه يغفر له ذنبه أو يتاب عليه

стр. 411

في مواضع كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآيتين. قال عبدُ الرزاق: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: بلغني أن إبليسَ حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية، بكى (١). ويُروى عن ابن مسعور قال: هذه الآية خيرٌ لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها (٢). وقال ابنُ سيرين: أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله لو كانت كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيل، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبة على بابه وكفارَتها، فإن كفرها كانت خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما

стр. 412

أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) [النساء: ١١٠]. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، قال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة والكفارة (٢). وظاهر هذه النصوص تدلُّ على أن من تاب إلى الله توبةً نصوحًا، واجتمعت شروطُ التوبة في حقه، فإنه يُقطع بقبولِ الله توبته، كما يُقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلامًا صحيحًا، وهذا قولُ الجمهور، وكلامُ ابن عبدِ البرِّ يدلُّ على أنَّه إجماع. ومِنَ الناسِ مَنْ قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبُها تحت المشيئة وإن تاب، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فجعل الذنوبَ كُلَّها تحت مشيئته، وربما استدلَّ بمثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]، وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].

стр. 413

والظاهر أن هذا في حقِّ التائبِ، لأن الاعترافَ يقتضي الندم، وفي حديث عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: "إن العبدَ إذا اعترف بذنبه، ثم تابَ، تاب الله عليه" (١)، والصحيح قولُ الأكثرين. وهذه الآيات لا تدلُّ على عدم القطع، فإن الكريمَ إذا أطمع، لم يقطع من رجائه المطمع، ومِنْ هنا قال ابنُ عباس: إن "عسى" من الله واجبة، نقله عنه عليُّ بن أبي طلحة (٢). وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ: "عسى" أيضًا، ولم يدل ذلك على أنه غيرُ مقطوع به، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨]. وأما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فإنَّ التائب ممن شاء أن يغفرَ له، كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه. وقد يُراد بالحسنة في قول النبيِّ ﷺ : "أتبع السَّيئة الحسنة" ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقد رُوي من حديث معاذ أن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبيُّ ﷺ أن يتوضَّأ ويُصلِّي (٣).

стр. 414

وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذنِبُ ذنبًا ثم يقومُ فيتطهَّر ثم يُصلِّي، ثم يستغفر الله إلَّا غَفَرَ الله له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن عثمانَ أنه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: "مَنْ توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه". وفي "مسند الإمام أحمد" (٣) عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ ثم قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يُحسِنُ فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفرَ الله غُفِرَ له". وفي "الصحيحين" (٤) عن أنس قال: كُنتُ عندَ النبيِّ ﷺ ، فجاءه رجل،

стр. 415

فقال: يا رسولَ الله إني أصبتُ حدًا، فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلى مع النبيِّ ﷺ ، فلما قضى النبيُّ ﷺ الصلاةَ قام إليه الرجلُ فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا، فأقم فيَّ كتاب الله، قال: "أليس قد صلَّيت معنا؟ " قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قد غَفرَ لك ذنبك - أو قال: - حدَّك" وخرّجه مسلم (١) بمعناه من حديث أبي أمامة، وخرجه ابنُ جرير الطبري (٢) من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: "فإنَّك مِنْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك فلا تَعُدْ"، وأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "أرأيتُم لو أن نهرًا ببابِ أحدكم يَغْتَسِلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: "فذلك مَثَلُ الصَّلواتِ الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا". وفي "صحيح مسلم" (٤) عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ قال: "من تَوضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، خرجت خطاياه من جسده حتى تَخرجَ من تحت أظفاره". وفيه (٥) عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدَّرجات؟ "قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصَّلاةِ، فذلكُم الرباطُ، فذلكُمُ الرباط".

стр. 416

وفي "الصحيحين" (١) عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَنْ قَام لَيلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه". وفيهما (٢) عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُثْ، ولَمْ يَفسُقْ، خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أُمُّه". وفي "صحيح مسلم" (٣) عن عمرو بن العاص، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الإسلام يَهدِمُ ما كان قبله، وإن الهِجرةَ تَهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يَهدِمُ ما كانَ قبله". وفيه (٤) من حديث أبي قتادة، عن النبيِّ ﷺ قال في صوم عاشوراء: "أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله"، وقال في صوم يوم عرفة: "أحتسِبُ على اللهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده". وخرَّج الإمامُ أحمد (٥) من حديث عُقبة بن عامر، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ، ثم يعمل الحسناتِ، كمثل رجلٍ كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عَمِلَ حسنة فانفكت حلقة، ثم عَمِلَ حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض". ومما يُكفِّرُ الخطايا ذكرُ الله ، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أن النبي ﷺ سُئِلَ

стр. 417

عن قول: "لا إله إلَّا الله" أمِنَ الحسنات هي؟ قال: "هي أحسن الحسنات" (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "من قال: سبحان اللهِ وبحمده في يومه مئة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ". وفيهما (٣) عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قالَ: لا إله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو على كل شي قدير في يوم مئة مرة، كانت له عِدْلَ عشرِ رقابٍ، وكتبت له مئةُ حسنةٍ، ومُحِيت عنه مئةُ سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ مِنْ ذلك". وفي "المسند" وكتاب ابن ماجه عن أمِّ هانئ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقُها عمل" (٤). وخرَّج الترمذيُّ (٥) عن أنس، عن النبيِّ ﷺ أنه مرَّ بشجرةٍ يابسة الورق، فضربها بعصاه، فتناثر الوَرَقُ، فقال: "إنَّ الحمدَ للهِ، وسبحان الله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوبِ العبد كما يتساقط ورقُ هذه الشجرة". وخرجه الإمام أحمد (٦) بإسَنادٍ صحيح عن أنسٍ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ

стр. 418

سبحانَ اللهِ، والحمد للّه، ولا إله إلا الله، والله أكبر تَنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشَّجرةُ ورقَها". والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا يطولُ الكتاب بذكرها. وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى من معصية إلا أن لسانه لا يفتر من ذكر الله، فقال: إن ذلك لَعَوْن حَسَنٌ. وسُئِلَ الإِمام أحمد عن رجلٍ اكتسب مالًا من شبهةٍ: صلاتُه وتسبيحُهُ يَحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقال: إن صلَّى وسبَّح يريد به ذلك، فأرجو، قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئة يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ الورقَ اليابسَ. وقال عطاء: من جلس مجلسًا من مجالس الذِّكر، كَفَّر به عشرة مجالس من مجالس الباطل (١). وقال شويس العدوي (٢) - وكان من قدماء التابعين -: إن صاحبَ اليمين أمير - أو قال: أمين - على صاحب الشمال، فإذا عَمِلَ ابنُ آدم سيئة، فأراد صاحبُ الشمال أن يكتبها، قال له صاحبُ اليمين: لا تَعْجَلْ لعلَّه يعمل حسنة، فإن

стр. 419

عَمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتب له تسع حسنات، فيقول الشيطانُ: يا وَيلَه من يدرك تضعيف ابن آدم. وخرَّج الطبراني (١) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا نام ابنُ آدمَ، قال الملك للشيطان: أعطني صحيفَتك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسناتٍ، فإذا أراد أن ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة ويحمد الله أربعًا وثلاثين تحميدة، وسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مئة" وهذا غريبٌ منكر. وروى وكيع: حدَّثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبدُ الله، يعني ابنَ مسعود: وددتُ أني صُولحت على أن أعمل كُلَّ يوم تسع خطيئات وحسنة. وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة يُمحى بها التسع خطيئات، ويَفضُلُ له ضعفٌ واحدٌ من ثواب الحسنة، فيكتفي به، والله أعلم. وقد اختلف الناسُ في مسألتين: إحداهما: هل تُكفِّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصغائرَ أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تُكفر سوى الصغائر، وقد رُوي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يُكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصِّغار، والمشي إلى المساجد يُكفر أكبرَ من ذلك، والصلاة تكفر أكبرَ من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي (٢). وأما الكبائر، فلا بدَّ لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من

стр. 420

لم يتب ظالمًا، واتفقت الأمةُ على أن التوبة فرض، والفرائضُ لا تُؤدى إلا بنيةٍ وقصدٍ، ولو كانت الكبائرُ تقع مكفرةً بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يُحْتَجْ إلى التوبة، وهذا باطلٌ بالإجماع. وأيضًا فلو كُفِّرَت الكبائرُ بفعل الفرائض، لم يبق لأحدٍ ذنبٌ يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قولَ المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البرّ في كتابه "التمهيد" وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدلَّ عليه بأحاديث: منها قولُ النبي ﷺ : "الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضان مُكفراتٌ لما بَينَهُنَّ ما اجتُنِبت الكبائرُ" وهو مخرَّج في "الصحيحين" (١)، من حديث أبي هريرة، وهذا يدلُّ على أن الكبائرَ لا تكفرها هذه الفرائضُ. وقد حكى ابنُ عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدُهما - وحكاه عن جمهور أهل السنة -: أن اجتنابَ الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تُجتنب، لم تُكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية. والثاني: أنها تُكفر الصغائر مطلقًا، ولا تُكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدمِ الإصرار عليها، ورجَّح هذا القول، وحكاه عن الحذاق. وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مرادُه أنه إذا أصرَّ عليها، صارت كبيرةً، فلم تكفرها الأعمالُ. والقولُ الأوَّل الذي حكاه غريب، مع أنه قد حُكِيَ عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثلُه.

стр. 421

وفي "صحيح مسلم" (١) عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَا مِن امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِنُ وضوءَها وخُشوعَها ورُكوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتِ كبيرةً، وذلك الدهر كُلَّه". وفي "مسند" الإِمام أحمد (٢) عن سلمان، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يتطهَّرُ الرجلُ - يعني يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فَيُنْصِتَ حتى يقضي الإمامُ صلاته، إلا كان كفَّارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة". وخرَّج النسائي، وابنُ حبان، والحاكمُ من حديث أبي سعيدٍ وأبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "والَّذي نفسي بيده ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام" (٣). وخرج الإمامُ أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبيِّ ﷺ معناه أيضًا (٤). وخرج الحاكم (٥) معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ . ويُروى من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقولُ الله : ابنَ آدمَ اذكُرني من أوَّلِ النهار ساعةً ومن آخرِ النهار ساعةً، أَغفِر لكَ ما بَينَ ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها" (٦).

стр. 422

وقال ابن مسعود: الصلواتُ الخمس كفَّاراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (١). وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراح ما لم تُصب المقتلة (٢). قال ابنُ عمر لرجل: أتخاف النارَ أن تدخلها، وتحبُّ الجنَّةَ أن تدخلها؟ قال: نعم، قال: برَّ أمَّك، فواللهِ لَئِنْ ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرةَ لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبيَّ ﷺ قال: "اجتنبوا الكبائرَ وسدِّدوا وأبشروا" (٣). وذهب قومٌ من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإيَّاه عنى ابنُ عبد البرّ في كتاب "التمهيد" بالردِّ عليه وقال: قد كنتُ أرغبُ بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قولُ ذلك القائل، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهلٌ، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتِّكالًا على أنَّها تكفرُها الصلواتُ دونَ الندم والاستغفار والتوبة، والله نسألُه العصمة والتوفيقَ. قلتُ: وقد وقع مثلُ هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع مثلُه في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يُرجى لمن قامها

стр. 423

أن يغفر له جميعُ ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإن كان مرادهم أن مَنْ أتى بفرائض الإسلام وهو مُصرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائرُ قطعًا، فهذا باطلٌ قطعًا، يُعْلَمُ بالضرورة من الدِّين بطلانه، وقد سبق قولُ النبي ﷺ : "مَنْ أساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأوَّلِ والآخر" (١) يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ، وإن أرادَ هذا القائلُ أنَّ من ترك الإصرارَ على الكبائرِ، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كُفِّرَت ذنوبه كلُّها بذلك، واستدلَّ بظاهر قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وقال: السيئات تشملُ الكبائرَ والصغائر، فكما أن الصغائرَ تُكفَّرُ باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيَّةٍ، فكذلك الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلك بأنَّ الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السَّيِّئات، وهذا مذكورٌ في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتَّقين، فإنَّه فعل الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ، واجتنابُ الكبائر لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكن أن يُقال في الجملة. والصَّحيح قول الجمهور: إنَّ الكبائر لا تُكفَّرُ بدون التوبة، لأنَّ التوبة فرضٌ على العباد، وقد قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم، ومنهم من فسَّرها بالعزم على أن لا يعود، وقد روي ذلك مرفوعًا من وجه فيه ضعفٌ، لكن لا يعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومَنْ بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، والحسن وغيرهما. وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

стр. 424

[الأنفال: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فإنه لم يُبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمَنْ لم يتب، فهو ظالم، غيرُ متّقٍ. وقد بين في سورة آل عمران خصالَ التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفيرَ السيئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كان على هذه الصفة، والله أعلم. ومما يستدل به على أن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبادةَ بن الصامت، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا"، وقرأ عليهم الآية، "فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقِبَ به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له خرجاه في "الصحيحين"، وفي رواية لمسلم: "من أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارته" (١). وهذا يدل على أن الحدود كفارات. قال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحدَّ يكونُ كفارةً لأهله شيئًا أحسنَ مِنْ حديث عُبادةَ بن الصامت. وقوله: "فعوقب به" يعمُّ العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدَّرةُ أو غير المقدَّرة، كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب والأسقام والآلام، فإنَّه صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يصيبُ المسلمَ نصبٌ ولا وَصَبٌ

стр. 425

ولا هَمٌّ ولا حزن حتَّى الشَّوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه" (١). ورُوي عن عليٍّ أن الحدَّ كفَّارةٌ لمن أقيم عليه (٢)، وذكر ابنُ جرير الطبري في هذه المسألة اختلافًا بين الناس، ورجَّحَ أن إقامة الحدِّ بمجرَّده كفارة، ووهَّنَ القول بخلاف ذلك جدًّا. قلت: وقد رُوِي عن سعيد بن المسيب وصفوانَ بن سليم أن إقامة الحدِّ ليس بكفَّارة، ولا بدَّ معه من التَّوبة، ورجَّحه طائفةٌ من المتأخِّرين، منهم البغويُّ، وأبو عبد الله بن تيمية (٣) في "تفسيريهما"، وهو قولُ ابن حزم
следующие страницы →