← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عن ابنِ واره، عن نُعيم بن حماد، حدثنا عبدُ الوهَّاب الثقفي حدثنا بعضُ مشيختنا هشامٌ أو غيره عن ابن سيرين، فذكره. وليس عنده "لا يزيغ عنه"، قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مُختَلفٌ فيه على نعيم، وقيل فيه: حدثنا بعضُ مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. قلت: تصحيحُ هذا الحديث بعيدٌ جدًّا من وجوه، منها: أنه حديثٌ يتفرد به نُعيمُ بنُ حماد المروزي، ونُعيم هذا وإن كان وثَّقه جماعةٌ مِنَ الأئمة، وخرَّج له البخاري، فإنَّ أئمةَ الحديث كانوا يُحسنون به الظنَّ، لِصلابته في السنة، وتشدُّده في الرَّدِّ على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه يَهِمُ، ويُشبّه عليه في بعض الأحاديث، فلمَّا كثُرَ عثورُهم على مناكيره، حكموا عليه بالضَّعف، فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء ولكنه صاحب سنة، قال صالح: وكان يُحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يُتابع عليها. وقال أبو داود: عند نعيم نحوُ عشرين حديثًا عن النبيِّ ﷺ ليس لها أصل، وقال النَّسائي: ضعيف. وقال مَرَّةً: ليس بثقة. وقال مرة: قد كثر تفرُّدُه عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرةٍ، فصار في حدِّ مَنْ لا يُحتجُّ به. وقال أبو زرعة الدمشقي: يَصِلُ أحاديث يُوقِفُها النَّاسُ، يعني أنه يرفع الموقوفات، وقال أبو عروبة الحراني: هو مظلمُ الأمر، وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات، ونسبه آخرون إلى أنَّه كان يضعُ الحديثَ (١)، وأين كان أصحاب عبد الوهَّاب الثقفي، وأصحاب هشام بن حسان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى يتفرَّدَ به نعيم؟ ومنها: أنه قد اختلف على نُعيم في إسناده، فروي عنه، عن الثقفي، عن هشام، ورُوي عنه عن الثقفي، حدَّثنا بعضُ مشيختنا هشام أو غيره، وعلى هذه الرواية، فيكون شيخ الثَّقفيِّ غيرَ معروف عينه، ورُوي عنه، عن الثقفي، حدَّثنا

стр. 912

بعض مشيختنا، حدَّثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفيُّ رواه عن شيخٍ مجهولٍ، وشيخه رواه عن غير مُعَيَّن، فتزدادُ الجهالةُ في إسناده. ومنها: أنَّ في إسناده عُقبةَ بن أوس السَّدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب بن أوس أيضًا، وقد خرَّج له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثًا عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي، وابن سعد، وابن حبان، وقال ابنُ خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابنُ عبد البرِّ: هو مجهول. وقال الغلابي في "تاريخه": يزعمون أنَّه لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عمرو، فعلى هذا تكون رواياتُه عن عبد الله بن عمرو منقطعة والله أعلم. وأما معنى الحديث، فهو أن الإِنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإِيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنَّواهي وغيرها، فيحبُّ ما أمر به، ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وذمَّ سبحانه من كره ما أحبَّه الله، أو أحبَّ ما كرهه الله، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. فالواجب على كلِّ مؤمن أن يُحِبَّ ما أحبَّه اللهُ محبةً توجبُ له الإِتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبَّةُ، حتَّى أتى بما ندب إليه منه، كان ذلك

стр. 913

فضلًا، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهةً توجِبُ له الكفَّ عمَّا حرَّم عليه منه، فإن زادت الكراهةُ حتى أوجبت الكفَّ عما كرهه تنزيهًا، كان ذلك فضلًا. وقد ثبت في "الصحيحين" عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدُكُم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولده وأهله والنَّاس أجمعين" (١) فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يُقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله. والمحبة الصحيحةُ تقتضي المتابعَة والموافقةَ في حبِّ المحبوبات وبغضِ المكروهات، قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] قال الحسن: قال أصحابُ النبيِّ ﷺ : يا رسولَ الله، إنَّا نحبُّ ربنا حبًا شديدًا، فأحبَّ اللهُ أن يجعل لحبِّه علمًا، فأنزل الله هذه الآية (٢). وفي "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإِيمان: أن يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهُما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يَرجِعَ إلى الكُفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (٣). فمن أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يُحبَّ بقلبه

стр. 914

ما يُحبُّه الله ورسولُه، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى الله ورسوله، ويَسخط ما يَسْخَطُهُ الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحبِّ والبغض، فإنْ عمل بجوارحه شيئًا يُخالِفُ ذلك، فإن ارتكبَ بعضَ ما يكرهه الله ورسولُه، أو ترك بعضَ ما يُحبه الله ورسوله، مع وجوبه والقدرة عليه، دلَّ ذلك على نقص محبَّته الواجبة، فعليه أن يتوبَ من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة. قال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ مَنِ ادَّعى محبة الله ، ولم يوافِقِ الله في أمره، فدعواه باطلة، وكلُّ محبٍّ ليس يخاف الله، فهو مغرورٌ (١). وقال يحيى بنُ معاذ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبَّة الله ولم يحفظ حدودَه. وسئل رُويم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد: ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سَمعًا وطاعةً … وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلًا ومرحبا ولبعض المتقدمين: تَعصِي الإِله وأنت تَزعُمُ حُبَّه … هذا لعمري في القِياسِ شَنيعُ لَو كانَ حُبُّك صادِقًا لأطعتَه … إن المُحِبَّ لِمَن يُحبُّ مُطيعُ فجميعُ المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف اللهُ المشركين باتِّباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وكذلك البدعُ، إنَّما تنشأ من تقديم الهوى على الشَّرع، ولهذا يُسمى أهلُها أهل الأهواء.

стр. 915

وكذلك المعاصي، إنَّما تقعُ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يُحبه. وكذلك حبُّ الأشخاص: الواجب فيه أنْ يكونَ تَبعًا لما جاء به الرسولُ ﷺ . فيجبُ على المؤمن محبةُ الله ومحبةُ من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا، ولهذا كان مِنْ علامات وجود حلاوة الإِيمان أن يُحِبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله. ويحرُم موالاةُ أعداءِ الله. ومن يكرهه الله عمومًا، وقد سبق ذلك في موضع آخر، وبهذا يكونُ الدِّينُ كلُّه لله. و"من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإِيمان" (١)، ومن كان حُبُّه وبُغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فيجب عليه التَّوبةُ من ذلك، والرُّجوع إلى اتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفوس ومراداتها كلها. قال وُهيب بنُ الورد: بلغنا - والله أعلم - أن موسى ﵇، قال: يا ربِّ أوصني؟ قال: أوصيك بي، قالها ثلاثًا حتى قال في الآخرة: أوصيك بي أن لا يعرض لك أمرٌ إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها، فمن لم يفعل ذلك لم أُزكِّه ولم أرحمه (٢). والمعروف في استعمال الهوى عند الإِطلاق: أنَّه الميلُ إلى خلاف الحقِّ، كما في قوله : ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].

стр. 916

وقد يُطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا، فيدخل فيه الميل إلى الحقِّ وغيره، وربما استُعمل بمعنى محبة الحقِّ خاصة والانقياد إليه، وسئل صفوانُ بن عسال: هل سمعتَ من النبيِّ ﷺ يذكر الهوى، فقال: سأله أعرابي عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحق بهم، فقال: "المرءُ مَعَ مَنْ أَحبَّ" (١). ولمَّا نزل قولُه : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قالت عائشة للنبيِّ ﷺ : ما أرى ربَّك إلَّا يُسارِعُ في هواك (٢). وقال عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ (٣)، وهذا الحديث مما جاء استعمال الهوى فيه بمعنى المحبة المحمودة، وقد وقع مثلُ ذلك في الآثار الإسرائيلية كثيرًا، وكلامُ مشايخ القوم وإشاراتُهم نظمًا ونثرًا يكثُر فيها هذا الاستعمال، ومما يُناسبُ معنى الحديثِ من ذلك قولُ بعضهم: إنَّ هواكَ الَّذي بقلبي … صَيَّرني سامعًا مُطيعا أخذت قلبي وغَمضَ عيني … سَلَبتني النَّومَ والهُجوعا فَذَرْ فؤادي وخُذ رُقادي … فقال: لا بل هُما جميعا

стр. 917

الحديث الثاني والأربعون عَنْ أَنسِ بن مالكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: "قالَ اللهُ تَعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفَرتُ لك على ما كانَ مِنكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمُ لَو بَلَغتْ ذُنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استَغفَرتَني، غَفَرتُ لكَ، يا ابنَ آدم إنَّك لو أَتيتَني بِقُراب الأرضِ خَطايا، ثمَّ لَقِيتَني لا تُشركُ بي شَيئًا، لأتيتُكَ بِقُرابها مغفرةً" (١). رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَن. هذا الحديثُ تفرَّد به الترمذيُّ خرَّجه من طريق كثير بن فائد، حدَّثنا سعيدُ بن عبيد، سمعتُ بكر بن عبد الله المزني يقولُ: حدثنا أنسٌ، فذكره، وقال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى. وإسناده لا بأس به، وسعيدُ بنُ عبيد هو الهُنائي، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، ومن زعم أنَّه غيرُ الهنائي، فقد وهِمَ، وقال الدارقطني: تفرَّد به كثيرُ بن فائد، عن سعيد مرفوعًا، ورواهُ سَلْم بنُ قتيبة، عن سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس. قلت: قد روي عنه مرفوعًا وموقوفًا، وتابعه على رفعه أيضًا أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عُبيد مرفوعًا أيضًا، وقد روي أيضًا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعًا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر. وقد رُوي أيضًا من حديث أبي ذَرٍّ خرَّجه الإِمامُ أحمد من رواية شهر بن

стр. 918

حوشب، عن معديكرب، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ يرويه عن ربه فذكره بمعناه (١)، ورواه بعضُهم عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذرّ (٢)، وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ (٣)، ولا يصحُّ هذا القول. ورُوي من حديث ابن عباس خرَّجه الطبراني (٤) من رواية قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن خبير، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ . ورُوي بعضه من وجوهٍ أُخر، فخرَّج مسلم في "صحيحه" (٥) من حديث المعرور بن سُويد، عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يقولُ الله تعالى: مَن تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا، ومن تقرَّب منِّي ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقِيَني بقُرابِ الأرض خطيئةً لا يُشرِكُ بي شيئًا لقيتُه بقُرابها مغفرةً". وخرَّج الإِمام أحمد (٦) من رواية أخشن السَّدوسي، قال: دخلتُ على أنس،

стр. 919

فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "والَّذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتَّى تملأ خطاياكُم ما بَيْنَ السماءِ والأرض، ثم استغفرتُمُ الله، لغَفَرَ لكُم". فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها: الدعاءُ مع الرجاء، فإنَّ الدعاء مأمورٌ به، وموعودٌ عليه بالإِجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وفي "السنن الأربعة" عن النعمان بن بشير، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الدُّعاء هو العبادة" (١) ثم تلا هذه الآية. وفي حديث آخر خرَّجه الطبراني مرفوعًا: "مَنْ أُعطي الدُّعاء، أُعطي الإِجابة، لأن الله تعالى يقولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " (٢). وفي حديث آخر: "ما كان الله لِيفتَحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاء، ويُغلقَ عنه بابَ الإِجابة" (٣). لكن الدعاء سببٌ مقتضٍ للإِجابة معَ استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلَّف إجابته، لانتفاءِ بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه، وقد سبق ذكرُ

стр. 920

بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر. ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاءُ الإِجابة من الله تعالى، كما خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة، فإنَّ الله لا يَقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" (١). وفي "المسند" (٢) عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ هذه القلوب أوعيةٌ، فبعضُها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإِجابة، فإنَّ الله لا يستجيبُ لعبدٍ دعاءً من ظهرِ قلبٍ غافلٍ". ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهمَّ اغفر لي إن شئت، ولكنْ لِيَعزِم لمسألةَ، فإن الله لا مُكرهَ له (٣). ونُهي أن يستعجل، ويتركَ الدعاء لاستبطاء الإِجابة، وجعل ذلك من موانع الإِجابة حتَّى لا يقطع العبدُ رجاءَه من إجابة دُعائه ولو طالت المدة، فإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلحِّين في الدعاء. وجاء في الآثار: إنَّ العبد إذا دعا ربَّه وهو يحبُّه، قال: يا جبريلُ، لا تَعجَلْ بقضاءِ حاجة عبدي، فإنِّي أُحبُّ أن أَسمعَ صوتَه، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 921

[الأعراف: ٥٦] فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإِجابة من غير قطع الرَّجاء، فهو قريبٌ من الإِجابة، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب، يُوشك أن يُفتح له. وفي "صحيح الحاكم" عن أنسٍ مرفوعًا: "لا تَعجزوا عن الدُّعاء، فإنَّه لن يَهلِكَ مع الدُّعاء أحدٌ" (١). ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبيُّ ﷺ : "حولَها نُدنْدِنُ" (٢) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. قال أبو مسلم الخَولاني: ما عَرَضت لي دعوة فذكرتُ النار إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها. ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدُّنيا، فيصرفها عنه، ويعوِّضه خيرًا منها، إما أن يَصرِفَ عنه بذلك سوءًا، أو أن يدَّخِرَها له في الآخرة، أو يَغفِر له بها ذنبًا، كما في "المسند" و"الترمذي" من حديث جابر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ أحدٍ يَدعُو بِدُعاءٍ إلا آتاه الله ما سأَلَ أو كَفَّ عنه من السُّوءِ مثلَه ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم" (٣). وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" عن أبي سعيدٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ مُسلمٍ يَدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ أو قطيعةُ رحمٍ إلَّا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن يُعجِّلَ له دعوته، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يكشِفَ

стр. 922

عنه من السوءِ مثلها"، قالوا: إذًا نُكثر؟ قال: "الله أكثرُ" (١). وخرَّجه الطبراني (٢)، وعنده "أو يغفِرَ له بها ذنبًا قد سَلَف" بدل قوله: "أو يكشف عنه من السوء مثلها". وخرَّج الترمذي من حديث عبادة مرفوعًا نحوَ حديث أبي سعيد أيضًا (٣). وبكلِّ حالٍ، فالإِلحاحُ بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجبٌ للمغفرة، والله تعالى يقولُ: "أنا عِند ظنِّ عبدي بي، فليظن بي ما شاء" وفي رواية: "فلا تظنوا بالله إلا خيرًا" (٤) ويُروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا: "يأتي الله تعالى بالمؤمن يومَ القيامة، فيُقرِّبُه حتَّى يجعلَه في حجابه من جميع الخلق، فيقول له: اقرأ [صحيفتك]، فيُعرِّفهُ ذنبًا ذنبًا: أتعرفُ أتعرفُ؟ فيقول: نعمْ نعمْ، ثم يلتفتُ العبدُ يمنة ويسرة، فيقول الله تعالى: لا بأسَ عليك، يا عبدي أنت في ستري من جميع خلقي، ليس بيني وبينك اليومَ أحدٌ يطَّلِعُ على ذنوبك غيري، اذهب فقد غفرتُها لك بحرفٍ واحدٍ من جميع ما أتيتني به، قال: ما هو يا ربِّ؟ قال: كنت لا ترجو العفو من أحدٍ غيري (٥).

стр. 923

فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربِّه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوبَ ويأخذ بها غيرُه، وقد سبق ذكرُ ذلك في شرح حديث أبي ذرٍّ (١): "يا عبادي إنِّي حرَّمت الظُّلم على نفسي". الحديث. وقوله: "إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي" يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا دعا أَحدُكم فليُعظِم الرَّغبَةَ، فإنَّ الله لا يَتعاظَمهُ شيءٌ" (٢). فذنوب العباد وإن عظُمَت فإنَّ عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرةٌ في جنب عفوِ الله ومغفرته. وفي "صحيح الحاكم" (٣) عن جابر أن رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ يقولُ: واذنوباه واذنوباه مرَّتين أو ثلاثًا، فقال له النبيُّ ﷺ : "قل: اللهم مغفرتُك أوسَعُ من ذنوبي، ورحمتُك أرجى عندي من عملي"، فقالها، ثم قال له: "عُدْ"، فعاد، ثم قال له: "عُد"، فعاد، فقال له: "قُمْ، فقد غفر الله لك". وفي هذا يقول بعضهم (٤): يا كَبير الذَّنب عفوُ الـ … ــله مِن ذنبك أكبرُ أعظَمُ الأَشياء في … جَنب عفوِ الله يَصغُرُ

стр. 924

وقال آخر (١): يا ربِّ إن عَظُمَت ذُنوبي كَثرةً … فلقَد علِمتُ بأنَّ عَفوكَ أعظَمُ إن كان لا يرجوك إلا مُحسنٌ … فمَن الذي يَرجو ويدعُو المُجرِمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلَّا الرجا … وجَميلُ عفوك ثم أنِّي مُسلِمُ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظُمت الذُّنوب، وبلغت الكثرة عَنان السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: "لو أخطأتُم حتَّى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغَفر لكم"، والاستغفارُ: طلبُ المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شرِّ الذُّنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكرُ الاستغفار، فتارةً يؤمر به، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. وتارةً يمدحُ أهلَه، كقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وتارةً يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وكثيرًا ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبة، فيكون الاستغفارُ حينئذٍ عبارةً عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإِقلاع عن الذُّنوب بالقلوب والجوارح.

стр. 925

وتارة يفرد الاستغفار، ويُرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفارُ المقترن بالتوبة، وقيل: إنَّ نصوص الاستغفار المفردة كلّها مطلقة تُقيَّدُ بما يذكر في آية "آل عمران" من عدم الإِصرار؛ فإنَّ الله وعد فيها المغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يُصر على فعله، فتُحْمَلُ النُّصوص المطلقة في الاستغفار كلّها على هذا المقيد، ومجرَّدُ قولِ القائل: اللهمَّ اغفر لي، طلبٌ منه للمغفرة ودعاءٌ بها، فيكون حكمه حكمَ سائرِ الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلبٍ منكسرٍ بالذنب أو صادف ساعةً من ساعات الإِجابة كالأسحار وأدبار الصلوات. ويُروى عن لُقمان ﵇ أنه قال لابنه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانك: اللهمَّ اغفر لي، فإن لله ساعاتٍ لا يرُدُّ فيها سائلًا. وقال الحسن: أكثِروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طُرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كُنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب "حسن الظن" (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بينما رجلٌ مستلقٍ إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم، فقال: إني لأعلم أن لك ربًا خالقًا، اللهمَّ اغفر لي، فغفر له". وعن مورِّق قال: كان رجل يعملُ السيئات، فخرج إلى البرية، فجمع ترابًا، فاضطجع عليه مستلقيًا، فقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، فقال: إنَّ هذا ليعرِفُ أن له ربًا يغفِرُ ويُعذِّب، فغفر له. وعن مُغيث بن سُميٍّ، قال: بينما رجلٌ خبيثٌ، فتذكر يومًا، فقال: اللهمَّ

стр. 926

غُفرانَك، اللهمَّ غُفرانك، اللهمَّ غُفرانك، ثم مات فغُفِر له (١). ويشهد لهذا ما في "الصحيحين" عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ : "أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفر لي، قال الله تعالى: عَلِمَ عبدي أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذُ به، غفرتُ لعبدي، ثمَّ مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر، فذكر مثل الأوَّل مرتين أخريين" وفي رواية لمسلم: أنه قال في الثالثة: "قد غفرتُ لعبدي، فليعمل ما شاء" (٢). والمعنى: ما دام على هذه الحال كلَّما أذنب استغفر. والظاهر أن مرادهُ الاستغفارُ المقرون بعدم الإِصرار، ولهذا في حديث أبي بكر الصديق، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرةً" خرَّجه أبو داود والترمذي (٣). وأمَّا استغفارُ اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دُعاء مجرَّد إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردَّه. وقد يكون الإِصرار مانعًا من الإِجابة، وفي "المسند" (٤) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ويل للذينَ يُصرُّون على ما فعلوا وهُم يَعلَمون". وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "التائب مِنَ الذَّنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من ذنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربِّه" (٥) ورفعُه

стр. 927

منكرٌ، ولعلَّه موقوف. قال الضحاك: ثلاثةٌ لا يُستجابُ لهم، فذكر منهم: رجل مقيم على امرأة زنى كلما قضى شهوته، قال: ربِّ اغفر لي ما أصبتُ من فلانة، فيقول الربُّ: تحوَّل عنها، وأغفر لك، فأما ما دمت مقيمًا عليها، فإنِّي لا أغفر لك، ورجلٌ عنده مالُ قوم يرى أهله، فيقول: ربِّ اغفر لي ما آكل من مال فلان، فيقول تعالى: ردَّ إليهم مالهم، وأغفر لك، وأما ما لم تردَّ إليهم، فلا أغفر لك. وقول القائل: أستغفر الله، معناه: أطلبُ مغفرته، فهو كقوله: اللهمَّ اغفر لي، فالاستغفارُ التام الموجبُ للمغفرة: هو ما قارن عدمَ الإِصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم المغفرة، قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره، وكان بعضُهم يقول: استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ كثير، وفي ذلك يقولُ بعضهم: أستغْفِرُ الله مِنْ أستغفرُ الله … مِن لَفظةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها وكَيفَ أرجو إجاباتِ الدُّعاء وقد … سَدَدْتُ بالذَّنب عندَ الله مَجراها فأفضل الاستغفار ما اقترن به تركُ الإِصرار، وهو حينئذ توبةٌ نصوح، وإن قال بلسانه: أستغفر الله وهو غيرُ مقلع بقلبه، فهو داعٍ للهِ بالمغفرة، كما يقول: اللهمَّ اغفر لي، وهو حسن وقد يُرجى له الإِجابة، وأما من قال: توبةُ الكذابين، فمرادُه أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعضُ الناس، وهذا حقٌّ، فإن التَّوبةَ لا تكون مَعَ الإِصرار. وإن قال: أستغفر الله وأتوبُ إليه فله حالتان:

стр. 928

إحداهما: أن يكونَ مصرًّا بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله: "وأتوب إليه" لأنه غيرُ تائبٍ، فلا يجوزُ له أن يخبر عن نفسه بأنَّه تائبٌ وهو غير تائب. والثانية: أن يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه، فاختلف الناس في جوازِ قوله: وأتوب إليه، فكرهه طائفةٌ من السَّلف، وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة حكاه عنهم الطحاوي، وقال الربيع بن خثيم: يكونُ قولُه: "وأتوب إليه" كذبةً وذنبًا، ولكن ليقل: اللهم تُبْ عليَّ، أو يقول: اللهمَّ إنِّي أستغفرك فتُب عليَّ، وهذا قد يُحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه. وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأسأله توبة نصوحًا. ورُوي عن حذيفة أنه قال: بحسب المرءِ من الكذب أن يقول: أستغفر الله، ثم يعود. وسمع مطرِّفٌ رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فتغيظ عليه، وقال: لعلك لا تفعل. وهذا ظاهره يدلُّ على أنه إنَّما كره أن يقول: وأتوب إليه، لأن التوبة النصوحَ أن لا يعودَ إلى الذنب أبدًا، فمتى عاد إليه، كان كاذبًا في قوله: "أتوب إليه". وكذلك سُئِل محمدُ بنُ كعب القُرظِيُّ عمَّن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدًا، فقال: من أعظم منه إثمًا؟ يتألَّى على الله أن لا ينفذ فيه قضاؤه، ورجَّح قوله في هذا أبو الفرج بنُ الجوزي ورُوي عن سُفيان بن عُيينة نحو ذلك. وجمهورُ العلماء على جواز أن يقول التائب: أتوبُ إلى الله، وأن يُعاهِدَ العبدُ ربَّه على أن لا يعود إلى المعصية، فإنَّ العزم على ذلك واجبٌ عليه، فهو مخبر بما عزم عليه في الحال، ولهذا قال: "ما أصرَّ من استغفر، ولو عاد في اليوم

стр. 929

سبعين مرة" (١). وقال في المعاود للذنب: "قد غفرتُ لعبدي، فليعمل ما شاء" (٢). وفي حديث كفارة المجلس: "أستغفرك اللهمَّ وأتوب إليك" (٣)، وقطع النبيُّ ﷺ سارقًا، ثم قال له: "استغفر الله وتُب إليه"، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "اللهمَّ تُب عليه" خرَّجه أبو داود (٤). واستحبَّ جماعة من السلف الزيادة على قوله "أستغفر الله وأتوب إليه" فرُوي عن عمر أنه سمع رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال له: يا حُميق، قل: توبة من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. وسئل الأوزاعيُّ عن الاستغفار: أيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوبُ إليه، فقال: إنَّ هذا لحسن، ولكن يقول: ربِّ اغفر لي حتَّى يتمَّ الاستغفار. وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبدُ بالثَّناء على ربِّه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة كما في حديث شدَّاد بن أوس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبدُ: اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذُ بك من شر ما صنعتُ، أبوءُ

стр. 930

لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ" خرَّجه البخاري (١). وفي "الصحيحين" عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكرٍ الصديق ﵁ قال: يا رسولَ الله، علَّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظُلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذُّنوب إلَّا أنتَ، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنَّك أنت الغفورُ الرحيم" (٢). ومن أنواع الاستغفارِ أن يقولَ العبدُ: "أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيُّوم وأتوب إليه". وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أن من قاله، غُفِر له وإن كان فرَّ من الزَّحف؛ خرَّجه أبو داود والترمذي (٣). وفي كتاب "اليوم والليلة" (٤) للنسائي، عن خَبَّاب بن الأرتِّ، قال: قلت: يا رسول الله، كيف نستغفر؟ قال: "قل: اللهم اغفر لنا وارحمنا وتُبْ علينا، إنك أنت التوَّابُ الرحيم"، وفيه عن أبي هريرة، قال: ما رأيت أحدًا أكثر أن يقولَ: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله ﷺ (٥).

стр. 931

وفي "السنن الأربعة" عن ابن عمر، قال: إن كنَّا لنَعُدُّ لرسولِ الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرَّة يقول: "ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنَّك أنتَ التوَّابُ الغفور" (١). وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "واللهِ إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (٢) وفي "صحيح مسلم" عن الأغرِّ المزني، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنه لَيُغانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفرُ الله في اليوم مئة مرة" (٣). وفي "المسند" عن حُذيفة قال: قلتُ: يا رسول الله إنِّي ذَرِبُ اللسان وإنَّ عامة ذلك على أهلي، فقال: "أين أنتَ مِن الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مئة مرة" (٤). وفي "سنن أبي داود" (٥) عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من أكثرَ من الاستغفارِ جعل الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسبُ".

стр. 932

قال أبو هريرة: إنِّي لأستغفرُ الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرَّة، وذلك على قدر ديتي (١). وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا (٢). قال أبو المِنهال: ما جاور عبدٌ في قبره من جارٍ أحبَّ إليه من استغفار كثير. وبالجملة فدواءُ الذُّنوب الاستغفارُ، وروينا من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "إن لكلِّ داء دواءً، وإن دواء الذنوب الاستغفار" (٣). قال قتادة: إن هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذُّنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. قال بعضهم: إنَّما مُعوَّلُ المذنبين البكاء والاستغفار، فمن أهمته ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار. قال رياح القيسي: لي نيِّفٌ وأربعون ذنبًا، قد استغفرتُ الله لكلِّ ذنب مئة ألف مرَّة (٤). وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاتُه لا تُجاوز ستًا وثلاثين زلةً، فاستغفر الله لكل زلةٍ مِئة ألف مرَّة، وصلَّى لكلِّ زلَّة ألف ركعة، ختم في كلِّ ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك، فإنِّي غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها، وأنا على

стр. 933

خطرٍ من قبولِ التوبة. ومن زاد اهتمامُه بذنوبه، فربما تعلَّق بأذيالِ من قَلَّت ذنوبُه، فالتمس منه الاستغفار. وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول: إنكم لم تُذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكُتّاب: قولوا: اللهمَّ اغفر لأبي هُريرة، فيؤمن على دعائهم. قال بكرٌ المزني: لو كان رجلٌ يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، لكان نوله أن يفعل. ومن كَثُرت ذنوبه وسيئاته حتَّى فاتت العدَّ والإِحصاء، فليستغفر الله مما علم الله، فإن الله قد علم كل شيءٍ وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، وفي حديث شداد بن أوسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "أسألُكَ من خيرِ ما تَعلَمُ. وأعوذُ بكَ مِنْ شرِّ ما تعلمُ، وأستغفركَ لما تعلم، إنَّك أنت علَّامُ الغيوب" (١). وفي هذا يقول بعضهم: أَستغفِرُ الله ممّا يَعلمُ الله … إن الشَّقيَّ لَمَن لا يَرحَمُ الله ما أحلمَ الله عمن لا يُراقبُه … كُلٌّ مُسيءٌ ولكن يَحلمُ الله فاسْتَغفِرُ الله مما كان من زَللٍ … طُوبى لمن يَنتهي عمَّا يَكرهُ الله طُوبى لمَن حَسُنَت فيِه سَريرتُه … طُوبى لمَن يَنتهي عمَّا نهى الله السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيدُ، وهو السببُ الأعظم، فمن فقده، فقَدَ المغفرة، ومن جاء به، فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فمن

стр. 934

جاء مع التوحيد بقُرابِ الأرض - وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها - خطايا، لقيه الله بقُرابها مغفرة، لكن هذَا مع مشيئة الله ، فإن شاء غَفَرَ له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ، فإن كمُلَ توحيدُ العبد وإخلاصُه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عندَ الموت، أوجبَ ذلك مغفرة ما سلف من الذُّنوب كلِّها، ومنعه من دخول النَّار بالكلية. فمن تحقَّق بكلمة التوحيد قَلبُه، أخرجت منه كلَّ ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً وتوكُّلًا، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبه وخطاياه كلُّها ولو كانت مِثلَ زبد البحر، وربما قلبتها حسناتٍ، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإن هذا التوحيدَ هو الإِكسيرُ الأعظمُ، فلو وضع ذرَّة منها على جبالِ الذُّنوب والخطايا، لقلبها حسناتٍ كما في "المسند" وغيره، عن أم هانئ، عن النبي ﷺ ، قال: "لا إله إلا الله لا تترُك ذنبًا، ولا يسبِقها عمل" (١). وفي "المسند" (٢) عن شدَّاد بن أوس، وعبادة بن الصامت أن النبيَّ ﷺ قال لأصحابه: "ارفعُوا أيدِيَكم، وقولوا: لا إله إلا الله"، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: "الحمدُ لله، اللهمَّ بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنَّك لا تُخلِفُ الميعاد"، ثم قال: "أبشروا، فإن الله قد غفر لكم".

стр. 935

قال الشِّبلي: من ركن إلى الدُّنيا أحرقته بنارها، فصار رمادًا تذروه الرياحُ، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها، فصار ذهبًا أحمر يُنتفع به، ومن ركن إلى الله، أحرقه نورُ التوحيد، فصار جوهرًا لا قيمة له (١). إذا علِقت نارُ المحبة بالقلب أحرقت منه كُلَّ ما سوى الربَّ ، فطهُرَ القلبُ حينئذ من الأغيار، وصلح عرشًا للتوحيد: "ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن " (٢). غصَّنِي الشوقُ إليهم بريقي … فَوَا حَريقي في الهوى وا حريقي قَد رماني الحُبُّ في لُجِّ بَحرٍ … فخُذوا باللهِ كفَّ الغريق حلَّ عندي حُبُّكم في شِغافي … حلَّ مِنِّي كُلَّ عَقدٍ وَثِيقِ فهذا آخر ما ذكره الشيخ ﵀ من الأحاديث في هذا الكتاب، ونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثًا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلومِ والحكم والآداب الموعود بها في أوَّل الكتاب، والله الموفق للصواب.

стр. 936

الحديث الثالث والأربعون عَنِ ابن عباسٍ ﵄ قَالَ: قَال رسولُ الله ﷺ : "ألحِقُوا الفَرائِضَ بأهلِها، فمَا أبقتِ الفَرائِضُ، فَلأوْلَى رَجُل ذَكرٍ" (١). خرَّجه البُخاريُ ومُسلمٌ. هذا الحديث الذي زعم بعضُ شرَّاح هذه الأربعين أن الشيخ ﵀ أغفله، فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع لها، وهذا الحديث خرَّجاه من رواية وهيب، وروح بن القاسم، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، وخرَّجه مسلم من رواية معمر، ويحيى بن أيوب، عن ابن طاووس أيضًا. وقد رواه الثوري، وابنُ عيينة، وابنُ جريج وغيرهُم عن ابن طاووس عن أبيه مرسلًا من غير ذكر ابن عباس، ورجَّح النسائيُّ إرساله (٢). وقد اختلف العلماء في معنى قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها": فقالت طائفة: المرادُ بالفرائض الفروضُ المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفروض المقدرة لمن سمَّاها الله لهم، فما بقي بعدَ هذه الفروض، فيستحقّه أولى الرجال، والمراد بالأوْلى: الأقربُ، كما يقال: هذا

стр. 937

يلي هذا، أي: يَقرُبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العصبات، فيستحقُّ الباقي بالتعصيب، وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة، منهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاق بن منصور، وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت وأختٌ وعمٌّ أو ابنُ عم أو ابنُ أخ، فينبغي أن يأخذَ الباقي بعدَ نصف البنتِ العصبة، وهذا قولُ ابن عباس، وكان يتمسَّكُ بهذا الحديث، ويقر بأن الناسَ كلَّهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا. وقال إسحاق: إذا كان مع البنتِ والأختِ عصبةٌ، فالعصبةُ أولى، وإن لم يكن معهما أحدٌ، فالأخت لها الباقي، وحُكي عن ابن مسعود أنه قال: البنتُ عصبةُ من لا عصبة له، وردَّ بعضهم هذا، وقال: لا يصح عن ابن مسعود. وكان ابنُ الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه. وذهب جمهورُ العلماء إلى أن الأخت مع البنتِ عصبة لها ما فضَلَ، منهم عمر، وعليٌّ، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء. وروى عبدُ الرزاق (١)، أخبرنا ابنُ جريج: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي يذكر عن ابن عباس، عن رجل عن النبيِّ ﷺ فيها شيئًا، وكان طاووس لا يرضى بذلك الرجل، قال: وكان أبي يشك فيها، ولا يقول فيها شيئًا، وقد كان يُسأل عنها. والظاهر - والله أعلم - أن مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإن ابنَ عباس لم يكن عنده نصٌّ صريح عن النبيِّ ﷺ في ميراثِ الأخت مع البنت، إنما كان يتمسك بمثلِ عموم هذا الحديث. وما ذكره طاووس أن ابنَ عباس رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابنُ عباس أكثرُ رواياته للحديث عن الصحابة، والصحابة كلُّهم عدول قد ﵃،

стр. 938

وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدم رضا طاووس. وفي "صحيح البخاري" (١) عن أبي قيس الأودي عن هُزيلِ بنِ شُرحبيل، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فسأله عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ، وأختٍ لأبٍ وأم، فقال: للابنة النصفُ، وللأخت ما بقي وائت ابنَ مسعود فسيُتابعني، فأتى ابنَ مسعود، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للابنة النِّصفُ، ولابنةِ الابن السُّدس تكملة الثلثين، وما بقي، فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبرُ فيكم. وفيه أيضًا عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذُ بنُ جبل على عهد رسول الله ﷺ النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك الأعمش ذكرَ عهدِ رسول الله ﷺ ، فلم يذكره (٢). وخرجه أبو داود (٣) من وجهٍ آخر عن الأسود، وزاد فيه: ونبيُّ الله ﷺ يومئذ حيٌّ. واستدلَّ ابنُ عباس لقوله بقول الله : ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟! يعني أن الله لم يجعل لها النصفَ إلا مع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت (٤). والصوابُ قولُ عمر والجمهور، ولا دلالةَ في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المرادَ بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ بالفرض، وهذا مشروط بعدم الولد

стр. 939

بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] يعني بالفرض، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصفَ مع عدمِ وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأُختان فصاعدًا إنَّما يستحقون الثُّلثين مع عدم وجودِ الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولدٌ، فإن كان ذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإِخوة مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناك ولدٌ ذكرٌ، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقُّه الأخُ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانتِ الأختُ لا يُسقِطُها أخوها؛ فكيف يُسقطها من هو أبعدُ منه من العصبات كالعمِّ وابنه؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطًا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكونَ للأختِ النصفُ بالفرضِ، وهذا حقٌّ ليس مفهومها أنَّ الأختَ تسقطُ بالبنت، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها، يَدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أجمعتِ الأمة على أن الولد الأُنثى لا يمنع الأخ أن يرثَ من مال أخته ما فضلَ عن البنت أو البنات، وإنما وجودُ الولد الأنثى يمنع أن يَحُوزَ الأخُ ميراثَ أخته كلَّه، فكما أنَّ الولد إن كان ذكرًا، منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازة الميراثِ، فكذلك الولد إن كان ذكرًا منَعَ الأخت الميراثَ بالكليَّة، وإن كان أنثى، منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم تمنعها أن تأخذ ما فَضَلَ عن فرضها والله أعلم. وأما قوله: "فما أبقتِ الفرائض، فلأولى رجُلٍ ذكر"، فقد قيل: إن المرادَ به العصبةُ البعيدُ خاصَّة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دونَ العصبة القريب؛ بدليلِ أنَّ الباقي بعدَ الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبةُ قريبًا، كالأولاد والإِخوة بالاتفاق، فكذلك الأختُ مع البنت بالنص الدالِّ عليه. وأيضًا فإنه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يُخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق، فتخصّ منه صورةُ الأخت مع البنت بالنصّ.

стр. 940

وقالت طائفة آخرون: المرادُ بقوله: "ألحقوا الفرائضَ بأهلها" ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواءٌ أخذوه بفرض أو بتعصيبٍ طرأ لهم، والمراد بقوله: "فما بقي، فلأولى رجل ذكر" العصبةُ الذي ليس له فرضٌ بحال، ويدلُّ عليه أنه قد رُوي الحديث بلفظ آخر، وهو: "اقسِموا المالَ بينَ أهلِ الفرائض على كتاب الله"، فدخل في ذلك كل من كان مِنْ أهل الفروض بوجهٍ من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأختُ مع أخيها، أو ابن عمها إذا عصبها هو داخلٌ في هذه القسمة؛ لأنها مِنْ أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى: المرادُ بأهلِ الفرائض في قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، وقوله: "اقسموا المال بين أهلَ الفرائض" جملة من سمَّاه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلِّهم، فإن كل ما يأخذه الورثة، فهو فرضٌ فرضه الله لهم، سواء كان مقدرًا أو غيرَ مقدر، كما قال بعدَ ذكرِ ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وهذا يشملُ العَصَباتِ وذوي الفروض، فكذلك قولُه: "اقسِموا الفرائضَ بين أهلها على كتاب الله" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، فإنْ قسم على ذلك ثم فضَلَ منه شيء، فيختصُّ بالفاضل أقربُ الذكور مِنَ الورثة، وكذلك إن لم يُوجَد في كتاب الله تصريحٌ بقسمته بين من سماه الله من الورثة، فيكون حينئذٍ المالُ لأوْلَى رجلٍ ذكرٍ منهم. فهذا الحديث مبيِّنٌ لكيفية قسمةِ المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومُبيِّنٌ لقسمة ما فضلَ من المال عن تلك القسمة ممَّا لم يُصرَّح به في القرآن مِنْ أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبيِّنٌ أيضًا لكيفية توريث بقية

стр. 941

العصباتِ الذين لم يصرَّح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضُمَّ هذا الحديثُ إلى آياتِ القرآن، انتظم ذلك كلُّه معرفةَ قسمةِ المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات. ونحن نذكر حكمَ توريثِ الأولاد والوالدين كما ذكره الله في أوَّل سورة النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين، أو من الأب، كما ذكره الله في آخر السورة المذكورة. فأما الأولاد، فقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم أنَّه يكونُ للذكر منهم مثلُ حظ الأنثيين، ويدخل في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنين باتِّفاق العلماء، فمتى اجتمع الأولاد إخوةٌ وأخوات، اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين، فلو كان هناك بنتٌ للصُّلب أو ابنتان، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقي أثلاثًا؛ لدخولهم في هذا العموم. هذا قولُ جمهور العلماء، منهم عمر وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباس، وذهب إليه عامَّة العلماء، والأئمة الأربعة. وذهب ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمال بناتِ الصُّلب الثلثين، كلُّه لابن الابن، ولا يُعصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمة وأبي ثور وأهل الظاهر، فلا يُعصِّبُ عندهم الولدُ أختَه إلَّا أن يكونَ لها فريضةٌ لو انفردت عنه، فكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكور وإناث: إن الباقي لجميع ولد الابن، للذكر منهم مثلُ حظ الأنثيين. وقال ابنُ مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنتِ النصفُ، والباقي بين ولد الابن، للذكر مثلُ حظ الأُنثيين إلا أن تزيدَ المقاسمةُ بنات الابن علي السدس، فيفرض لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابن، وهو قول أبي ثور. وأمَّا الجمهور، فقالوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكر مثلُ حظ الأنثيين

стр. 942

عملًا بعمومِ الآية، وعندهم أن الولد وإن نَزَلَ يُعصِّبُ من في درجته بكلِّ حال، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعصِّبُ من أعلى منه من الإناث إلَّا بشرط أن لا يكون لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصب من أسفلَ منه بكلِّ حالٍ. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. فهذا حكمُ انفرادِ الإناث من الأولاد أن للواحدة النصفَ، ولِما فوقَ الاثنتين الثلثان، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلب وبناتُ الابن عند عدمهن، فإنِ اجتمعنَ، فإنِ استكملَ بناتُ الصلب الثُّلثين، فلا شيءَ لبنات الابن المنفردات، وإن لم يستكمل البناتُ الثُّلثين، بل كان ولدًا لصلب بنتًا واحدة، ومعها بناتُ ابن، فللبنتِ النِّصفُ، ولبناتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثين؛ لئلا يزيدَ فرضُ البنات على الثلثين، وبهذا قضى النبيُّ ﷺ في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكرُه، وهو قولُ عامَّة العلماء، إلا ما رُوي عن أبي مسعود وسلمان بن ربيعة أنه لا شيءَ لبناتِ الابن، وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لمَّا بلغه قولُه في ذلك (١). وإنما أشكل على العلماء حكمُ ميراث البنتين، فإن لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابنُ المنذر (٢) وغيره، وما حُكي فيه عن ابن عباس أنَّ لهما النِّصفُ، فقد قيلَ: إن إسنادَه لا يَصِحُّ، والقرآن يدلُّ على خلافه، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فكيف تُورث أكثر من واحدة النصف؟ وحديثُ ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدلُّ على توريث البنتين الثلثين بطريق الأولى. وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث جابر أنَّ النَّبي ﷺ ورَّث ابنتي سعد بن الربيع الثلثين (٣)،

стр. 943

ولكن أشكل فهمُ ذلك من القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فلهذا اضطربَ الناسُ في هذا، وقال كثير من الناس فيه أقوالًا مستبعدةً. ومنهم من قال: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنَّه قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، واستُفيد حكمُ ميراث أكثر من الأختين من حكم ميراث ما فوقَ الاثنتين. ومنهم من قال: البنتُ مع أخيها لها الثلثُ بنصِّ القرآن، فلأنْ يكونَ لها الثلثُ مع أختها أولى، وسلك بعضُهم مسلكًا آخر، وهو أن الله تعالى ذكر حُكمَ توريث اجتماع الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حُكمَ توريثِ الإناث إذا انفردن عن الذُّكور، ولم ينصَّ على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حُكمَ الاجتماع أن الذكرَ له مثلُ حظِّ الأنثيين، فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدًا، فله مثلُ نصيب اثنتين منهن، وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة، فله الثلثان ولها الثلث، وقد سمَّى الله ما يستحقه الذكرُ حظّ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظّ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر، لأن حظَّهما حينئذ النِّصفُ، فتعيَّن أن يكونَ الثُّلثان حظهما حالَ الانفراد. وبقي هاهنا قسمٌ ثالث لم يُصرِّح القرآنُ بذكره، وهو حكمُ انفراد الذكور من الولد، وهذا مما يُمكن إدخاله في حديث ابن عباس: "فما بقي، فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ"، فإن هذا القسم قد بقي ولم يُصرَّح بحكمه في القرآن، فيكون المالُ حينئذ لأقرب الذكور مِنَ الولد والأمرُ على هذا، فإنه لو اجتمع ابن وابنُ ابنٍ، لكان المال كُلُّه للابن، ولو كان ابنُ ابنٍ وابنُ ابن ابنٍ، لكان المال كلُّه لابنِ الابن على مقتضى حديثِ ابن عباس، والله أعلمَ. ثم ذكر تعالى حُكمَ ميراث الأبوين، فقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 944

السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفَّى ولد، وسواءٌ في الولد الذكر والأنثى، وسواء فيه ولدُ الصُّلب وولدُ الابن، هذا كالإجماع من العلماء وقد حكى بعضهم عن مجاهدٍ فيه خلافًا، فمتى كان للميت ولدٌ، أو ولدُ ابن، وله أبوان، فلكلِّ واحدٍ من أبويه السدسُ فرضًا، ثم إن كان الولد ذكرًا، فالباقي بعد سدسي الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأوْلَى رجل ذكر". وأقرب العصباتِ الابنُ، وإن كان الولد أنثى، فإن كانتا اثنتينِ فصاعدًا، فالثُّلثان لهنَّ، ولا يَفضُلُ مِنَ المال شيءٌ، وإن كانت بنتًا واحدةً، فلها النِّصفُ، ويفضلُ مِنَ المالِ سدسٌ آخر، فيأخذُه الأبُ بالتَّعصيب، عملًا بقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر"، فهو أولى رجل ذكر عندَ فقدِ الابن؛ إذ هو أقربُ من الأخ وابنه والعم وابنه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، يعني إذا لم يكن للميت ولد، وله أبوان يرثانه، فلأُمِّه الثلث، فيُفهم من ذلك أن الباقي بعدَ الثلث للأب؛ لأنه أثبت ميراثه لأبويه، وخصَّ الأم من الميراث بالثلث، فعلم أنَّ الباقي للأب، ولم يقل: فللأب - مثلًا - ما للأم، لئلا يُوهم أن اقتسامَهُما المالَ هو بالتَّعصيبِ كالأولاد والإخوة، إذا كان فيهم ذكورٌ وإناثٌ. وكان ابنُ عبّاس يتمسَّك بهذه الآية لقوله في المسألتين الملقبتين بالعمريتين وهما: زوجٌ وأبوان، وزوجةٌ وأبوان، فإن عمر قضى أن الزوجين يأخذان فرضَهُما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ثلثُه، والباقي للأب (١)، وتابعه على ذلك جمهور الأمة.

стр. 945

وقال ابن عباس: بل للأم الثلثُ كاملًا (١)، تمسُّكًا بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. وقد قيل في جواب هذا: إن الله إنَّما جعل للأم الثلث بشرطين: أحدُهما: أن لا يكونَ للولد المتوفَّى ولدٌ، والثاني: أن يرثَه أبواه، أي: أن ينفرِدَ أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه بميراثه، فلا تستحقُّ الأمُّ الثلث، وإن لم يكن للمتوفَّى ولدٌ. وقد يقال - وهو أحسن -: إن قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ممَّا ورثه الأبوان، ولم يقل: فلأمه الثلث مما ترك كما قال في السُّدس، فالمعنى: أنَّه إذا لم يكن له وَلَدٌ، وكان لأبويه مِن ماله ميراث، فللأُمِّ ثُلُثُ ذلك الميراثِ الذي يختصُّ به الأبوان، ويبقى الباقي للأب. ولهذا السرِّ والله أعلم حيث ذكر الله الفروضَ المقدَّرة لأهلها، قال فيها: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، أو ما يدلُّ على ذلك، كقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ليبين أن ذا الفرضِ حَقُّه ذلك الجزء المفروض المقدَّر له من جميع المال بعد الوصايا والديون، وحيث ذكر ميراثَ العصبات، أو ما يقتسِمُه الذُّكورُ والإناث على وجه التَّعصيب، كالأولاد والإِخوة لم يقيِّده بشيءٍ من ذلك، ليبيِّنَ أنَّ المالَ المقتسم بالتَّعصيب ليس هو المالَ كُلَّهُ، بل تارةً يكونُ جميع المال، وتارةً يكونُ هو الفاضلَ عن الفروض المفروضة المقدَّرة، وهُنا لمَّا ذكر ميراثَ الأبوين من ولدهما الذي لا ولدَ له، ولم يكن اقتسامهما للميراث بالفرض المحضِ، كما في ميراثهما مع الولد، ولا كان بالتَّعصيب المحض الذي يُعصب فيه الذَّكر الأنثى، ويأخذ مِثلَي ما تأخذُهُ الأنثى، بل كانت الأُمُّ تأخذُ ما تأخذُهُ بالفرض، والأب يأخذُ ما يأخذُهُ بالتَّعصيب، قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ يعني أن القدر الذي يستحقُّه

стр. 946

الأبوان من ميراثه تأخذُ الأم ثلثه فرضًا، والباقي يأخذُه الأب بالتَّعصيب، وهذا ممَّا فتح الله به، ولا أعلم أحدًا سبق إليه، ولله الحمد والمنَّة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يعني: للأمِّ السُّدس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراثَ الأب مع الأم، ولا شد أنه إذا اجتمع أمُّ وإخوةٌ ليس معهم أبٌ، فإن للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها الأخوانِ فصاعدًا عند الجمهور. وأما إن كان مع الأمِّ والإخوة أبٌ، فقال الأكثرون: يحجب الإخوة الأم ولا يرثون، ورُوي عن ابن عباس أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يَرِثُ ولدُ الأم مع الأم بالفرض. وقد قيل: إن هذا مبنيٌّ على قوله: إنَّ الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له خاصَّة، ولا يُشترط للكَلالةِ فَقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأب بالفرض. ومن العلماء المتأخِّرين من قال: إذا كان الإخوةُ محجوبينَ بالأب، فلا يَحجُبُون الأمَّ عن شيءٍ، بل لها حينئذٍ الثُّلثُ، ورجَّحه الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه، وقد يُؤخذ من عموم قولِ عمر وغيره من السَّلف: من لا يَرثُ لا يَحجُبُ، وقد قال نحوه أحمدُ والخِرَقي، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أنَّ المرادَ مَنْ ليس له أهليَّةُ الميراث بالكلِّيَّة، كالكافر والرقيق، دون من لا يرثُ، لانحجابه بمن هو أقربُ منه، والله أعلم. وقد يَشهَدُ للقولِ بأنَّ الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يَحجُبونَ الأمَّ أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ولم يذكرِ الأب، فدلَّ على أنَّ ذلك حكمُ انفرادِ الأم مع الإخوة، فيكون الباقى بعد السدس كلّه لهم، وهذا ضعيفٌ، فإن الإخوة قد يكونون من أمٍّ، فلا يكون لهم سوى الثلث، والله تعالى أعلم.

стр. 947

واعلم أن الله تعالى ذكر حُكمَ ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجد ولا الجدَّة، فأما الجدَّةُ، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄: إنه ليس لها في كتاب الله شيءٌ (١)، وقد حكى بعضُ العلماء الإجماع على ذلك، وأنَّ فرضها إنَّما ثبت بالسُّنَّة. وقيل: إن السُّدس طعمةٌ أطعمها رسول الله ﷺ وليس بفرضٍ، كذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيِّب. وقد رُوي عن ابن عباس من وجوهٍ فيها ضعفٌ أنها بمنزلة الأم عندَ فقد الأم ترث ميراثَ الأم، فترث الثلثَ تارةً، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا يصحُّ إلحاق الجدة بالجدِّ، لأن الجدِّ عصبة يُدلي بعصبة، والجدَّة ذاتُ فرض تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنه ليس لها فرض بالكلية، وإنما السدسُ طعمة أطعمها النبيُّ ﷺ ، ولهذا قالت طائفة ممن يرى الردَّ على ذوي الفروض: إنَّه لا يُرَد على الجدة، لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد. وأما الجدُّ، فاتَّفق العلماءُ على أنَّه يقومُ مقامَ الأب في أحواله المذكورة من قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدُسَ بالفرض، ومعَ عدم الولد يرثُ بالتعصيب، وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيبِ أيضًا عملًا بقوله: "فما أبقتِ الفرائضُ، فلأوْلى رَجُلٍ ذكر". ولكن اختلفوا إذا اجتمع أمُّ وجدٌّ مع أحد الزوجين، فرُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة أن للأم ثُلُث الباقي، كما لو كان معها الأبُ كما سبق، رُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود كذا نقلهُ بعضُهم، ومنهم من قال: إنما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدُّ أنَّ للأمِّ ثلث الباقي. ورُوي عن ابن مسعود روايةٌ أخرى: أن النِّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأم

стр. 948

نصفان، وأمَّا في زوجة وأمٍّ وجدٍّ، فرُوي عن ابن مسعود رواية شاذّة: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقول الجمهور: إن لها الثُّلثَ كاملًا، وهذا يشبه تفريقَ ابن سيرين في الأمِّ مع الأب أنَّه إن كان معهما زوج، فللأمِّ ثلثُ الباقي، وإن كان معهما زوجة، فلأمِّ الثُّلُث. وجمهورُ العلماء على أن الأم لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ عليٍّ وزيدٍ، وابنِ عباس، والفرق بين الأم مع الأب ومعَ الجدِّ أنها مع الأب يشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُرب سواءٌ إلى الميت، فيأخذ الذكرُ منهما مثلَ حظِّ الأنثى مرتين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسمُ واحد، والجدُّ أبعدُ من الأب، فلا يلزمُ مساواته به في ذلك. وأما إن اجتمع الجدُّ مع الإخوة، فإن كانوا لأمٍّ سقطوا به، لأنهم إنَّما يرثون مِنَ الكَلالة، والكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن ابن عباسٍ. وأما إن كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثهم قديمًا وحديثًا، فمنهم من أسقط الإخوةَ بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطون بالأب وهذا قولُ الصديق، ومعاذٍ، وابن عباس وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في كتاب الله ، فيدخلُ في مسمَّى الأب في المواريث، كما أن ولدَ الولدِ ولدٌ، ويدخُل في مسمَّى الولد عندَ عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوةَ إنما يرثون مع الكَلالة، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوة من الأب، وبأنَّ الجدَّ أقوى من الإخوة، لاجتماعِ الفَرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحدةٍ، فهو كالأب، وحينئذٍ، فيدخلُ في عموم قوله ﷺ : "فما بقي، فلأوْلَى رجلً ذكرٍ". ومنهم من شرَّك بَينَ الإخوة والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابة، وأكثرُ الفقهاء بعدهم على اختلاف طويلٍ بينهم في كيفية التشريك بينَهم في الميراث، وكان مِنَ السَّلف مَنْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيب فيهم بشيءٍ؛ لاشتباهِ أمرهم

стр. 949

وإشكاله، ولولا خشيةُ الإطالة لبسطنا القولَ في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدِّي إلى الإطالة جدًّا. وأما حكمُ ميراثِ الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والكَلالةُ مأخوذة من تكلُّلِ النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقًا من العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاء الولد تنبيهٌ على انتفاء الوالد بطريق الأولى، لأن انتسابَ الولد إلى والده أظهرُ من انتسابه إلى ولده، فكان ذكرُ عدم الولد تنبيهًا على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال أبو بكر الصديق: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَد له ولا والد (١)، وتابعه جمهورُ الصحابة والعلماء بعدهم، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبيِّ ﷺ ، خرَّجه أبو داود في "المراسيل" (٢)، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه، ووصلُه بذكر أبي هريرة ضعيفٌ (٣). فقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ بالكلِّيَّةِ لا ذكر ولا أنثى، فللأخت - حينئذٍ - النِّصفُ مما ترك فرضًا، ومفهوم هذا أنَّه إذا كان له ولدٌ فليس للأخت النِّصفُ فرضًا، ثمَّ إنْ كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لِما سبقَ تقريرُه في ميراث الأولادِ الذُّكور إذا انفردوا، فإنَّهم أقربُ العصبات، وهم يُسقِطُون الإخوة، فكيف لا يُسقِطون

стр. 950

الأخوات؟ وأيضًا، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهذا يدخلُ فيه ما إذا كان هناك ذو فرضٍ كالبنات وغيرهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا، فكذلك يستحقُّونه وأولى، وإن كان الولدُ أنثى، فليس للأختِ هنا النِّصفُ بالفرض، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهور العلماء، وقد سبق ذكرُ ذلك والاختلافُ فيه، فلو كان هناك ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأخت، مثلُ ابنٍ نصفُه حر عندَ من يُوَرِّثه نصفَ الميراث، وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن الابن هنا يُسقِطُ نصفَ فرض الأخت، فترثَ معه الربعَ فرضًا، أم يقال: إنَّه يصيرُ كالبنت، فتصيرَ الأختُ معه عصبة، كما تصير مع الأخت (١)، لكنه يسقط نصفَ تعصيبها فتأخذ معه النِّصف الباقي بالتعصيب؟ هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، يعني أنَّ الأخ يستقلُّ بميراث أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى؛ فإن كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أولى مِنَ الأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجل ذكرٍ، وإن كان أنثى، فالباقي بعد فرضها يكونُ للأخ، لأنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، ولكن لا يستقلُّ بميراثها حينئذٍ، كما إذا لم يكن لها ولَدٌ. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ يعني: أن فرض الثِّنتين الثلثان، كما أن فرض الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلُّه في حكم انفرادِ الإخوة والأخوات. وأما حكم اجتماعهم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فيدخلُ (٢) في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا كان
следующие страницы →