← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المروزي في "كتاب الصلاة" (١) عن إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم، وأنه قال في معنى قولهم: لا أدري نصفُ العلم: إن العلم إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر. قلت: كُلُّ شي كان تحته نوعان: فأحدُهما نصفٌ له، وسواءٌ كان عددُ النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الأخر، ويدلُّ على هذا حديثُ: "قسمتُ الصلاة بيني وبَينَ عبدي نصفين" (٢) والمرادُ: قراءة الصلاة، ولهذا فسَّرها بالفاتحة، والمرادُ أنَّها مقسومة لِلعبادة والمسألة، فالعبادةُ حقُّ الربِّ والمسألةُ حقُّ العبد، وليس المرادُ قسمة كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا الخطابيُّ (٣)، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حَضَر، قال: وليس على تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مدَّتاهما، وبقول شريح - وقيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصفُ الناس عليَّ غضبان، يريد أن الناسَ بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان، والمحكوم له راضٍ عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر؛ إذا مِتُّ كان الناسُ نصفينِ: شامتٌ … بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أفعلُ ومراده أنهم ينقسمون قسمين.

стр. 527

قلت: ومِنْ هذا المعنى: حديثُ أبي هريرة المرفوع في الفرائض "أنها نصف العلم" خرَّجه ابن ماجه (١)، فإن أحكامَ المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوعٌ يتعلَّقُ بما بعدَ الموتِ، وهذا هو الفرائضُ. وقال ابنُ مسعود: الفرائضُ ثلث العلم. ووجه ذلك الحديث الذي خرَّجه أبو داود وابنُ ماجه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك، فهو فضلٌ: آية محكمة، أو سنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضة عادلة" (٢). وروي عن مجاهدٍ أنه قال: المضمضةُ والاستنشاقُ نصفُ الوضوء (٣)، ولعلَّه أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذٌ من السُّنَّةِ، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضةَ والاستنشاقَ يُطَهِّرُ باطنَ الجسدِ، وغسلَ سائرِ الأعضاء يُطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قولُ ابن مسعود: الصبرُ نصفُ الإيمان واليقينُ الإِيمان كله (٤). وجاء من رواية يزيد

стр. 528

الرقاشي عن أنس مرفوعًا: "الإِيمانُ نصفان: نصفٌ في الصَّبر، ونصفٌ في الشُّكر" (١)، فلمَّا كان الإِيمانُ يشمل فعلَ الواجباتِ، وتركَ المحرَّمات، ولا يُنالُ ذلك كلُّه إلَّا بالصَّبر، كان الصبرُ نصفَ الإِيمانِ، فهكذا يقالُ في الوضوء: إنَّه نصف الصلاة. وأيضًا فالصلاةُ تُكفر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا، كما في "صحيح مسلم" (٢) عن عثمان عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِنْ مسلم يتطهر فيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتِبَ عليه، فيُصلي هذه الصلوات الخمْسَ إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنّ". وفي رواية له: "من أتمَّ الوُضوء كما أمره الله، فالصلواتُ المكتوبات كفاراتٌ لما بينهن".

стр. 529

وأيضًا، فالصلاةُ مفتاحُ الجنة، والوضوء مفتاح الصَّلاة، كما خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي من حديث جابرٍ مرفوعًا (١)، وكلٌّ من الصلاة والوضوء مُوجبٌ لفتح أبواب الجنَّة كما في "صحيح مسلم" (٢) عن عُقبة بن عامر سمع النبيَّ ﷺ يقول: "ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة"، وعن عقبة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْكُم مِن أَحَدٍ يتوضأ فيُبْلغُ أو يُسبِغُ الوضوء، ثم يقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء". وفي "الصحيحين" عن عُبَادة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أمتِهِ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأن النار حقٌّ، أدخله الله مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاءَ" (٣). فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبًا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوءُ نصفَ الإِيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.

стр. 530

وأيضًا، فالوضوء من خِصال الإِيمان الخفيَّة التي لا يُحافِط عليها إلَّا مُؤمنٌ، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبيِّ ﷺ : "لا يُحافِظُ على الوضوء إلا مؤمن " (١). والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرَّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ قال: "خمسٌ من جاءَ بهنَّ مع إيمانٍ، دخل الجنَّةَ: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزَّكاةَ من ماله طيِّبَ النَّفسِ بها - قال: وكان يقول: - وايمُ اللهِ، لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضان، وحجَّ البيتَ من استطاع إليه سبيلًا، وأدَّى الأمانة" قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداءُ الأمانة؟ قال: الغسلُ من الجنابة، فإن الله لم يأتمنِ ابنَ آدم على شيءٍ من دينه غيرها (٢). وخرَّج ابنُ ماجه (٣) من حديث أبي أيوبَ عن النبيِّ ﷺ قال: "الصلواتُ

стр. 531

الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداءُ الأمانة كفَّارةٌ لما بينهنّ"، قيل: وما أداء الأمانة؟ قال: "الغسل من الجنابة، فإن تحتَ كُلِّ شعرة جنابة" وحديث أبي الدرداء الذي قبلَه جعل فيه الوضوءَ من أجزاءِ الصلاة. وجاء في حديثٍ آخر خرَّجه البزار (١) من رواية شبابة بن سوار: حدثنا المُغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصلاةُ ثلاثةُ أثلاث: الطهور ثُلُثٌ، والركوع ثُلُثٌ، والسجودُ ثلث، فمن أدَّاها بحقِّها، قُبلَتْ منه، وقُبِلَ منه سائرُ عمله، ومن رُدَّتْ عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائر عمله" وقالَ: تفرَّد به المغيرةُ، والمحفوظُ عن أبي صالح، عن كعب من قوله. فعلى هذا التقسيم الوضوءُ ثُلُثُ الصلاة، إلَّا أن يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد، لتقاربهما في الصورة، فيكونُ الوضوءُ نصفَ الصلاة أيضًا. ويحتمل أن يُقال: إنَّ خصالَ الإِيمان من الأعمال والأقوال (٢) كُلّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزكيه، وأما الطهارةُ بالماء، فهي تختصُّ بتطهير الجسدِ وتنظيفه، فصارت خصالُ الإِيمان قسمين: أحدُهما يُطهّرُ الظاهر، والآخر يُطهر الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كُلِّه.

стр. 532

وقوله ﷺ : "والحمدُ لله تملأ الميزانَ، وسبحانَ اللهِ والحمد لله تملآن أو تملأُ ما بَيْنَ السماوات والأرض" فهذا شكٌّ مِن الراوي في لفظه، وفي رواية النسائي وابن ماجه: "والتسبيح والتكبير مِلءُ السماء والأرض". وفي حديث الرجل من بني سُليم: "التسبيحُ نصفُ الميزانِ، والحمد لله تملؤُه، والتكبيرُ يملأ ما بَيْنَ السماء والأرض" (١). وخرَّج الترمذي (٢) من حديث الإِفريقي عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمروٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمدُ لله تملؤه، ولا إله إلَّا الله ليس لها دونَ اللهِ حجابٌ حتَّى تصلَ إليه"، وقال: ليس إسناده بالقويّ. قلت: اختلف في إسناده على الإِفريقي، فروي عنه عن أبي علقمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، وفيه زيادة: "والله أكبر ملء السماوات والأرض". روى جعفر الفريابي في كتاب "الذكر" وغيره من حديث عليٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن". وخرَّج الفريابي أيضًا من حديث معاذ بن جبل عن النبيِّ ﷺ قال: "كلمتان إحداهما مَنْ قالها لم يكن لها ناهية دونَ العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر" (٣).

стр. 533

فقد تضمنت هذه الأحاديثُ فضلَ هذه الكلمات الأربع التي هي أفضلُ الكلام، وهي: سبحانَ اللهِ، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فأما الحمدُ لله، فاتفقت الأحاديثُ كلُّها على أنه يملأ الميزانَ، وقد قيل: إنَّه ضربُ مثل، وإن المعنى: لو كان الحمدُ جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله يُمثِّلُ أعمالَ بني آدم وأقوالهم صُوَرًا تُرى يومَ القيامة وتوزَنُ، كما قال النبيُّ ﷺ : "يأتي القرآنُ يومَ القيامة تقْدُمُه البقرةُ وآلُ عمران كأنَّهما غمامتان أو غَيَايَتانِ أو فِرقان من طيرٍ صَوَّاف" (١). وقال: "كلمتانِ حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزانِ، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحانَ الله العظيمِ" (٢). وقال: "أثقلُ ما يوضَع في الميزانِ الخُلُقُ الحسنُ" (٣)، وكذلك المؤمن يأتيه

стр. 534

عملُه الصالحُ في قبره في أحسنِ صُورَةٍ والكافر يأتيه عملُه في أقبحِ صورةٍ (١)، ورُوي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البرِّ تكونُ حَوْل الميت في قبره تُدافعُ عنه، وأنَّ القرآن يصعَد فيشفعُ له (٢). وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: "سبحان الله والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بَينَ السماء والأرض"، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النسائي وابنِ ماجه: "التسبيحُ والتَّكبيرُ ملءُ السَّماءِ والأرض"، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معًا يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل. وفي حديث أبي هريرة والرجلِ الآخر أنَّ التكبير وحدَه يملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرض. وبكلِّ حال (٣) فالتسبيح دونَ التحميد في الفضل كما جاء صريحًا في حديث عليّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سُليمٍ أن التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، وسببُ ذلك أن التحميدَ إثباتُ المحامدِ كلِّها لله،

стр. 535

فدخل في ذلك إثباتُ صفاتِ الكمال ونعوتِ الجلال كلِّها، والتسبيحُ هو تنزيه اللهِ عن النقائص والعيوب والآفات، والإِثباتُ أكملُ من السلب، ولهذا لم يردِ التسبيحُ مجرَّدًا، لكنْ مقرونًا بما يدلُّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرَنُ بالحمد، كقول: سبحان الله وبحمده وسبحان الله، والحمد لله، وتارة باسمٍ من الأسماء الدَّالَّةِ على العظمة والجلال، كقوله: سبحان الله العظيم، فإنْ كان حديثُ أبي مالكٍ يدلُّ على أن الذي يملأُ ما بَيْنَ السَّماء والأرض هو مجموعُ التسبيح والتكبير، فالأمرُ ظاهر، وإن كان المراد أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك، فإنَّ الميزان أوسعُ ممَّا بينَ السَّماء والأرض، فما يملأ الميزانَ هو أكبر (١) ممَّا يملأ ما بينَ السَّماء والأرض، ويدلُّ عليه أنَّه صحَّ عن سلمانَ ﵁ أنه قال: يُوضعُ الميزانُ يوم القيامة، فلو وُزِنَ فيه السماواتُ والأرضُ لوسعت، فتقولُ الملائكة: يا ربّ لمن تزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك. وخرَّجه الحاكم (٢) مرفوعًا وصححه، ولكن الموقوف هو المشهور. وأمَّا التكبيرُ، ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سُليمٍ أنه وحده يملأ ما بين السماواتِ والأرض، وفي حديث عليَّ أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات والأرض وما بينهن. وأما التهليلُ وحده، فإنَّه يصلُ إلى اللهِ من غيرِ حجابٍ بينه وبينه. وخرَّج التِّرمذي من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصًا، إلَّا فُتِحَت له أبوابُ السَّماء، حتَّى تُفضيَ إلى العرش ما اجتُنِبَتِ الكبائر" (٣).

стр. 536

وقال أبو أمامة: ما من عبدٍ يُهلّل تهليلةً، فيُنهْنِهُها شيءٌ دونَ العرشِ. وورد أنه لا يعدِلُها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد خرَّجه أحمد والترمذي والنسائي، وفي آخره عندَ الإِمامِ أحمد: "ولا يثقل شيءٌ باسم الله الرحمن الرحيم" (١). وفي "المسند" (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنَّ نوحًا ﵇ لمَّا حضرته الوفاةُ، قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله،

стр. 537

فإن السماوات السبعَ والأرضين السبع لو وضعت في كفةٍ، ووضعت لا إله إلا الله في كفَّةٍ، رجحت بهنَّ لا إله إلا الله". وفيه (١) أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ علمني شيئًا أذكُرُكَ به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كلُّ عبادِكَ يقولُ هذا، إنَّما أُريدُ شيئًا تخصُّني به، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبعَ وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفَّة ولا إله إلا الله في كفَّة مالت بِهِنَّ لا إله إلا الله". وقد اختلف في أيِّ الكلمتين أفضلُ؟ أكلمةُ الحمدِ أم كلمةُ التَّهليلِ؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البرِّ وغيره. وقال النَّخعي: كانوا يرون أن الحمدَ أكثرُ الكلام تضعيفًا، وقال الثوري: ليس يُضاعف من الكلام مثل الحمد لله. والحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد. وفي "مسند" الإمام أحمد (٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،

стр. 538

فمن قال: سبحان الله، كُتِبَتْ له عشرون حسنة، أو حُطّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين من قبل نفسه، كتبت له ثلاثونَ حسنة، أو حطَّت عنه ثلاثون سيئة". وقد روي هذا عن كعبٍ من قوله، وقيل: إنَّه أصحُّ من المرفوع (١). وقولُه ﷺ : "والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ"، وفي بعض نسخ "صحيح مسلم": "والصيام ضياءٌ"، فهذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوع من أنواعِ النُّور، فالصَّلاةُ نورٌ مطلق، ويُروى بإسنادين فيهما نظر عن أنسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الصلاةُ نورُ المؤمنِ" (٢)، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النبيّ ﷺ يقول: "جعلت قُرَّةٌ عيني في الصلاة" خرَّجه أحمد والنسائي (٣). وفي رواية: "الجائع يشبع، والظمآنُ يَروى، وأنا لا أشبع من حُبِّ

стр. 539

الصلاة" (١). وفي "المسند" (٢) عن ابن عباس، قال: قال جبريلُ للنبيِّ ﷺ : إن الله قد حبَّبَ إليكَ الصَّلاةَ، فخُذْ منها ما شئت. وخرَّج أبو داود (٣) من حديث رجلٍ من خزاعةَ أن النبيَّ ﷺ قال: "يا بلالُ، أقمِ الصَّلاةَ وأرِحْنا بها". قال مالك بن دينار: قرأتُ في التوراة: يا ابن آدم، لا تَعْجِزْ أن تقومَ بين يديَّ في صلاتِك باكيًا، فأنا الذي اقتربتُ بقلبك وبالغيب رأيت نوري، يعني: ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرِّقة والبكاء (٤). وخرَّج الطبراني من حديث عُبادة بن الصامت مرفوعًا: "إذا حافظ العَبْدُ على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حَفِظكَ الله كما حَفِظتني، وصُعِدَ بها إلى السَّماء، ولها نورٌ حتَّى تنتهي إلى الله ، فتشفع لصاحبها" (٥). وهي نورٌ للمؤمنين في قبورهم، ولا سِيَّما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء: صلُّوا ركعتين في ظُلَم اللَّيلِ لِظلمة القبور. وكانت رابعةُ قد فَتَرَتْ عن وِرْدها باللَّيلِ مُدَّةً، فأتاها آت في منامها فأنشدها:

стр. 540

صلاتُك نورٌ والعبادُ رُقُودُ … ونومُكِ ضِدُّ للصَّلاةِ عنيدُ وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي "المسند" و "صحيح ابن حبان" عن عبد الله بن عمرو عن النبيِّ ﷺ أنه ذكر الصلاة، فقال: "من حافظ عليها، كانت له نورًا وبُرهانًا ونجاةً يَوْمَ القيامة، ومَنْ لم يُحافِظْ عليها، لم يكن له نور ولا نجاة ولا بُرهانٌ" (١). وخرَّج الطبراني بإسنادٍ فيه نظرٌ من حديث ابن عباس وأبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : "من صلَّى الصلوات الخمسَ في جماعة، جاز على الصِّراط كالبرقِ اللَّامع في أوَّلِ زُمرةٍ من السابقين، وجاء يومَ القيامة ووجهُه كالقمر ليلَةَ البدرِ" (٢). وأمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه حديثُ أبي موسى أن روحَ المؤمن تخرُج مِنْ جسده لها برهان كبرهانِ الشَّمس، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري، عن النبي ﷺ : "ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وحدَه، وأنه لا إله إلا الله، وأدَّى زكاةَ ماله طيِّبَةً بها نفسُه رافِدةً عليه في كُلِّ عامٍ" وذكر الحديثَ، خرَّجه أبو داود (٣).

стр. 541

وقد ذكرنا قريبًا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعلُ ذلك إلا مؤمن. وسبب هذا أنَّ المالَ تحبُّه النُّفوسُ، وتبخَلُ به، فإذا سمحت بإخراجه للهِ دلَّ على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العربُ الزكاة بعدَ النبيِّ ﷺ ، وقاتلهم الصدِّيقُ ﵁ على منعها، والصلاةُ أيضًا برهانٌ على صحة الإسلام. وقد خرَّج الإمامُ أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ ﷺ قال: "الصلاة برهان" (١). وقد ذكرنا في شرح حديث: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتَّى يشهدوا أن لا إنه إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيمُوا الصلاة ويؤتوا الزَّكاة" (٢) أن الصلاةَ هي الفارقةُ بين الكفرِ والإسلام، وهي أيضًا أوَّل ما يُحاسَبُ به المرءُ يومَ القيامةِ، فإن تمَّت صلاتُه، فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنَّها تكونُ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة (٣). وأمَّا الصبرُ، فإنَّه ضياء، والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ

стр. 542

الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورًا كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال. ووصف شريعةَ محمَّدٍ ﷺ بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أن يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل. والصبر المحمود أنواع: منه صبرٌ على طاعةِ الله ، ومنه صبرٌ عن معاصي الله ، ومنه صبرٌ على أقدار الله ، والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَّماتِ أفضلُ من الصَّبرِ على الأقدار المؤلمة، صرّح بذلك السلف، منهم سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيفٍ من حديث عليٍّ مرفوعًا "إنَّ الصَّبرَ على المصيبة يُكتب به للعبد ثلاث مئة درجة، وإنَّ الصَّبر على الطاعة يكتب له به ست مئة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسع مئة درجة"، وقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابن جرير الطبري (١).

стр. 543

ومن أفضل أنواع الصبر: الصيامُ، فإنَّه يجمعُ الصبرَ على الأنواع الثَّلاثةِ، لأنَّه صبرٌ على طاعةِ الله ، وصبرٌ عن معاصي الله، لأنَّ العبدَ يتركُ شهواتِه لله ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا في الحديث الصحيح: "إنَّ الله يقولُ: كُلُّ عمل ابن آدمَ له إلَّا الصِّيامُ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، إنه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه منَ أجلي" (١)، وفيه أيضًا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصُلُ للصَّائم من الجوع والعطش، وكان النبيُّ ﷺ يسمِّي شهرَ الصِّيام شهرَ الصَّبر (٢). وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم عن النبيِّ ﷺ : أن الصوم نصفُ الصبر، وربما عُسر الوقوف على سرِّ كونه نصفَ الصبر أكثر من عُسر الوقوف على سرِّ كونِ الطهور شطر الإيمان، والله أعلم. وقوله ﷺ : "والقرآنُ حجةٌ لك أو عليك"، قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. قال بعضُ السلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ، فقام عنه سالمًا؛ بل إمَّا أن يربح أو أن يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُمَثَّلُ

стр. 544

القُرآن يومَ القيامة رجلًا، فيؤتى بالرَّجُلِ قد حمله، فخالف أمره، فيتمثَّلُ له خصمًا، فيقول: يا ربِّ حمَّلتَه إيَّاي فشَرُّ (١): حامل تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحُجَجِ حتَّى يقالَ: شأنك به، فيأخذ بيده، فما يرسلُه حتَّى يكبَّه على مِنخَرِهِ في النَّار، ويُؤتى بالرَّجل الصَّالح كان قد حمله، وحفظ أمرَهُ، فيتمثَّلُ خصمًا دونه، فيقول: يا ربِّ، حمَّلتَه إيَّاي، فخيرُ حاملٍ: حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزالُ يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسلُه حتَّى يُلبسَه حلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاجَ المُلك، ويسقيه كأسَ الخمر" (٢). وقال ابنُ مسعود: القرآنُ شافع مُشفَّع وماحلٌ مصدَّق، فمن جعله أمامَه، قادَهُ إلى الجنَّةِ، ومن جعله خَلْفَ ظهره، قاده إلى النار (٣). وعنه قال: يجيءُ القرآنُ يومَ القيامة، فيشفع لِصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار.

стр. 545

وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم وِزرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يتبعُكُم القرآن، فإنَّه مَنِ اتَّبعَ القرآنَ، هبط به على رياضِ الجَنَّةِ، ومن اتَّبعه القرآنُ، زخَّ في قفاه، فقذفه في النار (١). قوله ﷺ : "كلُّ النَّاس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبقها" وخرَّج الإمامُ أحمد، وابنُ حبان من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ ﷺ قال: "النَّاسُ غاديان، فمبتاعٌ نفسه، فمعتق نفسه وموبقها" (٢). وفي رواية خرَّجها الطبراني (٣): "الناس غاديان، فبائعٌ نفسه فموبِقُها، وفَادٍ نفسه فمُعتِقها". وقال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النَّفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب. ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ

стр. 546

وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ حين أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشرَ قريشٍ، اشترُوا أنفسَكُم مِنَ اللهِ، لا أُغني عنكُم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم مِنَ اللهِ شيئًا"، وفي رواية للبخاري: "يا بني عبدِ مناف، اشترُوا أنفسَكُم من اللهِ، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا عمَّة رسولِ الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما مِنَ اللهِ، لا أملِكُ لكُما من الله شيئًا". وفي رواية لمسلم أنَّه دعا قريشًا، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا بني كعب بن لؤي أنقِذُوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقِذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا" (١). وخرَّج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده ألفَ مرَّة، فقد اشترى نفسه مِنَ الله تعالى، وكان من آخر يومه عتيقًا مِنَ النَّار" (٢). وقد اشترى جماعةٌ من السَّلف أنفسَهم من الله بأموالهم، فمنهم

стр. 547

من تصدَّق بماله كحبيب أبي محمد (١)، ومنهم مَنْ تصدَّق بوزنه فضة ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعًا، كخالد الطحَّان (٢). ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة، وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه، كأنه قد قتل نفسه، فهو يَفْتَكُّها بديتها. قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمنُ شيئًا حتَّى يلقى الله . وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدًا. قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبدًا، قال: فوالله ما نسيتُها بعد (٣). وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت، لم أجد أخرى. وقال محمد بن الحنفية: إن الله جعل الجنَّة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها (٤). وقال: من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر (٥). وقيل له: من أعظمُ الناس قدرًا؟ قال: من لم ير الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطرًا. وأنشد بعضُ المتقدمين:

стр. 548

أثامِنُ بالنفس النفيسةِ ربَّها … ولَيسَ لها في الخلق كُلِّهم ثَمَنْ بها تُملك الأخرى فإن أنا بِعتُهَا … بشيءٍ من الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها … لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ

стр. 549

الحديث الرابع والعشرون عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبيّ ﷺ فيما يَروي عَنْ ربِّه أنه قالَ: "يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فلا تَظالموا، يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَديتُهُ فاستهدُونِي أهدِكُم، يا عِبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمتُهُ، فاستطعمونِي أطعِمْكُم، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلَّا مَنْ كَسوْتُهُ، فاستَكْسونِي أَكسكُمْ، يا عَبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأَنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا، فاستَغفِرونِي أَغفر لكُمْ. يا عِبادي إنَّكُمْ لَنْ تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، ولَن تَبلُغُوا نَفْعِي فَتَنفَعونِي. يا عِبادي لو أن أوَّلَكُم وآخِركُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا عَلى أَتْقى قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ منكُم، ما زَادَ ذلكَ في مُلكِي شَيئًا، يا عِبادي لَوْ أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلب رَجُلٍ واحِدٍ منكُم، ما نَقَص ذلك من مُلكِي شَيئًا، يا عِبادي لَوْ أَنَّ أوَّلَكُم وَآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نَقَص ذلكَ مِمَّا عِندي إلَّا كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ. يا عِبادي، إنَّما هِيَ أعمالُكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثمَّ أوفيكُم إيَّاها، فَمَنْ وجَدَ خَيرًا، فليَحْمَدِ الله، ومَنْ وَجَدَ غَيرَ ذلكَ، فَلا يَلومَنَّ إلَّا نَفسه". رواهُ مسلمٌ (١).

стр. 550

هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ، وفي آخره: قال سعيدُ بنُ عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّثَ بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وخرَّجه مسلم أيضًا من رواية قتادة عن أبي قِلابة عن أبي أسماء الرَّحَبِي عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ ، ولم يَسُقْه بلفظه، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتمُّ. وخرَّجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، من رواية شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقولُ الله تعالى: يا عبادي، كُلُّكم ضالٌّ إلَّا مَنْ هَديتُ، فسلوني الهدى أهدِكُم، وكلُّكم فقيرٌ إلَّا من أغنيتُ فسلوني أرزقكم، وكلُّكُم مذنبٌ إلا من عافيت، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستَغفرني، غفرتُ له ولا أُبالي، ولو أن أوَّلكم وآخركم وحيَّكم وميِّتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبدٍ من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناحَ بعوضة، ولو أن أوَّلكم وآخركم وحيَّكَم وميتَكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيدٍ واحد، فسأل كلُّ إنسان منكم ما بلغتْ أمنيته فأعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدَكم مرَّ بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعلُ ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقولَ له: كن فيكون" وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن. وخرَّجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبيِّ ﷺ ، إلَّا أن إسناده ضعيف (١).

стр. 551

وحديث أبي ذرٍّ قال الإمام أحمد: هو أشرفُ حديثٍ لأهلِ الشام (١). فقوله ﷺ فيما يروي عن ربه: "يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي"، يعني: أنَّه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال : ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ

стр. 552

الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، والهضمُ: أن يُنقَصَ من جزاء حسناته، والظُّلم: أن يُعاقب بذنوب غيره، ومثل هذا كثير في القرآن. وهو مما يدلُّ على أنَّ الله قادرٌ على الظلم، ولكنه لا يفعلُه فضلًا منه وجودًا، وكرمًا وإحسانًا إلى عباده. وقد فسر كثيرٌ من العلماء الظلمَ: بأنه وضعُ الأشياء في غير موضعها. وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إنَّ الظُّلمَ مستحيلٌ عليه وغيرُه متصوَّرٌ في حقِّه، لأن كلَّ ما يفعله فهو تصرُّفٌ في ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لِعمران بن حصين حين سأله عن القدر (١). وخرَّج أبو داود، وابنُ ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الدَّيلَمي أنَّه سمع أبيَّ بن كعبٍ يقول: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذَّبهم وهو غيرُ ظالِمٍ لهم، ولو رَحِمَهُم، لكانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم، وأنه أتى ابن مسعود، فقال له مثلَ ذلك، ثم أتى زيدَ بن ثابت، فحدَّثه عن النبيِّ ﷺ بمثل ذلك (٢). وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالدٍ ليس بذاك المشهور بالعلم (٣). وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذ.

стр. 553

وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم ، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه، فإنَّه لا يُوصَفُ إلَّا بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم. وقوله: "وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا" يعني: أنه تعالى حرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أن يظلِمَ غيرَه، مع أن الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقًا، وهو نوعان: أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ. والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "إنَّ دماءَكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (١). وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النَّحر، وفي اليوم الثاني من أيَّام التشريق، وفي رواية: ثم قال: "اسمعوا منِّي تعيشوا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا

стр. 554

تظلموا، إنَّه لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا عن طيبِ نفسٍ منه" (١). وفي "الصحيحين" عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة" (٢). وفيهما عن أبي موسى عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن الله لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أَخَذَه لم يُفْلِته"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣). وفي "صحيح البخاري" (٤) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أن يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنَّ لم يكن له حسناتٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه". قوله: "يا عبادي، كلُّكُم ضالٌّ إلَّا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادِي، كُلُّكم جائِعٌ إلَّا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلَّا من كَسوتُهُ، فاستكسوني أكسكُم، يا عبادي إنَّكم تُخطئون باللَّيل والنَّهار، وأنا أغفرُ الذُّنوب جَميعًا، فاستغفروني أغفر لكم". هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم، وأنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئًا مِنْ ذلك كلِّه، وأنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا،

стр. 555

ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وقال تعالى حاكيًا عن آدم وزوجه أنَّهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن نوح ﵊ أنَّه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ بتفرد الله بهذه الأمور على أنَّه لا إله غيره، وأنَّ كلَّ ما أشرك معه، فباطل، فقال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢]، فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحقٌّ أن يُفرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه والاستكانة له. قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. "وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الله يحبُّ أن يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية

стр. 556

والمغفرة، وفي الحديث: "ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع" (١). وكان بعضُ السلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتَّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته. وفي الإسرائيليات أن موسى ﵇ قال: يا ربّ إنه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك. فإن كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهرَ حاجتَه فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يحبُّه الله، وكان بعضُ السلف يستحي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا، والاقتداءُ بالسُّنَّة أولى. وقوله: "كُلُّكم ضالٌّ إلَّا مَنْ هديتُه" قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لِحديث عياض بن حمار، عن النبيِّ ﷺ : "يقولُ اللهُ : خلقتُ عبادي حنفاء" وفي رواية: "مسلمين فاجتالتهم الشياطين" (٢) وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دونَ غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوَّة، لكن لا بدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئًا، كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، والمراد: وجدَك غيرَ عالمٍ بما علَّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإنَّ هداه الله سبَّب له من يعلمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل بعد أن كان مهتديًا بالقوَّة، وإن خذله الله، قيَّض له من يعلمه ما يُغير فطرته كما قال ﷺ : "كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة،

стр. 557

فأبواه يهوِّدانه ويُنصرانه ويمجسانه" (١). وأما سؤالُ المؤمن من الله الهداية، فإن الهدايةَ نوعان: هداية مجملة وهي الهدايةُ للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن، وهدايةٌ مفصلة، وهي هدايته إلى معرفة تفاصيلِ أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلًا ونهارًا، ولهذا أمر الله عباده أن يقرؤوا في كلِّ ركعة من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وكان النبيُّ ﷺ يقول في دعائه باللَّيلِ: "اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم" (٢)، ولهذا يُشمت العاطس، فيقال له: "يرحمك الله" فيقول: "يهديكم الله" كما جاءت السنة بذلك، وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنًا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدعى له بالهُدى، وخالفهم جمهورُ العلماء اتباعًا للسنة في ذلك. وقد أمر النبيُّ ﷺ عليًا أن يسأل الله السداد والهدى (٣)، وعلَّم الحسن أن يقولَ في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت" (٤).

стр. 558

وأما الاستغفارُ من الذنوب، فهو طلبُ المغفرة، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه، لأنه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرَّر في القرآن ذكر التوبة والاستغفارِ، والأمرُ بهما، والحثّ عليهما، وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من حديث أنسٍ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون" (١). وخرَّج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "والله إنِّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" وخرَّجه النسائي وابن ماجه، ولفظُهما: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم مئة مرة" (٢). وخرَّج مسلم من حديث الأغرِّ المزني سمع النبيَّ ﷺ يقولُ: "يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم، فإني أتوبُ إليه في اليوم مئة مرة"، وخرَّجه النسائي، ولفظه: "يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم واستغفروه، فإنِّي أتوب إلى الله وأستغفره كلَّ يوم مئة مرَّة" (٣). وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث حُذيفة قال: كان في لساني ذَرَبٌ على أهلي لم أَعْدُهُ إلى غيرِه، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أين أنتَ مِنَ الاستغفار يا حُذيفَةُ، إنِّي لأستغفرُ الله كل يوم مئة مرَّة" (٤). ومن حديث أبي موسى عن النبيِّ

стр. 559

- ﷺ ، قال: "إنِّي لأستغفر الله كل يوم مئة مرّة وأتوب إليه" (١). وخرَّج النسائي (٢) من حديث أبي موسى، قال: كنَّا جلوسًا، فجاء النبيُّ ﷺ ، فقال: "ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرت الله مئة مرة". وخرَّج الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: إن كنَّا لنُعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرَّة يقول: "ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنَّك أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيم" (٣). وخرَّج النسائي (٤) من حديث أبي هريرة، قال: لم أر أحدًا أكثرَ أن يقول: أستغفرُ الله وأتوبُ إليه من رسول الله ﷺ . وخرَّج الإِمامُ أحمد من حديث عائشة عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يقول: "اللهمَّ اجعلني مِنَ الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا" (٥)، وسنذكر بقية

стр. 560

الكلام في الاستغفار فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: "يا عبادي، إنَّكم لن تبلُغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" يعني: أنَّ العباد لا يَقدِرُونَ أنْ يُوصِلُوا إلى الله نفعًا ولا ضَرًّا، فإنَّ الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجةَ له بطاعات العباد، ولا يعودُ نفعُها إليه، وإنَّما هُم ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم، وإنَّما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]. وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: "ومَنْ يعصِ الله ورسولَه، فقد غوى، ولا يضرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ الله شيئًا" (١). قال الله : ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]، وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. والمعنى: أنَّه تعالى يُحبُّ من عباده أن يتَّقوهُ ويُطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يَعْصُوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدَّ من فرح من ضَلَّتْ راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه بفلاةٍ مِنَ الأرض، وطلبها حتى أعيى وأَيِسَ منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينُه فنام، فاستيقظ وهي قائمةٌ عنده وهذا أعلى ما يتصوره المخلوقُ من الفرح، هذا كلُّه مع غناه عن طاعات عباده

стр. 561

وتوباتهم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُهَا إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضَرر عنهم، فهو يُحِبُّ من عباده أن يعرفوه ويحبُّوه ويخافوه ويتَّقوه ويطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحِبُّ أن يعلموا أنَّه لا يغفر الذنوب غيره، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذرّ لهذا الحديث: "من علم منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرة، ثم استغفرني، غفرت له ولا أبالي". وفي الصحيح عن النبيِّ ﷺ "أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: يا ربّ، إنِّي عملتُ ذنبًا، فاغفر لي؛ فقال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي" (١). وفي حديث علي بن أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ أنَّه لمَّا ركب دابَّته، حَمِد الله ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وقال: "سبحانك إني ظلمتُ نفسي، فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذنوبَ إلَّا أنت، ثمَّ ضحك، وقال: إنَّ ربَّك ليعجَبُ مِنْ عبده إذا قال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيري"، خرجه الإِمامُ أحمد والترمذي وصححه (٢). وفي الصحيح عن النبيِّ ﷺ ، قال: "والله للهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها" (٣). كان بعضُ أصحاب ذي النون يطوفُ وينادي: آه أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعضَ السكك، فوجد صبيًا يبكي وأمه تضرِبُه، ثم أخرجته من الدار، وأغلقت البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالًا لا يدري أين يذهب ولا

стр. 562

أين يقصِدُ، فرجع إلى باب الدار، فجعلَ يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غضبتِ عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. وتفكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإنَّ فيه إشارةً إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهربٍ يهرُب إليه إلَّا هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النبيُّ ﷺ يقول في دعائه: "لا ملجأ، ولا مَنجَا منك إلَّا إليك" (١) وكان يقول: "أعوذُ برضاكَ مِنْ سَخَطِك، وبعفوك من عقوبتك، وبِكَ منكَ" (٢).

стр. 563

قال الفضيلُ بنُ عياض ﵀: ما مِنْ ليلةٍ اختلط ظلامُها، وأرخى اللَّيلُ سِربالَ سَترها، إلَّا نادى الجليلُ ﷻ : مَنْ أعظمُ منِّي جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقبٌ، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنَّهم لم يعصوني، وأتولَّى حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم، أجودُ بالفضل على العاصي، وأتفضَّلُ على المسيءِ، مَنْ ذا الذي دعاني فلم أُلبِّه؟، أم مَنْ ذا الذي سألني فلم أعطِه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحَّيتُه؟ أنا الفضلُ، ومنِّي الفضل، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ، ومني الكرمُ، ومن كرمي أن أغفرَ للعاصين بعدَ المعاصي، ومن كرمي أنْ أُعطي العبد ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أُعطي التَّائبَ كأنَّه لم يعصني، فاين عني يهرُبُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصون؟ خرَّجه أبو نعيم (١). ولبعضهم في المعنى. أسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتُكَ تائبًا … وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مَهْرَبُ يُؤَمِّلُ غُفَرانًا فإنْ خَابَ ظَنُّه … فما أَحَدٌ منه على الأرضِ أخيبُ فقوله بعدَ هذا: "يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا": هو إشارةٌ إلى أن مُلكه لا يزيدُ بطَاعة الخلق، ولو كانوا كلُّهم بررةً أتقياءَ، قلوبُهم على قلب أتقى رجلٍ منهم، ولا يَنقُصُ مُلكُهُ بمعصية العاصين، ولو كان الجنُّ والإِنسُ كلُّهم عصاةً فجرةً قلولُهم على قلب أفجرِ رجلٍ منهم، فإنَّه سبحانه الغنيُّ بذاته عمَّن سواه، وله الكمالُ المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فَمُلكُهُ ملكٌ كاملٌ لا نقص فيه بوجه

стр. 564

من الوجوه على أيِّ وجهٍ كان. ومِنَ النَّاس مَنْ قال: إنَّ إيجاده لخلقِه على هذا الوجه الموجود أكملُ من إيجاده على غيره، وهو خيرٌ من وجوده على غيره، وما فيه من الشَّرِّ، فهو شرٌّ إضافيٌّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دونَ بعض، وليس شرًا مطلقًا، بحيث يكونُ عدمُه خيرًا من وجوده من كلِّ وجه، بل وجودُه خيرٌ من عدمه، قال: وهذا معنى قوله: "بيده الخيرُ" ومعنى قول النبيِّ ﷺ : "والشر ليس إليك" يعني: أن الشَّرَّ المحضَ الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجودًا في ملككَ، فإنَّ الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قومًا من خلقه بالفضل، وترك آخرينَ منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وهذا فيه نظرٌ، وهو يُخالِفُ ما في هذا الحديث مِنْ أن جميعَ الخلق لو كانوا على صفةِ أكمل خلقه من البرِّ والتقوى، لم يزد ذلك ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقصِ خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فدلَّ على أن ملكه كاملٌ على أيِّ وجهٍ كان لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا يَنقُصُ بالمعاصي، ولا يؤثِّرُ فيه شيء. وفي هذا الكلام دليلٌ على أن الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقى برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ، كما قال النبيُّ ﷺ : "التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره (١). قوله: "يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقصَ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ" المرادُ بهذا ذكرُ كمال قدرته سبحانه، وكمال

стр. 565

ملكه، وأن مُلكَهُ وخزائنَه لا تَنفَدُ، ولا تَنقُصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثٌّ للخلق على سؤالهِ وإنزالِ حوائجهم به، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يَدُ الله ملأى، لا تَغِيضُها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلُ والنهارُ، أفرأيتم ما أنفقَ منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يَمينه" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا دعا أَحَدُكم، فلا يَقُل: الَّلهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألَة، وليُعَظِّم الرَّغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمُهُ شيءٌ". وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: إذا دعوتُم الله، فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإنَّ الله لا مستكره له. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله : أيُؤَمَّلُ غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحيُّ القيُّوم؟ ويُرجى غيري، ويُطرق بابُه بالبكرات، وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أمَّلني لنائبة فقطعت به؟ أو مَنْ ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت رجاءه؟ أو مَنْ ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غايةُ الآمالِ، فكيف تنقطعُ الآمالُ دوني؟ أبخيلٌ أنا فيبخِّلُني عبدي؟ أليس الدُّنيا والآخرة والكرم والفضلُ كُلُّه لي؟ فما يمنع المؤمِّلين أن يؤمِّلوني؟ لو جمعتُ أهل السماوات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغْتُ كلَّ واحدٍ منهم أملَه، لم يَنقُصْ ذلك مِنْ مُلكي عضو ذرَّةٍ، كيف ينقُصُ ملكٌ أنا قَيِّمُه؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثَّب على محارمي.
следующие страницы →