← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الأبوان من ميراثه تأخذُ الأم ثلثه فرضًا، والباقي يأخذُه الأب بالتَّعصيب، وهذا ممَّا فتح الله به، ولا أعلم أحدًا سبق إليه، ولله الحمد والمنَّة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يعني: للأمِّ السُّدس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراثَ الأب مع الأم، ولا شد أنه إذا اجتمع أمُّ وإخوةٌ ليس معهم أبٌ، فإن للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها الأخوانِ فصاعدًا عند الجمهور. وأما إن كان مع الأمِّ والإخوة أبٌ، فقال الأكثرون: يحجب الإخوة الأم ولا يرثون، ورُوي عن ابن عباس أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يَرِثُ ولدُ الأم مع الأم بالفرض. وقد قيل: إن هذا مبنيٌّ على قوله: إنَّ الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له خاصَّة، ولا يُشترط للكَلالةِ فَقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأب بالفرض. ومن العلماء المتأخِّرين من قال: إذا كان الإخوةُ محجوبينَ بالأب، فلا يَحجُبُون الأمَّ عن شيءٍ، بل لها حينئذٍ الثُّلثُ، ورجَّحه الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه، وقد يُؤخذ من عموم قولِ عمر وغيره من السَّلف: من لا يَرثُ لا يَحجُبُ، وقد قال نحوه أحمدُ والخِرَقي، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أنَّ المرادَ مَنْ ليس له أهليَّةُ الميراث بالكلِّيَّة، كالكافر والرقيق، دون من لا يرثُ، لانحجابه بمن هو أقربُ منه، والله أعلم. وقد يَشهَدُ للقولِ بأنَّ الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يَحجُبونَ الأمَّ أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ولم يذكرِ الأب، فدلَّ على أنَّ ذلك حكمُ انفرادِ الأم مع الإخوة، فيكون الباقى بعد السدس كلّه لهم، وهذا ضعيفٌ، فإن الإخوة قد يكونون من أمٍّ، فلا يكون لهم سوى الثلث، والله تعالى أعلم.

стр. 947

واعلم أن الله تعالى ذكر حُكمَ ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجد ولا الجدَّة، فأما الجدَّةُ، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄: إنه ليس لها في كتاب الله شيءٌ (١)، وقد حكى بعضُ العلماء الإجماع على ذلك، وأنَّ فرضها إنَّما ثبت بالسُّنَّة. وقيل: إن السُّدس طعمةٌ أطعمها رسول الله ﷺ وليس بفرضٍ، كذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيِّب. وقد رُوي عن ابن عباس من وجوهٍ فيها ضعفٌ أنها بمنزلة الأم عندَ فقد الأم ترث ميراثَ الأم، فترث الثلثَ تارةً، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا يصحُّ إلحاق الجدة بالجدِّ، لأن الجدِّ عصبة يُدلي بعصبة، والجدَّة ذاتُ فرض تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنه ليس لها فرض بالكلية، وإنما السدسُ طعمة أطعمها النبيُّ ﷺ ، ولهذا قالت طائفة ممن يرى الردَّ على ذوي الفروض: إنَّه لا يُرَد على الجدة، لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد. وأما الجدُّ، فاتَّفق العلماءُ على أنَّه يقومُ مقامَ الأب في أحواله المذكورة من قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدُسَ بالفرض، ومعَ عدم الولد يرثُ بالتعصيب، وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيبِ أيضًا عملًا بقوله: "فما أبقتِ الفرائضُ، فلأوْلى رَجُلٍ ذكر". ولكن اختلفوا إذا اجتمع أمُّ وجدٌّ مع أحد الزوجين، فرُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة أن للأم ثُلُث الباقي، كما لو كان معها الأبُ كما سبق، رُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود كذا نقلهُ بعضُهم، ومنهم من قال: إنما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدُّ أنَّ للأمِّ ثلث الباقي. ورُوي عن ابن مسعود روايةٌ أخرى: أن النِّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأم

стр. 948

نصفان، وأمَّا في زوجة وأمٍّ وجدٍّ، فرُوي عن ابن مسعود رواية شاذّة: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقول الجمهور: إن لها الثُّلثَ كاملًا، وهذا يشبه تفريقَ ابن سيرين في الأمِّ مع الأب أنَّه إن كان معهما زوج، فللأمِّ ثلثُ الباقي، وإن كان معهما زوجة، فلأمِّ الثُّلُث. وجمهورُ العلماء على أن الأم لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ عليٍّ وزيدٍ، وابنِ عباس، والفرق بين الأم مع الأب ومعَ الجدِّ أنها مع الأب يشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُرب سواءٌ إلى الميت، فيأخذ الذكرُ منهما مثلَ حظِّ الأنثى مرتين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسمُ واحد، والجدُّ أبعدُ من الأب، فلا يلزمُ مساواته به في ذلك. وأما إن اجتمع الجدُّ مع الإخوة، فإن كانوا لأمٍّ سقطوا به، لأنهم إنَّما يرثون مِنَ الكَلالة، والكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن ابن عباسٍ. وأما إن كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثهم قديمًا وحديثًا، فمنهم من أسقط الإخوةَ بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطون بالأب وهذا قولُ الصديق، ومعاذٍ، وابن عباس وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في كتاب الله ، فيدخلُ في مسمَّى الأب في المواريث، كما أن ولدَ الولدِ ولدٌ، ويدخُل في مسمَّى الولد عندَ عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوةَ إنما يرثون مع الكَلالة، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوة من الأب، وبأنَّ الجدَّ أقوى من الإخوة، لاجتماعِ الفَرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحدةٍ، فهو كالأب، وحينئذٍ، فيدخلُ في عموم قوله ﷺ : "فما بقي، فلأوْلَى رجلً ذكرٍ". ومنهم من شرَّك بَينَ الإخوة والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابة، وأكثرُ الفقهاء بعدهم على اختلاف طويلٍ بينهم في كيفية التشريك بينَهم في الميراث، وكان مِنَ السَّلف مَنْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيب فيهم بشيءٍ؛ لاشتباهِ أمرهم

стр. 949

وإشكاله، ولولا خشيةُ الإطالة لبسطنا القولَ في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدِّي إلى الإطالة جدًّا. وأما حكمُ ميراثِ الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والكَلالةُ مأخوذة من تكلُّلِ النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقًا من العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاء الولد تنبيهٌ على انتفاء الوالد بطريق الأولى، لأن انتسابَ الولد إلى والده أظهرُ من انتسابه إلى ولده، فكان ذكرُ عدم الولد تنبيهًا على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال أبو بكر الصديق: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَد له ولا والد (١)، وتابعه جمهورُ الصحابة والعلماء بعدهم، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبيِّ ﷺ ، خرَّجه أبو داود في "المراسيل" (٢)، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه، ووصلُه بذكر أبي هريرة ضعيفٌ (٣). فقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ بالكلِّيَّةِ لا ذكر ولا أنثى، فللأخت - حينئذٍ - النِّصفُ مما ترك فرضًا، ومفهوم هذا أنَّه إذا كان له ولدٌ فليس للأخت النِّصفُ فرضًا، ثمَّ إنْ كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لِما سبقَ تقريرُه في ميراث الأولادِ الذُّكور إذا انفردوا، فإنَّهم أقربُ العصبات، وهم يُسقِطُون الإخوة، فكيف لا يُسقِطون

стр. 950

الأخوات؟ وأيضًا، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهذا يدخلُ فيه ما إذا كان هناك ذو فرضٍ كالبنات وغيرهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا، فكذلك يستحقُّونه وأولى، وإن كان الولدُ أنثى، فليس للأختِ هنا النِّصفُ بالفرض، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهور العلماء، وقد سبق ذكرُ ذلك والاختلافُ فيه، فلو كان هناك ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأخت، مثلُ ابنٍ نصفُه حر عندَ من يُوَرِّثه نصفَ الميراث، وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن الابن هنا يُسقِطُ نصفَ فرض الأخت، فترثَ معه الربعَ فرضًا، أم يقال: إنَّه يصيرُ كالبنت، فتصيرَ الأختُ معه عصبة، كما تصير مع الأخت (١)، لكنه يسقط نصفَ تعصيبها فتأخذ معه النِّصف الباقي بالتعصيب؟ هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، يعني أنَّ الأخ يستقلُّ بميراث أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى؛ فإن كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أولى مِنَ الأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجل ذكرٍ، وإن كان أنثى، فالباقي بعد فرضها يكونُ للأخ، لأنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، ولكن لا يستقلُّ بميراثها حينئذٍ، كما إذا لم يكن لها ولَدٌ. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ يعني: أن فرض الثِّنتين الثلثان، كما أن فرض الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلُّه في حكم انفرادِ الإخوة والأخوات. وأما حكم اجتماعهم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فيدخلُ (٢) في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا كان

стр. 951

هناك ذو فرضٍ مِنَ الأولَاد أو غيرهم، كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة من الأم، فيكون الفاضلُ عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيين. فقد تبيَّن بما ذكرناه أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخوات مِنَ الأبوبن أو الأب، ولا يُسقط توريثَهُن بالتَّعصيب مع أخواتهنَّ بالإجماع، ولا تَعْصِيبُهُنَّ بانفرادهنَّ مع البناتِ عند الجمهور، فالكلالةُ شرطٌ لثبوت فرض الأخوات، لا لثبوت ميراثهنّ، كما أنَّه ليس بشرطٍ لميراثِ ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلافِ ولدِ الأمِّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالة أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت فروضَهم، سقطت مواريثُهُم؛ لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ، لإدلائهم بأنثى، والأخوات للأبوين أو للأب يُدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور. وإذا كان الولد مسقطًا لفرض ولد الأبوين، أو الأب دونَ أصل توريثهم بغير الفرض، فقد يقال: إنَّ الله تعالى إنَّما خصَّ انتفاءَ الولد في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ولم يذكر انتفاء الوالد (١)، أو الأب؛ لأنَّه كان يدخلُ فيه الجدّ، والجدُّ لا يُسقط ميراثَ الإخوة بالكلِّيَّة، وإنَّما يشتركون معه في الميراث، تارةً بالفرض، وتارةً بغيره، وهذا على قول من يقول: إنَّ الجدَّ لا يُسقِطُ الإخوة - وهُمُ الجمهورُ - ظاهرٌ، وهذا كلُّه في انفرادِ ولدِ الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا، فإنَّ العصبات مِنْ ولد الأبوين يُسقطونَ ولدَ الأب كلهم بغير خلافٍ حتى في الأخت مِنَ الأبوين مع البنت عند من يجعلُها عصبةً يُسقط بها الأخ من الأبوين. وفي "المسند" و"الترمذي" و"ابن ماجه" عن عليٍّ قال: قضى رسولُ الله ﷺ أن أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العَلَّاتِ، يَرِثُ الرَّجُلُ أخاه لأبيه وأمه دونَ أخيه لأبيه (٢).

стр. 952

وقال عمرو بنُ شعيب: قضى رسولُ الله ﷺ أن الأخ للأب والأم أولى بالكلالةِ بالميراث، ثم الأخ للأب، وهذا أيضًا مما يدخل في قوله ﵇: "فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ". والتحقيقُ في ذلك: أَن كلَّ ما دلَّ عليه القرآن، ولو بالتَّنبيه، فليس هو ممَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريثِ الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن الفُروض، للذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيين، وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك، ودلَّ ذلك بطريقِ التَّنبيه على أنَّ الباقي يأخذُه الذَّكرُ منهم عندَ الانفرادِ بطريق الأولى، ودلَّ أيضًا بالتَّنبيه على أن الأخت تأخذُ الباقي مع البنت كما كانت تأخذُه مع أخيها، ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابن الأخ والعم وابنه، فإنَّ أخاها إذا لم يُسقِطها فكيف يُسقِطها من هو أبعدُ منه؟ فهذا كلُّه من باب إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهلِ الفرائض على كتاب الله. وأمَّا مَنْ لم يُذكر باسمه مِنَ العصبات في القرآن، كابن الأخ والعم وابنه، وإنَّما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، فهذا يحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث، أعني حديثَ ابن عباس، فإذا لم يُوجَدْ للمال وارثٌ غيرهم، انفردوا به، ويقدَّم منهمُ

стр. 953

الأقربُ فالأقربُ، لأنَّه أولى رجل ذكرٍ، وإن وُجِدَت فروضٌ لا تستغرقُ المالَ، كأحدِ الزوجين أو الأم، أو ولد الأمِّ، أو بناتٍ منفردات، أو أخوات منفردات، فالباقي كلُّه لأولى ذكرٍ من هؤلاء. ولهذا لو كان هؤلاء إخوةً رجالًا ونساءً، لاختصَّ به رجالُهم دون نسائِهم، بخلاف الأولاد والإخوة، فإنَّه يشترك في الباقي، أو في المال كلِّه ذكورهم وإناثهم بنصِّ القرآن، والحديثُ إنَّما دلَّ على توريث العصبات الذين يختصُّ ذكورهم دونَ إناثهم، وهم مَنْ عدا الأولاد والإخوةِ، فهذا حكمُ العصبات المذكورين في كتاب الله، وفي حديث ابن عباس. وأما ذوو الفروضِ، فقد ذكرنا حكمَ مواريثهم، ولم يبقَ منهم إلَّا الزوجان والإخوة للأمِّ، فأما الزوجان، فيرثان بسبب عقد النكاح. ولمَّا كان بين الزوجين من الألفة والمودَّة والتَّناصُر والتعاضُدِ ما بينَ الأقارب، جعل ميراثهما كميراث الأقارب، وجُعل للذَّكر منهما مِثْلا ما للأنثى؛ لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النَّفع بالإنفاق والنصرة. وأما ولدُ الأمِّ، فإنَّهم ليسوا من قبيلةِ الرَّجُلِ، ولا عشيرته، وإنَّما هم في المعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ الله لواحدهم السُّدُسَ، ولجماعتهم الثُّلث صلةً، وسوَّى بينَ ذكورهم وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادةً على أنثاهم في الحياة من المعاضدة والمناصرة، كما بين أهلِ القبيلة والعشيرة الواحدة، فسوَّى بينهم في الصِّلة، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانب بزيادة على الثلث، بل كان الثُّلثُ كثيرًا في حقِّهم؛ لأنَّهم أبعدُ من ولدِ الأمِّ، فينبغي أن لا يُزادوا على ما يُوصل به ولدُ الأم، بل ينقصون منه. واستدلَّ بعضُهم بقوله: "فما بقي فلأولى رجل ذكرٍ" على أنْ لا ميراثَ لذوي الأرحام؛ لأنَّه لم يجعل حقَّ الميراثِ لِمَن لم يُذكر في القُرآن إلَّا لأقربِ الذكور، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصبات دون ذوي الأرحامِ، فإنَّ مَنْ ورَّث ذوي الأرحام، ورَّث ذكورهم وإناثهم.

стр. 954

وأجاب من يرى توريثَ ذوي الأرحام بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريث العصبات، لا على نفي توريث غيرهم، وتوريثُ ذوي الأرحام مأخوذٌ من أدلةٍ أخرى، فيكون ذلك زيادةً على ما دلَّ عليه حديثُ ابن عباس. وأمَّا قوله: "لأولى رجلٍ ذكرٍ" مع أن الرجلَ لا يكونُ إلَّا ذكرًا، فالجوابُ الصحيحُ عنه أنه قد يُطلَقُ الرجل، ويرادُ به الشخص، كقوله: من وجد ماله عندَ رجل قد أفلس، ولا فرقَ بينَ أن يجدها عند رجلٍ أو امرأةٍ، فتقييدُه بالذَّكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دونَ الأنثى وهو المقصودُ، وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء تقييدُ ابن اللبون في نصب الزكاة بالذكر، وللسهيلي كلامٌ على هذا الحديث فيه تكلُّفٌ وتَعسُّفٌ شديدٌ ولا طائلَ تحته، وقد ردَّه عليه جماعة ممن أدركناهم (١)، والله أعلم.

стр. 955

الحديث الرابع والأربعون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ" خرَّجه البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجاه في "الصحيحين" من رواية عمرة عن عائشة، وخرَّج مسلم أيضًا من رِواية عروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يَحرُمُ مِنَ الرضاعَةِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسب"، وخرَّجاه أيضًا من رواية عروة عن عائشة من قولها، وخرَّجاه من حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ (٢)، وخرَّجه الترمذي (٣) من حديث عليٍّ عن النبيِّ ﷺ . وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأن الرضاع يُحرِّمُ ما يُحرِّمه النسب، ولنذكرِ المحرَّماتِ مِنَ النَّسب كلهن حتَّى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع، فنقول: الولادة والنسب قد يؤثِّران التحريمَ في النكاح، وهو على قسمين: أحدُهما: تحريمٌ مؤبَّدٌ على الانفراد، وهو نوعان:

стр. 956

أحدهما: ما يحرم بمجرَّد النسب، فيحرم على الرجل أصولُه وإن عَلَون، وفروعه وإن سَفَلْنَ، وفروعُ أصله الأدنى وإن سفَلْن، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهن، فيدخل في أصوله أمهاتُه وإن عَلَوْنَ من جهة أبيه وأمه، وفي فروعه بناتُه وبناتُ أولاده وإن سَفَلْنَ، وفي فروع أصله الأدنى أخواتُه من الأبوين، أو من أحدهما، وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سَفَلْنَ، ودخل في فروع أصوله البعيدة العماتُ والخالاتُ وعماتُ الأبوين وخالاتهما وإن عَلَوْنَ، فلم يبق من الأقارب حلالًا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهُنَّ بناتُ العم وبناتُ العمات، وبنات الخال، وبناتُ الخالات. والنوع الثاني: ما يحْرُمُ بالنسب مع سبب آخر، وهو المصاهرة؛ فيحرم على الرجل حلائل آبائه، وحلائلُ أبنائه، وأمهات نسائه، وبناتُ نسائه المدخول بهنّ؛ فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتُها من جهة الأم والأب وإن عَلَونَ، ويحرُم عليه بناتُ امرأته، وهنَّ الرَّبائب وبناتهن وإن سفلن، وكذلك بناتُ بني زوجته وهن بناتُ الربائب نصَّ عليه الشافعيُّ وأحمدُ، ولا يُعلم فيه خلافٌ. ويحرم عليه أن يتزوَّج بامرأة أبيه، وإن علا، وامرأة ابنه وإن سَفَلَ، ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر، لأن تحريمَهُنَّ من جهة نسبِ الرجل مع سبب المصاهرة. وأما أمهات نسائه وبناتهن، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب المرأة، فلم يخرجِ التحريمُ بذلك عن أن يكونَ بالنَّسب مع انضمامه إلى سبب المصاهرة، فإنَّ التحريم بالنسب المجرد، والنسب المضاف إلى المصاهرة يشترك فيه الرجال والنساءُ؛ فيحرمُ على المرأة أن تتزوَّج أصولها وإن علَوا، وفروعها وإن سفَلُوا، وفروعَ أصلها الأدنى وإن سفَلُوا من إخوتها، وأولادِ الإخوة وإن سفلوا، وفروعَ أصولها البعيدة وهم الأعمامُ والأخوالُ وإن عَلوا دونَ أبنائهم، فهذا كله بالنسب المجرّد.

стр. 957

وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة، فيحرم عليها نكاحُ أبي زوجها وإن علا، ونكاحُ ابنه وإن سَفَل بمجرّد العقد، ويحرم عليها زوجُ ابنتها وإن سفَلَتْ بالعقد، وزوجُ أمها وإن علت، لكن بشرط الدخول بها. والقسم الثاني: التحريم المؤبَّد على الاجتماع دونَ الانفراد، وتحريمُه يختصُّ الرجال لاستحالة إباحةِ جمع المرأة بينَ زوجين، فكلُّ امرأتين بينهما رَحِمٌ محرم يحرِّم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوُّج بالأخرى، فإنه يحرم الجمعُ بينهما بعقد النكاح. قال الشعبي: كان أصحابُ محمد ﷺ يقولون: لا يجمعُ الرجلُ بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوَّجها. وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب، وبذلك فسَّره سفيان الثوري وأكثرُ العلماء، فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بينَ زوجة رجل وابنته من غيرها، فإنه يُباحُ عندَ الأكثرين، وكرهه بعضُ السلف. فإذا علم ما يحرم من النسب، فكلّ ما يحرم منه، فإنه يحرم من الرضاع نظيرُه، فيحرم على الرجل أن يتزوَّج أمهاتِه من الرضاعة وإن عَلَون، وبناته من الرضاعة وإن سَفَلن، وأخواته من الرضاعة، وبنات أخواته من الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة، وإن علون دون بناتهن. ومعنى هذا أن المرأة إذا أرضعت طفلًا الرَّضاع المعتبرَ في المدَّة المعتبرة، صارت أمَّا له بنصِّ كتاب الله، فتحرمُ عليه هي وأمَّهاتُها، وإن علون من نسبٍ أو رضاعٍ، وتصيرُ بناتُها كلُّهن أخواتٍ له من الرضاعة، فيحرمن عليه بنصِّ القرآن؛ وبقيةُ التحريم من الرضاعة استفيدَ مِن السُّنَّةِ، كما استفيدَ من السنة أنَّ تحريم الجمع لا يختصُّ بالأختين، بل المرأةُ وعمَّتها، والمرأة وخالتها كذلك، وإذا كان أولادُ المرضعة من نسب أو رضاعٍ إخوةً للمرتضع، فيحرُم عليه بناتُ إخوته أيضًا، وقدِ امتنع النبيُّ ﷺ من تزويج ابنة حمزة وابنة أبي سلمة، وعلل

стр. 958

بأنَّ أبويهما كانا أخوين له من الرَّضاعة (١). ويحرمُ عليه أيضًا أخواتُ المرضعة، لأنهنَّ خالاتُه، ويَنتشِرُ التحريمُ أيضًا إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه الطفلُ، فيصيرُ صاحبُ اللبن أبًا للطِّفلِ، وتصيرُ أولادَه كلُّهم من المرضعة، أو من غيرها من نسبِ أو رضاع إخوة للمرتضع ويصير إخوته أعمامًا للطفل المرتضع، وهذا قولُ جمهَور العلماء من السلف، وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وقد دلَّ علي ذلك من السنة ما روت عائشةُ أنَّ أفلحَ أخا أبي القُعَيس استأذن عليها بعدَ ما أُنزلِ الحجابُ، قالت عائشةُ: فقلتُ: والله لا آذَنُ له حتَّى أَستاذنَ رسول الله ﷺ ، فإنَّ أبا القُعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قالت: فلما دخلَ رسولُ الله ﷺ ، ذكرتُ ذلك له، فقال: "ائذني له، فإنَّه عَمُّك تَرِبت يمينُك"، وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة. خرَّجاه في "الصَّحيحين" بمعناه (٢). وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جاريةً والأُخرى غلامًا أيحلُّ للغلام أن يتزوَّج الجارية، فقال: لا، اللقاحُ واحد. ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفلُ قد ثاب للمرأة من غير وطءِ فَحلٍ بأن تكون امرأة لا زوجَ لها قد ثاب لها لبن أو هي بكرٌ أو آيسةٌ، فأكثرُ العلماء على أنَّه يحرم الرضاعُ به، وتصيرُ المرضعةُ أُمًّا للطفل، وقد حكاه ابنُ المنذر إجماعًا عمن يُحفظ عنه من أهل العلم، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم. وذهب الإمامُ أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينتشِرُ التَّحريمُ

стр. 959

به بحالٍ حتى يكونَ له فحلٌ يدرُّ اللبن من رضاعه. وحُكي للشَّافعيِّ قولٌ مثله. ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن، كولد الزِّنى، فهل تَنْتَشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن؟ هذا ينبني على أنَّ البنتَ من الزنى هل تحرم على الزَّاني؟ ومذهبُ أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافًا للشافعي، وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك، فعلى قولهم: هل ينتشر التَّحريمُ إلى الزاني صاحب اللبن، فيكون أبًا للمرتضع أم لا؟ فيه قولان هما وجهان لأصحابنا، واختار ابنُ حامد أنَّ التحريمَ لا ينتشرُ إليه، واختار أبو بكر، والقاضي أبو يعلى أن التَّحريم ينتشرُ إلى الزاني، وهو نصُّ أحمد، وحكاه عن ابن عباس، وهو قول إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب. وينتشرُ التحريمُ بالرضاع إلى ما حَرُمَ بالنَّسب مع الصهر: إمَّا من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضًا، كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها، فيحرم ذلك كلُّه من الرضاع كما يحرم من النسب، لدخوله في قوله ﷺ : "يَحرُمُ مِن الرضاع ما يَحرُمُ من النَّسب". وتحريم هذا كلِّه للنسب، فبعضه لنسب الزوج، وبعضه لنسب الزوجة، وقد نصَّ على ذلك أئمة السلف، ولا يُعلم بينهم فيه اختلافٌ، ونصَّ عليه الإمام أحمد، واستدل بعموم قوله: "يَحرُمُ من الرضاعِ ما يَحرمُ مِن النسب". وأمَّا قوله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فقالوا: لم يُرِدْ بذلك أنَّه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع، إنما أراد إخراجَ حلائل الذين تُبُنُّوا، ولم يكونوا أبناءً من النَّسب كما تزوَّج النبيُّ ﷺ زوجةَ زيد بن حارثة بعد أن كان قد تبنَّاه. وهذا التحريمُ بالرضاع يختصُّ بالمرتضع نفسه، وينتشر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمُه إلى من في درجة المرتصع من إخوته وأخواته، ولا إلى من هو

стр. 960

أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فتُباحُ المرضعة نفسها لأبي المرتضع مِنَ النَّسب ولأخيه، وتباح أمُّ المرتضع من النسب وأخته منه لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه. هذا قولُ جمهور العلماء، وقالوا: يُباح أن يتزوَّج أختَ أخيه من الرَّضاعة، وأخت ابنته من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أحلُّ من ماء قَدَس (١)، وصرَّح بإباحتها حبيبُ بن أبي ثابت وأحمد. وروى أشعث عن الحسن أنه كره أن يتزوَّج الرجل بنتَ ظِئر ابنه، ويقول: أخت ابنه، ولم ير بأسًا أن يتزوَّج أمها، يعني: ظئر ابنه، وروى سليمان التيمي عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتزوج أخت أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئًا، وهذا يقتضي توقُّفَه فيه، ولعلَّ الحسن إنما كان يكره ذلك تنزيهًا، لا تحريمًا، لمشابهته للمحرم بالنسب في الاسم، وهذا بمجرَّده لا يُوجِبُ تحريمًا. وقد استثنى كثيرٌ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم مما يحرم من النسب صورتين، فقالوا: لا يحرم نظيرُهما مِنَ الرَّضاع: إحداهما: أمُّ الأخت، فتحرم مِنَ النَّسب، ولا تحرم من الرضاع. والثانية: أخت الابن، فتحرم من النسب دونَ الرضاع، ولا حاجة إلى استثناء هذين، ولا أحدهما. أما أمُّ الأخت، فإنما تحرم من النسب، لكونها أمًا أو زوجةَ أب، لا لمجرَّد كونها أم أخت، فلا يُعلق التحريم بما لم يُعلقه الله به، وحينئذ، فيوجد في الرضاع من هي أم أخت ليست أمًا ولا زوجة أب، فلا تحرم، لأنها ليست نظيرًا لذاتِ النسب، وأما أخت الابن، فإن الله تعالى إنما حرَّم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة دُخِلَ بأمها، لا لكونها أخت ابنه، والدخول في

стр. 961

الرضاع منتفٍ فلا يحرم به أولادُ المرضعة. ومما قد يدخُلُ في عموم قوله: "يحرُم من الرضاع ما يحرمُ من النَّسب": لو ظَاهَرَ مِن امرأته، فشبَّهها بمحرمة من الرَّضاع، فقال لها: أنت عليَّ كأمي من الرضاع، فهل يثبتُ بذلك تحريمُ الظِّهار أم لا؟ فيه قولان: أحدُهما: أنه يثبت به تحريم الظهار، وهو قول الجمهور، منهم مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وعثمان البتِّي، وهو المشهور عن أحمد. والثاني: لا يثبت به التَّحريمُ، وهو قول الشافعيِّ، وتوقف أحمد فيه في رواية ابن منصور.

стр. 962

الحديث الخامس والأربعون عَنْ جابر بن عَبد الله أنَّه سَمِعَ رسول الله ﷺ عَامَ الفَتحِ وهُوَ بمكَّةَ يَقُولُ: "إن الله ورَسُولَهُ حرَّمَ (١) بَيعَ الخَمْرِ والمَيتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنام" فقيلَ: يا رَسولَ الله أرأيتَ شُحومَ المَيتَةِ، فإنَّهُ يُطلَى بِها السُّفُنُ، ويُدهَنُ بِها الَجُلُودُ، ويَستَصبِحُ بِها النَّاسُ؟ قَالَ: "لا، هُوَ حَرامٌ"، ثمَّ قالَ رسولُ اللّه ﷺ عِنْد ذلك: "قَاتَل الله اليَهودَ، إنَّ الله حَرَّمَ عليهِمُ الشُّحومَ، فأجْمَلوهُ، ثمَّ باعُوه، فأكَلوا ثَمَنَه" خرَّجه البُخاريُّ ومُسلمٌ (٢).

стр. 963

هذا الحديث خرجاه في "الصحيحين" من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن جابر. وفي رواية لمسلم أن يزيد قال: كتب إليَّ عطاء، فذكره، ولهذا قال أبو حاتم الرازي (١): لا أعلم يزيدَ بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئًا، يعني أنه إنما يروي عنه كتابَه، وقد رواه أيضًا يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. وفي "الصحيحين" (٢) عن ابنِ عباس قال: بلغ عمرَ أن رجلًا باع خمرًا، فقال: قاتله الله، ألم يعلم أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "قاتَل الله اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحومُ، فجَمَلوها فباعُوها"، وفي رواية: "وأكلُوا أثمانها". وخرَّج أبو داود (٣) من حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ نحوه، وزاد فيه: "وإنَّ الله إذا حرَّم أكلَ شئٍ، حرَّم عليهم ثمنه"، وخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: "إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه". وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "قاتَلَ الله يهودًا، حُرِّمَت عليهمُ الشُّحومُ، فباعُوها وأكلوا أثمانها" (٤). وفي "الصحيحين" عن عائشة، قالت: لما أُنزِلَت الآياتُ من آخر سورة البقرة، خرج رسولُ الله ﷺ ، فاقترأهُنَّ على الناس، ثمَّ نهى عن التِّجارة في الخمر، وفي رواية لمسلم: لمَّا نزلتِ الآياتُ من آخر سورة البقرة في الرِّبا، خرج

стр. 964

رسولُ الله ﷺ إلى المسجد، فحرَّم التجارة في الخمر (١). وخرَّج مسلم (٢) من حديث أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ الله حرَّم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيءٌ، فلا يشرب ولا يبع". قال: فاستقبل الناسُ بما كان عندهم منها في طريق المدينة، فسفكوها. وخرَّج أيضًا من حديث ابن عباس أن رجلًا أهدى لِرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسولُ الله ﷺ : "هل عَلِمْت أن الله قد حرَّمها؟ " قال: لا، قال: فسارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : "بما سَارَرْتَه؟ " قال: أمرتُه ببيعها، قال: "إنَّ الذي حَرَّم شُربها حَرَّمَ بيعها"، قال: ففتح المزاد حتَّى ذهب ما فيها (٣). فالحاصل من هذه الأحاديث كُلِّها أن ما حرَّم الله الانتفاعَ به، فإنه يحرم بيعُه وأكلُ ثمنه، كما جاء مصرحًا به في الراوية المتقدمة: "إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه"، وهذه كلمةٌ عامَّةٌ جامعة تَطَّرِدُ في كُلِّ ما كان المقصودُ من الانتفاع به حرامًا، وهو قسمان: أحدهما: ما كان الانتفاعُ به حاصلًا مع بقاء عَينِه، كالأصنام، فإنَّ منفعتها المقصودة منها هو الشرك بالله، وهو أعظمُ المعاصي على الإِطلَاق، ويلتحِقُ بذلك ما كانت منفعته محرَّمة، ككتب الشِّركِ والسِّحر والبدعِ والضَّلالِ، وكذلك الصورُ المحرمةُ، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبورَ، وكذلك شراءُ الجواري للغناء.

стр. 965

وفي "المسند" (١) عن أبي أُمامة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن الله بعثني رحمةً وهُدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزاميرَ والكنَّارات - يعني البرابط والمعازف - والأوثان التي كانت تُعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزَّته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جرعةً من خمر إلا سقيته مكانَها من حميم جهنَّم، معذبًا أو مغفورًا له، ولا يسقيها صبيًا صغيرًا إلَّا سقيته مكانها من حميم جهنَّم معذبًا أو مغفورًا له، ولا يدعها عبدٌ من عبيدي من مخافتي إلَّا سقيتها إياه في حظيرةِ القُدُس، ولا يحل بيعُهُن ولا شراؤُهُنَّ، ولا تعليمُهُنَّ، ولا تجارة فيهن، وأثمانهن حرام" [يعني] المغنِّيات. وخرَّجه الترمذي، ولفظه: "لا تبيعوا القيناتِ ولا تشتروهن، ولا تُعلِّموهُنَّ، ولا خَيرَ في تِجارِة فيهن، وثمنُهُنَّ حرام، في مثل ذلك أنزل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ " [لقمان: ٦] الآية، وخرجه ابنُ ماجه أيضًا، وفي إسناد الحديث مقال (٢)، وقد رُوي نحوه من حديث عمر وعليٍّ بإسنادين فيهما ضعفٌ أيضًا (٣). ومن يحرم الغناءَ كأحمد ومالك، فإنهما يقولان: إذا بيعتِ الأمةُ المغنية، تُباع على أنَّها ساذجةٌ، ولا يُؤخذُ لغنائها ثمنٌ، ولو كانت الجاريةُ ليتيمٍ، ونصَّ على ذلك أحمد، ولا يمنعُ الغناءُ من أصل بيع العبد والأمة؛ لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصلٌ بالخدمة وغيرها، وهو من أعظم مقاصدِ الرقيق. نعم، لو علم

стр. 966

أن المشتري لا يشتريه إلَّا للمنفعة المحرمة منه، لم يجز بيعُه له عندَ الإمام أحمد وغيره من العلماء، كما لا يجوزُ عندهم بيعُ العصير ممن يتخذه خمرًا، ولا بيعُ السِّلاح في الفتنة، ولا بيع الرَّياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشربُ عليها الخمر، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة. القسم الثاني: ما ينتفع به مع إتلافِ عينه، فإذا كان المقصود الأعظم منه محرمًا، فإنَّه يحرم بيعُه، كما يحرمُ بيعُ الخنزير والخمر والميتة، مع أن في بعضها منافع غيرَ محرمة، كأكل الميتة للمضطرِّ، ودفع الغصَّة بالخمر، وإطفاءِ الحريق به، والخرْز بشعر الخنزير عند قوم، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك، ولكن لمَّا كانت هذه المنافعُ غيرَ مقصودة، لم يعبأ بها، وحرم البيعُ بكون (١) المقصودِ الأعظم من الخنزير والميتة أكلَهما، ومن الخمر شربَها، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك، وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى لمَّا قيل له: أرأيتَ شحومَ الميتةِ، فإنه يُطلى بها السُّفُن، ويُدهن بها الجُلودُ، ويَستصبِحُ بها الناسُ، فقال: "لا، هو حرام". وقد اختلفَ الناسُ في تأويلِ قوله ﷺ : "هو حرامٌ"، فقالت طائفة: أراد أنَّ هذا الانتفاعَ المذكور بشحوم الميتة حرام، وحينئذٍ فيكونُ ذلك تأكيدًا للمنع من بيع الميتة، حيث لم يجعل شيئًا من الانتفاع بها مباحًا. وقالت طائفة: بل أرادَ أنَّ بيعها حرامٌ، وإن كان قد ينتفع بها بهذه الوجوه، لكن المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل، فلا يُباحُ بيعُها لذلك. وقد اختلفَ العلماءُ في الانتفاع بشحوم الميتة، فرخَّص فيه عطاءٌ، وكذلك نقل ابنُ منصورٍ عن أحمد وإسحاق، إلَّا أن إسحاقَ قال: إذا احتيجَ إليه، وأمَّا إذا وُجِدَ عنه مندوحةٌ، فلا، وقال أحمد: يجوزُ إذا لم يمسه بيده،

стр. 967

وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو قولُ مالك والشافعي وأبي حنيفة، وحكاه ابن عبد البرّ إجماعًا عن غير عطاء. وأمَّا الأَدْهانُ الطاهرة إذا تنجَّست بما وقع فيها من النجاسات، ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلافٌ مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وفيه روايتان عن أحمد. وأما بيعُها، فالأكثرون على أنَّه لا يجوزُ بيعُها، وعن أحمد رواية: يجوز بيعُها من كافرٍ، ويُعلم بنجاستها، وهو مرويٌّ عن أبي موسى الأشعري، ومن أصحابنا من خرَّج جوازَ بيعها على جواز الاستصباح بها وهو ضعيفٌ مخالفٌ لنصِّ أحمد بالتفرقة، فإن شحومَ الميتة لا يجوزُ بيعُها وإن قيل بجواز الانتفاع بها، ومنهم من خرَّجه على القول بطهارتها بالغسل، فيكون - حينئذٍ - كالثوب المتمضّخ بنجاسة. وظاهر كلام أحمد منعُ بيعها مطلقًا؛ لأنَّه علل بأنَّ الدُّهنَ المتنجس فيه ميتة، والميتة لا يُؤكل ثمنها. وأما بقية أجزاءِ الميتة، فما حُكِمَ بطهارته منها، جاز بيعُه، لجواز الانتفاع به، وهذا كالشَّعر والقَرنِ عندَ من يقول بطهارتهما، وكذلك الجلدُ عند من يرى أنه طاهر بغيرِ دباغ، كما حُكي عن الزهري، وتبويبُ البخاري يدلُّ عليه، واستدلَّ بقوله: "إنما حَرُم من الميتة أكلُها" (١). وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلدِ قبل الدباغ، فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذٍ، لأنَّه جزءٌ من الميتة، وشذَّ بعضهم، فأجاز بيعه كالثوب النجس، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسةُ، وجلد الميتة جزءٌ منها، وهو نجسُ العين. وقال سالمُ بنُ عبد الله بن عمر: هل

стр. 968

بيعُ جلودِ الميتة إلَّا كأكل لحمها؟ (١) وكرهه طاووس وعكرمة (٢)، وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يبيعوها، فيأكلوا أثمانها (٣). وأما إذا دبغت، فمن قال بطهارتها بالدبغ، أجاز بيعها، ومن لم ير طهارتها بذلك، لم يُجِزْ بيعها. ونصَّ أحمد على منع بيعِ القمح إذا كان فيه بولُ الحمار حتى يُغسل، ولعلَّه أراد بيعه ممَّن لا يعلم بحاله، خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته. وأما الكلب، فقد ثبت في "الصحيحين" عن أبي مسعود الأنصاري أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب (٤). وفي "صحيح مسلم" (٥) عن رافع بن خديج سمع النبيَّ ﷺ : "شرُّ الكسب مَهْرُ البغيّ، وثمن الكلب، وكسب الحجام". وفيه عن معقل الجزري عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنور، فقال: زجر النبيُّ ﷺ عن ذلك (٦). وهذا إنَّما يُعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير. وقد استنكر الإمامُ أحمد رواياتِ مَعْقِل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديثَ ابن لهيعة، وقد تُتُبِّعِ ذلك، فوُجِدَ كما قاله أحمد ﵀. وقد اختلف العلماءُ في بيع الكلب، فأكثرهم حرَّموه، منهم الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وغيرهم، وقال أبو

стр. 969

هريرة: هو سحت (١)، وقال ابن سيرين: هو أخبثُ الكسب (٢). وقال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: ما أُبالي ثمن كلب أكلت أو ثمنَ خنزير (٣). وهؤلاء لهم مآخذ: أحدها: أنَّه إنَّما نُهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريمَ بيع كلِّ نجسِ العين، وهذا قولُ الشافعي، وابن جرير، ووافقهم جماعة من أصحابنا، كابنِ عقيل في "نظرياته" وغيره، والتزموا أنَّ البغلَ والحمارَ إنما نجيز بيعهما إذا لم نقل بنجاستهما، وهذا مخالفٌ للإجماع. والثاني: أن الكلبَ لم يُبح الانتفاعُ به واقتناؤه مطلقًا كالبغل والحمار، وإنَّما أُبيحَ اقتناؤُه لحاجاتٍ مخصوصةٍ، وذلك لا يُبيح بيعه كما لا تبيحُ الضرورةُ إلى الميتة والدم بَيعَهُما، وهذا مأخذُ طائفةٍ من أصحابنا وغيرهم. والثالث: أنَّه إنَّما نُهي عن بيعه لخسَّته ومهانته، فإنَّه لا قيمةَ له إلَّا عند ذوي الشُّحِّ والمهانَةِ، وهو متيسِّرُ الوجودِ، فنُهي عن أخذ ثمنِه ترغيبًا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة، وهذا مأخذُ الحسن البصري وغيره من السَّلف، وكذا قال بعضُ أصحابنا في النَّهي عن بيع السِّنَّورِ. ورخَّصت طائفةٌ في بيع ما يُباح اقتناؤُه مِنَ الكلاب، ككلب الصَّيد، وهو قولُ عطاء والنخعي وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وقالوا: إنَّما نهي عن بيع ما يحرُمُ اقتناؤُه منها. وروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد، خرَّجه النسائي (٤)،

стр. 970

وقال: هو حديثٌ منكر، وقال أيضًا: ليس بصحيح، وذكر الدارقطني (١) أنَّ الصحيحَ وقفُه على جابر، وقال أحمد: لم يصحَّ عن النبيِّ ﷺ رخصةٌ في كلب الصيد، وأشار البيهقي (٢) وغيره إلى أنَّه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء، فظنه من البيع، وإنما هو مِنَ الاقتناء، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي، ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم - كما ظنَّه طائفةٌ من المتأخرين - فقد أخطأ، لأن مسلمًا لم يخرج لحمَّاد بن سلمة، عن أبي الزبير شيئًا، وقد بيَّن في كتاب "التمييز" (٣) أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غيرُ قوية. فأمَّا بيعُ الهرِّ، فقد اختلف العلماءُ في كراهته، فمنهم من كرهه، ورُوي ذلك عن أبي هريرة وجابر وعطاء وطاووس ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في رواية عنه، وقال: هو أهونُ من جلود السِّباع، وهذا اختيارُ أبي بكر من أصحابنا، ورخص في بيع الهرِّ ابن عباس وعطاء في رواية والحسن وابن سيرين والحكم وحماد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن إسحاق روايتان، وعن الحسن أنه كره بيعها، ورخَّصَ في شرائها للانتفاع بها. وهؤلاء منهم من لم يصحِّح النهي عن بيعها، قال أحمد: ما أعلم فيه شيئًا يثبت أو يصحَّ، وقال أيضًا: الأحاديث فيه مضطربةٌ. ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه كالبرِّيِّ ونحوه. ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها، لأنَّه دناءة وقلة مروءة، لأنها متيسرة

стр. 971

الوجود والحاجة إليها داعية، فهي من مرافِق الناسِ التي لا ضررَ عليهم في بذل فضلها، فالشُّحُّ بذلك مِنْ أقبحِ الأخلاق الذميمة، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها. وأما بقية الحيوانات التي لا تُؤكل، فما لا نفع فيه كالحشرات ونحوها لا يجوزُ بيعُه، وما يُذكر من نفع في بعضها، فهو قليلٌ، فلا يكون مبيحًا للبيع، كما لم يبح النبيُّ ﷺ بيعَ الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع، ولهذا كان الصحيحُ أنه لا يُباحُ بيعُ العلق لِمَصِّ الدم، ولا الدِّيدان للاصطياد ونحو ذلك. وأما ما فيه نفعٌ للاصطياد منها، كالفهد والبازيِّ والصَّقر، فحكى أكثرُ الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن أحمد، ومنهم من أجازَ بيعَها، وذكر الإجماعَ عليه، وتأوَّل رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في "المجرد" (١)، ومنهم من قال: لا يجوزُ بيع الفهد والنّسر، وحكى فيه وجهًا آخر بالجواز، وأجاز بيع البُزاة والصُّقور، ولم يحكِ فيه خلافًا، وهو قولُ ابن أبي موسى. وأجاز بيع الصقر والبازي والعُقاب ونحوه أكثرُ العلماء، منهم: الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جوازُ بيعها، وتوقف في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن معلَّمة، قال الخلَّال: العمل على ما رواه الجماعة أنَّه يجوزُ بيعُها بكلِّ حالٍ. وجعل بعضُ أصحابنا الفيلَ حكمه حكم الفهد ونحوه، وفيه نظر، والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنه لا يحِلُّ بيعه ولا شراؤه، وجعله كالسَّبُح، وحُكي عن الحسن أنه قال: لا يُركب ظهره، وقال: هو مسخ، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّه لا منفعةَ فيه. ولا يجوزُ بيعُ الدُّبِّ، قاله القاضي في "المجرد"، وقال ابن أبي موسى: لا يجوزُ بيعُ القردِ، قال ابن عبد البر: لا أعلمُ في ذلك خلافًا بين العلماء، وقال

стр. 972

القاضي في "المجرد": إن كان ينتفع به في موضع، لحفظ المتاع، فهو كالصَّقر والبازيِّ، وإلَّا، فهو كالأسد لا يجوزُ بيعه، والصحيح المنعُ مطلقًا، وهذه المنفعة يسيرةٌ، وليست هي المقصودة منه، فلا تُبيح البيعَ كمنافعِ الميتة. ومما نُهي عن بيعه جيفُ الكفار إذا قُتِلوا، خرَّج الإمام أحمد (١) من حديث ابن عباس قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأعطوا بجيفته مالًا، فقال رسول الله ﷺ : "ادفعوا إليهم جيفَته، فإنَّه خبيثُ الجيفة، خبيثُ الدِّيةِ"، فلم يقبل منهم شيئًا. وخرَّجه الترمذي، ولفظه: إن المشركين أرادوا أن يشتروا جَسَد رجلٍ من المشركين فأبى النبيُّ ﷺ أن يبيعهم (٢). وخرَّجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا، ثم قال وكيع: الجيفة لا تُباع. وقال حرب: قلت لإِسحاق: ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين؟ قال: لا. وروى أبو عمرو الشيباني أن عليًا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصّر، فاستتابه فأبى أن يتوبَ، فقتله، فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفًا، فأبى عليٌّ فأحرقه (٣).

стр. 973

الحديث السادس والأربعون عَنْ أَبي بُردَةَ، عن أبيه أبي مُوسى الأشعَريِّ أن النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إلى اليَمَن، فسألَهُ عَنِ أَشربةٍ تُصنَعُ بِها، فقال: "ومَا هِي؟ " قالَ: البِتْعُ والمِزْرُ، فقيلَ لأَبي بُردَةَ: وما البِتْعُ؟ قال: نَبيذُ العسلِ، والمِزْرُ نَبيذُ الشَّعير، فقال: "كلُّ مُسكرٍ حَرامٌ" خرَّجه البُخاريُّ (١). وخرَّجه مسلم، ولفظه قال: بعثني رسولُ الله ﷺ أنا ومعاذٌ إلى اليمن، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ شرابًا يُصنع بأرضنا يقال له: المِزْرُ مِنَ الشَّعير، وشرابٌ يقالُ له: البِتع من العسل، فقال: "كلُّ مسكرٍ حرامٌ". وفي رواية لمسلم: فقال: "كُلُّ ما أسكر عن الصَّلاةِ فهو حرامٌ"، وفي رواية له قال: وكان رسول الله ﷺ قد أُعطِيَ جوامعَ الكلم بخواتمه، فقال: "أنهى عن كلِّ مسكر أسكر عن الصَّلاةِ". هذا الحديثُ أصلٌ في تحريم تناول جميع المسكرات، المغطِّيةِ للعقل، وقد ذكر الله في كتابه العلَّةَ المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أوَّل ما حُرِّمتِ الخمرُ عند حضورِ وقتِ الصلاة لما صلَّى بعضُ المُهاجرين، وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي رسول الله ﷺ

стр. 974

ينادي: لا يقرب الصَّلاةَ سكران (١)، ثم إن الله حرَّمها على الإطلاق بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. فذكر سبحانه علَّة تحريم الخمر والميسر، وهو القمار، وهو أنَّ الشيطان يُوقِعُ بهما العداوةَ والبغضاء، فإنَّ مَنْ سَكِرَ، اختلَّ عقلُه، فربما تَسَلَّط على أذى الناسِ في أنفسهم وأموالهم، وربما بَلَغَ إلى القتل، وهي أمُّ الخبائث، فمن شَربها، قتلَ النفس وزنى، وربما كفر. وقد روي هذا المعنى عن عثمان وغيره، وروي مرفوعًا أيضًا (٢). ومن قامر، فربما قُهرَ، وأُخذ ماله منه قهرًا، فلم يبق له شيء، فيشتدُّ حِقدُه على من أخذ ماله. وكلُّ ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حرامًا، وأخبر سبحانه أنَّ الشيطانَ يصدُّ بالخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصَّلاةِ، فإنَّ السكران يزولُ عقلُه، أو يختل، فلا يستطيع أن يذكرَ الله، ولا أن يُصلِّي، ولهذا قال طائفة مِنَ السَّلف: إن شاربَ الخمر تمرُّ عليه ساعة لا يعرف فيها ربَّه، والله سبحانه إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويُطيعوه، فما أدَّى إلى الامتناعِ من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته، كان محرمًا، وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإنَّ الله تعالى جَبَل العبادَ عليه، واضطرهم إليه، ولا قِوام لأبدانهم إلَّا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنصب، فهو من

стр. 975

أعظم نِعَمِ الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومُه عونًا له على الصلاة والذكر، ولهذا قال من قال من الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وكذلك الميسرُ يَصُدُّ عن ذكر الله وعنِ الصَّلاة، فإن صاحبه يَعْكُفُ بقلبه عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه، ولهذا قال عليُّ لما مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون (١)؟ فشبههم بالعاكفين على التماثيل. وجاء في الحديث: "إن مدمِنَ الخمرِ كعابدِ وثنٍ" (٢)، فإنَّه يتعلَّق قلبُه بها، فلا يكادُ يُمكنه أن يدعَها كما لا يدعُ عابدُ الوثنِ عبادتَه. وهذا كلُّه مضادٌّ لِما خَلَق اللهُ العبادَ لأجله مِنْ تفريغِ قلوبهم لمعرفته، ومحبَّته، وخشيته، وذكره، ومناجاتِه، ودعائهِ، والابتهال إليه، فما حالَ بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد إليه ضرورةٌ، بل كان ضررًا محضًا عليه، كان محرمًا، وقد رُوي عن علي أنَّه قال لمن رآهم يلعبون بالشِّطرنج: ما لهذا خُلقتم (٣). ومن هنا يعلم أن الميسرَ محرَّمٌ، سواء كان بعوَض أو بغيرِ عوضٍ، وإن الشطرنج كالنَّرد أو شرٌّ منه (٤)، لأنَّها تشغلُ أصحَابَها عن ذكر الله، وعن

стр. 976

الصَّلاةِ أكثر مِنَ النَّرد. والمقصودُ أن النبيَّ ﷺ قال: "كلُّ مسكر حرامٌ، وكلُّ ما أسكر عن الصلاة فهو حرام". وقد تواترت الأحاديثُ بذلك عن النبيِّ ﷺ ، فخرَّجا في "الصحيحين" عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كل مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمر حرام" ولفظ مسلم: "وكل مسكر حرام" (١). وخرَّجا أيضًا من حديث عائشة أن النبيَّ ﷺ سئل عن البِتع، فقال: "كلّ شراب أسكر، فهو حرام" وفي رواية لمسلم: "كل شراب مسكر حرام" (٢) وقد صحَّح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين، واحتجا به ونقل ابن عبد البرّ إجماعَ أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يُروى عن النبيّ ﷺ في تحريم المسكر. وأمَّا ما نقله بعضُ فقهاء الحنفية عن ابن معينٍ من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه (٣). وقد خرَّج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "كلّ

стр. 977

مسكر حرام" (١). وإلى هذا القول ذهب جمهورُ علماء المسلمين مِنَ الصَّحابة والتابعين ومن بعدهم من عُلماء الأمصار، وهو مذهبُ مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو ممَّا اجتمع على القول به أهلُ المدينة كلهم. وخالف فيه طوائفُ مِنْ عُلماء أهل الكوفة، وقالوا: إنَّ الخمرَ إنَّما هي خمرُ العنب خاصَّةً، وما عداها، فإنما يحرم منه القدرُ الذي يُسكر، ولا يحرم ما دُونَه، وما زال علماءُ الأمصار يُنكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورًا لهم، وفيهم خَلق مِنْ أئمَّة العلمِ والدين. قال ابنُ المبارك: ما وجدتُ في النبيذ رخصةً عن أحد صَحيح إلا عن إبراهيم، يعني النخعي (٢)، وكذلك أنكر الإمامُ أحمد أن يكونَ فيه شيءٌ يصحُّ، وقد صنف كتاب "الأشربة" ولم يذكر فيه شيئًا من الرخصة، وصنَّف كتابًا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في المسكر حديثٌ صحيح. ومما يدلُّ على أن كُلَّ مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل بالمدينة بسبب سؤال أهل المدينة عمَّا عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمرُ العنب، فلو لم

стр. 978

تكن آيةُ تحريم الخمر شاملةً لِما عِندهم، لما كان فيها بيانٌ لِما سألوا عنه، ولكانَ محلُّ السبب خارجًا مِنْ عُموم الكلام، وهو ممتنع، ولمَّا نزل تحريمُ الخمر أراقوا ما عندهم من الأشربة، فدلَّ على أنهم فَهِمُوا أنَّه منَ الخمر المأمور باجتنابه. وفي "صحيح البخاري" (١) عن أنس قال: حُرمت علينا الخمرُ حين حرمت وما نَجِدُ خمرَ الأعناب الَّا قليلًا، وعامة خمرنا البسرُ والتمرُ. وعنه أنه قال: إنِّي لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسهيلَ بن بيضاءَ خليطَ بُسرٍ وتمرٍ إذ حَرُمَتِ الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم وأصغرُهم، وإنا نَعُدُّها يومئذ الخمر (٢). وفي "الصحيحين" عنه قال: ما كان لنا خمر غير فَضِيخِكُم هذا الذي تسمونه الفَضيخَ (٣). وفي "صحيح مسلم" (٤) عنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمرَ، وما بالمدينة شرابٌ يشرب الَّا من تمر. وفي "صحيح البخاري" (٥) عن ابن عمر، قال: نَزَلَ تحريمُ الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربةٍ ما منها شراب العنب. وفي "الصحيحين" عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: قام عمر على المنبرِ، فقال: أما بعدُ، نزل تحريمُ الخمرِ وهي من خمس: العنب والتمرِ والعسلِ

стр. 979

والحنطةِ والشعيرِ، والخمرُ: ما خامر العقل (١). وخرَّجه الإمامُ أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير، عن النبيِّ ﷺ (٢). وذكر الترمذي أن قولَ من قال: عن الشعبي عن ابن عمر، عن عمر أصح، وكذا قال ابنُ المديني. وروى أبو إسحاق عن أبي بُردة قال: قال عُمَرُ: ما خمرته فعتقته، فهو خمر، وأنَّى كانت لنا الخمر خمر العنب (٣). وفي "مسند" (٤) الإمام أحمد عن المختار بن فُلفل قال: سألت أنسَ بنَ مالك عن الشرب في الأوعية فقال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المزفتة وقال: "كُلُّ مسكر حرام" قلتُ له: صدقت السكر حرام، فالشربةُ والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليلُه وكثيرة حرامٌ وقال: الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فما خمرتَ من ذلك فهو الخمر، خرَّجه أحمد عن عبد الله بن إدريس: سمعتُ المختار بن فلفل يقول فذكره، وهذا إسنادٌ على شرط مسلم. وفي "صحيح مسلم" (٥)، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الخمرُ مِنْ هَاتَينِ الشَّجرتين: النخلة والعِنبة"، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر. وجاء التصريحُ بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما خرجه أبو داود، وابنُ

стр. 980

ماجه، والترمذي، وحسنه من حديث جابرٍ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما أسكرَ كَثيرُهُ فَقَليلُهُ حَرامٌ" (١). وخرَّج أبو داود، والترمذي، وحسنه من حديث عائشة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كُلُّ مُسكرٍ حَرَامٌ، وما أسكر الفَرْقُ، فملءُ الكَفِّ منه حَرام"، وفي رواية "الحسوة منه حرام" (٢)، وقد احتجَّ به أحمد، وذهب إليه. وسئل عمن قال: إنّه لا يصحُّ؟ فقال: هذا رجلٌ مُغْلٍ، يعني أنه قد غلا في مقالته. وقد خرَّج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ (٣)، وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ يطولُ ذكرُها. وروى ابنُ عجلان، عن عمرو بن شعيب، حدثني أبو وهب الجيشاني، عن وفد أهلِ اليمن أنهم قَدِموا على النبيِّ ﷺ ، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، قال: فسَمَّوا له البِتْعَ مِن العسَل، والمِزْرَ من الشعير، قال النبيُّ ﷺ : "هل تسكرون منها؟ " قالوا: إن أكثرنا سكِرنَا، قال: "فحرام قليل ما أسكر كثيره" خرَّجه القاضي إسماعيل (٤). وقد كانت الصحابةُ تحتجُّ بقول النبيِّ ﷺ : "كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ" على تحريم جميع أنواع المسكرات، ما كان موجودًا منها على عهد النبيِّ ﷺ وما حدثَ بعده، كما سُئِلَ ابن عباس عن الباذق، فقال: سبق محمَّدٌ الباذقَ، فما أسكر،

стр. 981

فهو حرام، خرَّجه البخاري (١)، يشير إلى أنَّه إن كان مسكرًا، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة. واعلم أن المسكرَ المزيل للعقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لَذَّةٌ وطربٌ، فهذا هو الخمر المحرَّم شربه، وفي "المسند" (٢) عن طلق الحنفيِّ أنَّه كان جالسًا عند النبيِّ ﷺ ، فقال له رجل: يا رسولَ الله، ما ترى في شراب نصنعُه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال ﷺ : "من سائلٌ عَنِ المسكر؟ فلا تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يُحلف به - لا يشربه رجلٌ ابتغاءَ لذَّة سُكره، فيسقيه الله الخمر يومَ القيامة". قال طائفة من العلماء: وسواءٌ كان هذا المسكرُ جامدًا أو مائعًا، وسواءٌ كان مطعومًا أو مشروبًا، وسواءٌ كان من حبٍّ أو ثمرٍ أو لبنٍ، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تُعمل من ورق القِنَّب، وغيرها ممَّا يُؤكَلُ لأجل لذّته وسكره، وفي "سنن أبي داود" (٣) من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كلِّ مُسكرٍ ومُفتِّرٍ" والمفتر: هو المخدر للجسد، وإن لم ينته إلى حدِّ الإسكار. والثاني: ما يُزيلُ العقلَ ويسكر، ولا لذَّة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه، فقال

стр. 982

أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالبُ منه السلامة جاز، وقد رُوي عن عُروة بن الزُّبير أنه لمَّا وقعت الأكِلَة في رجله، وأرادوا قطعَها، قال له الأطباء: نسقيك دواءً حتَّى يغيبَ عقلُك، ولا تُحِسَّ بألم القطع، فأبى، وقال: ما ظننتُ أن خلقًا يشربُ شرابًا يزولُ منه عقلُه حتَّى لا يعرف ربَّه (١). وروي عنه أنه قال: لا أشرب شيئًا يحولُ بيني وبين ذكر ربي . وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثرُ أصحابنا كالقاضي، وابنِ عقيل، وصاحب "المغني": إنَّه محرم، لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحرم كشرب المسكر، وروى حنش الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "مَنْ شرب شرابًا يَذهَبُ بعقلِه، فقد أتى بابًا مِن أبواب الكبائر" (٢). وقالت طائفة منهم ابنُ عقيل في "فنونه": لا يَحرُمُ ذلك؛ لأنَّه لا لذَّة فيه، والخمرُ إنَّما حرِّمت لِما فيها مِنَ الشِّدَّةِ المطرِبَة، ولا إطراب في البنج ونحوه ولا شدَّة. فعلى قولِ الأكثرين: لو تناول ذلك لِغير حاجة، وسكر به، فطلَّق، فحكمُ طلاقه حكمُ طلاق السَّكران، قاله أكثرُ أصحابنا كابن حامد والقاضي، وأصحاب الشافعي، وقالت الحنفية: لا يقعُ طلاقه، وعلَّلوا بأنَّه ليس فيه لذَّة، وهذا يدلُّ على أنَّهم لم يُحرِّموه. وقالت الشافعية: هو محرَّم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهرُ كلام أحمد أنه لا يقعُ طلاقُه بخلافِ السَّكران، وتأوله القاضي، وقال: إنَّما قال ذلك إلزامًا للحنفية، لا اعتقادًا له، وسياق كلامه محتمل لذلك.

стр. 983

وأمَّا الحدُّ، فإنما يجبُ بتناول ما فيه شِدَّة وطربٌ مِنَ المسكراتِ؛ لأنَّه هو الذي تدعو النفوس إليه، فجُعِلَ الحدُّ زاجرًا عنه. فأما ما فيه سكرٌ بغيرِ طربٍ ولا لذَّة، فليس فيه سوى التعزير، لأنه ليس في النفوس داع إليه حتَّى يحتاج إلى حدٍّ مقدَّر زاجرٍ عنه، فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثرُ العلماء الذين يرون تحريمِ قليلِ ما أسكر كثيرهُ يرون حدَّ مَنْ شربَ ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حِلَّه متأولًا، وهو قولُ الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي ثور، فإنَّه قال: لا يحدُّ لتأوُّله، فهو كالنَّاكح بلا وليٍّ. وفي حدِّ الناكح بلا وليٍّ بخلاف أيضًا، لكن الصحيح أنه لا يُحَدُّ، وقد فرَّق من فرَّق بينه وبين شرب النبيذ متاوِّلًا بأنَّ شرب النبيذ المختلف فيه داعٍ إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف الناكح بغير ولي، فإنَّه مغنٍ عن الزنى المجمع على تحريمه، وموجب للاستعفاف عنه. والمنصوصُ عن أحمد أنَّه إنَّما حدّ شارب النبيد متأوِّلًا، لأن تأويلَه ضعيف لا يُدرأُ عنه الحدُّ به، فإنه قال في رواية الأثرم: يُحدُّ من شرب النبيذ متأوِّلًا، ولو رُفِعَ إلى الإمام من طَلَّق البتة، ثم راجعها متأوِّلًا أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى أنَّها ثلاث لا يُفرق بينهما، وقال: هذا غيرُ ذاك، أمره بيِّنٌ في كتاب الله، وسنَّة نبيه ﷺ ، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ، وقال النبيّ ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمر"، فهذا بيَّن، وطلاق البتة إنَّما هو شيءٌ اختلفَ النَّاسُ فيه.

стр. 984

الحديث السابع والأربعون عَنِ المِقدامِ بن مَعدِ يَكرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللّهِ ﷺ يَقولُ: "ما مَلأ آدميُّ وِعاءً شَرًّا مَنْ بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدمَ أَكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالَةَ، فَثُلثٌ لِطعامِهِ، وثلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفسه" رواهُ الإمامُ أحمَدُ والتِّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ، وقَالَ التِّرمِذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). هذا الحديثُ خرَّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جدِّه، وخرّجه ابنُ ماجه من وجه آخر عنه وله طرق أخرى. وقد رُوي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث عبد الرحمن بن المُرَقَّع، قال: فتح رسولُ الله ﷺ خيبر وهي مخضرةٌ من الفواكه، فواقع الناسُ الفاكهةَ، فمغثتهمُ الحُمَّى، فشَكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما الحمى رائدُ الموت وسجنُ الله في

стр. 985

الأرض، وهي قطعةٌ من النار، فإذا أخذتكم فبرِّدوا الماء في الشِّنان، فصبُّوها عليكم بين الصَّلاتين" يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "لم يخلُقِ الله وعاءً إذا مُلِئَ شرًا من بطن، فإن كان لا بدَّ، فاجعلوا ثُلُثًا للطَّعام، وثُلثًا للشَّراب، وثُلثًا للرِّيح" (١). وهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كُلِّها. وقد رُوي أن ابنَ ماسويه الطبيبَ لمَّا قرأ هذا الحديث في "كتاب" أبي خيثمة، قال: لو استعملَ الناسُ هذه الكلمات، سَلِموا مِنَ الأمراض والأسقام، ولتعطَّلت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كلِّ داء التُّخَم، كما قال بعضهم: أصلُ كُلِّ داء البَرَدةُ (٢)، وروي مرفوعًا ولا يصحُّ رفعه (٣). وقال الحارث بن كَلَدَة طبيبُ العرب: الحِمية رأسُ الدواء، والبِطنةُ رأسُ
следующие страницы →