يا معشر يهود، يا حملة التوراة المقدسة، يا من فضلكم الله على العالمين، لقد وتركم محمد ما في ذلك شك ولا ريب، لقد سلبكم أرضكم، وطأطأ من شرفكم، وضيق عليكم في رزقكم، فلا نشك أنه العدو، وأن بغضه واجب علينا وفرض في ديننا! ولكن ألا ترون أن أمر محمد قد علا، وان قوته في ازدياد، وأن المواجهة العسكرية معه لا تجدي لأنه المنتصر لا محالة؟ فلنعالج الأمر بالحيلة والخديعة والوقيعة، فإذا كان محمد يستطيع أن يهزمنا بالسلاح، فأنى له أن يجارينا بالوقيعة والخداع، ونحن أهلها منذ كنا؟ ! فلنؤلب عليه الأعراب، ولنبذل في سبيل ذلك المال والسلاح، ولنبق كل ذلك سراً، فنأمن انتقامه، ونصطنع معه الموادعة والملاينة، وننتظر ما يحل به على أيدي الأعراب وأهل مكة!
هذا هو الحزم عندي، وهذا هو الرأي الذي أرتضيه لكم، ولكن قبل أن تحزموا أمركم على شيء من هذا، لا بد لكم من ملك تملكونه أمركم، أو زعيم تسلمون إليه قيادكم، فالأمور لا تصلحها الفوضى، بل لا بد لها من قيادة حازمة واعية!
وتعالت أصوات الحاضرين: لقد أشرت بالرأي، فلنختر لأنفسنا ملكاً.
وتنادت أصوات: ليس لها غيرك يا بن رزام، إننا
стр. 37
ارتضيناك لنا منذ اليوم ملكاً وسيداً.
ووافق الجميع، وتم الأمر، وأصبح اليسير خليفة سلام المصروع، وتسلم زعامة خيبر!
وكان أول عمل بدأ به اليسير أن شد رحاله وتوجه إلى قبائل غطفان، وأخذ يؤلبها على محمد ويذكرها بيوم الأحزاب، وأنهم كانوا قاب قوسين من النصر لولا عارض الريح الذي جعلهم ينكصون عن القتال، وأخذ يحثهم ويجزل لهم العطاء، ويكثر فيهم البذل، ويمنيهم بالوعود ليكونوا معه إلباً على محمد وعلى المسلمين.
نهاية اليسير:
وترامت أخباره إلى المدينة، وعلم الرسول بما يدبره اليسير مع غطفان، وتذكر يوم الأحزاب وما لقيه المسلمون من يهود وكيدها وغطفان وعدوانها، فأراد أن يحسم الأمر ويقطع دابر المؤامرة، فاجتمع بنفر من الصحابة، وتدارسوا الأنباء، وعرفوا أن اليسير هو الذي يتولى كبر المؤامرة، وينفخ في نار الفتنة، فقرروا أن يعالجوا أمره بالسياسة والإقناع لعله يرعوي عن غيه ويكف من شره، فيجنب قومه الحرب وبلده الخراب!
وفي محاولة لتلافي أخطار الحرب أرسل الرسول ﵇ جماعة من الصحابة برئاسة عبد الله بن رواحة – رضي
стр. 38
الله عنه – ومن بينهم عبد الله بن أنيس، مهمتهم الأولى إقناع اليسير بالسلام، وأن يكف عن الغدر والخداع.
وانطلق الركب إلى خيبر يحدوهم أمل بإقناع سيد يهود بما يحملونه له ولقومه من سلام وأمان، وفي الوقت نفسه يستعدون لما يتوقعونه من عناد يهود وإصرارهم على العداوة والبغضاء، غير غافلين عما يمكن أن يلاقوه منهم من غدر عرفوا به، فأصبح لهم سمة لا تريم عنهم ولا تزول!
ووصلوا خيبر هذه المرة معلنين، وطلبوا مقابلة اليسير فاستقبلهم في مجلسه متجهم الوجه عابسه، يريهم من نفسه قوة وصلابة وجلداً، فجلسوا إليه وكلموا فيما جاءوا من أجله وذكروه نتائج الغدر وما جره على يهود من ذل وقتل وسباء، والرجل مطرق يستمع. وبعد أن انتهوا رفع رأسه وقال: ماذا تريدون مني؟ لقد قتلتم قومي، وشردتم أبناء ديني، واستوليتم على أموالنا وأرضنا ومتاعنا، وقد ندبني قومي للانتقام لما أصابهم، والانتصاف منكم!
فقالوا له: لقد أصابكم ما أصابكم جزاء ما اقترفت أيديكم، فأنتم الذين غدرتم فعاد غدركم عليكم، وأنتم الذين نكثتم العهود والعقود، فكان ذلك وبالاً عليكم ودماراً، فهل تنوون أن تستمروا على ما أنتم عليه؟ فوالله إنها
стр. 39
للحالفة (١) هذه المرة، وقد
أنذرناكم، وما نرى لك يا بن رزام إلا أن تأتي رسول الله وتأخذ منه لنفسك وقومك ما يجنبكم الفناء، وقد نصحنا لكم، فأنتم وما ترون.
فقال اليسير: وما لي عند محمد إن أنا سالمت وهادنت؟
قالوا: إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك.
قال: أمهلوني إلى غد لأرى رأيي وأستشير قومي. .
واختار اليسير مجموعة من شباب يهود ليرافقوه في رحلته إلى المدينة، وعلى الرغم من تردده في الذهاب إلا أن أهل خيبر آثروا أن يذهب ليرى ما عند محمد، وبعد ذلك يقررون ماذا سيكون من أمرهم معه.
وحرص المسلمون في عودتهم أن يأخذوا حذرهم، فيهود لا تكف عن الغدر، فهو يجري منها مجرى الدم، فوزعوا أنفسهم بين يهود حتى يكونوا مستعدين لكل طارىء، أما اليسير فقد أردفه عبد الله بن أنيس على بعيره، وكان عبد الله حذراً أشد ما يكون الحذر، متنبهاً أشد ما يكون التنبه
стр. 40
يراقب اليسير ويعد عليه حركاته وسكناته ويحصي عليه أنفاسه، لا يدع شيئاً من أمره يغيب عنه، وعبد الله رجل شديد العارضة ذكي الفؤاد، سريع البديهة لا يهاب الرجال.
أما اليسير فقد كانت الافكار تتقاذفه، فهو طوراً يؤمل نفسه بملك مستقر وحياة مطمئنة بعد أن يصالح المسلمين وهو طوراً يعاتب نفسه ويلومها على ما هي مقدمة عليه من مفاوضة محمد عدو يهود الذي شتت شملهم وفرق جمعهم ويتّم أطفالهم وأفنى شبابهم وأذل كبرياءهم، تقول له نفسه: كيف أفعل ما أفعل؟ وحق التوراة ما أنا من يهود إن تم ما سولت به نفسي من مهادنة محمد! وحق يهود إنني لست لموسى بن عمران إن لم أفن العمر في قتال محمد ومن آمن بمحمد! بئست حياة يهود إن خضعوا لدين محمد! كيف أرضى أن يمتد بي العمر حتى أرى للإسلام دولة ولجنوده صولة؟ كيف أسمح لدين غير دين يهود أن يعلو ويسود؟ أهذا ما أوصت به الأحبار وأوصى به الآباء للأبناء؟ كلا، كلا يجب أن لا تمضي لما أنت فيه يا بن رزام وإلا فلست من يهود، ولا تصلح أن تكون لهم سيداً وعليهم ملكاً!
وألحت هذه الأفكار على نفسه، فلم يعد يرى أمامه إلا عدواً يجب القضاء عليه، ولم يعد يشغل باله إلا التخلص
стр. 41
ممن معه من المسلمين، وسار الركب واليسير يجيل الأمر في نفسه ويدبر للخلاص من هذا المأزق الذي هو فيه قبل أن يبتعدوا عن خيبر. . . إنهم الآن على ستة أميال منها في مكان يقال له " القرقرة " واليسير على بعير واحد مع عبد الله بن أنيس. . ويتلفت اليسير إلى عبد الله وعينه تلحظ السيف الذي يتدلى إلى جنبه، وقرر أن يستل هذا السيف ويفتك بصاحبه ثم يولي على بعيره عائداً إلى خيبر. . أما أصحابه فليفعلوا فعله وهم لا شك فاعلون إن رأوه ابتدأهم بذلك. .
أما عبد الله بن أنيس فإن عينه لم تغفل وقلبه لم ينم منذ فصلوا عن خيبر، فهو متيقظ أبداً لصاحبه، واليسير قد قرر، والركب يسير جاداً إلى هدفه يخيم على رجاله الصمت والحذر، وفجأة علا صوت اليسير: يا لثارات يهود وانقض على سيف عبد الله بن أنيس يريد أن يستله، وتدرك البديهة عبد الله فيقتحم بالجمل فلا يمكّن اليسير من السيف، بل يسله ويضرب به رجل عدو الله، فيسرع هذا إلى عمود من خشب كان معه فيضرب به رأس عبد الله فيشدخه، ولكن عبد الله يتمالك نفسه، ويكرّ على عدوه الغادر فيجز رأسه، فيقع مضرجاً بدم العار والخيانة.
أما بقية يهود، فما إن سمعوا نداء سيدهم حتى بادر
стр. 42
كل منهم صاحبه من المسلمين يريد أن يفتك به، ولكن المسلمين كانوا على حذر، فأجهز كل منهم على عدوه، إلا ما كان من رجل منهم فر عائداً إلى خيبر يحمل لقومه خبر أصحابهم ونتائج غدرهم.
وأما الركب المسلم فقد أفاق من مفاجأة الحادث الذي تتابعت فصوله بسرعة عجيبة، وانتهت أحداثه بسرعة أعجب، فتفقدوا أنفسهم وحمدوا ربهم على نجاتهم وتعجبوا من أولئك الذين لا يقرون بوعد ولا يفون بعهد، إنه الحقد الذي امتلأت به قلوبهم فلم يعد فيها متسع لشيء سواه!
قال واحد من الركب المسلم: لقد أصبح حقد اليهود على الاسلام وأهله جبلة لهم لا تفارقهم أبد الدهر، فهم العدو لهذا الدين ما تعاقب الليل والنهار.
قال آخر: بل إن صفة الغدر تأبى أن تغادر يهود، وإلا فما الذي دفع هؤلاء إلى ما فعلوا، وهم ذاهبون إلى رسول الله بالأمان الذي أعطينا؟ !
قال ثالث: الحمد لله إذ لم يصب أحد منا، وقد قضينا على رأس من رؤوسهم، ولا أظنهم الآن إلا والخوف يملأ قلوبهم، وإني لأتخيلهم وقد أغلقوا على أنفسهم حصونهم، والرعب يخيل اليهم أنهم في العراء، لا يقيهم حصن ولا
стр. 43
ينفعهم سلاح. . دعونا نواصل سيرنا حتى نأتي رسول الله بالخبر.
* *
الخطر الجديد:
لم تكن الأحداث لتدع المسلمين يركنون إلى الراحة يوماً، فما إن ينتهوا من القضاء على خطر أو عدو حتى يواجههم خطر آخر ويبرز لهم عدو جديد. فقد وصلت أخبار إلى المدينة بأن واحداً من زعماء هذيل يدعى خالد بن سفيان الهذلي. . يجمع الجموع ويعد العدة لغزو المدينة، وأنه جعل من " نخلة " القريبة من المدينة مكاناً يجتمع فيه رجاله.
وهذيل قبيلة كبيرة العدد، متعددة الأفخاذ والبطون، تسكن المنطقة الممتدة بين مكة والمدينة، وهي تعيش حياة الغزو والصعلكة. ويكثر فيها الرجال الذؤبان الذين يعتمدون في معاشهم على السلب والنهب. وكثيراً ما ألجأها شظف العيش وقسوة الحياة لأن يقاتل بعضها بعضاً، وهم بسبب من هذه الحياة يعيشون حياة اجتماعية فاسدة، وتنتشر بينهم العادات الرذيلة، وهم قد ألفوا هذه العادات حتى لم تعد تلاقي لدى أي منهم اعتراضاً أو استنكاراً أو استهجاناً، وقد بلغت بهم هذه العادات حداً من الألفة
стр. 44
جعلتهم يشترطون على رسول الله عندما أتوه مسلمين أن يحل لهم الفاحشة؟
وقد قذفهم حسان – ﵁ – بنيران شعره عندما سمعهم يطلبون هذا المطلب الدنيء ووسمهم بميسم العار الذي تندى له الجباه، فقال فيهم:
سالت هذيل رسول الله فاحشة
ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
سالوا رسولهم ما ليس معطيهم
حتى الممات، وكانوا سُبّه العرب
هذه هي قبائل هذيل التي أخذت تتجمع تحت قيادة خالد بن سفيان لغزو المدينة ونهبها، وقد انضم إليها حثالة القبائل وأوباشها، وأغلب الظن أن هذيلا ومن انضم إليها لم يكن يهمهم أن يقضوا على الإسلام ودعوة التوحيد، ولم يكن يزعجهم أن تزول الأصنام، كما لم يكن يسعدهم أن تبقى، إنما جمعهم الرغبة في السلب والنهب، وقد رأوا المسلمين يخوضون المعارك تلو المعارك، فظنوا أن الحرب قد أنهكتهم وأنهم أصبحوا لقمة سائغة يستطيعون التهامها متى شاؤوا، فتنادوا للغزو ونزلوا " نخلة " استعداداً لليوم الموعود!
стр. 45
المعالجة الحكيمة:
وأهمت هذه الجموع رسول الله ﷺ ، ورأى أن يحسم أمرها قبل أن يكتمل جمعها وقبل أن تتحرك إلى المدينة، ورأى ﵇ أن هذه القبائل تتجمع حول خالد بن سفيان، فإذا قتل خالد تفرقت بدداً وانتهى أمرها، وزال خطرها.
وفكر الرسول ﷺ فيمن ينتدبه لهذه المهمة، فقتل زعيم كبير وسيد مطاع يتحلق حوله ألوف من أشداء الرجال يحتاج إلى رجل حديد القلب، ثابت الجنان ذي تجرية في مثل هذه الأمور.
ومن غير عبد الله بن أنيس هذه المهمة؟
واستدعى رسول الله صاحبه عبد الله بن أنيس وأجلسه بجانبه، وأوجز له المهمة التي ينتدبه لها، فقال ﵇: إنه قد بلغني أن ابن سفيان يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة فأته فاقتله.
إنها مهمة واضحة محددة بقدر ما هي كبيرة وخطيرة، إن الذي يجمع الناس لقتال الرسول هو ابن سفيان، ولولاه لما اجتمع الناس، والمكان الذي ينزله هذا العدو هو " نخلة " والمهمة التي أسندت للفدائي الصحابي هي القضاء على رأس الفتنة وموقد نارها: خالد بن سفيان الهذلي.
стр. 46
وعى الجندي أمر القائد، ولكن المهمة خطيرة فالعدو محاط بآلاف الرجال ولا بد من طريقة للوصول إليه، وليس هناك من سبيل غير أن يخدعه، ولا بد لكي تنجح الخدعة أن يتقول له، والإسلام حرم ذلك على المؤمنين فلا بد أن يستأذن الرسول بذلك لعله يسمح
له به أو يشير بما هو أفضل منه. . فقال عبد الله: يا رسول الله لا بد لي في مهمتي هذه أن أقول! فأشار عليه الرسول أن يقول ما بدا له فالحرب خدعة.
قتل الزعيم:
وانطلق عبد الله إلى مهمته متوشحاً سيفه، ووصل " نخلة " عصراً وقد وجبت الصلاة، ونظر حوله فرأى جمعاً هائلاً وحركة كبيرة والتفت يبحث عن بغيته فرآه مع مجموعة من نسائه يرتاد لهم موضعاً ينصب فيه أخبيتهم فكانت فرصة قد لا تواتي مرة أخرى، وأجال عبد الله خطته في ذهنه وخشي أن تفوته الفرصة وخشي على صلاة العصر أن تفوته، إذ قد يشتبك مع عدوه في مصاولة ومبارزة، فصلى إيماء وهو يمشي نحو عدوه.
وانتهى عبد الله إلى خالد، فلما رأه خالد قال له: من الرجل؟
قال عبد الله: رجل من العرب سمع بك وبحمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك.
стр. 47
قال خالد: أجل إني لفي ذلك وما أظنه سيثبت لي ومعي هذا الحشد من الرجال، وإن هي إلا أيام وتكون المدينة وما فيها نهباً لرجالي، فأهلً بك معنا يا أخا العرب!
وترك خالد نساءه ومشى يحدث عبد الله بما أجمع عليه وما يأمل الحصول عليه من ثمار المدينة وخيراتها، وسار ابن أنيس يزين له فعله ويحبب اليه مقصده، وكان عبد الله حسن الحديث لطيف العبارة، فأنس به خالد وأمنه على نفسه، وظل عبد الله يجاذبه الحديث وهو ينتظر فرصته فلما واتته اقتنصها فاستل سيفه وضرب به رأس عدو الله فأطاحه ووقع جسده على الأرض فأحدث ضجة نبهت نساءه فالتفتن نحوها فرأين رأس خالد يتدحرج بعيداً عن جسده، فصرخن صرخة الموت فاندفع عبد الله ينجو بنفسه واندفع نساء خالد ورجاله إليه، وأخذتهم المفاجأة وشغلهم هولها عن عبد الله وانصرفوا إلى صاحبهم يندبونه وعندما أفاق فريق منهم من هول المفاجأة وفكروا في اللحاق بالقاتل كان هذا قد أعجزهم وفاتهم منه ما يطلبون.
وما إن انتهى القوم من مواراة قتيلهم التراب حتى بدأ جمعهم يتفكك، وما إن أصبح الصباح حتى كانت نخلة قد لفظتهم فلم يبق منهم أحد، وكفى الله رسوله والمؤمنين القتال.
стр. 48
أما الفدائي الصحابي عبد الله بن أنيس فقد امتلأ قلبه غبطة وسروراً، لقد أنجز المهمة كما أرادها رسول الله لقد خلص المسلمين من شر مستطير وخطر عقيم!
أفلح الوجه:
وسار عبد الله يقطع الطريق عدواً، يود لو أنها تطوى له، فهو في شوق للقاء رسول الله لينهي إليه خبر الخلاص من عدو الله.
ووصل عبد الله إلى مسجد الرسول ودخل وعيناه تبحثان عن الرسول الكريم فوجده بين أصحابه، فلما أحس به ﷺ نظر إليه مبتسماً وبادره بالكلمة الطيبة: أفلح الوجه.
فقال عبد الله: أفلح وجهك يا رسول الله، لقد قتلته.
فقال ﵇: صدقت.
عندئذ انطلق عبد الله بن أنيس ينشد (١) :
تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفري كل جيب مقدد
تناولته والظعن خلفي وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد المهند
أقول له والسيف يعجم رأسه ... أنا ابن أنيس فارساً غير قعدد
стр. 49
وقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف، على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد
* *
المكافأة الكبرى:
لقد شكر رسول الله لعبد الله بن أنيس جهاده في سبيل الله، وبلاءه في الدفاع عن الإسلام، فقام ممسكاً بيد عبد الله وأدخله بيته وتناول منه عصاً وقدمها إليه وقال له: أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس.
وتناولها عبد الله من يد الرسول، وخرج بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟
فقال: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها.
قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله فتسأله عن ذلك؟
فرجع إلى رسول الله ﷺ وقال: لم تعطيني هذه العصا يا رسول الله؟
قال ﵇: آية بيني وبينك يوم القيامة.
يا لها من هدية من يد كريمة، ويا لها من آية يلقى بها ربه يوم القيامة، إنها آية جهاده في سبيل الله وإنها آية الرضا من رسول الله ﷺ عن جهاده
стр. 50
ما أسعدك بهذه العصا يا بن أنيس! وما أعظم حظك عندما تقدمها بين يدي أعمالك يوم الدين! إنها آية بينة على حبك لله ورسوله وجهادك الميمون في سبيل دينك.
وتناول عبد الله سيفه وقرن به عصا رسول الله ومشى بها سعيداً فخوراً.
* *
فراق الحبيب:
ومرض رسول الله فوجفت قلوب المسلمين، واشتد به الوجع فهرولوا إلى مسجده وبيته يستطلعون الخبر، وماج المسجد بمن فيه وانتشر خبر وفاته ﷺ فكثر اللغظ وعلا وسُمع عمر وهو يتهدد الناس ويتوعدهم: من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه!
ولم يهدأ القوم حتى سمعوا أبا بكر يتلو عليهم قول ربهم: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين " (١) . وقد استمعوا إليه في ذهول وهو
يقول: " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ".
стр. 51
ومادت الأرض بعبد الله بن أنيس، لقد مات رسول الله، لقد أفلت شمس النبوة، فماذا يفعل الناس بعد رسول الله؟ وماذا عن الجهاد في سبيل الله؟ لقد جعل الرسول الجهاد عند عبد الله كالحياة، يجري حبه في عروقه مجرى الدم.
ودمعت عيناه، وحزن قلبه لفراق رسول الله، وعبر لسانه عما يجده لهذا الحادث الجلل:
تطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطب جليل للبلية جامع (١)
غداة نعى الناعي إلينا محمداً ... وتلك التي تستك منها المسامع
فلو رد ميتاً قتل نفسي قتلتها ... ولكنه لا يدفع الموت دافع
* *
بعد النبي:
وأهم عبد الله أمر المسلمين، واشتغل فكره في مصير الإسلام بعد رسول الله، ولم يذهب عنه همه إلا عندما فاء المسلمون إلى أبي بكر الصديق، فجعلوه إماماً بعد رسول الله، يخلفه في تدبير أمورهم، فيصرفها بما عرف عنه من حكمة وإخلاص. وقد اطمأن ابن أنيس لخلافة أبي بكر،
стр. 52
فقد كان أبو بكر أقرب أصحاب الرسول من الرسول، وأولهم إسلاماً، وثاني اثنين إذ هما في الغار.
وثارت حروب الردة، فأسرع عبد الله إلى حسامه، وقارع المرتدين حتى عادوا إلى رشدهم، وعادت الجزيرة العربية مسلمة كلها بحمد الله.
وانطلق ابن أنيس مع الجيوش الفاتحة، فشارك فيها جندياً ينشر الإسلام ويدعو إلى التوحيد، فشارك في فتوح مصر وإفريقية.
وكانت نفس عبد الله مفعم بالسرور إذ نصر الله دينه ويسر له من سرعة القبول وسعة الانتشار ما جعل الناس يدخلون فيه أفواجاً أفواجاً.
لقاء الأحبة:
وعاد عبد الله إلى الشام بعد أن أدركته الشيخوخة وجلس إلى أهله وولده وأخذ يقص عليهم فصولاً من حياته وجهاده مع رسول الله ﷺ إلى أن قبض إلى الرفيق الأعلى ومع أبي بكر إلى أن انتهت فتنة المرتدين، ومع الجيوش الفاتحة إلى أن وصلت شاطىء المحيط. .
ولم يكن عبد الله يمل الحديث عن جهاده، ولم يكن أولاده ومن حضر مجالسه من المسلمين يملون ذلك، بل
стр. 53
كانوا يستزيدونه ويطربون لحديثه، فقد كان – ﵁ – حلو الحديث، أنيس المجلس، بليغ العبارة، صادق اللهجة.
وحل العام الرابع والخمسون بعد هجرة الرسول وحلت ساعة اللقاء بمحمد وصحبه، فدعا أهله وولده وأوصاهم فيها أوصاهم به أن يدفنوا معه العصا التي كافأه بها رسول الله لتكون آية ما بينهما يوم القيامة.
وانفضّ الناس عن قبر الصحابي الجليل، وساروا جماعات جماعات كل جماعة تتحدث عن بطولات هذا الصحابي الأنصاري وعن جهاده في سبيل الله.
стр. 54
عن ضبيعة بن حصين التغلبي قال: كنا جلوساً مع حذيفة
فقال: إني لأعلم رجلاً لا تنقصه الفتنة شيئاً.
قلنا: من هو؟
قال: محمد بن مسلمة الأنصاري
" الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد "
стр. 55
محمد بن مسلمة الأنصاري
نفوس جديدة:
اثنا عشر رجلاً عادوا إلى يثرب بعد أن بايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى.
عادوا إلى يثرب بقلوب غير القلوب التي ذهبوا بها.
عادوا بنفوس جديدة لم يكونوا يحملونها من قبل.
عادوا وقد نفضوا عن ضمائرهم غبار الحقد ورواسب العداوة والبغضاء.
عادوا وقد صمموا أن ينقلوا هذا الفيض النوراني الذي امتلأت به نفوسهم إلى إخوانهم الذين يغشيهم الحقد وتنهكهم الحروب.
стр. 56
عادوا برؤية جديدة للحياة، وبنظرة جديدة لمهمة الإنسان.
إنهم يودون لو أنهم ملكوا قلوب اليثربيين، إذن لأسرعوا إلى غسلها من أدرانها ليغمروها بالنور الذي عرفوا وبالهداية التي نالوا.
كانت نفوس هذا النفر من المسلمين الأوائل تتحرق شوقاً للعمل في سبيل الله، وكانت قلوبهم تتوثب حماساً لنشر الهداية الإلهية بين الناس جميعاً.
* *
رجل الخير:
بوصول مصعب بن عمير – ﵁ – إلى يثرب بدأ العمل وجد الجد، وشهد منزل سعد بن زرارة أول اجتماع لهذه الزمرة المؤمنة التي بدأت تستعرض شخصيات يثرب لتختار من بينها من تبدأ به فتدعوه للدين الجديد.
قال قائل منهم: ألا تدعون محمد بن مسلمة؟ إنه رجل صدق وأمانة، وهو رجل يضيق بما يدور بين الأوس والخزرج من خلاف، ويكره ما ينشب بينهم من حروب، ويود لو ساد السلام والوئام بين الحيين.
قال آخر: ولا تنس أن ضيقه بهذا الخلاف راجع أيضاً
стр. 57
الى أن أباه رجل من الأوس وأمه امرأة من الخزرج.
قال مصعب: دلوني على هذا الرجل لأدعوه لدين الحق لعل الله يكرمه فيهديه إلى الاسلام.
قال رجل من الحاضرين: لقد مر بنا الرجل قبل قليل وحيانا بابتسامة مشرقة.
قال مصعب: لقد مر بنا رجال كثيرون، وكلهم كان يحيينا بابتسام، فإنكم معشر الأوس والخزرج قوم بيض القلوب تكرهون الشر وتميلون إلى الخير لولا ما تلقون من كيد يهود ودسائسهم؛ فأي أولئك الرجال محمد بن مسلمة؟
قال الرجل: إنه ذلك الرجل الأسود الطويل، ذو الهامة العظيمة والرأس الأصلع.
قال مصعب: وكم تقدر عمره؟
قال الرجل: إنه في بداية العقد الرابع.
- وبماذا يكنى؟
- يكنى بأبي عبد الرحمن. ولكن لماذا كل هذه الأسئلة يا مصعب؟
- سوف أقابل هذا الرجل لأدعوه لدين الله، ومما يقرب الرجل من الداعية أن يكون الداعية عارفاً به محيطاً بأوصافه، يعرف اسمه وكنيته ولقبه حتى يدعوه بها،
стр. 58
وإن مما يقربك من النجاح في مهمتك أن تدعو الرجل بأحب الأسماء إليه.
ما أعظم هذا القلب الذي يحمله محمد بن مسلمة بين جنبيه فما أن عرض عليه مصعب الإسلام وشرح له مبادئه حتى بادر إليه وشهد شهادة الحق وانضم إلى ركب الدعوة وأعلن نفسه جندياً من جنودها.
صفات الرسول:
وجلس أبو عبد الرحمن يستمع إلى مصعب بن عمير وهو يقرأ القرآن ويشرح الإسلام، وكان كلما ذكر رسول الله ﷺ بدا في عينيه الشوق إليه والتلهف للقائه، وذات مرة التفت إلى مصعب وقال له: كم أنا مشوق لرؤية رسول الله ﷺ فمتى يدور العام ويأتي موسم الحج ونحظى بلقائه؟
ابتسم مصعب وقال: تحل بالصبر أبا عبد الرحمن، فسرعان ما تمر الأيام وينقضي العام.
قال ابن مسلمة: كم أنا متلهف لأن تطوى الأيام. . ثم صمت قليلاً وقال: أخشى أن لا ألقى الرسول لسبب أو لآخر، ولكن ألا تصفه لنا؟ فإنك لازمته وسعدت بالتطلع إلى وجهه الكريم.
стр. 59
قال الحاضرون بصوت واحد: تكلمت بما في نفوسنا يا بن مسلمة، فصف لنا رسول الله يا بن عمير، اعتدل مصعب في جلسته وأطرق برأسه وأغمض عينيه كأنه يستحضر صورة رسول الله ﷺ في ذهنه، ثم رفع رأسه وقال: رسول الله ﷺ أبيض اللون مشرب حمرة، أدعج العينين (١) مقرون الحاجبين، سبط الشعر (٢) ، كثُّ اللحية، بعيد ما بين المنكبين، كأن عنقه إبريق فضة، شئن الكف والقدم (٣) ، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا قام كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعاً، كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، ليس بالقصير ولا بالطويل، بين كتفيه خاتم النبوة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، أجود الناس كفاً وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة وأرقى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .
كان الصمت مخيماً على هذه الثلة من المؤمنين وهم يستمعون إلى هذا الوصف الرائع لرسول الله، وما إن انتهى مصعب من وصفه حتى هتفوا بصوت واحد: صلى الله عليك وسلم يا رسول الله.
стр. 60
استقبال المهاجر:
ما أطول سويعات الانتظار، وما أشدها على قلوب المحبين، فكم من مرة وقف فيها محمد بن مسلمة يتطلع نحو الأفق لعله يكون أول من يرى رسول الله قادماً من مكة، لقد آن أوان العمل والجد من أجل الإسلام ودعوته، لقد عاهد محمد بن مسلمة نفسه وربه على أن يلازم رسول الله ﷺ في روحاته وغدواته، فيكفي ما فاته من لقائه يوم العقبة الثانية.
وتطلع أبو عبد الرحمن نحو الأفق، إنه يرى موكباً، إنه يسمع مصعباً وهو يقول: هـ هذا موكب رسول الله سيد ولد آدم وخاتم رسل رب العالمين.
ويتطلع أبو عبد الرحمن إلى الموكب، يا له من موكب بسيط في مظهره عظيم في جوهره، موكب من ثلاثة نفر يقترب من ثنية الوداع، لا فلنسمها اليوم ثنيّة الاستقبال ثنية الفرح والسرور، ثنية الفجر الجديد الذي أطل على يثرب وأهل يثرب.
وارتفعت أصوات الناس تسأل: أيهم رسول الله؟ ويتطلع أبو عبد الرحمن نحو الركب، ويتذكر صفة رسول الله كما سمعها من مصعب بن عمير فيعرف رسول الله ويقبل عليه في موكب الأنصار، فما أعظم لحظات اللقاء.
стр. 61
* *
المؤاخاة:
بدأ رسول الله ﷺ ينظم الدولة الناشئة في المدينة، فأراد أولاً أن يطمئن على أن المهاجرين يعيشون في استقرار في مهاجرهم في هذه المدينة الطيبة، فأخذ يؤاخي بين المهاجرين والأنصار وذلك حتى يندمج المهاجرون في مجتمع المدينة فلا يشعروا بالغربة.
وجلس محمد بن مسلمة يتطلع إلى رسول الله وهو يؤاخي بين المهاجرين والأنصار وأخذ يسأل نفسه: من سيكون حظي من هؤلاء المهاجرين البررة؟ وراح يتطلع إلى وجوه المهاجرين فيرى وجوهاً تشع نوراً وتفيض إيماناً، فيقول لنفسه: أيما رجل حظيت به من بين هؤلاء فقد حظيت بحظ عظيم.
وبينما كان ابن مسلمة غارقاً في تفكيره إذا برسول الله يعلن مؤاخاته لأبي عبيدة عامر بن الجراح، فيثب إليه ويأخذه بين ذراعيه، ثم يمسك بيده وينطلق به إلى بيته.
* *
حراسة المدينة:
كانت المدينة محاطة بالأعداء من كل مكان، قريش تطارد المسلمين المهاجرين، ويهود يأكل قلوبهم الحسد وتغلي
стр. 62
صدورهم بالحقد، فيودون لو استطاعوا أن يقضوا على هذا الدين الجديد، والأعراب حول المدينة يغريهم بالإغارة للسلب والنهب ما يرون من ضعف المسلمين وجماعة من أهل المدينة لم يرقهم أن تنتزع السيادة من رجالهم فتصبح خالصة لمحمد، ولم يدركوا معنى النبوة حتى يسلموا بالقيادة لرسول الله، فأخذوا يكيدون للمسلمين ويحاولون اغراء قريش ويهود بمحمد وأتباع محمد.
فكان مراد الرسول الأول أن يوفر الأمن للمدينة، قاعدة الدولة الإسلامية الناشئة، فعمد إلى اختيار جماعة من المسلمين الأشداء وأمرهم أن يتناوبوا حراسة المدينة، وجعل محمد بن مسلمة قائداً لهذه الجماعة، ثم أضيفت مهمة أخرى إلى هذه الجماعة وهي حراسة الرسول ﷺ ، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: " والله يعصمك من الناس ".
وتفانى محمد بن مسلمة في أداء هذه المهام التي أسندت إليه، فما كان يُرى إلا متفقداً لقواته، ساهراً معهم، لا يفتر عن مراقبة رسول الله والمترددين عليه حتى لا يخلص اليه ﵇ شر من أحد من الناس.
ولاحظ المسلمون هذا التفاني من محمد بن مسلمة فأطلقوا عليه " فارس نبي الله ".
* *
стр. 63
موادعة اليهود:
ثم التفت رسول الله ﷺ إلى تنظيم العلاقة بين المسلمين وبين من جاورهم من يهود، وحضر زعماء يهود إلى مجلس رسول الله، وحادثهم وناقشهم ثم اتفق معهم على حسن الجوار، وكتب في ذلك وثيقة لهم، ومما جاء في هذه الوثيقة:
" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يرتغ (يُهلك) إلا نفسه وأهل بيته، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث واشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه ".
стр. 64
بهذه الوثيقة أعطى رسول الله يهود المدينة أفضل ما يعطي حليف وجار، وجعل لهم أمان الله، وعليهم ميثاقه على أن يكونوا يداً واحدة مع المسلمين على كل من أراد شراً بالمدينة وأهلها، وأن يكونوا هم أنفسهم سلماً للمسلمين لا يغدرون بهم ولا يعينون عليهم أحداً.
لو عقلت يهود لعاشت في ظل المسلمين آمنة مطمئنة لا تخشى شيئاً، ولكن الحسد نهش قلوبها وأحرق الحقد أكبادها، فكيف يكون النبي الخاتم من غير بني إسرائيل؟ وكيف يسلمون له القيادة والسيادة ومن قبل كانت لهم على يثرب وأهلها القيادة والسيادة؟
لقد سيطرت على يهود الكبرياء المضلة، وأفقدهم توازنهم ما توارثوه عن أجدادهم من حب السيطرة على العالمين، وأدار عقولهم ما وقر فيها من اعتقاد بأنهم هم السادة وهم القادة وأن غيرهم لهم عبيد، وطمس على قلوبهم ما جبلوا عليه من احقار الناس فلم يعودوا يرون الحق حقاً والباطل باطلاً، ورأوا أن من حقهم نقض العهد وإخلاف المواثيق مع جميع الخلق من غير يهود!
بهذه الأخلاق أرادت يهود أن يتعاملوا مع رسول الله، وبغير هذه الأخلاق جاءت رسالة الإسلام، فكان الصدام بين المسلمين ويهود أمراً محتوماً وشيئاً لا مفر منه
стр. 65
* *
محاولة اليهود اغتيال الرسول:
قتل صحابي رجلين من بني عامر خطأ، فجاء ذووهما إلى رسول الله يطالبون بحقهم، فوعدهم بالدية، وكان المسلمون في ضيق وشدة، فقرر الرسول أن يستعين بيهود تنفيذاً لبنود العهد الذي كتبه معهم، فذهب إلى بني النضير في جماعة من الصحابة وطلب منهم أن يعينوه في دية هذين الرجلين، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت.
ذهبت يهود إلى بيت لهم يتناجون، وجلس الرسول ﷺ إلى جانب بيت ينتظرهم، فقال بعضهم لبعض: لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن! فمن رجل يظهر على البيت الذي يجلس إلى حائطه فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
قال عمر بن جحاش النضري: أنا أفعل ذلك!
قال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وإني أخشى أن تكون يا عمرو بن جحاش أشقاها، فتجني على نفسك وقومك.
قال عمرو: ومن أين له أن يعلم؟
قال سلام: والله إنكم لتعلمون أنه النبي الذبي بشرت به التوراة، وأن الناموس الذي كان يأتي موسى يأتيه، فإياكم والغدر، فقد حذرتكم وأعذرت!
стр. 66
وتهامس القوم، وكثر اللغط بينهم، وارتفعت أصوات تسفّه رأي سلام بن مشكم وتنعته بالجبن والخور، بل سمع من يقول: أخشى أن يكون سلام قد فارق دين موسى واتبع محمداً، فهو يدافع عنه ويصدكم عن الفتك به، يا أصحاب التوراة دونكم فرصتكم، ويا عمرو بن جحاش نفذ ما عزمت عليه!
وجاء الوحي إلى رسول الله، وأعلمه بما عزمت عليه يهود، فنهض من مكانه مسرعاً واتخذ طريقه إلى المدينة، ولما رأى أصحابه ذلك اسرعوا خلفه واشتدوا يريدون اللحاق به فلم يدركوه إلا بالمدينة.
قالوا: يا رسول الله، قمت ولم نشعر.
قال: همت يهود بالغدر، فأخبرني الله بذلك فقمت.
* *
إجلاء بني النضير:
ثم دعا رسول الله محمد بن مسلمة وأرسله إليهم وأمره أن يبلغهم هذه الرسالة: يا بني النضير " اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشراً، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه ".
قرار حاسم من رسول الله، فما دامت يهود لم تلتزم بما
стр. 67
عاهدت عليه وهمت بالغدر، وهو أبشع ما يتصف به قوم، فأقل جزاء لهم الجلاء.
وانطلق محمد بن مسلمة بالرسالة إلى منازل بني النضير، فوجد قوماً انخلعت قلوبهم رعباً، لا يدرون ما الله صانع بهم، وكانوا يخشون أن يبيد الرسول خضراءهم جزاء غدرهم، فلما رأوا محمد بن مسلمة هرعوا إليه وتعلقوا به، وهتفوا بصوت واحد: ما وراءك يا بن مسلمة؟ ما الذي أغضب أبا القاسم فغادر ديارنا دون أن يكلمنا؟ نحن على استعداد لأن ندفع دية الرجلين العامريين وحدنا. ألا يرضيك يا أيا عبد الرحمن هذا؟
وهز محمد بن مسلمة رأسه وقال: ما كان أغناكم عما أنتم فيه لو لم تكونوا قوماً غُدراً. إن رسول الله يأمركم بالجلاء عن المدينة، ومن وُجد منكم بعد عشرة أيام ضربت عنقه.
ولوى ابن مسلمة عنان فرسه وانطلق عائداً وانصرفت يهود تجهز نفسها للخروج، وما ظنوا أنهم قد نجوا من شر فعلتهم التي هموا بها.
وبينا هم في غمرة استعداداتهم للخروج أتاهم رسول من رأس النفاق يقول لهم: يقول لكم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم وتمدكم قريظة
стр. 68
وحلفاؤكم من غطفان.
وفي كل مرة يثبت اليهود أنهم قوم لا يعقلون!
لقد غرهم عرض رأس النفاق وحسبوا أنه سيبر بوعده ويدخل معهم حصنهم ويقاتل المسلمين، وما أدركوا أنه لو كان صادقاً لواجه النبي وهو بين قومه وفي مدينته، وما دروا أن الذي يظهر الإسلام خوفاً من محمد لا يمكن أن ينحاز إليهم فيحاربه معهم. إن قلب ابن أُبي قد انهزم سلفاً أمام الرسول فنافق، فلا يمكن أن يقاتل بعد ذلك مع أحد أبداً.
ووقع اليهود في شر أعمالهم، وراحوا ضحية غرورهم وتفاهة تفكيرهم، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يقولون: " إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك "!
فلما بلغت هذه الرسالة رسول الله، كبّر وقال: حاربت يهود، فكبر المسلمون لتكبير رسول الله، فارتجت جنبات المدينة بالهتاف الخالد: " الله أكبر، الله أكبر ". ووصلت أصوات التكبير إلى أسماع المنافقين، فارتعدت فرائصهم وخارت عزائمهم، ونكصوا عن نصرة بني النضير. أما بنو قريظة، فما إن سمعوا دوي التكبير حتى أغلقوا على أنفسهم حصونهم، وقالوا: بل نفي العهد الذي بيننا وبين محمد، فما لنا ولقوم جنوا على أنفسهم، ونكثوا عهودهم!
стр. 69
وانتظر بنو النضير أن يأتيهم ما وُعدوا به من مدد، وطال بهم الانتظار، فعلموا أن ما أملوه خيال وأن الذي وُعدوه سراب، ولم يجدوا من بين ما قيل لهم حقاً سوى جيش رسول الله يحيط بحصنهم ويضيق الخناق عليهم، ثم يأمر بنخلهم أن يحرق، فلم يعد لهم أمل في البقاء فأرسلوا إلى رسول الله: نحن نخرج عن بلادك.
فقال لهم رسول الله: " لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤهم وما حملت الإبل إلا الحلقة ".
لقد كانوا بنجوة من هذا العقاب لو أنهم لم يغدروا، وقد كان بإمكانهم أن يخرجوا بأموالهم جميعها لو أنهم لم يستمعوا لتحريض المنافقين.
ونادى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، فأمره أن يتولى إخراجهم، فقام – ﵁ – بهذه المهمة خير قيام.
* *
يهود تنقض العهد:
من صفات يهود أنهم قوم لا يتعلمون ولا يتعظون، تعميهم العداوة ويضلهم الحقد، ولو لم يكونوا كذلك لأخذ بنو قريظة درساً من مصير بني النضير.
إلا أن بني قريظة عندما رأوا قوة الأحزاب وضخامة
стр. 70
حشدهم يوم الخندق، ظنوا أن لا قبل للمسلمين بهم، وأن دولة الإسلام قد دالت، وأن أمر المسلمين قد انتهى.
ولأن اليهود فقدوا ثقتهم بالله سبحانه، وما عادوا يؤمنون بقدرته على نصر القلة المؤمنة على الكثرة الباغية، رضوا أن ينضموا لمعسكر الأحزاب، وأعلنوا نقضهم للعهد الذي بينهم وبين محمد ﷺ ، ووصلت بهم الصفاقة إلى أن يقولوا لسعد بن معاذ عندما ناشدهم العهد الذي بينهم وبين رسول الله: ومن رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد!
* *
الجزاء العادل:
وما إن انتهت غزوة الأحزاب حتى بادر المسلمون بالزحف على بني قريظة وحاصروهم، وكان محمد بن مسلمة – ﵁ – على حرس رسول الله ﷺ ، وكان الحصار محكماً لا يستطيع أحد الافلات منه، وعندما حاول عمرو بن سعدي القرظي أن يفلت من الحصار وقع في أسر الحرس النبوي، فجيء به إلى محمد بن مسلمة، وعندما عرفه قال: أعمرو بن سعدي؟ ثم نظر إلى أصحابه وقال: هذا رجل لم يوافق قومه على الغدر بنا، اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، اطلقوا الرجل ودعوه ينجو بنفسه.
стр. 71
هكذا علّم الإسلام محمد بن مسلمة أن يعامل الناس وفاء بوفاء، وأن يقيل عثرات الكرام، فما أعظم ما يجنيه الناس من هذا الدين العظيم.
واستسلمت بنو قريظة، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فتذكر سعد غدرهم وخستهم واستحضر وقاحتهم حين قالوا له: ومن رسول الله، لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. . وتذكر ما كادوا ينزلونه بالمسلمين من إبادة لولا أن تداركهم الله برحمته، فحكم عليهم بالموت، وأقر الرسول هذا الحكم لأنه حكم العدالة الإلهية، فأمر ﵇ أن يجمع رجالهم في ناحية، وأوكل أمر حراستهم إلى محمد بن مسلمة إلى أن نفذ فيهم حكم الله العادل.
* *
العدو الألد:
جن جنون يهود، فلم يبق في عقولهم متسع للتفكير المتزن، ولم يبق في قلوبهم مجال لغير الحقد والحسد فراحوا يعملون بكل ما لديهم لحرب الله ورسوله، وقام زعماؤهم وأحبارهم بحملة شرسة ضد الاسلام وأهله، فهم لم يكتفوا بأن يقفوا دون إيمان عامة يهود بالدين الحق، بل أوغروا قلوبهم عليه وجندوهم لحربه، ثم راحوا يستعدون قريشاً وعامة القبائل لحرب المسلمين، وأخذ شعراؤهم في هجاء المسلمين والتشبيب بنسائهم. .
стр. 72
وكان رأس كل هؤلاء كعب بن الأشرف، وهو رجل طويل جسيم جميل وشاعر مجيد، ذو مال وفير جعله يسود يهود الحجاز ويكون فيهم مطاعاً.
وأظهر كعب عداءه للاسلام من أول يوم حل فيه الرسول ﷺ في المدينة المنورة، حسداً من عند نفسه، وانسجاماً مع جبلة يهود التي تأبى أن ترى السيادة مع غيرها.
وبدأت حملة العداء التي تولى كبرها كعب عندما جاءه أحبار بني قينقاع وبني قريظة، كما هي عادتهم كل عام، ليأخذوا صلته!
قال لهم كعب: أسمعتم بهذا الرجل القرشي الذي جاء يثرب يدعو إلى الدين الجديد؟
قالوا: نعم.
قال: فما عندكم من أمره؟
قالوا: هو الذي كنا ننتظر، ما أنكرنا من نعوته شيئاً!
قال كعب: حرمتم كثيراً من الخير! فارجعوا إلى أهلكم فإن الحقوق في مالي كثير!
لم يكن أحبار يهود يتوقعون هذه الإجابة من كعب، ولو كانوا يعلمون بما يكنه من عداء للنبي ﷺ لما أجابوه بكلمة الحق، فالمال عندهم مقدم على كل حق فكيف يرتقون ما فتقوا ويصلحون ما أفسدوا، فإن الفساد كل الفساد في
стр. 73
شرعهم أن يحرموا المال ويمنعوه! فراجعوا أنفسهم وقارنوا بين المال والصدق وبين الدنيا والآخرة، وغلبت عليهم أخلاقهم المتأصلة في كيانهم، فاختاروا المال والدنيا على الصدق والآخرة، ونكسوا على رؤوسهم وعادوا إلى كعب أذلة خانعين وقالوا له: يا سيد يهود، إنا أعجلناك فيما خبرناك به، ولما استثبتنا علمنا أن غلطنا، وليس هو المنتظر!
بهذا الموقف المتخاذل من أحبار السوء كسب كعب الجولة في عدائه للإسلام، فسارع إلى هؤلاء النفر من الأحبار فوصلهم وأغدق عليهم، وأعلن أن لكل من يتابعهم على رأيهم هذا من الأحبار خرجاً من ماله ومنزلة في سلطانه!
وهكذا ضمن كعب يهود إلى جانبه، أما المشركون من قريش فهم معه على كل حال، ولكنه أراد أن يصل ما بينه وبينهم وينسق عمله معهم، فارتحل إلى مكة في سبعين راكباً من يهود، ونزلوا على أبي سفيان بن حرب فرحب بهم وأكرمهم، ورأى بمقدمهم فرصة مواتية ليثبت قريشاً على عدائها لمحمد ودين محمد، فعقد لليهود مجلساً في ملأ من قريش وأحلافهم، وقال لهم والناس تسمع: يا معشر يهود، إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردتم أن نحالفكم ونقاتل محمداً معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما!
стр. 74
واشرأبّت القلوب، وأنصتت الآذان، وأطرقت العيون، فما كان ليهود أن تسجد للأصنام وتؤمن بها وهي التي كانت تدعوهم لعبادة الله ونبذ هذه الأصنام. . أيمكن أن يحدث هذا؟
وما راع الناس إلا منظر سبعين يهودياً يعلنون إيمانهم بالأصنام ويسجدون لها!
فعلها أبناء القردة وسلالة الخنازير، ولكنها لم تكن غريبة منهم ولا عجيبة، فقد سجدوا من قبل لعجل السامري، وإنما هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد!
وهكذا عقد الحلف بين جاهلية الأصنام وجاهلية الأحبار، ومع أنه يبدو للناس بأن هذا الحلف قوي، إلا أنه والله سحاب هريق ماؤه وسراب ليس وراءه إلا الخيبة والضياع!
وقوي ساعد كعب، أو هكذا ظن هو، فتمادى في عدائه للمسلمين، وأخذ يحرض عليهم بشعره، ويهجوهم به ويشنع عليهم. وقد كان للشعر عند العرب منزلة وأي منزلة، فكان أشد ما يؤلمهم بيت من الشعر يهجون به، وكان أشد ما سله عليهم كعب شعره هذا الذي يفتري فيه على الله وعلى رسوله وعلى المسلمين.
وصبر المسلمون على ما أعلنه كعب من عداوتهم، فهم
стр. 75
الآن في شغل عنه بتنظيم أمور المدينة، وبمراقبة قريش والأعراب الطامعين بغزو المدينة.
ونشبت المناوشات بين قريش والمسلمين، وأفضت المناوشات إلى الصدام الكبير في بدر، وفيها أكد المسلمون قوتهم وتحسنت سمعتهم الحربية بين الأعراب، ورسخ مركزهم وثبتت أقدامهم كقوة في الجزيرة يحسب حسابها ويخشى جانبها، وتخلصوا في بدر من زعماء قريش الذين صرعتهم الأيدي المتوضئة والقلوب المؤمنة.
وأرسل الرسول – ﵇ – بين يدي عودته منتصراً من بدر بشيرين إلى المدينة يزفان أخبار النصر المؤزر في بدر.
واجتمع حولهم سكان المدينة مسلمهم وكافرهم وانضم اليهم يهود، وكلهم يسأل عن أخبار بدر، فجعل البشيران عبد الله بن راوحة وزيد بن حارثة يقولان: قُتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الأسود وأمية بن خلف وابو البختري بن هشام ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج.
وعمت الفرحة قلوب المسلمين، وساد الوجوم أهل الشرك ويهود، فقد عدد البشيران زعماء قريش وسادة العرب وفرسان المعارك.
كان كعب بن الأشرف يقف وسط هذه الجموع وقد