← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وفي "صحيح مسلم" (١) عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَا مِن امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِنُ وضوءَها وخُشوعَها ورُكوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتِ كبيرةً، وذلك الدهر كُلَّه". وفي "مسند" الإِمام أحمد (٢) عن سلمان، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يتطهَّرُ الرجلُ - يعني يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فَيُنْصِتَ حتى يقضي الإمامُ صلاته، إلا كان كفَّارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة". وخرَّج النسائي، وابنُ حبان، والحاكمُ من حديث أبي سعيدٍ وأبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "والَّذي نفسي بيده ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام" (٣). وخرج الإمامُ أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبيِّ ﷺ معناه أيضًا (٤). وخرج الحاكم (٥) معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ . ويُروى من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقولُ الله : ابنَ آدمَ اذكُرني من أوَّلِ النهار ساعةً ومن آخرِ النهار ساعةً، أَغفِر لكَ ما بَينَ ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها" (٦).

стр. 422

وقال ابن مسعود: الصلواتُ الخمس كفَّاراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (١). وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجراح ما لم تُصب المقتلة (٢). قال ابنُ عمر لرجل: أتخاف النارَ أن تدخلها، وتحبُّ الجنَّةَ أن تدخلها؟ قال: نعم، قال: برَّ أمَّك، فواللهِ لَئِنْ ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرةَ لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبيَّ ﷺ قال: "اجتنبوا الكبائرَ وسدِّدوا وأبشروا" (٣). وذهب قومٌ من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإيَّاه عنى ابنُ عبد البرّ في كتاب "التمهيد" بالردِّ عليه وقال: قد كنتُ أرغبُ بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قولُ ذلك القائل، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهلٌ، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتِّكالًا على أنَّها تكفرُها الصلواتُ دونَ الندم والاستغفار والتوبة، والله نسألُه العصمة والتوفيقَ. قلتُ: وقد وقع مثلُ هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع مثلُه في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يُرجى لمن قامها

стр. 423

أن يغفر له جميعُ ذنوبه صغيرها وكبيرها. فإن كان مرادهم أن مَنْ أتى بفرائض الإسلام وهو مُصرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائرُ قطعًا، فهذا باطلٌ قطعًا، يُعْلَمُ بالضرورة من الدِّين بطلانه، وقد سبق قولُ النبي ﷺ : "مَنْ أساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأوَّلِ والآخر" (١) يعني: بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ، وإن أرادَ هذا القائلُ أنَّ من ترك الإصرارَ على الكبائرِ، وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كُفِّرَت ذنوبه كلُّها بذلك، واستدلَّ بظاهر قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وقال: السيئات تشملُ الكبائرَ والصغائر، فكما أن الصغائرَ تُكفَّرُ باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيَّةٍ، فكذلك الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلك بأنَّ الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السَّيِّئات، وهذا مذكورٌ في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتَّقين، فإنَّه فعل الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ، واجتنابُ الكبائر لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكن أن يُقال في الجملة. والصَّحيح قول الجمهور: إنَّ الكبائر لا تُكفَّرُ بدون التوبة، لأنَّ التوبة فرضٌ على العباد، وقد قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم، ومنهم من فسَّرها بالعزم على أن لا يعود، وقد روي ذلك مرفوعًا من وجه فيه ضعفٌ، لكن لا يعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومَنْ بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، والحسن وغيرهما. وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

стр. 424

[الأنفال: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فإنه لم يُبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمَنْ لم يتب، فهو ظالم، غيرُ متّقٍ. وقد بين في سورة آل عمران خصالَ التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفيرَ السيئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كان على هذه الصفة، والله أعلم. ومما يستدل به على أن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبادةَ بن الصامت، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا"، وقرأ عليهم الآية، "فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقِبَ به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له خرجاه في "الصحيحين"، وفي رواية لمسلم: "من أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارته" (١). وهذا يدل على أن الحدود كفارات. قال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحدَّ يكونُ كفارةً لأهله شيئًا أحسنَ مِنْ حديث عُبادةَ بن الصامت. وقوله: "فعوقب به" يعمُّ العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدَّرةُ أو غير المقدَّرة، كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب والأسقام والآلام، فإنَّه صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يصيبُ المسلمَ نصبٌ ولا وَصَبٌ

стр. 425

ولا هَمٌّ ولا حزن حتَّى الشَّوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه" (١). ورُوي عن عليٍّ أن الحدَّ كفَّارةٌ لمن أقيم عليه (٢)، وذكر ابنُ جرير الطبري في هذه المسألة اختلافًا بين الناس، ورجَّحَ أن إقامة الحدِّ بمجرَّده كفارة، ووهَّنَ القول بخلاف ذلك جدًّا. قلت: وقد رُوِي عن سعيد بن المسيب وصفوانَ بن سليم أن إقامة الحدِّ ليس بكفَّارة، ولا بدَّ معه من التَّوبة، ورجَّحه طائفةٌ من المتأخِّرين، منهم البغويُّ، وأبو عبد الله بن تيمية (٣) في "تفسيريهما"، وهو قولُ ابن حزم

стр. 426

الظاهري، والأوّل قولُ مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد. وأما حديث أبي هريرة المرفوع: "لا أدري: الحدودُ طهارة لأهلها أم لا؟ " فقد خرجه الحاكم وغيره (١)، وأعله البخاري، وقال (٢): لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهريِّ، وهي ضعيفةٌ، وغلط عبد الرزاق فوصله، قال: وقد صحّ عن النبيِّ ﷺ أن الحدود كفارة. ومما يستدلّ به من قال: الحدّ ليس بكفارة قولُه تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] وظاهره أنه تجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. ويُجابُ عنه بأنه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما، وأما استثناء "من تاب" فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة، فإن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبةِ قبل القُدرة وبعدها. وقوله ﷺ : "ومن أصابَ شيئًا مِنْ ذلك، فستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له" صريحٌ في أن هذه الكبائر من لقي الله بها، كانت تحتَ مشيئتِهِ، وهذا يدلى على أن إقامةَ الفرائضِ لا تكفِّرُها ولا تمحوها، فإنَّ عموم المسلمين يُحافظون على الفرائض، لا سيما مَنْ بايعهُم النبيُّ ﷺ ، وخرج مِنْ ذلك مَنْ لقي الله وقد تاب منها بالنصوص الدَّالَّةِ من الكتاب والسنة على أن

стр. 427

من تابَ إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقي مَنْ لم يتُبْ داخلًا تحت المشيئة. وأيضًا، فيدلُّ على أن الكبائرَ لا تكفِّرُها الأعمالُ: أنَّ الله لم يجعلْ للكبائر في الدُّنيا كفَارة واجبةً، وإنما جعلَ الكفارةَ للصغائر ككفَّارةِ وطءِ المُظاهِرِ، ووطءِ المرأة في الحيض على حديث ابن عباس (١) الذي ذهب إليه الإمامُ أحمد وغيرُه، وكفارة من ترك شيئًا من واجبات الحج، أوِ ارتكب بعضَ محظوراته، وهي أربعةُ أجناس: هديٌ، وعِتقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ، ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمدِ عندَ جمهور العلماءِ، ولا في اليمين الغموس (٢) أيضًا عند أكثرهم، وإنَّما يؤمرُ القاتلُ بعتق رقبة استحبابًا، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنَّهم جاؤوا إلى النبيِّ ﷺ في صاحبٍ لهم قد أوجب، فقال: "أعتِقُوا عنه رقبةً يعتقه الله بها مِن النار" (٣). ومعنى أوجب: عَمِلَ عملًا يجب له به النارُ، ويقال: إنه كان قتل قتيلًا. وفي "صحيح مسلم" (٤) عن ابن عمر أنه ضرب عبدًا له، فأعتقه وقال:

стр. 428

ليس لي فيه مِنَ الأجرِ مثل هذا - وأخذ عودًا من الأرض - إني سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "مَنْ لطَمَ مملوكَه، أو ضربه، فإن كفارتَه أن يَعتِقَهُ". فإن قيل: فالمجامِعُ في رمضان يُؤمَرُ بالكفَّارةِ، والفطرُ في رمضان مِنَ الكبائرِ، قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عندَ الأكثرين على كلِّ مفطر في رمضان عمدًا، وإنَّما هي لِهَتْكِ حُرمةِ نهار رمضان بالجِماع، ولهذا لو كان مفطرًا فطرًا لا يجوزُ له في نهار رمضان، ثمَّ جامع، للزمته الكفارةُ عند الإِمام أحمد لما ذكرنا. وممَّا يدلُّ على أن تكفيرَ الواجبات مختصٌّ بالصَّغائر ما خرَّجه البخاري عن حُذيفة، قال: بَيْنا نحن جلوسٌ عند عمرَ، إذ قال: أيكم يحفظُ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال: قلتُ: "فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده وجارِه يُكَفِّرُها الصلاةُ والصدقةُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر" قال: ليس عن هذا أسألُك. وخرجه مسلم بمعناه، وظاهر هذا السياق يقتضي رفعَه، وفي رواية للبخاري أن حذيفة قال: سمعتُه يقول: "فتنة الرجل" فذكره، وهذا كالصريح في رفعه، وفي رواية لمسلم أن هذا من كلام عمر (١). وأما قولُ النبيِّ ﷺ للذي قال له: أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ، فتركه حتى صلى، ثم قال له: "إن الله غفر لك حَدَّك" (٢)، فليس صريحًا في أن المراد به شيء مِنَ الكبائر، لأن حدود الله تعالى محارمه كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ

стр. 429

جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وفي حديث النواس بن سمعان (١)، عن النبيِّ ﷺ في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم الذي على جنبتيه سُوران، قال: "والسورانِ حُدودُ الله". وقد سبق ذكره بتمامه (٢). فكلُّ من أصاب شيئًا من محارم الله، فقد أصابَ حدودَه، وركبها، وتعدَّاها. وعلى تقديرِ أن يكونَ الحدُّ الذي أصابه كبيرةً، فهذا الرجل جاء نادمًا تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامةِ الحدِّ عليه، والندمُ توبة، والتوبةُ تكفرُ الكبائرَ بغير تردد، وقد رُوي ما يُستدلُّ به على أن الكبائر تكفَّرُ ببعض الأعمال الصالحة، فخرَّجَ الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديث ابن عمر أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ قال: "هل لك مِنْ أمٍّ؟ " قال: لا، قال: "فهل لك من خالةٍ؟ " قال: نعم، قال: "فبِرَّها" (٣)، وخرجه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، لكن خرَّجه الترمذي من وجهٍ آخر مرسلًا، وذكر أن المرسلَ أصحُّ من الموصول، وكذا قال عليُ بنُ المديني والدارقطني. وروي عن عمرَ أن رجلًا قال له: قتلتُ نفسًا، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أن لا تطعَمه النارُ أبدًا. وعن ابن عباس معناه أيضًا (٤).

стр. 430

وكذلك المرأة التي عَمِلَت بالسحر بدُومَة الجندلِ، وقدمت المدينةَ تسألُ عن توبتها، فوجدت النبيَّ ﷺ قد توفي، فقال لها أصحابُه: لو كان أبواك حَيَّيْنِ أو أحدهما كانا يكفيانك. خرَّجه الحاكم (١) وقال: فيه إجماعُ الصحابة حِدْثَان وفاةِ الرسول ﷺ على أن برَّ الأبوين يكفيانها. وقال مكحول والإمام أحمد: برُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر. وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أنه يَحطُّ الكبائر، وروي مرفوعًا من وجوهٍ لا تَصِحُّ (٢). وقد صحَّ من رواية أبي بُردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاةُ قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف: كان رجلٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ أُراه سبعينَ سنة، فشبَّه الشيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها سبعةَ أيامٍ وسبعَ ليال، ثم كُشِفَ عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثمَّ ذكر أنه باتَ بين مساكين، فتُصُدِّقَ عليهم برغيف

стр. 431

رغيف، فأعطوه رغيفًا، ففقده صاحبُه الذي كان يُعطاه، فلمَّا علم بذلك، أعطاه الرغيفَ وأصبح ميتًا، فوُزِنَتِ السَّبعونَ سنة بالسَّبع ليال، فرجحت الليالي، ووُزِنَ الرَّغيفُ بالسَّبع اللَّيال، فرجح الرغيف (١). وروى ابنُ المبارك بإسناده في كتاب "البر والصلة" عن ابن مسعود، قال: عبدَ الله رجلٌ سبعين سنةً ثم أصاب فاحشةً، فأحبطَ الله عملَه، ثم أصابته زَمَانةٌ وأُقْعِدَ، فرأى رجلًا يتصدَّقُ على مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفًا، فتصدَّقَ به على مسكينٍ، فغفرَ الله له، وردَّ عليه عملَ سبعين سنة. وهذه كلها لا دِلالةَ فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل، لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرَّب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحوَ به أَثَرَ الذنب بالكلية، فإن الله شرط في قبول التوبة ومغفرةِ الذنوب بها العملَ الصالح، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وفي هذا متعلَّقٌ لمن يقول: إن التائب بعد التوبة في المشيئة، وكان هذا حال كثير من الخائفين مِنَ السَّلف. وقال بعضهم لرجلٍ: هل أذنبت ذنبًا؟ قال: نعم، قال: فعلمتَ أن الله كتبه عليك؟ قال: نعم، قال: فاعمل حتى تعلمَ أن الله قد محاه. ومنه قولُ ابن مسعود: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبَه كذُبابٍ طار على أنفه، فقال به هكذا. خرَّجه البخاري (٢).

стр. 432

وكانوا يتَّهمُون أعمالهم وتوباتِهم، ويخافون أن لا يكونَ قد قُبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يُوجبُ لهم شدَّةَ الخوف، وكثرةَ الاجتهاد في الأعمال الصالحة. قال الحسن: أدركَتُ أقوامًا لو أنفق أحدهم ملءَ الأرض ما أَمنَ لِعظم الذنب في نفسه. وقال ابنُ عون: لا تَثِقْ بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك، فإنك لا تدري كُفِّرَتْ عنك أم لا، إن عملك مُغَيَّبٌ عنك كله. والأظهر - والله أعلم - في هذه المسألة - أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمالِ - أنه إن أُريدَ أن الكبائر تُمحى بمجرَّد الإتيان بالفرائضِ، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تُكفَّرُ الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. وإن أريد أنه قد يُوازن يومَ القيامة بين الكبائرِ وبينَ بعض الأعمال، فتُمحَى الكبيرة بما يُقابلها من العمل، ويَسقُطُ العمل، فلا يبقى له ثوابٌ، فهذا قد يقع. وقد تقدَّم عن ابن عمرَ أنه لمَّا أعتق مملوكَه الذي ضربه، قال: ليس لي فيه مِنَ الأجرِ شيءٌ، حيث كان كفارةً لذنبه، ولم يكن ذنبُه مِنَ الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفرًا للكبائر؟ وسبق أيضًا قولُ مَنْ قالَ مِنَ السلف: إنَّ السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل، فإذا كان هذا في الصغائر، فكيف بالكبائر؟ فإن بعضَ الكبائر قد يُحبِطُ بعضَ الأعمال المنافية لها، كما يُبطل المنُّ والأذى الصدقةَ، وتُبطلُ المعَاملة بالرِّبا الجهادَ كما قالت عائشة (١). وقال

стр. 433

حذيفةُ: قذفُ المحصنة يَهْدِمُ عملَ مئة سنة، وروي عنه مرفوعًا خرَّجه البزار (١)، وكما يبطل ترك صلاة العصر العمل، فلا يستنكر أن يبطل ثواب العمل الذي يكفر الكبائر. وقد خرَّج البزار في "مسنده" والحاكم من حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يُؤتَى بحسناتِ العبد وسيِّئاتِه يَوْمَ القيامة، فَيُقص أو يُقضى بعضُها من بعض، فإن بقيت له حسنةٌ، وُسِّعَ له بها في الجنة" (٢). وخرج ابنُ أبي حاتم من حديث ابن لَهيعة، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ دينار، عن سعيد بن جُبير في قولِ الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، قال: كان المسلمون يرون أنهُم لا يُؤجرون على الشيءِ القليلِ إذا أعطوه، فيجيءُ المسكينُ، فيستقلُّون أن يُعطوه تمرةً وكِسرة وجَوزةً ونحو ذلك، فيردُّونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطي ونحن نحبُّه، وكان آخرون يرون أنَّهم لا يُلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النارَ على الكبائر، فرغَّبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكثُرَ، وحذَّرهم اليسيرَ من الشرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكْثُر، فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، يعني وزن أصغر النمل ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويَسُرُّهُ ذلك قال: يُكتب لكلِّ برٍّ وفاجر بكل سيئةٍ سيئة واحدة، وبكلِّ حسنة عشر حسنات، فإذا كان يومُ القيامة، ضاعف الله حسناتِ

стр. 434

المؤمن أيضًا بكلِّ واحدةٍ عشرًا، فيمحو عنه بكل حسنةٍ عشرَ سيئات، فمن زادت حسناتُه على سيئاتِه مِثقالَ ذرَّةٍ، دخل الجنة (١). وظاهرُ هذا أنه تقع المقاصةُ بين الحسناتِ والسيئات، ثم تسقط الحسناتُ المقابلة للسيئات، ويُنظر إلى ما يَفضُلُ منها بعدَ المقاصة، وهذا يُوافق قولَ مَنْ قال بأنَّ من رَجَحَتْ حسناتُه على سيئاته بحسنة واحدةٍ أُثيب بتلك الحسنة خاصة، وسَقَطَ باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافًا لمن قال: يُثاب بالجميع، وتسقُط سيئاتُه كأنَّها لم تكن، وهذا في الكبائر، أما الصغائر، فإنه قد تُمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرَةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصلاة" (٢) فأثبت لهذه الأعمال تكفيرَ الخطايا ورَفْعَ الدَّرجات، وكذلك قولُه ﷺ : "مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله وحيدَه لا شريكَ له مئة مرَّةٍ، كُتِبَ له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشر رقاب" (٣)، فهذا يدلُّ على أن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابُه لِعامله مضاعفًا. وكذلك سيئاتُ التائب توبةً نصوحًا تُكفِّرُ عنه، وتبقى له حسناتُه، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ

стр. 435

نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، فلمَّا وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان، دلَّ على أنهم ليسوا بمصرِّين على الذُّنوب، بل هم تائبون منها. وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يدخل فيه الكبائر، لأنها أسوأ الأعمال، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فرتَّب على التقوى المتضمنة لفعلِ الواجبات وتركِ المحرَّمات تكفيرَ السيئات وتعظيمَ الأجر، وأخبرَ الله عَنِ المؤمنين المتفكِّرين في خلق السماوات والأرض أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ [آل عمران: ١٩٣]، فأخبر أنَّه استجاب لهم ذلك، وأنه كفر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم الجنات. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخصَّ الله الذنوبَ بالمغفرة، والسيئاتِ بالتكفير. فقد يقال: السيئات تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها الكبائر، فالسيئاتُ تكفر، لأن الله جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاجُ إلى مغفرة تقي صاحبَها مِنْ شرِّها والمغفرة والتكفير متقاربان، فإنَّ المغفرة قد قيل: إنها سَتْرُ الذَّنوب، وقيل: وقاية شرّ الذنب مع ستره، ولهذا يسمَّى ما ستر الرأسَ ووقاه في الحرب مِغْفَرًا، ولا يسمَّى كلُّ ساترٍ للرأس مغفرًا، وقد أخبر الله عَنِ الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقايةِ السيئات

стр. 436

والتكفير مِنْ هذا الجنس، لأن أصل الكفر السترُ والتغطيةُ أيضًا. وقد فرَّق بعضُ المتأخرين بينهما بأنَّ التكفير محوُ أثر الذنب، حتَّى كأنه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر. وقد يفسر بأنَّ مغفرةَ الذنوب بالأعمَال الصالحة تَقلِبُها حسناتٍ، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط، وفيه أيضًا نظر، فإنَّه قد صحَّ أن الذنوبَ المعاقَب عليها بدخول النار تُبَدَّلُ حسناتٍ فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارةً لها أولى. ويحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أن المغفرة لا تحصلُ إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة، لأنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإن المصائبَ الدنيوية كلَّها مكفراتٌ للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفوُ يقع مع العقوبة وبدونها، وكذلك الرَّحمة. والثاني: أن الكفاراتِ من الأعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفرةِ بها، ويكون ذلك هو ثوابَها، ليس لها ثوابٌ غيرُه، والغالبُ عليها أن تكون من جنس مخالفة هوى النفوسِ، وتَجَشُّم المشقة فيه، كاجتنابِ الكبائر الذي جعله الله كفارةً للصغائر. وأما الأعمال التي تُغفر بها الذنوبُ، فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرةُ والثوابُ عليها، كالذكر الذي يُكتب به الحسنات، ويُمحى به السيئات، وعلى هذا الوجه فَيُفرَّقُ بين الكفارات من الأعمال وغيرها، وأما تكفيرُ الذنوب ومغفرتها إذا اضيف ذلك إلى الله، فلا فرق بينهما، وعلى الوجه الأوَّل يكونُ بينهما فرق أيضًا. ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران:

стр. 437

أحدهما: قولُ ابن عمر لمَّا أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه مِنْ الأجر شيء، واستدلَّ بأنَّه كفارة. والثاني: أن المصائب الدنيوية كُلَّها مكفراتٌ للذنوب، وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم مِنَ السَّلف: إنه لا ثواب فيها مع التكفير، وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنام (١) بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقلِ الأقدام إلى الصلوات، وقال: مَنْ فَعل ذلك، عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيَئته كيومَ ولدته أمه. وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفعُ الدرجات، ويحصل عليها الثوابُ، لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئانِ يُرفعُ بأحدهما الدرجات، ويُكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه يُثاب عليه، لكن إسباغَه في شدَّة البردِ من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا، فيكون كفارةً في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قُربةٌ وطاعةٌ، ويُثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به مِنَ المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة، وكذلك حبسُ النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنزُّه، هو مِنْ هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكون كفارةً. وقد جاء في الحديث أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفعُ له درجةً، والأخرى تحط عنه خطيئة (٢). وهذا يُقوِّي ما ذكرناه، وأن ما حصل به

стр. 438

التَّكفيرُ غيرُ ما حَصل به رفعُ الدَّرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في العمل الواحد تكفيرُ السيئات، ورفعُ الدرجات من جهتين، ويُوصَفُ في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافيَ بين تسميته كفارةً وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال ﷺ : "الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ مُكَفِّراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائرُ" (١). فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائضِ من مخالفة هواها وكَفِّهَا عما تميلُ إليه ما يُوجبُ ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادةُ في سبيل الله تكفِّرُ الذنوب بما يحصُل بها من الألم، وترفعُ الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيَّن بهذا أن بعضَ الأعمال يجتمع فيها ما يُوجِبُ رفع الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكونُ بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصَّغائر بلا ريب، وأمَّا الكبائر، فقد تُكَفَّر بالشَّهادة مع حصولِ الأجر للشَّهيد، لكن الشهيد ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا رُوي عن النبي ﷺ من حديث فضالة بن عُبيد خرجه الإِمام أحمد والترمذي (٢). وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دلَّ عليه الأحاديثُ الصحيحة في الذِّكر، وقد قيل: إنَّ تلك السيئات تُكتب حسنات أيضًا، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكرُه (٣)، وذكرنا أيضًا عن

стр. 439

بعض السَّلف أنه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحدٌ من أضعاف ثواب الحسنة، وتبقى له تسع حسنات. والظاهر أن هذا مختصٌّ بالصغائر، وأمَّا في الآخرة، فيُوازَنُ بين الحسنات والسيئات، ويُقَصُّ بعضُها من بعضٍ، فمن رجحت حسناتُه على سيئاته، فقد نجا، ودخل الجنة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقَهم من حسناته، وبقي له حسنةٌ، دخل بها الجنة. قال ابن مسعود: إن كان وليًا لله ففضل له مثقال ذرَّةٍ، ضاعفها الله له حتَّى يدخل الجنة، وإن كان شقيًا قال الملك: ربِّ فَنِيَتْ حسناتُه، وبقي له طالبون كثير، قال: خُذوا من سيئاتهم، فأضعِفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًا إلى النار، خرجه ابن أبي حاتم وغيرُه. والمرادُ أنّ تفضيلَ مثقالِ ذرَّةٍ مِنَ الحسنات إنما هو بفضل الله ، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته فيها، وهكذا حالُ مَنْ كانت له حسناتٌ وسيئاتٌ، وأرادَ الله رحمته، فضل له من حسناته ما يُدخِلُه به الجنةَ، وكُلُّه من فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل أحدٌ الجنَّةَ وإلَّا بفضل الله ورحمته. وخرَّج أبو نعيم (١) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عليٍّ مرفوعًا: "أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل: قُلْ لأهل طاعتي مِنْ أُمتِّك: لا يَتَّكِلوا على أعمالهم، فإنِّي لا أُقاصُّ عبدًا الحساب يومَ القيامةِ أشاءُ أن أُعذِّبه إلَّا عذبتُه، وقل لأهل معصيتي من أمتك: لا يُلقوا بأيديهم، فإني أغفرُ الذَّنب العظيمَ ولا أُبالي"، ومصداقُ هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ" وفي رواية "هلك" (٢) والله أعلم.

стр. 440

المسألة الثانية: أن الصغائر هل تجبُ التوبةُ منها كالكبائرِ أم لا؟ لأنها تقع مكفرةً باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. هذا ممَّا اختلف الناسُ فيه. فمنهم من أوجب التوبة منها، وهو قولُ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمرَ الله بالتوبةِ عَقيبَ ذكر الصغائرِ والكبائرِ، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إلىَ قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]. وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. ومن الناس من لم يُوجب التوبة منها، وحكي في طائفةٍ من المعتزلة ومن المتأخرين من قال: يجبُ أحدُ أمرين، إما التوبة منها، أو الإتيانُ ببعض المكفِّرات للذُّنوب من الحسنات. وحكى ابنُ عطية في "تفسيره" في تكفير الصَّغائر بامتثالِ الفرائض واجتناب الكبائر قولين: أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث -: أنَّه يُقطع بتكفيرها بذلك قطعًا، لظاهر الآية والحديث. والثاني - وحكاه عن الأصوليين -: أنه لا يُقطع بذلك، بل يُحمل على غلبة الظنِّ وقوَّة الرجاء، وهو في مشيئة الله ، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانتِ

стр. 441

الصغائرُ في حكم المباح الذي لا تَبِعَةَ فيه، وذلك نقضٌ لِعُرى الشريعة. قلت: قد يقال: لا يُقطع بتكفيرها، لأنَّ أحاديث التَّكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيَّدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصَّلاة، وحينئذ فلا يتحقق وجودُ حسن العملِ الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابنُ عطيةَ ينبني الاختلافُ في وجوب التوبة من الصغائر. وقد خرَّج ابنُ جرير من رواية الحسن أن قومًا أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يُعْمَلُ بها، فقال لرجل منهم: أقرأتَ القرآن كُلَّه؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته (١) في نفسك؟ قال: اللهمَّ لا، قال: فهل أحصيتَه في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثَرِك؟ ثم تتبَّعهم حتَّى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكِلَت عمرَ أمُّه، أتكلفونه أن يُقيمَ على الناس كتاب الله؟ قد علم ربُّنا أنه سيكون لنا سيئات، قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (٢). وبإسناده (٣) عن أنس بن مالك أنه قال: لم أرَ مثلَ الذي بلغنا عن ربِّنا تعالى، ثم لم نَخْرُجْ له عن كل أهلٍ ومالٍ، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلَّفنا

стр. 442

ربنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وخرجه البزار في "مسنده" مرفوعًا، والموقوف أصحّ. وقد وصف الله المحسنينَ باجتناب الكبائر قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]. وفي تفسير اللمم قولان للسَّلف: أحدهما: أنَّه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة (١). وعن ابن عباس: هو ما دُونَ الحدِّ من وعيد الآخرة بالنار وحدِّ الدُّنيا (٢).

стр. 443

والثاني: أنه الإلمامُ بشيء من الفواحش والكبائر مرَّةً واحدةً، ثم يتوبُ منه، وروي عن ابن عباس (١) وأبي هريرة، وروي عنه مرفوعًا بالشَّكِّ في رفعه، قال: اللمة من الزنى ثم يتوب فلا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود (٢). ومن فسَّر الآية بهذا قال: لا بدَّ أن يتوبَ منه بخلاف مَنْ فسَّره بالمقدِّمات، فإنه لم يشترط توبة. والظاهر أن القولين صحيحان، وأنَّ كليهِمَا مرادٌ من الآية، وحينئذ فالمحسن: هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرًا ثم يتوبُ منها، ومن إذا أتى بصغيرةٍ كانت مغمورةً في حسناته المكفرة لها، ولا بدَّ أن لا يكون مُصِرًا عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وروي عن ابن عباس أنَّه قال: لا صَغيرة مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع الاستغفار، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (٣).

стр. 444

وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلا بُدَّ للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٠]. فهذه الآيات تضمَّنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم مِنَ الإيمانِ والتوكلِ، وإقام الصَّلاةِ، والإنفاق مما رزقهمُ الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيقُ التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عندَ الغضبِ، وندبهم إلى العفو والإصلاح. وأمَّا قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فليس منافيًا للعفو، فإنَّ الانتصارَ يكون بإظهار القُدرة على الانتقام، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكون أتمَّ وأكملَ. قال النخعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يُستذلُّوا، فإذا قَدَرُوا عَفَوا (١). وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أن يذلَّ نفسه،

стр. 445

فيجترئ عليه الفُسَّاق (١)، فالمؤمن إذا بُغِي عليه، يُظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثلُ هذا لكثيرٍ من السَّلف، منهم قتادة (٢) وغيرُه. فهذه الآياتُ تتضمن جميعَ ما ذكره النبيُّ ﷺ في وصيته لمعاذ، فإنَّها تضمنت أصولَ خصالِ التَّقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرَّمات ومعاملة الخلق بالإِحسان والعفو، ولازِمُ هذا أنَّهم إن وقع منهم شيءٌ من الإِثم من غير الكبائر والفواحش، يكونُ مغمورًا بخصالِ التَّقوى المقتضية لتكفيرها ومحوها. وأما الآياتُ التي في سورة آل عمران، فوَصَفَ فيها المتقين بالإِحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدمِ الإِصرار على ذلك، وهذا هو الأكمل، وهو إحداثُ التوبة، والاستغفار عَقِيبَ كلِّ ذنب مِنَ الذُّنوب صغيرًا كان أو كبيرًا، كما رُوي أن رسولَ الله ﷺ وصَّى بذلك معاذًا، وقد ذكرناه فيما سبق (٣). وإنَّما بسطنا القولَ في هذا، لأنَّ حاجةَ الخلق إليه شديدة، وكلُّ أحد يحتاجُ إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفقُ والمعينُ. وقوله ﷺ : "أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحها" ظاهرُه أن السيِّئات تُمحى بالحسنات، وقد تقدَّم ذكرُ الآثار التي فيها أن السَّيِّئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطيّة العَوفي: بلغني أنَّه من بكى على خطيئة مُحيت عنه، وكُتِبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو، قال: من ذكر خطيئةً عمِلَها، فَوَجِلَ قلبُه منها، فاستغفر الله لم يحبسها شيءٌ حتَّى يمحوها

стр. 446

عنه الرَّحمن. وقال بِشْرُ بنُ الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النَّهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ اللَّيل يمحو ذنوبَ السِّرِّ. وقد ذكرنا قول النبيِّ ﷺ : "ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " (١) الحديث. وقالت طائفة: لا تُمحى الذُّنوب من صحائف الأعمال بتوبةٍ ولا غيرها، بل لا بدَّ أن يُوقف عليها صاحبُها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنه إنَّما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهرُ من هذا الاستدلالُ بقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقد ذكر بعضُ المفسرين أن هذا القول هو الصحيحُ عند المحققين، وقد روي هذا القولُ عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال الحسن: في العبدُ يذنب، ثم يتوبُ، ويستغفِرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابه دونَ أن يَقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاءً شديدًا، وقال: لو لم نَبكِ إلَّا للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلالُ بن سعد: إنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتَّى يُوقِفَهُ عليها يومَ القيامة وإن تاب (٢). وقال أبو هريرة: يُدني الله العبدَ يومَ القيامة، فيضع عليه كَنَفَهُ، فيسترُه مِنَ الخلائق كُلِّها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابنَ آدم كتابَك، فيقرأ، فيمر بالحسنة، فيبيضُّ لها وجهُهُ، ويُسرُّ بها قَلبُه، فيقولُ الله: أتعرِفُ يا

стр. 447

عبدي؟ فيقول: نعم، فيقول: إنِّي قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسكَ وعُد في كِتابك، فيمر بالسَّيِّئة، فيسودُّ لها وجهه، ويَوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذه من الحياء من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُه، فيقول: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إنِّي قد غفرتُها لك، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلَّا السُّجودَ حتَّى ينادي بعضهم بعضًا: طوبى لهذا العبد الذي لم يَعصِ الله قطُّ، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وَقفَهُ عليه (١). وقال أبو عثمان النهدي عن سلمان: يُعطى الرجل صحيفتهُ يوم القيامة، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات. ورُوي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح (٢). وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهلُ الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين،

стр. 448

ثم أصحاب اليمين. قيل: لم سُمُّوا أصحابَ اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفًا حرفًا قالوا: يا ربَّنا هذه سيِّئاتنا فأين حسناتُنا؟ فعندَ ذلك محا الله السيِّئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فهم أكثرُ أهل الجنة. وأهلُ هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم. وقوله ﷺ : "وخالق النَّاسَ بخُلُقٍ حَسن" هذا من خصال التقوى، ولا تَتِمُّ التقوى إلا به، وإنما أفرَده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإنَّ كثيرًا من النَّاسِ يظنُّ أن التقوى هي القيامُ بحقِّ اللهِ دونَ حقوق عباده، فنصَّ له على الأمر بإحسان العشرة للنَّاس، فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلمًا لهم ومفقهًا وقاضيًا، ومَنْ كان كذلك، فإنَّه يحتاج إلى مخالقَةِ النَّاسِ بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيرُه ممن لا حاجةَ للنَّاس به ولا يُخالطهم، وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكُلِّيَّة أو التقصير فيها، والجمعُ بَيْنَ القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا لا يَقوى عليه إلَّا الكُمَّلُ مِنَ الأنبياءِ والصديقين. وقال الحارث المحاسبي: ثلاثةُ أشياء عزيزة أو معدومة: حسنُ الوجه مع الصِّيانة، وحُسْنُ الخلق مع الدِّيانة، وحُسنُ الإِخاء مع الأمانة. وقال بعضُ السلف: جلس داود ﵇ خاليًا، فقال الله : ما لي أراك خاليًا؟ قال: هجرتُ الناسَ فيك يا ربَّ العالمين، قال: يا داود ألا أدُلُّك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاي؟ خالِقِ النَّاسَ بأخلاقهم، واحتجز الإِيمانَ بيني وبينك. وقد عدَّ الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل

стр. 449

بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسناده عن سعيدٍ المقبري قال: بلغنا أن رجلًا جاء إلى عيسى ابن مريمَ ﵇، فقال: يا معلِّمَ الخير، كيف أكون تقيًا للهِ كما ينبغي له؟ قال: بيسيرٍ من الأمر: تُحِبُّ الله بقلبك كُلِّه، وتعمل بكدحك وقوَّتك ما استطعت، وترحمُ ابن جنسك كما ترحم نفسَك، قال: من ابنُ جنسي يا معلِّم الخير؟ قال: ولَدُ آدم كلهم، وما لا تُحب أن يؤتى إليك، فلا تأته لأحدٍ وأنت تقيٌّ للهِ كما ينبغي له. وقد جعل النبيُّ ﷺ حسن الخلق أكمل خصالِ الإِيمانِ، كما خرج الإِمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (١) وخرَّجه محمد بن نصر المروزي (٢)، وزاد فيه: "وإن المرءَ ليَكُونُ مؤمنًا وإنَّ في خُلُقه شيئًا فيَنقُصُ ذلك من إيمانه". وخرَّج أحمد وأبو داود والنسائي وابنُ ماجه، من حديث أسامة بن شريك قال: قالوا يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أُعطي المرءُ المسلمُ؟ قال: "الخُلق الحَسَنُ" (٣). وأخبر النبيُّ ﷺ أن صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم

стр. 450

لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصلاة، ويَظُنُّ أن ذلك يقطعه عن فضلهما، فخرج الإِمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ المؤمن ليُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقه درجاتِ الصَّائم القائم" (١). وأخبر أن حسن الخُلق أثقلُ ما يُوضَعُ في الميزان، وأن صاحبَه أحبُّ الناسِ إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسًا، فخرج الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ شيءٍ يوضَعُ في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإنَّ صاحبَ حسن الخلق ليَبلُغُ به درجةَ صاحب الصَّوم والصلاة" (٢). وخرَّج ابن حبان في "صحيحه" (٣) من حديث عبدِ الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ قال: "ألا أخبركم بأحبِّكُم إلى الله وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامة؟ " قالوا: بلى، قال: "أحسَنُكُم خُلُقًا". وقد سبق حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : "أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّة تقوى الله وحُسنُ الخلق" (٤). وخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبيِّ ﷺ قال: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقُه" (٥)، وخرَّجه الترمذي وابنُ ماجه بمعناه من حديث أنس (٦).

стр. 451

وقد رُوِيَ عَن السَّلف تفسيرُ حُسنِ الخُلق، فعن الحسن قال: حُسنُ الخلق: الكرمُ والبذلة والاحتمالُ. وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبشرُ الحسن، وكان الشعبي كذلك. وعن ابن المبارك قال: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى (١). وسئل سلامُ بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد: تراهُ إذا ما جئته متهلِّلًا … كأنَّك تُعطيه الذي أنت سائِلُه ولَوْ لَم يَكُنْ فِي كَفِّه غيرُ رُوحِهِ … لَجَادَ بِها فَليَتَّق الله سائِلُه هُوَ البَحرُ مِنْ أيِّ النَّواحِي أتيتَهُ … فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ سَاحِلُه (٢) وقال الإِمامُ أحمد: حُسنُ الخلق أن لا تَغضَبَ ولا تحْتدَّ، وعنه أنه قال: حُسنُ الخلق أن تحتملَ ما يكونُ من الناس. وقال إسحاق بنُ راهويه: هو بسطُ الوجهِ، وأن لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر.

стр. 452

وقال بعضُ أهل العلم: حُسنُ الخلق: كظمُ الغيظِ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديبًا أو إقامة حدٍّ وكفُّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكر أو أخذًا بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ. وفي "مسند الإِمام أحمد" من حديث معاذ بن أنس الجُهَني، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الفضائلِ أن تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وتُعطي من حَرمك، وتصفحَ عمَّن شَتَمكَ" (١). وخرَّج الحاكم من حديث عُقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا عقبةُ، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدُّنيا والآخرة؟ تَصِلُ مَنْ قَطعَكَ، وتُعطِي مَنْ حَرَمَك، وتَعْفو عَمَّن ظَلَمك" (٢). وخرَّج الطبراني من حديث عليٍّ أن النبيَّ ﷺ قال: "ألا أدلُّكَ على أكرم أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخرة؟ أن تَصِلَ من قطعك، وتعطي من حرمك، وتَعفو عمَّن ظلمك" (٣).

стр. 453

الحديث التاسع عشر عَنْ عبدِ الله بن عبَّاسٍ ﵄ قالَ: كُنتُ خَلفَ النبيِّ ﷺ فقال: يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كَلماتٍ: احفَظِ الله يَحفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سَألْت فاسألِ الله، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كَتَبَهُ الله لكَ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ، لم يَضرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتبهُ الله عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ". رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. وفي رواية غيرِ التِّرمذي: "احفظ الله تجده أمامَك، تَعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ، واعلَمْ أن ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصيبَكَ، وما أصابَكَ لم يَكُن ليُخطِئَكَ، واعلَمْ أن النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسرًا" (١). هذا الحديث خرَّجه الترمذيُّ من رواية حَنَشٍ الصنعاني، عن ابن عباس، وخرَّجه الإِمامُ أحمد من حديث حنش أيضًا مع إسنادَيْن آخرين منقطعين ولم يُميز لفظ بعضها من بعض، ولفظ حديثه: "يا غلام أو يا غليم ألا أُعَلِّمُك كلماتٍ

стр. 454

ينفعُك الله بهنَّ؟ " فقلتُ: بلى، فقال: "احفظِ الله يحفَظْكَ، احفظ الله تجدهُ أمامك، تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يَعْرِفكَ في الشِّدَّةِ، وإذا سألتَ، فاسألِ الله، وإذا استعنتَ، فاستعن باللهِ، قد جفَّ القلمُ بما هو كائن، فلو أن الخلق كُلَّهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه الله، لم يَقدِرُوا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكربِ، وأن مع العسر يسرًا". وهذا اللفظُ أتمُّ من اللفظ الذي ذكره الشيخ ﵀، وعزاه إلى غير التِّرمذي، واللفظُ الذي ذكره الشيخ رواه عبدُ بنُ حميد في "مسنده" (١) بإسناد ضعيفٍ عن عطاء، عن ابن عباس، وكذلك عزاه ابنُ الصلاح في "الأحاديث الكلية" التي هل أصلُ أربعين الشيخ ﵀ إلى عبد بن حُميد وغيره. وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طُرقٍ كثيرة من رواية ابنه عليٍّ، ومولاه عكرمة (٢)، وعطاء بن أبي رباح (٣)، وعمرو بن دينار، وعُبيد الله بن عبد

стр. 455

الله (١)، وعمر مولى غفرة (٢)، وابن أبي مليكة (٣) وغيرهم (٤). وأصحّ الطرق كلها طريقُ حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قاله ابنُ منده وغيرُه. وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه وصَّى ابن عباس بهذه الوصية من حديث عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٥)، وسهل بن سعد (٦)، وعبد الله بن جعفر (٧)، وفي أسانيدها كلها ضعف.

стр. 456

وذكر العقيلي (١) أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضُها أصلحُ من بعض، وبكلّ حال، فطريق حنشٍ التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهمِّ أمور الدين، حتَّى قال بعض العلماء (٢): تدبرتُ هذا الحديثَ، فأدهشني وكِدتُ أطيشُ، فوا أسفى من الجهل بهذا الحديث، وقِلَّةِ التفهم لمعناه. قلت: وقد أفردت لشرحه جزءًا كبيرًا (٣) ونحن نذكر هاهنا مقاصِدَهُ على وجه الاختصار إن شاء الله تعالى. فقوله ﷺ : "احفظِ الله" يعني: احفظ حدودَه، وحقوقَه، وأوامرَه، ونواهيَه، وحفظُ ذلك: هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعندَ حدوده، فلا يتجاوزُ ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلكَ، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه، وقال : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢، ٣٣]. وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامرِ الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها. ومن أعظم ما يجبُ حِفظُه من أوامر الله الصَّلاةُ، وقد أمر الله بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومدح المحافظين عليها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤].

стр. 457

وقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ حافظ عليها، كان له عندَ الله عهدٌ أن يُدخِلَه الجنَّة" (١) وفي حديث آخر: "من حافظ عليهنَّ، كُنَّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة" (٢). وكذلك الطهارة، فإنَّها مفتاحُ الصلاة، وقال النبيُّ ﷺ : "لا يُحافِظُ على الوضوء إلَّا مؤمن" (٣). وممَّا يُؤمر بحفظه الأيمانُ، قال الله : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ الأَيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويُهْمِل كثير منهم ما يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه. ومن ذلك حفظُ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع: "الاستحياءُ من الله حَقَّ الحياء أن تَحْفَظَ الرأسَ وما وَعَى، وتحفظ البطنَ وما حوى" خرَّجه الإِمام أحمد والترمذي (٤). وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظُ السَّمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظُ البطن وما حوى يتضمن حفظَ القلب عَنِ الإِصرار على محرم، قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

стр. 458

[البقرة: ٢٣٥]، وقد جمع الله ذلك كُلَّه في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. ويتضمن أيضًا حفظُ البطنِ من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب. ومِنْ أعظم ما يجبُ حفظُه من نواهي الله : اللسانُ والفرجُ، وفي حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ حَفِظَ ما بَينَ لَحييه، وما بَينَ رِجليهِ، دَخَلَ الجنة" خرَّجه الحاكم (١). وخرَّج الإِمام أحمد من حديث أبي موسى عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ حَفِظ ما بينَ فَقْمَيهِ وفرجه، دخل الجنة" (٢). وأمر الله بحفظ الفروج، ومدحَ الحافظين لها، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال:

стр. 459

﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ١، ٦]. وقال أبو إدريس الخولاني: أوَّلُ ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظُ فرجه، وقال: لا تضعه إلا في حلال. وقوله ﷺ : "يحفظك" يعني: أن من حفظَ حدود الله، وراعى حقوقَه، حفظه الله، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونَهُ بأمرِ الله، فإذا جاء القدر خَلَّوْا عنه (١). وقال عليّ ﵁: إن مع كلِّ رجلٍ ملكين يحفظانه مما لم يقدَّرْ فإذا جاء القدر خلَّيا بينه وبينَه، وإن الأجل جُنَّةٌ حصينة (٢).

стр. 460

وقال مجاهد: ما مِنْ عبدٍ إلَّا له مَلَكٌ يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإِنس والهوامِّ، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءَك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه (١). وخرَّج الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر، قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدَّعوات حين يُمسي وحين يُصبح: "اللهمَّ إنِّي أسألُكَ العافية في الدُّنيا والآخرة، اللهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذُ بعظمتك أن أُغتَالَ من تحتي" (٢). ومَنْ حفظ الله في صباه وقوّته، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحوله وقوَّته وعقله. كان بعض العلماء (٣) قد جاوز المئة سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله، فوثب يومًا وثبةً شديدةً، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفظناها عَنِ المعاصي في الصِّغر، فحفظها الله علينا في الكبر. وعكس هذا أن بعضَ السلف رأى شيخًا يسأل الناسَ، فقال: إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره.
следующие страницы →