← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقال يونس بنُ عبيد: ما رأيتُ أحدًا لسانه منه على بال إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله (١). وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلَّا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قط، إلا عرفت ذلك في سائر عمله (٢). وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كله غيرَ اللسان، فإنك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار، ويُفطر على حرام، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكرَ أشياءَ نحو هذا - ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا (٣).

стр. 667

الحديث الثلاثون عَنْ أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِّي ﵁، عَن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ الله فَرَضَ فَرائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فلا تَعْتَدوها، وحَرَّمَ أشْياءَ، فلا تَنتهكوها، وسَكَتَ عنْ أشياءَ رَحْمةً لكُم غَيْرَ نِسيانٍ، فلا تَبحَثوا عَنْها". حديثٌ حسنٌ، رواه الدَّارقطنيُّ وغيرُهُ (١). هذا الحديثُ من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان: إحداهما: أن مكحولًا لم يصحّ له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نُعيم الحافظ وغيرهما. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصَّواب المرفوعُ، قال: وهو أشهرُ. وقد حسَّن الشيخُ ﵀ هذا الحديث، وكذلك حسنه قبلَه الحافظ أبو بكر بن السمعاني في "أماليه". وقد رُوي معنى هذا الحديث مرفوعًا من وجوه أُخر، خرَّجه البزار في

стр. 668

"مسنده" والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما أحلَّ الله في كتابه، فهو حلالٌ، وما حرَّم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من اللهِ عافيتَهُ، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا" ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح (١). وخرَّجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ بمثل حديث أبي ثعلبة، وقال في آخره: "رحمة من الله، فاقبلوها" (٢)، ولكن إسناده ضعيف. وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عَن السَّمن والجُبن والفراء، فقال: "الحلالُ ما أحلَّ الله في كتابه، والحرامُ ما حرَّمَ الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه" (٣). وقال الترمذي: رواه سفيان - يغني ابن عيينة - عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان من قوله، قال: وكأنه أصحُّ. وذكر في كتاب "العلل" (٤) عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظًا، وقال أحمد: هو منكر،

стр. 669

وأنكره ابنُ معين أيضًا، وقال أبو حاتم الرازي (١): هو خطأ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان، عن النبيّ ﷺ مرسلًا ليس فيه سلمان. قلت: وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر. وخرَّجه ابن عدي (٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا وضعف إسناده. ورواه صالح المري، عن الجُريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة مرفوعًا، وأخطأ في إسناده (٣). وروي عن الحسن مرسلًا (٤). وخرَّج أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيَّه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله وحرَّم حرامه، فما أحلَّ، فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، وهذا موقوف (٥). وقال عُبيد بن عمير: إنَّ الله أحلَّ حلالًا وحرَّم حرامًا، وما أحلَّ، فهو حلال، وما حرَّم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفوٌ. فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعةَ أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكامَ الدين كلَّها.

стр. 670

قال أبو بكر بن السمعاني: هذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ من أصولِ الدِّين، قال: وحُكي عن بعضهم أنَّه قال: ليس في أحاديث رسولِ الله ﷺ حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده لأصولِ العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحُكي عن أبي واثلة المزني أنه قال: جَمَعَ رسولُ الله ﷺ الدِّين في أربعِ كلماتٍ، ثم ذكر حديثَ أبي ثعلبة. قال ابنُ السمعاني: فمن عمِلَ بهذا الحديث، فقد حاز الثَّواب، وأمِنَ العقابَ؛ لأنَّ من أدَّى الفرائضَ، واجتنب المحارم، ووقف عندَ الحدودِ، وترك البحث عمَّا غاب عنه، فقد استوفى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّين، لأنَّ الشرائع لا تخرُج عَنْ هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث. انتهى. فأما الفرائض، فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به، كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ. وقدِ اختلفَ العلماء: هل الواجبُ والفرضُ بمعنى واحد أم لا؟ فمنهم من قال: هما سواء، وكلُّ واجب بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو غيرِ ذلك من أدلة الشرع، فهو فرضٌ، وهو المشهور عن أصَّحاب الشافعي وغيرهم، وحُكي رواية عن أحمد، لأنه قال: كلُّ ما في الصلاة فهو فرضٌ. ومنهم من قال: بل الفرضُ ما ثبتَ بدليلٍ مقطوع به، والواجبُ ما ثبت بغير مقطوع به، وهو قولُ الحنفيَّةِ وغيرهم. وأكثر النُّصوص عن أحمد تُفرِّق بين الفرض والواجب، فنقلَ جماعةٌ مِنْ أصحابه عنه أنه قال: لا يُسمَّى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر: ما أجترئ أن أقول: إنَّها فرضٌ، مع أنه يقول بوجوبها، فمِنْ أصحابنا مَنْ قال: مراده أن الفرض: ما ثبت بالكتاب، والواجب: ما ثبت بالسنَّة، ومنهم من قال: أراد أن الفرض: ما ثبت بالاستفاضة والنَّقل المتواتر، والواجب: ما ثبت مِنْ جهة الاجتهاد، وساغ الخلافُ في وجوبه.

стр. 671

ويُشْكِلُ على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في برِّ الوالدين: ليس بفرضٍ، ولكن أقولُ: واجب ما لم يكن معصية، وبر الوالدين مجمَعٌ على وجوبه، وقد كثُرتِ الأوامرُ به في الكتاب والسُّنَّة، فظاهرُ هذا أنَّه لا يقول: فرضًا إلَّا ما ورد في الكتاب والسنة تسميته فرضًا. وقدِ اختلفَ السَّلفُ في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: هل يُسمَّى فريضةً أم لا؟ فقال جويبر عن الضحاك: هما مِنْ فرائض الله ، وكذا رُوي عَنْ مالك. وروى عبدُ الواحد بن زيد، عن الحسن؛ قال: ليسَ بفريضةٍ، كان فريضةً على بني إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة لِضعفهم، فجعله عليهم نافلة. وكتب عبدُ الله بن شبرمة إلى عمرو بن عُبيد أبياتًا مشهورةً أولها: الأمْرُ بالمعروفِ يا عمرو نافِلَةٌ … والقَائِمونَ بِه للهِ أَنْصارُ واختلف كلامُ أحمد فيه: هل يُسمَّى واجبًا أم لا؟ فروى عنه جماعةٌ ما يدلُّ على وجوبه، وروى عنه أبو داود في الرجل يرى الطُّنبورَ ونحوَه: أواجبٌ عليه تغييره؟ قال: ما أدري ما واجب إن غيَّر، فهو فضل. وقال إسحاق بن راهويه: هو واجبٌ على كل مسلم، إلَّا أن يخشى على نفسه، ولعل أحمد يتوقَّفُ في إطلاق الواجب على ما ليس بواجبٍ على الأعيان، بل على الكفاية. وقد اختلف العلماءُ في الجهاد: هل هو واجبٌ أم لا؟ فأنكر جماعةٌ منهم وجوبَه، منهم: عطاء، وعمرو بنُ دينار، وابنُ شبرمة، ولعلَّهم أرادوا هذا المعنى، وقالت طائفة: هو واجبٌ، منهم: سعيدُ بن المسيّب، ومكحولٌ، ولعلَّهما أرادا وجوبَه على الكفاية.

стр. 672

وقال أحمد في رواية حنبل: الغزوُ واجبٌ على النَّاس كلَّهم كوجوب الحجِّ، فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم، ولا بدَّ للناس من الغزو. وسأله المروذي عن الجهاد: أفرضٌ هو؟ قال: قد اختلفوا فيه، وليس هو مثلَ الحجِّ، ومرادُه: أن الحجَّ لا يسقطُ عمَّن لم يحجَّ مع الاستطاعة بحجِّ غيره، بخلاف الجهاد. وسُئِلَ عن النَّفير: متى يجب؟ فقال: أما إيجابٌ فلا أدري، ولكن إذا خافوا على أنفسهم، فعليهم أن يخرُجوا. وظاهر هذا التوقُّف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظُ الإيجاب تورُّعًا، ولذلك توقف في إطلاق لفظ الحرام على ما اختُلِفَ فيه، وتعارضت أدلتُه من نصوص الكتاب أو السنة، فقال في متعة النساء: لا أقولُ: هي حرامٌ، ولكن يُنهى عنه، ولم يتوقَّف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه، لاختلاف النصوصِ والصحابةِ فيها، هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد. وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: لا أقولُ: حرام، ولكن يُنهى عنه، والصَّحيح في تفسيره أنه توقَّف في إطلاق لفظة الحرام دون معناها، وهذا كله على سبيل الورع في الكلام؟ حذرًا من الدُّخول تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. قال الربيعُ بن خثيم: ليتق أحدُكم أن يقولَ: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، فيقولُ الله: كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا ولم أحرَّم كذا (١). وقال ابنُ وهب: سمعتُ مالك بنَ أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل: أكره هذا، ولا أحبُّه، ولا يقول: حلال ولا حرام.

стр. 673

وأما ما حُكي عن أحمد أنه قال: كلُّ ما في الصلاة فهو فرض، فليس كلامه كذلك وإنما نقل عنه ابنُه عبد الله أنه قال: كلّ شيءٍ في الصلاة مما وكَّده (١) الله، فهو فرض، وهذا يعود إلى معنى قوله: إنه لا فرض إلَّا ما في القرآن والذي وكَّده الله من أمر الصلاة القيامُ والقراءة والرجوع والسجود، وإنما قال أحمد هذا، لأنَّ بعضَ النَّاس كان يقول: الصَّلاةُ فرض، والرُّكوع والسجود لا أقول: إنه فرضٌ، ولكنه سنَّةٌ (٢). وقد سُئِلَ مالك بنُ أنس عمن يقول ذلك، فكفَّره، فقيل له: إنَّه يتأوَّل، فلعنه، وقال: لقد قال قولًا عظيمًا. وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب "مناقب مالك" من وجوه عنه. وروى أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن ميمون بن الرماح، قال: دخلتُ على مالكِ بن أنسٍ، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصَّلاة من فريضةٍ وما فيها من سنةٍ، أو قال: نافلة؟ فقال مالك: كلامُ الزنادقة أخرِجوه (٣). ونقل إسحاق بن منصور عن إسحاق بن راهويه أنَّه أنكر تقسيمَ أجزاءِ الصَّلاة إلى سنَّةٍ وواجب، فقال: كل ما في الصَّلاة، فهو واجبٌ، وأشار إلى أن منه ما تُعادُ الصَّلاةُ بتركه، ومنه لا تعاد. وسببُ هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السُّنَّة قد يُفضي إلى التَّهاونِ بفعل ذلك، وإلى الزُّهد فيه وتركه، وهذا خلافُ مقصودِ الشارع مِنَ الحثِّ عليه، والتَّرغيب فيه بالطُّرق المؤدِّيةِ إلى فعله وتحصيله، فإطلاقُ لفظ الواجب أَدْعى إلى الإتيان به، والرغبة فيه.

стр. 674

وقد ورد إطلاقُ الواجب في كلام الشَّارع على ما لا يأثمُ بتركه، ولا يُعاقب عليه عندَ الأكثرين، كغُسلِ الجمعة، وكذلك ليلة الضَّيفِ عندَ كثيرٍ من العلماء أو أكثرهم، وإنَّما المرادُ به المبالغةُ في الحثِّ على فعله وتأكيده. وأمَّا المحارم، فهي التي حماها الله تعالى، ومنع من قُربانها وارتكابها وانتهاكها، والمحرَّمات المقطوعُ بها مذكورة في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ٥١] إلى آخرَ الآيات الثلاثة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقد ذكر في بعض الآيات المحرَّمات المختصة بنوع من الأنواع كما ذكر المحرّمات من المطاعم في مواضع، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل:١١٥]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]. وذكَر المحرّمات في النكاح في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. وذكر المحرمات من المكاسب في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 675

وأما السنة، ففيها ذكر كثيرٍ من المحرمات، كقوله ﷺ : "إنَّ الله حرَّم بَيْعَ الخمر والميتة والخنزير والأصنام" (١). وقوله: "إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه" (٢). وقوله: "كلُّ مسكرٍ حرام" (٣). وقوله: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضكم عليكم حرام" (٤). فما ورد التَّصريحُ بتحريمه في الكتاب والسنة، فهو محرّم. وقد يستفادُ التحريمُ من النَّهي مع الوعيد والتَّشديدِ، كما في قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وأما النهي المجرد، فقد اختلفَ الناسُ: هل يُستفاد منه التَّحريمُ أم لا؟ وقد روي عن ابن عمر إنكارُ استفادة التحريم منه. قال ابنُ المبارك: أخبرنا سلَّامُ بن أبي مطيع، عن ابن أبي دخيلةَ، عن أبيه، قال: كنتُ عندَ ابن عمر، فقال: نهى رسول الله ﷺ عَنِ الزَّبيب والتَّمر، يعني: أن يُخلطا، فقال لي رجل من خلفى: ما قال؟ فقلت: حرَّم رسولُ الله ﷺ الزبيب والتمر، فقال عبد الله بنُ عمر: كذبتَ، فقلتُ: ألم تقل: نهى رسولُ الله ﷺ عنه، فهو حرامٌ؟ فقال: أنت تشهد

стр. 676

بذاك؟ قال سلام: كأنه يقول: من نهي النبي ﷺ ما هو أدب (١). وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقِّي إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمُه ممَّا فيه نوعُ شبةٍ أو اختلاف. وقال النخعي: كانوا يكرهون أشياء لا يُحرمونها، وقال ابنُ عون: قال لي مكحول: ما تقولون في الفاكهة تُلقى بين القَوم فينتهبونها؟ قلتُ: إنَّ ذلك عندنا لمكروهٌ، قال: حرام هي؟ قلت: إنَّ ذلك عندنا لمكروه، قال: حرام هي؟ قال ابن عون: فاستجفينا ذلك مِنْ قول مكحول. وقال جعفر بن محمد: سمعت رجلًا يسأل القاسم بن محمد: الغناءُ أحرامٌ هو؟ فسكت عنه القاسمُ، ثم عاد، فسكت عنه، ثم عاد، فقال له: إنَّ الحرام ما حُرِّم في القرآن؟ أرأيت إذا أتي بالحقِّ والباطل إلى الله، في أيهما يكونُ الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل، فقال: فأنت، فأفتِ نفسكَ. قال عبد الله ابنُ الإمام أحمد: سمعتُ أبي يقول: أما ما نهى النبيُّ ﷺ ، فمنها أشياء حرامٌ، مثل قوله: "نهى أن تُنكح المرأة على عمَّتها، أو على خالتها" (٢)، فهذا حرام، ونهى عن جلودِ السباع (٣)، فهذا حرامٌ، وذكر أشياء من نحو هذا.

стр. 677

ومنها أشياء نهى عنها، فهي أدبٌ. وأما حدودُ الله التي نهى عن اعتدائها، فالمرادُ بها جملة ما أذِنَ في فعله، سواء كان على طريقِ الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوزُ ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] والمراد: من طلَّقَ على غير ما أمرَ الله به وأذن فيه، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والمراد: من أمسك بعد أن طلَّق بغير معروف، أو سرَّح بغير إحسانٍ، أو أخذ ممَّا أعطى المرأة شيئًا على غير وجه الفدية التي أَذِنَ الله فيها. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، والمراد: من تجاوز ما فرضه الله للورثة، ففضَّلَ وارثًا، وزاد على حقه، أو نقصه منه، ولهذا قال النبيُّ ﷺ في خطبته في حجَّة الوداع: "إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقِّه فلا وصية لوارث" (١).

стр. 678

وروى النَّوَّاس بنُ سمعان عن النبيِّ ﷺ قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبَتيِّ الصِّراط سوران فيهما أبواب مفتَّحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاة، وعلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يقول: يا أيُّها النَّاسُ، ادخلوا الصِّراط جميعًا، ولا تُعرِّجوا، وداعٍ يدعو من جوفِ الصِّراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: وَيْحَكَ لا تَفتحه، فإنَك إنْ تَفتحه تَلِجْه، والصِّراطُ: الإِسلامُ، والسُّوران: حدودُ الله، والأبواب المفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصِّراط كتاب الله، والدَّاعي من فوقُ: واعظ الله في قلب كلِّ مسلم" خرَّجه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والنسائي في "تفسيره"، والترمذي وحسنه (١). فضرب النبيُّ ﷺ مثلَ الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيمٍ، وهو الطريقُ السَّهلُ، الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلويه، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوَجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولته، وعلى جنبتي الصِّراط يمنة ويَسرة سوران، وهما حدودُ الله، فكما أن السُّورَ يمنع من كان داخله مِنْ تعدِّيه ومجاوزته، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخله من الخروجِ عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراءَ ما حدَّ الله من المأذونِ فيه إلَّا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظينَ لحدوده، وذمَّ من لا يعرف حدَّ الحلال من الحرام، كما قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. وقد تقدَّم حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حَفِظَ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حدودي (٢). والمراد: أن من لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه، فقد حفظ حدودَ

стр. 679

الله، ومن تعدَّى ذلك، فقد تعدَّى حدود الله. وقد تُطلق الحدودُ، ويراد بها نفسُ المحارم، وحينئذ فيقال: لا تقربوا حدودَ الله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمراد: النَّهي عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآية من محظورات الصِّيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارم حدودًا - قولُ النبيِّ ﷺ : "مَثَلُ القائمِ على حدودِ الله والمُدْهِنِ فيها، كمثل قوم اقتسموا سفينة" الحديث المشهور (١)، وأراد بالقائم على حدود الله: المنكر للمحرَّمات والناهي عنها. وفي حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إني آخذ بحُجَزِكُم [أقول:] اتَّقوا النَّارَ، اتَّقوا الحدودَ" قالها ثلاثًا، خرَّجه الطبراني والبزار (٢)، وأراد بالحدود محارم اللهِ ومعاصيه، ومنه قولُ الرجل الذي قال للنبيِّ ﷺ : إنِّي أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ (٣). وقد تُسمى العقوباتُ المقدرة الرادعةُ عن المحارم المغلظة حدودًا، كما يقال: حدُّ الزنى، وحدُّ السرقة، وحدُّ شرب الخمر، ومنه قول النبيِّ ﷺ لأسامة:

стр. 680

"أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ " (١) يعني: في القطع في السَّرقة. وهذا هو المعروف من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء. وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ : "لا يُجْلَدُ فَوقَ عشرِ جلدات إلا في حدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ" (٢) فهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسر الحدود هاهنا بهذه الحدود المقدرة، وقال: إنَّ التَّعزير لا يُزاد على عشرِ جلدات، ولا يُزادُ عليها إلَّا في هذه الحدود المقدّرة، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ الله، وقال: المرادُ أن مجاوزة العشر جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكاب محرَّم مِنْ محارم الله، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غير محرَّمٍ، فلا يتجاوز به عشر جلدات. وقد حمل بعضُهم قوله ﷺ : "وحدَّ حُدُودًا فلا تعتدوها" على هذه العقوبات الزَّاجرة عَنِ المحرَّمات، وقال: المراد النَّهيُ عن تجاوُزِ هذه الحدود وتعديها عند إقامتها على أهل الجرائم. ورجَّح ذلك بأنه لو كان المراد بالحدود الوقوف عند الأوامر والنَّواهي، لكان تكريرًا لقوله: "فرض فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، وحرَّم أشياء، فلا تنتهكوها" وليس الأمر على ما قاله، فإنَّ الوقوفَ عند الحُدودِ يقتضي أنَّه لا يخرج عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نهى عنه، وذلك أعمُّ من كونِ المأذون فيه فرضًا أو ندبًا أو مباحًا كما تقدَّم، وحينئذٍ، فلا تكريرَ في الحديث، والله أعلم. وأمَّا المسكوتُ عنه، فهو ما لم يُذكَرْ حكمُه بتحليلٍ، ولا إيجابٍ، ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه، لا حرجَ على فاعلِهِ، وعلى هذا دلَّت هذه الأحَاديثُ المذكورةُ هاهنا، كحديثِ أبي ثعلبة وغيره.

стр. 681

وقد اختلفت ألفاظُ حديث أبي ثعلبة، فروي باللفظ المتقدِّم، ورُوي بلفظ آخر، وهو: "إنَّ الله فرَضَ فرائضَ، فلا تُضيِّعوهَا، ونهاكم عن أشياء، فلا قنتهكوها، وعفا عن أشياء من غير نسيانٍ، فلا تبحثوا عنها" خرَّجه إسحاق بنُ راهويه. ورُوي بلفظ آخر وهو: "إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وسنّ لكم سننًا فلا تنتهكوها، وحرَّم عليكم أشياء فلا تعتدوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها" خرَّجه الطبراني (١). وهذه الرواية تبيِّنُ أن المعفوَّ عنه ما تُرِكَ ذكرُه، فلم يحرَّم ولم يُحلّل. ولكن مما ينبغي أن يعلم: أن ذكرَ الشيءِ بالتَّحريم والتَّحليل مما قد يخفى فهمُه مِنْ نُصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النُّصوص قد تكونُ بطريق النَّصِّ والتَّصريح، وقد تكونُ بطريق العُموم والشُّمول، وقد تكون دِلالتُه بطريق الفحوى والتنبيه، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنَّ دخُولَ ما هو أعظمُ من التَّأفيف مِنْ أنواع الأذى يكونُ بطريق الأولى، ويُسمَّى ذلك مفهومَ الموافقةِ. وقد تكونُ دلالته بطريقِ مفهوم المخالفة، كقوله: "في الغنم السَّائمة الزكاة" (٢) فإنه يدلُّ بمفهومه على أنَّه لا زَكاةَ في غيرِ السَّائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك، واعتبروا مفهوم المخالفة، وجعلوه حجَّةً.

стр. 682

وقد تكونُ دلالته مِنْ باب القياس، فإذا نصَّ الشَّارع على حُكم في شيءٍ لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجودًا في غيره، فإنَّه يتعدَّى الحكمُ إلى كل ما وجد في ذلك المعنى عندَ جمهورِ العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به، فهذا كلُّه ممَّا يعرَفُ به دلالة النُّصوص على التَّحليل والتَّحريم. فأمَّا ما انتفى فيه ذلك كلُّه، فهُنا يُستدلُّ بعدم ذكره بإيجابٍ أو تحريمٍ على أنَّه معفوٌّ عنه، وهاهنا مسلكان: أحدهما: أن يُقالَ: لا إيجابَ ولا تحريمَ إلَّا بالشَّرع، ولم يوجب الشَّرعُ كذا، أو لم يحرَّمه، فيكونُ غيرَ واجبٍ، أو غيرَ حرامٍ، كما يقال مثلُ هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأُضحية، أو نفي تحريم الضَّبِّ ونحوه، أو نفي تحريم بعضِ العُقود المختلفِ فيها، كالمساقاة والمزارعة ونحوِ ذلك، ويرجعُ هذا إلى استصحاب براءَةِ الذِّمَّةِ حيث لم يُوجَدْ ما يدلُّ على اشتغالها، ولا يصْلُحُ هذا الاستدلالُ إلَّا لمن عرف أنواعَ أدلَّة الشَّرع وسبرَهَا، فإنْ قطع - مع ذلك - بانتفاء ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريمٍ، قطع بنفي الوجوب أو التحريم، كما يقطع بانتفاء فرضية صلاةٍ سادسةٍ، أو صيام شهرٍ غير شهر رمضان، أو وجوب الزَّكاة في غير الأموال الزَّكويَّة، أو حَجَّةٍ غير حَجَّةِ الإسلام، وإن كان هذا كلُّه يستدلُّ عليه بنصوصٍ مصرِّحةٍ بذلك، وإن ظنَّ انتفاء ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريمٍ، ظنَّ انتفاء الوجوب والتحريم من غير قطع. والمسلك الثاني: أن يذكر مِنْ أدلَّة الشَّرع العامة ما يدلُّ على أن ما لم يوجبه الشَّرع، ولم يحرمه، فإنه معفوٌّ عنه، كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه، ومثل قوله ﷺ لمَّا سئلَ عن الحجِّ أفي كلِّ عام؟ فقال: "ذروني ما تركتكُم، فإنَّما هلك مَنْ كان قَبلَكم بكثرةِ سؤالهم واختلافهم

стр. 683

على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" (١). ومثل قوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص: "إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يحرَّم، فحرَّم من أجل مسألته" (٢). وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ هذا أيضًا في مواضعَ، كقوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فإنَّ هذا يدلُّ على أن ما لم يجِد تحريمه، فليس بمحرَّمٍ، وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فعنفهم على تركِ الأكل ممَّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، معلِّلًا بأنَّه قد بيَّن لهمُ الحرامَ، وهذا ليس منه، فدلَّ على أنَّ الأشياء على الإباحة، وإلَّا لمَا ألحَقَ اللَّومَ بمن امتنع من الأكل ممَّا لم ينصَّ له على حِلِّه بمجرِّد كونه لم ينصَّ على تحريمه. واعلم أنَّ هذه المسألة غيرُ مسألة حُكم الأعيان قبل وُرود الشَّرع: هل هو الحظرُ أو الإباحة، أو لا حُكم فيها؟ فإنَّ تلك المسألة مفروضةٌ فيما قبل وُرودِ الشَّرع، فأمَّا بعد وُروده، فقد دلت هذه النُّصوصُ وأشباهُها على أنَّ حكم ذاك الأصل زال واستقرَّ أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلَّة الشَّرع. وقد حكى بعضُهم الإجماع على ذلك، وغلَّطوا من سوَّى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدًا. وكلام الإمام أحمد يدلُّ على أنَّ ما لا يدخل في نصوص التَّحريم، فإنَّه

стр. 684

معفوٌّ عنه. قال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: إنَّ أصحاب الطَّير يذبَحُون مِنَ الطَّير شيئًا لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكن ذا مِخلَبٍ أو يأكلُ الجِيَفَ، فلا بأس به، فحصر تحريمَ الطير في ذي المخلب المنصوص عليه، وما يأكل الجِيفَ، لأنَّه في معنى الغراب المنصوص عليه وحكم بإباحة ما عداهما. وحديث ابن عباس (١) الذي سبق ذكره يدلُّ على مثل هذا، وحديث سلمان الفارسي (٢) فيه النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء، فإنَّ الجبن كان يُصنعُ بأرضِ المجوس ونحوهم من الكفارِ، وكذلك السَّمن، وكذلك الفراء تُجلب من عندِهم، وذبائحُهم ميتةٌ، وهذا مما يستدلُّ به على إباحة لبن الميتة وأنفحتها، وعلى إباحة أطعمة المجوس، وفي ذلك كلِّه خلافٌ مشهورٌ، ويُحملُ على أنَّه إذا اشتبه الأمرُ، لم يجبِ السُّؤالُ والبحثُ عنه، كما قال ابن عمر لمَّا سُئِل عن الجُبن الذي يصنعه المجوسُ، فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريتُه ولم أسأل عنه (٣)، وذكر عند عمر الجبن وقيل له: إنه يُصنع بأنافحِ الميتة، فقال: سموا الله وكلوا (٤). قال الإمام أحمد: أصحُّ حديث فيه هذا الحديث، يعني: جبن المجوس. وقد رُوي من حديث ابن عباس أن النبيَّ ﷺ أُتي بجبنة في غزوة الطَّائفِ، فقال: "أين تُصنَعُ هذه؟ " قالوا: بفارس، فقال ﷺ : "ضعوا فيها السِّكِّينَ واقطعوا، واذكروا اسمَ الله وكلوا" خرَّجه الإمام أحمد (٥)، وسئل عنه، فقال: هو حديث منكرٌ، وكذا قال أبو حاتم الرازي.

стр. 685

وخرَّج أبو داود (١) معناه من حديث ابن عمر، إلَّا أنه قال: في غزوة تبوك، وقال أبو حاتم (٢): هو منكر أيضًا. وخرَّجه عبد الرزاق في كتابه (٣) مرسلًا، وهو أشبه، وعنده زيادة، وهي: أنَّه قيل له: يا رسول الله، نخشى أن تكونَ ميتة؟ قال: "سمُّوا عليه وكُلوه". وخرج الطبراني معناه من حديث ميمونة، وإسناده جيِّد، لكنه غريب جدًّا (٤). وفي "صحيح البخاري" (٥) عن عائشة أنَّ قومًا قالوا للنبيِّ ﷺ : إنَّ قومًا يأتوننا باللَّحم، لا ندري أَذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه أم لا؟ فقال: "سمُّوا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهدٍ بالكُفر. وفي "مسند الإمام أحمد" (٦) عن الحسن أنَّ عمر أراد أن ينهى عن حُلَلِ الحِبَرَةِ، لأنَّها تُصبَغُ بالبَوْلِ، فقال له أُبيٌّ: ليس ذلك لك، قد لبسهنَّ النبيُّ ﷺ ولبسناهنَّ في عهده، وخرَّجه الخلّال من وجه آخر وعنده: أن أُبَيًّا قال له: يا أمير المؤمنين، قد لبسها نبيّ الله ﷺ ، ورأى اللهُ مكانها، ولو علم اللهُ أنَّها حرامٌ، لنهى عنها، فقال: صدقت. وسئل الإمام أحمد عن لُبس ما يَصبغُه أهلُ الكتاب من غير غسلٍ، فقال:

стр. 686

لم تسألُ عمَّا لا تعلم، لم يزلِ النَّاسُ منذ أدركناهم لا يُنكرون ذلك. وسُئِلَ عن يهود يَصبغُون بالبول، فقال: المسلمُ والكافرُ في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، وقال: إذا علمت أنَّه لا محالةَ يصبغ بشيءٍ مِنَ البولِ، وصحَّ عندكَ، فلا تصلِّ فيه حتَّى تغسله. وخرَّج من حديث المغيرة بن شعبة أنَّ النبيَّ ﷺ أُهدي له خُفَّان، فلبسهما ولا يعلم أذكيٌّ هما أم لا (١). وقد ورد ما يستدلُّ به على البحث والسؤال، فخرَّج الإمام أحمد (٢) من حديث رجلٍ عن أمِّ مسلمٍ الأشجعية أنَّ النبيَّ ﷺ أتاها وهي في قبَّةٍ فقال: "ما أحسنها إن لم يكن فيها ميتةٌ"، قالت: فجعلت أتتبعها. والرجل مجهول. وخرَّج الأثرمُ بإسنادهِ عن زيد بن وهب، قال: أتانا كتابُ عمر بأَذرَبِيجان: إنَّكم بأرضٍ فيها الميتة، فلا تلبِسُوا مِنَ الفراء حتَّى تعلموا حِلَّه من حرامه. وروى الخلال بإسناده عن مجاهد أن ابن عمر رأى على رجل فروًا، فمسَّه وقال: لو أعلم أنه ذُكِّيَ، لسرّني أن يكون لي منه ثوب. وعن محمد بن كعب أنَّه قال لعائشة: ما يمنعك أن تتخذي لحافًا من الفراء؟ قالت: أكره أن ألبس الميتة. وروى عبد الرزاق (٣) بإسناده عن ابن مسعود أنه قال لمن نزلَ من المسلمين بفارس: إذا اشتريتُم لحمًا فسلوا، إن كان ذبيحةَ يهودي أو نصراني، فكُلوا. وهذا لأنَّ الغالب على أهل فارس المجوس وذبائحهُم محرَّمةٌ.

стр. 687

والخلاف في هذا يُشبه الخلاف في إباحة طعام من لا تُباح ذبيحته من الكفَّار، وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم، والخلاف فيها يرجعُ إلى قاعدةِ تعارُض الأصل والظاهر، وقد سبق ذكرُ ذلك في الكلام على حديث: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات" (١). وقوله في الأشياء التي سكت عنها: "رحمة من غير نسيان" يعني أنَّه إنَّما سكت عن ذكرها رحمةً بعباده، ورفقًا، حيث لم يحرِّمْها عليهم حتَّى يُعاقبَهم على فعلها، ولم يُوجِبها عليهم حتَّى يعاقبَهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها، فلا حرجَ عليهم، وإن تركوها فكذلك، وفي حديث أبي الدرداء (٢): ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ومثلُه قولُه : ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. وقوله: "فلا تبحثوا عنها" يحتمِلُ اختصاص هذا النهي بزمن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ كثرةَ البحث والسؤال عمَّا لم يذكر قد يكونُ سببًا لنزول التَّشديد فيه بإيجابٍ أو تحريمٍ، وحديث سعد بن أبي وقَّاص (٣) يدلُّ على هذا، فيحتمل أن يكوق النَّهيُ عامًّا، والمروي عن سلمان (٤) من قوله يدلُّ على ذلك، فإنَّ كثرة البحث والسُّؤال عن حكمٍ ما لم يُذكر في الواجبات ولا في المحرّمات، قد يُوجِبُ اعتقادَ تحريمه، أو إيجابه، لمشابهته لبعضِ الواجبات أو المحرَّمات، فقَبولُ العافية فيه، وتركُ البحث والسُّؤالِ عنه خيرٌ، وقد يدخلُ ذلك في قول النبي ﷺ : "هلك

стр. 688

المتنطعون"، قالها ثلاثًا. خرَّجه مسلم (١) من حديث ابن مسعود مرفوعًا، والمتنطع: هو المتعمِّقُ البحَّاث عمَّا لا يعنيه، وهذا قد يتمسَّكُ به من يتعلَّقُ بظاهرِ اللَّفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية. والتَّحقيق في هذا المقام - والله أعلم - أنَّ البحثَ عمَّا لم يُوجَدْ فيه نصٌّ خاصٌّ أو عامٌّ على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النُّصوص الصَّحيحة من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصَّحيح، فهذا حقٌّ، وهو ممَّا يتعيَّنُ فعلُه على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. والثاني: أن يدقِّق النَّاظِر نظرَه وفكرَه في وُجوهِ الفُروق المستبعدةِ، فيفرِّق بين متماثلين بمجرَّد فرقٍ لا يظهر له أثرٌ في الشَّرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمعِ، أو يجمع بين متفرِّقين بمجرَّد الأوصاف الطرديَّة التي هي غيرُ مناسبة، ولا يدلُّ دليلٌ على تأثيرها في الشَّرع، فهذا النَّظر والبحثُ غيرُ مرضيٍّ ولا محمودٍ، مع أنَّه قد وقع فيه طوائفُ مِنَ الفُقهاءِ، وإنَّما المحمودُ النَّظرُ الموافقُ لنظرِ الصَّحابةِ ومَنْ بعدهُم مِنَ القُرونِ المفضَّلةِ كابنِ عبَّاسٍ ونحوه، ولعلَّ هذا مرادُ ابن مسعود بقوله: إيَّاكم والتنطُّع، إيَّاكم والتعمُّق، وعليكم بالعتيق، يعني بما كان عليه الصَّحابةُ ﵃. ومن كلام بعض أئمة الشافعية: لا يليقُ بنا أن نكتفيَ بالخيالات في الفروق، كدأبِ أصحاب الرأي، والسر في تلك أنَّ متعلَّق الأحكام في الحال الظُّنونُ وغلباتُها، فإذا كان اجتماعُ مسألتين أظهرَ في الظنِّ مِن افتراقهما، وجب القضاءُ باجتماعهما، وإنِ انقدحَ فرقٌ على بعد، فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين. انتهى.

стр. 689

ومما يدخل في النَّهي عن التعمُّق والبحث عنه: أمورُ الغيب الخبريّة التي أمر بالإِيمان بها، ولم يُبين كيفيتها، وبعضُها قد لا يكونُ له شاهدٌ في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفيَّة ذلك هو ممَّا لا يعني، وهو مما يُنهى عنه، وقد يوجِبُ الحيرة والشَّكَّ، ويرتقي إلى التَّكذيب. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يزال النَّاس يسأون حتَّى يقال: هذا الله خلَقَ الخَلْق، فمن خلق الله؟ فمن وجد مِنْ ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، وفي رواية له: "لا يزالُ النَّاسُ يسألونَكم عَنِ العِلم، حتَّى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ " وفي رواية له أيضًا: "ليسألنَّكُم النَّاسُ عَنْ كلِّ شيءٍ، حتَّى يقولوا: الله خلقَ كلَّ شيءٍ، فمن خلقه؟ ". وخرَّجه البخاري، ولفظه: "يأتي الشيطان أحدَكُم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعذْ بالله ولينتَهِ" (١). وفي "صحيح مسلم" عن أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "قال الله : إنَّ أمّتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا، حتَّى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ". وخرَّجه البخاري، ولفظه: "لن يبرحَ النَّاس يتساءلون: هذا الله خالِقُ كلِّ شيءٍ، فمن خلق الله؟ " (٢). قال إسحاق بن راهويه: لا يجوزُ التفكُّر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكَّروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك، لأنَّهم إن فعلوا، تاهوا، قال: وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فلا يجوز أن يقال: كيف تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأَخْوِنَةُ، والخبزُ المخبوزُ، والثِّيابُ المنسوجة؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلم فيه أنَّهم يسبحون، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحَهم كيف شاء وكما يشاء، وليس للنَّاس أن يخوضُوا في ذلك إلَّا

стр. 690

بما علموا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْههِ إلَّا بما أخبر الله، ولا يزيدُوا على ذلك، فاتَّقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنَّه يُرْديكم الخوض فيه عن سنن الحقِّ. نقل ذلك كلَّه حربٌ عن إسحاق ﵀.

стр. 691

الحديث الحادي والثلاثون عَنْ سهلِ بنِ سعْدٍ السَّاعِديِّ قالَ: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ دُلَّني عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي الله، وأَحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: "ازهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيمَا في أَيدي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ". حديثٌ حسنٌ رَواهُ ابنُ ماجه وغيرُهُ بأسانِيدَ حَسَنةٍ (١). هذا الحديث خرَّجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وقد ذكر الشيخ ﵀ أنَّ إسناده حسن، وفي ذلك نظر، فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإِمامُ أحمد: منكرُ الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ، وقال مرة: كان كذابًا يكذب، حدَّث عن شعبة

стр. 692

أحاديثَ موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروكُ الحديث ضعيف، ونسبه صالح بنُ محمد، وابنُ عدي إلى وضع الحديث، وتناقض ابنُ حبان في أمره، فذكره في كتاب "الثقات"، وذكره في كتاب "الضعفاء"، وقال: كان ينفردُ عَنِ الثِّقاتِ بالموضوعات، لا يحلُّ الاحتجاج بخبره، وخرَّج العقيلي حديثه هذا (١) وقال: ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، قال: وقد تابع خالدًا عليه محمَّد بن كثيرٍ الصَّنعانيُّ، ولعله أخذه عنه ودلسه، لأن المشهور به خالد هذا. قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضًا أبو قتادة الحرَّاني ومِهرانُ بن أبي عمر الرازي (٢)، فرووه عن الثَّوريِّ قال: وأشهرُها حديثُ ابن كثير. كذا قال، وهذا يخالفُ قولَ العقيلي: إن أشهرَها حديثُ خالد بن عمرو، وهذا أصحُّ، ومحمد بن كثير الصنعاني هو المصيصي، ضعفه أحمد. وأبو قتادة ومهران تُكُلِّمَ فيهما أيضًا، لكن محمد بن كثير خيرٌ منهما، فإنَّه ثقةٌ عندَ كثير مِنَ الحفَّاظ. وقد تعجب ابنُ عدي من حديثه هذا، وقال: ما أدري ما أقول فيه. وذكر ابنُ أبي حاتم (٣) أنَّه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ باطلٌ، يعني بهذا الإِسناد، يُشير إلى أنَّه لا أصلَ له عن محمد بن كثير عن سفيان. وقال ابن مشيش: سألتُ أحمد عن حديث سهل بن سعد، فذكر هذا الحديث، فقال أحمد: لا إله إلا الله - تعجبًا منه - من يروي هذا؟ قلت:

стр. 693

خالد بن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت، ومراده الإنكار على من ذكر له شيئًا من حديث خالد هذا، فإنه لا يُشتغل به. وخرَّجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "المواعظ" (١) له عن خالد بن عمرو، ثم قال: كنت منكرًا لهذا الحديث، فحدثني هذا الشيخُ عن وكيع: أنه سأله عنه، ولولا مقالته هذه لتركته. وخرَّج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو (٢)، وذكر رواية محمد بن كثير له أيضًا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر، قال: ورواه زافر - يعني ابن سلمان - عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي حازم، عن ابن عمر. انتهى، وزافر ومحمد بن عيينة، كلاهما ضعيف (٣). وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسلٍ: خرجه أبو سليمان بن زبر الدِّمشقي في "مسند" إبراهيم بن أدهم من جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حِراش، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، دلّني على عمل يحبّني الله عليه، ويحبني الناس عليه، فقال: "أما العملُ الذي يحبُّك الله عليه، فالزُّهدُ في الدنيا، وأمَّا العملُ الذي يحبُّك الناس عليه، فانظر هذا الحطام، فانبذه إليهم" (٤).

стр. 694

وخرَّجه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الدنيا" من رواية عليِّ بن بكار عن إبراهيم بن أدهم، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فذكره، ولم يذكر في إسناده منصورًا ولا ربعيًا، وقال في حديثه: "فانبذ إليهم ما في يديك من الحُطام". وقدِ اشتمل هذا الحديثُ على وصيتين عظيمتين: إحداهما: الزُّهدُ في الدُّنيا، وأنه مقتض لمحبة الله لعبده. والثانية: الزُّهد فيما في أيدي الناس، وأنه مقتضٍ لمحبَّة النَّاس. فأمَّا الزهد في الدُّنيا، فقد كثُر في القُرآن الإِشارة إلى مدحه، وإلى ذمّ الرغبة في الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]. وقال حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ

стр. 695

سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩]. وقد ذمَّ الله مَنْ كان يُريد الدُّنيا بعمله وسعيه ونيَّته، وقد سبق ذكرُ ذلك في الكلام على حديث "الأعمال بالنيَّات" (١). والأحاديث في ذمِّ الدنيا وحقارتها عند الله كثيرةٌ جدًا، ففي "صحيح مسلم" (٢) عن جابر أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بالسُّوقِ والنَّاسُ كَنَفَيْهِ، فمرَّ بجدي أسكَّ ميِّتٍ، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: "أيُّكم يُحبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحبّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبُّون أنّه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه، لأنَّه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: "والله، للدُّنيا أهونُ على الله من هذا عليكم". وفيه أيضًا (٣) عن المستورد الفهري، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما الدُّنيا في الآخرة إلا كما يَجْعَلُ أحدُكم أصبَعَهُ في اليمِّ، فلينظر بماذا ترجع". وخرَّج الترمذي من حديث سهل بن سعد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لو كانتِ الدُّنيا تعدِلُ عندَ الله جناح بعوضةٍ، ما سقى كافرًا منها شربةً" وصححه (٤).

стр. 696

ومعنى الزهد في الشيء: الإِعراضُ عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمَّةِ عنه، يقال: شيء زهيد: أي قليل حقير. وقد تكلَّم السَّلفُ ومَنْ بعدَهم في تفسير الزُّهد في الدُّنيا، وتنوَّعت عباراتهم عنه، وورد في ذلك حديثٌ مرفوع خرَّجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن واقدٍ، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولانيِّ، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الزَّهادةُ في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدُّنيا أن لا تكونَ بما في يديك أوثقَ ممَّا في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنتَ أُصبتَ بها أَرغبَ فيها لو أنَّها بقيت لك (١). وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث. قلت: الصحيح وقفه، كما رواه الإِمام أحمد في كتاب "الزهد" (٢)، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا خالدُ بنُ صبيح، حدثنا يونس بن حلبس قال: قال أبو مسلم الخولاني: ليس الزهادةُ في الدُّنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنَّما الزهادة في الدُّنيا أن تكونَ بما في يد الله أوثق مما في يديك، وإذا أُصِبْتَ بمصيبةٍ، كنت أشدَّ رجاءً لأجرها وذُخرها مِن إيَّاها لو بقيت لك. وخرَّجه ابن أبي الدنيا من رواية محمد بن مهاجر، عن يونس بن ميسرة، قال: ليس الزَّهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكونَ بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن يكونَ حالك في

стр. 697

المصيبة وحالُك إذا لم تُصب بها سواءً، وأن يكون مادحُك وذامُّك في الحقّ سواء. ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كُلُّها من أعمال القلوب، لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تَشهَدْ لأحدٍ بالزُّهد، فإنَّ الزُّهد في القلب. أحدها: أن يكونَ العبدُ بما في يد الله أوثقَ منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ مِنْ صحَّة اليقين وقوَّته، فإن الله ضَمِن أرزاقَ عباده، وتكفّل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]. قال الحسن: إنَّ مِنْ ضعف يقينك أن تكونَ بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله . وروي عن ابن مسعود قال: إنَّ أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا ليس في البيت (١) دقيق. وقال مسروقٌ: إنَّ أحسن ما أكون ظنًا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيزٌ من قمحٍ ولا درهمٌ. وقال الإِمام أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصْبِحُ وليس عندي شيء. وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالُك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثِّقةُ بالله، واليأسُ ممَّا في أيدي الناس (٢). وقيل له: أما تخافُ الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟!

стр. 698

ودُفع إلى عليِّ بنِ الموفق ورقة، فقرأها فإذا فيها: يا عليّ بن الموفق أتخاف الفقرَ وأنا ربك؟ وقال الفضيلُ بن عياض: أصلُ الزُّهد الرِّضا عَنِ اللهِ . وقال: القنوع هو الزهد وهو الغنى. فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفًا، ومنعه ذلك مِنْ طلبِ الدُّنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك، كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمَّار: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا (١). وقال ابن مسعود: اليقينُ: أن لا ترضي النَّاسَ بسخطِ اللهِ، ولا تحمد أحدًا على رزق اللهِ، ولا تلم أحدًا على ما لم يؤتِكَ الله، فإنَّ الرِّزقَ لا يسوقُه حرصُ حريصٍ، ولا يردُّه كراهة كارِهٍ، فإنَّ الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمه - جعل الرَّوحَ والفرحَ في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط (٢). وفي حديث مرسل أن النبيَّ ﷺ كان يدعو بهذا الدُّعاء: "اللهمّ إنِّي أسألك إيمانًا يُباشر قلبي، ويقينًا [صادقًا] حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقًا قسمته لي، ورضِّني من المعيشة بما قسمت لي" (٣). وكان عطاء الخراساني لا يقومُ من مجلسه حتى يقولَ: اللهمَّ هب لنا يقينًا منك حتى تُهوِّن علينا مصائبَ الدُّنيا، وحتَّى نعلمَ أنَّه لا يُصيبنا إلا ما كتبتَ

стр. 699

علينا، ولا يُصيبنا مِنْ هذا الرِّزقِ إلَّا ما قسمتَ لنا (١). روينا من حديث ابنِ عباس مرفوعًا، قال: "من سرّه أن يكون أغنى الناسِ، فليكن بما في يدِ الله أوثق منه بما في يده" (٢). والثاني: أن يكونَ العبدُ إذا أُصيبَ بمصيبةٍ في دُنياه مِنْ ذهاب مالٍ، أو ولدٍ، أو غيرِ ذلك، أرغبَ في ثواب ذلك ممَّا ذهبَ منه مِنَ الدُّنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأُ مِنْ كمالِ اليقين. وقد روي عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ اقسم لنا مِنْ خشيتكِ ما تحولُ به بيننا وبين معاصِيكَ، ومِنْ طاعتك ما تبلِّغُنا به جنَّتك، ومِنَ اليقين ما تهوِّنُ به علينا مصائبَ الدُّنيا" (٣) وهو من علامات الزُّهد في الدنيا، وقلَّةِ الرَّغبة فيها، كما قال عليٌّ ﵁: من زهد في الدُّنيا، هانت عليه المصيباتُ. والثالث: أن يستوي عند العبد حامدُه وذامُّه في الحقِّ، وهذا من علامات الزُّهد في الدُّنيا، واحتقارها، وقلَّةِ الرَّغبة فيها، فإنَّ من عظُمتِ الدُّنيا عنده أحبَّ

стр. 700

المدحَ وكرِهَ الذَّمَّ، فربما حمله ذلك على تركِ كثيرٍ مِنَ الحقِّ خشيةَ الذَّمِّ، وعلى فعلِ كثيرٍ مِنَ الباطلِ رجاءَ المدح، فمن استوى عنده حامدُه وذامُّه في الحقِّ، دلَّ على سُقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه مِنْ محبَّة الحقِّ، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أن لا تُرضي النَّاسَ بسخط الله. وقد مدح الله الذين يُجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم. وقد روي عن السلف عبارات أخرُ في تفسير الزُّهد في الدُّنيا، وكلها تَرجِعُ إلى ما تقدَّم، كقول الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضل مني، وهذا يرجع إلى أنَّ الزَّاهد حقيقةً هو الزَّاهدُ في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال: الزهد في الرِّياسة أشدُّ منه في الذهب والفضة (١)، فمن أخرج مِنْ قلبه حبَّ الرِّياسة في الدُّنيا، والتَّرفُّع فيها على الناس، فهو الزَّاهد حقًا، وهذا هو الذي يستوي عنده حامدُه وذامُّه في الحقِّ، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٢)، قال ابن السماك: هذا هو الزاهد المبرز في زهده. وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصُها، وهو مثلُ استواءِ المصيبة وعدمها كما سبق. وسئل بعضُهم - أظنُّه الإمام أحمد - عمَّن معه مالٌ: هل يكون زاهدًا؟ قال: إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه، أو كما قال. وسئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يغلب الحرامُ صبرَه، ولم يشغل الحلالُ شكره (٣)، وهذا قريبٌ ممَّا قبله، فإنَّ معناه أنَّ الزَّاهد في الدُّنيا إذا قدر

стр. 701

منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلالٌ، لم يشغَلْهُ عَنِ الشُّكر، بل قام بشكرِ الله عليه. قال أحمد بن أبي الحواري: قلتُ لسفيان بن عيينة: مَنِ الزَّاهد في الدُّنيا؟ قال: من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلي صبر. فقلت: يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر، وابتلي فصبر، وحبس النِّعمةَ، كيف يكون زاهدًا؟! فقال: اسكت، من لم تمنعه النَّعماءُ مِنَ الشُّكر، ولا البلوى من الصَّبر، فذلك الزاهد (١). وقال ربيعة: رأسُ الزهادة جمعُ الأشياء بحقها، ووضعُها في حقِّها (٢). وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قِصَرُ الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء. وقال: كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدُّنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تزوِهَا عنا، فترغِّبنا فيها. وكذا قال الإمام أحمد: الزُّهد في الدُّنيا: قِصَرُ الأمل، وقال مرة: قِصَرُ الأملِ واليأسُ مما في أيدي الناس. ووجه هذا أنَّ قِصَر الأملِ يُوجِبُ محبَّةَ لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطولُ الأمل يقتضي محبَّةَ البقاءِ فيها، فمن قصُرَ أملُه، فقد كره البقاء في الدُّنيا، وهذا نهاية الزُّهد فيها، والإِعراض عنها، واستدل ابنُ عيينة لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦] الآية. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضَّحَّاك بنِ مزاحمٍ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، مَنْ أزهدُ النَّاسِ؟ فقال: "من لم ينسَ القبرَ والبِلى، وترك أفضلَ زينة الدُّنيا، وآثرَ ما يبقى على ما يفنى، ولم يعدَّ غدًا مِنْ أيَّامه وعدَّ

стр. 702

نفسه من الموتى" وهذا مرسل (١). وقد قسم كثيرٌ مِنَ السَّلفِ الزُّهدَ أقسامًا: فمنهم من قال: أفضل الزُّهدِ: الزُّهدُ في الشِّركِ، وفي عبادةِ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ، ثمَّ الزُّهدُ في الحرام كلِّه من المعاصي، ثمَّ الزُّهدُ في الحلال، وهو أقلُّ أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، كلاهما واجبٌ، والثَّالث: ليسَ بواجبٍ، فإنَّ أعظمَ الواجبات: الزُّهد في الشِّركِ، ثم في المعاصي كلِّها. وكان بكرٌ المزنيُّ يدعو لإِخوانه: زهَّدنا الله وإياكم زُهْدَ مَنْ أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أنَّ الله يراه فتركه. وقال ابنُ المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزُّهد على ثلاثة وجوه: واحد: أن يُخْلِصَ العمل للهِ والقول، ولا يُراد بشيء منه الدنيا، والثاني: تركُ ما لا يصلُحُ، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن يزهدَ فيه وهو تطوُّعٌ، وهو أدناها (٢). وهذا قريب مما قبله، إلَّا أنَّه جعل الدَّرجةَ الأُولى مِنَ الزُّهدِ الزُّهدَ في الرياء المنافي للإِخلاص في القول والعمل، وهو الشِّركُ الأصغر، والحاملُ عليه محبّةُ المدح في الدنيا، والتقدُّم عند أهلها، وهو مِنْ نوعِ محبَّةِ العلوِّ فيها والرياسة. وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهدٌ فرضٌ، وزهدٌ فضلٌ، وزهدٌ سلامةٌ، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهدُ السلامةُ: الزُّهد في الشبهات (٣). وقدِ اختلفَ الناسُ: هل يستحقُّ اسمَ الزاهد مَنْ زَهِدَ في الحرام خاصَّةً،

стр. 703

ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يستحقُّ اسمَ الزهد بذلك، وقد سبق ذلك عَنِ الزُّهري وابن عيينة وغيرهما. والثاني: لا يستحقُّ اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح، وهو قولُ طائفة من العارفين وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زُهْدَ اليوم لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط (١) وغيره، وفي ذلك نظر. وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدُّنيا حتى يُمدَح من زهد فيها؟ وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزُّهد بالعراق، فمنهم من قال: الزُّهد في ترك لقاءِ النَّاسِ، ومنهم من قال: في ترك الشَّهواتِ، ومنهم من قال: في ترك الشِّبَعِ، وكلامهم قريبٌ بعضُه مِن بعضٍ، قال: وأنا أذهبُ إلى أنَّ الزُّهدَ في ترك ما يشغلُك عن الله (٢)، وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمعُ جميعَ معاني الزُّهد وأقسامه وأنواعه. واعلم أنَّ الذمَّ الوارد في الكتاب والسنَّة للدُّنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللَّيل والنَّهار، المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإنَّ الله جعلهما خِلفَةً لمن أراد أن يذَّكَّرَ أو أراد شكورًا. ويُروى عن عيسى ﵇ أنَّه قال: إنَّ هذا الليل والنهار خزانتان، فانظُرو ما تضعُون فيهما. وكان يقول: اعملوا اللَّيل لما خلق له، والنَّهار لما خلق له. وقال مجاهد: ما مِنْ يوم إلَّا يقول: ابنَ آدم قد دخلتُ عليك اليوم، ولن أرجعَ إليك بعدَ اليوم، فانظُر ماذا تعمل فيَّ، فإذا انقضى، طوي، ثم يُخْتَمُ عليه، فلا يُفَكُّ حتَّى يكون الله هو الذي يفضّه يومَ القيامة، ولا ليلة إلا تقول

стр. 704

كذلك (١)، وقد أنشد بعضُ السلف: إنَّما الدنيا إلى الجنـ .... ــةِ والنَّار طريق واللَّيالي متجر الإِنـ … ـــسان والأيَّام سُوق وليس الذمُّ راجعًا إلى مكان الدُّنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مِهادًا وسكنًا، ولا إلى ما أودعه اللهُ فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشَّجر والزرع، ولا إلى ما بثّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإنَّ ذلك كُلَّه مِنْ نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانيَّة صانعه وقُدرته وعَظَمَتهِ، وإنَّما الذَّمُّ راجعٌ إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدُّنيا؛ لأنَّ غالبها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمَدُ عاقبتُه، بل يقعُ على ما تضرُّ عاقبتُه، أو لا تنفع، كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدُّنيا دارٌ للثَّواب والعقاب، وهؤلاء هم الَّذينَ قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧، ٨]، وهؤلاء همُّهمُ التمتُّع بالدنيا، واغتنامُ لَذَّاتها قبل الموت، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. ومن هؤلاء من كان يأمرُ بالزُّهد في الدُّنيا، لأنَّه يرى أنَّ الاستكثار منها يُوجِبُ الهمَّ والغمَّ، ويقول: كلَّما كثُرَ التعلُّقُ بها، تألَّمت النَّفسُ بمفارقتها عندَ الموت، فكان هذا غايةَ زُهدهم في الدنيا.

стр. 705

والقسم الثاني: من يُقِرّ بدارٍ بعد الموت للثَّواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرةِ الدُّنيا وزينتِها، فأخذها مِن غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارتِ الدُّنيا أكبرَ همِّه، لها يغضب، وبها يرضى، ولها يُوالي، وعليها يُعادي، وهؤلاء هم أهلُ اللَّهو واللَّعب والزِّينة والتَّفاخر والتَّكاثر، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ من الدُّنيا، ولا أنَّها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لِمَا بعدَها مِنْ دارِ الإِقامة، وإن كان أحدُهم يُؤمِنُ بذلك إيمانًا مجمَلًا، فهو لا يعرفه مفصَّلًا، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ المعرفة بالله في الدُّنيا ممَّا هو أنموذَجُ ما ادّخر لهم في الآخرة. والمقتصد منهم أخذَ الدُّنيا مِنْ وجوهها المباحَةِ، وأدَّى واجباتها، وأمسك لنفسه الزَّائِدَ على الواجب، يتوسَّعُ به في التمتُّع بشهواتِ الدُّنيا، وهؤلاءِ قدِ اختُلف في دخولهم في اسم الزَّهادَةِ في الدُّنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلَّا أنَّه ينقصُ من درجاتهم من الآخرة بقدر توسُّعهم في الدُّنيا. قال ابن عمر: لا يصيبُ عبدٌ مِنَ الدُّنيا شيئًا إلَّا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا، خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا بإسناد جيد (١). وروي مرفوعًا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر. وروى الإِمام أحمدُ في كتاب "الزهد" بإسناده: أنَّ رجلًا دخل على معاوية، فكساه، فخرج فمرَّ على أبي مسعود الأنصاري ورجلٍ آخر من الصَّحابة، فقال أحدهما له: خذها مِنْ حسناتِك، وقال الآخر: من طيِّباتك.
следующие страницы →