← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4270

فدائيون من عصر الرسول

أحمد الجدع

Полный текст (161 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أخبره عمر بما فعله بالعامريين، فقال رسول الله – ﵇ –: " بئس ما صعنت! قد كان لهما مني أمان، لأدينّهما ". * * أبو سفيان يحاول اغتيال الرسول: كان أبو سفيان بن حرب من أكبر أعداء الإسلام، وله في حرب الإسلام وأهله مواقف كثيرة، منها أنه كان واحداً من أبرز زعماء قريش الذين حرضوا على الاسلام ورسوله في مكة قبل الهجرة، وحاول أن يفتري على رسول الله ﷺ عند قيصر الروم، وبعد معركة بدر الكبرى تولى القيادة السياسية والعسكرية لقيش، فجيش الجيوش لحرب الاسلام وحرض القبائل على قتال المسلمين، وعقد الأحلاف مع يهود لحرب الرسول – ﵇ – وقاد معركة أحد ومثل فيها بشهداء المسلمين، وقاد معركة الخندق بعد أن حشد لحرب الإسلام عشرة آلاف مقاتل، ووقف موقفاً مزرياً عندما حرض على قتل أسرى المسلمين خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، ودبّر مؤامرة فاشلة لقتل الرسول غيلة، فقد روي أنه وقف في جمع من قريش وقال: يا معشر قريش ألا أحد يغتال ممحداً، فإنه يمشي في الأسواق؟ فقام رجل أعرابي فقال: لقد وجدت أجمع الرجال

стр. 107

قلباً وأشده بطشاً وأسرعه شداً! فإن أنت أعنتني خرجت اليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، أذهب إليه وحدي، فإني هاد بالطريق خرّبت! قال أبو سفيان: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيراً ونفقة وقال له: اطوِ أمرك. وخرج الأعرابي يسير ليله ويكن نهاره حتى أتى المدينة، فسأل عن رسول ﷺ فدلوه على المسجد، فلما أقبل على رسول الله قال: " إن هذا ليريد غدراً ". فقام إليه أسيد بن الخضير فيجذبه جذبة أطاحت الخنجر من بين ثيابه، فصاح الرجل: دمي، دمي! فقال الرسول ﷺ " اصدقني من أنت ". قال الأعرابي: وأنا آمن؟ قال ﵇: " نعم ". فأخبره أنه صنيعة أبي سفيان بن حرب وأنه أرسله لقتله وأعطاه على ذلك مالاً. فأبو سفيان بن حرب كان الزعيم الذي تطيعه قريش وتجتمع حوله القبائل، وله نشاط فعال في حرب الدعوة الاسلامية والتحريض عليها، وقد ولع في دماء المسلمين وتمادى في كل ذلك، فمن الحكمة أن يتخلص منه المسلمون لعل قريشاًً لا تجد من تجتمع عليه لحرب المسلمين بعده.

стр. 108

محاولة قتل أبي سفيان: أرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم، وأمرهما أن يذهبا إلى مكة لقتل أبي سفيان، وقال لهما: " إن أصبتما منه غرة فاقتلاه ". خرج الصحابيان الفدائيان من المدينة إلى هدفهما بمكة، ومعهما بعير واحد، وسارا يستخفيان حتى وصلا جبل يأجج بمكة، فحبسا بعيرهما في شعب الجبل، وانتظرا إلى أن خيم الليل بظلامه على الكون فقاما إلى هدفهما، وخطرت فكرة لسلمة فقال: يا أبا أمية، لقد وصلنا مكة، ألا نبدأ فنطوف بالكعب ونصلي ركعتين؟ قال عمرو: لقد جئنا في مهمة يجب أن نقدمها، وأنا أعرف أهل مكة، إنهم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فأخشى إن بدأنا بالطواف أن يرانا القوم، وكلهم يعرفني، فنفشل فيما جئنا له. وما زال سلمة بعمرو حتى وافقه، فدخلا مكة وطافا بالكعبة وصليا ركعتين، ثم انطلقا إلى هدفهما، أبي سفيان بن حرب. وبينما كان عمرو وصاحبه يمشيان في طرقات مكة نظر اليهما رجل من أهلها فعرف عمرو بن أمية، وقد كان فيها معروفاً، فصاح الرجل: من؟ عمرو بن أمية بمكة؟ والله إن قدمها إلا لشر! يا معشر قريش عليكم بالرجل قبل أن يفلت! .

стр. 109

ودبت الحركة في طرقات مكة، وتنادى القوم للحاق بالفدائيين، فقال عمرو لصاحبه: النجاه، النجاه. وخرجا يشتدان، وأهل مكة في أثرهما، ولكنهما فاتاهم بمسافة، فوصلا رأس الجبل، ودخلا كهفاً فيه، وسدّا مدخله بالحجارة. ولما رأى المكيون أن الصحابيين قد أفلتا وأن الليل قد أخفاهما، عادوا أدراجهم وهم يتحدثون عن جرأة عمرو ويتساءلون عن الهدف الذي قدم إلى مكة من أجله! وبات الصحابيان ليلتهما في الغار، فلما أصبحا وهمّا بالخروج شاهدا رجلاً من قريش على فرس له، فخشي عمرو أن يراهما فينذر أهل مكة، فخرج إليه خلسة واستل خنجره وأغمده في قلبه وعاد إلى الكهف، فصاح الرجل صيحة أسمعت من بمكة، فاشتدوا نحو الصوت، فوصلوا الرجل وبه رمق. فقالوا: من قتلك؟ قال: عمرو بن أمية. قالوا: وأين ذهب؟ فرفع الرجل رأسه قليلاً، وفتح شفتيه ليتكلم ولكنه لفظ أنفاسه قبل أن ينطق، فاحتمله القوم وعادوا به إلى مكة.

стр. 110

محاولة إنقاذ جثة خبيب: أما الفدائيان ﵄، فكانا في الغار يومين حتى خف عنهما الطلب، فخرجا يريدان المدينة، فمرا بتنظر ذاب له قلباهما أسى ولوعة. . خبيب بن عدي – ﵁ – مصلوب على خشبة وحوله رجال يوقدون نيرانهم ويسهرون على حراسته. فقال عمرو لسلمة: هل لك في أن نأخذ خبيباً ونعود به إلى المدينة؟ قال سلمة: نعم. قال عمرو: انتظر حتى أغافل القوم وأنتزع الجثة. وتسلل عمرو نحو الخشبة، وانتزع عنها جثة خبيب، واشتد مسرعاً، ,ولحق به سلمة يعينه، ولكن الحرس أحسوا بهما، فأسرعوا خلفهما بسيوفهم، ولما رأى عمرو أنهما أدركا، ألقى بالجثة وصاح بسلمة: النجاه النجاة حتى تأتي البعير فتركبه فإني سأشاغل القوم عنك ولا يشغلنك أمري، فإنهم لن يصلوا إلي. ومضى سلمة إلى البعير فركبه وانطلق به إلى المدينة. قتل رجل من بني بكر: ومضى عمرو يطوي الصحراء ماشياً لا يستريح إلا لحيظات ثم يستمر، إلى أن وصل إلى مكان يقال له " ضجنان " فأوى إلى كهف فيه، وألقى بجسمه المكدود وأغمض عينيه

стр. 111

وقبل أن يستغرق في النوم سمع صوتاً بباب الكهف، فانحاز إلى جانبه المظلم يستخفي من القادم، فدخل عليه رجل أعور من بني بكر، فوثب عمرو ووقف خلف الرجل بقوسه وقال: من الرجل؟ قال: رجل من بني بكر. قال عمرو: وأنا من بني بكر، حسبتك عدواً. قال الرجل: لقد أفزعتني، حسبتك أول الأمر من أصحاب محمد. قال عمرو: وهل عندك شيء من محمد؟ قال الرجل: ليس إلا العداوة ما حييت وانطلق يحدو: ولست بمسلم ما دمت حياً ولست أدين دين المسلمينا. قال عمرو لنفسه: سنرى. واضطجع الرجل واستغرق في النوم، فقام اليه عمرو ووضع سية قوسه في عينه الصحيحة وتحامل عليه حتى بلغ العظم، فقتله شر قتلة. قتل جاسوس لقريش وأسر آخر: وخرج مسرعاً حتى لا يدركه أحد من قوم القتيل، وما زال يطوي الأرض حتى جاء " النقيع " فإذا رجلان من قريش جاءا يتجسسان على المسلمين، فكمن لهما حتى إذا مرا به أوتر قوسه وصاح بهما: استأسرا.

стр. 112

قالا: من؟ عمرو بن أمية؟ أنحن نستأسر لك؟ فلم يمهلهما حتى يستعدا، فوضع سهمه في أحدهما فقتله فاستأسر الآخر فأوثقه ثم أتى المدينة بسحبه وراءه! وهرع المسلمون إلى رسول الله يبشرونه بقدوم عمرو، ودخل عمرو عند رسول الله يجر معه أسيره، وحيا بتحية الإسلام وجلس، وجلس المسلمون حلقة حوله يستمعون إليه وهو يقص على رسول الله أخباره من يوم خروجه إلى حين عودته، وسُرّ عمرو لما يراه من تبسم رسول الله ومن أمارات الإعجاب التي تبدت على وجوه الحاضرين، ومما زاده سروراً أن النبي – ﵇ – قال له خيراً ودعا له بخير. * * إنسانية فذة: في السنة الخامسة من الهجرة ضاقت على أهل مكة الأرض بما رحبت فقد حرمهم الله المطر فأجدبت الأرض وانقطع الثمر وانعدمت في مكة الأرزاق أو كادت، ولم يرحم القحط غنياً أو فقيراً، وهل ينفع الغني ماله إذا لم يجد ما يشتريه به؟ ! وتضوّر الناس جوعاً وضجت قريش مما أصابها. وترامى خبر ضائقة قريش إلى رسول الله ﷺ ، فهل أفرحته هذه الأخبار لأنها نزلت بأعدائه؟ أم ذكرته بما

стр. 113

فعلته قريش به وبالمسلمين عندما حاصرتهم في شعب أبي طالب وقاطعتهم مقاطعة شاملة حتى إن المسلم ليأكل ورق الشجر اليابس من شدة الجوع، وكفار قريش ينعمون بما لذ وطاب دون أن يثير الرحمة في أفئدتهم ما يسمعونه من صراخ أطفال المسلمين من شدة الجوع، وما يترامى إلى أسماعهم من وطأة الحال على المسلمين وكلهم يمنون لهم بصلة القرابة أو النسب أو الولاء! قد يكون الرسول تذكر هذا أو بعضه، ولكنه لم يثر فيه نوازع الانتقام أو التشفي، لأنه – ﵇ – نبي الرحمة، بل أثار في نفسه كل العواطف الإنسانية ووجدها مناسبة يتألف بها قريشاً، فأوقر قافلة تمر عجوة وأمر عمرو بن أمية أن يوصلها إلى أبي سفيان بن حرب في مكة. وقبل أبو سفيان الهدية ووزعها في أحياء قريش وشكر لرسول الله ما صنع ولعمرو بن أمية ما تكلفه من جهد، وأهدى لرسول الله أدماً مما اشتهرت به مكة وأرسلها مع عمرو بن أمية. * * رسول إلى الحبشة: كان المهاجرون في الحبشة يتابعون أخبار إخوانهم الذين ثبتوا في مكة. ولما علموا بهجرتهم إلى يثرب جلسوا ينتظرون أمر رسول الله ﷺ لكي يلحقوا بهم، ولكن

стр. 114

المدة طالت ورسول الله يؤجل ذلك حتى تستقر له الأمور في المدينة وما حولها، ومضت بدر وأحد والخندق، وسمع مهاجرو الحبشة بأخبارها، فتمنوا لو كانوا من جنودها، وازداد شوقهم لرسول الله ومن معه من المسلمين. وحدث ما أزعج مهاجري الحبشة، ذلك أن عبيد الله ابن جحش تنصر، وراود امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان على النصرانية فامتنعت وثبتت على إسلامها. ووصل خبر ذلك إلى رسول الله ﷺ فاستدعى عمرو بن أمية الضمري وكتب رسالة إلى النجاشي يدعوه فيها إلى الإسلام ويطلب منه أن يزوجه أم حبيبة وأن يحمل من عنده من المسلمين ويرسلهم إلى المدينة، وطلب من عمرو أن ينطلق بالرسالة الى النجاشي. استقبل المسلمون في الحبشة عمرو بن أمية بالبهجة والسرور، وأمطروه بالأسئلة عن رسول الله والمسلمين: - كيف تركت رسول الله ﷺ ؟ - كيف تركت أبا بكر وعمر وعثمان و. . . و. . .؟ - حدثنا عن أمر بدر، وكيف نصر الله عبده رسول الله وأعز جنده المسلمين؟ - قل لنا كيف كان مبدأ أحد؟ وكيف دارت الدائرة على المسلمين؟ وكيف سولت لإخوتنا أنفسهم أن يخالفوا أمر رسول الله فيتركوا مواقعهم؟

стр. 115

- حدثنا عن أمر الخندق، ومن أشار به؟ وكيف واجهت قريش هذه المكيدة؟ وكيف هزمها الله؟ - لقد سمعنا بغدر يهود وبمصيرهم على أيدي المؤمنين، فكيف كان ذلك؟ ومتى؟ رجال ونساء وأطفال يحيطون بعمرو بن أمية، وكل منهم يريد جواباً على ما سأل، وعمرو تغمره السعادة وهو يجيب على هذا، ويصبّر ذاك حتى ينتهي من جواب أخيه. وأخيراً سأل أحدهم: هل أمر رسول الله بردنا إلى المدينة؟ قال عمرو: لبث قليلاً يأنك الخبر، استأذنوا لي على النجاشي كبير الحبشة. وفي اليوم الثاني كان عمرو في مجلس النجاشي، وتقبل النجاشي رسالة الرسول بالتجلة والاحترام، وسأله عنه وعن المسلمين. ولمس عمرو في حديث النجاشي حباً لرسول الله ولدين الإسلام، فاستبشر خيراً، وطمع بإسلامه. استدعى النجاشي وأعاد الرسالة إلى عمرو وقال له: ماذا يريد رسول الله؟ قال عمرو وهو ينظر في الرسالة: إنه يدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. واستمع النجاشي إلى المترجم باهتمام، فلما أتم ترجمته لكلام عمرو، هز رأسه وتمتم بكلمات، فانتظر عمرو المترجم

стр. 116

فإذا هو يقول: نعم أشهد أنه رسول الله، ولو قدرت أن آتيه لأتيته، وماذا بعد؟ قال عمرو: إنه يطلب منك أن تزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان. قال النجاشي: حباً وكرامة، هذا شرف عظيم أولانيه الرسول الكريم، قد زوجته أم حبيبة وأصدقتها عنه أربعمائة دينار، وأمرت لها بكسوة وثياب، وسآمر أهل بيتي أن يأتوها ويهدوا إليها ما يصلح النساء ويسرهن. . وبعد يا عمرو؟ قال عمرو: بارك الله على الملك الصالح. إن رسول الله ﷺ يطلب منك أن تحمل المسلمين الذين في جوارك وتعيدهم معي إلى المدينة. قال النجاشي لمترجمه: إذهب من فورك وجهز سفينتين من أحسن سفننا واحمل بهما أصحاب رسول الله. . . والتفت إلى عمرو وقال: لقد أمرنا لك بكل ما تريد، وأقرىء رسول الله مني السلام. أي فرحة غامرة هذه التي امتلأ بها قلب عمرو، لقد حضر بنفسه إسلام النجاشي، ورأى بنفسه مدى إجلاله لرسول الله ومدى احترامه لأوامره. لقد كانت سفارته هذه خيراً له وللنجاشي وللمسلمين. وتلقى مهاجرو الحبشة عمرو بن أمية لدى خروجه من

стр. 117

عند النجاشي وسألوه بلسان واحد: ماذا وراءك يا عمرو؟ قال عمرو: الخير كله، أسلم النجاشي، وزوج أم حبيبة من رسول الله وأصدقها عنه وأمر لكم بالسفن لتنقلكم إلى المدينة. وعمت البشرى بين المؤمنين، غداً نلقى رسول الله ونشارك المسلمين في جهادهم، فمرحباً بالجهاد في سبيل الله. ووصل المسلمون ورسول الله قد انتهى من فتح خيبر، آخر معاقل يهود في جزيرة العرب، بل جزيرة الإسلام، وأسرع عمرو إلى رسول الله يقضي إليه بنتائج سفارته، فبان البشر على وجه الرسول، واستقبل المسلمين واحداً واحداً، وعندما جاء جعفر بن أبي طالب قبّله – ﵇ – بين عينيه واعتنقه وقال: " ما أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر "؟ * * إلى ثقيف: حاصر رسول الله ﷺ بني ثقيف في الطائف، ثم رأى أن يفك الحصار عنهم لعل الله يأتي بهم مسلمين. وأخذت ثقيف العزة الجاهلية، وأقامت على عنادها وضلالها، وكان رجال من ثقيف قد أسلموا وأخلصوا دينهم لله فعزّ عليهم أن يتأخر إسلام أهلهم، من هؤلاء الصحابي الجليل عروة بن مسعود الثقفي – ﵁ –.

стр. 118

جاء عروة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله دعني أذهب إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يكرمني فيسلموا بدعوتي. قال له رسول الله ﷺ : " إنهم قاتلوك "! فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من ابكارهم، فدعني أذهب إليهم. وذهب عروة إلى الطائف وصعد إلى علّيّة له وأشرف منها على قومه ودعاهم إلى الإسلام، فما استمعوا إليه وما التفتوا إلى ما يقول، بل رموه بسهامهم فقتلوه. كان عمرو بن أميه يستمع إلى خيبر مقتل عروة عندما فكر أن يغامر ويذهب بنفسه لدعوة ثقيف إلى الإسلام، واستأذن رسول الله بذلك ثم وجه راحلته نحو الطائف. ما الذي يدور في ذهن أبي أمية وهو يتوجه إلى قوم لم يخضعهم الحصار، ولم يقنعهم رجل من أحب الناس إلى قلوبهم، بل عمدوا إلى سهامهم فقتلوه بها؟ ماذا سيفعل عند قوم بينه وبين زعمائهم خصومات جاهلية ربما زادها عمقاً اتباعه دين الحق وبقاؤهم على دين الضلال والشرك؟ لقد فكر عمرو في أمر عروة، لا شك أنه أخطأ اذ قام يدعو إلى الاسلام في ملأ من الناس، وفيهم الرعاع والسفهاء وأوشاب الناس، فلم يتمالكوا أن اعتدوا عليه،

стр. 119

ولو أنه دعا زعماءهم على انفراد لما قتل، لقد اعتمد عروة على حب ثقيف له، وما درى أن رعاع الناس قُلّب لا يثبتون على رأي، يفكرون بأسماعهم ويركبون رؤوسهم، ويسارعون إلى الشر، ولا يفكرون في العواقب! ولكن الله قدر لعروة الاستشهاد، وقدر لي أن أتعلم هذا الدرس الكبير. . . اذن فقد قرر عمرو أن يكلم سادتهم وذوي الألباب منهم، ولكن ألا يحول دون ذلك ما بينه وبينهم من خصومات واحقاد! كلا لقد قرر أبو أمية أن يأتيهم من هذا الباب فالعداوة والمباعدة قد تنقلب إلى حب ومقاربة إذا جاء الخصم إلى عدوه على غير انتظار وهو يحمل اليه النصح الخالص بقلب مفتوح. وجرياً وراء هذا الرأي اختار أبو أمية رجلاً ممن كان بينه وبينه خصومة ذهبت بهم إلى قطعية طويلة وعداء دفين فيمم منزل عبد يا ليل بن عمرو، ودخل فناءه، وطلب من خدمه أن يستدعوه له. قال واحد من الخدم تطوع أن يدعو سيده: ومن الذي يطلب سيدي؟ قال: عمرو بن أمية الضمري. دخل الخادم على سيده عبد يا ليل وقال له: سيدي،

стр. 120

إن عمرو بن أمية الضمري بفناء بيتك ويقول لك: اخرج إليّ أكلمك. أدهشت المفاجأة عبد يا ليل، وقال لخادمه: ويلك: أعمرو أرسل إلي؟ قال الخادم: نعم، وها هو ذا يقف في فناء دارك. قال عبد يا ليل: إن هذا الشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك! نعم، لقد كان عمرو أمنع في نفسه من أن يأتيك يا عبد يا ليل لو كان الأمر متعلقاً بإحن الجاهلية وخصوماتها ولكنه يأتيك الآن من أجل الإسلام، ومن أجل هذا الدين وضع عمرو خصومات الجاهلية دُبر أذنه وتحت قدمه، وأتى إليك – يا عبد ليل – لخيرك ولخير ثقيف، ولخير نفسه أيضاً، فما أعظم أن يهدي الله على يديه قبيلة بأسرها! وهرع عبد يا ليل إلى عمرو بن أمية وغمره بالترحيب ونادى خادمه وعبيده وأخذ يلقي إليهم أوامره: اذبحوا، واطبخوا، واصنعوا، واجلبوا. وقاطعه أبو أمية: على رسلك يا عبد يا ليل. قال عبد يا ليل: إني أريد أن احتفل بانتهاء الخصومة بيننا. قال عمرو: يا عبد يا ليل، إنه نزل بنا أمر ليس معه هجرة (خصومة) . قال عبد يا ليل: وما هذا الأمر؟

стр. 121

قال عمرو: إنه كان من أمر هذا الرجل (رسول الله) ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم من طاقة، فانظروا في أمركم. وأطرق عبد يا ليل ملياً، ثم رفع رأسه وقال: لقد صدقت يا أبا أمية، ما لنا بحرب العرب من طاقة. قال عمرو: لقد انجلى الليل وبان الصبح لذي عينين، فوالله إن ما يدعو إليه النبي لحق، وما كنا عليه، وما أنتم عليه الآن لباطل. قال عبد يا ليل: هذا ما تبين لي منذ زمن، ولكني وأمثالي من سادة ثقيف نخشى مصيراً كمصير عروة، ولكن دعني أرى رأيي وأجمع قومي، وسوف أدعوهم إلى هذا الدين برفق ولين، وأزين لهم أمر الدخول فيه، وأخوفهم مغبة الاعراض والعناد. . كانت رحلة عمرو إلى ثقيف يحدوها الاخلاص والأمل وكانت دعوته لعبد يا ليل نابعة من القلب، فوقعت من عبد يا ليل موقعاً وصادفت لديه قبولا، فدعا بها قومه فآمنوا. وعاد عمرو بن أمية إلى رسول الله ومعه وفد من سادة ثقيف فوقفوا بين يدي رسول الله يشهدون بشهادة الحق، ويبشرون رسول الله بإسلام ثقيف.

стр. 122

* * إلى مسيلمة الكذاب: ظن رجال من العرب أن النبوة أمنية يمكن أن يمني بها الإنسان نفسه، ثم يعمل على ادعائها، فينقلها من عالم الخيالات والأحلام إلى عالم الإحساس والواقع، وظنت قبائل من قبائل العرب أن النبوة ابتداع ابتدعته قريش لتباهي به القبائل وتفاخرهم بمجده وسؤدده، وعندما وجدت هذه القبائل من رجالها من ادعى النبوة بادرت تتلقف الفرصة وتنتهز المناسبة لتقابل قريشاً فخراً بفخر ونبوة بنبوة! هكذا ظن مسليمة الكذاب، وكذلك كان ظن قومه من بني حنيفة، وذهب بعض رجال هذه القبيلة في التعصب مذهباً جعلهم يعلنون أن كذاباً من بني حنيفة أحب إليهم من صادق من قريش! وأرسل رسول الله كتاباً إلى مسيلمة الكذاب مع عمرو بن أمية الضمري، يحبب فيه الإسلام إلى مسيلمة ويكره اليه الفتنة ويبغضه فيها وينهاه عن ركوبها. وانطلق عمرو إلى مسيلمة في اليمامة، وسلمه كتاب رسول الله ﷺ ، ورأى عمرو من غرور مسيلمة ومن افتراءاته الشيء الكثير، وصبر على ما رأى انتظاراً منه لجواب كتاب رسول الله، وأملى مسيلمة كتابه وعمرو يسمع، فراودته نفسه أن يثب عليه فيفتك به لولا أنه لم يؤمر بذلك، ويرد إتمام ما أمره به الرسول.

стр. 123

ماذا كتب مسيلمة في رده على كتاب رسول الله؟ كتب يقول: " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون ". وحمل عمرو هذه الرسالة وانطلق بها يقطع الصحراء، وانطلقت الأفكار تخطر على فؤاده. . كم هي سامية أهداف الرسالة السماوية التي حملها لنا رسول الله ﷺ ، وكم هي متهافتة ومتهالكة هذه الأهداف التي يسعى إليها مسيلمة. إن رسولنا الكريم يحلق بنا في أجواز الفضاء الرباني السامي، ويحاول مسيلمة بكذبه وافترائه أن يشد الناس إلى الأرض ويمرغهم بالتراب، إن رسولنا العظيم يدعو إلى وحدة الأنانية تحت لواء التوحيد، ومسيلمة لم يزل متمسكاً بنتن العصبية وأوضارها. . . ونظر عمرو إلى الرسالة التي بين يديه، وقال لنفسه: لولا ما حملت من الأمانة لما أوصلت مثل هذه الرسالة لرسول الله ﷺ ، ولولا ما أعرف من حكمة رسول الله وفضل رأيه وما يتنزل عليه من الوحي لتكفلت بهذا الدعي الكذاب. . ومدّ عمرو الرسالة إلى رسول الله، وطأطأ برأسه خجلاً مما فيها، فقرأها – ﵇ – ثم أمر من يكتب إلى

стр. 124

مسيلمة هذا الجواب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ". فيا لك من أحمق أيها الكذاب مسيلمة، تريد الأرض مناصفة بين قومك وبين قريش، وما علمت أن الأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده، وقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، ولم يعد قريشاً أو سواها من القبائل لنسبها أو شرفها، فالله لا يعطي على الأنساب ولكنه يعطي على صالح الأعمال. . . * * في الشام ومصر: واستمر عمر بن أمية – ﵁ – يعمل للاسلام، لا يفتر عن ذلك لحظة، شأنه شأن الصحابة جميعاً، وخرج مع الجيوش الاسلامية التي توجهت لغزو الروم، وكانت تحت امرة أبي عبيدة عامر بن الجراح عندما حاصر المسلمون انطاكية، وكان أبو عبيدة قد أرسل نفراً من المسلمين خفية فاختلطوا بالروم داخل اسوار انطاكية، ليكونوا عيوناً للمسلمين على الروم، ولكن الصلة انقطعت بهم لكثرة عيون الروم ولشدة مراقبتهم للأسوار ومداخلها، فأرسل أبو عبيدة إلى عمرو أن أمية وكلفه بأن يذهب خفية إلى

стр. 125

أولئك المسلمين ليعلم أمرهم ويأتي بما عندهم، فاحتال عمرو لنفسه حتى دخل انطاكية واتصل بالمسلمين فيها، وعلم منها ما اراد، وعاد إلى أبي عبيدة بالأخبار. ويحلو للواقدي صاحب فتوح الشام أن يطلق على عمرو بن أمية لقب " ساعي رسول الله "، وذلك لما لاحظه من كثرة استخدام رسول الله ﷺ لعمرو في توصيل رسائله إلى الملوك والأمراء وسائر العرب، وقد ذكر الواقدي أن عمر بن الخطاب – ﵁ – استعمل أبا أمية في خلافته للغرض نفسه، فأرسله برسالة إلى عمرو بن العاص يحثه على المسير إلى مصر. . * * العودة إلى المدينة: وكما تحن الأم إلى أولادها كان الصحابة رضوان الله عليهم يحنون إلى المدينة لمقام رسول الله فيها ولذكرياتهم التي خلفوها هناك. وأحس عمرو بهذا الحنين، فارتحل من الشام واستقر بالمدينة، ولم ينشب أن مات فيها وعمره ستون سنة. ﵀، ورضي عنه، وجعل في المسلمين مثله رجالاً يمتلئون اخلاصاً وتضحية للدين الحنيف.

стр. 126

ما انت إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ الوليد بن الوليد المخزومي

стр. 127

الوليد بن الوليد المخزومي قبائل قريش: كانت قريش قبائل تنتمي إلى أب واحد، ولكنها لم تكن سواء في السيادة والشرف، فمنها ما كان متقدماً فيهما، ومنها ما كان متأخراً لا يكاد يذكر له شيء منهما، ومنها ما كان بين هذا وذاك، لا هي بالنابهة المتألفة فيهما ولا هي بالخاملة ميتة الذكر. . . وكانت المنافسة على السيادة والشرف تدور بين ثلاث من قبائل قريش، هاشم وأمية ومخزوم، وكانت هذه المنافسة تشتد أحياناً حتى تغدو قريبة من العداء المستحكم، ولكن التقدم كان دائما من نصيب بني هاشم وكانت القبيلتان الأخريان، أمية ومخزوم، تحاولان أن تصعدا سلم الشرف والسيادة لتلحقا بهاشم، ولكن هيهات هيهات. . فقد بقي بنو هاشم سادة قريش وبقيت أمية ومخزوم بعدهم تجريان وراءهم تحاولان أن تلحقا بهم وتنافساهم. لهذه المنافسة المتقدة على الشرف والسيادة برز من تلك القبيلتين رجال يذكرون إذا ما عدت رجال قريش، ويحضرون اذا ما عقدت مجالس قريش، تلك المجالس التي خصصت لها ندوة قريش التي لا يحضرها إلا راسخ في السيادة معرق في الشرف. . .

стр. 128

بنو مخزوم والدعوة الى الإسلام: عندما عرض رسول الله ﷺ دعوة الإسلام على قريش، تلقاها زعماء القبائل، ومنهم بنو مخزوم، على أنها مكرمة من مكارم السيادة والشرف تتنافس عليها القبائل ويتسابق اليها الرجال، فأبى هؤلاء الأشراف أن يقروا لبني هاشم بالنبوة، وناصبوا رسول الله العداء، أما العقلاء من شباب قريش فقد تلقوا دعوة الإسلام بالقبول، فأقبلوا على رسول الله مصدقين وعلى دعوة الإسلام مؤمنين. كان بنو مخزوم من أكثر القبائل القرشية عداء للرسول ودعوته، أبوا أن يكون النبي من قبيلة أخرى غيرهم وقد بالغوا في العداء ولجّوا فيه حتى ظهر من بينهم فرعون هذه الأمة، أبو جهل عمرو بن هشام، كما ظهر من بينهم واحد من زمرة المستهزئين بالدعوة: الوليد بن المغيرة. . . وعلى هذا العداء الشديد من زعماء بني مخزوم وسادتهم، فقد آمن من عقلاء شبابهم نفر آثروا الحق والصدق على التنافس على رموز الدنيا البالية الفانية، فقد كان من بين السابقين إلى الإسلام، سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة المخزوميان. . موقف الوليد بن المغيرة من الاسلام: كان الوليد بن المغيرة سيد بني مخزوم، وكانت له في قريش مكانة سامية واحترام عظيم، وكان هو في نفسه عظيماً، لا يرى لأحد عليه فضل، ولا يرى أحداً أحق منه بزعامة قريش وسيادتها، فقد كان القرشيون خاصة، والعرب عامة، يعتبرون العز والسيادة للكاثر مالا وولداً، وقد آتى الله الوليد مالاً وولداً، فكيف لا يرى نفسه سيد قريش وقد كان عنده من المال ما مكنه من كسوة الكعبة بمفرده سنة

стр. 129

وتكسوها قريش مجتمعة سنة أخرى حتى سُمي بينهم بالعِدْل. . أي أنه يعدل قريشاً كلها مالا. . . ثم كيف لا يرى نفسه سيد قريش وكبيرها وقد آتاه الله ولداً يصول بهم ويجول بين رجال قريش وقبائلها. . . فقد كان له من الأولاد: خالد بن الوليد، وعمارة بن الوليد، وابو قيس بن الوليد، وهشام بن الوليد، والوليد بن الوليد. وعندما عرض رسول الله – ﷺ – الاسلام على قريش فزع الناس إلى الوليد يسألونه الرأي، فما كان منه إلا أن قال لهم قبل أن يسمع للرسول وقبل أن يستمع إلى القرآن: أينزل الوحي على محمد واترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود سيد ثقيف. . ونحن عظيما القريتين! وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة الوليد هذه ورد عليها فقال: " وقالوا: لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، اهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخْرياً، ورحمه ربك خير مما يجمعون " (١) . كانت هذه ردة الفعل الأولى لدى الوليد بن المغيرة. . انه لا يقبل أن ينزل القرآن على فتى يتيم فقير في قريش ويترك هو كبير القوم واكثرهم مالاً وولداً. . . ولكن. . هل يتراجع الوليد عن هذا الموقف عندما يقابل الرسول ويستمع إليه؟ لقد كانت الفصاحة في قريش، وكان الوليد على درجة عالية من الفصاحة والتذوق للفصيح، ولكنه كان يتحاشى أن يستمع

стр. 130

للقرآن أو أن ينصت لحديث الرسول، ولكن هذا الموقف لم يستمر، فقد مر ذات يوم رسول الله وهو يقرأ القرآن، فقرعت آياته أذنيه، فوقف فأنصت، فأثرت آيات القرآن في قلبه، فانطلق حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال لهم: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. . . والله إن له لحلاوة وان عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه. ثم انصرف إلى منزله مفكرا فيما سمع من محمد وفيما قال لقومه من بني مخزوم. قال بنو مخزوم: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها. قال أبو جهل: أنا أكفيكموه. . وانطلق أبو جهل حتى دخل على الوليد وجلس إلى جانبه متصنعاً الحزن والأسى، فقال له الوليد: ما لي أراك حزيناً يا بن أخي؟ قال أبو جهل: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالاً ليعينوك على كبر سنك، ويزعمون أنك زيّنت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه وتنال من ماله؟ فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش اني من أكثرهم مالاً وولدا؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قال مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه يُخنق؟ قالوا: اللهم لا. قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: اللهم لا.

стр. 131

قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا. قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا: اللهم لا. ثم التفت الناس الوليد وقالوا: فما هو اذن؟ فروّى قليلاً يفكر في هذا الأمر ثم قال: ما هو إلا ساحر، اما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده، ما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر. ونزل القرآن مرة ثانية يحكى موقف الوليد ويقرّعه ويتوعده، فقال – جل من قائل -: " ذرني ومن خقلت وحيدا، وجعلتُ له مالاً ممدودا، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن ازيد، كلا انه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، انه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم ادبر واستكبر، فقال ان هذا الا سحر يؤثر، ان هذا الا قول البشر، سأصليه سقر. . . " (١) . مصير أولاد الوليد: أما عمارة بن الوليد فقد كان أنهد فتى في قريش وأجمله، بلغ من إعجاب قريش بشبابه وجماله ان عرضوه على أبي طالب ليتخذه ولدا بدلاً من محمد – ﵇ –، على أن يأخذوا محمداً فيقتلوه. قالوا: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش واجمله فخذه، فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً، فهو لك، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة

стр. 132

قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله. . . فإنما هو رجل برجل! قال أبو طالب: لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم اغذوه لكم، واعطيكم ابني تقتلونه؟ وخرج القوم من عند أبي طالب وقد اجمعوا على عداوته، وتشديد الوطأة على محمد ومن تبعه منهم. وأمر رسول الله – ﷺ – من أسلم بالهجرة الى الحبشة فراراً بدينهم من أذى قريش، فأرسلت قريش وراءهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد يغرون بهم النجاشي لعله يردهم عن دينهم أو يسلمهم الى قريش تسومهم سوء العذاب.. وكان مع عمرو بن العاص في رحلته الى النجاشي امرأته، فراودها عمارة عن نفسها، فأسرها عمرو حتى اغرى به النجاشي، فكاد له هذا حتى قتله طريداً شريداً في صحاري الحبشة. وأما أبو قيس بن الوليد فقد قُتل بمكة كافرا، ولم تذكر المصادر التي بأيدينا كيف كان قتله، وأغلب الظن أنه قتل في أثناء فتح مكة. وأما خالد بن الوليد، فهو سيف الله المسلول، وصاحب الفتوحات المجلّية في جبهتي فارس والروم. . . لم يزل معانداً لرسول الله – ﷺ – حتى أسلم بعد الحديبية، فشارك في غزوة مؤتة، فأظهر من الكفاية الحربية والمهارة الادارية ما استحق عليه لقباً من ألقاب الإسلام الخالدة. . سيف الله. . رضى الله عنه وأرضاه. أما هشام بن الوليد فهو ذو الأعصاب المتوفزة والمزاج الحاد، قتل أبا أزيهر الدوسي على مرأى من الناس ومشهد، تلبية لوصية أبيه التي أقر فيها أنه متجنّ على الرجل، ومع ذلك أوصى بقتله عصبية جاهلية، فاستجاب هشام للوصية، وقال حين اقدم على قتله يصف نفسه:

стр. 133

لساني طويل فاحترس من شدائه عليك، وسيفي من لساني أطول! وبقي هشام على كفره إلى يوم الفتح. . فأسلم، وكان من طائفة المؤلفة قلوبهم. .. هشام وابن عمه عياش: أسلم عياش بن أبي ربيعة المخزومي قبل دخول رسول الله – ﷺ – دار الأرقم، فهو من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة مع زوجته، وفي الحبشة ولد له ولد أسماه عبد الله، ثم عاد من الحبشة مع من عاد منها من المسلمين المهاجرين، وأخذت وطأة قريش تزداد شدة وعنفاً على المسلمين، وقررت كل قبيلة أن تتكفل بمن آمن منها، فتكيل له العذاب، ولا ترفعه عنه حتى يرتد عن دينه. وجاء نفر من بني مخزوم الى هشام بن الوليد يستأذنونه في تعذيب ابن عمه عياش بن أبي ربيعة. . . قالوا له: إنا قد أردنا أن نعاقب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي احدثوا، وإنا نستأذنك في عياش، قال هشام: هذا عياش فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسه، وقال: ألا لا يقتلن أخي عُيَيْش فيبقى بيننا أبدا تلاحي احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلاً. . . فعاد القوم من حيث أتوا، وقال بعضهم لبعض: اللهم العنه، فمن يغرر بهذا الخبيث، فوالله لو أصيب عياش في أيدينا لقتل أشرفنا رجلاً!

стр. 134

وانصرفوا عن عياش فلم يؤذوه. عياش يهاجر مع عمر بن الخطاب: عندما أذن رسول الله – ﷺ – للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، اتّعد عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي أن يخرجوا من مكة فرادى وأن يلتقوا عند مكان في ظاهر مكة يقال له " التناصب " وقالوا: أيُّنا لم يصبح عندا فقد حُبس، فليمض صاحباه. فأصبح عند التناصب عمر وعياش، وحبس هشام، فمضيا حتى قدما المدينة ونزلا في بني عمرو بن عوف بقباء. أبو جهل يردّ عياشاً: وخرج أبو جهل واخوه الحارث بن هشام حتى أتيا قباء، وقالا لعياش – وكان ابن عمهما واخاهما لامهما -: إن أمك قد نذرت ان لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تعود. ورق لها عياش، وعزم على العودة معهما. . . فلما علم عمر بذلك أتاه مسرعاً وقال له: يا عياش، انه والله ان يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. قال عياش، أبرّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال له عمر: والله انك لتعلم اني لمن اكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى عياش إلا أن يخرج معهما. . . فلما أبى إلا الخروج قال له عمر: أما إذا فعلت ما فعلت، فخذ

стр. 135

ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها. وخرج عياش راكباً ناقة عمر، وخرج معه أبو جهل والحارث بن هشام وقد بيتا له أمرا. . . وعندما ابتعدوا عن المدينة التفت أبو جهل إلى عياش وقال له: يا ابن أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال عياش: بلى. . . واناخها ليتحول عنها لأبي جهل، فلما استوى على الأرض عدا عليه الرجلان فأوثقاه وربطاه. . . وساقا به إلى مكة على هذه الحال. وعندما دخل أيو جهل وأخوه الحارث مكة يسوقان بعياش موثقا، وأهل مكة من حولهم معجبون بفعلهم، قال لهم أبو جهل: يا أهل مكة؛ هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا! أبو جهل يحبس عياشاً: لم يستطع أبو جهل أن يعذب عياشاً لمقامه من هشام بن الوليد، فحبسه في السجن الذي حبس به سلمة بن هشام المخزومي من قبل. وكان سلمة بن هشام – ﵁ – ممن أسلم مبكرا وممن هاجر إلى الحبشة، فلما عاد منها فيمن عاد من المسلمين عدا عليه أبو جهل – لعنه الله – وضربه وعذبه وحبسه ومنع عنه الطعام والشراب في محاولة لرده عن دينه، ولكن سلمة ثبت، فلما يئس منه أبو جهل حبسه في بيت من بيوت مكة وجعل عليه عيناً لا تفارقه. . .

стр. 136

رسول الله يدعو للحبيسين: وتناقل الناس خبر الحبيسين وما يلقيانه من عنت في محبسهما وما يبديانه من جلد وصبر وثبات على الإيمان عظيم، فكان رسول الله – ﷺ – يدعو لهما في صلاة الصبح ويقول: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، اللهم انج المستضعفين من المؤمنين. . . ولما طال حبسهما أخذ رسول الله – ﷺ – يدعو لهما كلما فرغ من صلواته ويقول: اللهم انج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وضعفه المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. . الوليد بن الوليد بن المغيرة يقع في أسر المسلمين: ونشبت معركة بدر، ودارت الدائرة على أنصار الأصنام،. فانفرط عقدهم، وفروا في فوضى واضطراب، فلحق بهم المسلمون يقتلون فريقاً ويأسرون فريقاً، وكان ممن وقع في أيدي المسلمين أسيراً الوليد بن المغيرة المخزومي، فقد أسره عبد الله بن جحش – ﵁ –. وعندما رأت قريش أن تفادي أسراها قدم إلى المدينة خالد بن الوليد وهشام بن الوليد يسعيان في فداء أخيهما الوليد وأخذ خالد وهشام في مساومة عبد الله بن جحش في فداء الوليد، فأبى عبد الله بن جحش إلا أربعة آلاف درهم وشكّة (١) أبيهم الوليد بن المغيرة. وتأبى خالد أن يطوع بهذا الفداء. . . وكان الوليد بن الوليد أخاه لأبيه. .

стр. 137

وطاع به هشام بن الوليد. . . وكان الوليد أخاه لأبيه وأمه. . . وتلاحى خالد وهشام. . . فقال هشام لخالد: إنه ليس بابن أمك، والله لو أبى فيه إلا أضعاف ذلك لقبلت عند ذلك سكت خالد سكوت المغلوب على أمره، ودفعت الدية الى عبد الله بن جحش. . . إسلام الوليد بن الوليد: وخرج هشام وخالد بأخيهما الوليد قاصدين مكة، ولما وصلا ذا الحليفة أفلت منهما وأتى رسول الله – ﷺ – وشهد بالشهادتين. وتبعه أخواه فما أدركاه إلا وهو يعلن إسلامه أمام رسول الله – ﵇ –، فقال له خالد معاتباً: هلا كان هذا قبل أن تفتدى وتخرج مأثرة أبينا من أيدينا فاتبعت محمداً اذ كان هذا رأيك؟ قال الوليد: ما كنت لاسلم حتى أفتدى بمثل ما افتدي به قومي، وحتى لا تقول قريش انما اتبع محمداً فراراً من الفدى. وأمن الوليد من اذى اخويه عندما رأى ما رأى من لينهما معه، فعاد معهما إلى مكة اذ كان له هناك مال رجا أن يبيعه ثم يكر عائداً إلى المدينة. اخوال الوليد يحبسونه. وعندما وصل الوليد إلى مكة وسمع اخواله بإسلامه عدوا عليه فقيدوه وحبسوه، ويبدو ان ذلك كان عن رضاً من أخويه هشام وخالد، وإلا فما كان لاخواله ان يفعلوا به ذلك واخواه يأبيانه، فما كان لأحد أن يفتات عليهما وهما من هما عزة ومنعة وسيادة.

стр. 138

الرسول يدعو للوليد: وعندما علم رسول الله – ﷺ – بحبس الوليد قرنه في الدعاء مع الأسيرين قبله، سلمة وعياش، فكان يقول في صلاة الفجر من كل يوم: اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف. نجاة الوليد من الأسر: ورقت أم الوليد لابنها، وما راقها أن يحبس أخوتها فلذة كبدها، فانسلت اليه في محبسه فحلّت وثاقه واطلقته، واخذت تحثه على اللحاق برسول الله والمسلمين وتقول: هاجر وليد وبع المساقة واشتر منها جملاً أو ناقة وارمِ بنفسٍ عنهم مشتاقة وانطلق الوليد عائداً إلى المدينة المنورة، وانضم إلى الفئة المؤمنة فيها، مشاركاً في جهادها لاعلاء كلمة الله في الأرض. الوليد يشكو للرسول من مرض به: كان الوليد يفزع في منامه، وربما كان ذلك مما لاقاه في أسر أخواله، فجاء إلى رسول الله – ﷺ – وقال له: يا رسول الله، اني أجد وحشة في منامي. فقال له رسول الله – ﷺ –: إذا اضطجعت للنوم فقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون. . . فإنه لا يضرك.

стр. 139

الوليد في عمل فدائي: التفت رسول الله – ﷺ – إلى الوليد بن الوليد وسأله عن عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، فقال الوليد: تركتهما في ضيق وشدة وعنت، وهما في وثاق؛ رجل احدهما مع رجل صاحبه. فأهم لك رسول الله – ﷺ – وقال لمن حوله: من لي بعياش وسلمة؟ قال – ﵇ – انا لك بهما يا رسول الله. قال – ﵇ –: انطلق حتى تنزل بمكة على القين (١) ، فإنه قد أسلم، فتغيب عنده واطلب الوصول إلى عياش وسلمة. . . وانطلق الوليد مستخفيا، فدخل مكة، ونزل عند القين، وأخذ يتحسس أخبار الأسيرين ليعرف موضع حبسهما. وخرج ذات ليلة فالتقى امرأة تحمل طعاماً، فقال لها: أين تريدين يا امة الله؟ قالت: اريد هذين المحبوسين. فعرف الوليد أنها تعني صاحبيه، فانطلق خلفها وهي لا تشعر به، وما هو إلا أن رآها تدخل بيتاً فأدرك أنه المكان الذي فيه الأسيرين. نظر الوليد إلى محبس صاحبيه فرآه لا سقف له يقيهما حر الصيف أو برد الشتاء، فأدرك مدى الشدة التي وقعا فيها والمحنة التي يعانيان منها، فقرر أن يسرع في انقاذهما حتى يخلصهما مما هم فيه من بلاء وشدة. انقلب الوليد مسرعاً إلى حيث مخبأه في بيت القين، فقد حرص أن لا ترتاب به المرأة التي أوصلت الطعام إلى المحبوسين، وانتظر حتى تيقّن من انصرافها، ثم استبرأ الطريق المؤدي إلى محبس الأسيرين، ثم

стр. 140

انسل حتى أتى هذا البيت الذي لا سقف له، فتسوّره، ثم قفز إلى حيث الأسيرين، فوجدهما يرسفان في قيد من حديد، فأخذ مروة (حجراً صلداً) فوضعه تحت القيد، ثم اهوى على القيد بسيفه فقطعه. . . ومنذ ذلك الحين سمي سيفه بذي المروة. وما ان تحرر الأسيران من قيدهما حتى نهضا وعانقا اخاهما، ثم هرع الثلاثة الى الباب فحطموه، وانطلقوا جميعاً يسلكون طريقاً غير مطروق يضللون به أهل مكة. . . ونذر أهل مكة بالنبأ، فقد صاح فيهم صائح ممن كانوا يترددون على الاسيرين للتشفي والاستهزاء بهما: يا أهل مكة ادركوا سلمة وعياشاً فقد فرا من محبسهما. . . وما أسرع ما انطلق خالد بجماعة من فرسان مكة في محاولة لرد الأسيرين، ولكنه لم يدركهما، فانكفأ بمن معه الى مكة، وقد ارتسمت على وجوههم علامات الفشل والخيبة. . . ولما علمت أم سلمة بفرار ابنها وبالمحاولة التي حاولها أهل مكة لرده، قالت تدعو له بالنجاة: لأهم رب الكعبة المسلمة أظهر على كل عدو سلمة له يدان في الأمور المبهمة كف بها يعطي وكف منعمة ونجى الله عياشاً وسلمة والوليد، فانطلقوا يجدون في السير، يحدوهم شوق غامر للقاء الرسول وصحبه، وكلما اقتربوا من المدينة زاد شوقهم وسرورهم، فاشتدوا في السير، وبالغوا فيه، وودوا لو أنهم

стр. 141

استطاعوا أن يركبوا الريح أو أن تكون لهم اجنحة يطيرون بها الى الأحبة محمد وصحبه. وعثر الوليد في سيره فدميت اصبعه، فلم يبال بما أصابها، وقال: ما انت الا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ووصل ركب الثلاثة إلى المدينة، ودخلوا مسجد الرسول – ﷺ – وكان لقاء. الوليد وإسلام أخيه خالد: عندما اعتمر رسول الله – ﷺ – عمرة القضية ضاقت نفس خالد، فخرج من مكة حتى لا يرى مواكب المسلمين وهي تطوف حول الكعبة، وحتى لا يسمعها وهي ترفع أصواتها بالتهليل والتكبير. وعندما اجتمعت قوافل الإسلام حول الكعبة التفت رسول الله – ﷺ – الى الوليد بن الوليد أخي خالد وقال له: أين خالد؟ قال الوليد: يأتي به الله يا رسول الله. قال – ﵇ –: ما مثل خالد من جُهّل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجدّه مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدمناه على غيره. وأسرع الوليد فكتب بما قاله رسول الله – ﷺ – إلى أخيه خالد، ورغّبه في الإسلام، ودعاه لمقابلة الرسول والاستماع إليه، فكان ذلك أول دخول الإسلام إلى قلب البطل المخزومي، وسرعان ما حزم امره وشد رحاله إلى مدينة الرسول وانضم إلى موكب النور الإلهي. .

стр. 142

مرض الوليد وموته: ومرض الوليد بن الوليد بن المغيرة مرضاً شديداً، وأحس بدبيب الموت يسري في جسده، وعاده رسول الله – ﷺ – فقال له الوليد: يا رسول الله، حُسِرت، وأنا ميت، فكفني في فضل ثوبك واجعله مما يلي جلدك. . ومات الوليد من ليلته، وكفنه رسول الله – ﷺ – في قميصه. ودخل رسول الله على أم المؤمنين أم سلمة، وهي ابنة عم الوليد، فنعاه إليها. قالت أم سلمة – ﵂ –: جزعت حين مات الوليد بن الوليد جزعاً لم أجزعه على ميت، فقلت: لأبكين عليه بكاء تحدث به نساء الأوس والخزرج، وقلت: غريب توفي في بلاد غربة، فاستأذنت رسول الله – ﷺ – فأذن لي بالبكاء، فأنشأت أقول: يا عين فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرة قد كان غيثاً في السنين، ورحمه فينا منيرة ضخم الدسيعة ماجداً، يسمو إلى طلب الوتيرة مثل الوليد بن الوليد ابي الوليد كفى العشيرة فلما سمعها رسول الله – ﵇ – قال لها: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. وتجمعت نساء الأنصار في بيت أم سلمة، وأخذن في البكاء على الوليد، ولما ارتفعت أصواتهن ووصلت الى مسامع الرسول – ﷺ – قال لمن حوله من الصحابة: ما اتخذوا الوليد الا حنانا. ﵁ الوليد بن الوليد بن المغيرة ومن دخل الإسلام من ذويه بني مخزوم. . . "

стр. 143

إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي " حديث شريف

стр. 144

عمير بن عدي الخطمي إيمان الأنصار عندما أكرم الله أهل يثرب بأن فتح قلوبهم للإيمان آمن بالدعوة نفر منهم فازوا بقصب السبق على من سواهم من قومهم، وكان المؤمنون من كل فخذ من افخاذ قبيلتي الأنصار؛ الأوس والخزرج، يجاهدون جهاد الأبطال في الدعوة الى الإسلام بين ذويهم، وكان بنو خطمة من اكبر أفخاذ الأوس، اسلم منها رجلان، اسبقهم إسلاماً عمير بن عدي ثم تبعه خزيمة بن ثابت، وأخذ هذان الصحابيان الجليلان على عاتقهما دعوة بني خطمة الى الإسلام. ذو الشهادتين ! كان خزيمة بن ثابت مبصراً، أما عمير بن عدي فقد كان كفيف البصر، وكان لكلا الرجلين جهاده في الدعوة الى الله، وعلى الرغم مما ابتلي به عمير من كف البصر إلا أن هذا الابتلاء لم يمنعه عن القيام بواجبه نحو دينه. . وكان مما قام به في سبيل الله عملية فدائية نالت رضى رسول الله – ﷺ – واعجاب اصحابه رضوان الله عليهم. أما اخوه في الدم والعقيدة خزيمة بن ثابت فقد حاز لقباً جليلاً فدعي بذي الشهادتين وذلك لأن رسول الله – ﷺ – جعل شهادته بشهادة رجلين اثنين، أما كيف كان ذلك، فهذا تفصيل له:

стр. 145

ابتاع رسول الله – ﷺ – فرساً من اعرابي، ولما ذهب ليعطيه ثمنه كان ناس قد ساوموه عليه فزادوا على سوم رسول الله – ﵇ –، فلما جاء الرسول الأعرابي، قال الأعرابي: اذا كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقال النبي – ﷺ –: ألست ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه! فقال – ﷺ –: بل قد ابتعتُه منك. فاجتمع الناس على رسول الله – ﷺ – وعلى الأعرابي وهما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بعتك! فقال المسلمون للأعرابي: ويحك، أن رسول الله – ﷺ – لم يكن ليقول الا حقا. وبقي الناس في أخذ ورد مع البدوي حتى جاء خزيمة بن ثابت واستمع إلى تراجع رسول الله والأعرابي، والأعرابي يقول لرسول الله: هلم شهيداً أني بايعتك. فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله، صلى الله عليك. فقال رسول الله – ﷺ : يا خزيمة. بم تشهد ولم تكن معنا؟ قال خزيمة: يا رسول الله، انا أصدقك بخبر السماء ولا أصدقك بما تقول؟ وعندئذ جعل رسول الله – ﷺ – شهادته بشهادة رجلين، ودُعي من يومئذ بذي الشهادتين.
следующие страницы →