← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

النَّار"، قال: وأشاح، ثم قال: "اتقوا النَّار"، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنَّه ينظر إليها، ثم قال: "اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبةٍ" (١). وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلمة عن عليٍّ، أو عن الزُّبير بن العوام، قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطُبنا، فيذكِّرُنا بأيَّام الله، حتَّى يُعرَف ذلك في وجهه، وكأنه نذيرُ قوم يُصبِّحهم الأمرُ غُدوةً، وكانَ إذا كان حديثَ عهدٍ بجبريلَ لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يرتفع عنه (٢). وخرَّجه الطبراني والبزارُ من حديث جابر، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتاه الوحيُ، أو وعظَ، قلت: نذير قوم أتاهُم العذابُ، فإذا ذهبَ عنه ذلك، رأيت أطلقَ الناس وجهًا، وأكثَرهم ضَحِكًا، وأحسنهم بِشرًا ﷺ (٣). وقولهم: "يا رسول الله كأنَّها موعظةُ مودِّع، فأوصنا" يدلُّ على أنَّه كان ﷺ قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك فَهموا أنَّها موعظةُ مودِّع، فإن المودِّع يستقصي ما لا يستقصي غيرُه في القول والفعل، ولذلك أمر النبيُّ ﷺ أن يُصلي صلاة مودِّع، لأنَّه مَنِ استشعر أنَّه مودع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولرُبما كان قد وقع منه ﷺ تعريضٌ في تلك الخطبة بالتَّوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري، لعلي لا ألقاكم

стр. 632

بعد عامي هذا" (١)، وطفق يودِّعُ الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمَّا رجع من حجِّه إلى المدينة، جمع الناس بماءٍ بين مكة والمدينة يُسمى خُمًّا، وخطبهم، فقال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّما أنَا بَشرٌ يوشِكُ أن يأتينِي رسولُ ربِّي فأجيب"، ثم حضَّ على التمسُّك بكتابِ الله، ووصَّى بأهل بيته، خرَّجه مسلم (٢). وفي "الصحيحين" ولفظه لمسلم عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحدٍ، ثم صَعِدَ المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، فإنَّ عَرْضَهُ، كما بين أيلةَ إلى الجُحفةِ، وإنِّي لست

стр. 633

أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكُم الدُّنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك مَنْ كان قبلكم". قال عقبة: فكانت آخرَ ما رأيت رسولَ الله ﷺ على المنبر (١). وخرَّجه الإمام أحمد (٢) ولفظه: صلَّى رسولُ الله ﷺ على قتلى أحُدٍ بعد ثمانِ سنين كالمودِّعِ للأحياء والأموات، ثم طلَع المنبرَ، فقال: "إنِّي فرطُكم، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنَّ موعدَكم الحوضُ، وإنِّي لأنظرُ إليه، ولستُ أخشى عليكمُ الكُفر، ولكن الدُّنيا أن تنافسوها". وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرّات - ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتِحَ الكَلِم وخواتمَه وجوامعه، وعلمت كم خزنةُ النَّار، وحملةُ العرش، وتَجوَّزَ لي ربِّي وعُوفيتُ وعُوفِيَتْ أمَّتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي، فعليكم بكتاب الله، أحلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه" (٣). فلعلَّ الخطبة التي أشار إليها العرباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطب، أو شبيهًا بها ممَّا يشعر بالتوديع. وقولهم: "فأوصنا": يعنون وصيةً جامعةً كافية، فإنهم لمَّا فهموا أنَّه مودِّعٌ، استوصوهُ وصيَّةً ينفعهم التمسُّك بها بعدَه، ويكون فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والأخرة. وقوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطَّاعة"، فهاتان الكلمتان

стр. 634

تجمعان سعادةَ الدُّنيا والأخرة. أمَّا التَّقوى، فهي كافلةٌ بسعادة الآخرة لمن تمسَّك بها، وهي وصيةُ الله للأوَّلين والأخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصية النبيِّ ﷺ لمعاذ (١). وأمَّا السَّمع والطَّاعة لوُلاة أُمور المسلمين، ففيها سعادةُ الدُّنيا، وبها تنتظِمُ مصالحُ العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعةِ ربِّهم، كما قال عليٌّ ﵁: إنَّ الناسَ لا يُصلحهم إلَّا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجر، إِن كان فاجرًا عبدَ المؤمنُ فيه ربَّه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله (٢). وقال الحسن في الأمراء: هم يلونَ من أمورنا خمسًا: الجمعةَ والجماعة والعيد والثُّغور والحدود، والله ما يستقيم الدِّينُ إلَّا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لَمَا يُصْلحُ الله بهم أكثرُ ممَّا يُفسدون، مع أن - والله - إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر. وخرَّج الخلال في "كتاب الإِمارة" من حديث أبي أمامة قال: أمرَ النبي ﷺ أصحابَه حينَ صلَّوا العشاء "أن احشُدوا، فإن لي إليكم حاجةً"، فلمَّا فرغ مِنْ صلاةِ الصُّبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتكم؟ " قالوا: نعم، قال: "اعبدوا الله، ولا تُشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: "أقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاة، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا. قلنا: نعم، قال: "اسمعوا وأطيعوا" ثلاثًا، "هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: فكنَّا نرى أن رسول الله ﷺ سيتكلَّم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كلَّه (٣).

стр. 635

وبهذين الأصلين وصَّى النبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع أيضًا، كما خرَّج الإمامُ أحمد والترمذي من رواية أمِّ الحصين الأحمسية، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطُبُ في حَجةِ الوداع، فسمعتهُ يقول: "يا أيُّها النَّاسُ، اتَّقوا الله، وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشيٌّ مجدَّعٌ، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله" (١). وخرَّج مسلم منه ذكرَ السمعِ والطاعة (٢). وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يخطُبُ في حَجَّةِ الوداع، يقول: "اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكُم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخُلُوا جنَّةَ ربِّكم"، وفي رواية أخرى أنه قال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّةَ بعدكم" وذكر الحديث بمعناه (٣). وفي "المسند" (٤) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من لقِيَ الله لا يشركُ به شيئًا، وأدَّى زكاةَ مالهِ طيِّبةً بها نفسُه محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنة". وقوله ﷺ : "وإن تأمَّرَ عليكم عبدٌ" وفي رواية: "حبشي" هذا مما تكاثرت به الرِّوايات عن النبيِّ ﷺ ، وهو مما اطلع عليه النبيُّ ﷺ من أمرِ أمته بعده،

стр. 636

وولاية العبيد عليهم، وفي "صحيح البخاري" (١) عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإنِ استُعمِلَ عَليكُمْ عبدُ حبشيٌّ، كأنَّ رأسه زبيبة". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: إن خليلي ﷺ أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف. والأحاديث في المعنى كثيرة جدًّا. ولا يُنافي هذا قولَه ﷺ : "لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش ما بقي في النَّاس اثنان" (٣)، وقوله: "النَّاسُ تبعٌ لقريش" (٤)، وقوله: "الأئمة من قريش" (٥)، لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي، ويشهد لذلك ما خَرجَه الحاكمُ من حديث عليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الأئمة من قريش أبرارُها أمراءُ أبرارها، وفجارُها أمراءُ فجارها، ولكلٍّ حقٌّ، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا، فاسمعوا له وأطيعوا" (٦) وإسناده جيد، ولكنه

стр. 637

روي عن عليٍّ موقوفًا، وقال الدارقطني (١): هو أشبه. وقد قيل: إن العبدَ الحبشيَّ إنما ذكر على وجه ضرب المثل وإن لم يصحَّ وقوعُه، كما قال: "مَن بنى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قطاة" (٢). وقولُه ﷺ : "فمن يعِشْ منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ". هذا إخبارٌ منه ﷺ بما وقع في أُمَّته بعدَه من كثرة الاختلاف في أصول الدِّين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراقِ أُمَّته على بضعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلّها في النَّار إلَّا فرقة واحدة، وهي من كان على ما هو عليه وأصحابُه، وكذلك في هذا الحديث أمر عندَ الافتراق والاختلاف بالتمسُّك بسنته وسنةِ الخلفاء الرَّاشدين من بعده، والسنة: هي الطريقة المسلوكةُ، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الرَّاشدونَ مِنَ الاعتقاداتِ والأعمالِ والأقوال، وهذه هي السنةُ الكاملةُ، ولهذا كان السلف قديمًا لا يُطلقون اسم السُّنَّةِ إلا على ما يشمل ذلك كلَّه، ورُوي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفُضيل بن عياض. وكثيرٌ من العُلماء المتأخرين يخصُّ اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات، لأنها أصلُ الدِّين، والمخالفُ فيها على خطرٍ عظيم، وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسَّمع والطاعة لأُولي الأمر إشارةٌ إلى أنَّه لا طاعةَ لأولي الأمر إلَّا في طَاعةِ

стр. 638

اللهِ، كما صحَّ عنه أنه قال: "إنَّما الطَّاعةُ في المعروف" (١). وفي "المسند" (٢) عن أنس أن معاذَ بن جبل قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمركَ، فما تأمرُ في أمرهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا طاعة لمن لم يُطع الله ". وخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبيَّ ﷺ قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله إن أدركتُهم، كيف أفعلُ؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (٣). وفي أمره ﷺ باتِّباع سنَّته، وسنّة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لوُلاةِ الأمور عمومًا دليل على أن سنةَ الخلفاء الراشدين متَّبعة، كاتِّباع سنته، بخلاف غيرهم من وُلاة الأمور. وفي "مسند الإمام أحمد"، و"جامع الترمذي" عن حُذيفة قال: كنَّا عند النبيِّ ﷺ جُلوسًا، فقال: "إني لا أدري ما قَدْرُ بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذيْنِ من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - وتمسَّكوا بعهدِ عمَّار، وما حدّثكم ابنُ

стр. 639

مسعودٍ، فصدقوه" وفي رواية: "تمسَّكوا بعهد ابن أم عبدٍ، واهتدوا بهدي عمار" (١). فنصَّ ﷺ في آخر عمره على من يُقتدى به مِنْ بعده، والخُلفاء الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم: هم أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، فإنَّ في حديث سفينة عن النبيِّ ﷺ : "الخلافةُ بعدي ثلاثونَ سنة، ثم تكونُ ملكًا" (٢)، وقد صححه الإمام أحمد، واحتجّ به على خلافة الأئمة الأربعة (٣). ونصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن عمر بنَ عبد العزيز خليفةٌ راشد أيضًا، ويدلُّ عليه ما خرّجه الإمام أحمد من حديث حُذيفة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تكونُ فيكم النبوَّةُ ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ خلافة على منهاج النبوَّةِ، فتكونُ ما شاءَ الله أن تكونَ، ثم يرفعُها الله إذا شاء أن يرفَعها، ثم تكون مُلكًا عاضًّا ما شاء الله أن تكونَ، ثمَّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ مُلكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوَّة" ثم سكت. فلما ولي عمر بن عبد العزيز، دخل عليه رجلٌ، فحدَّثه بهذا الحديث، فسُرَّ به، وأعجبه (٤). وكان محمد بن سيرين أحيانًا يُسأل عن شيءٍ مِنَ الأشربةِ، فيقول: نهى

стр. 640

عنه إمامُ هدى: عمرُ بن عبد العزيز (١). وقد اختلف العلماء في إجماع الخُلفاء الأربعة: هل هو إجماعٌ، أو حُجَّةٌ، مع مخالفة غيرهم مِنَ الصَّحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يعتدَّ بمن خالف الخُلفاء، ونفذ حكمه بذلك في الآفاق. ولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا، ولم يُخالفه منهم أحدٌ، بل خالفه غيرُه من الصَّحابة، فهل يقدم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء، والمنصوصُ عن أحمد أنه يُقدمُ قولُه على قولِ غيرِه من الصَّحابةِ، وكذا ذكره الخطابي وغيره، وكلامُ أكثرِ السَّلفِ يدلُّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه روي عن النبيِّ ﷺ من وجوه أنه قال: "إنَّ الله جعل الحقَّ على لسان عمرَ وقلبه" (٢). وكان عمرُ بن عبد العزيز يتَّبع أحكامَه، ويستدلُّ بقولِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبه". وقال مالكٌ: قال عمرُ بنُ عبد العزيز: سنَّ رسولُ الله ﷺ وولاةُ الأمر من بعده سُننًا، الأخذُ بها اعتصامٌ بكتاب اللهِ، وقوَّةٌ على دينِ اللهِ، ليس لأحدٍ تبديلُها، ولا تغييرُها، ولا النظرُ في أمرٍ خَالفَها، مَنِ اهتَدى بها، فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها، فهو منصور، ومن تركها واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين، ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنَّم، وساءت مصيرًا (٣). وحكى عبدُ الله بن عبد الحكم عن

стр. 641

مالك أنه قال: أعجبني عَزْمُ عمرَ على ذلك، يعني: هذا الكلام. وروى عبدُ الرحمن بنُ مهدي هذا الكلام عن مالكٍ، ولم يحكِه عن عمرَ. وقال خلَفُ بنُ خليفة: شهدتُ عمر بن عبد العزيز يخطبُ الناس وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنَّ رسول الله ﷺ وصاحباه، فهو وظيفةُ دينٍ، نأخذ به، وننتهي إليه (١). وروى أبو نعيم من حديث غرْزب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيحدث بعدي أشياء، فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر" (٢). وكان عليٌّ يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: إن عمرَ كان رشيدَ الأمر (٣). وروى أشعثُ عن الشَّعبيِّ، قال: إذا اختلف النَّاسُ في شيءٍ، فانظر كيف قضى فيه عمرُ، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يُقْضَ فيه قبلَه حتى يُشاوِرَ (٤). وقال مجاهد: إذا اختلف الناسُ في شيءٍ، فانظروا ما صنع عمر، فخُذُوا به. وقال أيوب عن الشعبيِّ: انظروا ما اجتمعت عليه أمَّةُ محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها على ضلالةٍ، فإذا اختلفت، فانظروا ما صنعَ عُمَر بنُ الخطاب، فخذوا به. وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال: تَعْتِقُ بموت سيدها، فقيل له: بأيِّ شيء تقولُ؟ قال: بالقرآن، قال: بأيّ القرآن؟ قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وعمرُ من أولي الأمر (٥).

стр. 642

وقال وكيع: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيءٍ، فهو الأمر. وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: إنَّ الصِّراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة. وبكلِّ حالٍ، فما جمع عمرُ عليه الصَّحابةَ، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شكَّ أنه الحقُّ، ولو خالف فيه بعدَ ذلك مَنْ خالف، كقضائه في مسائلَ مِنَ الفرائض كالعول، وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأمِّ ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامعَ في إحرامه أنَّه يمضي في نسكه وعليه القضاءُ والهديُ، ومثل ما قضى به في امرأةِ المفقودِ، ووافقه غيره مِنَ الخلفاء أيضًا، ومثل ما جمع عليه النَّاسَ في الطَّلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النِّساء، ومثل ما فعله من وضع الدِّيوان، ووضع الخراج على أرض العنوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشُّروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك. ويشهد لصحة ما جمع عليه عمرُ لصحابة، فاجتمعوا عليه، ولم يُخالف في وقته قولُ النبيِّ ﷺ : "رأيتني في المنام أنزِع على قليبٍ، فجاء أبو بكرٍ، فنزع ذَنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، ثم جاءَ ابنُ الخطاب، فاستحالت غَرْبًا، فلم أرَ أحدًا يفري فَرْيَهُ حتَّى رَوِيَ النَّاس، وضربوا بعَطَنٍ"، وفي رواية: "فلم أر عبقريًا من النَّاسِ يَنْزِعُ نزعَ ابن الخطاب" وفي رواية: "حتَّى تولَّى والحوض يتفجَّرُ" (١).

стр. 643

وهذا إشارةٌ إلى أن عمرَ لم يمت حتَّى وضع الأمورَ مواضعها، واستقامت الأمورُ، وذلك لِطول مدَّته، وتفرُّغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدَّةِ أبي بكر فإنها كانت قصيرةً، وكان مشغولًا فيها بالفُتوح، وبعث البُعوث للقتال، فلم يتفرَّع لكثيرٍ من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلُغه، ولا يُرفَعُ إليه، حتَّى رفعت تلك الحوادثُ إلى عمرَ، فردَّ الناس فيها إلى الحقِّ وحملهم على الصَّواب. وأمَّا ما لم يجمع عمرُ النَّاسَ عليه، بل كان له فيه رأيٌ، وهو يسوِّغ لغيره أن يرى رأيًا يُخالف رأيه، كمسائل الجَدِّ مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكونُ قولُ عمر فيه حجَّةً على غيره مِنَ الصَّحابة والله أعلم. وإنَّما وصف الخلفاء بالراشدين، لأنَّهم عرفوا الحقِّ، وقَضَوا به، فالراشدُ ضدُّ الغاوي، والغاوي مَنْ عَرَفَ الحقَّ، وعمل بخلافه. وفي رواية: "المهديين" يعني: أن الله يهديهم للحقِّ، ولا يُضِلُّهم عنه، فالأقسام ثلاثة: راشدٌ وغاوٍ وضالٌ، فالراشدُ عرف الحقَّ واتَّبعه، والغاوي: عرفه ولم يتَّبعه، والضالُّ: لم يعرفه بالكليَّة، فكل راشدٍ، فهو مهتد، وكل مهتدٍ هدايةً تامَّةً، فهو راشد، لأنَّ الهدايةَ إنَّما تتمُّ بمعرفة الحقِّ والعمل به أيضًا. وقوله: "عَضُّوا عليها بالنواجذ" كناية عن شدَّةِ التَّمسُّك بها، والنواجذ: الأضراس.

стр. 644

قوله: "وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة" تحذيرٌ للأمة مِنَ اتِّباعِ الأمور المحدَثَةِ المبتدعَةِ، وأكَّد ذلك بقوله: "كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ"، والمراد بالبدعة: ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشرع يدلُّ عليه، فليس ببدعةٍ شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر، أن النبيَّ ﷺ كان يقول في خطبته: "إنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة". وخرَّج الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني - وفيه ضعف - عن أبيه عن جده، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من ابتدع بدعة ضلالةٍ لا يرضاها الله ورسولهُ، كان عليه مثلُ آثام مَنْ عمل بها، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ أوزارهم شيئًا" (٢). وخرَّج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الثُّمالي قال: بعث إليَّ عبدُ الملك بنُ مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يومَ الجمعة، والقصص بعد الصُّبحِ والعصر، فقال: أما إنهما أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيءٍ منها، لأنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "ما أَحْدَثَ قومٌ بدعةً إلا رُفِعَ مثلُها منَ السُّنَّة" فتمسُّكٌ بسنّةٍ خيرٌ من إحداثِ بدعةٍ (٣).

стр. 645

وقد رُوي عن ابن عمر من قوله نحو هذا. فقوله ﷺ : "كلُّ بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصل عظيمٌ من أصول الذين، وهو شبيهٌ بقوله: "مَنْ أحْدَثَ في أمْرنا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ" (١)، فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصلٌ من الذين يرجع إليه، فهو ضلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنَ استحسان بعض البدع، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية، لا الشرعية، فمِنْ ذلك قولُ عمر ﵁ لما جمعَ الناسَ في قيام رمضان على إمامٍ واحدٍ في المسجد، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك فقال: نَعمت البدعةُ هذه. وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة (٢). وروي أن أبيَّ بن كعب، قال له: إنَّ هذا لم يكن، فقال عمرُ: قد علمتُ، ولكنه حسن. ومرادُه أن هذا الفعلَ لم يكن على هذا الوجه قبلَ هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يُرجع إليها، فمنها أن النبيَّ ﷺ كان يحُثُّ على قيام رمضان، ويُرَغِّبُ فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووحدانًا، وهو ﷺ صلَّى بأصحابه في رمضانَ غيرَ ليلةٍ، ثم امتنع مِنْ ذلك معلِّلًا بأنَّه خشي أن يُكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده ﷺ (٣). ورُوِيَ عنه أنه كان يقومُ بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (٤).

стр. 646

ومنها أنَّه ﷺ أمر باتِّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإنَّ النَّاس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمانَ وعليٍّ. ومن ذلك: أذانُ الجمعة الأوَّل (١)، زاده عثمانُ لحاجةِ النَّاسِ إليه، وأقرَّه عليٌّ، واستمر عملُ المسلمينَ عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة (٢)، ولعلَّه أرادَ ما أراد أبوه في قيام رمضان. ومِنْ ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقَّف فيه زيدُ بنُ ثابتٍ، وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعلْهُ النبيَّ ﷺ ؟ ثم علم أنَّه مصلحةٌ، فوافق على جمعه (٣)، وقد كان النبيُّ ﷺ يأمرُ بكتابة الوحي، ولا فرق بَيْنَ أن يُكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعُه صار أصلح. وكذلك جمعُ عثمان الأمة على مصحف واحد وإعدامه لما خالفه خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليٌّ وأكثرُ الصحابة، وكان ذلك عينَ المصلحة. وكذلك قتال من منع الزكاة: توقف فيه عمر وغيرُه حتى بيَّن له أبو بكر أصلَه الذي يرجعُ إليه مِنَ الشَّريعة، فوافقه الناسُ على ذلك. ومنْ ذلك القصص، وقد سبق قولُ غضيف بن الحارث: إنَّه بدعةٌ، وقال الحسن: القصص بدعةٌ، ونعِمَت البدعةُ، كم من دعوة مستجابة، وحاجة مقضية، وأخ مستفاد. وإنما عنى هؤلاء بأنَّه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت

стр. 647

معين، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن له وقت معيَّنٌ يقصُّ على أصحابه فيه غير خطبه الراتبة في الجُمَعِ والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانًا، أو عندَ حدوث أمرٍ يحتاجُ إلى التَّذكير عنده، ثم إنَّ الصحابة اجتمعوا على تعيين وقتٍ له كما سبق عن ابن مسعودٍ أنَّه كان يُذَكِّرُ أصحابه كل يوم خميس. وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عبَّاسٍ قال: حدِّث الناس كلَّ جمعة مرة، فإن أبيتَ، فمرَّتين، فإن أكثرت، فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناس. وفي "المسند" (٢) عن عائشة أنها وصَّت قاصَّ أهلِ المدينة بمثل ذلك. وروي عنها أنها قالت لعُبيد بن عُميرٍ: حدِّثِ النَّاسَ يومًا، ودعِ الناس يومًا (٣)، لا تُملَّهم. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصَّ أن يقصَّ كلَّ ثلاثة أيام مرَّة. ورُوي عنه أنه قال له: روِّح الناسَ ولا تُثقِلْ عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء.

стр. 648

وقد روى الحافظ أبو نعيم (١) بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، [حدثنا حرملة بن يحيى] قال: سمعتُ الشافعي رحمة الله عليه يقول: البدعة بدعتان: بدعةٌ محمودةٌ، وبدعة مذمومةٌ، فما وافق السنة، فهو محمودٌ وما خالف السنة، فهو مذمومٌ. واحتجّ بقول عمر: نعمت البدعة هي. ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه مِنْ قبلُ: أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل من الشريعة يُرجع إليه، وهي البدعةُ في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل مِنَ السنة يُرجع إليه، وإنما هي بدعةٌ لغةً لا شرعًا، لموافقتها السنة. وقد روي عَنِ الشَّافعي كلام آخر يفسِّرُ هذا، وأنَّه قال: والمحدثات ضربان: ما أُحدِث مما يُخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلال، وما أُحدِث مِنَ الخير، لا خِلافَ فيه لواحدٍ مِنْ هذا، وهذه محدثة غيرُ مذمومة (٢). وكثير من الأمور التي حدثت، ولم يكن قد اختلفَ العلماءُ في أنَّها هل هي بدعةٌ حسنةٌ حتَّى ترجع إلى السنة أم لا؟ فمنها كتابةُ الحديث، نهى عنه عمرُ وطائفةٌ مِنَ الصَّحابة، ورخص فيه الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السُّنَّة. ومنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قومٌ من العُلماء، ورخَّصَ فيه كثيرٌ منهم. وكذلك اختلافُهم في كتابة الرَّأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسِعَةِ الكلام في المعاملات وأعمالِ القلوب التي لم تُنقل عَنِ الصَّحابة والتابعين. وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك.

стр. 649

وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعُلوم السلف يتعيَّن ضبطُ ما نُقِلَ عنهم مِنْ ذلك كلِّه، ليتميَّزَ به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما حدث من ذلك بعدَهم، فيُعْلَمُ بذلك السنةُ من البدعة. وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: إنكم قد أصبحتُم اليومَ على الفطرة، وإنَّكم ستُحدِثونَ ويُحدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدثةً، فعليكم بالهَدْيِ الأوّل (١). وابنُ مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين. وروى ابن مهدي عن مالك قال: لم يكن شيءٌ من هذه الأهواء في عهد النبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان (٢). وكان مالكًا يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرُّق في أُصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممَّن تكلَّم في تكفيرِ المسلمين، واستباحةِ دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواصِّ هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضرُّ أهلَها، أو أنه لا يدخلُ النَّار مِنْ أهل التوحيدِ أحدٌ. وأصعبُ من ذلك ما أُحدِث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره، فكذب بذلك من كذب، وزعم أنه نزَّه الله بذلك عن الظلم. وأَصعبُ من ذلك ما أُحدِث مِنَ الكلام في ذات الله وصفاته، ممَّا سكتَ عنهُ النبيُّ ﷺ وأصحابه والتَّابعونَ لهم بإحسانٍ. فقومٌ نَفَوا كثيرًا مما ورَدَ في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا لله عمَّا تقتضي العقولُ تنزيهه عنه، وزعموا أن لازِمَ ذلك مستحيلٌ على الله ، وقومٌ لم يكتفوا بإثباته، حتَّى أثبتوا بإثباته ما يُظَنَّ أنَّه لازمٌ له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللَّوازم نفيًا

стр. 650

وإثباتًا دَرَجَ صدْرُ الأمَّة على السُّكوت عنها. ومما أُحدِث في الأمة بعْدَ عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال والحرام بمجرَّدِ الرَّأي، وردُّ كثيرٍ ممَّا وردت به السُّنَّة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية. ومما حدث بعد ذلك الكلامُ في الحقيقة بالذَّوق والكشف، وزعم أنَّ الحقيقة تُنافي الشريعة، وأنَّ المعرفة وحدَها تكفي مع المحبَّة، وأنَّه لا حاجةَ إلى الأعمالِ، وأنَّها حجابٌ، أو أن الشَّريعة إنما يحتاجُ إليها العوامٌّ، وربما انضمَّ إلى ذلك الكلامُ في الذَّات والصِّفات بما يعلم قطعًا مخالفتُه للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

стр. 651

الحديث التاسع والعشرون عَنْ مُعاذٍ ﵁ قالَ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ أخْبِرني بعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النارِ، قالَ: "لقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظيمٍ وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عَلَيهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْركُ بهِ شَيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمضانَ، وتَحُجُّ البَيتَ". ثمَّ قَالً: "ألا أدُلُّكَ على أبواب الخير؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقَةُ تُطفِيءُ الخَطَيئَةَ كَما يُطفئُ المَاءُ النَّارَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوفِ اللَّيلِ"، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]، ثم قالَ: "ألا أُخْبِرُكَ برَأْسِ الأَمْرِ وعَمودِه وذِرْوَة سِنامِهِ؟ " قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: "رَأسُ الأمْرِ الإسلامُ، وعَمُودُه الصَّلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهادُ"، ثمَّ قالَ: "ألا أخبِرُكَ بمَلاكِ ذلكَ كُلِّه؟ "، قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ، فأخذ بلسانه، قَالَ: "كُفَّ عَلَيكَ هذا"، قُلْتُ: يا نَبي اللهِ، وإنا لمُؤَاخَذُونَ بما نَتَكلَّمُ بهِ؟ فقَالَ: "ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلى وُجِوهِهِمْ، أَو على مَنَاخِرِهم إلَّا حَصائِدُ ألسِنَتِهِم". رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ (١).

стр. 652

هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفيما قاله ﵀ نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسِّنِّ، وكان معاذ بالشَّام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمةُ - كأحمد وغيره - يستدلُّون على انتفاء السَّماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكُوفة، وأبو الدَّرداء بالشام، يعني: أنه لم يصحَّ له سماع (١) منه. وقد حكى أبو زرعة الدِّمشقي عن قوم أنهم توقَّفُوا في سماعِ أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد. والثاني: أنه قد رواه حمَّادُ بنُ سلمة عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشبٍ، عن معاذ، خرَّجه الإمام أحمد (٢) مختصرًا، قال الدارقطني: وهو أشبهُ بالصَّواب؛ لأنَّ الحديثَ معروفٌ من رواية شهرٍ على اختلافٍ عليه فيه. قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلةٌ يقينًا، وشهرٌ مختلفٌ في توثيقه وتضعيفه، وقد خرَّجه الإِمامُ أحمد من رواية شهر عن عبدِ الرحمن بن غَنْمٍ، عن معاذ، وخرَّجه الإمام أحمد أيضًا من رواية عُروة بن النزَّال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب، كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروةُ ولا ميمونُ من معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفة. وقوله: "أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنةَ، ويُباعدني من النَّار" قد تقدَّم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب

стр. 653

وغيرهما أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن مثل هذه المسألة، وأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ. وفي رواية الإمام أحمد في حديث معاذ أنَّه قال: يا رسول الله، إنِّي أريدُ أن أسألَكَ عن كلمةٍ قد أمرضَتْنِي وأسقمتني وأحزنتني، قال: "سل عمَّا شئتَ"، قال: أخبرني بعمل يدخلُنِي الجنَّة لا أسألكَ غيرَه، وهذا يدلُّ على شدَّةِ اهتمام معاذٍ ﵁ بالأعمال الصَّالحة، وفيه دليلٌ على أن الأعمالَ سببٌ لدخولَ الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. وأما قولُه ﷺ : "لَنْ يدخُلَ أحدٌ منكُمُ الجنَّةَ بعمَلِه" (١) فالمراد - والله أعلم - أن العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنة لولا أن الله جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته. وقوله: "لقد سألتَ عن عظيم" قد سبق في شرح الحديثِ المشار إليه أن النَّبيَّ ﷺ قال لِرجل سأله عن مثل هذا: "لئن كُنتَ أوجزت المسألة، لقد أعظمتَ وأطولتَ" (٢) "وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًّا، ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسلَ الرُّسلَ، وقال النبيُّ ﷺ لرجلٍ: "كيف تقولُ إذا صلَّيتَ؟ " قال: أسألُ الله الجنَّة، وأعوذُ به من النار، ولا أُحسِنُ دندنَتَك ولا دندنَةَ مُعاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة، فقال النبيُّ ﷺ : "حَوْلَها نُدَندِن". وفي رواية: "هل تصير دندنتي ودندنةُ مُعاذٍ إلا أن نسأل الله الجنَّةَ،

стр. 654

ونعوذ به من النار" (١). وقوله: "وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه": إشارةٌ إلى أن التَّوفيقَ كُلَّه بيد اللهِ ، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]، وقال ﷺ : "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا أهل السَّعادة، فيُيسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة، فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة" ثم تلا ﷺ هذه الآية (٢). وكان النبي ﷺ يقولُ في دعائه: "واهدني ويسِّر الهُدى لي" (٣)، وأخبر الله عن نبيه موسى ﵇ أنه قال في دعائه: "رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْري. ويَسِّرْ لِي أَمري" [طه: ٢٥ - ٢٦]، وكان ابنُ عمر يدعو: اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِّبني العُسرى. وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيهُ ترتيب دخول الجنة على

стр. 655

الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التَّوحيدُ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصِّيام، والحجُّ. وقوله: "ألا أدلُّكَ على أبواب الخير": لمَّا رتَّبَ دخولَ الجنَّة على واجبات الإسلام، دلَّه بعدَ ذلك على أبوابَ الخير مِنَ النَّوافِل، فإنَّ أفضلَ أولياءِ الله هُمُ المقرَّبون، الذين يتقرَّبون إليه بالنَّوافل بعَدَ أداءِ الفرائض. وقوله: "الصومُ جنة" هذا الكلام ثابتٌ عن النبيِّ ﷺ من وجُوهٍ كثيرةٍ، وخرَّجاه في "الصحيحين" (١) من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، وخرجه الإمام أحمد (٢) بزيادة، وهي: "الصِّيامُ جنَّةٌ وحِصْنٌ حصينٌ مِنَ النَّار". وخرج من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الصوم جنَّةٌ مِنَ النَّارِ، كجُنَّة أحدكم من القِتال" (٣). ومن حديث جابر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "قال ربُّنا : الصِّيامُ جنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النَّار" (٤). وخرَّج أحمد والنسائي من حديث أبي عُبيدة، عن النَّبي ﷺ ، قال: "الصِّيامُ جنَّة ما لم يَخْرِقْها". (٥)، وقوله: "ما لم يخرقها"، يعني: بالكلام السيِّئ ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ : "الصيام

стр. 656

جنة، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤٌ سابَّه فليقل: إني امرؤ صائم" (١). وقال بعضُ السَّلف: الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ، والاستغفارُ يرقَعُهُ، فمن استطاع منكم أن لا يأتي بصومٍ مخرَّقٍ فليفعل. وقال ابنُ المنكدر: الصائمُ إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع. وخرَّج الطبراني (٢) بإسناد فيه نظرٌ عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لم يخرقها"، قيل: بم يخرقه؟ قال: "بكذبٍ أو غيبةٍ". فالجُنَّة: هي ما يستجنُّ بها العبد، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا، كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فإذا كان له جُنَّةٌ من المعاصي، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار، وإن لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار. وخرَّجَ ابنُ مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا، قال: "بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلماتٍ"، فذكر الحديثَ بطوله، وفيه: "وإنَّ الله يأمركُم أن تصُوموا، ومَثَلُ ذلك كمثل رجلٍ مشى إلى عدوِّه، وقد أخذَ للقتال جُنَّةً، فلا يخافُ من حيث ما أُتي". وخرَّجه من وجهٍ آخر عن عليٍّ موقوفًا، وفيه قال: "والصيامُ مَثَلُه كمثل رجلٍ انتصره النَّاسُ، فاستحدَّ في السِّلاح، حتَّى ظنّ أنه لن يصل إليه سلاحُ العدوِّ، فكذلك الصيامُ جنة" (٣).

стр. 657

وقوله: "والصدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ" هذا الكلامُ رُوي عن النبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ أُخر، فخرجه الإمامُ أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الصَّومُ جُنة حصينة، والصَّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماء النارَ" (١). وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعًا بمعناه. وخرجه الترمذي وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أنس عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ صدقة السِّرِّ لتطفئُ غضبَ الربِّ، وتدفع مِيتةَ السُّوء" (٢). ورُوِي عن عليِّ بن الحسين أنه كان يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ به المساكين في ظُلمة الليل، ويقول: إنَّ الصَّدقة في سواد الليل تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ (٣). وقد قال الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فدل على أن الصدقة يُكفَّر بها من السيئات: إما مطلقًا، أو صدقة السر.

стр. 658

وقوله: "وصلاةُ الرَّجُلِ في جوف الليل" يعني أنها تُطفئ الخطيئة أيضًا كالصَّدقة، ويدلُّ على ذلك ما خرجه الإمام أحمد (١) من رواية عُروة بن النَّزّال عن معاذ قال: أقبلنا مع النَّبيِّ ﷺ من غزوة تبوك، فذكر الحديثَ، وفيه: "الصَّومُ جنةٌ، والصَّدقةُ وقيامُ العبد في جوف الليلُ يُكفر الخطيئة". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبة قيامُ الليل". وقد رُوي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقون بالنهار (٣) بالذنوب، وكلَّما قاموا إلى صلاةٍ من الصَّلوات المكتوبات أطفؤوا ذنوبهم، ورُوى ذلك مرفوعًا من وجوهٍ فيها نظرٌ. فكذلك قيامُ الليل يُكفر الخطايا، لأنه أفضلُ نوافل الصلاة، وفي "الترمذي" من حديث بلال عن النبيِّ ﷺ ، قال: "عليكم بقِيام الليل، فإنه دأبُ الصالحين قَبلَكُم، وإن قيامَ الليل قربةٌ إلى الله ، ومنهاةٌ عن الإِثم، وتكفيرٌ للسيِّئات، ومطردة للدَّاءِ عن الجسد". وخرَّجه أيضًا من حديث أبي أُمامة، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، وقال: هُوَ أصحُّ من حديث بلال. وخرجه ابنُ خزيمة والحاكم في "صحيحيهما" من حديث أبي أمامة أيضًا (٤).

стр. 659

وقال ابن مسعود: فضلُ صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعًا والموقوف أصح (١). وقد تقدَّم أن صدقة السِّرِّ تُطفئ الخطيئة، وتُطفئ غضبَ الرَّبِّ، فكذلك صلاةُ الليل. وقوله: "ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]، يعني أن النبيّ ﷺ تلا هاتين الآيتين عندَ ذكره فضلَ صلاةِ الليل، ليبيِّنَ بذلك فضل صلاة الليل، وقد رُوي عن أنسٍ أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاةِ العشاء، خرَّجه الترمذي وصححه (٢). ورُوي عنه أنه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بينَ المغرب والعشاء، خرَّجه أبو داود (٣). وروي نحوه عن بلال، خرَّجه البزار (٤) بإسنادٍ ضعيف. وكلُّ هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإنَّ الله مدح الَّذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلك كلَّ مَنْ تركَ النَّومَ باللَّيل لذكر الله ودُعائه،

стр. 660

فيدخلُ فيه مَنْ صلَّى بين العشاءين، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم ينم حتَّى يُصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، وقد قال النبيُّ ﷺ لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاء: "إنَّكم لن تَزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصَّلاة" (١). ويدخلُ فيه مَنْ نامَ ثمَّ قام مِنْ نومه باللَّيل للتهجُّدِ، وهو أفضلُ أنواع التطوُّع بالصَّلاة مطلقًا. وربما دخل فيه من ترك النَّوم عندَ طُلوعِ الفجر، وقام إلى أداء صلاةِ الصُّبح، لا سيما مع غَلَبَةِ النَّوم عليه، ولهذا يُشرع للمؤدن في أذان الفجر أن يقولَ في أذانه: الصَّلاةُ خَيرٌ مِن النوم. وقوله ﷺ : "وصلاةُ الرَّجُلِ من جوف الليل" ذكر أفضلَ أوقات التهجُّد بالليل، وهو جوفُ الليل، وخرَّج الترمذي والنسائي من حديث أبي أمامة، قال: قيل: يا رسولَ الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوفُ اللَّيل الآخرِ، ودُبُرُ الصَّلوات المكتوبات" (٢). وخرَّجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، قال: أيُّ الصلاة

стр. 661

أفضل؟ قال: "جوفُ اللَّيل الأوسط"، قال: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قال: "دُبر المكتوبات". وخرَّج النسائي من حديث أبي ذرٍّ قال: سألتُ النبيَّ ﷺ أي الليل خير؟ قال: "خير الليل جوفه" (١). وخرَّج الإمام إحمد من حديث أبي مسلم قال: قلت لأبي ذرّ: أيُّ قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبيَّ ﷺ كما سألتني، فقال: "جوفُ اللَّيل الغابر أو نصف الليل، وقليلٌ فاعله" (٢). وخرَّج البزار، والطبرانيُّ من حديث ابن عمر، قالَ: سُئلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ الليل أجوبُ دعوةً؟ قال: "جوف الليل" زاد البزار في روايته: "الآخر" (٣). وخرَّج الترمذي من حديثِ عمرو بن عبسة سمع النبيَّ ﷺ يقول: "أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكونَ ممَّن يذكر الله في تلك الساعة فكن"، وصححه، وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الساعات أفضلُ؟ قال: "جوفُ الليل الآخر" وفي رواية له أيضًا: قال: "جوف الليل الآخر أجوبُه دعوةً"، وفي رواية له: قلتُ: يا رسول الله، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ إلى الله من أخرى؟ قال: "جوف الليل الآخر". وخرَّجه ابن ماجه، وعنده: "جوفُ اللَّيل الأوسط" وفي روايةٍ للإمام أحمد عن عمرو بن عبسة، قال: قلتُ: يا رسول الله، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: "إنَّ الله ليتدلَّى في جوف الليل، فيغفر إلَّا ما كان من الشرك" (٤).

стр. 662

وقد قيل: إن جوف الليل إذا أطلق، فالمرادُ به وسطُه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمرادُ وسط النِّصف الثاني، وهو السدسُ الخامسُ من أسداس الليل، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النُّزول الإلهي. وقوله ﷺ : "ألا أُخبركُ برأسِ الأمرِ وعموده وذروة سنامه؟ " قلتُ: بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذِروةُ سنامه الجهادُ" وفي رواية للإِمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن ابن غَنْمٍ، عن معاذ قال: قال لي نبيُّ الله ﷺ : "إنَّ شئتَ حدَّثتُك برأسِ هذا الأمرِ وقِوام هذا الأَمرِ وذِروة السَّنام"، قلتُ: بلى، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ رأسَ هذا الأمرِ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأن محمَّدًا عبده ورسولُه، وإن قِوام هذا الأمر إقام الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاة، وإن ذِروة السَّنام منه الجهادُ في سبيل الله، إنما أُمِرْتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يُقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد اعتصموا وعصموا دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على الله ". وقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما شحب وجهٌ، ولا اغبرَّت قدمٌ في عملٍ يُبتغى فيه درجات الجنة بعدَ الصلاة المفروضة كجهادٍ في سبيل الله، ولا ثَقَّلَ ميزانَ عبدٍ كدابَّةٍ تنفق له في سبيل الله، أو يُحمل عليها في سبيل الله ". فأخبر النبيُّ ﷺ عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه. فأمَّا رأس الأمر، ويعني بالأمر: الدين الذي بعث به وهو الإِسلام، وقد جاء تفسيرُه في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقرَّ بهما ظاهرًا وباطنًا، فليسَ من الإِسلام في شيء.

стр. 663

وأمَّا قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين كما يقومُ الفسطاطُ على عموده، فهو الصلاة، وفي الرواية الأخرى: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" وقد سبق القولُ في أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض. وأمَّا ذِروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدلُّ على أنه أفضلُ الأعمال بعدَ الفرائض، كما هو قولُ الإمام أحمد وغيره من العلماء. وقوله في رواية الإمام أحمد: "والذي نفس محمَّدٍ بيده ما شحب وجهٌ ولا اغبرَّت قدمٌ في عمل يُبتغى به درجات الجنَّة بعدَ الصَّلاة المفروضة كجهادٍ في سبيلِ الله " يدلُّ على ذلك صريحًا. وفي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: "إيمان بالله وجهادٌ في سبيله" (١). وفيهما عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثمَّ جهاد في سبيل الله" (٢). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا. وقوله: "ألا أُخبرك بملاك ذلك كُلِّه؟ " قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عليك هذا" إلى آخر الحديث. هذا يدل على أن كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كُلّه، وأن من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديث "من كان يؤمن بالله

стр. 664

واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (١). وفي شرح حديث: "قل: آمنتُ باللهِ، ثم استقم" (٢). وخرَّج البزار في "مسنده" (٣) من حديث أبي اليسر أن رجلًا قال: يا رسول اللهِ، دلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة، قال: "أمسك هذا"، وأشار إلى لسانه، فأعادها عليه، فقال: "ثكلتك أمُّك، هل يَكُبُّ النَّاسَ على مناخرهم في النَّار إلَّا حصائدُ ألسنتهم" وقال: إسناده حسن. والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسَّيِّئات، ثم يَحصُدُ يومَ القيامة ما زرع، فمن زرع خيرًا من قولٍ أو عملٍ، حَصَد الكرامةَ، ومن زرع شرًّا مِنْ قولٍ أو عملٍ، حصد غدًا النَّدامة. وظاهرُ حديثِ معاذ يدلُّ على أن أكثر ما يدخل به النَّاسُ النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ اللهِ ، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ، ويدخلُ فيه شهادةُ الزُور التي عدَلت الإِشراك باللهِ ، ويدخلُ فيها السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائرِ والصَّغائر؛ كالكذب والغيبةِ والنميمة، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها. وفي حديث أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ" خرَّجه الإمام أحمد والترمذي (٤). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ

стр. 665

بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يَزِلُّ بها في النَّار أبعدَ ما بينَ المشرق والمغرب" وخرَّجه الترمذي، ولفظه: "إنَّ الرجلَ ليتكلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار" (١). وروى مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّ عمرَ دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ لسانَه، فقال عمر: مه، غفر الله لك! فقال أبو بكرٍ: هذا أوردني الموارد (٢). وقال ابنُ بريدة: رأيتُ ابنَ عبَّاسٍ آخذًا بلسانه وهو يقول: ويحك، قُلْ خيرًا تغنم، أو اسكت عن سُوءٍ تسلم، وإلَّا فاعلم أنَّك ستندم، قال: فقيل له: يا أبا عبَّاس، لم تقولُ هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسانَ - أراه قال - ليس على شيءٍ من جسده أشدُّ حنقًا أو غيظًا يَوْمَ القيامةِ منه على لسانه إلا ما قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا (٣). وكان ابن مسعود يحلِفُ باللهِ الَّذي لا إله إلا هو: ما على الأرض شيء أحوج إلى طولِ سجنٍ من لسان (٤). وقال الحسن: اللسان أميرُ البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئًا، جنت، وإذا عفَّ عفت (٥).

стр. 666

وقال يونس بنُ عبيد: ما رأيتُ أحدًا لسانه منه على بال إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله (١). وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلَّا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قط، إلا عرفت ذلك في سائر عمله (٢). وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كله غيرَ اللسان، فإنك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار، ويُفطر على حرام، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكرَ أشياءَ نحو هذا - ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا (٣).

стр. 667

الحديث الثلاثون عَنْ أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِّي ﵁، عَن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ الله فَرَضَ فَرائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فلا تَعْتَدوها، وحَرَّمَ أشْياءَ، فلا تَنتهكوها، وسَكَتَ عنْ أشياءَ رَحْمةً لكُم غَيْرَ نِسيانٍ، فلا تَبحَثوا عَنْها". حديثٌ حسنٌ، رواه الدَّارقطنيُّ وغيرُهُ (١). هذا الحديثُ من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان: إحداهما: أن مكحولًا لم يصحّ له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نُعيم الحافظ وغيرهما. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصَّواب المرفوعُ، قال: وهو أشهرُ. وقد حسَّن الشيخُ ﵀ هذا الحديث، وكذلك حسنه قبلَه الحافظ أبو بكر بن السمعاني في "أماليه". وقد رُوي معنى هذا الحديث مرفوعًا من وجوه أُخر، خرَّجه البزار في

стр. 668

"مسنده" والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما أحلَّ الله في كتابه، فهو حلالٌ، وما حرَّم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من اللهِ عافيتَهُ، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا" ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح (١). وخرَّجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ بمثل حديث أبي ثعلبة، وقال في آخره: "رحمة من الله، فاقبلوها" (٢)، ولكن إسناده ضعيف. وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عَن السَّمن والجُبن والفراء، فقال: "الحلالُ ما أحلَّ الله في كتابه، والحرامُ ما حرَّمَ الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه" (٣). وقال الترمذي: رواه سفيان - يغني ابن عيينة - عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان من قوله، قال: وكأنه أصحُّ. وذكر في كتاب "العلل" (٤) عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظًا، وقال أحمد: هو منكر،

стр. 669

وأنكره ابنُ معين أيضًا، وقال أبو حاتم الرازي (١): هو خطأ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان، عن النبيّ ﷺ مرسلًا ليس فيه سلمان. قلت: وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر. وخرَّجه ابن عدي (٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا وضعف إسناده. ورواه صالح المري، عن الجُريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة مرفوعًا، وأخطأ في إسناده (٣). وروي عن الحسن مرسلًا (٤). وخرَّج أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيَّه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله وحرَّم حرامه، فما أحلَّ، فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، وهذا موقوف (٥). وقال عُبيد بن عمير: إنَّ الله أحلَّ حلالًا وحرَّم حرامًا، وما أحلَّ، فهو حلال، وما حرَّم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفوٌ. فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعةَ أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكامَ الدين كلَّها.

стр. 670

قال أبو بكر بن السمعاني: هذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ من أصولِ الدِّين، قال: وحُكي عن بعضهم أنَّه قال: ليس في أحاديث رسولِ الله ﷺ حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده لأصولِ العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحُكي عن أبي واثلة المزني أنه قال: جَمَعَ رسولُ الله ﷺ الدِّين في أربعِ كلماتٍ، ثم ذكر حديثَ أبي ثعلبة. قال ابنُ السمعاني: فمن عمِلَ بهذا الحديث، فقد حاز الثَّواب، وأمِنَ العقابَ؛ لأنَّ من أدَّى الفرائضَ، واجتنب المحارم، ووقف عندَ الحدودِ، وترك البحث عمَّا غاب عنه، فقد استوفى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّين، لأنَّ الشرائع لا تخرُج عَنْ هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث. انتهى. فأما الفرائض، فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به، كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ. وقدِ اختلفَ العلماء: هل الواجبُ والفرضُ بمعنى واحد أم لا؟ فمنهم من قال: هما سواء، وكلُّ واجب بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو غيرِ ذلك من أدلة الشرع، فهو فرضٌ، وهو المشهور عن أصَّحاب الشافعي وغيرهم، وحُكي رواية عن أحمد، لأنه قال: كلُّ ما في الصلاة فهو فرضٌ. ومنهم من قال: بل الفرضُ ما ثبتَ بدليلٍ مقطوع به، والواجبُ ما ثبت بغير مقطوع به، وهو قولُ الحنفيَّةِ وغيرهم. وأكثر النُّصوص عن أحمد تُفرِّق بين الفرض والواجب، فنقلَ جماعةٌ مِنْ أصحابه عنه أنه قال: لا يُسمَّى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر: ما أجترئ أن أقول: إنَّها فرضٌ، مع أنه يقول بوجوبها، فمِنْ أصحابنا مَنْ قال: مراده أن الفرض: ما ثبت بالكتاب، والواجب: ما ثبت بالسنَّة، ومنهم من قال: أراد أن الفرض: ما ثبت بالاستفاضة والنَّقل المتواتر، والواجب: ما ثبت مِنْ جهة الاجتهاد، وساغ الخلافُ في وجوبه.
следующие страницы →