← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أنَّه قد رُويَ من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (١). وخرَّجه الطبراني من حديث أبي الطفيل، عن النبيِّ ﷺ أيضًا (٢). فقولُه ﷺ : "إنَّ ممَّا أدرك الناسُ من كلام النبوَّةِ الأولى" يشيرُ إلى أن هذا مأثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأنَّ الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنًا بعد قرنٍ، وهذا يدلُّ على أن النبوات المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام، وأنه اشتهر بَيْنَ الناسِ حتَّى وصل إلى أوَّل هذه الأمة. وفي بعض الروايات قال: "لم يدركِ الناسُ مِنْ كلام النبوَّةِ الأولى إلَّا هذا". خرَّجها حميدُ بن زنجويه وغيره. وقوله: "إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت" في معناه قولان: أحدهما: أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذمِّ والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان: أحدهما: أنه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن لك حياء، فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وقول النبيِّ ﷺ : "من باع الخمر، فَليُشَقِّص الخنازير" (٣) يعني ليقطعها إما لبيعها

стр. 492

أو لأكلها، وأمثلته متعدِّدة، وهذا اختيارُ جماعة منهم أبو العباس ثعلب. والطريق الثاني: أنه أمر، ومعناه: الخبر، والمعنى: أن من لم يستحي، صنع ما شاء، فإن المانعَ من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ، انهمك في كلِّ فحشاء ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياء على حدِّ قوله ﷺ : "مَنْ كَذَب عليَّ فليتبوَّأ مقعده من النارِ" (١)، فإن لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيارُ أبي عبيد (٢) القاسم بن سلام ﵀، وابنِ قتيبة، ومحمدِ بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإِمام أحمد ما يدلُّ على مثل هذا القول. وروى ابنُ لهيعة عن أبي قَبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا أبغض الله عبدًا، نزَعَ مِنْهُ الحَياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ، لم تلقه إلا بغيضًا متبغِّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأمانة، نزع منه الرَّحمة، فإذا نزع منه الرَّحمةَ، نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإذا نزع منه رِبقةَ الإِسلام، لم تلقه إلا شيطانًا مريدًا". خرَّجه حميدُ بنُ زنجويه (٣)، وخرَّجه ابنُ ماجه (٤) بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أيضًا. وعن سلمان الفارسي قال: إنَّ الله إذا أرادَ بعبدٍ هلاكًا، نَزَعَ منه الحياءَ، فإذا

стр. 493

نزع منه الحياء، لم تلقه إلَّا مقيتًا مُمَقَّتًا، فإذا كان مقيتًا ممقتًا، نزع منه الأمانةَ، فلم تلقه إلا خائنًا مخوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونًا، نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظًا غليظًا، فإذا كان فظًا غليظًا، نزع رِبْقَ الإِيمان من عنقه، فإذا نزع رِبْقَ الإِيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا ملعنًا (١). وعن ابن عباس، قال: الحياءُ والإِيمانُ في قَرَنٍ، فإذا نُزِعَ الحياءُ، تبعه الآخر. خرَّجه كله حميدُ بن زنجويه في كتاب "الأدب" (٢). وقد جعل النبيُّ ﷺ الحياءَ مِنَ الإِيمان كما في "الصحيحين" عن ابن عمر أن النبيَّ ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء يقولُ: إنك لتستحيي، كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ" (٣).

стр. 494

وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة قال: "الحياءُ شُعبةٌ من الإِيمان" (١). وفي "الصحيحين" عن عمران بن حصين، عن النبيِّ ﷺ قال: "الحياءُ لا يأتي إلَّا بخيرٍ" وفي رواية لمسلم قال: "الحياء خيرٌ كلُّه"، أو قال: "الحياءُ كلُّه خير" (٢). وخرَّج الإِمام أحمد والنسائي من حديث الأشج العصري قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "إنَّ فيك لخُلُقَيْن يُحبُّهما الله"، قلت: ما هما؟ قال: "الحِلْمُ والحياء" قلت: أقديمًا كان أو حديثًا؟ قال: "بل قديمًا"، قلت: الحمد لله الذي جعلني على خُلُقين يحبهما الله. (٣) وقال: إسماعيل بن أبي خالد دخل عيينة بنُ حِصنٍ على النبيِّ ﷺ وعنده رجلٌ فاستسقى، فأُتِيَ بماءٍ فشرب، فستره النبيُّ ﷺ ، فقال: ما هذا؟ قال:

стр. 495

"الحياء خلَّةٌ أُوتوها ومُنِعْتُموها" (١). واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خَلْقًا وجِبِلَّةً غير مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمنَحُهَا الله العبدَ ويَجبلُه عليها، وَلهذا قال ﷺ : "الحياء لا يأتي إلَّا بخير"، فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءةِ الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: من استحيى، اختفى، ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وُقي. وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركتُ الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع (٢). وعن بعضهم قال: رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتها مُروءَةً، فاستحالت دِيانة. والثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان، بل هو مِنْ أعلى درجات الإحسان، وقد تقدَّم أن النبيَّ ﷺ قال لِرجل: "استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلًا مِنْ صالحِ عشيرتِكَ" (٣). وفي حديث ابن مسعود: "الاستحياءُ مِنَ اللهِ أن تحفط الرَّأسَ وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموتَ والبلَى؛ ومن أراد الآخرة تركَ زينةَ الدُّنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيى مِنَ الله" خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي مرفوعًا (٤).

стр. 496

وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمانَ له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن النبيِّ ﷺ قال: "الحياء حياءانِ: طَرفٌ من الإيمان، والآخر عجز" ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بُشَير بن كعب العدوي لِعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضعف، فغضب عِمران وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه (١)؟ والأمر كما قاله عِمران ﵁، فإن الحياءَ الممدوح في كلام النبيِّ ﷺ إنما يُريد به الخُلُقَ الذي يَحُثُّ على فعل الجميل، وتركِ القبيح، فأمَّا الضعف والعجزُ الذي يوجب التقصيرَ في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، إنما هو ضعفٌ وخوَرٌ، وعجزٌ ومهانة، والله أعلم.

стр. 497

والقول الثاني في معنى قوله: "إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت": أنَّه أمر بفعل ما يشاء على ظاهرِ لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريدُ فعله مما لا يُستحيى من فعله، لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنعْ منه حينئذ ما شئتَ، وهذا قولُ جماعةٍ من الأئمة، منهم أبو إسحاق المروزي الشافعي، وحُكي مثله عن الإِمام أحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ "مسائل أبي داود" المختصرة عنه، ولكن الذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبلُ، وكذلك حكاه عنه الخلال في كتاب "الأدب"، ومن هذا قولُ بعض السلف - وقد سئل عن المروءة - فقال: أن لا تعملَ في السرِّ شيئًا تستحيي منه في العلانية، وسيأتي قولُ النبي ﷺ : "الإِثم ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أن يطلع عليه الناس" في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (١). وروى عبد الرزاق في كتابه (٢) عن معمر عن أبي إسحاق عن رجلٍ من مزينة قال: قيلَ: يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أوتي الرجلُ المسلم؟ قال: "الخلق الحسن"، قال: فما شرُّ ما أُوتي المسلم؟ قال: "إذا كرهت أن يُرى عليكَ شيءٌ في نادي القوم، فلا تفعله إذا خلوتَ". وفي "صحيح ابن حبان" (٣) عن أسامةَ بن شريك قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما كرهَ الله منكَ شيئًا، فلا تفعله إذا خلوتَ". وخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعري قال: قلت: يا رسول اللهِ

стр. 498

ما تمامُ البرِّ؟ قال: "أن تعمل في السرِّ عملَ العلانية" (١). وخرَّجه أيضًا من حديث أبي عامر السكوني، قال: قلت: يا رسولَ الله، فذكره (٢). وروى عبد الغني بنُ سعيد الحافظ في كتاب "أدب المحدث" بإسناده عن حرملةَ بن عبد الله، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ لأزداد مِنَ العلمِ، فقمتُ بين يديه، فقلت: يا رسولَ اللهِ، ما تأمُرني أن أعملَ به؟ قال: "ائتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكرَ، وانظر الذي سمعته أُذُنُكَ مِنَ الخيرِ يقولُه القومُ لك إذا قمتَ من عندهم فأتِه، وانظرِ الذي تكره أن يقولَه القومُ لك إذا قمتَ مِنْ عندهم، فاجتنبه" قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئًا: إتيانُ المعروف، واجتنابُ المنكر (٣). وخرَّجه ابن سعد في "طبقاته" (٤) بمعناه. وحكى أبو عبيد (٥) في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير قال: معناه أن يُريدَ الرجلُ أن يعمل الخيرَ، فيدعهُ حياءً من الناس كأنه يخاف الرِّياء، يقول: فلا يمنعنك الحياءُ مِنَ المُضيِّ لما أردت، كما جاء في الحديث: "إذا جاءك الشيطانُ وأنت تصلِّي، فقال: إنَّك تُرائي، فزدها طولًا" ثم قال أبو عُبيد: وهذا

стр. 499

الحديث ليس يجيء سياقُه ولا لفظُه على هذا التفسير، ولا على هذا يحمله الناس. قلت: لو كان على ما قاله جرير، لكان لفظُ الحديث: إذا استحييتَ مما لا يُستحيى منه، فافعل ما شئتَ، ولا يخفى بُعْدُ هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله أعلم.

стр. 500

الحديث الحادي والعشرون عَنْ سُفيانَ بن عبدِ اللهِ ﵁، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسلام قولًا لَا أسألُ عَنْهُ أَحدًا غَيرَكَ، قال: "قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثمَّ استقِمْ" رواهُ مُسلم (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان، وسفيان: هو ابنُ عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة، وكان عاملًا لعمرَ بن الخطَّاب على الطائف. وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوهٍ أخَرَ بزيادات، فخرجه الإِمام أحمد، والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذي: عبد الرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد الله قال: قلتُ: يا رسولَ الله، حدثني بأمرٍ أعتصمُ به، قال: "قل: ربي الله، ثم استقم". قلتُ: يا رسول اللهِ، ما أخوفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "هذا"، وقال الترمذي: حسن صحيح. وخرجه الإِمام أحمد، والنسائي من رواية عبدِ الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، مرني بأمرٍ في الإِسلام لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك،

стр. 501

قال: "قل: آمنتُ بالله، ثم استقم". قلت: فما أتَّقي؟ فأومأ إلى لسانه (١). قول سفيان بن عبد الله للنبيّ ﷺ : "قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدَك" طلب منه أن يُعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاجَ بعدَه إلى غيره، فقال له النبيُّ ﷺ : "قل: آمنتُ باللهِ، ثم استقم"، وفي الرواية الأخرى: "قل: ربي الله، ثم استقم". هذا منتزع من قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. وخرَّج النسائي في "تفسيره" من رواية سهيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس أن النبيَّ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: "قد قالها الناسُ، ثم كفروا، فمن مات عليها فهو مِن أهل الاستقامة". وخرَّجه الترمذي، ولفظه: فقال: "قد قالها الناس، ثم كفر أكثرُهم، فمن مات عليها، فهو مِمَّنِ استقامَ"، وقال: حسن غريب (٢)، وسهيل تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه.

стр. 502

وقال أبو بكر الصديق في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركُوا بالله شيئًا (١). وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره (٢). وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله رَبُّهم. وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أرخصُ آية في كتاب الله ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله (٣). وروي نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّدِّيِّ وعكرمة وغيرهم. ورُويَ عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: لم يَروغوا رَوَغَانَ الثَّعلب (٤). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداءِ فرائضه (٥). وعن أبي العالية، قال: ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ (٦). وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية

стр. 503

قال: اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة (١). ولعل من قال: إن المرادَ الاستقامة على التوحيد إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإنَّ الإله هو الذي يُطاعُ، فلا يعصى خشيةً وإجلالًا ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلًا ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان، قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] قال الحسن وغيره: هو الذي لا يهوى شيئًا إلَّا ركبه (٢)، فهذا يُنافي الاستقامة على التوحيد. وأما على رواية من روى: "قُلْ: آمنْتُ باللهِ"، فالمعنى أظهر، لأن الإِيمانَ يدخل فيه الأعمالُ الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهلِ الحديث، وقال الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]، فأمره أن يستقيمَ هو ومن تاب معه، وأن لا يُجاوزوا ما أُمِروا به، وهو الطغيانُ، وأخبر أنَّه بصيرٌ بأعمالهم، مطَّلعٌ عليها، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. قال قتادة: أُمِرَ محمد ﷺ أن يستقيمَ على أمر الله (٣). وقال الثوري: على القرآن (٤)، وعن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية شَمَّرَ رسولُ الله ﷺ ، فما رؤي ضاحكًا. خرَّجه ابن أبي حاتم (٥). وذكر القُشَيْريُّ وغيره عن بعضهم: أنَّه رأى النبيَّ ﷺ في المنام، فقال له: يا رسولَ الله قلتَ: "شَيَّبَتني هُودٌ وأخواتُها"، فما شيَّبك

стр. 504

منها؟ قال: "قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ " (١). وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وقد أمرَ الله تعالى بإقامةِ الدِّين عمومًا كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣]، وأمَر بإقام الصلاة في غير موضعٍ من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين. والاستقامة: هي سلوكُ الصِّراط المستقيم، وهو الدِّينُ القيّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها، الظاهرة والباطنة، وتركَ المنهيات كلّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها. وفي قوله : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه لا بُدَّ من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَرُ ذلك بالاستغفار المقتضي للتَّوبة والرُّجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبيِّ ﷺ لمعاذ: "اتَّقِ الله حيثُما كُنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها" (٢). وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن الناس لن يُطيقوا

стр. 505

الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإِمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبانَ، عن النبيّ ﷺ قال: "استَقيموا ولن تُحْصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوء إلَّا مؤمنٌ"، وفي رواية للإِمام أحمد: "سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظُ على الوضوء إلَّا مؤمن" (١). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سددوا وقاربوا" (٢). فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامة، وهو الإِصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيُصيبه، وقد أمرَ النبيُّ ﷺ عليًّا أن يسألَ الله السَّداد والهدى، وقال له: "اذكر بالسَّدادِ تسديدَكَ السَّهْمَ، وبالهدى هدايتَك الطَّريق" (٣). والمقاربة: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه، ولكن بشرط أن يكونَ مصمِّمًا على قصد السَّداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ، ويدلُّ عليه قولُ النبي ﷺ في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي: "أيّها الناس، إنَّكم لن تعملوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكن سدِّدوا وأبشروا" (٤) والمعنى: اقصِدُوا التَّسديدَ والإِصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدِّدُوا في العمل كلِّه، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه. فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصدِّيق وغيرُه قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] بأنَّهم لم

стр. 506

يلتفتوا إلى غيره (١)، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكُّلِ عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته، فإن القلبَ هو ملكُ الأعضاء، وهي جنودُه، فإذا استقامَ الملك، استقامت جنودُه ورعاياه، وكذلك فسِّر قولُه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله وإرادته وحدَه لا شريكَ له. وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلب مِنَ الجوارح اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه، ولهذا لما أمر النبيُّ ﷺ بالاستقامة، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ لسانه، وفي "مسند الإِمام أحمد" عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيم قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتَّى يستقيمَ لسانُه" (٢). وفي "الترمذي" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاءَ كلها تكفر اللِّسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحنُ بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوججنا" (٣).

стр. 507

الحديث الثاني والعشرون عَنْ جَابِر بن عبدِ اللهِ ﵄ أن رَجُلًا سَألَ رَسولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المَكتُوبَاتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وأحْلَلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولم أَزِدْ على ذلكَ شيئًا، أأدخُلِ الجنَّةَ؟ قال: "نَعَمْ". رواهُ مسلم (١). هذا الحديثُ خرَّجه مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، وزاد في آخره: قال: واللُه لا أزيدُ على ذلك شيئًا. وخرَّجه أيضًا من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال: قال النعمان بنُ قوقل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا صليتُ المكتوبةَ، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أَزِدْ على ذلك شيئًا أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قال النبيُّ ﷺ : "نعم". وقد فسر بعضُهم تحليلَ الحلالِ باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمته مع اجتنابه، ويُحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلالُ هاهنا عبارةً عمَّا ليسَ بحرامٍ، فيدخل فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعل ما ليس بمحرَّم عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنب المحرَّمات. وقد روي عن طائفةٍ من السَّلفِ، منهم ابنُ مسعود وابن عباس في قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قالوا: يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامَه، ولا يُحرِّفونه عن مواضعه (٢).

стр. 508

والمرادُ بالتحليل والتحريم: فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، والمراد: أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيُحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرِّمونَهُ بذلك. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨ - ٨٩] وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا في الدنيا وتقشفًا، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريم، فسمَّى الجميع تحريمًا، حيث قصد الامتناعَ منه إضرارًا بالنفس، وكفأ لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلان لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له، وإن كان يعتقد تحريمَ الحرام، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلًا له، وإن كان لا يعتقد حله. وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خرَّجهُ النسائي، وابنُ حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس،

стр. 509

ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] (١). وخرَّج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ عبدَ الله، لا يُشرِكُ به، وأقامَ الصَّلاةَ، وآتَى الزَّكاة، وصامَ رمضان، واجتنبَ الكبائرَ، فله الجنةُ - أو دخل الجنة - " (٢). وفي "المسند" عن ابن عباس أن ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النبيِّ ﷺ ، فذكر له الصَّلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلها، فلمّا فرغ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن صدقَ دخلَ الجنة" (٣). وخرَّجه الطبراني مِنْ وجهٍ آخرَ، وفي حديثه قال: والخامسة لا أَربَ لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأعملنَّ بها، ومن أطاعني، فقال رسولُ ﷺ : "لئن صدقَ، ليدخلنَّ الجنة" (٤).

стр. 510

وفي "صحيح البخاري" عن أبي أيوب أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : أخبرني بعمل يُدخلني الجنة، قال: "تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحم". وخرجه مسلم إلَّا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدُني من النَّارِ. وعنده في رواية: فلما أدبرَ قال رسول الله ﷺ : "إن تمسَّك بما أُمِرَ به، دخلَ الجنة" (١). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنة، قال: "تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة، وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضانَ"، قال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أزيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أَنْقُصُ منه، فلمَّا ولَّى، قال النبيّ ﷺ : "مَنْ سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة، فلينظر إلى هذا" (٢). وفي "الصحيحين" عن طلحة بن عُبَيد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسولِ الله ﷺ دائرَ الرأس، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلا أن تَطَّوَّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيام؟ فقال: "شهر رمضان، إلا أن تطوَّعَ شيئًا" فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة؟ فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحقِّ، لا أتطوَّعُ شيئًا ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق - أو دخل الجنَّة إن صدق - " ولفظه للبخاري (٣).

стр. 511

وفي "صحيح مسلم" (١) عن أنس أن أعرابيًا سأل النبيّ ﷺ فذكره بمعناه، وزاد فيه: "حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا" فقال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهن ولا أنقُصُ منهن، فقال النبيُّ ﷺ : "لئنْ صدَقَ، ليدْخُلَنَّ الجنَّة". ومراد الأعرابي أنه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئًا من التطوُّع، ليس مرادُه أنه لا يعمل بشيءٍ من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرمات، لأن السائل إنما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنة. وخرَّج الترمذي من حديث أبي أُمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول: "أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمرِكم، تدخلوا جنّة ربكم" وقال: حسن صحيح، وخرّجه الإمام أحمد، وعنده "اعبدوا ربكم" بدل قوله: "اتقوا الله" (٢). وخرَّجه بقي بن مخلد في "مسنده" من وجه آخر، ولفظ حديثه: "صلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وحُجُّوا بيتكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، طيِّبةً بها أنفسكم، تدخلوا جنَّة ربِّكم" (٣). وخرَّج الإمام أحمد بإسناده عن ابن المنتفق، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجنة؟ قال: "لئن كنتَ أوجزت في المسألة، لقد أعظمتَ وأطولت، فاعقل عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصَّلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ، وصُمْ

стр. 512

رمضان، وما تُحِبُّ أن يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم، وما تكره أن يأتي إليك، الناس، فذرِ الناس منه". وفي رواية له أيضًا قال: "اتَّقِ الله، لا تشركْ به شيئًا، وتُقيم الصَّلاة، وتُؤتي الزَّكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان، ولم تَزِدْ على ذلك" (١) وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (٢). فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنة، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرّة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، شهدتُ أن لا إله إلَّا الله، وأنَّك رسولُ الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاةَ مالي، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "من مات على هذا، كان مع النبيّين والصدِّيقينَ والشهداءِ يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه" (٣).

стр. 513

وقد ورد ترتُّب (١) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ، ففي الحديث المشهور: "من صلَّى الصلواتِ لوقتِها، كان له عندَ اللهِ عهدٌ أن يُدخِلَهُ الجنَّة" (٢). وفي الحديث الصحيح: "من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة" (٣)، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد عن بشير بن الخَصاصِيةِ، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ لأُبايعَه، فشرط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيمَ الصَّلاةَ، وأن أُوتي الزكاة، وأن أحجَّ حجة الإِسلام، وأن أصومَ رمضان، وأن أُجاهِد في سبيل الله، فقلتُ: يا رسول الله أما اثنتان (٤) فوالله ما أُطيقُهُما: الجهاد والصَّدقةُ، فقبضَ رسولُ الله ﷺ يدَهَ، ثمَّ حَرَّكَها، وقال: "فلا جهادَ ولا صدقةَ؟ فبمَ تدخلُ الجنَّة إذًا؟ " قلتُ: يا رسول الله أنا أُبايعُك، فبايعتُه عليهنَّ كُلِّهنَّ (٥). ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه

стр. 514

الخصالُ بدون الزكاة والجهاد. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكابَ بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنة، كقوله: "لا يدخل الجَنَّةَ قاطع" (١)، وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر" (٢)، وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا" (٣) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّينِ حتى يُقضى (٤)، وفي الصَّحيح (٥): أن المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ، حُبِسُوا عَلى قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا.

стр. 515

وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحبَسُ على باب الجنَّةِ مئة عامٍ بالذنب كان يعملُه في الدنيا. فهذه كُلُّها موانع. ومن هنا يظهرُ معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنة على مجرَّد التوحيد، ففي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ عبد قال: لا إله إلا الله ثمَّ مات على ذلك إلَّا دخل الجنة"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: "وإن زنى وإن سرق"، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذرٍّ"، فخرج أبو ذرٍّ وهو يقول: وإن رغم أنفُ أبي ذرٍّ (١). وفيهما عن عُبادة بن الصامت عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنَّةَ حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، أدخله الله الجنة على ما كان من عملٍ" (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشَّكِّ - عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عَبْدٌ غيرَ شاكٍّ، فيُحْجَبُ عن الجنة". وفيه عن أبي هُريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال له يومًا: "مَنْ لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبُه، فبشِّره بالجنَّة" (٤) وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.

стр. 516

وفي "الصحيحين" عن أنس أن النبيَّ ﷺ قال يومًا لمعاذ: "ما مِنْ عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله إلَّا حرَّمه الله على النار" (١). وفيهما عن عِتبان بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله قد حرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه اللهِ" (٢). فقال طائفةٌ من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتض لدخول الجنة وللنجاة مِنَ النَّارِ، لكن له شروط، وهي الإتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إن للا إله إلا الله شروطًا، فإيَّاك وقذفَ المحصنة. ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ (٣)، يعني: أن كلمةَ التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبتُ الفسطاطُ بدون أطنابه، وهي فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات. وقيل للحسن: إنَّ ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقَّها وفرضها، دخلَ الجنَّةَ. وقيل لوهب بنِ مُنبِّه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلَّا لم يفتح لك (٤). ويشبه هذا ما رُوِيَ عن ابن عمرَ أنَّه سُئِلَ عن لا إله إلا الله: هل يضرُّ معها

стр. 517

عملٌ، كما لا ينفع مع تركها عملٌ؟ فقال ابن عمر: عش ولا تغتر (١). وقالت طائفةٌ - منهم الضحاكُ والزهري -: كان هذا قبلَ الفرائض والحدود، فمِنْ هؤلاء مَنْ أَشار إلى أنها نُسِخَتْ، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشرط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كلِّه نظرٌ، فإنَّ كثيرًا مِنْ هذه الأحاديث متأخر بعدَ الفرائض والحدود. وقال الثوري: نسختها الفرائضُ والحدودُ، فيحتمل أن يكونَ مرادُه ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مرادُه أن وجوبَ الفرائض والحدود تبيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقُطُ بمجرَّدِ الشهادتين، فكذلك عقوباتُ الآخرة، ومثل هذا البيان وإزالة الإِيهام كان السلفُ يُسَمُّونه نسخًا، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور. وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأنْ يقولها بصدقٍ وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإِصرارَ معها على معصية. وجاء من مراسيل الحسن عن النبيِّ ﷺ "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة" قيل: وما إخلاصها؟ قال: "أن تحجُزَكَ عمَّا حرَّم الله". وروي ذلك مسندًا من وجوه أخرَ ضعيفة (٢).

стр. 518

ولعلَّ الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا فإنَّ تحقق القلب بمعنى "لا إله إلا الله" وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيمًا، وتوكُّلًا، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يُبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقًّا، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] قال الحسن: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه (١). وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا، أتاه، لا يَحجُزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى (٢). ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا "ما تحتَ ظلِّ السماء إله يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع" (٣). وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]. فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا الله، إلَّا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى

стр. 519

كان في القلب شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ. ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبُّوا غيري. وفي "صحيح الحاكم" (١) عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ منَ العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وهذا نصٌّ في أن محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ مَا يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ. وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تزالُ لا إله إلا الله تمنعُ العبادَ مِنْ سخط الله، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم، فإذا آثرُوا صفقةَ دُنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم، وقال الله: كذبتم" (٢).

стр. 520

فتبيَّن بهذا معنى قوله ﷺ : "من (١) شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرَّمه الله على النار"، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلَّا إيَّاه، ولم يخش أحدًا إلَّا الله، ولم يتوكَّل إلَّا على الله، ولم تبق له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها. نارُ جهنَّم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمنُ، فقد أطفأ نورُك لهبي" (٢). وفي "مسند" الإمام أحمد (٣) عن جابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلَّا دخلها، فتكونُ على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إنَّ للنار ضجيجًا من بردهم".

стр. 521

فهذا ميراثٌ وَرِثَه المؤمنون من حالِ إبراهيم ﵇، فنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخافُ منها نارُ جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا ربِّ، لو لم أُطِعك، هل كنت تُعذِّبني بشي هو أشدُّ مني؟ قال: نعم كنتُ أسلط عليك نارِي الكبرى، قالت: وهل نارٌ أعظم مني وأشدُّ؟ قال: نعم نار محبتي أسكنتُها قلوبَ أوليائي المؤمنين. وفي هذا يقول بعضهم: ففي فؤادِ المُحِبِّ نارُ هوى … أحرُّ نارِ الجحيم أبردُهَا ويشهد لهذا المعنى حديثُ معاذ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا الله، دخل الجنَّة" (١)، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلَّا بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعزم على أن لا يعودَ إلى مثله، ورجح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفرد في التوحيد، وهو حسن.

стр. 522

الحديث الثالث والعشرون عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أو تَملأُ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقَةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فبَائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها أو مُوبِقها". رواه مسلم (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير أن زيدَ بن سلام حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسولُ الله ﷺ "الطهور شطر الإِيمان، والحمد لله تملأ الميزان"، فذكر الحديثَ. وفي أكثر نسخ صحيح مسلم "والصبرُ ضياء" وفي بعضها: "والصيامُ ضياء". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيدِ بن سلَّام، فأنكره يحيى بنُ معين، وأثبته الإِمامُ أحمدُ، وفي هذه الرواية التصريحُ بسماعه منه. وخرَّج هذا الحديث النسائيُّ، وابنُ ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيدِ بن سلَّام، عن جدِّه أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي

стр. 523

مالك، فزاد في إسناده عبد الرحمن بن غنم، ورجَّحَ هذه الرواية بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلمُ بحديثِ أخيه زيدٍ من يحيى بن أبي كثير، ويقوِّي ذلك أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجهٍ آخر، وحينئذ فتكونُ روايةُ مسلمٍ منقطعةً. وفي حديثِ معاويةَ بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير، فإنَّ لفظ حديثه عند ابن ماجه: "إسباغ الوضوء شطرُ الإِيمان، والحمد لله مِلء الميزان، والتسبيحُ والتكبيرُ مِلء السماء والأرض، والصلاة نورٌ، والزكاة برهانٌ، والصبر ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك، كلُّ النَّاسِ يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها". وخرَّج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرَّجه مسلم، ولفظ حديثه: "الوضوءُ شطرُ الإِيمانِ"، وباقي حديثه مِثلُ سياقِ مسلمٍ. وخرَّج الإِمامُ أحمدُ والترمذي من حديث رجل من بني سليم، قال: عدَّهُنَّ رسولُ الله ﷺ في يدي أو (١) في يده: "التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصومُ نصفُ الصبر، والطهورُ نصفُ الإِيمان" (٢).

стр. 524

فقوله ﷺ : "الطهور شطرُ الإيمان" فسر بعضهم الطهورَ هاهنا بتركِ الذُّنوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال: الإيمانُ نوعان: فعلٌ وترك، فنصفُه: فعلُ المأموراتِ، ونصفُه: ترك المحظورات، وهو تطهيرُ النفس بترك المعاصي، وهذا القولُ محتمل لولا أن رواية "الوضوء شطرُ الإيمان" تردُّه، وكذلك رواية "إسباغ الوضوء". وأيضًا، ففيه نظرٌ من جهة المعنى، فإنَّ كثيرًا من الأعمال تُطَهِّرُ النفس مِنَ الذُّنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور، ومتى دخلت الأعمالُ، أو بعضُها، في اسم الطُّهور، لم يتحققْ كونُ تركِ الذنوبِ شَطْرَ الإيمان. والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطهور هاهنا: التَّطهُّر بالماء من الأحداث، وكذلك بدأ مسلمٌ بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك خرَّجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا، فاختلف الناسُ في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان. فمنهم من قال: المرادُ بالشطر: الجزءُ، لا أنَّه النصفُ بعينه، فيكونُ الطهور جزءًا مِنَ الإيمان، وهذا فيه ضعف، لأنَّ الشطر إنَّما يُعْرَفُ استعمالُه لغة في النِّصف، ولأن في حديث الرجلِ من بني سُليم: "الطهورُ نصف الإيمان" كما سبق. ومنهم من قال: المعنى أنه يُضاعَفُ ثوابُ الوضوء إلى نصف ثوابِ الإِيمان، لكن من غير تضعيف، وفي هذا نظرٌ، وبُعدٌ.

стр. 525

ومنهم من قال: الإيمانُ يكفِّرُ الكبائرَ كلَّها، والوضوء يكفِّر الصَّغائرَ، فهو شطرُ الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يردُّه حديث: "من أساءَ في الإِسلام أُخِذَ بما عمل في الجاهلية" (١) وقد سبق ذكره. ومنهم من قال: الوضوء يُكفِّرُ الذنوبَ مع الإِيمان، فصار نصفَ الإِيمانِ، وهذا ضعيف. ومنهم من قال: المرادُ بالإِيمان هاهنا: الصلاة، كما في قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والمراد: صلاتُكم إلى بيتِ المقدس (٢)، فإذا كان المرادُ بالإِيمان الصلاةَ، فالصلاةُ لا تُقبل إلا بطهور، فصار الطُّهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار، حكى هذا التفسير محمدُ بن نصر

стр. 526

المروزي في "كتاب الصلاة" (١) عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم، وأنه قال في معنى قولهم: لا أدري نصفُ العلم: إن العلم إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر. قلت: كُلُّ شي كان تحته نوعان: فأحدُهما نصفٌ له، وسواءٌ كان عددُ النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الأخر، ويدلُّ على هذا حديثُ: "قسمتُ الصلاة بيني وبَينَ عبدي نصفين" (٢) والمرادُ: قراءة الصلاة، ولهذا فسَّرها بالفاتحة، والمرادُ أنَّها مقسومة لِلعبادة والمسألة، فالعبادةُ حقُّ الربِّ والمسألةُ حقُّ العبد، وليس المرادُ قسمة كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا الخطابيُّ (٣)، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حَضَر، قال: وليس على تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مدَّتاهما، وبقول شريح - وقيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصفُ الناس عليَّ غضبان، يريد أن الناسَ بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان، والمحكوم له راضٍ عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر؛ إذا مِتُّ كان الناسُ نصفينِ: شامتٌ … بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أفعلُ ومراده أنهم ينقسمون قسمين.

стр. 527

قلت: ومِنْ هذا المعنى: حديثُ أبي هريرة المرفوع في الفرائض "أنها نصف العلم" خرَّجه ابن ماجه (١)، فإن أحكامَ المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوعٌ يتعلَّقُ بما بعدَ الموتِ، وهذا هو الفرائضُ. وقال ابنُ مسعود: الفرائضُ ثلث العلم. ووجه ذلك الحديث الذي خرَّجه أبو داود وابنُ ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك، فهو فضلٌ: آية محكمة، أو سنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضة عادلة" (٢). وروي عن مجاهدٍ أنه قال: المضمضةُ والاستنشاقُ نصفُ الوضوء (٣)، ولعلَّه أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذٌ من السُّنَّةِ، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضةَ والاستنشاقَ يُطَهِّرُ باطنَ الجسدِ، وغسلَ سائرِ الأعضاء يُطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قولُ ابن مسعود: الصبرُ نصفُ الإيمان واليقينُ الإِيمان كله (٤). وجاء من رواية يزيد

стр. 528

الرقاشي عن أنس مرفوعًا: "الإِيمانُ نصفان: نصفٌ في الصَّبر، ونصفٌ في الشُّكر" (١)، فلمَّا كان الإِيمانُ يشمل فعلَ الواجباتِ، وتركَ المحرَّمات، ولا يُنالُ ذلك كلُّه إلَّا بالصَّبر، كان الصبرُ نصفَ الإِيمانِ، فهكذا يقالُ في الوضوء: إنَّه نصف الصلاة. وأيضًا فالصلاةُ تُكفر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا، كما في "صحيح مسلم" (٢) عن عثمان عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِنْ مسلم يتطهر فيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتِبَ عليه، فيُصلي هذه الصلوات الخمْسَ إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنّ". وفي رواية له: "من أتمَّ الوُضوء كما أمره الله، فالصلواتُ المكتوبات كفاراتٌ لما بينهن".

стр. 529

وأيضًا، فالصلاةُ مفتاحُ الجنة، والوضوء مفتاح الصَّلاة، كما خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي من حديث جابرٍ مرفوعًا (١)، وكلٌّ من الصلاة والوضوء مُوجبٌ لفتح أبواب الجنَّة كما في "صحيح مسلم" (٢) عن عُقبة بن عامر سمع النبيَّ ﷺ يقول: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة"، وعن عقبة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْكُم مِن أَحَدٍ يتوضأ فيُبْلغُ أو يُسبِغُ الوضوء، ثم يقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء". وفي "الصحيحين" عن عُبَادة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أمتِهِ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأن النار حقٌّ، أدخله الله مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاءَ" (٣). فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبًا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوءُ نصفَ الإِيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.

стр. 530

وأيضًا، فالوضوء من خِصال الإِيمان الخفيَّة التي لا يُحافِط عليها إلَّا مُؤمنٌ، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبيِّ ﷺ : "لا يُحافِظُ على الوضوء إلا مؤمن " (١). والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرَّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ قال: "خمسٌ من جاءَ بهنَّ مع إيمانٍ، دخل الجنَّةَ: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزَّكاةَ من ماله طيِّبَ النَّفسِ بها - قال: وكان يقول: - وايمُ اللهِ، لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضان، وحجَّ البيتَ من استطاع إليه سبيلًا، وأدَّى الأمانة" قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداءُ الأمانة؟ قال: الغسلُ من الجنابة، فإن الله لم يأتمنِ ابنَ آدم على شيءٍ من دينه غيرها (٢). وخرَّج ابنُ ماجه (٣) من حديث أبي أيوبَ عن النبيِّ ﷺ قال: "الصلواتُ
следующие страницы →