← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وخرَّج أبو بكر الخلّال من رِواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سَلِيط بن قيس عن أبيه أنَّ رجلًا من الأنصار كانت في حائطه نخلةٌ لرجلٍ آخر، فكان صاحبُ النَّخلة لا يَريمُها غدوةً وعشيَّةً، فشقَّ ذلك على صاحب الحائطِ، فأتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال النبيّ ﷺ لصاحب النخلة: "خذ منه نخلةً ممَّا يلي الحائطَ مكانَ نخلتك"، قال: لا واللهِ، قال: "فخذ منِّي ثنتين"، قال: لا والله، قال: "فهبها لي"، قال: لا والله، قال: فردد عليه رسول الله ﷺ فأبى، فأمر النبيُّ ﷺ أن يُعطيه نخلة مكان نخلته (١). وخرَّج أبو داود في "المراسيل" (٢) من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمِّه واسع بن حبَّان، قال: كان لأبي لُبابَة عَذْقٌ في حائط رجلٍ، فكلَّمه، فقال: إنَّك تطأُ حائطي إلى عَذْقِكَ، فأنا أُعطيكَ مثلَه في حائطك، وأخرجه عنِّي، فأبى عليه، فكلم النبيَّ ﷺ فيه، فقال: "يا أبا لُبابة، خذ مثل عَذقك، فحُزْها إلى مالك، واكفُفْ عن صاحبك ما يكره"، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: "اذهب، فأخرج له مثلَ عَذْقِه إلى حائطه، ثمَّ اضرب فوقَ ذلك بجدارٍ، فإنَّه لا ضررَ في الإِسلام ولا ضِرار". ففي هذا الحديث والذي قبلَه إجبارُه على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضررٌ في تركه، وهذا مثلُ إيجاب الشُّفعة لدفع ضررِ الشَّريك الطَّارئ. ويُستدلُّ بذلك أيضًا على وجوب العمارة على الشَّريك الممتنع مِنَ العمارة، وعلى إيجاب البيع إذا تعذَّرَت القسمة، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر،

стр. 737

عن أبيه مرفوعًا: "لا تَعْضِيةَ في الميراث إلا ما احتمل القسم" (١) وأبو بكر: هو ابن عمرو بن حزم، قاله الإِمام أحمد، فالحديث حينئذ مرسل، والتعضية: هي القسمة. ومتى تعذَّرَتِ القسمةُ، لكون المقسوم يتضرَّرُ بقسمته، وطلب أحدُ الشَّريكين البيعَ، أجبر الآخر، وقسم الثَّمنُ، نصَّ عليه أحمدُ وأبو عبيد وغيرهما مِنَ الأئمة. وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به - فإن كان ذلك يضرُّ بمن انتفعَ بملكه، فله المنعُ، كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أن يُطرَحَ عليه خشَبٌ، وأمَّا إن لم يضرَّ به، فهل يجب عليه التَّمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك مِنَ التَّصرُّف في ملكه، وإن أضرَّ بجاره، قال هنا: للجار المنع مِنَ التصرُّف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع، فاختلفوا ها هنا على قولين: أحدهما: المنع ها هنا وهو قول مالك. والثاني: أنه لا يجوزُ المنع، وهو مذهبُ أحمد في طرح الخشب على جدار جاره، ووافقه الشافعيُّ في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابنُ المنذر، وعبدُ الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالكٌ عن بعض قُضاة المدينة. وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يمنعنَّ أحدُكُم جارَه أن يَغرِزَ خشبة على جِداره" قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرِضين، والله

стр. 738

لأَرمِينَّ بها بَيْنَ أكتافِكُم (١). وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرنّ به ولو على بطنِكَ (٢). وفي الإِجبار على ذلك روايتان عن الإِمام أحمد، ومذهبُ أبي ثور الإِجبار على إجراء الماء في أرض جارِه إذا أجراه في قنى في باطن أرضه، نقله عنه حربٌ الكرمانيُّ. ومما يُنهى عن منعه للضَّرر منعُ الماء والكلأ، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ : "لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا به الكلأ" (٣). وفي "سنن أبي داود" (٤) أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ الله، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: "الماء"، قال: يا نبيَّ الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الملح"، قال: ما الشيء الذي لا يحلّ منعه، قال: "أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك". وفيه أيضًا أن النبيَّ ﷺ ، قال: "النَّاس (٥) شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" (٦).

стр. 739

وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يُمنَعُ فضلُ الماء الجاري والنَّابعِ مطلقًا، سواء قيل: إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوبُ بذلِه مجانًا بغيرِ عِوَضٍ للشُّرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذلُه للزُّروع. واختلفوا: هل يجبُ بذلهُ مطلقًا، أو إذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مُفضِيًا إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدلُّ على اختصاصِ المنع بالقُرب من الكلأ، وأما مالكٌ، فلا يجبُ عندَه بذلُ فضلِ الماء المملوك بملك منبعهِ ومجراه إلا للمضطرّ كالمُحاز في الأوعية، وإنما يجب عندَه بذلُ فضل الماء الذي لا يملك. وعند الشافعي: حكم الكلأ كذلك يجوزُ منعُ فضله إلَّا في أرض الموات. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنّه لا يمنعُ فضل الكلأ مطلقًا، ومنهم من قال: لا يمنع أحدٌ الماء والكلأ إلّا أهلَ الثغور خاصَّة، وهو قولُ الأوزاعيِّ، لأنَّ أهلَ الثُّغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدِرُوا أن يتحوَّلوا من مكانهم من وراء بَيضَةِ الإِسلام وأهله. وأما النَّهي عن منع النار، فحملَهُ طائفةٌ من الفُقهاء على النَّهي عن الاقتباس منها دُونَ أعيانِ الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المُورِيَة للنَّارِ، وهو بعيدٌ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنَّار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها، أو يُنضجُ عليها طعامًا ونحوه، لم يبعد.

стр. 740

وأما الملح، فلعلَّه يُحمل على منع أخذِهِ مِنَ المعادن المُباحَة، فإنَّ الملحَ مِنَ المعادن الظَّاهرة، لا يُملَكُ بالإِحياء، ولا بالإِقطاع، نصّ عليه أحمد، وفي "سنن أبي داود" (١) أنَّ النبيَّ ﷺ أقطع رجلًا الملحَ، فقيل له: يا رسول الله إنَّه بمنزلة الماء العدِّ، فانتزعه منه. ومما يدخل في عمومِ قوله ﷺ : "لا ضرَرَ" أنَّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم ألبتَّة، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأسقط اجتناب محظورات الإِحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، وأمرَ بالفدية. وفي "المسند" (٢) عن ابن عباسٍ، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيَّةُ السَّمحةُ". ومن حديث

стр. 741

عائشة (٢) عن النبيِّ ﷺ قال: "إنِّي أرسلتُ بحنيفيَّةٍ سَمحَةٍ" (١). ومن هذا المعنى ما في "الصحيحين" عن أنسٍ أن النبيّ ﷺ : رأى رجلًا يمشي، قيل: إنَّه نذرَ أن يحج ماشيًا، فقال: "إنَّ اللهَ لغنيٌّ عن مشيه، فليركب"، وفي رواية: "إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه" (٢). وفي "السنن" عن عُقبة بن عامر أن أختَه نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله لا يَصنَعُ بشقاءِ أختك شيئًا فلتَركَبْ" (٣). وقد اختلفَ العلماءُ في حكم من نذَر أن يحجَّ ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمهُ المشيُ، وله الرُّكوبُ بكلِّ حالٍ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ. وقال أحمد: يصومُ ثلاثة أيَّام، وقال الأوزاعي: عليه كفَّارةُ يمين، والمشهور أنه يلزمُه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركبُ عند العجز، ولا شيءَ عليه، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ.

стр. 742

وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارةُ يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية. وقيل: بل عليه دمٌ، قاله طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم عطاءٌ ومُجاهدٌ والحسنُ واللَّيثُ وأحمدُ في رواية. وقيل: يتصدَّقُ بكراء ما ركبَ، وروي عن الأوزاعيِّ، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدَّقُ بقدر نفقته عند البيت. وقالت طائفة من الصَّحابة وغيرهم: لا يُجزئُه الرُّكوبُ، بل يَحُجُّ من قابِلٍ، فيمشي ما رَكِبَ، ويركبُ ما مشى، وزاد بعضُهم: وعليه هديٌ، وهو قول مالكٍ إذا كان ما ركبه كثيرًا. وممَّا يدخل في عمومه أيضًا أنَّ من عليه دينٌ لا يُطالَبُ به مع إعساره، بل يُنظَرُ إلى حال إيساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعلى هذا جمهورُ العلماء خلافًا لشريح في قوله: إنَّ الآية مختصَّةٌ بديون الرِّبا في الجاهلية (١)، والجمهورُ أخذُوا باللَّفظ العام، ولا يُكلَّفُ المدينُ أن يقضيَ مما عليه في خروجه من ملكه ضررٌ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاجُ إلى التجارة به لِنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإِمام أحمد.

стр. 743

الحديث الثالث والثلاثون عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْواهُم، لادَّعى رِجالٌ أموالَ قَومٍ ودِماءَهُم ولكن البَيِّنَةُ على المُدَّعي واليَمينُ عَلى مَنْ أَنْكر". حديثٌ حسنٌ، رواهُ البَيهقيُّ (١) وغيرُهُ هكذا، ويَعضُهُ في "الصَّحيحين". أصلُ هذا الحديث خرَّجاه في "الصَّحيحين" من حديث ابن جريج عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" (٢). وخرَّجاه أيضًا من رواية نافع بنِ عمر الجمحي، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس أنَّ النبيِّ ﷺ قضى أنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه (٣). واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابنُ الصَّلاح قبله في الأحاديث الكليات، وقال: رواه البيهقي بإسناد حسن.

стр. 744

وخرَّجه الإِسماعيلي في "صحيحه" (١) من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا ابنُ جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ ، قال: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكنَّ البيِّنةَ على الطَّالب، واليمين على المطلوب". وروى الشَّافعي (٢): أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباسٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "البينة على المُدَّعي" قال الشافعي: وأحسبه - ولا أُثبته - أنه قال: "واليمين على المُدَّعى عليه". وروى محمد بن عمر بن لُبابة الفقيه الأندلسيُّ عن عثمان بن أيوب الأندلسيِّ - ووصفه بالفضل - عن غازي بن قيس، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباسٍ عن النبيِّ ﷺ فذكر هذا الحديث، وقال: "لكن البينة على منِ ادَّعى، واليمين على من أنكر" وغازي بن قيس الأندلسي كبيرٌ صالح، سمع من مالكٍ وابن جريج وطبقتِهما، وسقط من هذا الإِسناد ابنُ جريج والله أعلم. وقد استدلَّ الإِمام أحمد وأبو عبيد بأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "البيِّنةُ على المدعي واليمين على من أنكر"، وهذا يدلُّ على أنَّ اللَّفظ عندهما صحيحٌ محتجٌّ به، وفي المعنى أحاديث كثيرة، ففي "الصحيحين" (٣) عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمنا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "شاهداك أو يمينه"، قلت: إذًا يحلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 745

"من حلف على يمينٍ يستحقُّ بها مالًا هو فيها فاجرٌ، لَقِي الله وهو عليه غضبان"، فأنزل الله تصديقَ ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. وفي رواية لمسلم بعد قوله: "إذًا يحلفُ"، قال: "ليس لك إلَّا ذلك" (١). وخرَّجه أيضًا مسلم (٢) بمعناه من حديث وائلِ بنِ حجر عن النبيِّ ﷺ . وخرَّج الترمذي (٣) من حديث العَرْزَمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال في خطبته: "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المُدَّعى عليه"، وقال: في إسناده مقال، والعَرْزميُّ يضعف في الحديث من قبل حفظه. وخرَّج الدارقطني (٤) من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف - عن

стр. 746

ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمين على من أنكر، إلَّا في القسامة". ورواه الحفاظ عن ابن جريج، عن عمرو مرسلًا. وخرَّجه أيضًا من رواية مجاهد عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال في خطبته يومَ الفتح: "المُدَّعى عليه أولى باليمين إلا أن تقومَ بيِّنة" (١)، وخرَّجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده كلام (٢). وخرَّج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة. وروى حجاج الصَّوَّافُ، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت، قال: قضى رسول الله ﷺ : "أيما رَجُلٍ طلبَ عندَ رجل طلبة، فإنَّ المطلوب هو أولى باليمين". خرَّجه أبو عبيد والبيهقي، وإسناده ثقات، إلا أن حميدَ بنَ هلال ما أظنُّه لقيَ زيدَ بن ثابتٍ، وخرَّجه الدارقطني، وزاد فيه "بغير شهداء" (٣). وخرَّج النسائي (٤) من حديث ابن عباس، قال: جاء خصمان إلى النبيِّ ﷺ ، فادَّعى أحدُهما على الآخر حقًا، فقال النبيُّ ﷺ -للمدَّعي: "أقم بيِّنَتَك"، فقال: يا رسول الله، ما لي بينة، فقال للآخر: "احلِف بالله الذي لا إله إلا هو: ما له عَلَيكَ أو عِندكَ شيء". وقد رُوي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى: إن البيِّنة على المدَّعي،

стр. 747

واليمين على من أنكر (١). وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبيِّ بنِ كعب ولم ينكراه (٢). وقال قتادة: فصلُ الخطاب الذي أوتيه داود ﵇: هو أنَّ البيِّنَة على المدَّعي، واليمين على من أنكر (٣). قال ابنُ المنذر (٤): أجمع أهلُ العلم على أن البيِّنَةَ على المدعي، واليمين على المدعى عليه، قال: ومعنى قوله: "البيِّنة على المدَّعِي" يعني: يستحق بها ما ادَّعى، لأنها واجبةٌ عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله: "اليمين على المدَّعى عليه" أي: يبرأُ بها، لأنها واجبةٌ عليه، يؤخَذُ بها على كلِّ حالٍ. انتهى. وقد اختلف الفقهاءُ من أصحابنا والشَّافعية في تفسير المدَّعي والمدَّعى عليه. فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يُخلَّى وسكوته من الخصمين، والمدَّعى عليه: من لا يُخلَّى وسكوته منهما. ومنهم من قال: المدَّعِي: من يطلبُ أمرًا خفيًّا على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدَّعى عليها بخلافه. وبَنَوا على ذلك مسألةً، وهي: إذا أسلمَ الزَّوجانِ الكافران قبل الدُّخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فنكاحُنا باقٍ، وقالت الزوجةُ: بل سبَق

стр. 748

أحدُنا إلى الإِسلام، فالنِّكاح مُنفسخٌ، فإن قلنا: المدعي من يُخلى وسكوته، فالمرأةُ هي المدَّعي، فيكون القولُ قولَ الزوج، لأنه مدَّعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن قلنا: المدعي من يدعي أمرًا خفيًا، فالمدعي هنا هو الزوج، إذ التقارن في الإِسلام خلاف الظاهر، فالقولُ قولُ المرأةُ؛ لأن الظَّاهر معها. وأما الأمينُ إذا ادعى التَّلف، كالمودَع إذا ادَّعى تلفَ الوديعة، فقد قيل: إنه مدَّعٍ، لأنَّ الأصلَ يُخالِفُ ما ادَّعاه، وإنَّما لم يحتج إلى بينةٍ، لأن المودِعَ ائتمنه، والائتمان يقتضي قَبُولَ قوله. وقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بيّنة هو المدعي، ليُعطى بدعواه مالَ قوم أو دماءَهم، كما ذكر ذلك في الحديث، فأمَّا الأمينُ، فلا يدعي ليُعطى شيئًا، وقيل: بل هو مدَّعى عليه، لأنه إذا سكت، لم يترك، بل لا بدَّ له من ردِّ الجواب، والمودع مدَّعٍ، لأنه إذا سكت ترك؛ ولو ادَّعى الأمينُ ردَّ الأمانة إلى من ائتمنه؛ فالأكثرون على أنَّ قوله مقبولٌ أيضًا كدعوى التَّلف. وقال الأوزاعي: لا يُقبل قوله، لأنه مدَّعٍ. وقال مالكٌ وأحمدُ في رواية: إن ثبت قبضُه للأمانة ببيِّنةٍ، لم يقبل قولُه في الرَّدِّ بدون البينة، ووَجَّهَ بعضُ أصحابنا ذلك بأن الإِشهادَ على دفع الحقوق الثابتة بالبيِّنةِ واجبٌ، فيكونُ تركُه تفريطًا، فيجب به الضَّمانُ، وكذلك قال طائفةٌ منهم في دفع مال اليتيم إليه: لا بدَّ له من بيِّنةٍ، لأن الله تعالى أمر بالإِشهاد عليه فيكون واجبًا. وقد اختلف الفقهاءُ في هذا الباب على قولين: أحدهما: أنَّ البيِّنَة على المدَّعِي أبدًا. واليمين على المدَّعى عليه أبدًا، وهو قولُ أبي حنيفة، ووافقه طائفةٌ مِنَ الفُقهاء والمحدِّثين كالبخاري، وطرَّدوا ذلك في كلِّ دعوى، حتى في القسامة، وقالوا: لا يحلِفُ إلَّا المدَّعى عليه، ورأَوْا أن لا يُقضى بشاهد ويمين، لأنَّ اليمينَ لا تكونُ على المدَّعي، ورأوا أن اليمينَ لا تُرد على المدعي، لأنها لا تكونُ إلَّا في جانب المُنكِر المدعى عليه.

стр. 749

واستدلُّوا في مسألة القسامةِ بما رَوى سعيدُ بن عبيد، حدثنا بُشيرُ بن يسارٍ الأنصاريُّ، عن سهل بن أبي حثمة أنَّه أخبرَه أنَّ نفرًا منهُم انطلقوا إلى خيبر، فتفرَّقوا فيها، فوجدوا أحدَهم قتيلًا، فذكر الحديثَ، وفيه: فقال النبيُّ ﷺ : "تأتوني بالبيِّنةِ على من قتله"، قالوا: ما لنا بيِّنةٌ، قال: "فيحلفون"، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النبيُّ ﷺ أن يُطَلَّ دمُهُ، فوداه مئةً من إبل الصدقة. خرَّجه البخاري، وخرَّجه مسلم مختصرًا ولم يتمَّه، ولكن هذه الرواية تُعارِض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيلِ، وقال فيه: فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : "يُقسِمُ خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيدفع برُمته"، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرّجة بلفظها بكمالها في "الصحيحين" (١). وقد ذكر الأئمَّةُ الحفَّاظُ أنّ رواية يحيى بن سعيدٍ أصحُّ من رواية سعيد بن عُبيدٍ الطَّائي، فإنَّه أجلُّ وأعلم وأحفظ، وهو من أهل المدينة، وهو أعلمُ بحديثهم من الكوفيِّين. وقد ذَكرَ الإِمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيءٍ، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذْهَبُ إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد. وقال النسائيُّ: لا نعلم أحدًا تابعَ سعيد بن عُبيدٍ على روايته عن بشير بن يسار، وقال مسلم في كتاب "التمييز" (٢): لم يحفظه سعيدُ بنُ عُبيدٍ على وجهه، لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبيِّ ﷺ إيَّاهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيءٍ من أخبارهم أنَّ النبي ﷺ

стр. 750

سألهم البيِّنَةَ، وترك سعيد القسامة، وتواطُؤُ الأخبارِ بخلافه يقضي عليه بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد. وقال ابن عبد البرّ في رواية سعيد بن عبيد: هذه روايةُ أهل العراق عن بُشير بن يسار، وروايةُ أهل المدينة عنه أثبتُ، وهم به أقعدُ، ونقلُهم أصحُّ عند أهل العلم. قلت: وسعيد بن عُبيد اختصر قصَّة القسامة، وهي محفوظةٌ في الحديث، وقد خرَّج النسائيُّ (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيَّ ﷺ طلب من ولي القتيل شاهِدين على من قتله، فقال: ومن أين أُصيبُ شاهدين؟ قال: "فتحلِفُ خمسين قسامةً"، قال: كيف أَحلِفُ على ما لم أعلم؟ قال: "فتستحلفُ منهم خمسين قسامة" فهذا الحديث يَجمَعُ به بين روايتي سعيد بن عُبيد، ويحيى بن سعيد، ويكونُ كلٌّ منهما تركَ بعض القصَّة، فترك سعيدٌ ذِكرَ قسامة المدَّعين، وترك يحيى ذكر البيِّنة قبل طلب القسامة والله أعلم. وأما مسألة الشَّاهد مع اليمين، فاستدلّ من أنكر الحكم بالشَّاهد واليمين بحديث: "شَاهِداك أو يمينه" (٢) وقوله ﷺ : "ليس لك إلَّا ذلك" (٢)، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرَّد بها منصورٌ عن أبي وائل، وخالفه سائرُ الرُّواة، وقالوا: إنَّه سأله: "ألك بيِّنَةٌ أم لا؟ " والبيِّنَةُ لا تقف على الشَّاهدين فقط، بل تعمُّ سائر ما يُبيِّنُ الحقَّ. وقال غيرُه: يحتمل أن يريدَ بشاهديه كلَّ نوعين يشهدان للمدَّعي بصحَّة دعواه يتبيَّن بهما الحقّ، فيدخُلُ في ذلك شهادةُ الرجلين، وشهادةُ الرَّجُل مع المرأتين، وشهادةُ الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمانَ المدَّعي مقامَ الشُّهود في اللعان.

стр. 751

وقوله في تمام الحديث: "ليس لك إلَّا ذلك": لم يُرِد به النَّفيَ العامَّ، بل النَّفي الخاصَّ، وهو الذي أراده المدَّعي، وهو أن يكونَ القولُ قولَه بغير بيِّنةٍ، فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قولُه في الحديث الآخر: "ولكن اليمين على المدَّعى عليه" إنَّما أريد بها اليمينُ المجردة عن الشهادة، وأوَّلُ الحديث يدلُّ على ذلك، وهو قوله: "لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجال وأموالهم" فدلَّ على أن قولَه: "اليمين على المُدَّعَى عليه" إنَّما هي اليمينُ القاطعة للمنازَعَةِ مع عدم البينة، وأما اليمينُ المثبتة للحقِّ، مع وجود الشهادة، فهذا نوعٌ آخر، وقد ثبت بسنَّةٍ أخرى. وأمَّا ردُّ اليمين على المدَّعي، فالمشهورُ عن أحمد موافقةُ أبي حنيفة، وأنَّها لا تُرَدُّ، واستدلَّ أحمدُ بحديثِ: "اليمين على المُدَّعى عليه"، وقال في رواية أبي طالب عنه: ما هو ببعيدٍ أن يقال له: تحلف وتستحقُّ، واختار ذلك طائفةٌ مِنْ متأخِّري الأصحاب، وهو قولُ مالك والشافعي وأبي عُبيد، ورُوي عن طائفة مِنَ الصَّحابة، وقد ورد فيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الدارقطني (١) وفي إسناده نظر. قال أبو عبيد: ليس هذا إزالةً لليمين عن موضعها، فإن الإِزالة أن لا يقضي باليمين على المطلوب، فأمَّا إذا قُضِيَ بها عليه، فرضي بيمينِ صاحبه، كان هو الحاكم على نفسه بذلك، لأنَّه لو شاء، لحلف وبرئ، وبطلَت عنه الدَّعوى. والقول الثاني في المسألة: أنَّه يُرجَّحُ جانبُ أقوى المتداعيين، وتجعل اليمينُ في جانبه، هذا مذهب مالكٍ، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهبُ أحمد، وعلى هذا تتوجَّهُ المسائلُ التي تقدَّم ذكرُها مِن الحكم بالقسامة والشَّاهِد واليمين، فإن جانبَ المدعي في القسامة لمَّا قوي باللوث جُعِلَتْ

стр. 752

اليمينُ في جانبه، وحُكِمَ له بها، وكذلك المدَّعي إذا أقام شاهدًا، فإنه قوي جانبه، فحلف معه، وقُضي له. وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: "البينة على المدعي" طريقان: أحدهما: أنَّ هذا خُصَّ من هذا العموم بدليل. والثاني: أن قوله: "البينة على المدعي" ليس بعامٍّ، لأنَّ المرادَ: على المدعي المعهود، وهو من لا حُجَّةَ له سوى الدَّعوى كما في قوله: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالهم"، فأمَّا المدَّعي الذي معه حجةٌ تقوِّي دعواه، فليس داخلًا في هذا الحديث. وطريق ثالث وهو أنَّ البينة: كُلُّ ما بيَّن صحَّة دعوى المدَّعي، وشهِدَ بصدقِه، فاللوثُ مع القسامة بيِّنةٌ، والشَّاهد مع اليمين بيِّنةٌ. وطريق رابع سلكه بعضُهم، وهو الطَّعنُ في صحَّةِ هذه اللفظة، أعني قولَه: "البينة على المدَّعي"، وقالوا: إنَّما الثَّابتُ هو قوله: "اليمينُ على المدَّعى عليه". وقوله: "لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم، لادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم"، يدلُّ على أنَّ مدَّعي الدَّم والمالِ لا بدَّ له مِنْ بيِّنةٍ تدلُّ على ما ادَّعاه، ويدخل في عموم ذلك أنَّ مَنِ ادَّعى على رجلٍ أنَّه قتل موروثَه، وليس معه إلَّا قولُ المقتولِ عند موته: جرحني فلان، أنَّه لا يُكتفى بذلك، ولا يكونُ بمجرَّده لوثًا، وهذا قولُ الجمهور، خلافًا للمالكيَّة، وأنهم جعلوه لوثًا يقسم معه الأولياءُ، ويستحقُّون الدَّم. ويدخل في عمومه أيضًا من قذف زوجته ولاعَنَها، فإنَّه لا يُباحُ دمُها بمجرَّدِ لعانها (١)، وهو قولُ الأكثرين خلافًا للشافعي، واختار قولَه الجوزجانيُّ، لظاهر قوله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]،

стр. 753

والأوَّلون منهم من حمل العذابَ على الحبس، وقالوا: إن لم تلاعِن، حُبِست حتى تُقرَّ أو تُلاعِن، وفيه نظر. ولو ادَّعت امرأةٌ على رجل أنَّه استكرهها على الزِّنى، فالجمهورُ أنَّه لا يثبتُ بدعواها عليه شيء. وقال أشهب من المالكية: لها الصداقُ بيمينها، وقال غيرُه منهم: لها الصَّداقُ بغيرِ يمين، هذا كلُّه إذا كانت ذاتَ قدر، وادَّعت ذلك على متَّهم تليقُ به الدَّعوى، وإن كان المرميُّ بذلك مِنْ أهلِ الصَّلاح، ففي حدِّها للقذف عن مالك روايتان. وقد كان شُريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرَّد القرائن الدَّالَّةِ على صدق أحد المتداعيين، وقضى شُريحٌ في أولاد هرَّةٍ تداعاها امرأتان، كلٌّ منهما تقولُ هي ولد هِرَّتي، قال شُريح: ألقِها مع هذه، فإن هي قرَّت ودرَّت واسبطرَّتْ فهي لها، وإن هي فرت وهرَّت وازبأرت، فليس لها. قال ابن قتيبة (١): قوله: اسبطرّت، يريد: امتدَّت للإِرضاع، وازبأرت: اقشعرَّت وتنفَّشت. وكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشَّافعية، ورجح قولَه ابنُ عقيل مِنْ أصحابنا. وقد رُوي عن الشافعي وأحمد استحسان قولِ القافة في سرقة الأموال، والأخذ بذلك، ونقل ابنُ منصور عن أحمد: إذا قال صاحبُ الزَّرع: أفسدت غنمُك زرعي باللَّيل، يُنظَرُ في الأثر، فإن لم يكن أثرُ غنمِه في الزَّرع، لا بدَّ لصاحب الزَّرع من أن يجيء بالبيِّنَةِ. قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد لأنه مدَّع، وهذا يدلُّ على اتِّفاقهما على الاكتفاء برؤية أثرِ الغنم، وأنَّ البيِّنَةَ إنَّما تُطلب عندَ عدم الأثر. وقوله: "واليمين على المُدَّعى عليه" يدلُّ على أنَّ كلَّ مَنِ ادَّعى عليه

стр. 754

دعوى، فأنكر، فإنَّ عليه اليمينَ، وهذا قولُ أكثرِ الفقهاء، وقال مالك: إنَّما تجبُ اليمينُ على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوعُ مخالطة، خوفًا من أن يتبذَّل السُّفهاءُ الرؤساء بطلب أيمانهم. وعنده: لو ادَّعَى على رجلٍ أنَّه غصبه، أو سرقَ منه، ولم يكن المدَّعى عليه متَّهمًا بذلك، لم يُستَحلَف المدَّعى عليه، وحكي أيضًا عن القاسم بن محمد، وحميد بن عبد الرحمن، وحكاه بعضُهم عن فقهاءِ المدينة السَّبعَةِ، فإن كان من أهل الفضل، وممَّن لا يُشارُ إليه بذلك، أُدِّبَ المدَّعي عندَ مالكٍ، ويُستدلُّ بقوله: "اليمينُ على المدَّعى عليه" على أن المدَّعي لا يمينَ عليه، وإنَّما عليه البيِّنَة، وهو قول الأكثرين. وروي عن عليٍّ أنَّه أحلَفَ المدَّعي مع بيِّنته أنَّ شهودَه شهدُوا بحقٍّ، وفعله أيضًا شُريح، وعبدُ الله بن عتبة بن مسعود وابن أبي ليلى، وسوَّار العنبري وعُبيد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وروي عن النخعي أيضًا. وقال إسحاق: إذا استرابَ الحاكمُ، وجب ذلك. وسأل مهنا الإِمام أحمد عن هذه المسألة، فقال أحمد: قد فعله عليٌّ، فقال له: أيستقيمُ هذا؟ فقال: قد فعله عليٌّ، فأثبت القاضي هذا روايةً عن أحمد، لكنه حملَها على الدَّعوى على الغائب والصَّبيِّ، وهذا لا يصحُّ، لأنَّ عليًّا إنَّما حلَّف المدَّعي مع بيِّنته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون: هذه اليمينُ لتقوية الدَّعوى إذا ضَعُفَتْ باسترابة الشُّهود كاليمين مع الشَّاهد الواحد. وكان بعضُ المتقدمين يُحلِّفُ الشُّهودَ إذا استرابهم أيضًا، ومنهم سوَّارٌ العنبريُّ قاضي البصرة، وجوَّز ذلك القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دونَ القضاة. وقد قال ابنُ عباس في المرأة الشَّاهدة على الرَّضاع: إنها تُستحلَفُ، وأخذ به الإِمام أحمد. وقد دلَّ القرآن على استحلاف الشهودِ عند الارتياب بشهادتهم في الوصيَّة

стр. 755

في السفر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وهذه الآية لم يُنسخ العملُ بها عندَ جمهور السَّلف، وقد عملَ بها أبو موسى، وابن مسعود، وأفتى بها علي، وابن عباس، وهو مذهبُ شريح والنَّخعيّ وابن أبي ليلى، وسفيان والأوزاعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم، قالوا: تُقبل شهادة الكفَّار في وصيَّة المسلمين في السَّفر، ويُستحلَفان مع شهادتهما. وهل يمينهما من باب تكميل الشهادة، فلا يُحكم بشهادتهما بدون يمين، أم من باب الاستظهار عند الريبة؟ وهذا محتمل، وأصحابنا جعلوها شرطًا، وهو ظاهرُ ما روي عن أبي موسى وغيره. وقد ذهب طائفة من السَّلف إلى أنَّ اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب الاستظهار، فإن رأى الحاكمُ الاكتفاءَ بالشَّاهد الواحدِ، لبُروزِ عدالته، وظُهور صِدْقِه، اكتفى بشهادته بدون يمين الطالب. وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] يدلُّ على أنَّه إذا ظهر خللٌ في شهادة الكفّار، حلف أولياء الميت على خيانتهما وكذبهما، واستحقُّوا ما حلَفُوا عليه، وهذا قولُ مجاهدٍ وغيره من السلف. ووجه ذلك أن اليمين في جانب أقوى المتداعيين، وقد قَوِيَتْ ها هنا دعوى الورثةِ بظهور كذب الشُّهود الكفَّار، فتردُّ اليمينُ على المدَّعين، ويحلفون مع اللوث (١)، ويستحقُّون ما ادَّعوهُ، كما يحلفُ الأولياءُ في القسامة مع اللوث،

стр. 756

ويستحقون بذلك الدِّيَةَ والدَّم أيضًا عندَ مالكٍ وأحمد وغيرهما. وقضى ابنُ مسعود في رجل مسلم حضره الموت، فأوصى إلى رجلين مسلمين معه، وسلَّمهما ما معه مِنَ المال، وأشهدَ على وصيَّته كفارًا، ثم قدم الوصيّان، فدفعا بعض المال إلى الورثة، وكتما بعضَه، ثمَّ قدم الكفَّارُ، فشهدوا عليهم بما كتموه منَ المال، فدعا الوصيَّينِ المسلِمَين، فاستحلفهما: ما دفع إليهما أكثرَ ممَّا دفعاه، ثم دعا الكفَّارَ، فشهدُوا وحلفوا على شهادتهم، ثم أمر أولياءَ الميت أن يحلِفوا أنَّ ما شهدت به اليهودُ والنَّصارى حقٌّ، فحلَفُوا، فقضى على الوصِيَّين بما حلفوا عليه (١)، وكان ذلك في خلافة عثمان، وتأوَّل ابنُ مسعودٍ الآية على ذلك، فكأنَّه قابلَ بين يمين الأوصياء والشُّهود الكفار فأسقطهما، وبقي مع الورثة شهادة الكفَّار، فحلفُوا معها، واستحقُّوا، لأنَّ جانبَهم ترجَّح بشهادة الكفَّار لهم، فجعل اليمينَ مع أقوى المتداعيين، وقضى بها. واختلف الفقهاء: هل يُستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن أحمد أو لا يستحلف إلَّا فيما يقضى فيه بالنُّكول كرواية عن أحمد؟ أو لا يستحلف إلا فيما يصحّ بذله كما هو المشهور عن أحمد؟ أو لا يستحلف إلَّا في كلِّ دعوى لا تحتاجُ إلى شاهدين كما حُكي عن مالك؟ وأما حقوقُ الله ، فمن العلماءِ من قال: لا يُستحلفُ فيها بحالٍ، وهو قولُ أصحابنا وغيرهم، ونصَّ عليه أحمدُ في الزَّكاة، وبه قال طاووسٌ والثوريُّ والحسن بن صالحٍ وغيرهم، وقال أبو حنيفة ومالكٌ واللَّيثُ والشافعيُّ:

стр. 757

إذا اتُّهمَ، فإنَّه يُستحلَفُ، وكذا حُكي عن الشَّافعي فيمن تزوَّجَ مَنْ لا تحلُّ له، ثمَّ ادعى الجهلَ، أنَّه يُحلَّفُ على دعواه، وكذا قال إسحاق في طلاق السَّكران: يحلف أنَّه ما كان يعقل، وفي طلاق النَّاسي: يحلف على نسيانه، وكذا قال القاسمُ بن محمَّد وسالم بن عبد الله في رجل قال لامرأته: أنت طالقٌ: يحلفُ أنَّه ما أرادَ به الثَّلاثَ، وتردُّ إليه. وخرَّج الطبراني (١) من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كان أُناسٌ مِنَ الأعراب يأتونَ بلحمٍ، فكان في أنفسنا منه شيءٌ، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اجْهَدُوا أيمانَهم إنهم ذبحوها، ثمَّ اذكُروا اسمَ اللهِ وكلُوا" وأبو هارون ضعيف جدًا. وأما المؤتمن في حُقوق الآدميِّينَ حيث قُبِلَ قولُه، فهل عليه يمين أم لا؟ فيه ثلاثةُ أقوال للعلماء: أحدها: لا يمينَ عليه، لأنه صدَّقه بائتمانِه، ولا يمين مع التَّصديقِ، وبالقياسِ على الحاكم، وهذا قولُ الحارث العُكلي. والثاني: عليه اليمينُ، لأنه منكر، فيدخل في عموم قوله: "واليمين على من أنكر"، وهو قولُ شريحٍ وأبي حنيفة والشَّافعيّ ومالكٍ في رواية، وأكثر أصحابنا. والثالث: لا يمينَ عليه إلَّا أن يُتَّهَمَ وهو نصُّ أحمد، وقول مالك في رواية لما تقدم مِنَ ائتمانه. وأمَّا إذا قامت قرينةٌ تُنافي حالَ الائتمان، فقد اختلَّ معنى الائتمان.

стр. 758

وقوله: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" إنَّما أُريد به إذا ادَّعى على رجلٍ ما يدَّعيه لنفسه، وينكر أنَّه لمن ادَّعاه عليه، ولهذا قال في أوّل الحديث: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماء قومٍ وأموالهم"، فأما من ادَّعى ما ليس له مدَّعٍ لنفسه، منكر لدعواه، فهذا أسهلُ مِنَ الأوَّلِ، ولا بدَّ للمدَّعي هنا من بيِّنةٍ، ولكن يُكتفى مِنَ البيِّنَةِ هنا بما لا يُكتفى بها في الدَّعوى على المدَّعي لنفسه المنكر. ويشهد لذلك مسائل: منها: اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنَّها تُدفَعُ إليه بغيرِ بيِّنَةٍ بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوزُ الدَّفعُ إذا غلب على الظَّنِّ صِدقُهُ، ولا يجبُ، كقول الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من يقول: يجب دفعُها بذكرِ الوصف المطابق، كقول مالك وأحمد. ومنها: الغنيمة إذا جاء من يدَّعي منها شيئًا، وأنَّه كان له، واستولى عليه الكفّار، وأقام على ذلك ما يُبيِّنُ أنَّه له اكتُفي به، وسُئِلَ عن ذلك أحمد وقيل له: فيريد على ذلك بينة؟ قال: لا بدّ مِنْ بيانٍ يدلُّ على أنَّه له، وإن علم ذلك، دفعه إليه الأمير. وروى الخلال بإسناده عن الرُّكين بن الربيع، عن أبيه قال: جشر (١) لأخي فرس بعين التمر، فرآه في مربط سعدٍ، فقال: فرسي، فقال سعد: ألك بينة؟ قال: لا، ولكن أَدْعُوه، فَيُحَمْمِمُ، فدعاه فحمحم، فأعطاه إيَّاه، وهذا يحتمل أنه كان لحق بالعدوِّ، ثم ظهر عليه المسلمون، ويحتمل أنه عرف أنه ضالٌّ، فوضع بين الدواب الضالة، فيكون كاللقطة. ومنها الغصوب إذا علم ظلم الولاة، وطلب ردَّها من بيت المال، قال أبو الزناد: كان عمر بنُ عبد العزيز يردُّ المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان

стр. 759

يكتفي باليسير، إذا عرف وجه مَظْلمةِ الرَّجُلِ ردَّها عليه، ولم يكلِّفْهُ تحقيقَ البيِّنةِ، لما يعرف مِنْ غشم الوُلاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق في ردِّ المظالم حتى حُمِلَ إليها مِنَ الشَّامِ، وذكر أصحابُنا أنَّ الأموالَ المغصوبةَ مع قُطَّاعِ الطَّريق واللصوص يُكتفى مِن مدَّعيها بالصِّفَة كاللقطة، ذكره القاضي في خلافه، وأنَّه ظاهرُ كلام أحمد.

стр. 760

الحديث الرابع والثلاثون عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: "مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغيِّرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإِيمانِ". رواه مُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلمٌ من رواية قيس بن مسلم، عن طارق بنِ شهاب، عن أبي سعيد، ومن رواية إسماعيل بن رجاءٍ، عن أبيه عن أبي سعيد، وعنده في حديث طارق قال: أوَّلُ مَنْ بدأ بالخطبة يومَ العيد قبلَ الصَّلاة مروانُ، فقام إليه رجلٌ، فقال: الصَّلاةُ قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هُنالك، فقال أبو سعيد: أمَّا هذا، فقد قضى ما عليه، ثمَّ روى هذا الحديث. وقد روي معناه من وجوه أُخَر، فخرَّج مسلم (٢) من حديث ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما من نبيٍّ بعثه الله في أمَّةٍ قبلي، إلَّا كان له مِنْ أمَّته حواريُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسُنَّته، ويقتدونَ بأمرِه، ثمَّ إنَّها تَخلُفُ مِن بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدَهم بيده، فهو مؤمنٌ، ومَنْ جاهَدهم بلسانه، فهو مؤمنٌ، ومَنْ جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ، ليس وراء ذلك مِنَ الإِيمان حبَّةُ خردلٍ".

стр. 761

وروى سالمٌ المراديُّ عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطَّاب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "سَيُصيبُ أُمَّتي في آخر الزَّمان بلاءٌ شديدٌ من سُلطانهم، لا ينجو منه إلا رجُلٌ عرف دين الله بلسانه ويده وقلبِه، فذلك الَّذي سبقت له السَّوابق، ورجلٌ عرف دينَ الله فصدَّق به، وللأوَّلِ عليه سابقةٌ، ورجلٌ عرف دينَ الله، فسكت، فإن رأى مَنْ يعملُ بخيرٍ، أحبَّه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل، أبغضَه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه" وهذا غريبٌ، وإسناده منقطع (١). وخرَّج الإِسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي - وهو ضعيف جدًا (٢) - عن مولى لعمرَ، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تُوشِكُ هذه الأمة أن تَهلِكَ إلَّا ثلاثةَ نفر: رجل أنكرَ بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جبُن بيده، فبلسانه وقلبه، فإن جبُن بلسانه وبيده فبقلبه". وخرَّج أيضًا من رواية الأوزاعي عن عُمير بن هانئ، عن عليٍّ سمع النبيَّ ﷺ يقول: "سيكون بعدي فتنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغيِّر بيدٍ ولا بلسانٍ"، قلتُ: يا رسولَ الله، وكيف ذاك؟ قال: "يُنكرونه بقلوبهم"، قلتُ: يا رسول الله، وهل يَنقُصُ ذلك إيمانَهم شيئًا؟ قال: "لا، إلا كما يَنقُصُ القَطْرُ من الصَّفا"، وهذا الإِسناد منقطع (٣). وخرَّج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ ضعيفٍ (٤).

стр. 762

فدلَّت هذه الأحاديثُ كلُّها على وُجُوبِ إنكارِ المنكرِ بحسب القُدرة عليه، وأن إنكارَه بالقلب لا بدَّ منه، فمن لم يُنكِرْ قلبُه المنكرَ، دلَّ على ذَهاب الإِيمانِ مِنْ قلبِه. وقد رُوي عن أبي جُحيفة، قال: قال عليٌّ: إنَّ أوّل ما تُغلبونَ عليه مِنَ الجِهادِ: الجهادُ بأيديكم، ثم الجهادُ بألسنتكم، ثم الجهادُ بقلوبكم، فمن لم يعرف قَلبهُ المعروفَ، ويُنكرُ قلبهُ المنكرَ، نُكِسَ فجُعِل أعلاه أسفلَه. وسمع ابن مسعود رجلًا يقول: هَلَكَ مَنْ لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال ابنُ مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر (١)، يشير إلى أن معرفة المعروفِ والمنكرِ بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هَلَكَ. وأمَّا الإِنكارُ باللسان واليد، فإنما يجبُ بحسب الطاقةِ، وقال ابنُ مسعود: يوشك مَنْ عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيعُ له غيرَ أن يعلمَ اللهُ من قلبه أنَّه له كارهٌ. وفي "سنن أبي داود" (٢) عن العُرس بن عَميرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا عُمِلَت الخطيئةُ في الأرض، كان من شَهدَها، فكرهها كمن غاب عنها، ومَنْ غابَ عنها، فرَضِيها، كان كمن شهدها"، فمن شَهِدَ الخطيئةَ، فكرهها بقلبه، كان كمن لم يشهدها إذا عجَزَ عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأنَّ الرِّضا بالخطايا من أقبح المحرَّمات، ويفوت به إنكارُ الخطيئة بالقلب، وهو فرضٌ على كلِّ مسلم، لا يسقطُ عن أحدٍ في حالٍ من الأحوال.

стр. 763

وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من حضر معصيةً فكرهها، فكأنَّه غاب عنها، ومن غاب عنها، فأحبها، فكأنَّه حضرها" (١) وهذا مثلُ الذي قبله. فتبيَّن بهذا أنَّ الإِنكارَ بالقلب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ. في كلِّ حالٍ، وأمَّا الإِنكارُ باليدِ واللِّسانِ فبحسب القُدرة، كما في حديث أبي بكرٍ الصدِّيق ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيِّروا، فلا يغيِّروا، إلا يُوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابٍ" خرجه أبو داود بهذا اللفظ، وقال: قال شعبةُ فيه: "ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أكثرُ ممن يعمله" (٢). وخرَّج أيضًا من حديث جرير سَمِعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "ما مِنْ رجلٍ يكونُ في قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، يقدِرونَ أن يُغيِّروا عليه، فلا يُغيِّرون، إلَّا أصابهُم الله بعقابٍ قبلَ أن يموتُوا". وخرَّجه الإِمام أحمد، ولفظه: "ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أعزُّ وأكثر ممَّن يعملُه، فلم يغيِّروهُ، إلَّا عمهُم اللهُ بعقاب" (٣). وخرَّج أيضًا من حديث عديّ بن عَميرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله لا يعذِّبُ العامَّةَ بعمل الخاصَّة حتَّى يروا المنكرَ بين ظهرانيهم وهم

стр. 764

قادرون على أن يُنكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذَّبَ الله الخاصة والعامَّة" (١). وخرَّج أيضًا هو وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ الله ليسألُ العبدَ يومَ القيامة، حتَّى يقول: ما منعكَ إذا رأيتَ المنكر أن تُنكِرَه، فإذا لَقَّنَ الله عبدًا حجَّته، قال: يا ربِّ، رجوتُك، وفَرقْتُ النَّاسَ" (٢). فأما ما خرجه الترمذيُّ، وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد أيضًا، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في خطبته: "ألا لا يَمنعَنَّ رجلًا هيبةُ النَّاس أن يقول بحقٍّ إذا علمه"، وبكى أبو سعيد، وقال: قد واللهِ رأينا أشياءَ فهِبنا. وخرَّجه الإِمام أحمد، وزاد فيه: "فإنَّه لا يُقرِّب من أجلٍ، ولا يُباعِدُ من رزقٍ أن يُقال بحقٍّ أو يُذَكِّرَ بعظيمٍ" (٣). وكذلك خرَّج الإِمامُ أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَحقِرْ أحدُكم نفسَه"، قالوا: يا رسولَ الله، كيف يحقرُ أحدُنا نفسه؟ قال: "يرى أمرَ الله عليه فيه مقالٌ، ثمَّ لا يقول فيه، فيقولُ الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقولَ فيَّ كذا وكذا؟ فيقول: خشيةُ النَّاسِ، فيقول الله: إيَّايَ كنتَ أحقَّ أن تخشى" (٤).

стр. 765

فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانعُ له من الإنكار مجرَّدَ الهيبة، دُونَ الخوفِ المسقط للإِنكار. قال سعيدُ بنُ جبير: قلتُ لابنِ عباس: آمرُ السُّلطانَ بالمعروفِ وأنهاه عن المنكر؟ قال: إنْ خِفتَ أن يقتُلَك، فلا، ثم عُدْتُ، فقال لي مثلَ ذلك، ثم عدتُ، فقال لي مثلَ ذلك، وقال: إن كنتَ لا بدَّ فاعلًا، ففيما بينَك وبينه. وقال طاووس: أتى رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: ألا أقومُ إلى هذا السُّلطان فآمره وأنهاهُ؟ قال: لا تكن له فتنةً، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصيةِ اللهِ؟ قال: ذلك الَّذي تريد، فكن حينئذٍ رجلًا. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ مسعود الذي فيه: "يخلف من بعدهم خُلوفٌ، فمن جاهدَهم بيدِه، فهو مؤمنٌ" الحديث (١)، وهذا يدلُّ على جهاد الأمراءِ باليد. وقد استنكر الإِمامُ أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلافُ الأحاديث التي أمر رسول الله ﷺ فيها بالصَّبر على جَوْرِ الأئمة. وقد يجاب عن ذلك: بأنَّ التَّغييرَ باليدِ لا يستلزمُ القتالَ. وقد نصَّ على ذلك أحمدُ أيضًا في رواية صالحٍ، فقال: التَّغييرُ باليد ليسَ بالسَّيف والسِّلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراءِ باليد أنْ يُزيلَ بيده ما فعلوه مِنَ المنكرات، مثل

стр. 766

أن يُريق خمورَهم أو يكسِرَ آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبطل بيده ما أمروا به مِنَ الظُّلم إن كان له قُدرةٌ على ذلك، وكلُّ هذا جائزٌ، وليس هو من باب قتالهم، ولا مِنَ الخروج عليهم الذي ورد النَّهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثرُ ما يخشى منه أن يقتل الآمر وحده. وأما الخروج عليهم بالسَّيف، فيخشى منه الفتنُ التي تؤدِّي إلى سفك دماءِ المسلمين. نعم، إنْ خشي في الإِقدام على الإِنكار على الملوك أن يؤذي أهلَه أو جيرانه، لم ينبغِ له التعرُّض لهم حينئذ، لما فيه مِنْ تعدِّي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيلُ بنُ عياض وغيره، ومع هذا، فمتى خافَ منهم على نفسه السَّيف، أو السَّوط، أو الحبس، أو القيد، أو النَّفيَ، أو أخذ المال، أو نحوَ ذلك مِنَ الأذى، سقط أمرُهم ونهيُهم، وقد نصَّ الأئمَّةُ على ذلك، منهم مالكٌ وأحمدُ وإسحاق وغيرهم. قال أحمد: لا يتعرَّضُ للسُّلطان، فإنَّ سيفَه مسلولٌ. وقال ابنُ شُبرمَة: الأمرُ بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكر كالجهاد، يجبُ على الواحد أن يُصابِرَ فيه الاثنين، ويَحْرُم عليه الفرارُ منهما، ولا يجبُ عليهم مصابرةُ أكثرَ من ذلك. فإن خافَ السَّبَّ، أو سَماعَ الكلامِ السَّيئ، لم يسقط عنه الإِنكار بذلك نصَّ عليه الإِمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقوِيَ عليه، فهو أفضلُ، نصّ عليه أحمد أيضًا، وقيل له: أليس قد جاء عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه" (١) أن يعرّضها مِنَ البلاء لما لا طاقة له به، قال: ليس هذا من ذلك.

стр. 767

ويدلُّ على ما قاله ما خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذيُّ من حديث أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الجهاد كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ" (١). وخرَّج ابنُ ماجه معناه من حديث أبي أُمامة (٢).

стр. 768

وفي "مسند البزار" (١) بإسنادٍ فيه جهالة، عن أبي عُبيدة بن الجراح، قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الشُّهداءِ أكرم على اللهِ؟ قال: "رجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ، فامره بمعروفٍ، ونهاه عن منكر فقتله". وقد رُوي معناه من وجوه أخر كلُّها فيها ضعفٌ. وأما حديثُ: "لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه"، فإنَّما يدلُّ على أنَّه إذا عَلِمَ أنَّه لا يُطيق الأذى، ولا يصبرُ عليه، فإنَّه لا يتعرَّض حينئذٍ للآمر، وهذا حقٌّ، وإنَّما الكلامُ فيمن عَلِمَ من نفسه الصَّبر، كذلك قاله الأئمَّةُ، كسفيانَ وأحمد، والفضيل بن عياض وغيرهم. وقد رُوي عن أحمد ما يدلُّ على الاكتفاء بالإِنكارِ بالقلب، قال في رواية أبي داود (٢): نحن نرجو إن أنكَرَ بقلبه، فقد سَلِم، وإن أنكر بيده، فهو أفضل، وهذا محمولٌ على أنه يخاف كما صرَّح بذلك في رواية غيرِ واحدٍ. وقد حكىِ القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنَّه لا يقبلُ منه، وصحح القولَ بوجوبه، وهو قولُ أكثرِ العلماء. وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرةٌ، وهذا كما أخبر الله عن الذين أنكروا على المعتدين في السَّبت أنَّهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً (٣) إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:

стр. 769

١٦٤]، وقد ورد ما يستدلُّ به على سقوط الأمر والنهي عندَ عدم القَبول والانتفاع به، ففي "سنن" أبي داود وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنَّه قيل له: كيف تقولُ في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: أما والله لقد سألتُ عنها رسول الله ﷺ ، فقال: "بل ائتمِروا بالمعروف، وانتهُوا عن المنكرِ، حتَّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبعًا، ودُنيا مُؤْثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليكَ بنفسك، ودع عنك أمر العوامِّ" (١). وفي "سنن أبي داود" (٢) عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ ، إذ ذكر الفتنة، فقال: "إذا رأيتُمُ النَّاس مَرَجَتْ عهودُهم، وخفَّت أماناتُهم، وكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، فقمتُ إليه، فقلت: كيف أفعلُ عندَ ذلك، جعلني الله فداك؟ قال: "الزم بيتَك، واملِكْ عليك لسانك، وخُذْ بما تَعرِفُ، ودع ما تُنكرُ، وعليك بأمر خاصَّةِ نفسك، ودع عنك أمرَ العامَّة". وكذلك رُوي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قالوا: لم يأت تأويلُها بعدُ، إنَّما تأويلُها في آخر الزمان. وعن ابن مسعود، قال: إذا اختلفتِ القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستُم شِيَعًا، وذاقَ بعضُكم بأسَ بعضٍ، فيأمرُ الإِنسانُ حينئذٍ نفسَه، حينئذ تأويل هذه الآية (٣).

стр. 770

وعن ابن عمرَ، قال: هذه الآية لأقوامٍ يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقبَلْ منهم (١). وقال جبير بنُ نُفيرٍ عن جماعة من الصَّحابة، قالوا: إذا رأيتَ شحًّا مُطاعًا وهوىً متَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسِكَ، لا يضرُّكَ من ضلَّ إذا اهتديتَ (٢). وعن مكحول، قال: لم يأتِ تأويلها بعدُ، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذٍ بنفسك لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديت. وعن الحسن: أنَّه كان إذا تلا هذه الآية، قال: يا لها مِنْ ثقةٍ ما أوثقها! ومن سَعةٍ ما أوسَعها! (٣). وهذا كلُّه قد يُحمل على أنَّ من عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضَّرر، سقط عنه، وكلامُ ابن عمر يدلُّ على أنَّ من عَلِمَ أنَّه لا يُقبل منه، لم يجب عليه، كما حُكي روايةً عن أحمد، وكذا قال الأوزاعيُّ: مُرْ من ترى أن يقبلَ منك. وقوله ﷺ في الذي يُنكر بقلبه: "وذلك أضعفُ الإِيمان" يدلُّ على أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ من خصال الإِيمان، ويدلُّ على أنَّ من قدرَ على خَصلةٍ من خصال الإِيمان وفعلها، كان أفضلَ مِمَّن تركها عجزًا عنها، ويدلُّ على ذلك أيضًا قوله ﷺ في حقِّ النِّساء: "أمَّا نُقصانُ دينها، فإنَّها تمكثُ الأيَّام واللَّيالي لا تصلِّي" (٤) يُشيرُ إلى أيَّامِ الحيض، مع أنها ممنوعةٌ من الصَّلاةِ

стр. 771

حينئذ، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدلَّ على أن من قدَرَ على واجبٍ وفعله، فهو أفضلُ ممَّن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه، والله أعلم. وقوله ﷺ : "مَنْ رأى منكم منكرًا" يدلُّ على أنَّ الإِنكارَ متعلِّقٌ بالرُّؤية، فلو كان مستورًا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوصُ عن أحمد في أكثر الروايات أنَّه لا يعرِضُ له، وأنه لا يفتِّش على ما استراب به، وعنه رواية أخرى أنَّه يكشف المغطَّى إذا تحقَّقه، ولو سَمِعَ صوتَ غناءٍ محرَّمٍ أو آلات الملاهي، وعلم المكانَ التي هي فيه، فإنه يُنكرها، لأنه قد تحقَّق المنكر، وعلم موضعَه، فهو كما رآه، نصَّ عليه أحمد، وقال: إذا لم يعلم مكانَه، فلا شيءَ عليه. وأمَّا تسوُّرُ الجدران على من علم اجتماعَهم على منكرٍ، فقد أنكره الأئمَّةُ مثلُ سفيان الثَّوري وغيره، وهو داخلٌ في التجسُّس المنهيِّ عنه، وقد قيل لابن مسعود: إنَّ فلانًا تقطر لحيتُه خمرًا، فقال: نهانا الله عَنِ التَّجسُّس (١). وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "الأحكام السلطانية": إن كان في المُنكرِ الذي غلب على ظنِّه الاستسرارُ به بإخبار ثقةٍ عنه انتهاكُ حرمة يفوتُ استدراكُها كالزنى والقتل، جاز التجسسُ والإِقدام على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وإن كان دُونَ ذلك في الرُّتبة، لم يجز التَّجسُّسُ عليه، ولا الكشفُ عنه. والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمَعًا عليه، فأمَّا المختَلَفُ فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكارُه على من فعله مجتهدًا فيه، أو مقلِّدًا لمجتهدٍ تقليدًا سائغًا. واستثنى القاضي في "الأحكام السلطانية" ما ضَعُفَ فيه الخلافُ وكان

стр. 772

ذريعةً إلى محظورٍ متَّفقٍ عليه، كربا النقدِ الخلاف فيه ضعيفٌ، وهو ذريعةٌ إلى ربا النَّساء المتَّفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنَّه ذريعةٌ إلى الزِّنى. وذكر عن أبي إسحاق بن شاقلا أنَّه ذكرَ أنَّ المتعة هي الزنى صراحًا. وعن ابن بطة أنَّه قال: لا يفسخ نكاحٌ حكم به قاضٍ إذا كان قد تأوَّل فيه تأويلًا، إلَّا أن يكون قضى لرجلٍ بعقدِ متعة، أو طلق ثلاثًا في لفظٍ واحدٍ، وحكم بالمراجعة من غيرِ زوجٍ، فحكمُهُ مردودٌ، وعلى فاعله العقوبةُ والنَّكالُ. والمنصوصُ عن أحمد: الإِنكارُ على اللَّاعب بالشطرنج، وتأوَّله القاضي على من لعب بها بغيرِ اجتهادٍ، أو تقليدٍ سائغٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ المنصوصَ عنه أنه يُحَدُّ شاربُ النَّبيذِ المختلفِ فيه، وإقامةُ الحدّ أبلغُ مراتبِ الإِنكارِ، مع أنَّه لا يفسق بذلك عنده، فدلَّ على أنَّه ينكَرُ كلُّ مختلفٍ فيه ضَعفُ الخلافُ فيه، لدلالة السُّنَّة على تحريمه، ولا يخرجُ فاعلُه المتأوّل مِنَ العدالة بذلك، والله أعلم. وكذلك نصَّ أحمدُ على الإِنكار على من لا يتم صلاتَه ولا يُقيم صلبه من الرُّكوعِ والسُّجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك. واعلم أنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكرِ تارةً يحمِلُ عليه رجاءُ ثوابه، وتارةً خوفُ العقابِ في تركه، وتارةً الغضب للهِ على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحةُ للمؤمنين، والرَّحمةُ لهم، ورجاء إنقاذهم ممَّا أوقعوا أنفسهم فيه من التعرُّض لغضب الله وعقوبته في الدُّنيا والآخرة، وتارةً يحملُ عليه إجلالُ اللهِ وإعظامُه ومحبَّتهُ، وأنَّه أهلٌ أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، وأن يُفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعضُ السلف (١): وددت أنَّ الخلقَ كلَّهم أطاعوا الله، وإنَّ لحمي قُرِض بالمقاريض. وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: ودِدتُ أنِّي غلت بيَ وبكَ القدورُ في الله .

стр. 773

ومن لَحَظَ هذا المقامَ والذي قبله، وإن عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبيُّ ﷺ لمَّا ضربه قومُه فجعل يمسَحُ الدَّمَ عن وجهه، ويقول: "ربّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١). وبكلِّ حالٍ يتعين الرفقُ في الإِنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عنِ المنكرِ إلَّا من كان فيه خصالٌ ثلاثٌ: رفيقُ بما يأمرُ، رفيقٌ بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالم بما ينهى (٢). وقال أحمد: النَّاسُ محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غِلظةٍ إلا رجل معلن بالفسق، فلا حُرمَةَ له، قال: وكان أصحابُ ابن مسعود إذا مرُّوا بقومٍ يرون منهم ما يكرهونَ، يقولون: مهلًا رحمكم الله، مهلًا رحمكم الله. وقال أحمد: يأمر بالرِّفقِ والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره، لا يغضب، فيكون يريدُ ينتصرُ لنفسه.

стр. 774

الحديث الخامس والثلاثون عَنْ أبي هُريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "لَا تَحَاسَدُوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا، المُسلِمُ أخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقوى ها هُنا"، - ويُشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ - "بحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ". رواه مسلم (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية أبي سعيدٍ مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيز عن أبي هريرة، وأبو سعيد هذا لا يعرَفُ اسمُه، وقد روى عنه غيرُ واحدٍ، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال ابن المديني: هو مجهول. وروى هذا الحديث سفيان الثوري، فقال فيه: عن سعيد بن يسار، عن أبي هُريرة، ووهم في قوله: "سعيد بن يسار"، إنَّما هو: أبو سعيد مولى ابنِ كُريز، قاله أحمد ويحيى والدَّارقطني، وقد رُوِي بعضُه من وجه آخر. وخرَّجه وخرَّجه الترمذي (٢) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يخونُه ولا يكذِبُه ولا يَخذُلُه، كلُّ المسلمِ على

стр. 775

المسلم حرامٌ: عِرْضُه وماله ودمُه، التقوى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم". وخرَّج أبو داود (١) من قوله: "كلُّ المسلم" إلى آخره. وخرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا تحاسَدُوا ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضوا ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا" (٢). وخرَّجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة (٣). وخرَّج الإِمام أحمد من حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كُلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وعرضه، وماله، المسلم أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يَخذُلُه، والتَّقوى ها هنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسبُ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم" (٤).
следующие страницы →