← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4270

فدائيون من عصر الرسول

أحمد الجدع

Полный текст (161 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[فدائيون من عصر الرسول]ـ المؤلف: أحمد الجدع الناشر: دار الضياء للنشر والتوزيع - عمان، الاردن الطبعة: الخامسة، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

فدائيون من عصر الرسول

стр. 3

مقدمة الطبعة الرابعة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد عندما كتبت مقدمة الطبعة الأولى بعنوان " مدخل " سنة ١٩٧٩، ذكرت فيها أموراً حول العمل الفدائي الذي تبناه جماعة من المسلمين واتبعوا فيه مبادىء مستوردة من أعدائهم، واتخذوا لهم قدوة من هم لهم أعداء، وحذرت يومها من مغبة السير في هذا الطريق، وحاولت أن أنبه إلى طريق الفداء الصحيح فكتبت عن حياة ثلاثة من الفدائيين الصحابة رضوان الله عليهم، وحاولت توجيه الأنظار إلى منهجهم في الفداء حتى يكون ذلك قدوة لمن أراد أن يسلك هذا الطريق. ومع مرور الأيام وتعاقب الأحداث تبين لكثير من الناس صدق المنهج الذي دعوت إليه، فقد وقعت الحركة الفدائية في شراك الأعداء فلم ينفعها من تسمت بأسمائهم أو سلكت مناهجهم أو اتخذتهم قدوة لها، فقد غاب كل هؤلاء عن الساحة عندما جد الجدّ ومسّت الحاجة إلى العون والمساعدة. . . وبان الصبح لذي عينين، فإن هذه الأمة التي نصرها الله بالإسلام وأعزها به لا يمكن أن تنتصر بغيره من المبادىء، وان الله الذي ينهانا أن نتخذ أعداءنا أولياء لا يمكن أن يقدر لنا النصر بهم، لهذا كان علينا أن نعيد الدعوة لهؤلاء الذين ضلوا السبيل لكي يعودوا إلى الطريق القويم، فبالاسلام انتصرنا من قبل، وبه سوف ننتصر من بعد، ولن ينفعنا زخرف المبادىء المستوردة أو بريق الدعوات المرقعة من الشرق أو الغرب، ولا يستطيع أولئك الذين آمنوا بمبادىء

стр. 4

الأعداء الا أن يكونوا لهم أولياء، فكيف نعتمد عليهم في التحرير والفداء؟ لقد كان لهذا الكتاب صدى طيب، فتكررت طبعاته في فترات متقاربة، واستجابة لهذا القبول من القراء فقد اضفت له في طبعته الرابعة هذه فصولاً ثلاثة تحدثت فيها عن حياة ثلاثة آخرين من الصحابة الذين لهم في العمل الفدائي مساهمة وفي الدفاع عن الإسلام جولات محمودة، ليصبح في هذا الكتاب حديث عن ستة من الصحابة الابرار رضوان الله عليهم أجمعين. وقبل أن أختم مقدمتي هذه أحب أن أعود فأكرر ما قلته في مدخل الطبعة الأولى بأن الدائرة للاسلام على اعدائه، وان موعد النصر معقود بعودة المسلمين لدينهم، وقد كنت أوردت بعض الدلائل التي تشير إلى توجه المسلمين الى هذه العودة المنشودة، ويستطيع القارىء أن يعود إليها ليتأكد أنها اليوم أوضح منها عندما كتبت عنها قبل خمس سنين، وانها سوف تكون أشد وضوحا في المستقبل القريب ان شاء الله. أسأل الله تعالى - جلت قدرته - أن يثيبني على ما كتبت، وان يغفر لي ان كنت زللت، والحمد لله اولا وآخراً. عمان: في الثامن عشر من ذي القعدة عام ١٤٠٤ هـ. المؤلف

стр. 5

مدخل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: بوادر لبشائر: نحن على أبواب القرن الخامس عشر الهجري. . . ورسول الله ﷺ يقول: " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " (١) واعتماداً على قول الهادي الأمين، فإن التفاؤل يملأ قلوبنا، ويحدونا أن نتطلع بيقين وشوق لمشرق جديد لأمة الإسلام. وقد بدت لنا إرهاصات هذا المشرق مع قرب إطلالة هذا القرن الجديد. .

стр. 6

هناك حوادث نراها بقلب الإيمان إرهاصات، ويراها غيرنا نذر سوء. . فاشتداد الحملة على الإسلام والمسلمين نعدها من إرهاصات البعث الإسلامي الوشيك، ويراها غيرنا نذر سوء لا تبشر بخير ولا تبعث على الأمل. . ونرى، بحس المؤمنين، أن هذه الحملات الشرسة على الإسلام وأهله، ما كانت لتنبعث من أعداء الله بهذا العنف لولا شعورهم بضخامة الصحوة الإسلامية وبخطورتها عليهم. فصحوة الإسلام اليوم، بما نراه من بعث إسلامي في جميع مناحي الحياة، جديرة بأن تدفعنا لمزيد من التيقظ، ومزيد من العمل في سبيل الله. فالإسلام اليوم آخذ في وضع أقدامه بثبات في مجال الاقتصاد، وتجربة المصارف الاسلامية الناجحة علامة على هذا الطريق. وبدأ الإسلام يبرز وجهه المشرق في الحياة الاجتماعية، فالطلاب في مدارسهم وجامعاتهم أخذوا يتجمعون حول شعائر الإسلام وأهدافه وغاياته، والأسر الكريمة بدأت تأخذ بتعليمات الإسلام في لباسها وحياتها اليومية. . . وبدأ الإسلام مسيرته في مجال الصحافة المؤمنة، فانتشرت المجلات الإسلامية وأخذت تجاهر بمبادىء الإسلام، وتدعو لمثله، وتحض على تحكيمه في جميع مجالات الحياة.

стр. 7

وتحركت طلائع الأدب الإسلامي، شعره ونثره، وبدأ إنتاجه يملأ الأسواق، وبدأ تأثيره يؤتي أكله في أوساط المثقفين من شباب الإسلام. . . والاسلام المجاهد بدأت صيحاته تدوي في جميع الأقطار، وبدأ رجاله يحملون أرواحهم فوق أكفهم ويقذفون بها في ساحات الوغى، دفاعاً عن الإسلام، وجهاداً في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، لتكون الحاكمية لله وحده. والجهاد بالسلاح لا بد أن يدعمه الجهاد بالكلمة، لأن الجهاد بالكلمه ينير أمام المجاهدين بالسلاح طريقهم ويوضح لهم أهدافهم. عهد الضياع: لقد مرت علينا أعوام حسب فيها كثير من أبناء المسلمين أن الفداء والقتال في ساحات الوغى مقصور على أعداء الإسلام، وأن الإبداع في مجال الحرب والنزال لا يكون إلا عند المشركين، وعندما حاول هؤلاء المخدوعون بهذه الأوهام أن يقاتلوا أخطأوا الطريق، إذ توهموا أن الانتصار لا يتحقق إلا إذا تشبهوا بأعداء الله، فسمعنا من سمى نفسه جيفارا وجياب وكاسترو، وسمعنا من تجمع

стр. 8

تحت راية لينين وماوتسي تونغ وكارل ماركس، ورأينا من قبل بقيادة ميشيل وجورج وأنطون، ثم رأينا من حمل عقائد العلمانية والاشتراكية والقومية، ونزل يقاتل بها يظن أنها تعينه في حياته وتنصره في قتاله. ولاقت هذه الشعارات وتلك الأفكار هزائم متوالية، فبدلاً من أن تنصر الأمة على أعدائها أنزلت بها الهزيمة تلو الهزيمة والنكبة بعد النكبة، وألحقت بها العار تلو العار، حتى ظن الناس أن عدوهم لا يغلب وأن سلاحه لا يقهر. جهود الدعاة: وهب دعاة الإسلام في هذا الخضم المتلاطم من الهزائم والنكبات يتداركون الأمة ويوجهونها نحو الطريق القويم، طريق الجهاد في سبيل الله، الطريق الذي يؤدي -لا محالة -إلى النصر المبين، وهذا وعد رب العالمين. ومع هذه الصحوة المباركة للجهاد الإسلامي لا بد لنا أن نضع المعالم الهادية في طريق أولئك الأحبة المجاهدين، وهذه المعالم يجب أن تستقى من المناهل العذبة، مناهل الإسلام والرسول والصحابة الأطهار. هذا الكتاب: وحتى يثمر جهاد المسلمين اليوم، كما أثمر من قبل

стр. 9

لا بد له أن يكون خالصاً من كل شائبة، متجرداً لله وحده، سالكاً سنن المجاهدين الأولين من صحابة رسول رب العالمين. فكان هذا دافعنا لأن نؤلف هذا الكتاب، وذلك لنضع بين يدي رجال الإسلام نماذج للرجال الذين نذروا أنفسهم لله وضحوا في سبيله، فكانوا رمزاً للفداء، وحققوا بجهادهم كل الأماني التي تتطلع إليها الإنسانية، فقد حققوا الحاكمية لله في الأرض، وبها تحققت سعادة البشرية بتأمين العدالة المطلقة للناس أجمعين. فكتابنا هذا " فدائيون من عصر الرسول " منارة هادية لمن أراد أن يسلك طريق الفداء الحق المؤدي إلى النصر المبين – بإذن الله –، وقد أوردنا فيه العمليات الفدائية التي قام بها ثلاثة من الصحابة الأبرار، وفصلناها، ثم رأينا أن نفصل كذلك حياة هؤلاء الأبطال من الميلاد إلى الموت، وسنرى أن حياتهم كلها فداء وجهاد في سبيل الله. وحتى يكون هذا الكتاب مؤدياً ما قصدناه من وضعه على الوجه الأكمل، وضعنا فيما يلي موجزاً لعالم الفداء والقتال عند المجاهدين على عهد الرسول، وذلك بالحديث عن هذا الفداء بشعاراته ونداءاته وأراجيزه وألقاب أبطاله، حتى تعم الساحة الإسلامية المجاهدة الصبغة الإلهية، وحتى تنبذ كل الشوائب التي علقت بالأهداف والمثل عند المسلمين

стр. 10

أثناء الغفلة التي سادتهم لفترة طويلة خلال القرن الهجري الذي نودعه. * * * شعارات الحرب عند المسلمين: كان للمسلمين شعاراتهم في المعارك الحربية التي خاضوا غمارها، وهي الكلمات التي يتعارفون بها أثناء احتدام القتال. ففي معركة بدر كان شعار المسلمين: أحَد أحَد. وفي معركة أحد كان شعارهم: أمِت أمِت. وفي معركة الخندق كان شعارهم: " حم لا ينصرون " آية من كتاب الله. وفي غزوة بني المصطلق وفي غزوة خيبر كان شعارهم: " يا منصور أمت أمت ". ويوم الفتح الأكبر، فتح مكة، كان الجيش الإسلامي ثلاث فئات، لكل فئة شعارها، فالمهاجرون كانوا كتيبة، شعارها: يا بني عبد الرحمن. والخزرج كتيبة، شعارها: يا بني عَبد الله. والأوس كتيبة، شعارها: يا بني عُبيد الله.

стр. 11

هتافات المسلمين في الحروب: وكان للمسلمين هتافاتهم المتميزة أثناء القتال: ففي كل المعارك كان يسود الهتاف الخالد: " الله أكبر. . الله أكبر ". وفي غوة خيبر هتف الرسول ﷺ متفائلاً عندما أطل الجيش الإسلامي على حصون خيبر: " الله أكبر خربت خيبر ". وهتف علي بن أبي طالب – ﵁ – يحث المسلمين على القتال فقال: " يا كتيبة الإيمان ". وهتف الرسول – ﵇ – في غزوة ذي قرد، يحث فرسان المسلمين على القتال فقال: " يا خيل الله اركبي " ثم أصبح هذا الهتاف متداولاً في كل المعارك التي تلت هذه الغزوة. وكان المسلمون يهتفون وهم يباشرون تحصين المدينة بحفر الخندق في غزوة الأحزاب: " نحن الذين بايعوا محمدا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا " وكان رسول الله ﷺ يجيبهم ويقول: " اللهم إن الخير خير الآخرة. . . فارحم الأنصار والمهاجرة ". فما أروع هذه الصورة وما أعظمها، المسلمون المجاهدون

стр. 12

يعلنون التفافهم حول رسول الله ويعلنون إخلاصهم وولاءهم له ويعلنون انهم سيستمرون في الجهاد إلى آخر لحظة من حياتهم، يعلنون هذا وهم يمارسون الجهاد، فيتبعون القول بالعمل الجاد المخلص، ورسول الله – صلوات الله وسلامه عليه – يعجبه منهم هذا الموقف العظيم ويروقه منهم هذا الاخلاص العميق، فيدعو الله لهم بالرحمة وبخير الآخرة، لأن خير الآخرة هو الخير، ومن ظفر به فقد فاز بحظ عظيم. أما يوم الفتح الأكبر فقد ارتجت أرجاء مكة على هتاف المسلمين وراء رسول الله – ﵇ – وهو يتلو: " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ". توديع المجاهدين واستقبالهم: وكان للمسلمين عباراتهم الخاصة في توديع المجاهدين وفي استقبالهم: فكان المسلمون يودعون الجيوش الغازية بقولهم: " صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين ". وكان رسول الله ﷺ يعلم الجيوش الإسلامية أن تقول وهي عائدة من جهادها: " آيبون تائبون – إن شاء الله – لربنا حامدون ".

стр. 13

وعندما ودع الرسول – ﵇ – الجماعة الفدائية الذاهبة لقتل كعب بن الأشرف اليهودي قال لهم: " انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم ". وعندما عادت هذه الجماعة وقد أنجزت مهمتها بنجاح استقبلهم رسول الله بقوله: " أفلحت الوجوه "، ورد عليه الفدائيون المنتصرون: " أفلح وجهك يا رسول الله ". وفي كل عملية فدائية ناجحة كان استقبال رسول الله للعائدين بهذه العبارة المشرقة: " أفلحت الوجوه "، وكان الرد دائماً: " أفلح وجهك يا رسول الله ". نعم، فما كانت هذه الوجوه لتفلح لولا رسول الله ودعوة التوحيد، ولن تفلح للمسلمين وجوه إلا بما أفلحت به على عهد رسول الله. أراجيز القتال عند المسلمين: وكان للمسلمين في معاركهم أراجيزهم الحماسية الدافقة التي تمتلىء إخلاصاً وتنفجر إيماناً: فهذا عمير بن الحمام ينطلق مقاتلاً يوم بدر وهو يرتجز: ركضاً الى الله بغير زاد إلا التُّقى وعمل المعاد

стр. 14

وهذا أبو دجانة (١) ينطلق بسيف رسول الله إلى حومة الوغى يوم أحد وهو يرتجز: أنا الذي بايعني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكبول أضرب بسيف الله والرسول وهذا جعفر بن أبي طالب يعقر فرسه ويندفع مقاتلاً يوم مؤتة وهو يرتجز: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردة شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها وينزل عبد الله بن رواحة إلى قتال الروم بعد استشهاد جعفر وزيد وهو يرتجز: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت إن تفلعي فعلهما هديت ولكي ندرك عظمة أولئك المجاهدين وعظمة الأهداف

стр. 15

التي ضحوا من أجلها علينا أن نعيد المقاطع التالية من الأراجيز السابقة، ونتمعن في معانيها مرة ومرة: ركضاً إلى الله بغير زاد. . . أضرب بسيف الله والرسول. . . يا حبذا الجنة واقترابها. . . يا نفس إلا تقتلي تموتي. . . الألقاب الحربية للصحابة: هذا الجهاد العظيم لصحابة رسول الله – رضوان الله عليهم – جعلهم يكتسبون ألقاباً حربية بقيت بعدهم مقترنة بأسمائهم، تشهد على جسامة ما قدموه من تضحية وفداء: فجعفر بن أبي طالب: ذو الجناحين وجعفر الطيار. وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله. وخالد بن الوليد: سيف الله المسلول. والمنذر بن عمرو الساعدي: المعنق ليموت، سمي بذلك لإسراعه إلى الشهادة. وحنظلة بن أبي عامر: غسيل الملائكة.

стр. 16

وعاصم بن ثابت (١) : حمي الدّبر. ومحمد بن مسلمة الأنصاري: فارس نبي الله. وأبو قتادة بن ربعي الأنصاري: فارس رسول الله. * * * البشائر: وبعد، إن أعداء الله المتمثلين في اليهود والوثنيين والملحدين والنصارى والمنافقين من أتباعهم، حشدوا قواهم لحرب الإسلام وأهله، فعلى المسلمين أن يجاهدوهم بما علمهم الله ورسوله، وأن يعدوا للدفاع عن دينهم ما استطاعوا. وعندما ننطلق في حرب أعدائنا من منطلقات الإسلام فإن وعد الله بالنصر آت لا محالة، وقد بشرتنا أحاديث رسول الله ﷺ بهذا النصر المبين.

стр. 17

أما النصر على اليهود فقد وردت البشارة به في قوله ﵇: " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " (١) أما البشرى العامة بسيادة الاسلام في كل بقاع الأرض فقد جاءت في قوله ﷺ : " إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله ﷻ ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله ﷻ ، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله ﷻ ،، ثم يكون ملكاً جبرياً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله ﷻ ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء، وساكن الأرض، لا تدع السماء من مطر إلا صبته مدراراً،

стр. 18

ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئاً إلا أخرجته " (١) . اللهم عجل بزوال ما نحن فيه من حكم جبري حتى تنعم بالخلافة التي تسير على سنة نبيك. اللهم إننا نعلم أن هذه الخلافة لا تأتي إلا بالعمل الخالص لوجهك الكريم، وبالجهاد في سبيلك، فوفقنا اللهم لذلك، إنك إن أردت فعلت، وأنت أرحم الراحمين. اللهم اجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك الكريم، وانفع به، والحمد لله أولاً وآخراً. المؤلف الدوحة في ٢٢ شعبان ١٣٩٩ هـ.

стр. 19

وكنت إذا هَمَّ النبي بكافر سبقت إليه باللسان وباليد عبد الله بن أنيس

стр. 20

عبد الله بن أنيس في مجتمع يثرب: ماذا يفعل أطفال يثرب منذ أن تشرق شمسهم إلى أن تغيب؟ ما الذي يشغل فتيانها وشبابها على كرّ الليالي وتعاقب الأيام؟ بم يفكر رجال يثرب وشيوخها آناء الليل وأطراف النهار؟ لا أظن أن هناك ما يشغل الأطفال سوى مرحهم ولعبهم، وجريهم في أزقّة يثرب وبين نخيلها الذي يحيط بيوتها. أما الفتية الشباب، فلهم من فتوّتهم وشبابهم ما يدفعهم إلى مغامرات متنوعة بين أترابهم من الفتيات، أو في

стр. 21

ساحات الصيد، أو ميادين التدريب على فنون القتال، فلم يكن في جزيرة العرب شيء يشغل فتيانها غير هذه الأمور، فهم بين حب وحرب، أو حب وصيد! أما رجال يثرب وشيوخها فإنه يشغلهم شيء آخر، يشغلهم، بالإضافة إلى معاشهم وكسبهم، هذه الحرب التي لا تهدأ إلا لتعود جذعة (١) مرة أخرى، لقد ابتلاهم الله بمجاورة يهود، ويهود لا تعيش إلا في أجواء الدّس والوقيعة والغدر والربا! فأوقعت هؤلاء الإخوة من الأوس والخزرج في ضائقات اقتصادية وشرور حربية، جعلت حياتهم جحيماً مستمراً، يلجونه طائعين، بل فخورين! حتى إذا طالت عليهم هذه الحال، وأكلت شبابهم وشيوخهم وأموالهم، وكادوا أن يتفانوا، تداعوا إلى الصلح ونبذ الأحقاد، وطي ما مضى من عداء، وانتهى أمرهم إلى أن قرروا تنصيب واحد منهم ملكاً عليهم، يصلح من شأنهم، وينظم لهم أمورهم. هؤلاء هم الرجال الذين عاش بينهم عبد الله بن أنَيْس فتى يافعاً شب عن الطوق، وأخذ يحضر مجالس الرجال، يتعرف على ما يهم هذه البلدة التي آوته حليفاً لبني سلمة، محباً لهم، متخذاً له من بينهم أصدقاء يحبهم ويحبونه،

стр. 22

فكان لا يُرى إلا مع صديقيه، معاذ بن جبل (١) وثعلبة ابن عنَمة، يروحون ويغدون بين مجالس الرجال، وقد تهيأوا ليكونوا أعضاء في مجتمع الرجولة بعد أن تجاوزوا سريعاً مرحلة الصبا. وعلى الرغم من افتخار عبد الله بن أنيس بقومه من بني وبرة من قضاعة، فإن إعجابه بشباب ورجال حلفائه من بني سلمة كان شديداً، مما جعله يؤثرهم، ويبقى معهم في يثرب، ويطيل البقاء، حتى أصبح واحداً من أهلها، يفرحه ما يفرحهم، ويسوؤه ما يسوؤهم. * * رحلة الحج: وحل موعد الحج إلى البيت العتيق في مكة قبل أن يفرغ الشقيقان المتخاصمان – الأوس والخزرج – من أمر تسويد عبد الله بن أبي بن سلول على الحيّين، ولم يكن العرب – وأهل يثرب منهم – ما يمكن أن يشغلهم عن

стр. 23

الحج إلى مكة، فآثروا أن يؤجلوا اتخاذ القرار النهائي في هذا الأمر الجلل لحين عودتهم من مكة، وأسرعوا إلى مطيهم يحثونها في الطريق إلى البيت، وكان من عادتهم أن يخرجوا في جماعتين متباعدتين، فخرجوا هذا العام في جماعة واحدة، فامتلأ الوادي بهم، وسال بمطيهم، وحدا حاديهم فأطربهم ونشط إبلهم، فكانوا يشعرون بأن هذه الرحلة إلى البيت المقدس ليست كاللاتي سبقت في السنين الخوالي، وكانوا يعزون ما ينتابهم من انشراح ونشاط وسرور إلى هذه الألفة الجديدة التي وحدت جموعهم، وأزالت ما في صدورهم من غل، وانتزعت ما في نفوسهم من بغضاء. وكانت المشاعر المقدسة تموج بالقبائل العربية التي آتت اليها من كل فج عميق، وكانت هذه الجموع تموج بهذا الحديث العجيب عن فتى من قريش جاء بحدث عظيم، فكان حديثهم عن هذا الحدث هامساً تارة، معلناً عن نفسه تارة أخرى. وتناقل الناس حديث هذا الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، كما سمعوا في دهشة واستغراب شديدين ما يقوله القرشيون عن محمد، وما يرمونه به من سحر وكهانة وشعر، وما يرمون به الدين الجديد، فيزعمون أنه يفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والرجل وزوجه، مما جعل القبائل تنفر من الدين، وتتجنب الاجتماع بالرسول الأمين.

стр. 24

وعلى الرغم من كل ما بذلت قريش لتصد عن سبيل الله، إلا أن نفراً من اليثربيين استمعوا للرسول، فما كان منهم إلا أن بادروا بالاسلام، فهم قد سمعوا من يهود عن نبي يرسل بالدين الحنيف، وكانوا يتوعدونهم به، فكان من همتهم وفطنتهم، ومما أكرمهم الله به، أن سبقوا إليه وآمنوا به، وبايعوا رسول الله، وواعدوه الموسم من العام المقبل، يلقونه فيه، وقد دعوا قومهم إلى الإيمان، وجاؤوا بغيرهم لمبايعة رسول الإسلام. * * الدخول في الإسلام: وعاد المؤمنون إلى يثرب، ونشطوا بالدعوة للدين الحنيف، ولاقوا من أهل يثرب الاستجابة الحسنة، وبادر الكثير من الشباب إلى الايمان بالإسلام، وكان من بين هؤلاء الشباب عبد الله بن أنيس. ونما المجتمع الإسلامي في يثرب نمواً سريعاً، وكان عبد الله بن أنيس واحداً ممن عملوا على نمو الجماعة المسلمة بما بذله من جهد وما أبداه من نشاط في الدعوة إلى الله، لقد خالطت بشاشة الاسلام قلبه، وملكت عليه لبه، فلم يعد في حياته غير هذا الدين وحبه، وغير هذا الرسول وربه، فمضى بشبابه الوثاب يبني لبنة في صرحه، ويساهم في إرساء أسسه.

стр. 25

ودار العام، وتهيأ المسلمون سراً لموسم الحج، ونظموا من بينهم جماعة لتلقى الرسول وتؤكد البيعة. وكم كانت فرحة ابن أنيس عندما اختاروه من بين أفراد الوفد، فهو لم ير الرسول بعد، وكم تمنى أن يراه ويسمعه، بل كم طاف به خياله، فانتقل به إلى مكة وحوم به حول الكعبة يبحث عن الرسول الحبيب، فكان هذا يزيده شوقاً إلى شوق ولهفة إلى لهفة! وفي العقبة من منى اجتمع الوفد برسول الله، وحاذروا أن يراهم أحد أو يشعر باجتماعهم أهل منى، فأعطوا الرسول العهد والميثاق، وأدوا البيعة على نصرة الله ورسوله، وأخذوا لأنفسهم من رسول الله ما يرضاه الله. وكان أهم ما فازوا به رسول الله يهاجر إلى مدينتهم، وينطلق منها بالدين الحق الى الناس أجمعين، يدعوهم ويبشرهم وينذرهم. وكم كانت هذه اللحظات عظيمة عند عبد الله بن أنيس، خاصة عندما امتدت يده فالتقت بيد الرسول مصافحة معاهدة مبايعة، ما كان أروعها من لحظة، وما كان أسعدها من مناسبة. وعاد الوفد إلى يثرب، وشمر عبد الله عن ساعد الجد، لقد انطوت صفحة الأمس بما فيها وفتحت صفحة جديدة مشرقة. وأخذ عبد الله يزور أهل يثرب، من عرف منهم ومن لم يعرف، يدعوهم ويبصّرهم وينصحهم، فيسره إيمان

стр. 26

من يؤمن ويحزنه إعراض معرضهم. وكان أكثر ما يغيظه هذه الأصنام التي أقيمت من حجارة وطين، يسجد لها هذا الإنسان الذي كرمه رب العالمين! وانطلق إلى صديقيه معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة (١) وشكى لهما ما يضايقه من أمر الأصنام خاصة أصنام بني سلمة، فإنه يعز عليه أن لا يهتدي مواليه إلى الحق، فلقي من صاحبيه موافقة وتأييداً، واتفقوا على أن يقوموا بتكسير هذه الأصنام وتحطيمها. . . وأفاق بنو سلمة على أصنامهم فإذا هي جُذاذ (٢) ، فهالهم الأمر، وتوقعوا شراً، وباتوا يحذرون أن يصيبهم بسببها مكروه يعجزون عن دفعه، ولكن الأيام مرت، ولم يزدهم كسرها إلا سلامة وسلاماً، وأمنة وأمنا، فرجعوا إلى أنفسهم، وراجعوا موقفهم، فأدخل الله على قلوبهم كراهية الأصنام وحب الإسلام. . . ويا لها من سعادة غمرت عبد الله وصحبه، لقد دخل مواليه في الإسلام، ومن بعدهم أقبل الأوس والخزرج على الدين زرافات ووحدانا، وأخذوا يستعدون للقاء الرسول الكريم، القادم

стр. 27

اليهم بالخير العميم، وبالعز المقيم، وبالشرف الرفيع. وبات الأنصار ينتظرون قدوم رسول الله، وكان عبد الله من أشدهم شوقاً ومن أكثرهم ترقباً، وعندما جاءهم البشير باقتراب الرسول، تدافعوا إلى ثنية الوداع يستجلون الطلعة النبوية الشريفة، وعندما أطل عليهم رسول الله، هتفوا من أعماقهم مرحبين، وكان عبد الله بين هذه الجموع يكاد يطير فرحاً وسروراً، فقد حل الرسول بيثرب، فأحالها إلى أنوار ساطعة، وقد نالت شرف نزوله بها، وهو شرف ما بعده شرف، لقد انتهى عهد كانت تسمى به يثرب، فهي اليوم كما سماها الرسول " طيبة " وهي كما سماها المسلمون " مدينة الرسول "، و" المدينة المنورة " به ﷺ . * * الحرص على الخير: وبدأ العمل لبناء المجتمع الإسلامي الأول، وعبد الله ابن أنيس يساهم في هذا البناء بكل ما أوتي من جهد وطاقة، لا يكل ولا يمل، فهو دائب الحركة، دائم العمل ولكن بُعدَ منزله من قلب المدينة كان يشق عليه، خاصة وأنه كان حريصاً على القرب من منبع الهداية والنور والخير، فقد تابع حضور مجالس الرسول نهاراً، ولكن

стр. 28

الذي كان يؤوده حضورها ليلاً، خاصة في رمضان الخير، وقد أحب أن يكون حاضراً ليلة القدر من كل رمضان ما دام لا يستطيع أن يحضر كل لياليه، فأتى الرسول وقال له: يا رسول الله، إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها. فقال – ﵇ –: انزل ليلة ثلاث وعشرين. فكان عبد الله حريصاً على هذه الليلة، لا يفوته النزول لها، ولا يشغله عن ذلك شيء مهما بلغ، وكان يرى أنها ليلة القدر. * * قتل سلام بن أبي الحقيق: وبدأ الصدام بين الدولة الإسلامية الناشئة وبين من وقفوا في وجهها، وجاهروها بالعداء، فكانت الوقائع مع قريش الكفر، وكانت الصدامات مع يهود، وكان عبد الله ابن أنيس حاضراً لهذه الأحداث، لا يغيب عنها، إلا ما كان من غيابه عن بدر لعذر عند رسول الله مقبول. وكشر يهود عن انيابهم، وسلوا سيوفهم في وجه الاسلام وأهله، وبذلوا أموالهم – وهم أضن الناس بها – للقضاء على الإسلام في المدينة، وكان من أشد الناس عداوة لله ورسوله والمؤمنين، ملك يهود في خيبر أبو رافع سلام بن أبي الحقيق فهو قد حرّض اخوانه يهود بني النضير على قتل الرسول

стр. 29

غيلة، وقد استمعوا اليه، وحاولوا، ولكن الله منع رسوله ونجّاه، وكان سلام – على حرصه وشحه – يبذل ماله للأعراب يحرضهم على غزو المدينة وانتهابها، وكان على رأس الوفد الذي أتى مكة مخططاً لغزو المدينة، ثم كان مندوب الأحزاب إلى قبائل غطفان يحرضهم ويدُعُّهم (١) إلى حرب الإسلام ممنياً إياهم بالنصر والغنم الكبير. وفي مجلس الرسول الكريم تذاكر المسلمون عداء سلام ابن أبي الحقيق لله ورسوله، ورأوا أنه لا يكف عن الكيد للإسلام والمسلمين حتى يكف قلبه عن الخفقان، وأن ما فعله بالمسلمين وما يكنه لهم من حسد وحقد جدير بأن ينفذ المسلمون به حكم الموت. وكان هذا ما قرره الرسول ﷺ فانتدب من أصحابه لهذه المهمة من يجيدها فاختار عبد الله بن عتيك (٢) لرئاسة المجموعة الفدائية وذلك لأنه كان متقناً للغة يهود واختار معه جماعة من أجرأ الرجال من بينهم عبد الله بن أنيس. اجتمعت هذه الجماعة ورتبت أموراه وأعدت خطتها ثم عرضتها على رسول الله فأقرها وزود الجماعة بتوجيهاته

стр. 30

وتوصياته، وأمرهم بالانطلاق على بركة الله. وفي ليلة النصف من جمادى الآخرة سنة ست من هجرته ﷺ انطلقت المجموعة إلى هدفها، وكانت حريصة على تنفيذ توصيات الرسول في كتمان أمرهم وتعمية خطتهم عن عدوهم. فكانوا يسيرون الليل ويكتمون النهار إلى أن وصلوا مشارف خيبر وأطلوا على حصونها المتعددة، فقصدوا واحداً منها هو بغيتهم ومقصدهم، حصن سلام ابن أبي الحقيق، عدو الله وعدو رسوله. وكمنت الجماعة في مكان قريب من الحصن وقدمت ابن عتيك ليدبر لهم طريقاً إليه، وانطلق القائد إلى هدفه ومكنته إجادته للغة يهود من دخول الحصن وأخذ يتفقده ويتعرض على مداخله ومخارجه، ثم تلبث حول البوابة الرئيسية يراقب حارسها، ويعد عليه حركاته وسكناته متصنعاً الانشغال بأمور عديدة وعينه لا تفارق الحارس وبوابته لعله يهتدي لطريقة يفتح بها الباب لأصحابه إذا جنّ عليهم الليل. وعلا صوت الحارس يستحث المتأخرين للدخول: لقد حان وقت اغلاق الحصن، سوف لن أفتح لأحد بعد أن أغلقه، ادخلوا سريعاً وإلا فسوف تنامون في العراء! وأسرع المتأخرون بالدخول، وأسرح الحارس فأغلق

стр. 31

الباب. وانزوى عبد الله بن عتيك يراقبه، ها هو ذا يغلق الباب بالمفتاح الضخم وها هو ذا يعلقه في زاوية بجانب الحائط بعيدة عن الانظار. . وها هو ذا ينصرف إلى بيته، إنه موعد تناول العشاء، وسوف يعود بعدها إلى مكانه من الباب. . . سارع ابن عتيك إلى المفتاح فانتزعه من مكانه، وبخفة أداره في قفل الباب، ثم شقه شقاً خفيفاً، وأرسل إشارته إلى صحبه فأسرعوا بالدخول وأسرع هو إلى الباب فأغلقه، وأعاد المفتاح إلى مكانه! كانت الأصوات في الحصن تدل على أن أهله لا يزالون أيقاظاً، فاتخذ الفدائيون الصحابة ركناً من الحصن يتوارون فيه بانتظار رقدة القوم. ولبثوا في مكمنهم إلى منتصف الليل، ولما سكنت الأصوات واطمأنوا إلى هجعة القوم قاموا من مكمنهم وتقدموا إلى هدفهم، أبي رافع سلام ابن أبي الحقيق الذي يرقد في القصر الذي يقابلهم. كانت غرفته في علية بالقصر، يصعد إليها بدرج متعرج يمر على غرف متعددة. فحرص الفدائيون على أن لا يحدثوا نأمة (١) ، فتتابعوا يصعدون الدرج بخفة وسرعة، وعندما وصلوا غرفة الطاغية تنبهت امرأته فتقدم منها واحد من

стр. 32

المجموعة ورفع عليها السيف، مهدداً متوعداً، ذاكراً وصية رسول الله أن لا يقتلوا سوى أبي رافع إن استطاعوا، فلاذت بالصمت وانكمشت في مكانها وهي ترتعد من الخوف، وتقدم الآخرون من فراش أبي رافع والظلمة الحالكة تلف المكان، فلا يكادون يتبينون موضعه، ولكنهم تناوشوا جسده بالسيوف، فكانت ضرباتهم بين ضربة طائشة وأخرى غير قاتلة. وتقدم عبد الله بن أنيس بثبات إلى الجسد المسجى أمامه وقد سالت دماؤه وارتفع صوته بالنجدة والغوث، فغرس فيه سيفه حتى أنفذه. ولم تتحمل امرأته ما رأت، فصرخت بأعلى صوتها، فنبهت من بالحصن فهرعوا إلى الصوت، وهرع الفدائيون إلى الدرج ينزلونه بسرعة وخفة فانزلق ابن عتيك فكسرت رجله، وصرخ بأصحابه مستنجداً: وارجلاه، وارجلاه. فعاد إليه عبد الله بن أنيس فحمله على كتفه حتى خرج به من الحصن. وافتقد عبد الله بن أنيس قوسه. . لقد سقطت منه داخل الحصن عندما احتمل ابن عتيك، فأصر على استعادتها رغم ما سمعه في الحصن من هرج واختلاط، فقد كان حديد القلب، شجاعاً لا يهاب الرجال. فعاد والحصن يموج بالرجال لا يدرون ما يفعلون وليس لهم إلا سؤال واحد: من قتل

стр. 33

ابن أبي الحقيق؟ ! يسأل الرجل كل من يلقاه، عرفه أم لم يعرفه! . ودخل ابن أنيس بين القوم واختلط بهم وسأل سؤالهم، إلى أن وصل إلى قوسه فأخذها وانسل عائداً إلى صحبه. وانتظرت المجموعة في مكمنها تراقب الحصن لتتأكد من موت عدو الله، فلم تمر ساعة حتى نادى مناد: " لقد هلك سيد خيبر، لقد مات ملك يهود، أبو رافع سلام ابن أبي الحقيق ". لقد نزلت هذه الكلمات على صورهم نزول الماء على الأرض العطشى، فانطلقوا والفرحة تغمرهم عائدين إلى مدينة الرسول، يستحثون ركابهم وهم في شوق غامر لمقابلة الرسول لينهوا إليه النبأ ويزفوا البشرى، لقد انتهى عدو الله، سلام بن أبي الحقيق. واقترب الركب من مسجد الرسول ﷺ وسمعوا صوته يحدث الناس، فأسرعوا إليه فنظر إليهم وهم يقبلون اليه بوجوه تنطق بالسرور، فقال لهم مبتسماً: أفلحت الوجوه! فما أعظمها من كلمة تخرج من فم الرسول الذي لا ينطق عن الهوى: أفلحت الوجوه! وتسارع الجماعة فترد عليه بصوت واحد: أفلح وجهك يا رسول الله.

стр. 34

نعم، أفلح وجهك يا رسول الله، فما كانت هذه الوجوه لتفلح لولا هديك وإرشادك. وتحلّق الناس حول العائدين بالفلاح يستمعون إلى حديث مصرع سلام بن أبي الحقيق، وإنه لحديث! وتنازع الفدائيون عند رسول الله فيمن قتل أبا رافع، وكل واحد يقول: لسيفي هو الذي قتله، وابتسم الرسول لأولئك الذين يتنازعون الشرف العظيم، وإنه لشرف يُتنازع عليه! وأشار الرسول بيده أن اسكتوا، ثم طلب من كل واحد منهم أن يعرض عليه سيفه، فاستعرضها، ثم التفت اليهم وقال: لسيف عبد الله بن أنيس هو الذي قتله، أرى فيه أثر الطعام. لقد ذهب عبد الله بن أنيس بهذا الشرف الكبير، وإن كان لا يغمط أصحابه ما ساهموا به في هذا العمل الجليل. * * اختيار زعيم جديد لليهود: لقد كان قتل سلام بن أبي الحقيق ملك يهود حدثاً عظيماً هز خيبر ويهود هزاً عنيفاً، فلم يعودوا آمنين في حصونهم وبين أهلهم، لقد أخذ المسلمون عليهم البلاد،

стр. 35

وأحاطوهم بجدار من الرعب، فلم يعد أحدهم يأمن على نفسه في سربه وبين ذويه. وتنادت يهود لبحث ما جد من أمورها، فاجتمع القوم يبحثون في علاقاتهم مع المسلمين، هل تستمر على ما هي عليه من خصام وعداء، أم يجنحون إلى السلام ويفيئون إلى الوئام؟ ! قال قائلهم: يا معشر يهود، إن لنا عند محمد تارات يجب أن لا نتهاون فيها، إنها ترات قريظة والنضير، وكعب وسلام، كيف نسالم من سلبنا عزنا وشرفنا؟ كيف نهادن من استولى على أرضنا وأخرجنا من ديارنا؟ كيف نصافي من قتل أشرافنا وساداتنا؟ كيف نركن إلى السلام ونحن ذوو ألسنة لداد وقلوب شداد وسيوف حداد؟ أنختار السلام ولنا من أموالنا ما يكفي لشراء السلاح وإغراء الأعراب؟ فلنبذل أموالنا رخيصة ولا نمد أيدينا لمحمد بسلام! وأثارت هذه الكلمات جمهور الحاضرين، وعلت صيحاتهم بالانتقام، وتنادوا إلى امتشاق السلاح واعلان الحرب العوان. ووقف اليُسير بن رزام، وهو سيد من ساداتهم يحظى عندهم بالإجلال والاحترام، فأشار إليهم بالاستماع، ثم قال:

стр. 36

يا معشر يهود، يا حملة التوراة المقدسة، يا من فضلكم الله على العالمين، لقد وتركم محمد ما في ذلك شك ولا ريب، لقد سلبكم أرضكم، وطأطأ من شرفكم، وضيق عليكم في رزقكم، فلا نشك أنه العدو، وأن بغضه واجب علينا وفرض في ديننا! ولكن ألا ترون أن أمر محمد قد علا، وان قوته في ازدياد، وأن المواجهة العسكرية معه لا تجدي لأنه المنتصر لا محالة؟ فلنعالج الأمر بالحيلة والخديعة والوقيعة، فإذا كان محمد يستطيع أن يهزمنا بالسلاح، فأنى له أن يجارينا بالوقيعة والخداع، ونحن أهلها منذ كنا؟ ! فلنؤلب عليه الأعراب، ولنبذل في سبيل ذلك المال والسلاح، ولنبق كل ذلك سراً، فنأمن انتقامه، ونصطنع معه الموادعة والملاينة، وننتظر ما يحل به على أيدي الأعراب وأهل مكة! هذا هو الحزم عندي، وهذا هو الرأي الذي أرتضيه لكم، ولكن قبل أن تحزموا أمركم على شيء من هذا، لا بد لكم من ملك تملكونه أمركم، أو زعيم تسلمون إليه قيادكم، فالأمور لا تصلحها الفوضى، بل لا بد لها من قيادة حازمة واعية! وتعالت أصوات الحاضرين: لقد أشرت بالرأي، فلنختر لأنفسنا ملكاً. وتنادت أصوات: ليس لها غيرك يا بن رزام، إننا

стр. 37

ارتضيناك لنا منذ اليوم ملكاً وسيداً. ووافق الجميع، وتم الأمر، وأصبح اليسير خليفة سلام المصروع، وتسلم زعامة خيبر! وكان أول عمل بدأ به اليسير أن شد رحاله وتوجه إلى قبائل غطفان، وأخذ يؤلبها على محمد ويذكرها بيوم الأحزاب، وأنهم كانوا قاب قوسين من النصر لولا عارض الريح الذي جعلهم ينكصون عن القتال، وأخذ يحثهم ويجزل لهم العطاء، ويكثر فيهم البذل، ويمنيهم بالوعود ليكونوا معه إلباً على محمد وعلى المسلمين. نهاية اليسير: وترامت أخباره إلى المدينة، وعلم الرسول بما يدبره اليسير مع غطفان، وتذكر يوم الأحزاب وما لقيه المسلمون من يهود وكيدها وغطفان وعدوانها، فأراد أن يحسم الأمر ويقطع دابر المؤامرة، فاجتمع بنفر من الصحابة، وتدارسوا الأنباء، وعرفوا أن اليسير هو الذي يتولى كبر المؤامرة، وينفخ في نار الفتنة، فقرروا أن يعالجوا أمره بالسياسة والإقناع لعله يرعوي عن غيه ويكف من شره، فيجنب قومه الحرب وبلده الخراب! وفي محاولة لتلافي أخطار الحرب أرسل الرسول ﵇ جماعة من الصحابة برئاسة عبد الله بن رواحة – رضي

стр. 38

الله عنه – ومن بينهم عبد الله بن أنيس، مهمتهم الأولى إقناع اليسير بالسلام، وأن يكف عن الغدر والخداع. وانطلق الركب إلى خيبر يحدوهم أمل بإقناع سيد يهود بما يحملونه له ولقومه من سلام وأمان، وفي الوقت نفسه يستعدون لما يتوقعونه من عناد يهود وإصرارهم على العداوة والبغضاء، غير غافلين عما يمكن أن يلاقوه منهم من غدر عرفوا به، فأصبح لهم سمة لا تريم عنهم ولا تزول! ووصلوا خيبر هذه المرة معلنين، وطلبوا مقابلة اليسير فاستقبلهم في مجلسه متجهم الوجه عابسه، يريهم من نفسه قوة وصلابة وجلداً، فجلسوا إليه وكلموا فيما جاءوا من أجله وذكروه نتائج الغدر وما جره على يهود من ذل وقتل وسباء، والرجل مطرق يستمع. وبعد أن انتهوا رفع رأسه وقال: ماذا تريدون مني؟ لقد قتلتم قومي، وشردتم أبناء ديني، واستوليتم على أموالنا وأرضنا ومتاعنا، وقد ندبني قومي للانتقام لما أصابهم، والانتصاف منكم! فقالوا له: لقد أصابكم ما أصابكم جزاء ما اقترفت أيديكم، فأنتم الذين غدرتم فعاد غدركم عليكم، وأنتم الذين نكثتم العهود والعقود، فكان ذلك وبالاً عليكم ودماراً، فهل تنوون أن تستمروا على ما أنتم عليه؟ فوالله إنها

стр. 39

للحالفة (١) هذه المرة، وقد أنذرناكم، وما نرى لك يا بن رزام إلا أن تأتي رسول الله وتأخذ منه لنفسك وقومك ما يجنبكم الفناء، وقد نصحنا لكم، فأنتم وما ترون. فقال اليسير: وما لي عند محمد إن أنا سالمت وهادنت؟ قالوا: إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك. قال: أمهلوني إلى غد لأرى رأيي وأستشير قومي. . واختار اليسير مجموعة من شباب يهود ليرافقوه في رحلته إلى المدينة، وعلى الرغم من تردده في الذهاب إلا أن أهل خيبر آثروا أن يذهب ليرى ما عند محمد، وبعد ذلك يقررون ماذا سيكون من أمرهم معه. وحرص المسلمون في عودتهم أن يأخذوا حذرهم، فيهود لا تكف عن الغدر، فهو يجري منها مجرى الدم، فوزعوا أنفسهم بين يهود حتى يكونوا مستعدين لكل طارىء، أما اليسير فقد أردفه عبد الله بن أنيس على بعيره، وكان عبد الله حذراً أشد ما يكون الحذر، متنبهاً أشد ما يكون التنبه

стр. 40

يراقب اليسير ويعد عليه حركاته وسكناته ويحصي عليه أنفاسه، لا يدع شيئاً من أمره يغيب عنه، وعبد الله رجل شديد العارضة ذكي الفؤاد، سريع البديهة لا يهاب الرجال. أما اليسير فقد كانت الافكار تتقاذفه، فهو طوراً يؤمل نفسه بملك مستقر وحياة مطمئنة بعد أن يصالح المسلمين وهو طوراً يعاتب نفسه ويلومها على ما هي مقدمة عليه من مفاوضة محمد عدو يهود الذي شتت شملهم وفرق جمعهم ويتّم أطفالهم وأفنى شبابهم وأذل كبرياءهم، تقول له نفسه: كيف أفعل ما أفعل؟ وحق التوراة ما أنا من يهود إن تم ما سولت به نفسي من مهادنة محمد! وحق يهود إنني لست لموسى بن عمران إن لم أفن العمر في قتال محمد ومن آمن بمحمد! بئست حياة يهود إن خضعوا لدين محمد! كيف أرضى أن يمتد بي العمر حتى أرى للإسلام دولة ولجنوده صولة؟ كيف أسمح لدين غير دين يهود أن يعلو ويسود؟ أهذا ما أوصت به الأحبار وأوصى به الآباء للأبناء؟ كلا، كلا يجب أن لا تمضي لما أنت فيه يا بن رزام وإلا فلست من يهود، ولا تصلح أن تكون لهم سيداً وعليهم ملكاً! وألحت هذه الأفكار على نفسه، فلم يعد يرى أمامه إلا عدواً يجب القضاء عليه، ولم يعد يشغل باله إلا التخلص
следующие страницы →