← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حينئذ، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدلَّ على أن من قدَرَ على واجبٍ وفعله، فهو أفضلُ ممَّن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه، والله أعلم. وقوله ﷺ : "مَنْ رأى منكم منكرًا" يدلُّ على أنَّ الإِنكارَ متعلِّقٌ بالرُّؤية، فلو كان مستورًا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوصُ عن أحمد في أكثر الروايات أنَّه لا يعرِضُ له، وأنه لا يفتِّش على ما استراب به، وعنه رواية أخرى أنَّه يكشف المغطَّى إذا تحقَّقه، ولو سَمِعَ صوتَ غناءٍ محرَّمٍ أو آلات الملاهي، وعلم المكانَ التي هي فيه، فإنه يُنكرها، لأنه قد تحقَّق المنكر، وعلم موضعَه، فهو كما رآه، نصَّ عليه أحمد، وقال: إذا لم يعلم مكانَه، فلا شيءَ عليه. وأمَّا تسوُّرُ الجدران على من علم اجتماعَهم على منكرٍ، فقد أنكره الأئمَّةُ مثلُ سفيان الثَّوري وغيره، وهو داخلٌ في التجسُّس المنهيِّ عنه، وقد قيل لابن مسعود: إنَّ فلانًا تقطر لحيتُه خمرًا، فقال: نهانا الله عَنِ التَّجسُّس (١). وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "الأحكام السلطانية": إن كان في المُنكرِ الذي غلب على ظنِّه الاستسرارُ به بإخبار ثقةٍ عنه انتهاكُ حرمة يفوتُ استدراكُها كالزنى والقتل، جاز التجسسُ والإِقدام على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وإن كان دُونَ ذلك في الرُّتبة، لم يجز التَّجسُّسُ عليه، ولا الكشفُ عنه. والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمَعًا عليه، فأمَّا المختَلَفُ فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكارُه على من فعله مجتهدًا فيه، أو مقلِّدًا لمجتهدٍ تقليدًا سائغًا. واستثنى القاضي في "الأحكام السلطانية" ما ضَعُفَ فيه الخلافُ وكان

стр. 772

ذريعةً إلى محظورٍ متَّفقٍ عليه، كربا النقدِ الخلاف فيه ضعيفٌ، وهو ذريعةٌ إلى ربا النَّساء المتَّفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنَّه ذريعةٌ إلى الزِّنى. وذكر عن أبي إسحاق بن شاقلا أنَّه ذكرَ أنَّ المتعة هي الزنى صراحًا. وعن ابن بطة أنَّه قال: لا يفسخ نكاحٌ حكم به قاضٍ إذا كان قد تأوَّل فيه تأويلًا، إلَّا أن يكون قضى لرجلٍ بعقدِ متعة، أو طلق ثلاثًا في لفظٍ واحدٍ، وحكم بالمراجعة من غيرِ زوجٍ، فحكمُهُ مردودٌ، وعلى فاعله العقوبةُ والنَّكالُ. والمنصوصُ عن أحمد: الإِنكارُ على اللَّاعب بالشطرنج، وتأوَّله القاضي على من لعب بها بغيرِ اجتهادٍ، أو تقليدٍ سائغٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ المنصوصَ عنه أنه يُحَدُّ شاربُ النَّبيذِ المختلفِ فيه، وإقامةُ الحدّ أبلغُ مراتبِ الإِنكارِ، مع أنَّه لا يفسق بذلك عنده، فدلَّ على أنَّه ينكَرُ كلُّ مختلفٍ فيه ضَعفُ الخلافُ فيه، لدلالة السُّنَّة على تحريمه، ولا يخرجُ فاعلُه المتأوّل مِنَ العدالة بذلك، والله أعلم. وكذلك نصَّ أحمدُ على الإِنكار على من لا يتم صلاتَه ولا يُقيم صلبه من الرُّكوعِ والسُّجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك. واعلم أنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكرِ تارةً يحمِلُ عليه رجاءُ ثوابه، وتارةً خوفُ العقابِ في تركه، وتارةً الغضب للهِ على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحةُ للمؤمنين، والرَّحمةُ لهم، ورجاء إنقاذهم ممَّا أوقعوا أنفسهم فيه من التعرُّض لغضب الله وعقوبته في الدُّنيا والآخرة، وتارةً يحملُ عليه إجلالُ اللهِ وإعظامُه ومحبَّتهُ، وأنَّه أهلٌ أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، وأن يُفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعضُ السلف (١): وددت أنَّ الخلقَ كلَّهم أطاعوا الله، وإنَّ لحمي قُرِض بالمقاريض. وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: ودِدتُ أنِّي غلت بيَ وبكَ القدورُ في الله .

стр. 773

ومن لَحَظَ هذا المقامَ والذي قبله، وإن عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبيُّ ﷺ لمَّا ضربه قومُه فجعل يمسَحُ الدَّمَ عن وجهه، ويقول: "ربّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١). وبكلِّ حالٍ يتعين الرفقُ في الإِنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عنِ المنكرِ إلَّا من كان فيه خصالٌ ثلاثٌ: رفيقُ بما يأمرُ، رفيقٌ بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالم بما ينهى (٢). وقال أحمد: النَّاسُ محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غِلظةٍ إلا رجل معلن بالفسق، فلا حُرمَةَ له، قال: وكان أصحابُ ابن مسعود إذا مرُّوا بقومٍ يرون منهم ما يكرهونَ، يقولون: مهلًا رحمكم الله، مهلًا رحمكم الله. وقال أحمد: يأمر بالرِّفقِ والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره، لا يغضب، فيكون يريدُ ينتصرُ لنفسه.

стр. 774

الحديث الخامس والثلاثون عَنْ أبي هُريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "لَا تَحَاسَدُوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا، المُسلِمُ أخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقوى ها هُنا"، - ويُشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ - "بحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ". رواه مسلم (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية أبي سعيدٍ مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيز عن أبي هريرة، وأبو سعيد هذا لا يعرَفُ اسمُه، وقد روى عنه غيرُ واحدٍ، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال ابن المديني: هو مجهول. وروى هذا الحديث سفيان الثوري، فقال فيه: عن سعيد بن يسار، عن أبي هُريرة، ووهم في قوله: "سعيد بن يسار"، إنَّما هو: أبو سعيد مولى ابنِ كُريز، قاله أحمد ويحيى والدَّارقطني، وقد رُوِي بعضُه من وجه آخر. وخرَّجه وخرَّجه الترمذي (٢) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يخونُه ولا يكذِبُه ولا يَخذُلُه، كلُّ المسلمِ على

стр. 775

المسلم حرامٌ: عِرْضُه وماله ودمُه، التقوى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم". وخرَّج أبو داود (١) من قوله: "كلُّ المسلم" إلى آخره. وخرَّجاه في "الصحيحين" من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا تحاسَدُوا ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضوا ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا" (٢). وخرَّجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة (٣). وخرَّج الإِمام أحمد من حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كُلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وعرضه، وماله، المسلم أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يَخذُلُه، والتَّقوى ها هنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسبُ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم" (٤).

стр. 776

وخرَّج أبو داود (١) آخره فقط. وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمرَ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "المسلم أخو المسلم، لا يَظلِمُهُ ولا يُسلِمه" (٢). وخرَّجه الإِمامُ أحمد (٣)، ولفظه: "المسلم أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يخذُله ولا يحقِرُه، وبحسب المرء مِنَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم". وفي "الصحيحين" عن أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا تباغَضُوا، ولا تحاسَدوا، ولا تدابروا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا" (٤). ويُروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعًا وموقوفًا (٥).

стр. 777

فقوله ﷺ : "لا تحاسدوا" يعني: لا يحسُدْ بعضُكم بعضًا، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر، وهو أنَّ الإِنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ من جنسهِ في شيءٍ من الفضائل. ثم ينقسم الناس بعدَ هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل، ثمَّ منهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه، ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه، وهو شرُّهما وأخبثهما، وهذا هو الحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه، وهو كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدمَ ﵇ لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها، ويروى عن ابن عمرَ أنَّ إبليسَ قال لنوح: اثنتان بهما أُهلك بني آدم: الحسد، وبالحسد لُعِنتُ وجُعلتُ شيطانًا رجيمًا، والحرص [وبالحرص] أُبيح آدمُ الجنةَ كلَّها، فأصبتُ حاجتي منه بالحرص. خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا. وقد وصف الله اليهودَ بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. وخرَّج الإِمام أحمد والترمذي من حديث الزُّبير بن العوَّام، عن النبيِّ ﷺ : "دبَّ إليكم داءُ الأمم من قبلكم: الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقةُ الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تُؤمنوا حتى تحابُّوا، أولا أُنبئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السَّلام بينكم" (١).

стр. 778

وخرَّج أبو داود (١) من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إيَّاكُم والحسد، فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحطب، أو قال: العُشبَ". وخرَّج الحاكم وغيرُه من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "سيُصيبُ أُمَّتي داءُ الأمم"، قالوا: يا نبيَّ الله، وما داءُ الأمم؟ قال: "الأشرُ والبَطَرُ، والتَّكاثرُ والتَّنافسُ في الدُّنيا، والتَّباغُض، والتَّحاسدُ حتَّى يكونَ البغيُ ثمَّ الهرجُ" (٢).

стр. 779

وقسم آخر من النَّاسِ إذا حسدَ غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغِ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ. وقد رُوي عن الحسن أنَّه لا يأثمُ بذلك، وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يمكنه إزالةُ الحسدِ من نفسِه، فيكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثمُ به. والثاني: من يُحدِّثُ نفسَه بذلك اختيارًا، ويُعيده ويُبديه في نفسه مُستروِحًا إلى تمنِّي زوالِ نعمة أخيه، فهذا شبيهٌ بالعزم المصمِّم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلافٌ بين العلماء، وربما يُذكر في موضعٍ آخر إن شاء الله تعالى، لكن هذا يَبعُدُ أن يَسلَمَ من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك. وقسم آخر إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أن يكونَ مثله، فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُرِيدُونَ الحياةَ الدُّنيَا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، [القصص: ٧٩]، وإن كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن، وقد تمنَّى النبيُّ ﷺ الشَّهادة في سبيل الله . وفي "الصحيحين" عنه ﷺ ، قال: "لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفقه آناء الَّليل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار" (١)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة.

стр. 780

وقسم آخر إذا وجدَ من نفسه الحسدَ، سعى في إزالته، وفي الإِحسان إلى المحسود بإسداءِ الإِحسانِ إليه، والدُّعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتَّى يبدلَه بمحبَّة أن يكونَ أخوه المسلمُ خيرًا منه وأفضلَ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإِيمان، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقوله ﷺ : "ولا تناجَشوا": فسَّره كثيرٌ من العلماء بالنَّجَشِ في البيع، وهو: أن يزيدَ في السِّلعة من لا يُريدُ شِراءَها، إمَّا لنفع البائع بزيادةِ الثَّمن له، أو بإضرارِ المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي "الصحيحين" عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عن النَّجش (١). وقال ابن أبي أوفى: النَّاجش: آكلُ ربا خائنٌ، ذكره البخاري (٢). قال ابنُ عبد البرِّ (٣): أجمعوا أنَّ فاعلَه عاصٍ لله إذا كان بالنَّهي عالمًا. واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنَّه فاسدٌ، وهو روايةٌ عن أحمد، اختارها طائفةٌ من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجشُ هو البائعَ، أو من واطأه البائع على النَّجش فسد، لأنَّ النَّهيَ هُنا يعودُ إلى العاقدِ نفسِه، وإن لم يكن كذلك، لم يفسُد، لأنَّه يعودُ إلى أجنبيٍّ. وكذا حُكِي عَنِ الشَّافعيِّ أنَّه علَّل

стр. 781

صحة البيع بأنَّ البائعَ غيرُ النَّاجش، وأكثرُ الفقهاء على أنَّ البيعَ صحيحٌ مطلقًا وهو قولُ أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد في رواية عنه، إلَّا أنَّ مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيارَ إذا لم يعلم بالحال، وغُبِنَ غَبنًا فاحشًا يخرج عن العادة، وقدَّره مالكٌ وبعضُ أصحاب أحمد بثلث الثَّمنِ، فإن اختارَ المشتري حينئذٍ الفسخَ، فله ذلك، وإن أراد الإِمساكَ، فإنَّه يحطُّ ما غُبِنَ به من الثَّمن، ذكره أصحابنا. ويحتمل أن يُفسَّرَ التَّناجُشُ المنهيُّ عنه في هذا الحديث بما هو أعمُّ من ذلك، فإنَّ أصلَ النَّجش في اللُّغة: إثارةُ الشَّيءِ بالمكرِ والحيلةِ والمخادعةِ، ومنه سُمِّي النَّاجِشُ في البيع ناجشًا، ويسمَّى الصَّائدُ في اللغة ناجشًا، لأنَّه يُثير الصَّيد بحيلته عليه، وخِداعِه له، وحينئذٍ، فيكونُ المعنى: لا تتخادَعوا، ولا يُعامِلْ بعضُكُم بعضًا بالمكرِ والاحتيال. وإنَّما يُرادُ بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم: إمَّا بطريقِ الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصولُ الضَّرر إليه، ودخولُه عليه، وقد قال الله : ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وفي حديث ابن مسعودٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ غَشَّنا فليس منَّا، والمكرُ والخِداعُ في النار" (١). وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديث أبي بكر الصدِّيق المرفوع: "ملعونٌ من ضارَّ مسلمًا أو مكرَ به" خرَّجه الترمذيُّ (٢). فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميعُ أنواع المعاملات بالغشِّ ونحوه، كتدليس العيوب، وكِتمانها، وغشِّ المبيع الجيد بالرديء، وغَبْنِ المسترسل الذي لا يَعرِفُ المماكسة، وقد وصف الله في كتابه الكفَّار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم، وما أحسنَ قول أبي العتاهية:

стр. 782

لَيس دُنيا إلَّا بدينٍ ولَيْـ … ــسَ الدِّين إلَّا مَكارمُ الأَخْلاقِ إنَّما المَكْرُ والخَديعَةُ في النَّا … رِ هُمَا مِنْ خِصالِ أَهْلِ النِّفاقِ وإنما يجوزُ المكرُ بمن يجوزُ إدخالُ الأذى عليه، وهم الكفَّارُ المحاربون، كما قال النبيُّ ﷺ : "الحربُ خدعةٌ" (١). وقوله ﷺ : "ولا تَباغضوا": نهى المسلمين عَنِ التَّباغض بينهم في غير الله، بل على أهواءِ النُّفوسِ، فإنَّ المسلمينَ جعلهمُ الله إخوةً، والإِخوةُ يتحابُونَ بينهم، ولا يتباغضون، وقال النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تدخُلُوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم" خرَّجه مسلم (٢). وقد ذكرنا فيما تقدَّم أحاديثَ في النَّهي عن التَّباغُض والتَّحاسد. وقد حرَّم الله على المؤمنين ما يُوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. وامتنَّ على عباده بالتَّأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ

стр. 783

مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]. ولهذا المعنى حرم المشي بالنَّميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورُخِّصَ في الكذب في الإِصلاح بين النَّاس، ورغَّب الله في الإِصلاح بينهم، كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. وخرَّج الإِمام أحمد وأبو داود والترمذيُّ من حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ألا أخبركم بأفضلَ مِنْ درجة الصلاة والصيام والصَّدقة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صلاحُ ذاتِ البينِ؛ فإنَّ فسادَ ذات البين هي الحالِقَةُ" (١). وخرَّج الإِمام أحمد وغيرُه من حديث أسماءَ بنتِ يزيد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ألا أُنبِّئُكم بشرارِكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "المشَّاؤون بالنَّميمة، المفرِّقونَ بينَ الأحبَّةِ، الباغون للبُرءاءِ العَنَتِ" (٢). وأمَّا البغض في الله، فهو من أوثق عرى الإِيمان، وليس داخلًا في النَّهي، ولو ظهر لرجل من أخيه شرٌّ، فأبغضه عليه، وكان الرَّجُل معذورًا فيه في نفس

стр. 784

الأمر، أثيب المبغضُ له، وإن عُذِرَ أخوه، كما قال عمر: إنَّا كُنَّا نعرفكُم إذ رسول الله ﷺ بين أظهُرنا، وإذ ينزل الوحيُ، وإذ يُنبِّئُنا الله مِنْ أخبارِكُم ألا وإنَّ رسول الله ﷺ قدِ انطُلِقَ به، وانقطعَ الوحيُ، فإنَّما نَعْرفكم بما نَخْبُركم، ألا مَنْ أظهرَ منكم لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه، ومَنْ أظهر منكم شرًّا، ظننا به شرًا، وأبغضناه عليه، سرائرُكم بينكم وبينَ ربِّكم " (١). وقال الربيع بن خُثَيْم: لو رأيت رجلًا يُظهر خيرًا، ويُسرُّ شرًّا، أحببتَه عليه، آجرَك الله على حبِّك الخيرَ، ولو رأيت رجلًا يُظهر شرًّا، ويسرُّ خيرًا أبغضته عليه، آجرَك الله على بُغضك الشرَّ. ولمَّا كثُرَ اختلافُ النَّاس في مسائل الدِّين، وكثرَ تفرُّقُهم، كثُر بسببِ ذلك تباغُضهم وتلاعُنهم، وكلٌّ منهم يُظهِرُ أنَّه يُبغض لله، وقد يكونُ في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون متَّبِعًا لهواه، مقصِّرًا في البحث عن معرفة ما يُبغِضُ عليه، فإنَّ كثيرًا من البُغض كذلك إنَّما يقعُ لمخالفة متبوع يظنُّ أنَّه لا يقولُ إلَّا الحقَّ، وهذا الظَّنُّ خطأٌ قطعًا، وإن أُريد أنَّه لا يقول إلَّا الحقَّ فيما خُولِفَ فيه، فهذا الظنُّ قد يُخطئ ويُصيبُ، وقد يكون الحاملَ على الميلِ إليه مجرَّدُ الهوى، أو الإِلفُ، أو العادة، وكلُّ هذا يقدح في أن يكون هذا البغضُ لله، فالواجبُ على المؤمن أن ينصحَ نفسَه، ويتحرَّزَ في هذا غاية التحرُّزِ، وما أشكل منه، فلا يُدخِلُ نفسَه فيه خشيةَ أن يقعَ فيما نُهِيَ عنه مِنَ البُغض المُحرَّمِ. وها هنا أمرٌ خفيٌّ ينبغي التَّفطُّن له، وهو أنّ كثيرًا من أئمَّةِ الدِّينِ قد يقولُ

стр. 785

قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكونُ المنتصِرُ لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدَّرجة، لأنه قد لا ينتصِرُ لهذا القولِ إلَّا لكونِ متبوعه قد قاله، بحيث إنَّه لو قاله غيرُه منْ أئمَّة الدِّينِ، لما قبِلَهُ، ولا انتصر له، ولا والى من وافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنَّه إنَّما انتصر للحقِّ بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإنَّ متبوعه إنَّما كان قصدُه الانتصارَ للحقِّ، وإن أخطأ في اجتهاده، وأمَّا هذا التَّابعُ، فقد شابَ انتصارَه لما يظنُّه الحقَّ إرادة علوِّ متبوعه، وظهور كلمته، وأن لا يُنسَبَ إلى الخطأ، وهذه دسيسةٌ تَقْدَحُ في قصد الانتصار للحقِّ، فافهم هذا، فإنَّه فَهْمٌ (١) عظيم، والله يهدي مَنْ يشاء إلى صراطٍ مستقيم. وقوله: "ولا تدابروا" قال أبو عبيد (٢): التَّدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يُولِّي الرَّجلُ صاحبَهُ دُبُرَه، ويُعرِض عنه بوجهه، وهو التَّقاطع. وخرَّج مسلم (٣) من حديث أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا تحاسدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَقاطعُوا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا كما أمركمُ الله". وخرَّجه أيضًا (٤) بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ . وفي "الصحيحين" عن أبي أيوب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان، فيصدُّ هذا، ويصدُّ هذا، وخيرُهما الَّذي يَبدأ بالسَّلام" (٥).

стр. 786

وخرَّج أبو داود من حديث أبي خراش السُّلميِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ هَجر أخاه سنةً، فهو كسفكِ دمه" (١). وكلُّ هذا في التَّقاطع للأمورِ الدُّنيويَّة، فأمَّا لأجلِ الدِّين، فتجوزُ الزِّيادةُ على الثلاثِ، نصَّ عليه الإِمام أحمدُ، واستدلَّ بقصَّةِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفوا، وأمر النبيُّ ﷺ بهجرانهم لمَّا خاف منهمُ النِّفاق، وأباح هِجران أهلِ البدع المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أنَّ هِجران الوالدِ لولده، والزَّوجِ لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوزُ الزِّيادةُ فيه على الثَّلاث، لأن النَّبيَّ ﷺ هجر نساءه شهرًا. واختلفوا: هل ينقطع الهِجران بالسَّلام؟ فقالت طائفةٌ: يَنقَطِعُ بذلك، ورُوي عن الحسن ومالكٍ في رواية ابن وهبٍ، وقاله طائفةٌ من أصحابنا، وخرَّج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يهجُرَ مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإن مرَّت به ثلاثٌ، فليلقَهُ، فليسلِّم عليه، فإن ردَّ ﵇، فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردَّ عليه، فقد باءَ بالإِثم، وخرج المُسلِّمُ من الهجرة" (٢). ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخرُ من الرَّدِّ عليه، فأمَّا معَ الرَّدِّ إذا كان بينهما قبل الهجرِة مودَّةٌ، ولم يعودا إليها، ففيه نظر. وقد قال أحمد في رواية الأثرم، وسئل عن السَّلام: يقطعُ الهِجران؟ فقال: قد يُسلم عليه وقد صَدَّ عنه، ثم قال النبيُّ ﷺ يقول: "يلتقيان فيصدُّ هذا، ويصدُّ هذا"، فإذا كان قد عوَّده

стр. 787

أن يُكلِّمه أو يُصافحه. وكذلك رُويَ عن مالكٍ أنَّه لا تنقطعُ الهجرة بدونِ العود إلى المودَّة. وفرَّق بعضُهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: تزول الهجرةُ بينهم بمجرَّد السَّلام، بخلافِ الأقارب، وإنَّما قال هذا لوجوب صلة الرَّحِمِ. قوله ﷺ : "ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعض" قد تكاثرَ النَّهي عَنْ ذلك، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يبيع الرجلُ على بيع أخيه، ولا يخطُبُ على خِطبةِ أخيه". وفي رواية لمسلم: "لا يَسُمِ المسلمُ على سومِ المسلم، ولا يَخطُب على خِطبته" (١). وخرَّجاه من حديث ابن عمر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَبِعِ الرَّجُلُ على بيع أخيه، ولا يخطُبْ على خِطبة أخيه، إلَّا أن يأذن له". ولفظه لمسلم (٢). وخرَّج مسلم (٣) من حديث عقبة بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "المؤمنُ أخو المؤمِنِ، فلا يَحِلُّ للمؤمن أن يبتاعَ على بيع أخيه، ولا يخطبَ على خِطبةِ أخيه، حتَّى يَذَرَ". وهذا يدلُّ على أنَّ هذا حقٌّ للمسلم على المسلم، فلا يُساويه الكافر في ذلك، بل يجوزُ للمسلم أن يبتاعَ على بيع الكافر، ويَخطُبَ على خِطبته، وهو قولُ الأوزاعيِّ وأحمدَ، كما لا يثبتُ للكافر على المسلم حقُّ الشُّفعة عنده، وكثيرٌ من الفُقهاء ذهبوا إلى أنَّ النَّهي عامٌّ في حقِّ المسلم والكافر.

стр. 788

واختلفوا: هلِ النَّهيُ للتَّحريم، أو للتَّنزيه، فمِنْ أصحابنا من قال: هو للتَّنزيه دونَ التَّحريم، والصَّحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماء: أنَّه للتَّحريمِ. واختلفوا: هل يصحُّ البيع على بيعِ أخيه، أوِ النِّكاحُ على خِطبته؟ فقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأكثرُ أصحابنا: يَصِحُّ، وقال مالك في النِّكاح: إنَّه إن لم يدخل بها، فُرِّقَ بينهما، وإن دخل بها لم يُفرَّقْ. وقال أبو بكر مِنْ أصحابنا في البيع والنِّكاحِ: إنَّه باطلٌ بكلِّ حالٍ، وحكاه عن أحمد. ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكونَ قد باع منه شيئًا، فيبذُلَ للمشتري سلعتَه ليشتريها، ويفسخ بيعَ الأوَّلِ. وهل يختصُّ ذلك بما إذا كان البذلُ في مدَّة الخيار، بحيث يتمكَّن المشتري مِنَ الفسخِ فيه، أم هو عامٌّ في مدَّةِ الخيار وبعدَها؟ فيه اختلاف بين العلماء، قد حكاه الإِمامُ أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنَّه عامٌّ في الحالينِ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا. ومنهم من خصَّه بما إذا كان ذلك في مدَّة الخيار، وهو ظاهرُ كلامِ أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوصُ الشَّافعي، والأوَّلُ أظهرُ، لأنَّ المشتري وإن لم يتمكَّنْ من الفسخ بنفسه بعد انقضاء الخيار فإنَّه إذا رغب في ردِّ السِّلعة الأُولى على بائعها، فإنه يتسبَّب إلى ردِّها عليه بأنواع من الطُّرق المقتضية لضَرره، ولو بالإِلحاح عليه في المسألة، وما أدَّى إلى ضررِ المسلم، كان محرَّمًا والله أعلم. وقوله ﷺ : "وكونوا عباد الله إخوانًا": هذا ذكره النبيُّ ﷺ كالتَّعليل لِما تقدَّم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم إذا تركُوا التَّحاسُدَ، والتَّناجُشَ، والتَّباغُضَ، والتدابرَ، وبيعَ بعضِهم على بيعِ بعضٍ، كانوا إخوانًا. وفيه أمرٌ باكتساب ما يصيرُ المسلمون به إخوانًا على الإِطلاق، وذلك يدخلُ فيه أداءُ حقوقِ المسلم على المسلم مِنْ ردِّ السلامِ، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابةِ الدَّعوة، والابتداء بالسَّلام عندَ اللِّقاء، والنُّصح بالغيب.

стр. 789

وفي "الترمذي" عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "تَهادَوا، فإنَّ الهديةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدر" (١). وخرَّجه غيرُه، ولفظه: "تهادوا تحابُّوا" (٢). وفي "مسند البزار" (٣) عن أنس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تهادوا، فإن الهدية تَسُلُّ السَّخيمة". ويُروى عن عمر بن عبد العزيز - يرفعُ الحديثَ - قال: "تصافحوا، فإنَّه يُذهِبُ الشَّحناء، وتهادَوْا" (٤). وقال الحسن: المصافحةُ تزيد في الودِّ. وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابَّان، فضحك أحدُهما إلى الآخر، وتصافحا، تحاتت خطاياهما كما يتحاتُّ الورقُ من الشجر، فقيل له: إنَّ هذا ليسيرٌ مِنَ العمل، قال: تقولُ يسيرٌ والله يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] (٥).

стр. 790

وقوله ﷺ : "المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه". هذا مأخوذ من قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذا كان المؤمنون إخوةً، أُمروا فيما بينهما بما يُوجب تآلُفَ القلوب واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوب واختلافَها، وهذا من ذلك. وأيضًا، فإنَّ الأخَ مِنْ شأنه أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفع، ويكفَّ عنه الضَّرر، ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كفُّه عَنِ الأَخِ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلام على الظُّلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذرٍّ الإِلهي: "يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا" (١). ومِنْ ذلك: خِذلانُ المسلم لأخيه، فإنَّ المؤمن مأمورٌ أن يَنصُرَ أخاه، كما قال ﷺ : "انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قال: يا رسولَ الله، أنصُرُهُ مَظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه عَنِ الظُّلم، فذلك نصرُك إيَّاه". خرَّجه البخاري بمعناه من حديث أنس (٢)، وخرَّجه مسلم (٣) بمعناه من حديث جابر.

стр. 791

وخرَّج أبو داود (١) من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابرِ بن عبد الله، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِن امرئٍ مسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موطن تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضه، إلَّا خذله الله في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه، وما مِن امرئٍ ينصرُ مسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهكُ فيه من حرمته، إلَّا نصره الله في موضع يحبُّ فيه نصرَتَه" (٢). وخرَّج الإِمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ أُذِلَّ عنده مؤمنٌ، فلم ينصُرْه وهو يقدِرُ على أن ينصُرَه، أذلَّه اللهُ على رؤوس الخلائق يوم القيامة" (٣). وخرَّج البزار من حديث عِمران بن حُصين، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ نصرَ أخاه بالغيب وهو يستطيعُ نصرَه، نَصَرَهُ الله في الدُّنيا والآخرة".

стр. 792

ومن ذلك: كذِبُ المسلم لأخيه، فلا يَحِلُّ له أن يُحدِّثه فيكذبه، بل لا يُحدِّثه إلَّا صدقًا، وفي "مسند" الإِمام أحمد عن النَّوَّاس بن سمعان، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كَبُرَت خِيانةً أن تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مصدِّقٌ وأنت به كاذب" (١). ومن ذلك: احتقارُ المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ، كما قال النبيُّ ﷺ : "الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ النّاس" خرَّجه مسلم من حديث ابن مسعود، وخرَّجه الإِمام أحمد، وفي رواية له: "الكبرُ سَفَهُ الحقِّ، وازدراءُ الناس"، وفي رواية: "وغمص الناس"، وفي رواية زيادة: "فلا يَراهم شيئًا" (٢) وغمص النَّاس: الطَّعنُ عليهم وازدراؤهم، وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، فالمتكبر ينظرُ إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النَّقصِ، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأنْ يقومَ بحقُوقهم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدَ منهم الحقَّ إذا أورده عليه. وقوله ﷺ : "التَّقوى ها هنا" يشير إلى صدره ثلاثَ مرَّاتٍ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه النَّاس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدرًا عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ النَّاسَ إنَّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

стр. 793

[الحجرات: ١٣]، وسئل النبيُّ ﷺ : مَنْ أكرمُ النَّاسِ؟ قال: "أتقاهُم لله " (١). وفي حديث آخر: "الكرمُ التَّقوى" (٢)، والتَّقوى أصلُها في القلب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذرٍّ الإِلهي عند قوله: "لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا". وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلِعُ أحدٌ على حقيقتها إلَّا الله ، كما قال ﷺ : "إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم" (٣) وحينئذٍ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءًا مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا، كما في "الصحيحين" عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ألا أُخبِرُكم بأهلِ الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبِرٍ" (٤).

стр. 794

وفي "المسند" (١) عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: "أمَّا أهلُ الجنَّة، فكلُّ ضعيفٍ متضعَّفٍ، أشعث، ذي طِمرين، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه؛ وأمَّا أهلُ النَّارِ، فكلُّ جَعْظَريِّ جَوَّاظ جمَّاعٍ، منَّاعٍ، ذي تَبَع". وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرين، وقالتِ الجنَّةُ: لا يدخُلُني إلَّا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم، فقال الله للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنَّار: أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي" (٢). وخرَّجه الإِمام أحمد (٣) من حديث أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "افتخرت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النار: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرة والمتكبِّرون والملوكُ والأشرافُ، وقالت الجنَّةُ: يا ربِّ، يدخُلُني الضُّعفاء والفقراءُ والمساكين" وذكر الحديثَ.

стр. 795

وفي "صحيح البخاري" (١) عن سهل بن سعد، قال: مرَّ رجلٌ على رسولِ الله ﷺ ، فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ " فقال رجلٌ منْ أشراف الناس: هذا والله حريٌّ إنْ خطَب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفَّعَ، وإن قال أن يُسمَعَ لقوله، قال: فسكت النبيُّ ﷺ ، ثم مرَّ رجلٌ آخر، فقال له رسول الله ﷺ : "ما رأيك في هذا؟ " قال: يا رسول الله، هذا رجلٌ مِن فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا يُنكحَ، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا". وقال محمد بنُ كعب القُرَظيُّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٣]، قال: تَخفِضُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مرتفعين، وترْفَعُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مخفوضين (٢). قوله ﷺ : "بحسب امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم"، يعني: يكفيه مِنَ الشَّرِّ احتقارُ أخيه المسلم، فإنَّه إنَّما يحتقرُ أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكِبْرُ من أعظمِ خِصالِ الشَّرِّ، وفي "صحيح مسلم" (٣) عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ". وفيه (٤) أيضًا عنه أنه قال: "العزُّ إزاره والكبر رداؤه، فمن نازعني عذَّبتُه"

стр. 796

فمنازعته الله صفاته التي لا تليقُ بالمخلوق، كفى بها شرًا. وفي "صحيح ابن حبان" (١) عن فَضالة بنِ عُبيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ثلاثة لا يُسأل عنهم: رجلٌ يُنازع الله إزاره، ورجلٌ يُنازِعُ الله رداءَه، فإنَّ رداءَه الكبرياء، وإزاره العزُّ، ورجلٌ في شكٍّ من أمر الله تعالى والقُنوطِ من رحمة الله". وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من قال: هلكَ النَّاسُ، فهو أهلكُهم" (٢) قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّنًا لِما يرى في الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عُجبًا بنفسه، وتصاغُرًا للناس، فهو المكروهُ الذي نُهي عنه. ذكره أبو داود في "سننه" (٣). قوله ﷺ : "كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمهُ ومالُه وعِرضه" هذا ممَّا كان النَّبيُّ ﷺ يخطب به في المجامع العظيمةِ، فإنَّه خطب به في حَجّةِ الوداع يومَ النَّحر، ويومَ عرفةَ، واليوم الثاني من أيَّام التَّشريق، وقال: "إن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في

стр. 797

بلدكم هذا" (١). وفي رواية للبخاري وغيره: "وأبشاركم" (٢). وفي رواية: فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه، فقال: "اللَّهُمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغت؟ " (٣). وفي رواية: ثم قال: "ألا ليبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ" (٤). وفي رواية للبخاري (٥): "فإن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها. وفي رواية: "دماؤكم وأموالُكم وأعراضُكم عليكُم حرامٌ، مثلُ هذا اليومِ، وهذا البلد إلى يوم القيامة، حتَّى دفعةٌ يدفعُها مسلمٌ مسلمًا يريدُ بها سوءًا حرام" (٦). وفي رواية قال: "المؤمنُ حرامٌ على المؤمن، كحرمة هذا اليوم لحمهُ عليه حرامٌ أن يأكُلَه ويغتابه بالغيبِ، وعِرضُه عليه حرامٌ أن يخرِقَه، ووجهُه عليه حرام أن يَلطِمَه، ودمُه عليه حرام أن يسفِكَه، وحرامٌ عليه أن يدفعه دفعةً تُعنته" (٧).

стр. 798

وفي "سنن أبي داود" (١) عن بعضِ الصَّحابة أنَّهم كانوا يسيرونَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فنام رجلٌ منهم فانطلق بعضُهم إلى حبلٍ معه، فأخذها ففزِعَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلمًا". وخرَّج أحمد وأبو داود والترمذي عن السَّائب بن يزيد، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يأخذ أحدُكم عصا أخيه لاعبًا جادًّا، فمن أخذَ عصا أخيه، فليردَّها إليه" (٢). قال أبو عبيد (٣) يعني أن يأخذ متاعه لا يريد سرقتَه، إنَّما يريدُ إدخالَ الغيظِ عليه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة، جادٌ في إدخال الأذى والروع عليه. وفي "الصحيحين" عن ابنِ مسعودٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" ولفظه لمسلم (٤). وخرَّج الطبراني (٥) من حديث ابنِ عباس عن النَّبي ﷺ ، قال: "لا يتناجى اثنان دُونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُؤذي المؤمنَ، واللهُ يكره أذى المؤمن". وخرَّج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا تؤذوا عبادَ الله، ولا تعيِّرُوهم، ولا تطلبُوا عوراتهم، فإنَّ من طلبَ عورةَ أخيه المسلمِ،

стр. 799

طلب اللهُ عورتَه حتَّى يفضحَهُ في بيته" (١) وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عنِ الغيبة، فقال: "ذكرُك أخاكَ بما يكرهُ"، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقولُ؟ فقال: "إن كان فيه ما تقولُ، فقد اغتَبته، وإن لم يكن فيه ما تقولُ، فقد بهتَّه". فتضمَّنت هذه النُّصوص كلُّها أنَّ المسلمَ لا يحِلُّ إيصالُ الأذى إليه بوجهٍ مِنَ الوجوهِ من قولٍ أو فعلٍ بغيرِ حقٍّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وإنما جعلَ اللهُ المؤمنين إخوةً ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي "الصحيحين" عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم، مَثَلُ الجسدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسَّهر".

стр. 800

وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وفي رواية له أيضًا: "المسلمون كرجلٍ واحد إن اشتكى عينُه، اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه، اشتكى كلُّه" (١). وفيهما عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "المؤمن للمؤمن كالبُنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا" (٢). وخرَّج أبو داود (٣) من حديث أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "المؤمن مرآةُ المؤمنِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ، يكفُّ عنه ضيعتَه، ويحوطُه من ورائِه". وخرَّجه الترمذي (٤)، ولفظه: "إن أحَدَكُم مرآةُ أخيه، فإن رأى به أذى، فليُمطه عنه". قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبيرَ المسلمين عندَك أبًا، وصغيرهم ابنًا، وأوسَطَهم أخًا، فأيُّ أولئك تُحبُّ أن تُسيء إليه؟ ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه، فلا تضرَّه، وإن لم تُفرحه، فلا تَغُمَّه، وإن لم تمدحه فلا تَذُمَّه.

стр. 801

الحديث السادس والثلاثون عَنْ أَبي هُريرة ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ ، قال: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَليهِ في الدُّنْيَا والآخرَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسلِمًا، سَتَره اللهُ في الدُّنيا والآخِرة، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْد ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طريقًا إلى الجَنَّةِ، وما جَلَس قَومٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ، ويَتدَارَسُونَه بَينَهُم، إلَّا نَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينَةُ، وغَشِيتْهُمُ الرَّحمَةُ، وحَفَّتْهُم المَلائكَةُ، وذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" رواهُ مسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعترض عليه غيرُ واحدٍ مِنَ الحفَّاظ في تخريجه، منهم أبو الفضل الهروي والدارقطني، فإنَّ أسباط بن محمَّدِ رواه عن الأعمَش؛ قال: حُدِّثْتُ عن أبي صالح (٢)، فتبيَّن أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه به عنه، ورجَّح التّرمذي وغيره هذه الرواية، وزاد بعضُ أصحاب الأعمش في

стр. 802

متن الحديث: "ومن أقال مسلمًا أقال الله عثرتَه يومَ القيامة" (١). وخرجا في "الصحيحين" من حديث ابن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّجَ عن مسلم، فرَّج الله عنه كُربةً مِنْ كُرَب يومِ القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (٢). وخرَّج الطبراني (٣) من حديث كعب بن عُجرة عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ نفَّس عن مؤمنٍ كُربةً مِنْ كُرَبِهِ، نفَّس اللهُ عنهُ كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورتَه، ومن فرَّج عن مؤمن كُربةً، فرَّج الله عنه كُربته". وخرَّج الإِمام أحمد من حديث مسلمة بنِ مُخلَّدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من ستر مسلمًا في الدنيا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة، ومن نجَّى مَكروبًا، فكَّ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته" (٤). فقوله ﷺ : "من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُربة من كرب يوم القيامة" هذا يرجعُ إلى أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وقد تكاثرت النُّصوصُ بهذا المعنى، كقوله ﷺ : "إنَّما يرحمُ الله من عِبادهِ الرُّحماء" (٥)،

стр. 803

وقوله: "إنَّ الله يعذِّب الَّذين يُعذِّبونَ النَّاس في الدُّنيا" (١). والكُربة: هي الشِّدَّةُ العظيمة التي تُوقِعُ صاحبَها في الكَرب، وتنفيسُها أن يُخفَّفَ عنه منها، مأخوذٌ مِنْ تنفيس الخناق، كأنه يُرخى له الخناق حتَّى يأخذ نفسًا، والتفريجُ أعظمُ منْ ذلك، وهو أن يُزيلَ عنه الكُربةَ، فتنفرج عنه كربتُه، ويزول همُّه وغمُّه، فجزاءُ التَّنفيسِ التَّنفيسُ، وجزاءُ التَّفريجِ التفريجُ، كما في حديث ابن عمر، وقد جُمِعَ بينهما في حديثِ كعبِ بنِ عُجرة. وخرَّج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أيما مُؤْمِنٍ أطعمَ مؤمنًا على جُوعٍ، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله يومَ القيامة من الرَّحيق المختوم، وأيما مؤمنٍ كسا مؤمنًا على عُري، كساه الله من خضر الجنة". وخرَّجه الإِمام أحمد بالشكّ في رفعه، وقيل: إن الصحيح وقفه (٢).

стр. 804

وروى ابن أبي الدُّنيا (١) بإسناده عن ابن مسعود قال: "يُحشر الناسُ يوم القيامة أعرى ما كانوا قطُّ، وأجوعَ ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ، وأنصبَ ما كانوا قط، فمن كسا للهِ ، كساه الله، ومن أطعم لله ، أطعمه الله، ومن سقى لله ، سقاه الله، ومن عفَا لله ، أعفاه الله". وخرَّج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: "أن رجلًا من أهل الجنةِ يُشرف يومَ القيامة على أهلِ النَّارِ، فيُناديه رجلٌ من أهلِ النَّار: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا والله ما أَعرِفُك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدُّنيا، فاستسقيتني شَربةً من ماءٍ، فسقيتُك، قال: قد عرفتُ، قال: فاشفع لي بها عند ربِّك، قال: فيسأل الله ، ويقول: شفِّعني فيه، فيأمر به، فيُخرجه من النار" (٢). وقوله: "كُربة من كُرَبِ يوم القيامة"، ولم يقل: "من كُرب الدُّنيا والآخرة" كما قال في التَّيسير والسَّتر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إنَّ الكُرَبَ هي الشَّدائدُ العظيمة، وليس كلّ أحد يحصُلُ له ذلك في الدُّنيا، بخلاف الإِعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإنَّ أحدًا لا يكادُ يخلو في الدُّنيا من ذلك، ولو بتعسُّر بعض الحاجات المهمَّة. وقيل: لأنَّ كُرَبَ الدُّنيا بالنِّسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيءٍ، فادَّخر الله جزاءَ تنفيسِ الكُرَبِ عندَه، لينفِّسَ به كُرَب الآخرة، ويدلُّ على ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : "يجمع اللهَ الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيسمَعُهُم الدَّاعي، وينفُذُهُم البصر، وتدنو الشَّمسُ منهم، فيبلُغُ النَّاسُ من الغمِّ

стр. 805

والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول النَّاسُ بعضُهم لبعض: ألا ترونَ ما قد بلغكُم؟ ألا تنظرون من يشفعُ لكم إلى ربِّكم؟ "، وذكر حديثَ الشفاعة، خرَّجاه بمعناه من حديث أبي هريرة (١). وخرَّجا من حديث عائشة عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "تُحشرون حُفاةً عُراةً غُرْلًا"، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساءُ ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟ قال: "الأمرُ أشدُّ من أن يُهِمَّهم ذلك" (٢). وخرَّجا من حديث ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، قال: "يقومُ أحدُهم في الرَّشح إلى أنصاف أذنيه" (٣). وخرَّجا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يَعْرَقُ النَّاسُ يومَ القيامةِ حتَّى يذهب عرَقُهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلجمُهُم حتَّى يبلغَ آذانهم" ولفظه للبخاري، ولفظ مسلم: "إنَّ العرق ليذهبُ في الأرض سبعين باعًا، وإنَّه ليبلغ إلى أفواهِ النَّاس، أو إلى آذانهم" (٤). وخرَّج مسلم (٥) من حديث المقداد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تدنُو الشَّمسُ مِنَ العباد حتَّى تكون قدرَ ميلٍ أو ميلين، فتصهرُهم الشَّمسُ، فيكونون في

стр. 806

العَرَقِ كقدر أعمالهم، فمنهم مَنْ يأخذُه إلى عَقِبَيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ، ومنهم من يُلجمه إلجامًا". وقال ابن مسعود: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنَّةُ من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، فيعرَقُ الرَّجلُ حتَّى يرشَح عرقُه في الأرض قدرَ قامةٍ، ثم يرتفعُ حتَّى يبلغَ أنفه، وما مسَّه الحسابُ، قال: فمم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ممَّا يرى النَّاس يُصنَعُ بهم (١). وقال أبو موسى: الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، وأعمالهم تُظِلُّهم أو تُضحِيهم (٨). وفي "المسند" (٢) من حديث عُقبة بن عامرٍ مرفوعًا: "كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتَّى يُفصَلَ بينَ النَّاسِ". قوله ﷺ : "ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة". هذا أيضًا يدلُّ على أنَّ الإِعسار قد يحصُل في الآخرة، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنَّه يومٌ عسير وأنَّه على الكافرين غيرُ يسير، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إمَّا بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجبٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلَّا، فبإعطائه ما يزولُ به إعسارُه، وكلاهما له فضل عظيم.

стр. 807

وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "كان تاجرٌ يُدايِنُ النَّاسَ، فإذا رأى معسرًا، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أن يتجاوزَ عنَّا، فتجاوز الله عنه" (١). وفيهما عن حُذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النَّبيَّ ﷺ يقول: "مات رجل فقيل له، فقال: كنتُ أبايعُ النَّاس، فأتجاوزُ عَن المُوسِر، وأُخَفِّفُ عنِ المُعسِرِ" وفي رواية، قال: كنتُ أُنظِرُ المعسِرَ، وأتجوَّزُ في السِّكَّة، أو قال: في النَّقد، فغُفِرَ له" (٢). وخرَّجه مسلم (٣) من حديث أبي مسعود عن النبيِّ ﷺ . وفي حديثه: "فقال الله: نحنُ أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه". وخرَّج أيضًا من حديث أبي قتادةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من سرَّه أن يُنجيَه الله مِنْ كُرَب يومِ القيامة، فلينفِّس عن مُعسرٍ، أو يضعْ عنه" (٤). وخرَّج أيضًا من حديث أبي اليَسَر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلُّه" (٥). وفي "المسند" (٦) عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أراد أن تُستجاب

стр. 808

دعوته، وتُكشفَ كُربَتُه، فليفرِّجْ عن مُعسِرٍ". وقوله ﷺ : "ومن ستَرَ مُسلمًا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة". هذا مما تَكاثرتِ النُّصوص بمعناه. وخرَّج ابن ماجه (١) من حديث ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من ستر عورةَ أخيه المسلم، ستر الله عورته يومَ القيامة، ومن كشفَ عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتَّى يفضحه بها في بيته". وخرَّج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النَّبي ﷺ ، يقول: "من ستر مؤمنًا في الدنيا على عورةٍ، ستره الله يوم القيامة" (٢). وقد روي عن بعض السَّلف أنه قال: أدركتُ قومًا لم يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ الناس، فذكر الناسُ لهم عيوبًا، وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فكفُّوا عن عُيوبِ الناس، فنُسِيَت عيوبهم، أو كما قال. وشاهد هذا حديث أبي بَرْزَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "يا معشرَ من آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإِيمانُ في قلبه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تتبعُوا عوراتهم، فإنَّه منِ اتَّبَع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته، يفضحه في بيته"

стр. 809

خرَّجه الإِمام أحمد وأبو داود (١)، وخرَّج الترمذي معناه من حديث ابن عمر (٢). واعلم أن النَّاس على ضربين: أحدهما: من كان مستورًا لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمةٌ، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]. والمراد: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإِفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرُ بالمعروف: اجتهد أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإِسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحدٍّ، ولم يفسِّرْهُ، لم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجع ويستُر نفسه، كما أمر النبيُّ ﷺ ماعزًا والغامدية (٣)، وكما لم يُستفسرِ الذي قال: "أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ" (٤). ومثلُ هذا لو أخذَ بجريمته، ولم يبلغِ الإِمامَ، فإنه يُشفع له حتَّى لا يبلغ الإِمام. وفي مثله جاء الحديثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم". خرَّجه أبو داود والنسائي مِن حديث عائشة (٥).

стр. 810

والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لِتُقامَ عليه الحدودُ. صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدلّ بقولِ النبيِّ ﷺ : "واغدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإن اعترفت، فارجُمها" (١). ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتَّى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه. قال مالك: من لم يُعرَفْ منه أذى للنَّاس، وإنما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإِمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أن (٢) يَشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ، حكاه ابن المنذر وغيره. وكره الإِمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حالٍ، وإنَّما كرهه، لأنهم غالبًا لا يُقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إنْ علمتَ أنَّه يقيمُ عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنَّهم ضربوا رجلًا، فمات: يعني لم يكن قتلهُ جائزًا. ولو تاب أحدٌ مِنَ الضَّرب الأوَّل، كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويستر على نفسه. وأما الضربُ الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بلِ الأولى له أن يأتيَ الإِمامَ، ويقرَّ على نفسه بما يُوجِبُ الحدَّ حتى يطهِّرَه. قوله: "والله في عونِ العبد ما كان العبدُ في عون أخيه" وفي حديث ابنِ عمر: "ومن كان في حاجةِ أخيه، كان الله في حاجته". وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين والسادس والعشرين فضلُ قضاءِ الحوائجِ والسَّعي
следующие страницы →