← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4270

فدائيون من عصر الرسول

أحمد الجدع

Полный текст (161 стр.). Показаны 141–161 · переход к 146.

стр. 141

استطاعوا أن يركبوا الريح أو أن تكون لهم اجنحة يطيرون بها الى الأحبة محمد وصحبه. وعثر الوليد في سيره فدميت اصبعه، فلم يبال بما أصابها، وقال: ما انت الا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ووصل ركب الثلاثة إلى المدينة، ودخلوا مسجد الرسول – ﷺ – وكان لقاء. الوليد وإسلام أخيه خالد: عندما اعتمر رسول الله – ﷺ – عمرة القضية ضاقت نفس خالد، فخرج من مكة حتى لا يرى مواكب المسلمين وهي تطوف حول الكعبة، وحتى لا يسمعها وهي ترفع أصواتها بالتهليل والتكبير. وعندما اجتمعت قوافل الإسلام حول الكعبة التفت رسول الله – ﷺ – الى الوليد بن الوليد أخي خالد وقال له: أين خالد؟ قال الوليد: يأتي به الله يا رسول الله. قال – ﵇ –: ما مثل خالد من جُهّل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجدّه مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدمناه على غيره. وأسرع الوليد فكتب بما قاله رسول الله – ﷺ – إلى أخيه خالد، ورغّبه في الإسلام، ودعاه لمقابلة الرسول والاستماع إليه، فكان ذلك أول دخول الإسلام إلى قلب البطل المخزومي، وسرعان ما حزم امره وشد رحاله إلى مدينة الرسول وانضم إلى موكب النور الإلهي. .

стр. 142

مرض الوليد وموته: ومرض الوليد بن الوليد بن المغيرة مرضاً شديداً، وأحس بدبيب الموت يسري في جسده، وعاده رسول الله – ﷺ – فقال له الوليد: يا رسول الله، حُسِرت، وأنا ميت، فكفني في فضل ثوبك واجعله مما يلي جلدك. . ومات الوليد من ليلته، وكفنه رسول الله – ﷺ – في قميصه. ودخل رسول الله على أم المؤمنين أم سلمة، وهي ابنة عم الوليد، فنعاه إليها. قالت أم سلمة – ﵂ –: جزعت حين مات الوليد بن الوليد جزعاً لم أجزعه على ميت، فقلت: لأبكين عليه بكاء تحدث به نساء الأوس والخزرج، وقلت: غريب توفي في بلاد غربة، فاستأذنت رسول الله – ﷺ – فأذن لي بالبكاء، فأنشأت أقول: يا عين فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرة قد كان غيثاً في السنين، ورحمه فينا منيرة ضخم الدسيعة ماجداً، يسمو إلى طلب الوتيرة مثل الوليد بن الوليد ابي الوليد كفى العشيرة فلما سمعها رسول الله – ﵇ – قال لها: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. وتجمعت نساء الأنصار في بيت أم سلمة، وأخذن في البكاء على الوليد، ولما ارتفعت أصواتهن ووصلت الى مسامع الرسول – ﷺ – قال لمن حوله من الصحابة: ما اتخذوا الوليد الا حنانا. ﵁ الوليد بن الوليد بن المغيرة ومن دخل الإسلام من ذويه بني مخزوم. . . "

стр. 143

إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي " حديث شريف

стр. 144

عمير بن عدي الخطمي إيمان الأنصار عندما أكرم الله أهل يثرب بأن فتح قلوبهم للإيمان آمن بالدعوة نفر منهم فازوا بقصب السبق على من سواهم من قومهم، وكان المؤمنون من كل فخذ من افخاذ قبيلتي الأنصار؛ الأوس والخزرج، يجاهدون جهاد الأبطال في الدعوة الى الإسلام بين ذويهم، وكان بنو خطمة من اكبر أفخاذ الأوس، اسلم منها رجلان، اسبقهم إسلاماً عمير بن عدي ثم تبعه خزيمة بن ثابت، وأخذ هذان الصحابيان الجليلان على عاتقهما دعوة بني خطمة الى الإسلام. ذو الشهادتين ! كان خزيمة بن ثابت مبصراً، أما عمير بن عدي فقد كان كفيف البصر، وكان لكلا الرجلين جهاده في الدعوة الى الله، وعلى الرغم مما ابتلي به عمير من كف البصر إلا أن هذا الابتلاء لم يمنعه عن القيام بواجبه نحو دينه. . وكان مما قام به في سبيل الله عملية فدائية نالت رضى رسول الله – ﷺ – واعجاب اصحابه رضوان الله عليهم. أما اخوه في الدم والعقيدة خزيمة بن ثابت فقد حاز لقباً جليلاً فدعي بذي الشهادتين وذلك لأن رسول الله – ﷺ – جعل شهادته بشهادة رجلين اثنين، أما كيف كان ذلك، فهذا تفصيل له:

стр. 145

ابتاع رسول الله – ﷺ – فرساً من اعرابي، ولما ذهب ليعطيه ثمنه كان ناس قد ساوموه عليه فزادوا على سوم رسول الله – ﵇ –، فلما جاء الرسول الأعرابي، قال الأعرابي: اذا كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقال النبي – ﷺ –: ألست ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه! فقال – ﷺ –: بل قد ابتعتُه منك. فاجتمع الناس على رسول الله – ﷺ – وعلى الأعرابي وهما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بعتك! فقال المسلمون للأعرابي: ويحك، أن رسول الله – ﷺ – لم يكن ليقول الا حقا. وبقي الناس في أخذ ورد مع البدوي حتى جاء خزيمة بن ثابت واستمع إلى تراجع رسول الله والأعرابي، والأعرابي يقول لرسول الله: هلم شهيداً أني بايعتك. فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله، صلى الله عليك. فقال رسول الله – ﷺ : يا خزيمة. بم تشهد ولم تكن معنا؟ قال خزيمة: يا رسول الله، انا أصدقك بخبر السماء ولا أصدقك بما تقول؟ وعندئذ جعل رسول الله – ﷺ – شهادته بشهادة رجلين، ودُعي من يومئذ بذي الشهادتين.

стр. 146

تحطيم أصنام بني خطمة لم يستطع عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت الخطميان أن يصبرا على رؤية قومهما وهم يسجدون للأصنام، فأخذا يغيران عليها سراً ويحطمانها لعل بصائر القوم تتفتح على الحقيقة، ولعلهم حين يدركون أن هذه الأصنام لا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضراً فضلاً عن أن تدفع عن غيرها كما يظنون تنجاب عن أعينهم الغشاوة فيهتدون للنور الذي ما زالوا عنه معرضين. . . ولكن قومهم تمادوا في غيهم، وأصروا على ضلالهم، وتمسكوا بأصنامهم، بل ان الاعتداء على الأصنام لم يزدهم إلا اعراضاً عن الاسلام، فكان هذا الحال الذي أصر عليه بنو خطمة يحزن عميرً وخزيمة اللذين كانا يحبان لقومهما الخير ويسعيان في تقريبهم منه.. وتمادى بنو خطمة في عدائهم لله ورسوله، وظهر فيهم رجال ونساء جاهروا بهذا العداء وذهبوا فيه كل مذهب. . . معركة بدر تخرج أضغان المشركين كانت معركة بدر حافزاً للمشركين ليكشفوا عن مشاعرهم ويخرجوا أضغانهم، فعندما وردت الأنباء بالنصر المبين لجبهة المسلمين نزلت بالمشركين النوازل، فباحوا بما في صدورهم من غل وحقد على الاسلام ونبيه واتباعه، وراحوا يسخرون من انتصار المسلمين واخذوا يهزؤون ببطولاتهم. وكان من أكثر الناس ضيقاً بهذا النصر الإلهي في بدر قوم عمير بن عدي بنو خطمة، وكان من أشد بني خطمة ضيقاً بهذا النصر امرأة رجل منهم يقال لها عصماء بنت مروان، فقد جاهرت في العداء، ولجت

стр. 147

بالخصومة، وبالغت بالكيد للاسلام وأهله، وكان أخطر أسلحتها هذه الأشعار التي تنظمها في ذم المسلمين والتحريض عليهم، وكان الشعر في ذلك العهد من اخطر الأسلحة التي يشهرها الناس في وجوه خصومهم، وكانت هذه المرأة تنفث اشعارها فتثير الناس على المسلمين، وكان مما قالته في رسول الله – ﷺ –: أطلعتم أتاوي من غيركم ... فلا من كراد ولا ملحج ترجونه بعد قتل الرؤوس ... كما يرتجى مرق المنضج ألا أنف يبتغي غرة ... فيقطع من امل المُرْتجى ولما سمع عمير بن عدي هذا الشعر الذي تعرض فيه عصماء برسول الله وتحرض على قتله، أثاره أن يكون هذا التعريض وذلك التحريض من قومه، فقرر بينه وبين نفسه أن يخلص المسلمين من مشركة بني خطمة، وقال لنفسه: لئن رد الله ورسوله سالماً من بدر لاقتلنها. وعندما عاد رسول الله – ﷺ – من بدر، وسمع شعر عصماء، خشي مغبته على المسلمين، فالتفت الى اصحابه وقال لهم: ألا آخذ لي من ابنة مروان؟ وزادت كلمات رسول الله عزم عدي على قتلها، وصمم على المبادرة بذلك حتى لا يزداد اذاها للمسلمين، وحتى لا تنتشر اشعارها فتقوي من عزم المشركين. . .

стр. 148

عمير يقتل عصماء: كان عمير كفيف البصر. . . ولكنه كان نافذ البصيرة، رتب أموره جيداً، فأتى بيت عصماء وقد هجع قومها وناموا، فدنا من البيت فاذا هي نائمة في الفناء وحولها بنوها، وكانوا ذوي عدد، فتحسسهم حتى عرفها من بينهم، فأغمد فيها سيفه حتى أنفذه من ظهرها، وخرج مسرعاً قبل أن يتنبه إليه بنوها فيلحقوا به. . . وأفاق ابناء عصماء فوجدوا أمهم سابحة في دمائها، فاضطربوا لهذا الذي رأوه، وساد البيت الهرج والمرج، ووصل الخبر إلى كل بيت من بيوت خطمة، فاجتمعوا حول بيتها، وكلهم يسأل: من قتل عصماء؟ وتسابق الجميع في اطلاق التهديد والوعيد، وتمنوا لو عرفوا قاتلها حتى يثأروا منه ويلحقوه بها. نصرت الله ورسوله يا عمير لم يغمض لعمير جفن بعد تنفيذه لعمليته الفدائية، فقد قتل امرأة عزيزة الجانب يحيط بها عدد من الأبناء الشجعان، كما يغضب لها قومها من بني خطمة وهم ذوو عَدَد وعُدة وذوو شجاعة ونجدة، وبقي ساهرا حتى ارتفع صوت بلال بالنداء للصلاة، فخف إلى مسجد الرسول ليبلغه ويبشره بالخلاص من مشركة بني خطمة التي كانت تؤلب على الاسلام ونبيه. وأدى عمير صلاة الصبح خلف سيد المرسلين، وعندما سلم الرسول من الصلاة، التفت إلى عمير وفاجأه بقوله: اقتلت ابنة مروان؟ قال عمير: نعم يا رسول الله. قال – ﵇ –: نصرت الله ورسوله يا عمير.

стр. 149

لا ينتطح فيها عنزان (١) اطمأن عمير على رضا رسول الله لما فعل، وأحب أن يعرف صدى ونتائج قتل هذه المرأة الضالة، فالتفت إلى رسول الله – ﷺ – وقال: هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال رسول الله – ﷺ : لا ينتطح فيها عنزان. كان عمير يظن أن عصماء هذه ذات منعة وقوة في بنيها وقومها، وانهم لا بد ثائرون بقاتلها، ولم يكن يتصور أن قلوبهم هواء، وأنهم سوف يجبنون هذا الجين الذي يخزي ويذل، ولكنه الاسلام الذي ينزل الرعب بأفئدة من عاداه وينزل السكينة على قلوب من والاه، وادرك عمير أن امر عصماء بنت مروان تافه، ولن يكون له عواقب، فقد كان تعبير رسول الله – ﷺ – عن ذلك من جوامع الكلم التي اختص بها – ﵇ –. . . نعم لا ينتطح في أمر هذه المرأة المشركة عنزان! البصير. . ناصر الرسول تحلق المهاجرون والأنصار حول عمير بن عدي وكلهم يسأله: كيف قتلت عدوة الله؟ وعمير يشرح لهم كيف تمكن منها حتى خلص المسلمين من شرها. والتفت رسول الله – ﷺ – إلى أصحابه وقال لهم: اذا أحببتم أن تنظروا الى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي. وعندئذ شاع في الحاضرين جو من البهجة والسرور، فقد غدا أخوهم ناصر الله وناصر رسوله، وهذا شرف يتمنى كل منهم لو سمع رسول الله يصفه به، بل ان كثيرا من الصحابة تمنى لو تتاح له فرصة

стр. 150

كالتي أتيحت لعمير حتى يكتسب شرفاً كهذا الذي فاز به عمير، وحتى يحصل على وسام من هذه الاوسمة التي يزين بها ابطال الاسلام تاريخهم ويخلدون بها اسماءهم. . ان اوسمة الرسول هي تلك الألقاب التي يطلقها على اصحابه كلما امتاز أحدهم بعمل يؤهله لها. وحاز عمير على اعجاب الصحابة مهاجريهم وانصارهم، وكان من أشد الصحابة اعجابا بعمير وعمله عمر بن الخطاب – ﵁ – فقال لمن حوله: انظروا الى هذا الأعمى الذي تشرى في طاعة الله تعالى. فنظر الرسول – ﷺ إلى عمر وقال له: لا تقل الأعمى. . ولكنه البصير. فكيدوني جميعاً ملأ قلب عمير شعور بالأمان، ألم يقل له رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى: لا ينتطح فيها عنزان؟ لذا فقد خرج من مسجد رسول الله وتوجه إلى منازل بني خطمة حيث يتجمع الخطميون للتشاور في أمر ابنة مروان، انهم يعلمون أن قاتلها منهم، فما كان لرجل من غيرهم أن يدخل عليهم ليلا دون أن يحس به أحد، اذن فالقاتل لا بد أن يكون واحدا من اثنين، عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت، فهما اللذان خالفا بني خطمة ودخلا في دين محمد. . . وعندما طلع عليهم عمير بن عدي نظروا اليه بعيون الريبة وقالوا له: أنت قتلتها يا عمير؟ والتفت اليهم عمير باستخفاف وقال لهم بعزة وتحد: نعم أنا قتلتها، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. وبُهت الذين كفروا، وداخلهم الرعب، فلم ينبسوا ببنت ششفة.

стр. 151

عندئذ قال لهم عمير: يا بني خطمة، والذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو اقتلكم. وران الصمت على المكان. . ولم يجرؤ أحد أن يرد على عمير قوله. . . وانصرف عمير الى اخوانه من المسلمين، أما بنو خطمة فقد انصرفوا إلى قتيلتهم فحملوها الى حيث أهالوا عليها التراب. شاعر الرسول يمدح عميراً وطار حديث عمير وبطولته في الآفاق، وأصبح قتله لعدوة الإسلام حديث المجالس في يثرب، وغدا موقف بنيها وقومها مثار السخرية والهزء، وكان لحديث عمير مع عصماء في شعر حسان نصيب، فقال يتندر بأعداء الله ويمدح عميراً (١) : بنو وائل وبنو واقف وخطمة دون بني الخزرج متى ما دعت أختكم ويحها بصولتها والمنايا تجي فهزت فتى ماجداً عرقه كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدما قبيل الصباح ولم يحرج (٢) فأوردك الله برد الجنان جذلان في نعمة المولج دخول النور إلى قلوب بني خطمة لما رأى المترددون من بني خطمة عز الإسلام ومنعته، كفوا عن ترددهم، ودخلوا في دين الله، فأي بركة كانت لهذا البصير. . لقد

стр. 152

خلصه الإسلام من عدوة حاقدة، وهدى بقتلها الى الإسلام جمعاً من قومه. . . وفشا الإسلام في بني خطمة حتى أصبح المسلمون اغلبهم، وحتى غدا المشركون منهم يتسترون بالنفاق! قارىء بني خطمة وإمامهم كان عمير حريصاً على حفظ القرآن، ندي الصوت بتلاوته، وكان قومه يحبون الاستماع إليه، فغدا قارئهم الذي يحفظون عنه آيات الكتاب الكريم، وجعله رسول الله – ﷺ – امامهم للصلاة، يؤمهم في مسجدهم الذي أقاموه في حيهم. مرض عمير ووفاته مرض عمير على عهد رسول الله – ﷺ – واشتد عليه المرض، فقال رسول الله لأصحابه: انطلقوا بنا الى البصير الذي في بني واقف نعوده. ونهض الصحابة مع رسول الله – ﵇ – ودخلوا على عمير، فسر برسول الله وبهم، وارتاح فؤاده للعيادة الكريمة واطمأنت نفسه، فعيادة رسول الله له في بيته دليل على رضاه عنه. . . وانتقلت روح عمير بن عدي البصير. ناصر الله وناصر رسوله الى بارئها راضية مرضية، وبقي ذكر عمير بين الصحابة فوّاحاً العبير، واستمرت سيرته عبر القرون تنبينا عن رجل صدق الله إيمانه فرضى عنه وارضى عنه المسلمين جميعاً.

стр. 153

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) . الآيتان ٩١، ٩٢ من سورة التوبة

стр. 154

سالم بن عمير مؤمنون وكافرون عندما أشرقت شمس الإسلام بنورها على يثرب اضاءت قلوبا وغمرتها بالايمان وعشت عن نورها أعين فاسودت منها القلوب وأظلمت منها العقول فازورت عن الايمان وبرمت بالمؤمنين وناصبتهم العداء. وقد أصابت هذه الحال بعضاً من قبائل الأنصار، فكان منهم المؤمنون المخلصون في ايمانهم المضحّون في سبيل إسلامهم، وكان منهم الكافرون المتامدون في ضلالهم المبالغون في عدائهم. ومن قبائل الأنصار التي انقسمت بين الفريقين قبيلة من الأوس هم بنو عمرو بن عوف، فكان من مؤمنيهم الصادقين سالم بن عمير، وكان من كافريهم الحاقدين رجل من سراتهم يدعى أبو عفك. أبو عفك. . اليهودي كان أبو عفك عربيا من بني عمرو بن عوف تأثر بجوار اليهود للأوس في يثرب فآمن باليهودية ودان بها وتعصب لها.

стр. 155

وعندما وصل الرسول – ﷺ – إلى يثرب ناصبه يهود العداء لأنهم رفضوا أن يكون النبي الخاتم من غيرهم، وهم من قبل رفضوا أن يؤمنوا بأي نبي من غير بني إسرائيل. كان عداء اليهود للنبي ودينه يتقلب بين السر والعلن، فهم تارة يُسرون بهذا العداء ويكتمونه، وتارة أخرى يجهرون به ويعلنونه، وكان من بينهم نفر أبوا أن يسروا عداءهم، فأعلنوه وجاهروا به وبالغوا فيه، وكان هؤلاء النفر من العرب الذين دانوا باليهودية وآمنوا بها، وعلى رأس هؤلاء كان أبو عفك ومثله كان كعب بن الأشرف، فأبو عفك أوسي وكعب بن الأشرف طائي! كان الموقف المنطقي لليهود أن يؤمنوا بالرسول – ﷺ – وهو مكتوب عندهم في التوراة. . وكان الموقف المنطقي لهم اذ لم يؤمنوا أن يكونوا للنبي حلفاء، فهم أهل كتاب والرسول صاحب كتاب. . . وكان الموقف المنطقي لهم، إذ لم يفعلوا هذا أو ذاك أن يحفظوا حق الجوار، فالرسول – ﷺ – جار لهم في المدينة، وكان ﵊ خير من حفظ الجوار ورعاه. ولكن اليهود، كعادتهم، لم يكونوا منطقيين مع أنفسهم أو مع الأحداث التي تدور من حولهم، فقد انكروا رسالة الرسول، وحالفوا المشركين ضد الموحدين، واختاروا الوقوف إل جانب مشركي مكة، على بعد الشقة بينها وبين المدينة، ضد من جاورهم من المسلمين في يثرب.

стр. 156

اشتعال الأحقاد بعد بدر وعندما انتصر المسلمون في بدر، ووصل البشير بأخبار النصر المبين إلى يثرب لم يصدق اليهود النبأ أو لم يريدوا أن يصدقوه، فقد كانوا يعتبرون انتصار الاسلام هزيمة لهم وإضعافا لمكانتهم في المدينة، لذا وقفوا من النصر مواقف متباينة كلها تدل على حقدهم الدفين للاسلام والمسلمين، فقد كانوا بين مشكك في النصر وبين هازيء به وبين مهدد بالانتقام لقتلى المشركين من قريش. وشرعوا في إيذاء المسلمين، ولم يكفوا عن الايذاء حتى بعد عودة الرسول الى المدينة يقود خلفه سبعين من الاسرى المقرنين بالحبال والأصفاد، بل ان ذلك زاد في احقادهم، فزادوا لذلك في ايذائهم. . . وتولى كبر المجاهرة بالعداء نفر من العرب المتهودين على رأسهم أبو عفك الأوسي. ولم يمنع ما بلغه أبو عفك من سنٍّ أربت على المائة، وقيل أنها بلغت مائة وعشرين، من التصدي للاسلام وأهله، فراح يذمهم في مجلسه، واجتهد في الصد عن الاسلام وبالغ في هذا الاجتهاد، وكان من أشد وسائله خطراً هذه القصائد التي أخذ يقولها في ذم الرسول ورسالته والمؤمنين ودعوتهم، وكان مما قاله في ذلك مخاطباً المسلمين من قومه الأوس: لقد عشتُ حيناً وما إن أرى ... من الناس داراً ولا مجمعا أجسم عقولاً وآتي الى ... منيب سراعاً إذا ما دعا فسلبهم أمرهم راكب ... حراماً حلالاً لشتى معا فلو كان بالملك صدقتم ... وبالنصر تابعتم تُبّعا

стр. 157

سالم بن عمير يقتل أبا عفك ساء سالم بن عمير ما كان يسمعه من أبي عفك من سب المسلمين والسخرية بهم، وساءه أكثر من ذلك ما سمعه من أشعار أبي عفك في ذم المسلمين ودعوة الناس للتخلي عن الاسلام والرسول، وخشي من تأثير أبي عفك على قومه، فقد كان فيهم سيدا وكان للشعر عليهم سلطان. . . وفكر سالم في طريقة يقطع بها لسان هذا الرجل الحاقد، وطاف فكره يبحث فيما فعله رسول الله في امثال هذا الرجل، فوجد أن رسول الله لم يكن يسكت عن هؤلاء الشعراء الذين يُشهرون بالدعوة وبالدعاة بشعرهم، وتذكر ما كان يطلبه رسول الله من أصحابه عندما يبلغه أذاهم بهذا الشعر الذي ينمقونه فيزينون به الكفر ويبغضون به الايمان الى الناس، فقد كان الرسول يلتفت إلى اصحابه ويقول لهم: من لي بفلان؟ فيفهم الصحابة ان الرسول يريد قتله فينتدب لذلك واحد من الصحابة وينزل بالمعتدي بشعره على الاسلام وأهله العقاب الذي قرره الرسول. . قطع لسانه يقطع عنقه إذن فالعقاب الذي يستحقه أبو عفك هو الموت وقرر سالم في نفسه أن يقترب الى الله بدم هذا الكافر، وقال: عليّ نذر أن اقتل ابا عفك أو أموت دونه. وتربص سالم بأبي عفك يريد أن يقتنص منه غره، فقد كان الرجل منيعاً في قومه لا يوصل إليه، وكان الجانب الضعيف فيه انه كان مغتراً بنفسه وبمنعته، يظن أن أحداً من المسلمين لا يجرؤ على الاقتراب منه فضلاً عن قتله، فساقه غروره هذا لأن ينام ذات ليلة صائفة بفناء منزله، وكانت هذه فرصة سالم فاقتنصها، لقد امهل عدو الله حتى استغرق في نومه، ثم تقدم منه حتى إذا كان على رأسه وضع السيف في كبده ثم اتكأ عليه حتى انفذه. . .

стр. 158

ودوّى صراخ عدو الله من ألم الطعنة وهول الصدمة. . . فانطلق سالم مبتعداً عنه بينما هرع إليه نفر من قومه منجدين، فما أدركوه الا جثة هامدة. . . والتف القوم حول الرجل الهالك، ونظر كل منهم الى الآخر كأنما يسأل ما العمل؟ وطال حديث العيون وصمت الألسنة الى أن قال واحد منهم: من قتل أبا عفك؟ ولما لم يتلق جواباً من أحد قال: والله لو نعلم من قتله لقتلناه به. . . وسمعت قالة الرجل المتوعد امرأة مسلمة كانت تقف معهم وتنظر الى عدو الله السابح بدمه، فردت على المتوعد ساخرة بوعيده. . . لقد كان يعلم أن قاتله من المسلمين ولكنه يجبن عنه وعن التصدي له، فقالت تخاطب المتوعد بمخاطبة القتيل: حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك، خذها على كبر السن! وعلم الناس أن سالم بن عمير قد قتل أبا عفك، فسر ذلك المسلمين وحفظوه له، وساء ذلك المشركين والمنافقين واليهود وودوا لو قتلوه به، ولكن الخوف من المسلمين كان قد تمكن من قلوبهم والهيبة منهم كانت قد ملأت عيونهم. . . فتركوه يمشي بينهم يزيد في غيظهم فتغلي أحقادهم في صدورهم. سالم المجاهد تمكن الايمان من قلب سالم بن عمير فأحب الجهاد في سبيل الله، وكذلك هو الايمان اذا تمكن من قلب حبب اليه الجهاد في سبيل الله، فكان حريصاً على أن يكون الى جانب رسول الله في كل غزاة بغزوها ومعركة يخوضها، فحضر بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها. . .

стр. 159

كان سالم بن عمير فقير المال غني القلب بالايمان، فكان مما يجلب الهم الى قبه كلما دعا الداعي لغزاة في سبيل الله خشيته أن لا يتمكن من تجهيز نفسه بالسلاح والركوبة، فقد كان المسلمون على عهد رسول الله يجهر الرجل نفسه بأدوات القتال، ولكنه في كل غزاة كان يتدبر أمره، فما من غزاة غزاها الرسول الا كان سالم من بين رجالها حتى كانت غزوة تبوك، فقد أمر رسول الله ﷺ المسلمين بالتجهز لغزو الروم، وقد كانت هذه الغزاة في عام جدب وحر، كما كانت المسافة بين المدينة وتخوم الروم بعيدة تحتاج إلى إعداد وعدة في السلاح والزاد والركاب، واين لسالم بن عمير وفقراء المسلمين من مال يجهزون به انفسهم لهذه الغزاة؟ . وكبر الأمر على سالم، كيف يغزو رسول الله غزاة لا يشارك فيها؟ وحاول أن يتدبر امره فلم يستطع، وشكا أمره الى بعض المسلمين من امثاله فوجدهم مثله في هم كبير، فاستقر رأيهم على أن يذهبوا لرسول الله يطلبون منه العون في ذلك. . . سالم وصحبه البكاؤون وجاؤوا رسول الله يبكون. . . يا رسول الله لا نجد مالاً نجهز به أنفسنا، فاحملنا يا رسول الله على ركوبة من عندك. . . ولم يكن عند رسول الله ما يحملهم عليه، فردهم بما عرف عنه من لطف ولين وحنان، فانصرفوا من عنده باكين على ما سوف يفوتهم من فضل الجهاد في هذه الغزاة ... وسمع المسلمون بقصة هؤلاء النفر الذين بكوا بين يدي الرسول طالبين منه أن يعينهم ليتمكنوا من المشاركة في الجهاد، واعتذار

стр. 160

رسول الله لهم لضيق ذات يده. . . فأسرع المحسنون منهم فأعانوهم. . . كانوا سبعة نفر، حمل اثنين منهم يامين بن عمير، وحمل اثنين آخرين العباس بن عبد المطلب، وحمل الثلاثة الباقين عثمان بن عفان. . . ولا تسل عن فرحة سالم بن عمير وعن غبطته وسروره، فقد يسر الله له طريقاً الى الجهاد، ولم تكن نفس عمير تسر لشيء سرورها للجهاد في سبيل الله. وخلد القرآن سالم بن عمير وصحبه في كتابه العزيز، فقال جل من قائل: " لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ " (١) وبتخليد القرآن الكريم لهؤلاء النفر من المسلمين المخلصين خلدهم اخوانهم من المسلمين، فأطلقوا عليهم لقب البكائين، وأصبحوا يعرفون به منذ ذلك الحين الى يومنا هذا وسوف يعرفون به الى يوم الدين.

стр. 161

على الدرب. . . وانتقل الرسول ﷺ الى الرفيق الأعلى، وانتقلت الخلافة الى الراشدين من بعده، واستمرت مسيرة الجهاد المباركة، فشارك فيها سالم بن عمير، ففتح المسلمون المشارق والمغارب، وسالم لا تفتر له همة في الجهاد في سبيل الله. . . وطال العمر بالمجاهد في سبيل الله، سالم بن عمير، حتى ادرك شطراً من خلافة معاوية، وبعد أن سطر صفحات بيضاء في كتاب الجهاد الاسلامي انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً. . .