← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وخرَّح مسلمٌ (١) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهِدَ، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتَّى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ، لأنْ يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقي في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمه، وقرأَ القُرآن، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآنَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ تعلَّمت العلمَ، ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقال: هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلَّا أنفقتُ فيها لكَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جوادٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أمِر به، فسُحب على وجهه، حتَّى أُلقي في النار". وفي الحديث: إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ، بكى حتَّى غُشِي عليه، فلمَّا أفاق، قال: صدَقَ الله ورسولُه، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العِلم لغيرِ وجه الله، كما خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ تعلَّم عِلمًا مِمَّا يُبتَغى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلَّا لِيُصِيبَ به عرَضًا من الدُّنيا، لم

стр. 72

يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّة يومَ القِيامَةِ" يعني: ريحها (١). وخرَّج الترمذيُّ (٢) من حديثِ كعبِ بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء، أو يُجاري به العُلَماء، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه، أدخله الله النَّار" (٣). وخرَّجه ابن ماجه بمعناه مِنْ حَديثِ ابن عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، ولفظُ حديثِ جابرٍ: "لا تَعَلَّموا العِلمَ، لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لِتُماروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّروا به المجالس، فمَنْ فعل ذلك، فالنَّارَ النَّارَ". وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ: لِتُماروا به السُّفَهاء، أو لتُجادِلوا به الفُقهاء، أو لتصرفوا به وُجُوهَ النَّاس إليكم، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ (٤). وقد ورد الوعيدُ على العمل لغيرِ اللهِ عمومًا، كما خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ (٥) من حديثِ أبيّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "بَشِّرْ هذه الأمَّةَ

стр. 73

بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ". واعلم أن العمل لغيرِ اللهِ أقسامٌ: فتارةً يكونُ رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرض دُنيويٍّ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم، كما قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]. وكذلك وصف الله الكفار بالرِّياء في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]. وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيام، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبِة أو الحجِّ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ، أو الَّتي يتعدَّى نفعُها، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة. وتارةً يكونُ العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحُبُوطه أيضًا. وفي "صحيح مُسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله ﵎: أنا أغنى الشُّركاءِ (١) عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري، تركته وشريكَه"، وخرَّجه ابنُ ماجه، ولفظه: "فأنا منه بريءٌ، وهوَ لِلّذي أشركَ" (٢).

стр. 74

وخرَّج الإمام أحمد (١) عن شدّاد بن أوس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ صَلَّى يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومنْ صَامَ يُرائِي، فقد أشرَكَ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي، فقد أشرك، وإنَّ الله يقولُ: أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئًا، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الَّذي أشركَ به أنا عنه غنيٌّ". وخرَّج الإمام أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديث أبي سعيد بن أبي فضالةَ - وكانَ مِنَ الصَّحابة - قال: قالَ رسول اللهِ ﷺ : "إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه، نادَى مُنادٍ: مَنْ كانَ أشركَ في عمل عمِلَهُ للهِ ، فليَطلبْ ثوابَهُ من عند غيرِ الله ، فإنَّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك" (٢). وخرَّج البزّار في "مسنده" (٣) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قَيس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الله يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمن أَشركَ معي شريكًا، فهو لشرِيكي. يا أيُّها النَّاسُ أَخلِصوا أعمالَكُم للهِ ، فإنَّ الله لا يقبَلُ مِنَ الأَعمالِ إلَّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ولا تقولوا: هذا للهِ وللرَّحِمِ، فإنَّها للرَّحِم، وليس للهِ منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذا للهِ ولوجُوهِكُم، فإنَّها لوجوهكم، وليس لله فيها شيءٌ".

стр. 75

وخَرَّج النَّسائيُّ (١) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أبي أُمامةَ الباهليِّ أن رجُلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجْرَ والذِّكْر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شَيءَ لهُ" فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ : "لا شيء له"، ثمَّ قال: "إنَّ الله لا يقبلُ منَ العَمَل إلَّا ما كانَ له خالِصًا، وابتُغِي به وجهُه". وخَرَّج الحاكمُ (٢) مِنْ حديث ابن عباس: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أُريد وجْه اللهِ، وأريدُ أنْ يُرى موطِني، فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وممَّن رُوي عنه هذا المعنى، وأنَّ العملَ إذا خالطه شيءٌ مِنَ الرِّياءِ كان باطلًا: طائفةٌ من السَّلفِ، منهم عبادةُ بنُ الصَّامتِ، وأبو الدَّرداءِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وغيرُهم. وفي مراسيلِ القاسم بن مُخَيمرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَقبلُ الله عملًا فيه مثقالُ حبَّةِ خردلٍ مِنْ رياءٍ" (٣). ولا نعرفُ عن السَّلفِ في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عَنْ بعضِ المتأخِّرينَ. فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلًا نيَّةٌ غيرُ الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ

стр. 76

شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة، نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكلِّيَّة، وفي "صحيح مسلم" عن عبدِ اللهِ بن عمروٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً، تعجَّلوا ثُلُثي أجْرِهِم، فإنْ لم يغنَمُوا شيئًا، تمَّ لهُم أجرُهم" (١). وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أن مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلَّا الدُّنيا. وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ. وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم، فلا بأس أن يأخذَ، كأنَّه خرجَ لدِينِه، فإنْ أُعطي شيئًا، أخذه. وكذا رُوي عن عبد الله بن عمروٍ، قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ، فعوَّضَه الله رزقًا، فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أَحدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا، وإنْ مُنع درهمًا مكث، فلا خيرَ في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا. وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُويَ عنْ مُجاهد أنَّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهو محمولٌ على أن قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب. وأمَّا إنْ كان أصلُ العمل للهِ، ثم طرأت عليه نيَّةُ الرِّياءِ، فإنْ كان خاطرًا

стр. 77

ودفَعهُ، فلا يضرُّه بغير خلافٍ، وإن استرسلَ معه، فهل يُحبَطُ به عملُه أم لا يضرُّه ذلك ويجازى على أَصلِ نيَّته؟ في ذلك اختلافٌ بين العُلماءِ مِنَ السَّلَف قد حكاه الإِمامُ أحمدُ وابنُ جريرٍ الطَّبريُّ، ورجَّحا أن عمله لا يبطلُ بذلك، وأنَّه يُجازى بنيَّتِه الأُولى، وهو مرويٌّ عن الحسنِ البصريِّ وغيره. ويُستدلُّ لهذا القولِ بما خَرَّجه أبو داود في "مراسيله" (١) عن عطاءٍ الخُراسانيِّ أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنَّ بنِي سلِمةَ كُلَّهم يقاتلُ، فمنهم من يُقاتِلُ للدُّنيا، ومِنهم من يُقاتِلُ نَجدةً، ومنهم مَنْ يُقاتلُ ابتغاءَ وجهِ الله، فأيُّهُم الشَّهيد؟ قال: "كلُّهم إذا كان أصلُ أمرِه أن تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا". وذكر ابنُ جريرٍ أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما هو في عمل يرتَبطُ آخرُه بأوَّلِه، كالصَّلاةِ والصِّيام والحجِّ، فأمَّا ما لا ارتباطَ فيه كالقراءةِ والذِّكر وإنفاقِ المالِ ونشرِ العلم، فإنَّه ينقطعُ بنيَّةِ الرِّياءِ الطَّارئةِ عليه، ويحتاجُ إلى تجديدِ نَيَّةٍ. وكذلك رُوي عن سُليمانَ بن داود الهاشميّ (٢) أنَّه قال: ربَّما أُحَدِّثُ بحديثٍ ولي نيَّةٌ، فإذا أتيتُ على بعصه، تغيَّرت نيَّتي، فإذا الحديثُ الواحدُ يحتاج إلى نيَّاتٍ. ولا يَرِدُ على هذا الجهادُ، كما في مُرسل عطاءٍ الخراساني، فإنَّ الجهادَ يلزَم بحُضورِ الصَّفِّ، ولا يجوزُ تركُه حينئذٍ، فيصيرُ كالحجِّ. فأمَّا إذا عَمِلَ العملَ للهِ خالصًا، ثم ألقى الله لهُ الثَّناء الحسنَ في قُلوبِ المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشَرَ بذلك، لم يضرَّه ذلك.

стр. 78

وفي هذا المعنى جاء حديثُ أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنه سُئِلَ عن الرَّجُل يعملُ العمَلَ لله مِنَ الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه (١)، فقال: "تلكَ عاجلُ بُشرى المؤمن" خرَّجه مسلم، وخرَّجه ابن ماجه، وعندَه: الرَّجُلُ يعمَلُ العملَ للهِ فيحبُّه النَّاسُ عليه. وبهذا المعنى فسَّره الإِمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بن راهويه، وابنُ جريرٍ الطَّبريّ وغيرهم. وكذلك الحديثُ الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أن رجُلًا قال: يا رسول الله، الرَّجُلُ يعملُ العملَ، فيُسِرُّهُ، فإذا اطُّلع عليه، أَعجَبهُ، فقال: "له أجران: أجرُ السِّرِّ، وأجرُ العلانيَةِ" (٢). ولنقتَصِر على هذا المقدار مِنَ الكلامِ على الإِخلاصِ والرِّياء، فإنَّ فيه كفايةً. وبالجملةِ، فما أحسن قولٍ سهلِ بن عبد الله التُّستري: ليس على النَّفس شيءٌ أشقَّ مِنَ الإخلاصِ، لأنَّه ليس لها فيه نصيبٌ. وقال يوسفُ بنُ الحسينِ الرازيُّ: أعزّ شيءٍ في الدُّنيا الإخلاصُ، وكم أَجتهد في إسقاطِ الرِّياءِ عَنْ قلبي، وكأنه ينبُتُ فيه على لون آخر. وقال ابنُ عيينةَ: كان من دُعاءِ مطرِّف بن عبد الله: اللَّهمَّ إنِّي أستغفرُكَ ممَّا تُبتُ إليكَ منه، ثمّ عُدتُ فيه، وأستغفرُكَ ممَّا جعلتُهُ لكَ على نفسي، ثمَّ لم أَفِ لكَ به، وأستغفركَ ممَّا زعمتُ أنِّي أردتُ به وجهَك، فخالطَ قلبي منه ما قد علمتَ.

стр. 79

فصل وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنى الَّذي يذكره الفُقهاءُ، وهو أن تمييزَ العبادات من العاداتِ، وتمييز العباداتِ بعضها مِنْ بعض، فإنَّ الإِمساكَ عن الأكلِ والشُّرب يقعُ تارةً حميةً، وتارةً لعدمِ القُدرةِ على الأكل، وتارةً تركًا للشهواتِ للهِ ، فيحتاجُ في الصِّيامِ إلى نيَّةٍ ليتميَّزَ بذلك عَنْ تركِ الطَّعامِ على غيرِ هذا الوجه. وكذلك العباداتُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، منها فرضٌ، ومنها نفلٌ. والفرضُ يتنوَّعُ أنواعًا، فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسُ صلواتِ كلَّ يومٍ وليلةٍ، والصَّومُ الواجبُ تارةً يكونُ صيامَ رمضان، وتارةً صيامَ كفَّارةٍ، أو عن نذرٍ، ولا يتميَّزُ هذا كلُّه إلَّا بالنِّيَّةِ، وكذلك الصَّدقةُ، تكونُ نفلًا، وتكونُ فرضًا، والفرضُ منه زكاةٌ، ومنه كفَّارةٌ، ولا يتميَّزُ ذلكَ إلَّا بالنِّيَّةِ، فيدخلُ ذلك في عمومِ قوله ﷺ : "وإنَّما لامرئٍ ما نَوى". وفي بعضِ ذلك اختلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء فإنَّ منهم مَنْ لا يُوجِبُ تعيينَ النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضَةِ، بل يكفي عندَه أن ينويَ فرضَ الوقتِ، وإنْ لم يستحضِرْ تسميتَه في الحال، وهو روايةٌ عن الإِمام أحمدَ. ويُبنى على هذا القولِ: أن منْ فاتَته صلاةٌ مِنْ يومٍ وليلةٍ، ونسيَ عينَها، أن عليه أن يقضي ثلاثَ صلواتٍ: الفجرَ والمغربَ ورُباعيَّةً واحدة (١). وكذلك ذهبَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ إلى أن صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ تعيينية أيضًا، بل تُجزئُ بنيَّة الصِّيامِ مُطلقًا، لأنَّ وقتَه غيرُ قابلٍ لصيامٍ آخر،

стр. 80

وهو أيضًا روايةً عن الإمام أحمدَ (١). وربَّما حُكِي عن بعضِهم أن صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ، لتعيينه بنفسه، فهو كردِّ الودائع، وحُكِي عن الأوزاعيِّ أن الزَّكاةَ كذلك. وتأوَّلَ بعضُهم قولَه على أنَّه أرادَ أنَّها تُجزئُ بنيَّةِ الصَّدقةِ المُطلَقَةِ كالحجِّ. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدَّق بالنِّصاب كله مِنْ غيرِ نيَّةٍ، أجزأه عن زكاته. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سَمع رجُلًا يُلبِّي بالحَجِّ عنْ رجُلٍ، فقال له: أحَجَجْت عن نَفسك؟ " قال: لا، قال: "هذه عَنْ نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن الرَّجُلِ". وقد تُكُلِّم في صحَّةِ هذا الحديثِ، ولكنَّه صحيحٌ عن ابن عبَّاسٍ وغيره (٢). وأخذ بذلك الشَّافعيُّ وأحمدُ في المشهور عنه وغيرُهما، في أن حَجَّة الإسلام تسقطُ بنيَّةِ الحجِّ مطلقًا، سواءً نوى التَّطُّوعَ أو غيرَه، ولا يُشتَرطُ للحجِّ تعيينُ النِّيَّةِ، فمنْ حجَّ عنْ غيرِه، ولم يحجَّ عن نفسِهِ، وقع عنْ نفسه، وكذا لو حجَّ عَنْ نذرهِ، أو نفلًا، ولم يكن حجَّ حجَّةَ الإِسلام، فإنه ينقلِبُ عنها، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أمرَ أصحابَهُ في حجَّةِ الوداعِ بعدَ ما دخلُوا معه، وطافوا، وسعَوا أنْ يَفسَخُوا حجَّهم، ويجعلوها عمرةً، وكان منهم القارنُ والمفرِدُ (٣)، وإنَّما كانَ طوافُهم عندَ قُدومهم طوافَ القدومِ وليسَ بفرضٍ، وقد أمرهم أن يجعلُوه

стр. 81

طوافَ عمرةٍ وهو فرضٌ، وقد أخذَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في فسخِ الحجِّ، وعملَ به، وهو مشكلٌ على أصلهِ، فإنَّه يُوجِبُ تعيينَ الطوافِ الواجب للحجِّ والعمرة بالنِّيَّةِ، وخالفَهُ في ذلك أكثرُ الفُقهاءِ، كمالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفةَ. وقد يفرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طوافُهُ في إحرامٍ انقلبَ، كالإِحرام الَّذي يفسخُه، ويجعلهُ عمرةً، فينقلبُ الطَّوافُ فيه تبعًا لانقلاب الإحرامِ، كما ينقلبُ الطَّوافُ في الإِحرامِ الَّذي نوى به التَّطوُّعَ إذا كان عليهَ حَجَّةُ الإسَلام، تبعًا لانقلاب إحرامهِ مِنْ أصَله، ووقوعِه عن فَرضِه، بخلاف ما إذا طافَ للزيارةِ بنيَّةِ الودَاعِ، أو التَّطُّوعِ، فإنَّ هذا لا يُجزئه لأنَّه لم يَنوِ به الفَرضَ، ولم ينقلبْ فرضًا تبعًا لانقلابِ إحرامِه، والله أعلمُ. وممَّا يدخُلُ في هذا الباب: أن رجلًا في عهد النَّبيِّ ﷺ كانَ قد وضعَ صدقتَه عندَ رجُلٍ، فجاءَ ابنُ صاحب الصَّدقَةِ، فأخذها ممَّن هي عنده، فعلم بذلكَ أبوهُ، فخاصمه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: ما إيَّاكَ أردتُ، فقال النَّبيُّ ﷺ للمتصدِّقِ: "لكَ ما نَويتَ"، وقال للآخِذِ: "لَك ما أخذْتَ" خرَّجه البخاريُّ (١). وقد أخذَ الإمامُ أحمدُ بهذا الحديثِ، وعملَ به في المنصوصِ عنه، وإنْ كان أكثرُ أصحابِهِ على خلافِه، فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمنعُ من دفعِ الصَّدقةِ إلى ولده خشيةَ أن يكونَ محاباةً، فإذا وصلتْ إلى ولده من حيثُ لا يشعر، فالمحاباةُ منتفيَةٌ، وهو مِنْ أهلِ استحقاقِ الصَّدقةِ في نفس الأمرِ، ولهذا لو دفعَ صدقَته إلى مَنْ يظنُّه فقيرًا، وكان غنيًّا في نفس الأمرِ، أجزَأتهُ على الصَّحيحِ، لأنَّه إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يعتقدُ استحقاقَه، والفقرُ أمَرٌ خفيٌّ، لا يكادُ يُطَّلعُ على حقيقته. وأمَّا الطَّهارةُ، فالخلافُ في اشتراطِ النِّيَّةِ لها مشهورٌ، وهو يرجعُ إلى أن الطَّهارةَ للصَّلاةِ هل هي عبادةٌ مستقلَّةٌ، أم هي شرطٌ من شروطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ

стр. 82

النَّجاسةِ، وسَترِ العورةِ؟ فمن لم يشترِط لها النِّيَّةَ، جعلها كسائرِ شُروطِ الصَّلاةِ، ومَنِ اشترطَ لها النِّيَّةَ، جعلها عبادةً مُستقلَّةً، فإذا كانت عبادةً في نفسها، لم تصحَّ بدونِ نيَّةٍ، وهذا قولُ جمهور العلماءِ، ويدلُّ على صحَّةِ ذلك تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ، كان كَفَّارةً لذُنوبه (١). وهذا يدلُّ على أن الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ بنفسها، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفرُ شيئًا من الذُّنوبِ بالاتِّفاقِ، فلا يكونُ مأمورًا به، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ، ولهذا لم يَرِد في شيءٍ من بقيَّةِ شرائطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ النَّجاسةِ، وسَترِ العورةِ ما ورد في الوُضوءِ مِنَ الثَّواب، ولو شَرَكَ بينَ نيَّةِ الوُضوءِ، وبينَ قصدِ التَّبرُّد، أو إزالةِ النَّجاسةِ أو الوسخَ، أجزأه في المنصوصِ عن الشَّافعيِّ، وهو قولُ أكثرِ أصحاب أحمدَ، لأنَّ هذا القصدَ ليسَ بمحرَّمٍ، ولا مَكروهٍ، ولهذا لو قصدَ مع رفعِ الحدَثِ تعليمَ الوضوءِ، لم يضرَّهُ ذلك. وقد كان النَّبيُّ ﷺ يقصِدُ أحيانًا بالصَّلاةِ تعليمَها للنَّاس، وكذلك الحجُّ، كما قال: "خذوا عنِّي مناسِكَكُم" (٢). وممَّا تدخُلُ النِّيَّةُ فيه مِنْ أبوابِ العلمِ: مسائلُ الأيْمان. فلغوُ اليمينِ لا كفَّارةَ فيه، وهو ما جرى على اللِّسان منْ غيرِ قصدٍ بالقلبِ إليه، كقوله: لا والله، وبلى والله في أثناءِ الكلامِ، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ

стр. 83

اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (١). وكذلك يُرجَعُ في الأيمان إلى نيَّةِ الحالِف وما قصدَ بيمينه، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ أو عَتاقٍ، ثم ادَّعى أنَّه نوى ما يُخالِفُ ظاهرَ لفظه، فإنَّه يُدَيَّنُ فيما بينه وبينَ الله . وهل يُقبل منه في ظاهرِ الحُكم؟ فيه قولانِ للعُلماءِ مشهوران، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ، وقد رُوي عَنْ عمرَ أنَّه رُفعَ إليه رجلٌ قالتْ له امرأته: شبِّهني، قال: كأنَّكِ ظبيةٌ، كأنَّك حمامةٌ، فقالت: لا أرضى حتَّى تقولَ: أنت خلِيَّةٌ طالِقٌ، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتُك. خرَّجه أبو عبيد (٢) وقال: أراد النَّاقةَ تكونُ معقولةً، ثم تُطْلَقُ من عِقالها ويُخلَّى عنها، فهي خَليَّةٌ مِنَ العِقالِ، وهي طالقٌ، لأنَّها قد طَلَقَت منه، فأرادَ الرَّجُلُ ذلك، فأسقطَ عنه عمرُ الطَّلاق لنيَّته. قال: وهذا أصلٌ لكلِّ مَنْ تكلَّم بشيءٍ يُشبه لفظَ الطَّلاق والعَتاق، وهو ينوي غيرَه أن القولَ فيه قولُه فيما بينَه وبينَ الله، وفي الحُكمِ على تأويلِ مذهب عمرَ ﵁. ويُروى عن سُمَيطٍ السَّدوسيِّ، قال: خطبتُ امرأةً، فقالوا: لا نزوِّجُكَ حتَّى تُطلِّق امرأتَك، فقلت: إنِّي قد طلَّقتُها ثلاثًا، فزوَّجوني، ثمَّ نظروا، فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليسَ قد طلَّقتها ثلاثًا؟ فقلتُ: كان عندي فلانةٌ فطلقتُها، وفلانةٌ فطلَّقتُها، فأمَّا هذه، فلم أطلِّقْها، فأتيتُ شقيقَ بن ثورٍ وهو يريدُ الخروجَ إلى

стр. 84

عثمانَ وافدًا، فقلتُ: سل أميرَ المؤمنين عَنْ هذه، فخرج فسأله، فقال: نيَّتُه. خرَّجه أبو عبيد في "كتاب الطَّلاق"، وحكى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ ذلكَ. وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ: قلتُ لأحمدَ: حديثُ السُّمَيطِ تَعرفُهُ؟ قال: نعم، السَّدوسيّ، إنَّما جعلَ نيَّته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيَّته. فإن كانَ الحالِفُ ظالمًا، ونوى خِلافَ ما حلَّفه عليه غريمُه، لم تنفَعْه نيَّتُه، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هُريرة، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يمينُكَ على ما يُصدِّقُك عليه صاحبُك" (١). وفي رواية له: "اليمينُ على نيَّةِ المُستحْلِفِ" (٢)، وهذا محمولٌ على الظَّالم، فأمَّا المظلومُ، فينفعهُ ذلك. وقد خرَّج الإِمام أحمدُ، وابنُ ماجه مِنْ حديثِ سُويد بن حنظلةَ، قال: خرجنا نُريدُ رسول الله ﷺ ، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأخذه عدوٌّ له، فتحرَّجَ النَّاسُ أن يحلِفوا، فحلفتُ أنا إنَّه أخي، فخلى سبيلَه، فأتينا النَّبيَّ ﷺ ، فأخبرتُهُ أن القومَ تحرَّجُوا أن يحلفوا، وحلفتُ أنا إنَّه أخي، فقال: "صدقتَ، المسلمُ أخو المسلم" (٣). وكذلك تدخلُ النِّيَّةُ في الطَّلاق والعَتاقِ، فإذا أتى بلفظٍ مِنْ ألفاظ الكناياتِ المحتملَةِ للطَّلاقِ أو العَتاقِ، فلا بُدَّ له من النِّيَّةِ. وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوهِ أم لا؟

стр. 85

فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ، وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضًا، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ ظاهرة، كالبَتَّةِ ونحوها، فهل يقعُ به الثَّلاثُ أو واحدةٌ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهب أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به مَا نواه، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضًا. ولو رأى امرأةً، فظنَّها امرأتهُ، فطلَّقها، ثم بانت أجنبيَّة، طلقَتِ امرأتُهُ، لأنَّه إنَّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ. نصَّ على ذلك أحمدُ، وحُكِي عنه رواية أخرى: أنَّها لا تطلُق، وهو قول الشَّافعيِّ، ولو كان العكس، بان رأى امرأةً ظنَّها أجنبيَّةً، فطلَّقها، فبانت امرأتُه، فهل تطلُق؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلُق. ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عَن الخُروج، ثم رأى امرأةً قد خرجَتْ، فظنَّها المنهيَّةَ، فقال لها: فلانةُ خرجْتِ؟ أنَت طالقٌ، فقد اختلفَ العُلماء فيها، فقال الحسن: تطلُقُ المنهيَّةُ، لأنها هي الَّتي نواها. وقال إبراهيمُ: تطلقان، وقال عطاءٌ (٧): لا تطلُق واحدةٌ منهما، ومذهبُ أحمد: أنَّه تطلُقُ المنهيَّةُ روايةً واحدةً، لأنه نوى طلاقَها. وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، واختلف الأصحاب على القولِ بأنَّها تطلُق: هل تطلق في الحُكم فقط، أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين لهم. وقد استدلَّ بقولهِ ﷺ : "الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لامرئٍ ما نوى" على أن العُقودَ الَّتي يُقصَدُ بها في الباطنِ التَّوصُّلُ إلى ما هو محرَّمٌ غيرُ صحيحةٍ، كعقودِ البُيوعِ الَّتي يُقصدُ بها معنى الرِّبا ونحوها، كما هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرهما، فإنَّ هذا العقدَ إنَّما نوي به الرِّبا، لا البيعَ، "وإنَّما لامرئٍ ما نوى". ومسائلُ النِّيَّةِ المتعلِّقةُ بالفقه كثيرةٌ جدًّا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.

стр. 86

وقد تقدَّم عنِ الشَّافعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث: إنَّه يدخلُ في سبعينَ بابًا من الفقهِ، والله أعلمُ. والنِّيَّةُ: هي قصدُ القلب، ولا يجبُ التَّلفُّظ بما في القَلب في شيءٍ مِنَ العباداتِ، وخرَّج بعضُ أصحاب الشَّافعيِّ له قولًا باشتراطِ التَّلفُّظ بالنِّيَّةِ للصلاةِ، وغلَّطه المحقِّقون منهم، واختلفَ المتأخِّرون من الفُقهاء في التَّلفُّظ بالنِّيَّة في الصَّلاة وغيرها، فمنهم مَن استحبَّه، ومنهم مَنْ كرهه. ولا يُعلمُ في هذه المسائل نقلٌ خاصٌّ عن السَّلفِ، ولا عن الأئمَّةِ إلَّا في الحَجِّ وحدَهُ، فإنَّ مُجاهدًا قال: إذا أراد الحجَّ، يُسمِّي ما يُهلُّ به، ورُوي عنه أنَّه قال: يسمِّيه في التَّلبيةِ، وهذا ليس مِمَّا نحنُ فيه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يذكرُ نُسُكَه في تلبيته، فيقول: "لَبَّيكَ عُمْرةً وحَجًّا" (١)، وإنَّما كلامُنا في أنَّه يقولُ عندَ إرادةِ عقدِ الإِحرام: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجَّ أو العمرةَ، كما استَحَبَّ ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ، وكلامُ مجاهدٍ ليس صريحًا في ذلك. وقال أكثر السَّلفِ، منهم عطاءٌ وطاووسٌ والقاسمُ بنُ محمَّدٍ والنَّخعيُّ: تجزئه النِّيَّةُ عندَ الإِهلالِ. وصحَّ عَنِ ابن عمرَ أنَّه سمعَ رجُلًا عندَ إحرامِهِ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ أو العمرةَ، فقال لهَ: أتعلمُ النَّاس؟ أوليسَ الله يعلمُ ما في نَفسكَ؟. ونصَّ مالكٌ على مِثلِ هذا، وأنَّه لا يستحبُّ له أنْ يُسمِّيَ ما أحرمَ به. حكاه صاحب كتاب "تهذيب المدوَّنة" مِنْ أصحابه. وقال أبو داود (٢): قلتُ لأحمدَ: أتقولُ قبلَ التَّكبير - يعني في الصَّلاة - شيئًا؟ قال: لا. وهذا قد يدخُلُ فيه أنَّه لا يتلفَّظُ بالنِّيَّةِ. والله أعلم.

стр. 87

الحديث الثاني عَنْ عُمرَ بن الخَطَّاب ﵁، قالَ: بَينَمَا نَحْنُ عِندَ رَسولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ علينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّياب، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرىَ عليهِ أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفُهُ مِنَّا أحدٌ، حتَّى جَلَسً إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأسنَدَ رُكْبَتَيهِ إلى رُكْبَتَيهِ، ووَضَعَ كَفَّيهِ على فَخِذيهِ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ، أخبِرنِي عَنِ الإِسلامِ. فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : "الإِسلامُ: أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيِ الزَّكاةَ، وتَصومَ رمضَانَ، وتَحُجَّ البَيتَ إنِ استَطَعتَ إليهِ سَبيلًا". قال: صَدَقت، قال: فَعَجِبنا لَهُ يسأْلُهُ ويصدِّقُهُ. قال: فأخْبرني عَنِ الإيمان. قالَ: "أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وملائِكَته وكُتُبِه، ورُسُله، واليَومَ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ". قالَ: صَدَقتَ. قالَ: فأخْبِرنِي عن الإِحْسَانِ، قال: "أنْ تَعبُدَ الله كَأَنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ. فإنَّهُ يَراكَ. قالَ: فأخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ؟. قالَ: "مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بأعلَمَ مِنَ السَّائِل". قالَ: فأخبِرني عَنْ أمارَتِها؟. قالَ: "أنْ تَلِد الأمَةُ رَبَّتَها، وأَنْ تَرى الحُفاةَ العُراةَ العَالةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتطاوَلونَ فِي البُنيانِ".

стр. 88

ثُمَّ انْطَلَقَ، فلبثْتُ مَليًّا، ثمَّ قالَ لي: "يا عُمَرُ، أتَدرِي مَنِ السَّائل؟ ". قُلتُ: الله ورَسولُهُ أعلَمُ. قالَ: "فإنَّهُ جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم". رواهُ مُسلِم (١). هذا الحديثُ تفرَّد مسلمٌ عن البُخاريِّ بإخراجِهِ، فخرَّجه مِنْ طريقِ كهمسٍ عَنْ عبد اللهِ بن بُريدةَ، عن يَحيى بن يَعْمَرَ، قال: كانَ أوَّلَ مَنْ قَالَ في القَدرِ بالبصرةِ معبدٌ الجهنيُّ (٢)، فانطلقْتُ أنا وحميدُ بنُ عبد الرحمنِ الحِميريُّ حَاجَّين أو مُعتَمِرينِ، فقلنَا: لو لَقِينَا أَحدًا مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ، فسألناه عمَّا يقولُ هؤلاءِ في القدرِ، فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطَّاب داخلًا المَسجدَ، فاكتَنَفتُهُ أنا وصاحبي، أحدُنا عَنْ يمينه، والآخرُ عَنْ شِمالِهِ، فظننتُ أنَّ صاحبي سيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلتُ: أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنَّه قد ظهر قِبلَنا ناسٌ يقرؤون القُرآن، ويتقفَّرُونَ العلمَ (٣)، وذكر مِنْ شأنهم، وأنَّهم يزعُمون أنْ لا قدرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفٌ (٤). فقال: إذا لقيتَ أولئِكَ، فأخبرهم أنِّي بريءٌ منهم، وأنهم بُرآءُ منِّي،

стр. 89

والَّذي يحلفُ به عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، لو أن لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، فأنفقه، ما قَبِلَ الله منه حتَّى يُؤْمِنَ بالقدرِ. ثمَّ قال: حدَّثني أبي عُمرُ بنُ الخطَّاب، قال: بينما نحنُ عند رسولِ اللهِ ﷺ ، فذكر الحديث بطولهِ. ثمَّ خرَّجه من طُرقٍ أُخرى، بعضُها يرجِعُ إلى عبدِ الله بن بريدةَ، وبعضُها يرجع إلى يحيى بن يعمر، وذكر أن في بعض ألفاظها زيادةً ونقصًا. وقد خرَّجه ابنُ حبَّان في "صحيحه" (١) من طريق سليمانَ التَّيميِّ عن يحيى بن يعمَر، وقد خرَّجه مسلمٌ مِنْ هذه الطَّريق، إلَّا أنَّه لم يذكر لفظَه، وفيه زياداتٌ منها: في الإِسلام، قال: "وتحجَّ، وتعتمر وتغتسلَ مِنَ الجَنابةِ، وأنْ تُتمَّ الوُضوء، [وتصوم رمضان] " قال: فإذا أنا فعلتُ ذلكَ، فأنا مسلمٌ؟ قال: "نعم". وقال في الإِيمان: "وتُؤمِن بالجَنَّةِ والنَّارِ والمِيزانِ"، وقال فيه: فإذا فعلتُ ذلك، فانا مؤمنٌ؟ قال: "نعم". وقال في آخره: "هذا جبريلُ أتاكُم ليعلِّمكُم أمرَ دينكم، خذوا عنه، والَّذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذُ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتَّى ولَّى". وخرَّجاه في "الصَّحيحينِ" من حديث أبي هُريرة، قال: كان النبي ﷺ يومًا بارزًا للنَّاسِ، فأتاهُ رجلٌ، فقال: ما الإِيمان؟ قال: "الإِيمانُ: أنْ تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتابه، وبلقائه، ورُسله، وتُؤمِن بالبعثِ الآخِر". قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإِسلام؟ قال: "الإسلامُ: أنْ تعبدَ الله لا تشرِك به شيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤَدِّي الزَّكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضان".

стр. 90

قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإِحسانُ؟ قال: "أن تَعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنَّك إنْ لا تراه، فإنَّه يراكَ". قال: يا رسولَ اللهِ، متى السَّاعةُ؟ قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائِلِ، ولكِن سأُحدِّثكَ عَنْ أشراطِها: إذا وَلَدتِ الأَمَةُ ربَّتها، فذاك من أشراطها، وإذا رأيتَ (١) العُراة الحُفاة رُؤوسَ النَّاس، فذاك مِنْ أشراطِها، وإذا تطاولَ رِعاءُ البَهْم (٢) في البُنيان، فذاك من أشراطِها في خمس لا يعلمُهُنَّ إلَّا الله، ثمَّ تلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. قال: ثمَّ أدبَرَ الرَّجُلُ، فقال رسول الله ﷺ : "عليَّ بالرَّجُلِ" (٣)، فأخذوا ليردُّوه، فلم يَروا شيئًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هذا جبريلُ جاءَ ليعلِّمَ النَّاس دينهم" (٤). وخرَّجه مسلم (٥) بسياقٍ أتمَّ مِنْ هذا، وفيه في خصال الإِيمان: "وتؤمِن

стр. 91

بالقَدرِ كلّه"، وقال في الإِحسان: "أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ". وخَرَّجهُ الإمامُ أحمد في "مسنده" (١) من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس. ومِنْ حديث شهرِ بن حوشب أيضًا عن ابن عامرٍ أو أبي عامرٍ، أو أبي مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وفي حديثه قال: ونسمع رَجْعَ النَّبيِّ ﷺ ، ولا نرى الَّذي يكلِّمُهُ، ولا نسمعُ كلامَه (٢)، وهذا يردُّه حديثُ عمرَ الَّذي خرّجه مسلمٌ، وهو أصحُّ. وقد رُوي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ حديثِ أنسِ بن مالكٍ (٣) وجرير بن عبد الله البجليِّ (٤) وغيرهما. وهو حديثٌ عظيمٌ جدًّا، يشتملُ على شرحِ الدِّين كُلِّه، ولهذا قال النبيُّ ﷺ في آخره: "هذا جبريلُ أتاكُم يعلِّمكم دينَكُم" بعد أنْ شرحَ درجةَ الإِسلامِ، ودرجةَ الإِيمانِ، ودرجة الإِحسانِ، فجعلَ ذلكَ كُلَّه دينًا. واختلفتِ الرواية في تقديمِ الإِسلامِ على الإيمان وعكسه، ففي حديث

стр. 92

عمرَ الَّذي خرَّجه مسلمٌ أنَّه بدأ بالسُّؤال عن الإسلام، وفي التِّرمذي وغيره أنَّه بدأ بالسُّؤال عن الإيمان، كما في حديث أبي هريرة، وجاء في بعضِ روايات حديثِ عمرَ أنَّه سألَ عَنِ الإحسان بينَ الإِسلام والإيمان. فأمَّا الإسلامُ، فقد فسَّره النَّبيُّ ﷺ بأعمالِ الجوارح الظَّاهرة مِنَ القولِ والعملِ، وأوَّلُ ذلك: شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وهو عملُ اللِّسانِ، ثمَّ إقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيت لمن استطاعَ إليه سبيلًا. وهي منقسمةٌ إلى عمل بدنيٍّ: كالصَّلاةِ والصَّوم، وإلى عمل ماليٍّ: وهو إيتاءُ الزَّكاةِ، وإلى ما هو مركَّبٌ منهما: كالحجِّ بالنِّسبةَ إلى البعيدِ عَنْ مَكَّة. وفي روايةِ ابن حبَّان أضاف إلى ذلك الاعتمارَ، والغُسْلَ مِنَ الجَنابةِ، وإتمامَ الوُضوءِ، وفي هذا تنبيهٌ على أن جميعَ الواجباتِ الظاهرةِ داخلةٌ في مسمَّى الإسلامِ. وإنَّما ذكر هاهنا أصولَ أعمالِ الإسلام الَّتي ينبني الإسلام عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديثِ ابن عمرَ: "بُنِي الإِسلامُ على خَمسٍ" في مَوضِعه إنْ شاءَ الله تعالى (١). وقوله في بعضِ الرِّوايات: فإذا فعلتُ ذلك، فأنا مسلمٌ؟ قال: "نعم" يدلُّ على أنَّ مَنْ كمَّلَ الإتيانَ بمباني الإسلام الخمسِ، صار مسلمًا حقًّا، مع أن مَنْ أقرَّ بالشَّهادتين، صار مسلمًا حُكمًا، فإذا دخلَ في الإسلام بذلك، أُلزم بالقِيام ببقيَّة خِصالِ الإسلام، ومَنْ تركَ الشَّهادتين، خرج مِنَ الإِسلام، وفي خُروجِه مِنَ الإسلام بتركِ الصَّلاةِ خلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء، وكذلك في ترك بقيَّة مباني الإسلام الخمس، كما سنذكُره في موضعه إنْ شاء الله تعالى.

стр. 93

وممَّا يدلُّ على أن جميعَ الأعمالِ الظَّاهرةِ تدخُلُ في مسمَّى الإِسلام قولُ النبيِّ ﷺ : "المُسلم مَنْ سَلِمَ المُسلمُونَ من لِسانِه ويده" (١). وفي "الصَّحيحين" عن عبدِ اللهِ بن عمروٍ أن رجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الإِسلامِ خيرٌ؟ قال: "أنْ تُطعِمَ الطَّعامَ، وتقرأ السَّلام على مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف" (٢). وفي "صحيح الحاكم" (٣) عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ للإِسلام

стр. 94

صُوىً (١) ومنارًا كمنار الطَّريق من ذلك: أنْ تعبدَ الله ولا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عن المُنكرِ، وتسليمُك على بَني آدم إذا لَقِيتَهم وتسليمُك على أهلِ بيتِكَ إذا دخلتَ عليهم، فمن انتقصَ منهنَّ شيئًا، فهو سَهمٌ من الإِسلام تركه، ومن يتركهُنَّ، فقد نبذَ الإِسلامَ وراءَ ظهره". وخَرَّج ابن مردويه مِنْ حديثِ أبي الدَّرداءِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "للإِسلام ضياءٌ وعلاماتٌ كمنارِ الطَّريقِ، فرأسُها وجِماعُها شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وتَمامُ الوُضوءِ، والحُكمُ بكتاب اللهِ وسُنَّةِ نبيَّه ﷺ ، وطاعةُ وُلاة الأمر، وتسليمُكم على أنفُسِكُم، وتسليمُكم على أهليكُم إذا دخلتُم بيوتَكُم، وتسليمُكم على بني آدم إذا لقيتُموهُم" وفي إسناده ضعفٌ، ولعله موقوف (٢). وصحَّ من حديثِ أبي إسحاق عَنْ صِلةَ بن زُفَرَ، عن حذيفةَ، قال: الإِسلامُ ثمانيةُ أسهُمٍ: الإِسلامُ سهمٌ، والصَّلاةُ سهمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، وحِجّ البيتِ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنَّهيُ عَنِ المُنكرِ سهَمٌ، وخابَ مَنْ لا سَهمَ له. وخرَّجه البزَّارُ (٣) مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ.

стр. 95

ورواهُ بعضهم عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ عن عليٍّ، عن النَّبي ﷺ خرَّجه أبو يعلى الموصلي (١) وغيره، والموقوف على حذيفةَ أصَحُّ. قاله الدَّارقطنيُّ وغيره (٢). وقوله: "الإسلام سهمٌ" يعني الشَّهادتين، لأنَّهما عَلمُ الإسلام، وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا. وكذلك تركُ المحرمات داخلٌ في مُسمَّى الإسلام أيضًا، كما رُوي عَنِ النَّبي ﷺ أنَّه قال: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المَرءِ تركُهُ ما لا يعنيه" وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى (٣). ويدلُّ على ذلك أيضًا ما خرجه الإمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ (٤) عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ضربَ الله مثلًا صراطًا مستقيمًا،

стр. 96

وعلى جَنَبتَي الصِّراط سُورانِ، فيهما أبوابٌ مفتَّحَةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعلى باب الصِّراط داعٍ يقول: يا أيُّها النَّاس، ادخُلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تعوجوا، وداعٍ يدعو من جَوفِ الصِّراطِ، فإذا أرادَ أنْ يفتحَ شيئًا مِنْ تِلكَ الأبواب، قال: ويحكَ لا تَفتَحْهُ، فإنَّك إنْ تفتحه تَلِجْهُ. والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّورَانِ: حدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ اللهِ، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ اللهِ، والدَّاعي من فوق: واعظُ اللهِ في قلب كلِّ مسلمٍ". زاد الترمذيُّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. ففي هذا المثلِ الَّذي ضربه النَّبيُّ ﷺ أن الإِسلامَ هو الصِّراطُ المستقيم الَّذي أمرَ الله تعالى بالاستقامةِ عليه، ونهى عن تجاوُزِ حدوده، وأنَّ مَنِ ارتكبَ شيئًا مِنَ المحرَّماتِ، فقد تعدَّى حدودَه. وأمَّا الإيمانُ، فقد فسَّره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنَة، فقال: "أنْ تُؤمِن باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِهِ، ورُسلِهِ، والبعثِ بعدَ الموتِ، وتُؤمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه". وقد ذكرَ الله في كتابه الإيمانَ بهذه الأصولِ الخمسةِ في مواضع، كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وقال تعَالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٤]. والإيمان بالرُّسُلِ يلزمُ منهُ الإيمانُ بجميعِ ما أخبرُوا به من المَلائكةِ،

стр. 97

والأنبياءِ، والكتاب والبَعثِ، والقدرِ، وغير ذلكَ مِنْ تفاصيلِ ما أخبروا به، مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى وصفاتِ اليومِ الآخرِ، كالميزانِ والصِّراطِ، والجنَّةِ، والنَّار. وقد أُدخِلَ في الإيمان الإيمانُ بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ، ولأجلِ هذه الكلمةِ روى ابنُ عمرَ هذا الحديث محتجًّا به على مَنْ أنكَرَ القدرَ، وزعمَ أن الأمرَ أنفٌ: يعني أنَّه مستأنَفٌ لم يسبق به سابقُ قدرٍ مِنَ اللهِ ، وقد غلَّظ ابنُ عمرَ عليهم، وتبرَّأ منهم، وأخبرَ أَنَّه لا تُقبلُ منهم أعمالُهم بدونِ الإيمانِ بالقدر. والإيمانُ بالقدرِ على درجتين: إحداهما: الإيمان بأن الله تعالى سبقَ في علمه ما يَعمَلُهُ العبادُ من خَيرٍ، وشرٍّ، وطاعةٍ، ومعصيةٍ قبلَ خلقهم وإيجادهم، ومَنْ هُو منهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأعدَّ لهُم الثَّوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقِهم وتكوينهم، وأنَّه كتبَ ذلك عندَه وأحصاهُ، وأن أعمالَ العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدَّرجةُ الثانية: أنَّ الله تعالى خلقَ أفعالَ عبادِه كلَّها مِنَ الكُفر، والإِيمانِ، والطَّاعةِ، والعصيانِ، وشاءها منهم، فهذه الدَّرجةُ يُثبتُها أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، ويُنكرها القَدريَّةُ، والدرجةُ الأولى أثبتها كثيرٌ مِنَ القدريَّةِ، ونفاها غُلاتُهم، كمعبدٍ الجُهنيِّ، الذي سُئِلَ ابنُ عمرَ عنْ مقالتِهِ، وكعمرو بن عُبَيدٍ وغيره. وقد قال كثيرٌ من أئمةِ السَّلفِ: ناظرُوا القدريَّةَ بالعلمِ، فإنْ أقرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ جحدوه، فقد كفروا، يريدونَ أنَّ مَنْ أنكَرَ العلمَ القديمَ السَّابِقَ بأفعالِ العبادِ، وأن الله قَسمهم قبلَ خلقِهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ، وكتبَ ذلك عندَه في كتابٍ حفيظٍ، فقد كذَب بالقُرآن، فيكفُرُ بذلك، وإنْ أقروا بذلك، وأنكروا أنَّ الله خلقَ أفعالَ عباده، وشاءَها، وأرادها منهم إرادةً كونيَّةً قدريَّةً، فقد خصمُوا، لأنَّ ما أقرُّوا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه. وفي تكفيرِ هؤلاءِ نزاعٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ.

стр. 98

وأمَّا من أنكرَ العلمَ القديمَ، فنصَّ الشافعيُّ وأحمدُ على تكفيرِهِ، وكذلك غيرُهما مِنْ أئمةِ الإسلام. فإنْ قيل: فقدْ فرَّق النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث بينَ الإسلام والإيمانِ، وجعلَ الأعمالَ كلَّها من الإسلام، لا مِنَ الإيمانِ، والمشهورُ عَنِ السَّلفِ وأهلِ الحديثِ أن الإيمانَ: قولٌ وعمَلٌ ونيَّةٌ، وأنَّ الأعمالَ كلَّها داخلةٌ في مُسمَّى الإيمانِ. وحكى الشَّافعيُّ على ذلك إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابعين ومن بعدَهم ممَّن أدركهم. وأنكرَ السَّلفُ على مَنْ أخرجَ الأعمالَ عَنِ الإِيمانِ إنكارًا شديدًا. وممَّن أنكرَ ذلك على قائله، وجعلَه قولًا مُحدَثًا: سعيدُ بنُ جبيرٍ، وميمونُ بنُ مِهرانَ، وقتادة، وأيوبُ السَّختيانيُّ، وإبراهيمُ النَّخعي، والزُّهريُّ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ، وغيرُهم. وقال الثَّوريُّ: هو رأيٌ محدَثٌ، أدركنا النَّاس على غيره. وقال الأوزاعيُّ: كان مَنْ مضى ممَّن سلف لا يُفرِّقون بين الإيمان والعمل. وكتَب عمرُ بنُ عبد العزيزِ إلى أهلِ الأمصارِ: أمَّا بعدُ، فإن للإيمانِ فرائضَ وشرائعَ و [حدودًا] وسننًا، فمن استكملَها، استكملَ الإيمانَ. ومن لم يَستكْمِلها، لم يستكملِ الإيمانَ، ذكره البخاري في "صحيحه" (١). قيل: الأمر على ما ذكره، وقد دلَّ على دُخول الأعمالِ في الإيمانِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 99

وفي "الصَّحيحين" (١) عن ابن عبَّاسٍ أن النَّبيَّ ﷺ قال لوفدِ عبدِ القيسِ: "آمركُم بأربعٍ: الإيمانِ بالله، وهل تدرون ما الإيمانُ باللهِ؟ شهادةُ أنْ لا إله إلَّا الله، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصوم رمضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغنَمِ الخُمْسَ". وفي "الصَّحيحين" (٢) عن أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ، أو بضعٌ وستُّون شُعبة، فأفضلُها: قولُ لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ" ولفظه لمسلم. وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هُريرة، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرقُ السَّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمنٌ". فلولا أن تركَ هذه الكَبائِرَ مِنْ مُسمَّى الإيمان، لما انتفى اسمُ الإيمانِ عن مرتكبِ شيءٍ منها؛ لأنَّ الاسمَ لا ينتفي إلَّا بانتفاءِ بعض أركانِ المسمَّى أو واجباتِه. وأما وجهُ الجمعِ بينَ هذه النُّصوص وبينَ حديثِ سُؤال جبريلَ ﵇ عَنِ الإسلامٍ والإيمانِ، وتفريق النَّبيِّ ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مُسمَّى الإسلامِ دون مُسمَّى الإيمانِ، فإنَّه يَتَّضِحُ بتقريرِ أصلٍ، وهو أن مِنَ الأسماءِ ما

стр. 100

يكونُ شاملًا لمسمَّياتٍ مُتعدِّدةٍ عندَ إفرادِه وإطلاقه، فإذا قُرن ذلك الاسمُ بغيره، صار دالًا على بعضِ تلك المسمَّياتِ، والاسمُ المقرونُ به دالٌّ على باقيها، وهذا كاسم الفقيرِ والمسكين، فإذا أُفردَ أحدُهما، دخل فيه كلُّ مَنْ هو محتاجٌ، فإذا قُرن أحدُهما بالآخر، دل أحدُ الاسمين على بعضِ أنواع ذوي الحاجاتِ، والآخر على باقيها، فهكذا اسمُ الإسلام والإيمانِ: إذا أُفرد أحَدُهما، دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفرادهِ على ما يدلُّ عليهَ الآخرُ بانفراده، فإذا قُرِنَ بينَهُما، دلَّ أحدهُما على بعض ما يدلُّ عليه بانفرادهِ، ودلَّ الآخر على الباقي. وقد صرَّح بهذا المعنى جماعةٌ مِنَ الأئمَّةِ. قال أبو بكر الإسماعيليُّ (١) في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثيرٌ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة: إنَّ الإيمانَ قولٌ وعمل، والإسلام فعل ما فُرِضَ على الإنسان أنْ يفعَله إذا ذكر كلُّ اسمٍ على حِدَتِه مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنونَ والمسلمونَ جميعًا مفردين، أُريدَ بأحدهما معنى لم يُرَدْ بالآخر (٢)، وإذا ذُكِرَ أحدُ الاسمين، شَمِلَ الكُل وعمَّهم. وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابيُّ في كتابه "معالم السنن" (٣)، وتَبِعَهُ عليه جماعةٌ من العُلَمَاء من بعده. ويدلُّ على صحَّةِ ذلك أن النَّبيَّ ﷺ فسَّر الإيمانَ عند ذكرهِ مفردًا في حديث وفد عبدِ القيس بما فسَّر به الإسلامَ المقرونَ بالإيمانِ في حديث جبريلَ، وفسَّر في حديثٍ آخرَ الإسلامَ بما فسَّر به الإيمانَ، كما في "مسند الإمام أحمد" (٤) عن

стр. 101

عمرو بن عَبَسة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: "أنْ تُسلِمَ قلبَكَ للهِ، وأنْ يسلمَ المسلمونَ مِنْ لِسانِكَ ويَدكَ"، قال: فأيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "الإيمان". قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تُؤمِن باللهِ، وملائكته، وكُتبهِ، ورُسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ". قال: فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: "الهِجْرةُ". قال: فما الهجرةُ؟ قال: "أن تَهجُر السُّوءَ"، قال: فأيُّ الهِجرةِ أفضلُ؟ قال: "الجهادُ". فجعل النَّبيُّ ﷺ الإيمانَ أفضلَ الإسلام، وأدخلَ فيه الأعمالَ. وبهذا التَّفصيلِ يظهرُ تحقيقُ القولِ في مسألةِ الإسلامِ والإيمانِ: هل هما واحدٌ، أو هما مختلفان؟. فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والحديثِ مختلفون في ذلك، وصنَّفُوا في ذلك تصانيف متعدِّدةً، فمنهم من يَدَّعي أن جُمهورَ أهلِ السُّنَّةِ على أنَّهما شيءٌ واحدٌ: منهم محمَّدُ بن نصرٍ المروزيُّ، وابنُ عبد البَرِّ، وقد رُويَ هذا القولُ عَنْ سفيانَ الثَّوريِّ مِنْ رواية أيوبَ بن سُويدٍ الرَّمليِّ عنه، وأيُّوب فيه ضعف. ومنهم من يحكي عن أهل السُّنَّةِ التَّفريقَ بينهما، كأبي بكر بنِ السَّمعانيِّ وغيره، وقد نُقِلَ التفريقُ بينهما عَنْ كثيرٍ من السَّلَفِ، منهم قتادةُ، وداودُ بنُ أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزُّهريُّ، وحمادُ بن زيد، وابن مهديٍّ، وشريكٌ، وابنُ أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمةَ، ويحيى بنُ معينٍ، وغيرهم، على اختلافٍ بينَهم في صفة التفريق بينَهُما. وكان الحسنُ وابنُ سيرين يقولان: "مسلمٌ" ويهابان "مُؤمنٌ". وبهذا التَّفصيل الَّذي ذكرناهُ يزولُ الاختلافُ، فيُقالُ: إذا أفردَ كلُّ مِنَ الإسلامِ والإيمانِ بالذِّكرِ، فلا فرقَ بينهما حينئذٍ، وإنْ قُرِنَ بين الاسمينِ، كان بينَهما فرقٌ.

стр. 102

والتَّحقيق في الفرق بينهما: أنَّ الإيمانَ هو تصديقُ القلب، وإقرارُهُ، ومعرفته، والإسلامُ: هو استسلامُ العبدِ للهِ، وخُضُوعُه، وانقيادهُ له، وذلك يكونُ بالعملِ، وهو الدِّينُ، كما سمَّى الله تعالى في كتابهِ الإسلامَ دينًا، وفي حديث جبريل سمَّى النَّبيُّ ﷺ الإسلامَ والإيمانَ والإحسان دينًا، وهذا أيضًا ممَّا يدلُّ على أن أحدَ الاسمينِ إذا أُفردَ دخلَ فيه الآخرُ، وإنَّما يفرَّقُ بينهما حيثُ قُرِنَ أحدُ الاسمين بالآخر. فيكونُ حينئذٍ المرادُ بالإيمانِ: جنسَ تصديقِ القلبِ، وبالإسلامِ جنسَ العمل. وفي "مسند الإمام أحمد" (١) عَنْ أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الإِسلامُ علانِيَةٌ، والإيمانُ في القلب". وهذا لأنَّ الأعمالَ تظهرُ علانيةً، والتَّصديقُ في القلب لا يظهرُ. وكانَ النَّبيُّ ﷺ يقولُ في دعائه إذا صلَّى على الميِّت: "اللَّهُمَّ مَنْ أحَييْتَهُ منَّا، فأحيهِ على الإسلامِ، ومَن تَوفَّيتَهُ منَّا، فتوفَّه على الإيمان" (٢)، لأنَّ العمل بالجوارحِ، إنَّما يُتَمكَّنُ منه في الحياةِ، فأمَّا عندَ الموتِ، فلا يبقى غيرُ التَّصديق بالقلبِ. ومن هُنا قال المحقِّقونَ مِنَ العُلماءِ: كلُّ مُؤمِنٍ مُسلمٌ، فإنَّ من حقَّق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام، كما قال ﷺ : "ألا وإنَّ في

стр. 103

الجَسَدِ مُضغةً، إذا صَلحَتْ، صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ، فسدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهي القَلبُ" (١)، فلا يتحققُ القلبُ بالإيمان إلَّا وتنبَعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَقُ القلبُ به تحققًا تامًّا مع عمل جوارحِهِ بأعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمنٍ الإيمانَ التَّامَّ، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، ولم يكونوا مُنافقينَ بالكُلِّيَّةِ على أصحِّ التَّفسيرينِ، وهو قولُ ابن عبَّاس وغيره (٢)، بل

стр. 104

كان إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني: لا ينقُصُكم من أجورِها، فدلَّ على أن معهم من الإِيمانِ ما تُقبَلُ به أعمالُهم. وكذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ لسعد بن أبي وقَّاصٍ لمَّا قال له: لم تعطِ فلانًا وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ : "أو مسلمٌ" (١) يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقِّق مقامَ الإيمانِ، وإنما

стр. 105

هو في مقام الإسلام الظَّاهِرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضَعُفَ الإيمانُ الباطنُ، لزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارَحِ الظاهرةِ أيضًا، لكن اسم الإيمان يُنفى عمَّن تركَ شيئًا مِنْ واجباتِه، كما في قوله: "لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ" (١). وقد اختلف أهلُ السُّنَّة: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقال: ليس بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولين، وهما روايتانِ عَنْ أحمدَ. وأما اسمُ الإسلام، فلا ينتفي بانتفاءِ بعض واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ محرَّماته، وإنما يُنفى بالإتيانِ بما يُنافيهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ نفيُ الإسلام عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنفى الإيمانُ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كَان قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على فعلِ بعض المحرَّماتِ، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا. واختلفَ العلماءُ: هل يُسمَّى مرتكبُ الكباثرِ كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا النِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أن أحدًا منهم أجاز إطلاقَ نفي اسمِ الإسلام عنه، ‘لَّا أنه رُوي عن ابن مسعودٍ أنَّه قال: ما تاركُ الزَّكاةِ بمسلمٍ (٢). ويُحتملُ أنَّه كان يراه كافرًا بذلك، خارجًا من الإسلام. وكذلك رُوي عن عمر فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ، ولم يحجَّ أنهم ليسوا بمسلمينَ، والظَّاهرُ أنَّه كان يعتقدُ كفرَهم، ولهذا أراد أن يضربَ عليهمُ الجزيةَ

стр. 106

يقول: لم يدخُلوا في الإسلامِ بعدُ (١)، فهم مستمرُّون على كتابيتهم. وإذا تبيَّن أن اسمَ الإسلام لا ينتفي إلَّا بوجودِ ما ينافيه، ويُخرجُ عن المِلَّةِ بالكلِّيَّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلَقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخل فيه الإيمانُ كلُّه مِنَ التَّصديقِ وغيره، كما سبق في حديثِ عمرو بن عبسَة (٢). وخرَّج النَّسائيُّ (٣) مِنْ حديثِ عقبة بن مالك: أن النَّبيَّ ﷺ بعثَ سريَّةً، فغارت على قومٍ، فقال رجلٌ منهم: إنِّي مُسلمٌ، فقتلهُ رجلٌ مِنَ السَّريَّةِ، فنُمي الحديثُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال فيه قولًا شديدًا، فقال الرجلُ: إنَّما قالها تعوذًا مِنَ القتل، فقال النبيُّ ﷺ : "إن الله أبى عليَّ أن أقتل مؤمنًا" ثلاث مرَّاتٍ.

стр. 107

فلولا أن الإسلام المطلق يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصولِ الخمسةِ، لم يَصِرْ مَنْ قالَ: أنا مسلمٌ مؤمنًا بمجرَّدِ هذا القول، وقد أخبرَ الله عن مَلِكَةِ سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف ﵇ أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كلُّه يدلُّ على أن الإسلام المطلقَ يدخُلُ فيه ما يدخُلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق. وفي "سنن ابن ماجه" (١) عن عديِّ بن حاتِم؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عديُّ، أسلم تسلم"، قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله، وتشهدُ أنِّي رسولُ الله، وتؤمن بالأقدارِ كلَّها، خيرها وشرِّها، حلوِها ومرِّها" فهذا نصٌّ في أن الإيمان بالقدرِ مِنَ الإسلامِ. ثمَّ إنَّ الشهادتين مِنْ خصالِ الإِسلام بغيرِ نزاع، وليسَ المرادُ الإتيان بلفظهما دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أن التَّصدَيقَ بهما داخل في الإسلام، وقد فسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] بالتَّوحيد والتَّصديق طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم محمَّدُ بنُ جعفر بن الزُّبير (٢). وأما إذا نُفي الإِيمانُ عَنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإِسلامُ، كالأعراب الَّذينَ أخبرَ الله عنهم، فإنه ينتفي رسُوخُ الإيمانِ في القلب، وتثبُت لهم المشاركَةُ في أعمالِ الإسلام الظَّاهرةِ مع نوعِ إيمانٍ يُصحِّحُ لهَمُ العملَ، إذ لولا هذا القدر مِنَ الإِيمانِ، لم يكونُوا مسلمين، وإنَّما نفي عنهُم الإيمان، لانتفاءِ ذوقِ حقائقِه، ونقصِ بعضِ واجباته، وهذا مبنيٌّ على أنَّ التَّصديقَ القائمَ بالقلوبِ متفاضل،

стр. 108

وهذا هو الصَّحيحُ، وهو أصحُّ الرِّوايتين عَنْ أحمدَ، فإن إيمانَ الصِّدِّيقين الَّذين يتجلَّى الغيبُ لقلوبهم حتَّى يصيرَ كأنَّه شهادةُ، بحيث لا يقبلُ التَّشكيكَ ولا الارتيابَ، ليسَ كإيمانِ غيرِهم ممَّن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدخلهُ الشَّكُّ. ولهذا جعلَ النَّبيُّ ﷺ مرتبةَ الإحسانِ أنْ يعبُدَ العبدُ ربَّه كأنَّه يراهُ، وهذا لا يحصلُ لِعموم المؤمنينَ، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرةِ صوم ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقرَ في صدره. وسُئِلَ ابنُ عمرَ: هل كانتِ الصَّحابةُ يضحكون؟ فقال: نعم والإيمانُ في قلوِبهم أمثالُ الجبالِ. فأينَ هذا ممَّن الإيمانُ في قلبه يَزنُ ذرَّةً أو شعيرةً؟! كالَّذينَ يخرجونَ من أهلِ التَّوحيدِ مِنَ النَّارِ، فهؤلاء يصِحُّ أن يُقالَ: لم يدخُلِ الإيمانُ في قُلوبهم لضعفِهِ عندهم. وهذه المسائلُ - أعني مسائلَ الإسلام والإيمانِ والكُفرِ والنِّفاقِ - مسائلُ عظيمةُ جدًّا، فإنَّ الله علّق بهذه الأسماءِ السَّعادةَ، والشقاوةَ، واستحقاقَ الجَنَّةِ والنَّار، والاختلافُ في مسمَّياتِها أوَّلُ اختلافٍ وقعَ في هذه الأُمَّةِ، وهو خلافُ الخوارجِ للصَّحابة، حيثُ أخرجُوا عُصاةَ المُوحِّدينَ مِنَ الإسلام بالكُلِّيَّةِ، وأدخلوهُم في دائرةِ الكُفرِ، وعاملوهم معاملةَ الكُفارِ، واستحلُّوا بذَلك دماءَ المسلمين وأموالهم، ثمَّ حدَث بعدَهم خلافُ المعتزلة وقولُهم بالمنزلةِ بينَ المنزلتين، ثمَّ حدثَ خلافُ المرجئةِ، وقولُهم: إن الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإيمانِ (١).

стр. 109

وقد صنَّفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيفَ متعدِّدةً، وممَّن صنَّف في الإِيمانِ مِنْ أئمَّةِ السَّلفِ: الإمامُ أحمدُ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ، وأبو بكر بنُ أبي شيبةَ، ومحمَّدُ بنُ أسلمَ الطوسيُّ. وكثُرت فيه التَّصانيفُ بعدهم

стр. 110

مِنْ جميعِ الطوائفِ، وقد ذكرنا هاهنا نكتًا جامعةً لأصولٍ كثيرةٍ مِنْ هذه المسائلِ والاختلاف فيها، وفيه - إن شاء الله - كفايةٌ. فصل قد تقدَّم أنَّ الأعمالَ تدخُلُ في مُسمَّى الإسلامِ ومسمَّى الإيمانِ أيضًا، وذكرنا ما يدخلُ في ذلك مِنْ أعمالِ الجوارحِ الظَّاهرَةِ، ويدخلُ في مسمَّاها أيضًا أعمالُ الجوارحِ الباطنةِ. فيدخل في أعمالِ الإسلام إخلاصُ الدِّينِ للهِ، والنُّصْحُ له ولعبادهِ، وسلامةُ القلبِ لهم مِنَ الغِشِّ والحسَدِ والحِقْدِ، وتوابعُ ذلك مِنْ أنواع الأذى. ويدخُلُ في مسمَّى الإيمانِ وجَلُ القُلوب مِنْ ذكرِ اللهِ، وخشوعُها عندَ سماعِ ذكرهِ وكتابه، وزيادةُ الإيمانِ بذلك، وتحقيقُ التوكُّل على اللهِ، وخوفُ اللهِ سرًّا وعلانيةً، والرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ ﷺ رسولًا، واختيارُ تَلَفِ النُّفوسِ بأعظمِ أنواعِ الآلامِ على الكُفرِ، واستشعارُ قُرب الله مِنَ العَبدِ، ودوامُ استحضارِهِ، وإيثارُ محبَّةِ اللهِ ورسوله على محبَّةِ ما سواهمَا، والمحبةُ في اللهِ والبُغضُ في اللهِ، والعطاءُ له، والمنعُ له، وأن يكونَ جميعُ الحركاتِ والسَّكناتِ له، وسماحةُ النُّفوسِ بالطَّاعةِ الماليَّةِ والبدنيَّةِ، والاستبشارُ بعملِ الحسناتِ، والفرحُ بها، والمَساءَةُ بعملِ السَّيِّئاتِ والحزن عليها، وإيثارُ المؤمنينَ لرسول اللهِ ﷺ على أنفسهم وأموالهم، وكثرةُ الحياءِ، وحسنُ الخلقِ، ومحبَّةُ ما يحبُّه لنفسه لإِخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنينَ، خصوصًا الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين، ومناصرتهم، والحزنُ بما يُحزنُهم. ولنذكُرْ بعضَ النُّصوص الواردة بذلك: فأمَّا ما ورد في دُخوله في اسم الإسلامِ، ففي "مسند الإمام أحمد"،
следующие страницы →