← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

العَرَقِ كقدر أعمالهم، فمنهم مَنْ يأخذُه إلى عَقِبَيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ، ومنهم من يُلجمه إلجامًا". وقال ابن مسعود: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنَّةُ من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، فيعرَقُ الرَّجلُ حتَّى يرشَح عرقُه في الأرض قدرَ قامةٍ، ثم يرتفعُ حتَّى يبلغَ أنفه، وما مسَّه الحسابُ، قال: فمم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ممَّا يرى النَّاس يُصنَعُ بهم (١). وقال أبو موسى: الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، وأعمالهم تُظِلُّهم أو تُضحِيهم (٨). وفي "المسند" (٢) من حديث عُقبة بن عامرٍ مرفوعًا: "كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتَّى يُفصَلَ بينَ النَّاسِ". قوله ﷺ : "ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة". هذا أيضًا يدلُّ على أنَّ الإِعسار قد يحصُل في الآخرة، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنَّه يومٌ عسير وأنَّه على الكافرين غيرُ يسير، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إمَّا بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجبٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلَّا، فبإعطائه ما يزولُ به إعسارُه، وكلاهما له فضل عظيم.

стр. 807

وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "كان تاجرٌ يُدايِنُ النَّاسَ، فإذا رأى معسرًا، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أن يتجاوزَ عنَّا، فتجاوز الله عنه" (١). وفيهما عن حُذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النَّبيَّ ﷺ يقول: "مات رجل فقيل له، فقال: كنتُ أبايعُ النَّاس، فأتجاوزُ عَن المُوسِر، وأُخَفِّفُ عنِ المُعسِرِ" وفي رواية، قال: كنتُ أُنظِرُ المعسِرَ، وأتجوَّزُ في السِّكَّة، أو قال: في النَّقد، فغُفِرَ له" (٢). وخرَّجه مسلم (٣) من حديث أبي مسعود عن النبيِّ ﷺ . وفي حديثه: "فقال الله: نحنُ أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه". وخرَّج أيضًا من حديث أبي قتادةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من سرَّه أن يُنجيَه الله مِنْ كُرَب يومِ القيامة، فلينفِّس عن مُعسرٍ، أو يضعْ عنه" (٤). وخرَّج أيضًا من حديث أبي اليَسَر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلُّه" (٥). وفي "المسند" (٦) عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من أراد أن تُستجاب

стр. 808

دعوته، وتُكشفَ كُربَتُه، فليفرِّجْ عن مُعسِرٍ". وقوله ﷺ : "ومن ستَرَ مُسلمًا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة". هذا مما تَكاثرتِ النُّصوص بمعناه. وخرَّج ابن ماجه (١) من حديث ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من ستر عورةَ أخيه المسلم، ستر الله عورته يومَ القيامة، ومن كشفَ عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتَّى يفضحه بها في بيته". وخرَّج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النَّبي ﷺ ، يقول: "من ستر مؤمنًا في الدنيا على عورةٍ، ستره الله يوم القيامة" (٢). وقد روي عن بعض السَّلف أنه قال: أدركتُ قومًا لم يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ الناس، فذكر الناسُ لهم عيوبًا، وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فكفُّوا عن عُيوبِ الناس، فنُسِيَت عيوبهم، أو كما قال. وشاهد هذا حديث أبي بَرْزَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "يا معشرَ من آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإِيمانُ في قلبه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تتبعُوا عوراتهم، فإنَّه منِ اتَّبَع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته، يفضحه في بيته"

стр. 809

خرَّجه الإِمام أحمد وأبو داود (١)، وخرَّج الترمذي معناه من حديث ابن عمر (٢). واعلم أن النَّاس على ضربين: أحدهما: من كان مستورًا لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمةٌ، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]. والمراد: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإِفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرُ بالمعروف: اجتهد أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإِسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحدٍّ، ولم يفسِّرْهُ، لم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجع ويستُر نفسه، كما أمر النبيُّ ﷺ ماعزًا والغامدية (٣)، وكما لم يُستفسرِ الذي قال: "أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ" (٤). ومثلُ هذا لو أخذَ بجريمته، ولم يبلغِ الإِمامَ، فإنه يُشفع له حتَّى لا يبلغ الإِمام. وفي مثله جاء الحديثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم". خرَّجه أبو داود والنسائي مِن حديث عائشة (٥).

стр. 810

والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لِتُقامَ عليه الحدودُ. صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدلّ بقولِ النبيِّ ﷺ : "واغدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإن اعترفت، فارجُمها" (١). ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتَّى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه. قال مالك: من لم يُعرَفْ منه أذى للنَّاس، وإنما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإِمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أن (٢) يَشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ، حكاه ابن المنذر وغيره. وكره الإِمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حالٍ، وإنَّما كرهه، لأنهم غالبًا لا يُقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إنْ علمتَ أنَّه يقيمُ عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنَّهم ضربوا رجلًا، فمات: يعني لم يكن قتلهُ جائزًا. ولو تاب أحدٌ مِنَ الضَّرب الأوَّل، كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويستر على نفسه. وأما الضربُ الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بلِ الأولى له أن يأتيَ الإِمامَ، ويقرَّ على نفسه بما يُوجِبُ الحدَّ حتى يطهِّرَه. قوله: "والله في عونِ العبد ما كان العبدُ في عون أخيه" وفي حديث ابنِ عمر: "ومن كان في حاجةِ أخيه، كان الله في حاجته". وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين والسادس والعشرين فضلُ قضاءِ الحوائجِ والسَّعي

стр. 811

فيها. وخرَّج الطبراني (١) من حديث عمر مرفوعًا: "أفضلُ الأعمال إدخالُ السُّرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جَوْعَتُه، أو قضيت له حاجة". وبعث الحسنُ البصريُّ قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مرُّوا بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتًا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجةِ أخيك المسلم خير لك مِنْ حجة بعد حَجَّةٍ؟ فرجعوا إلى ثابتٍ، فترك اعتكافه، وذهب معهم. وخرَّج الإِمام أحمد (٢) من حديث ابنةٍ لخبَّاب بن الأرت، قالت: خرج خبَّاب في سريَّةٍ، فكان النبيُّ ﷺ يتعاهدُنا حتَّى يحلُب عنزةً لنا في جَفْنَةٍ لنا، فتمتلئ حتَّى تفيضَ، فلمَّا قدم خبَّابٌ حلبَها، فعادَ حِلابها إلى ما كان.

стр. 812

وكان أبو بكر الصدِّيق يحلبُ للحيِّ أغنامهم، فلمَّا استخلف، قالت جاريةٌ منهم: الآن لا يحلُبُها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلتُ فيه عن شيءٍ كنتُ أفعلُه، أو كما قال. وإنما كانوا يقومون بالحِلاب، لأن العربَ كانت لا تَحلُبُ النِّساءُ منهم، وكانوا يستقبحونَ ذلك، فكان الرجالُ إذا غابوا، احتاج النساءُ إلى من يحْلُبُ لهنَّ. وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال لقوم: "لا تسقوني حَلَبَ امرأةٍ" (١). وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماءَ باللَّيل، ورآه طلحةُ بالليل يدخلُ بيتَ امرأةٍ، فدخلَ إليها طلحةُ نهارًا، فإذا هي عجوزٌ عمياءُ مقعدةٌ، فسألها: ما يصنعُ هذا الرَّجلُ عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يُصلِحُني، ويخرج عنِّي الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحةُ، عثراتِ عمر تتبع؟ (٢) وكان أبو وائل يطوفُ على نساء الحيِّ وعجائزهم كلَّ يوم، فيشتري لهنَّ حوائجهنّ وما يُصلِحُهُنَّ. وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدُمُني (٣). وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أن يخدُمَهم.

стр. 813

وصحب رجلٌ قومًا في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدُمَهم، فكان إذا أرادَ أحدٌ منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شرطي، فيفعله، فمات فجرَّدوهُ للغسل، فرأَوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم. وفي "الصحيحين" عن أنس، قال: كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في السَّفر، فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطرُ، قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ، أكثرنا ظلًّا صاحبُ الكساءِ، ومنَّا من يتَّقي الشَّمسَ بيده، قال: فسقط الصُّوَّام، وقام المفطرون، وضربُوا الأبنية، وسَقوا الرِّكابَ، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرونَ اليومَ بالأجرِ" (١). ويُروى عن رجلٍ من أسلم أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِي بطعامٍ في بعض أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابُهُ، وقبض الأسلميُّ يده، فقال له رسول الله ﷺ : "مالك؟ " قال: إنِّي صائمٌ، قال: "فما حملَك على ذلك؟ " قال: معي ابناي يرحلان لي ويخدُماني، فقال: "ما زال لهُمُ الفضلُ عليك بعدُ". وفي "مراسيل أبي داود" (٢) عن أبي قِلابة أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قدِموا يُثنونَ على صاحبٍ لهم خيرًا، قالوا: ما رأينا مثلَ فلانٍ قطُّ، ما كان في مسيرٍ إلَّا كان في قراءةٍ، ولا نزلنا منزلًا إلَّا كان في صلاةٍ، قال: "فمن كان يكفيه ضيعته؟ " حتى ذكر: "ومن كان يعلِف جمله أو دابَّته؟ " قالوا: نحن، قال: "فكلُّكم خيرٌ منه". قوله ﷺ : "ومن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى

стр. 814

الجنة"، وقد روى هذا المعنى أيضًا أبو الدرداء عن النبيِّ ﷺ (١)، وسلوكُ الطَّريقِ لالتماس العلم يدخُلُ فيه سلوكُ الطَّريق الحقيقيِّ، وهو المشيُ بالأقدام إلى مجالسِ العلماء، ويدخلُ فيه سلوكُ الطُّرُق المعنويَّة المؤدِّية إلى حُصولِ العلمِ، مثل حفظه، ودراسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهُّم له، ونحو ذلك مِنَ الطُّرق المعنوية التي يُتوصَّل بها إلى العلم. وقوله: "سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة"، قد يُراد بذلك أنَّ الله يسهِّلُ له العلمَ الذي طلبَه، وسلك طريقه، وييسِّرُه عليه، فإنَّ العلمَ طريق موصلٌ إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال بعض السلف (٢): هل من طالبِ علمٍ فيعانَ عليه؟ وقد يُراد أيضًا: أنَّ الله يُيسِّرُ لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجهَ الله الانتفاعَ به والعملَ بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته ولدخولِ الجنَّة بذلك. وقد يُيَسِّرُ الله لطالب العلم علومًا أُخَرَ ينتفع بها، وتكونُ موصلة له إلى الجنَّة، كما قيل: من عَمِلَ بما علِمَ، أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل: ثوابُ الحسنة الحسنةُ بعدَها، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيلُ طريق الجنَّة الحِسيِّ يومَ القيامة - وهو الصِّراط - وما قبله وما بعدَه من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع

стр. 815

به، فإنَّ العلم يدلُّ على الله مِنْ أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقَه، ولم يُعرِّجْ عنه، وصل إلى الله وإلى الجنَّةِ مِنْ أقرب الطُّرق وأسهلها فسَهُلَت عليه الطُّرُق الموصلةُ إلى الجنَّة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريقَ إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانه، والفوزِ بقربه، ومجاورته في الآخرة إلَّا بالعلم النَّافع الذي بعثَ الله به رُسُلَه، وأنزل به كتبه، فهو الدَّليل عليه، وبه يُهتَدَى في ظُلماتِ الجهل والشُّبَهِ والشُّكوك، ولهذا سمَّى الله كتابه نورًا؛ لأنَّه يُهتَدى به في الظُّلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. ومثل النبيُّ ﷺ حَمَلَةَ العلم الذي جاء به بالنُّجوم التي يُهتدى بها في الظُّلمات، ففي "المسند" (١) عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ مثلَ العُلَماءِ في الأرض كمثلِ النُّجوم في السَّماء، يُهتدى بها في ظُلُمات البرِّ والبحرِ، فإذا انطمست النُّجوم، أوشك أن تَضِلَّ الهُداة". وما دام العلمُ باقيًا في الأرض، فالنَّاس في هُدى، وبقاءُ العلم بقاءُ حَمَلَتِه، فإذا ذهب حملتُه ومَنْ يقومُ به، وقع النَّاسُ في الضَّلال، كما في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُه مِنْ صُدورِ النَّاسِ، ولكن يقبضُه بقبض العُلماء، فإذا لمَ يَبقَ عالِمٌ، اتَّخذ النَّاسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فسئِلوا، فأفتَوا بِغيرِ عِلمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا" (٢). وذكر النبيُّ ﷺ يومًا رفع العلم، فقيل له: كيف يذهبُ العلم وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءَنا وأبناءَنا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "هذه التَّوراة والإِنجيلُ عندَ اليهود والنَّصارى، فماذا تُغني عنهم؟ " فسئل عبادةُ بن الصَّامت عن هذا

стр. 816

الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتُك بأوَّلِ علمٍ يرفع مِنَ النَّاس: الخشوع (١)، وإنما قال عُبادة هذا، لأنَّ العلم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلبِ الإِنسان، وهو العلمُ بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضية لخشيتِهِ، ومهابتِه، وإجلالِه، والخضوعِ له، ولمحبَّتِه، ورجائهِ، ودعائه، والتوكُّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلمُ النافع، كما قال ابنُ مسعود: إنَّ أقوامًا يقرؤون القرآن لا يُجاوِزُ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، نفع. وقال الحسنُ: العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع (٢). والقسم الثاني: العلمُ الذي على اللِّسانِ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (٣)، فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم: العلمُ النَّافع، وهو العلم الباطنُ الَّذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحها، ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً، فيتهاونُ الناسُ به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملتُه ولا غيرهم، ثم يذهبُ هذا العلم

стр. 817

بذهاب حمَلتِه، فلا يبقى إلا القرآنُ في المصاحف، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه، ثمَّ يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ، وبعد ذلك تقومُ السَّاعة، كما قال ﷺ : "لا تقومُ السَّاعة إلَّا على شرارِ النَّاس" (١)، وقال: "لا تقومُ الساعةُ وفي الأرض أحدٌ يقول: الله الله" (٢). قوله ﷺ : "وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ، يتلونَ كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلَّا نزلت عليهمُ السَّكينةُ، وغشيتهُم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكةُ، وذكرهمُ اللهُ فيمن عنده". هذا يدلُّ على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حُمِل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وفي "صحيح البخاري" (٣) عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه". قال أبو عبد الرحمن السلمي: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجَّاجَ بن يوسف.

стр. 818

وإن حمل على ما هو أعمُّ مِنْ ذلك، دخل فيه الاجتماعُ في المساجد على دراسة القرآن مطلقًا، وقد كان النبيُّ ﷺ أحيانًا يأمرُ مَنْ يقرأ القرآن ليستمع قراءته، كما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه، وقال: "إنِّي أُحِبُّ أن أسمعَهُ مِنْ غيري" (١) وكان عمرُ يأمرُ من يقرأُ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارةً يأمرُ أبا موسى، وتارةً يأمرُ عُقبةَ بن عامر. وسئل ابن عباس: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ذكرُ الله، وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتعاطَوْنَ فيه كتابَ الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلَّا أظلَّتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتَّى يُفيضوا في حديثٍ غيره. ورُوي مرفوعًا والموقوف أصحُّ. وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلُّوُا الغداة، قعدوا حِلَقًا حِلَقًا، يقرؤون القرآنَ، ويتعلَّمونَ الفرائضَ والسُّنَن، ويذكرون الله . وروى عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ قومٍ صلَّوا صلاةَ الغداةِ، ثمَّ قعدُوا في مُصلَّاهم، يتعاطَونَ كتابَ اللهِ، ويتدارسونه، إلَّا وكَّلَ الله بهم ملائكةً يستغفرُون لهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره" وهذا يدلُّ على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف. وقد روى حربٌ الكرمانيُّ بإسناده عن الأوزاعيِّ أنَّه سُئِلَ عن الدِّراسة بعدَ صلاةِ الصُّبح، فقال: أخبرني حسَّانُ بن عطيَّة أنَّ أوَّلَ من أحدَثها في مسجد دمشقَ هشامُ بن إسماعيل المخزوميُّ في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ النَّاسُ بذلك.

стр. 819

وبإسناده عن سعيد بنِ عبد العزيز، وإبراهيم بنِ سليمان: أنَّهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت والأوزاعي في المسجد لا يُغَيِّرُ عليهم. وذكر حربٌ أنَّه رأى أهلَ دمشق، وأهلَ حمص، وأهلَ مكة، وأهل البصرة يجتمعون على القراءة بعدَ صلاة الصُّبح، لكن أهل الشام يقرؤون القرآن كُلهم جملةً مِنْ سورةٍ واحدةٍ بأصواتٍ عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون، فيقرأ أحدُهم عشرَ آياتٍ، والنَّاسُ يُنصِتون، ثم يقرأُ آخرُ عشرًا، حتَّى يفرغوا. قال حرب: وكلُّ ذلك حسن جميل. وقد أنكر ذلك مالكٌ على أهل الشام. قال زيدُ بنُ عبيدٍ الدِّمشقيُّ: قال لي مالكُ بنُ أنسٍ: بلغني أنّكم تجلِسونَ حِلَقًا تقرؤون، فأخبرتُه بما كان يفعلُ أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرِفُ هذا، قال: فقلت: هذا طريف؟ قال: وطريفٌ رجل يقرأ ويجتمعُ الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا. قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالكَ بن أنسٍ يقول: الاجتماعُ بكرة بعدَ صلاة الفجر لقراءة القرآن بدعةٌ، ما كان أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولا العلماء بعدَهم على هذا، كانوا إذا صلَّوا يَخْلوا كلٌّ بنفسه، ويقرأ، ويذكرُ الله ، ثم ينصرفون من غير أن يُكلِّم بعضهم بعضًا، اشتغالًا بذكرِ الله، فهذه كلُّها محدثة. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم تكن القراءةُ في المسجد من أمرِ النَّاسِ القديم، وأوَّلُ من أحدثَ ذلك في المسجد الحجاجُ بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كلُّه أبو بكر النيسابوري في كتاب "مناقب مالك ﵀". واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجُملة

стр. 820

بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذِّكر، والقرآن أفضلُ أنواع الذكر، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن للهِ ملائكةً يطوفونَ في الطُّرق، يلتمِسُون أهلَ الذِّكر، فإذا وجدُوا قومًا يذكرون الله ، تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السَّماء الدُّنيا، فيسألهُم ربُّهم - وهو أعلمُ بهم -: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبِّحُونَك، ويكبِّرونك، ويحمَدُونَك، ويمجِّدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوْكَ، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك، كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لكَ تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا، فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنَّة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ، ما رأوها، فيقول: كيف لو أنَّهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها، كانوا أشدّ عليها حرصًا وأشدَّ لها طلبًا، وأشدّ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذونَ؟ فيقولون: من النَّار، قال: يقول: فهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها، كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدّ لها مخافةً، فيقول الله تعالى: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لحاجته، قال: هُمُ الجلساءُ لا يشقى بهم جليسهم" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) عن مُعاوية أنَّ رسول الله ﷺ خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: "ما يُجلسكُم"؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ، ونحمَدُه لما هدانا للإِسلام، ومنَّ علينا به، فقال: "آللهِ ما أجلسكم إلَّا ذلك؟ " قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إنِّي لم أستحلِفْكُم لتهمةٍ لكم، إنه أتاني جبريل، فأخبرني أنَّ الله تعالى يُباهي بكم الملائكة".

стр. 821

وخرَّج الحاكم (١) من حديث معاوية، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ يومًا، فدخل المسجدَ، فإذا هو بقومٍ في المسجد قعود، فقال النبيُّ ﷺ : "ما أقعدكم؟ " فقالوا: صلَّينا الصَّلاةَ المكتوبةَ، ثم قعدنا نتذاكرُ كتاب الله وسنَّة نبيّه ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا ذكر شيئًا تعاظم ذكرُه". وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة. وقد أخبر ﷺ أنَّ جزاءَ الذين يجلسونَ في بيت الله يتدارسون كتابَ الله أربعة أشياء: أحدها: تَنزُّل السكينة عليهم، وفي "الصحيحين" عن البراء بن عازب، قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف وعنده فرسٌ، فتغشَّته سحابةٌ، فجعلت تدورُ وتدنُو، وجعل فرسه يَنفِرُ منها، فلمَّا أصبح، أتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: "تلك السَّكينة تنزَّلت للقرآن" (٢). وفيهما أيضًا عن أبي سعيدٍ أنَّ أُسيدَ بنَ حُضيرٍ بينما هو ليلةً يقرأ في مِربَدِه، إذ جالت فرسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، فقال أُسيدٌ: فخشيتُ أن تطأ يحيى - يعني ابنَه - قال: فقمتُ إليها، فإذا مثلُ الظُّلَّةِ فوق رأسي فيها أمثالُ السُّرُجِ عرجت في الجوِّ حتَّى ما أراها، قال: فغدا على النبيِّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال ﷺ : "تلك الملائكةُ كانت تستَمِعُ لك، ولو قرأت، لأصبحَتْ يراها الناس ما تستتر منهم" واللفظ لمسلم فيهما (٣).

стр. 822

وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوبَ، عن عُبيد الله بنِ زَحْرٍ، عن سعدِ بن مسعود أنَّ رسول الله ﷺ كان في مجلسٍ، فرفعَ بصرَه إلى السَّماء، ثمَّ طأطأ بصرَه، ثمَّ رفعه، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إن هؤلاء القوم كانوا يذكُرون الله تعالى - يعني أهلَ مجلسٍ أمامَه - فنزلت عليهمُ السَّكينةُ تحملها الملائكةُ كالقُبَّةِ، فلمَّا دنت منهم تكلَّم رجلٌ منهم بباطلٍ، فرُفِعَت عنهم" وهذا مرسل. والثاني: غِشيانُ الرَّحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وخرَّج الحاكم (١) من حديث سلمان أنه كان في عِصابةٍ يذكرون الله تعالى، فمرَّ بهم رسولُ الله ﷺ ، فقال: "ما كنتم تقولون؟ فإنِّي رأيتُ الرَّحمةَ تنزِلُ عليكم، فأردت أن أشارِكَكُم فيها". وخرَّج البزارُ (٢) من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إن لله سيَّارةً مِنَ الملائكة، يطلبون حِلَق الذِّكر، فإذا أتوا عليهم حَفُّوا بهم، ثم بعثوا رائدَهم إلى السماء إلى ربِّ العزّة ﵎ فيقولون: ربَّنا أتينا على عبادٍ من عبادِكَ

стр. 823

يُعظِّمونَ آلاءَك، ويتلونَ كتابَك، ويصلُّون على نبيِّك، ويسألونَك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشُّوهم برحمتي، فيقولون: ربَّنا، إنَّ فيهم فلانًا الخطّاء، إنَّما اعتنقهُمُ اعتناقًا، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي، [فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم] ". والثالث: أنَّ الملائكة تحفُّ بهم، وهذا مذكورٌ في هذه الأحاديث التي ذكرناها، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم: "فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا". وفي رواية للإِمام أحمد (١): "علا بعضُهم على بعض حتَّى يبلغوا العرش". وقال خالدُ بنُ معدان، يرفعُ الحديث: "إنَّ للهِ ملائكةً في الهواء، يَسيحون بين السَّماءِ والأرض، يلتمسون الذِّكرَ، فإذا سمعوا قومًا يذكرون الله تعالى، قالوا: رويدًا زادكم الله، فينشرون أجنحتَهم حولَهم حتَّى يصعَدَ كلامُهم إلى العرش". خرَّجه الخلال في كتاب "السنة" (٢). الرابع: أنَّ الله يذكرُهم فيمن عنده، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، قال: "يقولُ الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرُني، فإن ذكرني في نفسِه، ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم" (٣). وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله تعالى، كما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النَّبي ﷺ ، قال: "إنَّ لأهلِ ذكرِ

стр. 824

الله تعالى أربعًا: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده" (١). وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاتهم به وتنويهه بذكره. قال الربيعُ بنُ أنس (٢): إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ، وزائدٌ مَنْ شكره، ومعذِّبٌ من كفره، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]، وصلاةُ الله على عبده: هو ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويههُ بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في "صحيحه" (٣). وقال رجلٌ لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كأنَّ الملائكة تُصلِّي عليك، كلَّما دخلتَ، وكلما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلَّت عليكمُ الملائكةُ، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ " خرَّجه الحاكم (٤).

стр. 825

قوله ﷺ : "ومن بطَّأ به عملُه، لم يُسرِعْ بهِ نسبه": معناه أنَّ العملَ هو الذي يبلُغ بالعبدِ درجاتِ الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، فمن أبطأ به عمله أن يبلُغَ به المنازلَ العالية عند الله تعالى، لم يُسرِعْ به نسبه، فيبلغه تلكَ الدَّرجاتِ، فإن الله تعالى رتَّبَ الجزاءَ على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] الآيتين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمرُّ النَّاسُ على قدر أعمالهم زُمَرًا زُمرًا، أوائلُهم كلمح البرقِ، ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّير، ثمَّ كمرِّ البهائمِ، حتَّى يمرَّ الرَّجُلُ سعيًا، وحتَّى يمرَّ الرَّجلُ مشيًا، حتَّى يمرَّ آخرهُم يتلبَّط على بطنِه، فيقول: يا ربِّ، لم بطَّأْتَ بي؟ فيقول: إنِّي لم أبطِّئ بك، إنَّما بطَّأ بكَ عملُك (١). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ حين أُنزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش، اشترُوا أنفسَكم من اللهِ، لا أُغني عنكم من اللهِ شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا

стр. 826

صفية عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئًا" (١). وفي رواية خارج "الصحيحين": "إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقون لا يأتي النَّاسُ بالأعمال، وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون: يا محمَّدُ، فأقول: قد بلَّغتُ". وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ أوليائي المتقونَ يومَ القيامة، وإن كان نسبٌ أقربَ مِنْ نسبٍ، يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمدُ، يا محمدُ، فأقول هكذا وهكذا" وأعرض في كلا عِطفَيهِ (٢). وخرَّج البزارُ (٣) من حديث رفاعة بنِ رافع أن النبيَّ ﷺ قال لعمرَ: "اجمع لي قومك يعني: قريشًا، فجمعهم، فقال: "إن أوليائي منكم المتَّقون، فإن كنتُم أولئك، فذاك، وإلَّا، فانظروا، لا يأتي النَّاسُ بالأعمال يَومَ القيامة وتأتونَ بالأثقالِ، فيُعْرَضَ عنكم". وخرَّجه الحاكم مختصرًا وصححه. وفي "المسند" عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا بعثه إلى اليمن، خرج معه يُوصيه، ثم التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: "إنَّ أولى النَّاس بي المتَّقونَ مَنْ كَانُوا، وحيثُ كانوا". وخرَّجه الطبراني، وزاد فيه: "إنَّ أهلَ بيتي هؤلاء يرونَ أنَّهم أولى النَّاسِ بي، وليس كذلك، إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقونَ، من كانوا وحيث كانوا" (٤).

стр. 827

ويشهد لهذا كلِّه ما في "الصحيحين" عن عمرو بن العاص، أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنَّما وليِّيَ الله وصالح المؤمنين" (١) يشير إلى أنَّ ولايته لا تُنال بالنَّسب، وإنْ قَرُبَ، وإنَّما تُنالُ بالإِيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا، فهو أعظمُ ولاية له، سواءٌ كانَ له منه نسبٌ قريب، أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقولُ بعضهم: لَعَمْرُكَ ما الإِنسانُ إلَّا بدينِهِ … فلا تَتْرُكِ التَّقوى اتِّكالًا على النَّسَب لقَد رَفَع الإِسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ … وقَد وضَعَ الشِّركُ الشقيَّ (٢) أَبَا لَهب

стр. 828

الحديث السابع والثلاثون عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فِيمَا يَروِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ قَالَ: "إنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها الله عِنْدَهُ حَسَنةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَها، كَتَبَها اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبعِ مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كَثيرَةٍ، وإنْ هَمَّ بسَيِّئةٍ، فلم يَعْمَلها، كَتَبَها الله عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا، فعَمِلَها كَتَبَها الله سَيِّئَةً واحِدَةً". رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلمٌ. (١) هذا الحديث خرَّجاه من رواية الجعد أبي عثمان، حدَّثنا أبو رجاءٍ العُطاردي، عن ابنِ عبَّاس، وفي رواية لمسلم زيادةٌ في آخر الحديث، وهي: "أو (٢) محاها الله، ولا يَهلِكُ على الله إلَّا هالكٌ". وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة، فخرجا في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يقولُ الله: إذا أراد عبدي أن يعملَ سيِّئةً، فلا تكتبُوها عليه حتَّى يعملها، فإن عملَها، فاكتبوها بمثلِها، وإن تركها مِنْ أجلي، فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أن يعملَ حسنةً، فلم يعمَلْها، فاكتبوها له حسنةً، فإن عملَها، فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ" وهذا لفظ البخاري (٣)، وفي رواية لمسلم (٤): "قال الله : إذا تحدَّثَ عبدي بأن

стр. 829

يعملَ حسنةً، فأنا أكتُبها له حسنةً ما لم يعمل، فإذا عملَها، فأنا أكتُبها بعشرِ أمثالها، وإذا تحدَّث بأن يعملَ سيِّئةً، فأنا أغفِرُها له ما لم يعملْهَا، فإذا عملها، فأنا أكتبُها له بمثلها". وقال رسول الله ﷺ : "قالتِ الملائكةُ: ربِّ ذاك عبدُك يريدُ أن يعملَ سيِّئةً - وهو أبصرُ به - قال: ارقبوه، فإن عملَها، فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها، فاكتبوها له حسنةً، إنَّما تركها من جرَّايَ". قال رسول الله ﷺ : "إذا أحسنَ أحدُكم إسلامه، فكلُّ حسنةٍ يعملُها تُكتبُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكلُّ سيِّئةٍ يعملُها تُكتَبُ بمثلها حتَّى يلقى الله". وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف: الحسنةُ عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله : إلَّا الصِّيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدعُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِنْ أجلي"، وفي رواية بعد قوله: "إلى سبع مئة ضعف": "إلى ما يشاء الله" (١). وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يقولُ الله: مَنْ عمل حسنةً، فله عشرُ أمثالها أو أَزِيدُ، ومن عمل سَيِّئةً، فجزاؤها مِثلُها أو أغفرُ" (٢). وفيه أيضًا عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من همَّ بحسنةٍ، فلم يعْمَلها، كُتِبَت له حسنةً، فإن عَمِلَها، كتبت له عشرًا، ومن همَّ بسَيِّئةٍ، فلم يعملها لم يُكتب عليه شيءٌ، فإن عَمِلَها، كُتِبَت عليه سيِّئةً واحدةً" (٣). وفي "المسند" عن خُرَيْمِ بن فاتكٍ عن النَّبي ﷺ ، قال: "من همَّ بحسنة،

стр. 830

فلم يعملها، فعلم الله أنَّه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كُتِبَت له حسنة، ومن همَّ بسيئة لم تُكتب عليه، ومن عَمِلَها كتبت له واحدة، ولم تُضاعَف عليه، ومن عَمِلَ حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفقَ نفقةً في سبيلِ الله، كانت له بسبع مئة ضعف" (١). وفي المعنى أحاديث أُخر متعددة. فتضمنت هذه النُّصوص كتابةَ الحسنات، والسيِّئات، والهمّ بالحسنةِ والسيِّئة، فهذه أربعة أنواع: النوع الأول: عملُ الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشرِ أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ، فمُضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازمٌ لكلِّ الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وأما زيادةُ المضاعفةِ على العشر لمن شاء الله أن يُضاعف له، فدلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فدلَّت هذه الآيةُ على أنَّ النَّفقة في سبيل الله تُضاعف بسبع مئة ضعف. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي مسعود، قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة". وفي "المسند" (٣) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي عُبيدة بنِ الجرَّاح، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبع مئةٍ، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عادَ مريضًا، أو مازَ أذى، فالحسنةُ بعشرِ أمثالها".

стр. 831

وخرَّج أبو داود من حديث سهل بنِ معاذٍ عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الصَّلاةَ، والصِّيامَ، والذِّكرَ يُضاعف على النَّفقة في سبيل الله بسبع مئة ضعف" (١). وروى ابنُ أبي حاتم (٢) بإسناده عن الحسن، عن عمران بنِ حُصين عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أرسل نفقةً في سبيلِ الله، وأقام في بيته، فله بكلِّ درهم سبع مئة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فلهُ بكلِّ درهم سبع مئة ألف درهم" ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وخرَّج ابنُ حبان في "صحيحه" (٣) من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قال رسولُ الله ﷺ : "ربِّ زد أمتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "ربِّ زدْ أمَّتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

стр. 832

وخرَّج الإِمامُ أحمد من حديث عليِّ بنِ زيد بنِ جُدعان، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ ألفي ألفِ حسنةٍ"، ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وقال: "إذا قال الله أجرًا عظيمًا، فمن يقدر قدره؟ " وروي عن أبي هريرة موقوفًا (١). وخرَّج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من دخل السُّوقَ، فقال: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، له الملك، وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو حيٌّ لا يموت، بيدِه الخيرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كتب اللهُ له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيِّئة، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ" (٢). ومن حديث تميم الداري مرفوعًا: "من قال: أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد عشرَ مرات، كتبَ الله له أربعين ألفَ ألفَ حسنةٍ" (٣)، وفي كلا الإِسنادين ضعف.

стр. 833

وخرَّج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عمر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله، كتب الله له مئة ألف حسنة، وأربعة وعشرين ألف حسنة" (١). وقوله في حديث أبي هريرة: "إلَّا الصيام، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (٢) يدلُّ على أنَّ الصِّيامَ لا يَعلمُ قدر مضاعفة ثوابه إلَّا الله لأنَّه أفضلُ أنواع الصَّبر، و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِيَ هذا المعنى عن طائفةٍ مِنَ السَّلف، منهم كعبٌ وغيره. وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث: "من حسن إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه" (٣) أنَّ مضاعفة الحسنات زيادةً على العشرِ تكونُ بحسبِ حُسنِ الإِسلام، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، وتكون بحسب كمال الإِخلاص، وبحسب فضلِ ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه. وذكرنا من حديث ابن عمر أنَّ قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] نزلت في الأعراب، وأن قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] نزلت في المهاجرين (٤). النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتب السيئةُ بمثلها مِنْ غير مضاعفةٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقوله: "كتبت له سيئة واحدة" إشارةٌ إلى أنَّها غيرُ مضاعفة، ما صرَّح به في

стр. 834

حديث آخر، لكن السَّيِّئة تعظُمُ أحيانًا بشرف الزَّمان، أو المكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ حرمًا، وعظم حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعمل الصالح والأجر أعظم (١). وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أنَّ الظلمَ في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووزْرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظُّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائل، ولكنَّ الله تعالى يُعظِّم من أمره ما يشاء تعالى ربنا (٢). وقد روي في حديثين مرفوعين أنَّ السيئاتِ تُضاعَفُ في رمضان، ولكن إسنادهما لا يصحُّ. وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عمر: الفسوق: ما أُصيبَ مِنْ معاصي الله صيدًا كان أو غيره (٣)، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].

стр. 835

وكان جماعة من الصحابة يتَّقونَ سُكنى الحرم، خَشيةَ ارتكابِ الذُّنوبِ فيه: منهمُ ابنُ عباس، وعبدُ الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئةُ فيه أعظم (١). ورُوي عن عمر بن الخطاب، قال: لأَنْ أُخطئ سبعينَ خطيئةً - يعني بغيرِ مكَّةَ - أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُخطئ خطيئة واحدةً بمكة. وعن مجاهد قال: تُضاعف السيئات بمكة كما تُضاعف الحسنات (٢). وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك. وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيءٍ من الحديث أنَّ السيئة تُكتب بأكثرَ مِنْ واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلَّا بمكَّة لِتعظيم البلد "ولو أنَّ رجلًا بعدن أبين همَّ". وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد، وقوله: ولو أنَّ رجلًا بعدن أبين همَّ هو من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى (٣). وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها، وقوَّة معرفته بالله، وقُربِه منه، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرمًا مِمَّن عصاه على بُعد، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء، وإن كان قد عصمَهم مِنها، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بعِصمَتهم مِنْ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ

стр. 836

صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١]. وكان عليُّ بن الحسين يتأوَّل في آل النبيِّ ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النَّبيِّ ﷺ . النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلمٌ كما تقدم: "إذا تحدث عبدي بأن يعملَ حسنةً، فأنا أكتبُها له حسنةً"، والظَّاهِرُ أن المرادَ بالتَّحدُّث: حديث النفس، وهو الهمُّ، وفي حديث خريم بن فاتك: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها، فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة"، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالهمِّ هنا: هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم. قال أبو الدرداء: من أتى فراشه، وهو ينوي أن يُصلِّي مِن اللَّيل، فغلبته عيناه حتَّى يصبحَ، كتب له ما نوى. وروي عنه مرفوعًا، وخرَّجه ابن ماجه مرفوعًا. قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف (١)، وروي معناه من حديث عائشة عن النَّبي ﷺ (٢).

стр. 837

وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من همَّ بصلاةٍ، أو صيام، أو حجٍّ، أو عمرة، أو غزو، فحِيلَ بينه وبينَ ذلك، بلَّغه الله تعالى ما نوى. وقال أبو عِمران الجونيُّ: يُنادى المَلَكُ: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقولُ: يا ربِّ، إنَّه لم يعملْهُ، فيقول: إنَّه نواه. قال زيدُ بن أسلم: كان رجِلٌ يطوفُ على العلماء، يقول: من يدلُّني على عملٍ لا أزال منه لله عاملًا، فإنِّي لا أُحبُّ أنَّ تأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنَ الَّليلِ والنَّهار إلَّا وأنا عاملٌ للهِ تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتَكَ، فاعمل الخيرَ ما استطعتَ، فإذا فترْتَ، أو تركته فهمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله. ومتى اقترن بالنيَّة قولٌ أو سعيٌ، تأكَّدَ الجزاءُ، والتحقَ صاحبُه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رَزَقَهُ الله مالًا وعلمًا، فهو يَّتقي فيه ربَّه، ويَصِلُ به رحِمَه، ويعلمُ للهِ فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادِقُ النِّيَّة، يقول: لو أنَّ لي مالًا، لعمِلْتُ بعملِ فلانٍ، فهو بنيتِه، فأجرُهُما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالًا، ولم يرزُقه علمًا يَخبِطُ في ماله بغير علمٍ، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يَصِلُ فيه رحمهُ، ولا يعلمُ لله فيه حقًا، فهذا بأخبثِ المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا،

стр. 838

فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا، لعَمِلتُ فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فوِزْرُهما سواءٌ". خرَّجه الإِمام أحمد والترمذي وهذا لفظُه، وابن ماجه (١). وقد حمل قوله: "فهما في الأجر سواءٌ" على استوائهما في أصلِ أجرِ العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفةُ يختصُّ بها من عَمِلَ العمل دونَ من نواه، فلم يعمله، فإنَّهما لو استويا مِنْ كلِّ وجه، لكُتِبَ لمن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها عشرُ حسناتٍ، وهو خلافُ النُّصوصِ كلِّها، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضَّلُ عليهم المجاهدون درجة همُ القاعدون من أهلِ الأعذار، والقاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار (٢). النوع الرابع: الهمُّ بالسَّيِّئات من غير عملٍ لها، ففي حديث ابن عباس: أنَّها تُكتب له حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنَّها تُكتَبُ حسنةً، وفي حديث أبي هريرة قال: "إنَّما تركها مِن جرَّايَ" يعني: من أجلي، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ مَنْ قَدَرَ على ما همَّ به مِنَ المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا رَيبَ في أنَّه يُكتَبُ له بذلك حسنة؛ لأنَّ تركه للمعصية بهذا القصد عملٌ صالحٌ. فأمَّا إن همَّ بمعصية، ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاةً لهم، فقد قيل: إنَّه يُعاقَبُ على تركها بهذه النيَّة، لأنَّ تقديم خوفِ المخلوقين على خوف الله محرَّم. وكذلك قصدُ الرِّياءِ للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترنَ به تركُ

стр. 839

المعصية لأجله، عُوقِبَ على هذا الترك. وقد خرَّج أبو نعيم (١) بإسنادٍ ضعيف عن ابن عباس، قال: يا صاحب الذَّنب، لا تأمننَّ سوءَ عاقبته، ولمَا يَتبعُ الذَّنبَ أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملتَه، وذكر كلامًا، وقال: وخوفُك من الريح إذا حرَّكت سترَ بابك وأنت على الذَّنب، ولا يضطربُ فؤادُك مِن نظرِ الله إليك، أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملته. وقال الفضيلُ بنُ عِياض: كانوا يقولون: تركُ العمل للناس رياءٌ، والعمل لهم شرك. وأمَّا إن سعى في حُصولها بما أمكنه، ثمَّ حالَ بينه وبينها القدرُ، فقد ذكر جماعةٌ أنَّه يُعاقَب عليها حينئذٍ لقول النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تكلَّمْ به أو تعمل" (٢) ومن سعى في حُصول المعصية جَهدَه، ثمَّ عجز عنها، فقد عَمِل، وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتِلُ والمقتولُ في النَّار"، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟! قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٣). وقوله: "ما لم تكلَّم به، أو تعمل" يدُلُّ على أنَّ الهامَّ بالمعصية إذا تكلَّم بما همَّ به بلسانه أنَّه يُعاقَبُ على الهمِّ حينئذٍ، لأنه قد عَمِل بجوارحِه معصيةً، وهو التَّكلُّمُ باللِّسانِ، ويدلُّ على ذلك حديث الذي قال: "لو أنَّ لي مالًا،

стр. 840

لعملتُ فيه ما عَمِلَ فلان" (١) يعني: الذي يعصي الله في ماله، قال: "فهما في الوزر سواءٌ". ومن المتأخرين من قالَ: لا يُعاقَبُ على التكلُّم بما همَّ به ما لم تكنِ المعصيةُ التي همَّ بها قولًا محرَّمًا، كالقذف والغيبةِ والكذب؛ فأمَّا ما كان متعلّقُها العملَ بالجوارح، فلا يأثَمُ بمجرَّدِ التكلُّمِ ما همَّ به، وهذا قد يستدلُّ به على حديث أبي هريرة المتقدم: "وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرُها له ما لم يعملها". ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعًا بينه وبين قوله: "ما لم تكلّم به أو تعمل"، وحديث أبي كبشة يدلُّ على ذلك صريحًا، فإنَّ قول القائل بلسانه: "لو أنَّ لي مالًا، لعملتُ فيه بالمعاصي، كما عمل فلانٌ"، ليس هو العمل بالمعصية التي همَّ بها، وإنَّما أخبر عمَّا همَّ به فقط ممَّا متعلّقه إنفاقُ المالِ في المعاصي، وليس له مالٌ بالكلّيّة، وأيضًا، فالكلام بذلك محرَّمٌ، فكيف يكون معفوًّا عنه، غيرَ مُعاقَبٍ عليه؟ وأمَّا إن انفسخت نِيَّتُه، وفترَت عزيمتُه من غيرِ سببٍ منه، فهل يُعاقبُ على ما همَّ به مِنَ المعصية، أم لا؟ هذا على قسمين: أحدهما: أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطرًا خطرَ، ولم يُساكِنهُ صاحبه، ولم يعقِدْ قلبَه عليه، بل كرهه، ونَفَر منه، فهذا معفوٌّ عنه، وهو كالوَساوس الرَّديئَةِ التي سُئِلَ النبيُّ ﷺ عنها، فقال: "ذاك صريحُ الإِيمان" (٢). ولمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ

стр. 841

فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دُخولَ هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية التي بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١)، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهم به، فهو غيرُ مؤاخذٍ به، ولا مكَلّف به، وقد سمى ابنُ عباس وغيرُه ذلك نسخًا، ومرادُهم أنَّ هذه الآية أزالتِ الإِيهامَ الواقعَ في النُّفوسِ من الآية الأولى، وبيَّنت أنَّ المرادَ بالآية الأُولى العزائم المصمَّمُ عليها، ومثل هذا كان السَّلفُ يسمُّونَه نسخًا. القسم الثاني: العزائم المصممة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنُها صاحبُها، فهذا أيضًا نوعان: أحدهما: ما كان عملًا مستقَّلًا بنفسه من أعمالِ القلوب، كالشَّكِّ في الوحدانية، أو النبوَّة، أو البعث، أو غير ذلك مِنَ الكفر والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كلّه يُعاقَبُ عليه العبدُ، ويصيرُ بذلك كافرًا ومنافقًا. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنَّه حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على مثلِ هذا (٢). وروي عنه حملُها على كتمان الشَّهادة (٣) لِقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ويلحق بهذا القسم سائرُ المعاصي المتعلِّقة بالقلوبِ، كمحبةِ ما يُبغضهُ الله، وبغضِ ما يحبُّه الله، والكبرِ، والعُجبِ، والحَسدِ، وسوءِ الظَّنِّ بالمسلم من غير موجِب، مع أنَّه قد رُوي عن سفيان أَنَّه قال في سُوء الظَّنِّ إذا لم يترتب عليه قولٌ أو فعلٌ، فهو معفوٌّ عنه. وكذلك رُوي عنِ الحسن أنه قال في الحسد، ولعلَّ هذا محمولٌ من قولهما على ما يجدهُ الإِنسانُ، ولا يمكنهُ دفعُه، فهو يكرهُه ويدفعهُ عن نفسه، فلا يندفِعُ إلَّا على ما يساكِنُه، ويستروِحُ إليه، ويُعيدُ حديثَ

стр. 842

نفسهِ به ويُبديه. والنوع الثاني: ما لم يكن مِنْ أعمال القلوب، بل كان من أعمالِ الجوارحِ، كالزِّنى، والسَّرقة، وشُرب الخمرِ، والقتلِ، والقذفِ، ونحو ذلك، إذا أصرَّ العبدُ على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يَظهرْ له أثرٌ في الخارج أصلًا. فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: يؤاخذ به، قال ابنُ المبارك: سألتُ سفيان الثوريَّ: أيُؤاخذُ العبدُ بالهمَّة؟ فقال: إذا كانت عزمًا أُوخِذَ (١). ورجَّح هذا القولَ كثيرٌ من الفُقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين من أصحابنا وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبنحو قول النبيِّ ﷺ : "الإِثمُ ما حاكَ في صدركَ، وكرهتَ أن يطَّلع عليه النَّاسُ" (٢)، وحملوا قوله ﷺ : "إن الله تجاوزَ لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تكلَّم به أو تعمل" على الخَطَراتِ، وقالوا: ما ساكنه العبدُ، وعقد قلبه عليه، فهو مِنْ كسبه وعملِه، فلا يكونُ معفوًّا عنه، ومِنْ هؤلاء من قال: إنَّه يُعاقَبُ عليه في الدُّنيا بالهموم والغموم، رُويَ ذلك عن عائشة مرفوعًا وموقوفًا، وفي صحَّته نظر (٣). وقيل: بل يُحاسَبُ العبدُ به يومَ القيامة، فيقفُه الله عليه، ثمَّ يعفو عنه، ولا يعاقبه به، فتكونُ عقوبته المحاسبة، وهذا مرويٌّ عن ابن عبّاس، والربيع بن أنس، وهو اختيار ابن جرير (٤)، واحتجَّ له بحديث ابن عمر في النجوى (٥)،

стр. 843

وذاك ليس فيه عمومٌ، وأيضًا، فإنَّه واردٌ في الذُّنوب المستورة في الدُّنيا، لا في وساوس الصُّدور. والقول الثاني: لا يُؤاخَذُ بمجرَّد النية مطلقًا، ونُسِبَ ذلك إلى نصِّ الشافعيِّ، وهو قولُ ابن حامدٍ مِنْ أصحابنا عملًا بالعمومات. وروى العَوْفيُّ عن ابنِ عباس ما يدلُّ على مثل هذا القول. وفيه قول ثالث: أنَّه لا يُؤاخَذُ بالهمِّ بالمعصية إلَّا بأنْ يهِمَّ بارتكابها في الحَرَم، كما روى السُّديُّ، عن مرَّةَ، عن عبد الله بنِ مسعود، قال: ما من عبدٍ يهِمُّ بخطيئةٍ، فلم يَعمَلها، فتكتب عليه، ولو همَّ بقتل إنسان عندَ البيت، وهو بِعَدَنِ أبْيَنَ (١)، أذاقَهُ الله من عذابٍ أليم، وقرأ عبدُ الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. خرَّجه الإِمام أحمد وغيره. وقد رواه عن السدي شعبةُ وسفيان، فرفعه شعبة ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه (٢). وقال الضحَّاك: إنَّ الرجل ليهِمُّ بالخطيئة بمكَّة، وهو بأرض أخرى، فتكتب

стр. 844

عليه (١)، ولم يعملها، وقد تقدَّم عن أحمد وإسحاق ما يدلُّ على مثل هذا القول (٢)، وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد. وروى أحمد في رواية المروذي حديثَ ابنِ مسعودٍ هذا، ثم قال أحمد يقول: مَنْ يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ، قال أحمد: لو أنَّ رجلًا بعدنِ أَبْيَنَ همَّ بقتل رجل في الحرم، هذا قول الله سبحانه: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، هكذا قال ابن مسعود ﵀. وقد ردَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي مُتَعلَّقُها القلب، وقال: الحرمُ يجبُ احترامُهُ وتعظيمُه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ حُرمَةَ الحرمِ ليست بأعظمَ منَ حُرمَةِ محرِّمه سبحانه، والعزمُ على معصية الله عزمٌ على انتهاكِ محارمِه، ولكن لو عزم على ذلك قصدًا، لانتهاكِ حُرمةِ الحرم، واستخفافًا بحُرمته، فهذا كما لو عَزَمَ على فعلِ معصيةٍ لقصدِ الاستخفافِ بحرمةِ الخالق ، فيكفُرُ بذلك، وإنَّما ينتفي الكفرُ عنه إذا كان همُّه بالمعصية لمجرَّد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهولِه في قصدِ مخالفة الله، والاستخفافِ بهيبته وبنظره، ومتى اقترن العملُ بالهمِّ، فإنَّه يُعاقَبُ عليه، سواءً كان الفعلُ متأخِّرًا أو متقدمًا، فمن فعل محرَّمًا مرَّةً، ثم عزم على فعله متى قدَرَ عليه، فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقَبٌ على هذه النية، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلَّا بعد سنين عديدة. وبذلك فسَّر ابنُ المبارك وغيرُه الإِصرار على المعصية. وبكلِّ حالٍ، فالمعصيةُ إنَّما تكتَبُ بمثلِها من غير مضاعفةٍ، فتكونُ العقوبةُ على المعصيةِ، ولا ينضمُّ إليها الهمُّ بها، إذ لو ضُمَّ إلى المعصية الهمُّ بها، لعُوقِبَ على عمل المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة، فإنه إذا عملها بعد الهمِّ بها، أُثيب على الحسنة دُونَ الهمِّ بها، لأنَّا

стр. 845

نقول: هذا ممنوع، فإنَّ من عَمِلَ حسنة، كُتِبَت له عشرَ أمثالِها، فيجوزُ أنَّ يكونَ بعضُ هذه الأمثال جزاءً للهمِّ بالحسنة، والله أعلم. وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: "أو محاها الله" يعني: أنَّ عمل السيئة: إمَّا أن تُكتَبَ لعاملها سيئة واحدةٌ، أو يمحوها الله بما شاءَ مِنَ الأسباب، كالتوبة والاستغفار، وعمل الحسنات. وقد سبق الكلامُ على ما تُمحى به السيِّئات في شرح حديث أبي ذرّ: "اتَّقِ اللهَ حيثُما كنت، وأتبع السيِّئةَ الحسنة تمحُها" (١). وقوله بعد ذلك: "ولا يَهلِكُ على الله إلَّا هالكٌ": يعني بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتَّجاوز عن السَّيِّئات، لا يَهلِكُ على الله إلَّا من هلك، وألقى بيديه إلى التَّهلُكة، وتجرَّأ على السَّيئات، ورَغِبَ عن الحسنات، وأعرض عنها. ولهذا قال ابنُ مسعود: ويلٌ لمن غلب وحْدانُه عشراته. وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعًا: "هَلَك مَنْ غلَبَ واحدُهُ عشرًا" (٢). وخرَّج الإِمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَّتانِ لا يُحصِيهِما رجلٌ مسلمٌ إلَّا دخلَ الجنَّة، وهما يسيرٌ، ومَنْ يعمَلُ بهما قليلٌ: تُسبِّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشرًا، وتَحمدُه عشرًا، وتُكبِّرُه عشرًا، قال: فتلك خمسون، ومئة باللسان، وألف
следующие страницы →