← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4272

وقفات مع أحاديث تربية النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته

عبد الرحمن بن عبد الكريم الزيد

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُقَدّمَة وتمهيد الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من أرْسلهُ الله رَحْمَة للْعَالمين وَجعله هادياً ومربياً وقدوة للْمُؤْمِنين. لقد أرسل الله نبيه مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى هَذِه الْأمة وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه وَأمره أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى عبَادَة رَبهم وتوحيده وَترك الشّرك وَعبادَة الْأَصْنَام فَاسْتَجَاب ﷺ لأمر ربه فَقَامَ وأنذر، وصدع بِمَا يُؤمر، وأنذر عشيرته الْأَقْرَبين، ودعا الْعَرَب إِلَى تَوْحِيد رب الْعَالمين، فَاسْتَجَاب لَهُ من أَرَادَ الله هدايته وَأعْرض عَنهُ وعاداه من آثر الغواية والضلال، وَلَقَد كَانَ المستجيبون قليلين مستضعفين يخَافُونَ أَن يتخطفهم النَّاس فاعتنى بهم الرَّسُول ﷺ ورباهم بِحِكْمَتِهِ، وغرس فِي قُلُوبهم العقيدة القويمة وصاغ مِنْهُم صوراً حَيَّة لِلْقُرْآنِ، ونماذج لِلْإِسْلَامِ، فَقَوِيت هَذِه الْقلَّة بعد ضعف، وَكَثُرت بعد قلَّة، ونصرها الله يَوْم نصرته، وحقق آمالها لما صبرت فَانْطَلَقت تنشر الْإِسْلَام فِي أرجاء الأَرْض، وتحطم عروش الْجَاهِلِيَّة ومعتقداتها حَتَّى أتم الله لَهُم ومكنهم فِي الأَرْض فَانْتَشرُوا فِي شَرق الأَرْض وغربها، وفتحوا أقوى الممالك على وَجه الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت، وبلغوا رِسَالَة رَبهم إِلَى أرجاء المعمورة فِي فَتْرَة وجيزة. كَانُوا رُعَاة جمال قبل نهضتهم ... وَبعدهَا ملأوا الْعَالم تمدينا لَو كَبرت بِأَرْض الصين مئذنة ... سَمِعت فِي الغرب تهليل المصلينا فلنتأمل فِي التربية الَّتِي صنعت هَؤُلَاءِ الْأَبْطَال. ولننظرفي مَنْهَج المربي ﷺ الَّذِي هُوَ قدوة هَؤُلَاءِ الرِّجَال فإنّ من الْوَاجِب علينا أَن نقتفي أثر الرَّسُول ﷺ ونستقي من منهجه فِي الدعْوَة والتربية فَهُوَ قدوتنا وقائدنا ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يرجوا الله وَالْيَوْم الآخر﴾ (١) وَهَذِه

стр. 2

وقفات مَعَ منهجه ﷺ فِي التربية وَقد جَعلتهَا وفْق الْآتِي: أَولا: أسس تربية النَّبِي ﷺ ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات: الوقفة الأولى: فِي التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة. الوقفة الثَّانِيَة: فِي التربية الأخلاقية. الوقفة الثَّالِثَة: التربية بالقدوة. ثَانِيًا: أساليب تَرْبِيَته ﷺ ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات: الوقفة الرَّابِعَة: التربية بالثواب وَالْعِقَاب. الوقفة الْخَامِسَة: التربية بِالْقُرْآنِ. الوقفة السَّادِسَة: التربية المتوازنة. وَقد تمّ جمع الْأَحَادِيث وترتيبها حسب الْمُنَاسب فِي نَظَرِي وعلقت على مَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيق وأنقل من أَقْوَال أهل الْعلم من شرَّاح الحَدِيث وَغَيرهم مَا أرَاهُ مناسبا وَمَا كَانَ من الْأَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا فأكتفي بتخريجه وَمَا كَانَ من غَيرهمَا فأدرس إِسْنَاده وَأثبت مَا توصلت إِلَيْهِ من دَرَجَته بعد تَخْرِيجه. هَذَا وأسأل الله أَن يَجْعَل هَذَا الْعَمَل خَالِصا لوجهه وَأَن ينفع بِهِ وَهُوَ الْمُوفق سُبْحَانَهُ.

стр. 3

أسس تربية النَّبِي ﷺ ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات الوقفة الأولى: فِي التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة . ... أَولا: أسس تربية النَّبِي ﷺ الوقفة الأولى: التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة لَا شكّ أَن العقيدة الراسخة هِيَ أساس التربية وَلذَلِك فقد مكث النَّبِي ﷺ فِي مَكَّة ثَلَاثَة عشر عَاما يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيد ويربي أَصْحَابه على العقيدة ويغرسها فِي نُفُوسهم فَكَانَ ﷺ طيلة هَذِه الْمدَّة يبْذل غَايَة جهده لتخليص النُّفُوس من شوائب الشّرك ويربي نفوس الْمُؤمنِينَ على صدق التَّوَجُّه لله إِرَادَة وقصداً وعبودية خَالِصَة، ونجد آيَات الْقُرْآن فِي هَذِه الفترة تركز على أُمُور العقيدة من الْإِيمَان بِاللَّه وَبَيَان صِفَاته وأسمائه وَالْإِيمَان برسله وَكتبه وَمَلَائِكَته والبعث والنشور وَغَيرهَا. وَكَانَ ﷺ أول مَا يَدْعُو النَّاس إِلَى كلمة التَّوْحِيد لاإله إِلَّا الله وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه ﷺ قَالَ لِعَمِّهِ: ((يَا عَم قل لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله)) (١) . وعندما جَاءَهُ وَفد عبد الْقَيْس قَالَ لَهُم آمركُم بِأَرْبَع آمركُم بِالْإِيمَان بِاللَّه ثمَّ فَسرهَا لَهُم فَقَالَ: ((شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله)) (٢) . ونجده ﷺ عِنْدَمَا يبْعَث أحدا للدعوة إِلَى الله يَأْمُرهُ أَن يبْدَأ بِالتَّوْحِيدِ فِي دَعوته فعندما أرسل ﷺ معَاذًا إِلَى الْيمن قَالَ: ((فَلْيَكُن أول مَا تدعوهم إِلَيْهِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله)) وَفِي بعض الرِّوَايَات ((إِلَى أَن يوحدوا الله)) (٣) قَالَ الشَّيْخ العلَاّمة سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب ﵀: وَفِيه دَلِيل على أَن التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ إخلاص الْعِبَادَة لله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 4

وَترك عبَادَة مَا سواهُ هُوَ أول وَاجِب، فَلهَذَا كَانَ أول مَا دعت إِلَيْهِ الرُّسُل ﵈ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ (١) وَقَالَ أَيْضا: وَإِذا أَرَادَ الدعْوَة إِلَى ذَلِك فليبدأ بالدعوة إِلَى التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ معنى شَهَادَة أَن لَا إِلَه الله إِذْ لَا تصح الْأَعْمَال إِلَّا بِهِ فَهُوَ أَصْلهَا الَّذِي تبنى عَلَيْهِ وَمَتى لم يُوجد لم ينفع الْعَمَل بل هُوَ حابط إِذْ لَا تصح الْأَعْمَال مَعَ الشّرك. (٢) كَذَلِك نجد النَّبِي ﷺ عِنْدَمَا أرسل عليا ﵁ لفتح خَيْبَر وَأَعْطَاهُ الرَّايَة أمره أَن يَدعُوهُم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ويقاتلهم عَلَيْهَا. (٣) قَالَ الشَّيْخ سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب ﵀ تَعْلِيقا على هَذَا الحَدِيث: وَفِيه أَن الدعْوَة إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله المُرَاد بهَا الدعْوَة إِلَى الْإِخْلَاص بهَا وَترك الشّرك وَإِلَّا فاليهود يَقُولُونَهَا وَلم يفرق النَّبِي (فِي الدعْوَة إِلَيْهَا بَينهم وَبَين من لَا يَقُولهَا من مُشْركي الْعَرَب فَعلم أَن المُرَاد من هَذِه الْكَلِمَة هُوَ اللَّفْظ بهَا واعتقاد مَعْنَاهَا وَالْعَمَل بِهِ (٤) ، فَمن هُنَا نرى كَيفَ ركز ﷺ على العقيدة وَالْإِخْلَاص لله وأنهما الركيزة الَّتِي يبْدَأ بهَا فِي الدعْوَة والتربية , وَأَيْضًا فَفِي مبدأ تربية الْمُسلم لوَلَده يجب أَن يغْرس فِي نَفسه التَّوْحِيد والعقيدة الصَّحِيحَة. وَمن محَاسِن مَا رَأَيْته عِنْد بعض النَّاس أَنهم يعودون الطِّفْل أول مَا ينْطق على كلمة التَّوْحِيد لَا إِلَه إِلَّا الله وَقد رُوي فِي ذَلِك حديثٌ مَرْفُوع ((افتحوا على صِبْيَانكُمْ بِلَا إِلَه إِلَّا الله)) رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان (٥) لكنه لَا

стр. 5

يثبت. لَكِن على الداعية والمربي أَن يهتم أَولا بالعقيدة ويركز عَلَيْهَا لِأَنَّهَا الركيزة لما بعْدهَا وَلِأَن قُوَّة الْإِيمَان بِاللَّه تَسْتَلْزِم الانقياد لشرعه وتثمر الاستسلام لمنهجه، ونستفيد من الْمنْهَج النَّبَوِيّ أَن من الأوليات فِي تربية الناشئة غرس التَّوْحِيد الْخَالِص فِي قُلُوبهم وَأَن يربوا على مراقبة الله والشعور بِقُرْبِهِ وَحفظه لأوليائه وَالْإِيمَان بِقَدرِهِ ونلمس هَذَا وَاضحا فِي تَوْجِيه كريم وتربية صَادِقَة من الْمُصْطَفى ﷺ لِابْنِ عَمه الْغُلَام عبد الله بن عَبَّاس. فقد أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: كنت خلف النَّبِي ﷺ فَقَالَ: ((يَا غُلَام إِنِّي أعلمك كَلِمَات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ تجاهك، إِذا سَأَلت فاسأل الله، وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتمعت على أَن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك، وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف)) (١) وَفِي رِوَايَة أَحْمد ((تعرف على الله فِي الرخَاء يعرفك فِي الشدَّة, وَاعْلَم أَن فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرا كثيرا وَأَن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وَأَن الْفرج مَعَ الكرب وَأَن مَعَ الْعسر يسرا)) فَهَذِهِ توجيهات عَظِيمَة ومبادئ قويمة يغرسها النَّبِي ﷺ فِي نفس هَذَا الْغُلَام النَّاشِئ تبدأ هَذِه الْكَلِمَات بالتربية على المراقبة لله وَحفظ أوامره ونواهيه وَذَلِكَ بِاتِّبَاع الْأَوَامِر وَأَدَاء الْفَرَائِض والمحافظة عَلَيْهَا وَاجْتنَاب النواهي والبعد عَنْهَا وَبِذَلِك يحفظه الله وَيكون مَعَه بالتسديد وَالْحِفْظ والعون ثمَّ التَّوْجِيه إِلَى قُوَّة الارتباط بِاللَّه واللجوء إِلَيْهِ والخضوع لَهُ والتذلل لَهُ بسؤاله وَحده والاستعانة بِهِ وَحده. قَالَ ابْن رَجَب ﵀ فِي معنى الحَدِيث: ((إِن من حفظ حُدُود الله

стр. 6

وراعى حُقُوقه، وجد الله مَعَه فِي جَمِيع الْأَحْوَال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه وَيُؤَيِّدهُ ويسدده فَإِنَّهُ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت وَهُوَ تَعَالَى ﴿مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ (١) . قَالَ قَتَادَة: وَمن يتق الله يكن مَعَه وَمن يكن الله مَعَه فمعه الفئة الَّتِي لاتغلب والحارس الَّذِي لَا ينَام وَالْهَادِي الَّذِي لَا يضل ... وَهَذِه الْمَعِيَّة الْخَاصَّة بالمتقين غير الْمَعِيَّة الْعَامَّة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ (٢) فان الْمَعِيَّة الْخَاصَّة تَقْتَضِي النَّصْر والتأييد والإعانة)) (٣) . وَانْظُر إِلَى عناية النَّبِي ﷺ بِالتَّوْحِيدِ وتربية الناشئة عَلَيْهِ وترسيخه فِي النُّفُوس بقوله ﷺ ((إِذا سَأَلت فاسأل الله)) فَإِن هَذَا التَّوْجِيه يُربي النَّفس على الِاسْتِغْنَاء بالخالق عَن الْخلق وعَلى الْقرب من الله والتوجه إِلَيْهِ فِي كل الْأَحْوَال وَالْإِيمَان بقدرته وغناه سُبْحَانَهُ. قَالَ ابْن رَجَب ﵀: قَوْله ﷺ : ((إِذا سَأَلت فاسأل الله)) أَمر بإفراد الله تَعَالَى بالسؤال وَنهى عَن سُؤال غَيره من الْخلق، وَقد أَمر بسؤاله فَقَالَ: ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ (٤) وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ مَرْفُوعا: ((من لَا يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ)) (٥) وَفِيه أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: ((اسألوا الله من فَضله فَإِن الله يحب أَن يسْأَل)) (٦)

стр. 7

وَفِي حَدِيث أخر: ((ليسأل أحدكُم ربَه حَاجته كلهَا حَتَّى يسْأَله شسع نَعله إِذا انْقَطع)) (١) . وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَحَادِيث كَثِيرَة وَفِي النَّهْي عَن سُؤال الْخلق أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر ﵄ مَرْفُوعا: ((لَا يزَال العَبْد يسْأَل وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخْلق وَجهه فَمَا يكون لَهُ عِنْد الله وَجه)) (٢) وَقد بَايع النَّبِي ﷺ جمَاعَة من الصَّحَابَة على أَن لَا يسْأَلُوا النَّاس شَيْئا، مِنْهُم الصّديق ﵁ وَأَبُو ذَر وثوبان، وَكَانَ أحدهم يسْقط سَوْطه وخطام نَاقَته فَلَا يسْأَل أحدا أَن يناوله إِيَّاه ﵃. وَاعْلَم أَن سُؤال الله تَعَالَى دون خلقه هُوَ الْمُتَعَيّن عقلا وَشرعا وَذَلِكَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة مِنْهَا أَن السُّؤَال فِيهِ بذل لماء الْوَجْه وذل للسَّائِل وَذَلِكَ لَا يصلح إِلَّا لله وَحده فَلَا يصلح الذل إِلَّا لله بِالْعبَادَة وَالْمَسْأَلَة وَذَلِكَ من غَايَة الْمحبَّة الصادقة ... وَهَذَا الذل وَهَذِه الْمحبَّة لَا تصلح إِلَّا لله وَحده وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة الَّتِي يخْتَص بهَا الْإِلَه الْحق. أ. ? (٣) ثمَّ نجد فِي آخر الحَدِيث الموجه إِلَى الْغُلَام ابْن عَبَّاس ﵁ التَّوْجِيه إِلَى الْيَقِين بِالْقدرِ وَفِيه تربية على الْقُوَّة وَالصَّبْر على الضّر وَنزع الْخَوْف من الْخلق. وَالرَّسُول الْكَرِيم ﷺ أَرَادَ أَن يغْرس كل هَذَا فِي أَبنَاء هَذِه الْأمة الْقُوَّة وَالْيَقِين, الْقُوَّة الَّتِي يقتحمون بهَا الْأَهْوَال ويركبون الصعاب نصْرَة لله ولدينه، وَالْيَقِين بِأَن النَّفْع والضر بيد الله سُبْحَانَهُ وبتقديره سُبْحَانَهُ فَمَا أعظم هَذِه التربية النَّبَوِيَّة وَمَا أحوجنا إِلَيْهَا الْيَوْم؟ إِن التربية على العقيدة ركيزة مهمة، وأصل يَبْنِي عَلَيْهِ غَيره فقوة الْإِيمَان تَسْتَلْزِم الانقياد

стр. 8

وَالتَّسْلِيم فعلى قدر إِيمَان الشَّخْص وَقُوَّة عقيدته تَأتي قُوَّة الْتِزَامه بمنهج الله. وَمن مهمات العقيدة الَّتِي يجب أَن ترسخ فِي النُّفُوس، التَّوَكُّل على لله فَهِيَ من صِفَات الْإِيمَان كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١) وكما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وَيُوجه النَّبِي ﷺ صحابته إِلَى التَّوَكُّل الصَّادِق وَيبين لَهُم أَثَره فَيَقُول: ((لَو أَنكُمْ توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وَتَروح بطانا)) (٣) والْحَدِيث مصداق لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ (٤) ويُعلي الرَّسُول ﷺ شَأْن التَّوَكُّل علوا كَبِيرا عِنْدَمَا بَين أَن من أمته سبعين ألفا يدْخلُونَ الْجنَّة بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب وهم من بلغُوا كَمَال التَّوَكُّل فَبين أَنهم ((الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ)) (٥) . فهم تركُوا الاسترقاء ((وَهُوَ طلب الْقِرَاءَة لمن كَانَ مَرِيضا)) والكي لكَمَال توكلهم وَلم يتشاءموا بالطير لعلمهم أَن النَّفْع والضر بيد الله فالتوكل عَلَيْهِ وَحده. وَيضْرب رَسُول الله ﷺ الْمثل الْأَعْلَى فِي قُوَّة التَّوَكُّل بالاعتماد على الله والثقة بِهِ فَفِي معركة أحد عِنْدَمَا جمعت لَهُ قُرَيْش

стр. 9

لتستأصله، توكل على الله فكفاه. يَقُول ابْن عَبَّاس ﵁: ((حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، قَالَهَا إِبْرَاهِيم حينما ألقِي فِي النَّار وَقَالَهَا مُحَمَّد ﷺ حينما قيل لَهُ إِن النَّاس قد جمعُوا لكم)) (١) . واقرأ معي هَذِه الْقِصَّة وفيهَا صُورَة رائعة من صور توكله وثباته واعتماده على الله : عَن جَابر ﵁ قَالَ ((غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ غَزْوَة نجد فَلَمَّا أَدْرَكته القائلة وَهُوَ فِي وادٍ كثير العضاه فَنزل تَحت شَجَرَة واستظل بهَا وعلق سَيْفه، فَتفرق النَّاس فِي الشّجر يَسْتَظِلُّونَ، وبينما نَحن كَذَلِك إِذْ دَعَانَا رَسُول الله ﷺ فَجِئْنَا فَإِذا أَعْرَابِي قَاعد بَين يَدَيْهِ أَتَانِي وَأَنا نَائِم فاخترط سَيفي فَاسْتَيْقَظت وَهُوَ قَائِم على رَأْسِي فَقَالَ: إِن هَذَا مخترط سَيفي صَلتا قَالَ: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فشامه ((يَعْنِي أغمده)) ثمَّ قعد فَهُوَ هَذَا وَلم يعاتبه رَسُول الله) (٢) . وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات ((فَدفع جِبْرِيل فِي صَدره فَوَقع السَّيْف من يَده فَأَخذه النَّبِي ﷺ وَقَالَ: من يمنعك أَنْت مني، قَالَ: لَا أحد. قَالَ: قُم فَاذْهَبْ لشأنك، فَلَمَّا ولى قَالَ: أَنْت خير مني)) . (٣) فَانْظُر كَيفَ دعاهم الرَّسُول ﷺ ليشهدوا هَذَا الْموقف وَكَيف أَن الله مَنعه من هَذَا الرجل الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفه لقُوَّة توكله وثقته بربه. وَهَكَذَا نجد فِي تربية الرَّسُول ﷺ لأَصْحَابه تربيتهم على الثِّقَة بِاللَّه والاعتماد والتوكل عَلَيْهِ وَالْيَقِين بنصره لأوليائه، فَبَيْنَمَا كَانَ الْمُسلمُونَ الْأَوَائِل تَحت طائلة عَذَاب الْمُشْركين واستضعافهم لَهُم حَيْثُ عانوا مِنْهُم الأمرّين.

стр. 10

جَاءُوا لرَسُول الله ﷺ كَمَا فِي حَدِيث خباب قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّد بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة فقلناألا تستغفر لنا أَلا تَدْعُو لنا؟ فَقَالَ: ((قد كَانَ من قبلكُمْ يُؤْخَذ الرجل فيحفرله فِي الأَرْض فَيجْعَل فِيهَا ثمَّ يُؤْتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع على رَأسه فَيجْعَل نِصْفَيْنِ وَيُمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد مادون لَحْمه وعظمه مَا يصده ذَلِك عَن دينه، وَالله ليتمنّ الله هَذَا الْأَمر حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء إِلَى حَضرمَوْت لَا يخَاف إِلَّا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون)) (١) . هَذِه الْكَلِمَات تربية على الْيَقِين بنصر الله والثقة بِمَا عِنْده وَرفع الهمة فِي نفوس الصَّحَابَة بِضَرْب الْمثل لَهُم بصبر الدعاة السَّابِقين لَهُم. بل علا ﷺ بهمة أَصْحَابه لتتطلع إِلَى الْجنَّة وَتحْتَسب مَا يُصِيبهَا عِنْد الله فها هُوَ ﷺ يمر بآل يَاسر وهم يُعَذبُونَ فَيَقُول: ((صبرا آل يَاسر فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة)) . رَوَاهُ الْحَاكِم (٢) وَطَرِيق الْجنَّة محفوف بالمكاره فَلَا بدمن الصَّبْر وَلَا بُد من تربية النُّفُوس على التَّحَمُّل وَالصَّبْر وَإِذا ارتبطت الْقُلُوب بالجزاء الأخروي صبرت وصابرت لِأَنَّهَا تستشعر أَن لَهَا ثَوابًا على ذَلِك هُوَ النَّعيم وَالْجنَّة الَّتِي لَا نصب فِيهَا وَلَا تَعب والنفوس إِذا ذاقت حلاوة الْإِيمَان هان عَلَيْهَا كل شَيْء دونه وَصَارَ زَادهَا فِي الثَّبَات على الطَّرِيق. وَلذَلِك نجد من أولويات التربية النَّبَوِيَّة تربية النُّفُوس على الْعِبَادَة الصادقة والصلة القوية بِاللَّه والارتباط بِهِ فَالصَّلَاة من أهم مَا يجب أَن يتعلمه ويعمله الْمُسلم بعد الشَّهَادَتَيْنِ وَهِي أعظم صلَة للْعَبد بربه. وَلذَلِك كَانَ الرعيل الأول لَهُم حَظّ وافر مِنْهَا فَكَانُوا يقومُونَ اللَّيْل مَعَ الرَّسُول ﷺ حَتَّى تورمت أَقْدَامهم.

стр. 11

ورد عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: ((لما نزلت ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ قَامَ الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم وَأمْسك الله خاتمتها اثْنَي عشر شهرا ثمَّ أنزل الله التَّخْفِيف فَصَارَ قيام اللَّيْل تَطَوّعا من بعد فَرِيضَة)) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه (١) وَلَقَد وَجه الْمُصْطَفى الْكَرِيم ﷺ إِلَى الْعِنَايَة بِأَمْر الصَّلَاة مُنْذُ الصغر فَهُوَ يُخَاطب الْآبَاء وَيَقُول: ((مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر)) أخرجه أَبُو دَاوُد (٢) ودلت أَحَادِيث الرَّسُول ﷺ على الْعِنَايَة والاهتمام بِالصَّلَاةِ وَأَنَّهَا أعظم الْأَركان بعد الشَّهَادَتَيْنِ. وَمَا ذَاك إِلَّا لما فِيهَا من صلَة بِاللَّه تهذب النُّفُوس وتزكي الرّوح وتُقوم السلوك وتنهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر. فعلى المربين أَن يعتنوا بِهَذَا الْجَانِب المهم وَأَن يغرسوا فِي نفوس الناشئة حب الصَّلَاة، والحرص على أَدَائِهَا وإقامتها على الْوَجْه الْأَكْمَل وَأَن يَكُونُوا لَهُم فِي ذَلِك قدوة. روى عبدا لله بن عَمْرو رضى الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه ذكر الصَّلَاة يَوْمًا فَقَالَ: ((من حَافظ عَلَيْهَا كَانَت لَهُ نورا وبرهاناً وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة، وَمن لم يحافظ عَلَيْهَا لم تكن لَهُ برهَان وَلَا نور وَلَا نجاة، وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ قَارون وهامان وَفرْعَوْن وأبيَّ بن خلف)) أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان (٣) وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: كَانَت عَامَّة وَصِيَّة رَسُول الله ﷺ حِين حَضرته الْوَفَاة وَهُوَ يُغَرْغر بِنَفسِهِ ((الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم)) رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ (٤) وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي صلى الله

стр. 12

عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ((إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله الصَّلَاة، فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح، وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر، فَإِن انْتقصَ من فريضته شَيْء قَالَ الرب : انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فيكمل مِنْهَا مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة، ثمَّ يكون سَائِر أَعماله على هَذَا)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (١) فَانْظُر إِلَى تَعْظِيم النَّبِي ﷺ أَمر الصَّلَاة وتأكيده الْمُحَافظَة عَلَيْهَا حَتَّى وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، ثمَّ بَيَانه لفضلها وأجرها وعظيم عُقُوبَة من فرط فِيهَا. وَمن معالم التربية النَّبَوِيَّة غرس الْيَقِين بِالآخِرَة فِي النُّفُوس والتذكير بهَا وَجعلهَا هِيَ الهمّ والغاية الَّتِي يسْعَى إِلَيْهَا الْمُسلم. وَالْيَقِين بِالآخِرَة من أعظم أَسبَاب صَلَاح النُّفُوس واستقامتها وَهُوَ ركن أصيل فِي إِيمَان العَبْد الْمُسلم وصلاحه واستقامته وَلِهَذَا نجد أَن الله جعله من أهم صِفَات الْمُؤمنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿...وبالآخرة هم يوقنون﴾ (٢) ونجد الْقُرْآن الْكَرِيم لَا تَخْلُو صفحة من صفحاته من التَّذْكِير بِالآخِرَة وَمَا فِيهَا. وَلَقَد كَانَ مَنْهَج النَّبِي ﷺ ربط النُّفُوس بِالآخِرَة وَبِمَا فِيهَا من النَّعيم الْمُقِيم وَمَا فِيهَا من الْجَزَاء وَالْعِقَاب الْأَلِيم. وَيتبع ذَلِك تحقير الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا واغترار أَهلهَا بهَا. وتجده ﷺ كثيرا مَا يُصَدّر أوامره وتوجيهاته بقوله: ((من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ...)) مِمَّا يدْفع للْعَمَل للآخرة وَإِرَادَة وَجه الله وثوابه وَفِي غَزْوَة الخَنْدَق عِنْدَمَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار يحفرون الخَنْدَق وَرَأى النَّبِي ﷺ مَا بهم من النصب والجوع قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة فَاغْفِر

стр. 13

للْأَنْصَار والمهاجرة)) (١) وتجده ﷺ يحرص على تَوْجِيه أَصْحَابه إِلَى مَا يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة ويزهدهم فِي مَتَاع الدُّنْيَا. حدَّث عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن فِي الصُفَّة فَقَالَ: ((أَيّكُم يحب أَن يَغْدُو كل يَوْم إِلَى بُطحان أَو إِلَى العقيق فَيَأْتِي مِنْهُ بناقتين كوماوين (٢) فِي غير إِثْم ولاقطيعة رحم؟)) فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله. نحب ذَلِك. قَالَ: ((أَفلا يَغْدُو أحدكُم إِلَى الْمَسْجِد فَيعلم أَو يقْرَأ آيَتَيْنِ من كتاب الله (خير لَهُ من ناقتين وَثَلَاث خير لَهُ من ثَلَاث وَأَرْبع خيرله من أَربع وَمن أعدادهن من الْإِبِل)) . رَوَاهُ مُسلم (٣) فَتَأمل كَيفَ فَضَّل ﷺ قِرَاءَة آيَات من كتاب الله على نَفِيس المَال عِنْدهم، وهاهو يحفز ﷺ أَصْحَابه إِلَى التزود للآخرة والزهد فِي الدُّنْيَا، وَيسْتَعْمل ﷺ للترغيب بِالآخِرَة وربط النُّفُوس بهَا أساليب مقنعة تدفع النُّفُوس للتزود والجدّ وَالْعَمَل لهَذِهِ الْحَيَاة الْبَاقِيَة. عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : ((أَيّكُم مَال وَارثه أحب إِلَيْهِ من مَاله؟)) قَالُوا: يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَى مَاله أحب إِلَيْهِ. قَالَ: ((فَإِن مَاله مَا قَدَّم، وَمَال وَارثه مَا أخَّر)) رَوَاهُ البُخَارِيّ (٤) والأمثلة من السّنة النَّبَوِيَّة كَثِيرَة تدل على عناية الرَّسُول ﷺ بربط النُّفُوس بالجزاء الأخروي. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ لما تربت نُفُوسهم على هَذَا المبدأ يجْعَلُونَ الْآخِرَة هِيَ مقصدهم وغايتهم وَمُرَاد سَعْيهمْ ويحرصون على بذل النَّفس والنفيس للفوز بهَا وَالظفر بنعيمها.

стр. 14

يتَمَثَّل ذَلِك فِي الصُّور الرائعة لجهادهم وبذلهم نُفُوسهم رخيصة فِي سَبِيل الله روى البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ: ((لما طُعِن حَرَام بن ملْحَان ـ وَكَانَ خَاله ـ يَوْم بِئْر مَعُونَة، قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا، فنضحه على وَجهه وَرَأسه ثمَّ قَالَ فزت وَرب الْكَعْبَة)) (١) وَأخرج البُخَارِيّ أَيْضا قصَّة عُمَيْر بن الْحمام ﵁ فِي غَزْوَة أحد حينما قَالَ للنَّبِي ﷺ : ((أَرَأَيْت إِن قتلت فَأَيْنَ أَنا؟ قَالَ فِي الْجنَّة. فَألْقى تمرات فِي يَده ثمَّ قَالَ: لَئِن حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل)) (٢) وَهَكَذَا نرى هَذِه الثَّمَرَة الْعَظِيمَة للتربية النَّبَوِيَّة بِحَيْثُ يبْذل الْمَرْء نَفسه رخيصة فِي سَبِيل الله ويبيعها لله تَعَالَى، فَمَا أعظم هَذِه التربية، وَفِي الْمُقَابل نرى كثيرا من الْأَحَادِيث عَنهُ ﷺ تزهد فِي الدُّنْيَا وَتبين حقارتها، وَفِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة ألَّفت فِيهَا مؤلفات كالمؤلفات فِي الزّهْد. اسْتمع إِلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يضْرب مثلا للدنيا بِالنِّسْبَةِ للآخرة فَيَقُول: ((وَالله مالدنيا فِي الْآخِرَة إلامثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فلينظربم يرجع)) رَوَاهُ مُسلم (٣) وَتَأْتِي آيَات الْقُرْآن قبل ذَلِك مؤكِّدة هَذَا الْمَعْنى يَقُول تَعَالَى ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخر بَيْنكُم وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد كَمثل غيث أعجب الْكفَّار نَبَاته ثمَّ يهيج فتراه مصفرَّاً ثمَّ يكون حطاماً وَفِي الْآخِرَة عذابٌ شَدِيد ومغفرةٌ من الله ورضوان وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ (٤) لَكِن من الْمَعْلُوم أَن الْإِسْلَام لَا يغْفل أَمر الْعَمَل للدنيا

стр. 15

والتمتع بحلالها ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا﴾ (١) وَفِي دُعَاء الْمُؤمنِينَ الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم ﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ (٢) فَلَيْسَ الزّهْد فِي الدُّنْيَا بِتَرْكِهَا والانقطاع للآخرة بل أَن لَا تكون الدُّنْيَا فِي الْقلب وَإِن كَانَت فِي الْيَد يَقُول صَاحب كتاب وَقْفَة تربوية: ((لم يخلق الله الدُّنْيَا ثمَّ يحرّمها على خلقه , بل ذمها عِنْدَمَا يتخذها هَذَا الْمَخْلُوق هدفاً يحيا وَيَمُوت من أَجله فتنسيه الهدف الَّذِي خلق من أَجله, وَهُوَ الْعِبَادَة أما إِذا كَانَت الدُّنْيَا مزرعة للآخرة فَمَا أجملها , وَمَا ألذّها وأسعد مَا فِيهَا. لقد كثرت عِبَارَات السّلف ﵃ عَن النَّوْع الأول من الدُّنْيَا, تِلْكَ الَّتِي تلهي صَاحبهَا عَمَّا خلق من أَجله أُولَئِكَ الَّذين أدخلوها فِي قُلُوبهم..ينبههم التَّابِعِيّ الْجَلِيل مَالك بن دِينَار بقوله: ((إِن الله جعل الدُّنْيَا دَار سفر, وَالْآخِرَة دَار مقرّ فَخُذُوا لمقركم من سفركم, وأخرجوا الدُّنْيَا من قُلُوبكُمْ قبل أَن تخرج مِنْهَا أبدانكم)) (٣) إِنَّه لم يسْتَطع أحد من أُولَئِكَ العمالقة من الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ وَالصَّالِحِينَ من بعدهمْ أَن يقومُوا بِتِلْكَ الطَّاعَات, ويتبوءوا تِلْكَ الْمنَازل الْعَالِيَة, إِلَّا بعد أَن أخرجُوا تِلْكَ الدُّنْيَا الملهية من قُلُوبهم وَأَن يجعلوها بِأَيْدِيهِم)) (٤) .

стр. 16

الوقفة الثَّانِيَة: فِي التربية الأخلاقية ... الوقفة الثَّانِيَة: التربية الأخلاقية لقد أعْطى الرَّسُول ﷺ للأخلاق منزلَة عالية تمثلت فِي توجيهاته ﷺ ، وَمَا أعطَاهُ للأخلاق من أهمية، وَمَا بذله فِي سَبِيل ترسيخ الْأَخْلَاق، وغرسها فِي نفوس أَصْحَابه منهجاً رائعاً آتى ثماره وَكَانَ خير مَنْهَج فِي تَقْوِيم السلوك والدعوة لِلْخلقِ الْحسن. يتَمَثَّل ذَلِك فِي الْأُمُور الْآتِيَة: أَولا: كَانَ ﷺ قبل أَن يُوَجه أَصْحَابه إِلَى اتّباع الْخلق الْحسن كَانَ خير قدوة لَهُم فِي ذَلِك فقد كَانَ ﵇ قمة سامقة فِي الْأَخْلَاق السامية حَتَّى شهد لَهُ بذلك الْقُرْآن الْكَرِيم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ (١) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ (٢) فقد أدب الله (نبيه بآداب حَسَنَة، وَجعل لَهُ برحمته هَذِه الْأَخْلَاق الْعَالِيَة ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ (٣) وَكَانَ ﵇ يَسْتَقِي من الْقُرْآن أخلاقه، فَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا سُئلت عَن خلق رَسُول الله (فَقَالَت: ((كَانَ خلقه الْقُرْآن)) أخرجه مُسلم (٤) وَلَقَد كَانَ (يُعَامل جَمِيع النَّاس مُعَاملَة خلقية عالية حَتَّى خَدَمُه قَالَ: أنس بن مَالك ﵁: ((خدمت رَسُول الله عشر سِنِين فَمَا قَالَ لي: أفٍ قطّ، وَمَا قَالَ لشَيْء صَنعته لم صَنعته؟ وَلَا لشَيْء تركته لم تركته؟ وَكَانَ رَسُول الله أحسن النَّاس خلقا، وَلَا مسست خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئا كَانَ أَلين من كفِّ رَسُول الله ﷺ وَلَا شممت مسكاً

стр. 17

قطّ وَلَا عطراً كَانَ أطيب من عرق النَّبِي)) رَوَاهُ مُسلم (١) . وَكَانَ لهَذِهِ الْأَخْلَاق أثر عَظِيم فِي نفوس أَصْحَابه (. فقد شهدُوا لَهُ (بِحسن الْخلق واقتفوا أَثَره فِي ذَلِك، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (قَالَ: لم يكن رَسُول الله (فَاحِشا وَلَا متفحشاً وَكَانَ يَقُول: ((إنّ من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٢) . وَعَن أنس (قَالَ: كَانَ رَسُول الله أحسن النَّاس خلقا وَكَانَ لي أَخ فطيم يُسمى أَبَا عُمَيْر لَدَيْهِ عُصْفُور مَرِيض اسْمه النغير فَكَانَ رَسُول الله يلاطف الطِّفْل الصَّغِير وَيَقُول لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير)) أخرجه البُخَارِيّ (٣) وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: ((ماخُيِّر رَسُول الله ﷺ بَين أَمريْن إِلَّا اخْتَار أيسرهما مالم يكن إِثْمًا فَإِن كَانَ إِثْمًا كَانَ أبعد النَّاس عَنهُ، وَمَا انتقم الرَّسُول ﷺ لنَفسِهِ فِي شَيْء قطّ إِلَّا أَن تنتهك حُرْمَة الله فينتقم، وَمَا ضرب رَسُول الله ﷺ شَيْئا قطّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَة وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَن يُجَاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٤) . وَعَن أنس ﵁ قَالَ: ((إِن كَانَت الأَمَةُ لتأْخذ بيد رَسُول الله ﷺ فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت)) رَوَاهُ البُخَارِيّ (٥) وَمن المواقف

стр. 18

الَّتِي تدل على سمو أخلاقه ﷺ مارواه مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ ﵁ قَالَ: ((بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ عَطَسَ رجل من الْقَوْم. فقلتُ: يَرْحَمْكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ، فقلتُ: واثُكْلَ أُمَيَاهْ ﴿مَا شأنُكم تنْظرُون إليَّ؟ وَجعلُوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم على أَفْخَاذهم، فلَمَّا رأيتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صلَّى رَسُول الله ﷺ ، فبأبي هُوَ وأمِّي مَا رأيتُ معلِّماً قبلَه وَلَا بعدَه أحسنَ تَعْلِيما مِنْهُ، فواللهِ ماكَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: ((إنَّ هَذِه الصّلاة لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْء من كَلَام النّاس، إِنَّما هِيَ للتَّسبيح والتَّكبير وَقِرَاءَة الْقُرْآن)) أخرجه مُسلم (١) فَانْظُر لحسن الْخلق وَالْحكمَة والرفق فِي التَّوْجِيه من المربي الْعَظِيم ﷺ ، وَعَن أنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة ﵄ قَالَ: ((جَاءَ أَعْرَابِي فَدخل الْمَسْجِد ثمَّ صلى ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمداً وَلَا ترحم مَعنا أحدا. فَقَالَ ﷺ لقد تحجرت وَاسِعًا ثمَّ لم يلبث أَن بَال فِي طَائِفَة الْمَسْجِد فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ : مَه﴾ مَه! قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لاتزرموه، دَعوه فَلَقَد بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين)) . قَالَ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَال ثمَّ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَاهُ ثمَّ قَالَ: ((إِن هَذِه الْمَسَاجِد لَا تصلح لشَيْء من هَذَا الْبَوْل وَلَا القذر إِنَّمَا هِيَ لذكر الله وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن)) ؛ ثمَّ دَعَا بذَنُوب من مَاء فصُبَّ على بَوْله)) أخرجه الْجَمَاعَة بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة (٢) وَلَقَد كَانَ لهَذَا التَّعْلِيم الْحَكِيم والمعاملة الْحَسَنَة أَثَرهَا

стр. 19

فِي نفس ذَلِك الْأَعرَابِي فها هُوَ يروي قصَّته وَيَقُول كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: يَقُول الْأَعرَابِي بعد أَن فقه: ((فَقَامَ النَّبِي ﷺ إِلَيّ بِأبي هُوَ وَأمي فَلم يسب وَلم يؤنب وَلم يضْرب)) أخرجه ابْن مَاجَه (١) هَكَذَا كَانَ تعامله ﷺ كَانَ أحسن الْخلق خُلقا وأفضلهم تَعْلِيما روى البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ: ((كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ بُرْد غليظ الْحَاشِيَة فأدركه أَعْرَابِي فَجَذَبَهُ جذبة شَدِيدَة حَتَّى نظرت إِلَى صفحة عاتق رَسُول الله ﷺ وَقد أثرت بهَا حَاشِيَة الْبرد من شدَّة جذبته ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، مُرْلي من مَال الله الَّذِي عنْدك، فَالْتَفت إِلَيْهِ رَسُول الله وَضحك وَأمر لَهُ بعطاء)) أخرجه البُخَارِيّ (٢) هَكَذَا كَانَت أخلاقه ﷺ وَلَقَد كَانَ لهَذِهِ الْأَخْلَاق الْعَالِيَة أَثَرهَا فِي نفوس أَصْحَابه الَّذين سادوا من بعده الدُّنْيَا بأخلاقهم وَذَلِكَ عِنْدَمَا اقتدوا بِهِ وَسَارُوا على أَثَره. ثَانِيًا: جعل الرَّسُول ﷺ للأخلاق مكانة عالية فِي النُّفُوس فَمن ذَلِك أَن جعلهَا من مَقَاصِد بعثته ﵇ فقد صحَّ عَنهُ ﷺ قَوْله: ((إِنَّمَا بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق وَفِي رِوَايَة صَالح الْأَخْلَاق)) أخرجه الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأحمد فِي مُسْنده وَصَححهُ ابْن عبد الْبر (٣) فَلَقَد علق أَمر الْبعْثَة بتتميم الْأَخْلَاق، وتتميم الْأَخْلَاق لَهُ طريقتان:

стр. 20

الطَّرِيقَة الأولى: أَن يسْتَبْدل الْخلق الجاهلي بِخلق إسلامي إيماني. الطَّرِيقَة الثَّانِيَة: استبدال نِيَّة الخُلق إِن كَانَ الخُلق حسنا. وَمن الْمَعْلُوم أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانَت لَهُم أَخْلَاق حَسَنَة كالشجاعة وَالْكَرم وَغَيرهَا وَلَكِن كَانَت مقاصدهم فِيهَا سَيِّئَة، فيقصدون من وَرَاء ذَلِك الْفَخر وَكسب ثَنَاء النَّاس ومدحهم، فجَاء الْإِسْلَام وَغير تِلْكَ الْمَقَاصِد، فَجعل من قَاتل شجاعة فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَمن قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله ويثاب على ذَلِك وَمن أنْفق ليقال جواد فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَيَأْثَم على ذَلِك وَمن أنْفق فِي سَبِيل الله نَالَ الْأجر والمثوبة من الله. قَالَ الْبَاجِيّ: كَانَت الْعَرَب أحسن النَّاس أَخْلَاقًا بِمَا بَقِي عِنْدهم من شَرِيعَة إِبْرَاهِيم وَكَانُوا قد ضلوا بالْكفْر عَن كثير مِنْهَا فبُعث ﷺ ليتم محَاسِن الْأَخْلَاق بِبَيَان مَا ضلوا عَنهُ وَبِمَا قضى فِي شَرعه. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يدْخل فِيهِ الصّلاح وَالْخَيْر كُله وَالدّين وَالْفضل والمروءة وَالْإِحْسَان وَالْعدْل فبذلك بعث ليتممه (١) أَيْضا أخبر ﷺ أَن أحاسن النَّاس خلقا أقربهم مِنْهُ مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة. عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة، أحاسنكم أَخْلَاقًا. وَإِن أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني يَوْم الْقِيَامَة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون)) قَالُوا يَا رَسُول الله قد علمنَا الثرثارون والمتشدقون فَمَا المتفيهقون؟ قَالَ: ((المتكبرون)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (٢) وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَأْمر بمعاملة النَّاس بالخلق الْحسن ويقرن ذَلِك بالتقوى

стр. 21

فَفِي الحَدِيث عَن أبي ذَر ومعاذ بن جبل ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وخالق النَّاس بِخلق حسن)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح (١) وَقد كَانَ من دُعَائِهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ أَحْسَنت خلقي فَأحْسن خُلقي)) أخرجه الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عبد الله بن مَسْعُود (٢) وَقد جعل ﷺ أهل الْأَخْلَاق هم خِيَار النَّاس فَفِي الحَدِيث عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ((إِن من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٣) كل هَذِه الْأُمُور تدل على المكانة الْعَالِيَة الَّتِي جعلهَا الْإِسْلَام للأخلاق. ثَالِثا: ربط الْإِسْلَام بَين جَمِيع الْعِبَادَات الْمَشْرُوعَة والأخلاق فَالصَّلَاة الْوَاجِبَة جعل الله من مقاصدها النَّهْي عَن الخُلق السَّيئ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ (٤) فالآية تَشْمَل مَا فحش ونكر من القَوْل وَالْفِعْل وَالزَّكَاة الْمَفْرُوضَة إِنَّمَا هِيَ طهرة من أدران الْبُخْل وَالشح وتعويدها على الْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾ (٥)

стр. 22

وَالصَّوْم أَيْضا تَهْذِيب للنَّفس عَن الشَّهَوَات المحظورة وإقراراً لهَذَا الْمَعْنى قَالَ الرَّسُول ﷺ : ((من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه)) أخرجه البُخَارِيّ (١) كَذَلِك الْحَج فِيهِ تعويد على الْمعَانِي الخلقية قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَج أشهرٌ مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ (٢) رَابِعا: وَكَذَلِكَ جعل الْإِسْلَام بَين الْإِيمَان والأخلاق علاقَة وَثِيقَة لذَلِك يَقُول ﵊: ((أكمل الْمُؤمنِينَ أيمانا أحْسنهم خلقا)) أخرجه التِّرْمِذِيّ وأبوداود (٣) وَقد جعل الرَّسُول ﷺ كثيرا من الْأَخْلَاق من شعب الْإِيمَان فَمن ذَلِك الْحيَاء وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق يَقُول ﵊ ((الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة فأعلاها شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من شعب الْإِيمَان)) أخرجه مُسلم (٤) . وَقد نفى الرَّسُول ﷺ الْإِيمَان عَمَّن سَاءَ خلقه مَعَ جَاره يَقُول ((وَالله لَا يُؤمن قَالَهَا ثَلَاثًا، قيل: من يَا رَسُول الله؟ قَالَ من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه)) أخرجه

стр. 23

البُخَارِيّ (١) وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَأْمر الرَّسُول ﷺ أَصْحَابه بِأَمْر من أُمُور الْأَخْلَاق فَإِنَّهُ يُقدم لذَلِك بِذكر الْإِيمَان بِاللَّه. فَمن ذَلِك: مَا ورد عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ((من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره، وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه)) رَوَاهُ مُسلم (٢) وَهَكَذَا نجد أَن الْأَخْلَاق مرتبطة بِالْإِيمَان ارتباطاً قَوِيا وَفِي ذَلِك مَا يدل على أهميتها وحرص الْإِسْلَام على ترسيخها. خَامِسًا: جعل الرَّسُول ﷺ لِلْخلقِ منزلَة عالية فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ ببيانه لجزيل الْأجر وَالثَّوَاب الَّذِي يحصل عَلَيْهِ صَاحب الْخلق الْحسن. عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: ((سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ((إِن الْمُؤمن ليدرك بِحسن خلقه دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم)) رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان (٣) وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن أنس: ((إِن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه عَظِيم دَرَجَات الْآخِرَة وَشرف الْمنَازل وَإنَّهُ لضعيف الْعِبَادَة)) (٤) بل قد فسر الرَّسُول ﷺ البِرّ الَّذِي هُوَ مرتبَة عالية فِي الْعِبَادَة ـ فسره

стр. 24

بِحسن الْخلق كَمَا فِي حَدِيث النواس بن سمْعَان ﵁ قَالَ: ((سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ: الْبر حسن الْخلق ... الخ)) أخرجه مُسلم (١) وَإِذا جَاءَ ذكر الموازين ومقادير الْأَعْمَال الصَّالِحَة فللخلق الْحسن قصب السَّبق فِي هَذَا الْبَاب، فقد أخبر الرَّسُول ﵊ أَن أثقل شَيْء فِي حَسَنَات العَبْد يَوْم الْقِيَامَة هُوَ حسن الْخلق. عَن أَبى الدَّرْدَاء ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: ((مَا من شَيْء أثقل فِي ميزَان الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من حسن الْخلق وَإِن الله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (٢) وَإِذا جَاءَ ذكر الْجنَّة وَمَا يؤهل لَهَا وَيُوجب دُخُولهَا وجدت لِلْخلقِ الْحسن قدره ومكانته فَأخْبر ﵊ أَن حسن الْخلق من أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة، وَفِي هَذَا بَيَان لمنزلة الْخلق بَين أَعمال الْآخِرَة عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة فَقَالَ: ((تقوى الله وَحسن الْخلق)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَحْمد، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (٣) وَإِذا تفاخر النَّاس بِمَا أَعْطَاهُم الله من حسب وَنسب وَمَال وبنين فَإِن ماأُعطاه

стр. 25

صَاحب الْخلق يفوق ذَلِك فعندما سَأَلَ الصَّحَابَة رَسُول الله ﷺ عَن خير مَا أُعطي الْإِنْسَان؟ قَالَ: ((خلق حسن)) . أخرجه ابْن مَاجَه عَن أُسَامَة بن شريك بِسَنَد صَحِيح (١) سادساً: بعد هَذَا كُله كَانَ الرَّسُول ﷺ إِذا رأى فِي أَصْحَابه جنوحاً عَن الْخلق السَّلِيم، قَوَّم ذَلِك وَوجه أَصْحَابه إِلَى مَا يجب أَن يَكُونُوا عَلَيْهِ من أَخْلَاق. فَمن أَمْثِلَة ذَلِك ـ والأمثلة كَثِيرَة جدا ـ عَن الْمَعْرُور ابْن سُوَيْد قَالَ: لقِيت أَبَا ذَر بالربذة وَعَلِيهِ حُلّة وعَلى غُلَامه حُلَّة فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي ساببت رجلا فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ : ((يَا أَبَا ذَر أعيرته بِأُمِّهِ؟ إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة، إخْوَانكُمْ خولكم، جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل، وليلبسه مِمَّا يلبس، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ، فان كفلتموهم فَأَعِينُوهُمْ)) أخرجه البُخَارِيّ (٢) وَعَن أنس ﵁ قَالَ: مرّ النَّبِي ﷺ بِامْرَأَة تبْكي عِنْد قبر فَقَالَ: ((اتقِي الله واصبري، قَالَت إِلَيْك عني فَإنَّك لم تصب بمصيبتي وَلم تعرفه)) ، فَقيل: إِنَّه النَّبِي ﷺ فَأَتَت بَاب النَّبِي ﷺ فَلم تَجِد عِنْده بوابين. فَقَالَت: لم أعرفك. فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٣) . وَعَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ: ((كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ ورجلان يستبَّان وَأَحَدهمَا قد احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ((إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد،

стр. 26

لوقال: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ذهب عَنهُ مَا يجد)) ، فَقَالُوا لَهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، فَقَالَ: وَهل بِي من جُنُون)) مُتَّفق عَلَيْهِ (١) وَهَكَذَا يتَبَيَّن لنا أَن منهجه ﷺ فِي التربية وتقويم الْأَخْلَاق أكمل مَنْهَج وأقوم سَبِيل آتى ثماره.

стр. 27

الوقفة الثَّالِثَة: التربية بالقدوة الْقدْوَة مَعْنَاهَا من الِاقْتِدَاء وَهُوَ أَن يفعل الْمَرْء مثل فعل غَيره تشبهاً بِهِ (١) وَلَقَد كَانَ رَسُول الله ﷺ خير قدوة لأَصْحَابه، وَكَذَا حَال الْأَنْبِيَاء جعلهم الله مِثَالا وأسوة لأممهم فَمَا كَانُوا ليأمروا بِمَا يخالفونه أوَ يَقُولُوا مَالا يَفْعَلُونَهُ. يَقُول تَعَالَى عَن شُعَيْب ﵇ ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ (٢) وَقد جعل الله من الْمُصْطَفى ﷺ أُسْوَة يحتذى وقدوة يُتَّبع لنيل ثَوَاب الْآخِرَة فقد تمثلت فِيهِ ﷺ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والآداب المرعية، فَمَا من خير إِلَّا سبق إِلَيْهِ وَلَا خصْلَة حميدة إِلَّا نَالَ أوفر الْحَظ مِنْهَا. وَلِهَذَا أُمرنا بالتأسي بِهِ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ (٣) والقدوة لَهَا أعظم الْأَثر فِي النُّفُوس، وتأثيرها أعظم من تَأْثِير الْخطب والمقالات والكتابات وَهَذَا مِمَّا يُثبتهُ الْوَاقِع وتدركه الْعُقُول. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يتَمَثَّل حَقِيقَة الْإِسْلَام بَين أَصْحَابه فِي قدوة حَسَنَة يقرن الْفِكر بِالْعَمَلِ، ويربط النظرية بالتطبيق وَيقدم الْمعَانِي حقائق حَيَّة فيُهتدى بِعَمَلِهِ قبل قَوْله وبفعله قبل علمه وَيكون أَمَام أَصْحَابه تجسيداً حَيا لدعوته ومثلاً صَرِيحًا على مبادئه. وَكَانَ ﷺ يَأْمر الصَّحَابَة بالاقتداء بِهِ فَيَقُول: ((وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) (٤) وَيَقُول: ((لِتَأْخُذُوا عني

стр. 28

مَنَاسِككُم)) (١) بل إِنَّه ﷺ تعمد مرّة أَن يُصَلِّي مرتفعاً ليراه أَصْحَابه؛ فقد ورد فِي الحَدِيث عَن سهل بن سعد ﵁ أَن النَّبِي ﷺ صلَّى على الْمِنْبَر وكبرَّ وَهُوَ عَلَيْهَا ثمَّ ركع وَهُوَ عَلَيْهَا ثمَّ نزل الْقَهْقَرَى فَسجدَ فِي أصل الْمِنْبَر، ثمَّ عَاد فَلَمَّا فرغ أقبل على النَّاس فَقَالَ: ((يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا صنعت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي)) رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢) فِي مقَام آخر يتحدث أنس بن مَالك عَن وَاقعَة حصلت فِي الْمَدِينَة سبقهمْ لاجتلاء أمرهَا رَسُول الله ﷺ يَقُول أنس ﵁ ((كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس وَكَانَ أَجود النَّاس، وَكَانَ أَشْجَع النَّاس، وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة ذَات لَيْلَة فَانْطَلق نَاس قِبَل الصَّوْت، فَتَلقاهُمْ رَسُول الله ﷺ رَاجعا، وَقد سبقهمْ إِلَى الصَّوْت وَهُوَ على فرس لأبي طَلْحَة عُري ((أَي لَيْسَ عَلَيْهَا لجام)) وَفِي عُنُقه السَّيْف وَهُوَ يَقُول: لم تراعوا لم تراعوا)) (٣) هَكَذَا كَانَ ﷺ قدوة فِي الشجَاعَة والإقدام وَفِي كل خير. وَكَثِيرًا مَا يحث النَّبِي ﷺ أَصْحَابه على شَيْء ثمَّ يعلمهُمْ بِفِعْلِهِ فيقرن لَهُم القَوْل بِالْفِعْلِ، والأمثلة على ذَلِك كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ حثَّ على تَعْجِيل الْفطر للصَّائِم فَقَالَ فِي حَدِيث سهل بن سعد ((لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٤) ثمَّ ترَاهُ يطبق ذَلِك عملياً،

стр. 29

فَفِي الحَدِيث عَن عبد الله ابْن أبي أوفى ﵁ قَالَ: ((كنّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر وَهُوَ صَائِم فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ لبَعض الْقَوْم: ((يافلان قُم فاجدح لنا)) ، قَالَ: إِن عَلَيْك نَهَار، قَالَ: ((انْزِلْ فاجدح لنا)) فَنزل فجدح لَهُم فَسَار النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: ((إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَاهُنَا فقد أفطر الصَّائِم)) (١) وَهَكَذَا رَسَّخ رَسُول الله ﷺ عِنْد صحابته الِاقْتِدَاء بِهِ حَتَّى كَانُوا يتسابقون لمعْرِفَة أَفعاله وأحواله فَهَذَا ابْن عَبَّاس ﵁ يبيت عِنْد خَالَته مَيْمُونَة بنت الْحَارِث ﵂ ليعرف صَلَاة النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ. وَهَذَا ابْن عمر ﵁ لما دخل النَّبِي ﷺ عَام الْفَتْح الْكَعْبَة وبلال وَعُثْمَان بن طَلْحَة وأغلق عَلَيْهِم الْبَاب. فَلَمَّا فتح الْبَاب ابتدره ابْن عمر وَسَأَلَ بِلَالًا مَا فعل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: ((صلَّى بَين ذَيْنك العمودين الْمُتَقَدِّمين.)) (٢) بل كَانَ ابْن عمر ﵁ فِي حجه بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ يتتبع الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا النَّبِي ﷺ فِي طَرِيقه فَيصَلي فِيهَا. ونجد من شدَّة حرص الصَّحَابَة ﵃ على الْخَيْر والاقتداء بِنَبِيِّهِمْ ﷺ أَنهم اقتدوا بِهِ فِيمَا هُوَ من خَصَائِصه ﷺ . فَفِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: ((نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْوِصَال ـ فِي الصّيام ـ فَقَالَ رجل من الْمُسلمين: فَإنَّك تواصل يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ((وَأَيكُمْ مثلي إِنِّي أَبيت يطعمني رَبِّي ويسقيني)) . فَلَمَّا أَبَوا أَن ينْتَهوا عَن الْوِصَال وَاصل بهم

стр. 30

يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا ثمَّ رَأَوْا الْهلَال فَقَالَ: ((لَو تَأَخّر الْهلَال لزدتكم كالمنكَّل لَهُم حِين أَبَوا أَن ينْتَهوا)) مُتَّفق عَلَيْهِ (١) وَهَذَا حرص مِنْهُم ﵃ على الْخَيْر وظناً أَن نهي النَّبِي لَهُم من بَاب الشَّفَقَة عَلَيْهِم وهم لحرصهم على الْخَيْر وَقُوَّة عزيمتهم رَأَوْا أَنهم قادرون على مُتَابعَة النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْعِبَادَة. وَهَكَذَا يتَبَيَّن أثر الْقدْوَة فِي النُّفُوس وأهميتها فِي التربية. وَإِذا تخلفت الْقدْوَة ضعفت التربية وَلَا ترى للمبادئ والتوجيهات أثرا وواقعاً عمليا، وَلِهَذَا نجد النُّصُوص الشَّرْعِيَّة تحذر من مُخَالفَة الْعَالم لما يُعلمه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كَبُر مقتاً عِنْد الله أَن تَقولُوا مَالا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ويشنع الله على طَائِفَة مِمَّن قبلنَا هَذِه الْخصْلَة فَيَقُول: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ (٣) فالعالم والمربي إِذا أَمر بِالْخَيرِ وَلم يَفْعَله وَنهى عَن الشَّرّ وَهُوَ واقعٌ فِيهِ لم يكن لقَوْله تَأْثِير، يَقُول مَالك بن دِينَار ﵀: ((إنّ الْعَالم إِذا لم يعْمل بِعِلْمِهِ زلّت موعظته عَن الْقُلُوب كَمَا يزل الْقطر عَن الصَّفَا)) (٤) وَقد أَفَاضَ عُلَمَاء التربية فِي دور الْتِزَام المربي بتطبيق آرائه ونصائحه على نَفسه أَمَام تلاميذه وَمن يوجههم، وَقد تنبه لأهمية ذَلِك الشَّاعِر الْقَائِل: يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره ... هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم ابدأ بِنَفْسِك فانهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم فهناك يسمع مَا تَقول ويشتفى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم

стр. 31

لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم وفاقد الرشد كَيفَ يرشد غَيره، وَمن لَا نور لَهُ كَيفَ يَسْتَنِير بِهِ سواهُ. وَمِمَّا يدل على أثر تخلف الْقدْوَة فِي الْعَمَل مَا ورد فِي حَدِيث صلح الْحُدَيْبِيَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأَصْحَابه بعد الصُّلْح: ((قومُوا فَانْحَرُوا ثمَّ احْلقُوا)) قَالَ الرَّاوِي: فوَاللَّه مَا قَامَ مِنْهُم رجل، حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد دخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس فَقَالَت أم سَلمَة ﵂: يانبي الله أَتُحِبُّ ذَلِك؟ اخْرُج ثمَّ لَا تكلم أحدا مِنْهُم كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيحلقك. فَخرج فَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى فعل ذَلِك نحر بُدنَه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا فنحروا وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا)) (١) فَانْظُر كَيفَ بَادر الصَّحَابَة ﵃ حينما تمثلت أمامهم الْقدْوَة وَكَيف أحجموا قبل ذَلِك. مِمَّا يُؤَكد أهمية الْقدْوَة وضرورتها. يَقُول الْمَنَاوِيّ فِي شَرحه لأحاديث الْجَامِع الصَّغِير ـ مُبينًا أثر تخلف الْقدْوَة ـ: ((فَحق الْوَاعِظ أَن يتعظ بِمَا يعظ ويُبصر ثمَّ يبَصَّر ويهتدي ثمَّ يهدي وَلَا يكون دفترا يُفِيد وَلَا يَسْتَفِيد ومِسَنّاً يشحذ وَلَا يقطع بل يكون كَالشَّمْسِ الَّتِي تفِيد الْقَمَر الضَّوْء وَلها أفضل مِمَّا تفيده وكالنار الَّتِي تَحْمِي الْحَدِيد وَلها من الحمي أَكثر وَيجب أَن لَا يجرح مقاله بِفِعْلِهِ وَلَا يكذب لِسَانه بِحَالهِ فَيكون مِمَّن وَصفه الله تَعَالَى بقوله ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مافي قلبه وَهُوَ أَشد الْخِصَام﴾ (٢) فالواعظ مَا لم يكن مَعَ مقاله فعال لم ينْتَفع بِهِ إِذْ عمله مدرك بالبصر وَعلمه مدرك بالبصيرة وَأكْثر النَّاس أهل أبصار لَا بصائر فَيجب كَون عنايته

стр. 32

بِإِظْهَار مَا يُدْرِكهُ جَمَاعَتهمْ أَكثر ومنزلة الْوَاعِظ من الموعوظ كالمداوي من الطَّبِيب إِذا قَالَ للنَّاس لَا تَأْكُلُوا كَذَا فَإِنَّهُ سمّ ثمَّ رَأَوْهُ يَأْكُلهُ عدّ سخرية وهزءا كَذَا الْوَاعِظ إِذا أَمر بِمَا لم يعمله وَقيل من وعظ بقوله ضَاعَ كَلَامه وَمن وعظ بِفِعْلِهِ نفذت سهامه وَقيل عمل رجل فِي ألف رجل أبلغ من قَول ألف رجل فِي رجل (١) .

стр. 33

أساليب تَرْبِيَته ﷺ ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات الوقفة الرَّابِعَة: التربية بالثواب وَالْعِقَاب . ... ثَانِيًا: أساليب تربية النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه وفيهَا الوقفات التالية: الوقفة الرَّابِعَة: التربية بالثواب وَالْعِقَاب من أساليب التربية الَّتِي يتَّفق عَلَيْهَا عُلَمَاء التربية: التربية بالثواب وَالْعِقَاب وَهُوَ أَمر فطري، وجد عناية فِي التربية الإسلامية فها هِيَ آيَات الْقُرْآن لاتكاد تَخْلُو صفحة من وعد بالثواب للطائعين ووعيد بالعقاب للعاصين ... فالجنة أعدت لِلْمُتقين وَالنَّار أعدت للْكَافِرِينَ، وَهَذَا الْمنْهَج القرآني لَهُ أروع الْأَثر فِي النُّفُوس وتربيتها وتهذيبها , وَكم ترَبَّتْ نفوس الْمُؤمنِينَ وزكت بآيَات الْقُرْآن لما وعتها وفهمت حَقِيقَتهَا فصاروا يعْبدُونَ رَبهم ويدعونه رغباً ورهباً وأوجدت صور الْوَعيد فِي نُفُوسهم عبودية الْخَوْف وأحيت صور الْوَعْد فِي نُفُوسهم عبودية الرَّجَاء, وَالْخَوْف والرجاء كجناحي طَائِر قطبان فِي الْعِبَادَة، وتهذيب النَّفس والسلوك لابد مِنْهُمَا. يَقُول الدكتور يُوسُف النجار مُبينًا مَقَاصِد هَذَا المبدأ: ((ويقصد الْإِسْلَام من هَذَا المبدأ تَصْحِيح السلوك الإنساني وَالرُّجُوع بِهِ إِلَى الْحق وَالصَّوَاب والبعد بِهِ عَن السَّيِّئَات وَمَا يغْضب الله سُبْحَانَهُ, كَمَا أَن الْعقَاب مَبْنِيّ على الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بالإنسان وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ إيذاؤه فِي نَفسه وَإِنَّمَا رَحْمَة بِهِ لِأَن الْإِنْسَان معرض لِأَن يرتكب الْخَطَأ جراء الْجَهْل وَالنِّسْيَان)) (١) ولنعرض لشَيْء من النُّصُوص فِي هَذَا اسْتمع إِلَى الْقُرْآن فِي وعيده يَقُول: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وماهم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ (٢)

стр. 34

وَعِيد تفزع لَهُ الْقُلُوب وترتدع النُّفُوس، واستمع إِلَى الْقُرْآن فِي وعده يَقُول: ﴿يَا عبَادي لاخوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَأَنْتُم فِيهَا خَالدُونَ. وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ لكم فِيهَا فَاكِهَة كَثِيرَة مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) وعد يبْعَث الرَّجَاء ويحفز على الْعَمَل، وَكَذَلِكَ كَانَ مَنْهَج النَّبِي ﷺ يرْبط الْقُلُوب بِالآخِرَة وَنَعِيمهَا وثوابها الدَّائِم وَهَذَا فَارق بَينه وَبَين المناهج والأنظمة المادية الَّتِي ترْبط الْفَرد بالثواب الْمَحْدُود، لَكِن النَّبِي ﷺ جمع بَين خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ يُعْطي من الدُّنْيَا عَطاء من لَا يخْشَى الْفقر ويعِد بِثَوَاب عَظِيم وَأجر جزيل فِي الْآخِرَة. ورد فِي الحَدِيث ((أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ فَأعْطَاهُ غنما بَين جبلين فجَاء إِلَى قومه فَقَالَ: يَا قوم أَسْلمُوا فَإِن مُحَمَّدًا يُعْطي عَطاء من لايخشى الْفقر)) (٢) وَقد أعْطى ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من غَنَائِم حنين المَال الْكثير الَّذِي كَانَ سَببا فِي إسْلَامهمْ وحبهم للنَّبِي ﷺ وَدينه حَتَّى أَن صَفْوَان بن أُميَّة قَالَ: ((وَالله لقد أَعْطَانِي رَسُول الله ﷺ ماأعطاني وَإنَّهُ لأبغض النَّاس إِلَيّ، فَمَا برح يعطيني حَتَّى إِنَّه لأحب النَّاس إِلَيّ)) (٣) هَكَذَا كَانَ ﷺ يؤلف الْقُلُوب ويعالج الْقُلُوب، وَهُوَ ﷺ يفعل ذَلِك بحكمة وَيُعْطِي بحكمة وَيجْعَل الدُّنْيَا طَرِيقا

стр. 35

للآخرة وسبباً للسلامة من النَّار. روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه سعد ﵁: ((أَن رَسُول الله ﷺ أعْطى رهطاً وَسعد جَالس فيهم، قَالَ سعد: فَترك رَسُول الله مِنْهُم من لم يُعْطه وَهُوَ أعجبهم إِلَيّ فَقلت يارسول الله: مَالك عَن فلَان فوَاللَّه إِنِّي لأراه مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله (( (أَو مُسلما)) قَالَ: فَسكت قَلِيلا ثمَّ غلبني مَا علمت مِنْهُ فَقلت: يَا رَسُول الله مَالك عَن فلَان فوَاللَّه إِنِّي لأراه مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله ((أَو مُسلما)) إِنِّي لأعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ خشيةأن يكبه الله فِي النارعلى وَجهه)) (١) انْظُر كَيفَ يُعْطي (بحكمة وَرَحْمَة، وَكَيف يتألف الْقُلُوب ويقربها ويرغبها للحق وَإِن جَانب الثَّوَاب الأخروي فِي الْأَمْثِلَة كثيرٌ جدا فَمِنْهَا قَوْله ﷺ ((أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة لمن ترك المراء وَإِن كَانَ محقاً وَبَيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَإِن كَانَ مازحا وَبَيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن حسن خلقه)) (٢) وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا مَا ورد فِي قصَّة عبد الله أنيس ﵁ عِنْدَمَا أرْسلهُ النَّبِي ﷺ لقتل خَالِد بن نُبيَح الْهُذلِيّ فَخرج إِلَيْهِ عبد الله بن أنيس فاحتال عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ عَصا وَقَالَ: ((آيَة بيني وَبَيْنك يَوْم الْقِيَامَة، إِن أقلّ النَّاس يَوْمئِذٍ المتخصرون)) ((يَعْنِي المتكئون)) قَالَ الرَّاوِي: فقرنها عبد الله بن أنيس بِسَيْفِهِ فَلم تزل مَعَه حَتَّى مَاتَ ثمَّ أَمر بهَا فضمت فِي كَفنه ثمَّ دفنا جَمِيعًا)) (٣) .

стр. 36

وَقد يكون الثَّوَاب معنوياً أَو دُعَاء وَله دوره وأثره فِي النُّفُوس وَاسْتعْمل ذَلِك النَّبِي ﷺ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة: فقد قَالَ لسعد بن أبي وَقاص فِي معركة أُحد ((ارْمِ فدَاك أبي وَأمي)) . (١) ومَرَّ ﷺ على قوم ينتضلون (٢) فَقَالَ: ((ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا، ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان......)) (٣) الحَدِيث والأمثلة فِي هذاالباب كَثِيرَة. أما التربية بالعقوبة فَإِن النَّبِي ﷺ لم يغْفل عَن هَذَا الْجَانِب وَهُوَ أَنْوَاع، فقد تكون الْعقُوبَة بِتَغَيُّر الْوَجْه وَقد تكون بِالْإِعْرَاضِ عَن الشَّخْص وَقد تكون بالتأنيب والذم وَقد تكون بالهجر وَبِمَا هُوَ أَشد من ذَلِك. فَمن الأول ماورد عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا اشترت خرقَة فِيهَا تصاوير فَلَمَّا رَآهَا الرَّسُول ﷺ قَامَ على الْبَاب فَلم يدْخل فَعرفت فِي وَجهه الْكَرَاهَة، فَقلت يَا رَسُول الله أَتُوب إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَاذَا أذنبت؟ فَقَالَ رَسُول الله (مَا بَال هَذِه الْخِرْقَة) ؟ قلت: اشْتَرَيْتهَا لَك لتقعد عَلَيْهَا وتوسدها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ((إِن أَصْحَاب هَذَا الصُّور يَوْم الْقِيَامَة يُعَذبُونَ فَيُقَال لَهُم: أحيوا ماخلقتم، وَقَالَ: إِن الْبَيْت الَّذِي فِيهِ صُورَة لاتدخله الْمَلَائِكَة)) أخرجه البُخَارِيّ (٤) فَهَذِهِ عَائِشَة ﵂ تأثرت هَذَا التأثر الْعَظِيم لما رَأَتْ تغير وَجه رَسُول الله ﷺ وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ بحساسيتهم وَشدَّة حرصهم على رضَا رَسُول الله ﷺ كَانُوا

стр. 37

يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهُ فَكَانُوا يعْرفُونَ كراهيته للشَّيْء عِنْدَمَا يتَغَيَّر وَجهه فسرعان مايغيرون ماهم عَلَيْهِ وَفِي هَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة يضيق الْبَحْث عَن تتبعها. وَقد يرى ﷺ من بعض أَصْحَابه مَا يكره فَيعرض عَنهُ بِوَجْهِهِ تأديباً لَهُ وَكَرَاهَة لفعله، وَلِهَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة أَيْضا (١) أما التأنيب فَمن ذَلِك قصَّة أُسَامَة بن زيد ﵁ عِنْدَمَا قتل رجلا بعد أَن قَالَ: لاإله إِلَّا الله فَوَقع فِي نَفسه فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول ﷺ : ((أقَال: لاإله إِلَّا الله وقتلته؟)) قَالَ قلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا قَالَهَا خوفًا من السِّلَاح. قَالَ: ((أَفلا شققت عَن قلبه حَتَّى تعلم أقالها أم لَا؟)) فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى تمنيت أَنِّي أسلمت يَوْمئِذٍ)) (٢) وَمن هَذَا قصَّة أبي مَسْعُود البدري (قَالَ: كنت أضْرب غُلَاما لي بِالسَّوْطِ، فَسمِعت صَوتا من خَلْفي ((اعْلَم أَبَا مَسْعُود فَلم أفهم الصَّوْت من الْغَضَب قَالَ: فَلَمَّا دنا مني إِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ يَقُول: ((اعْلَم أَبَا مَسْعُود أَن الله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام)) قَالَ: فَقلت: لَا أضْرب مَمْلُوكا بعده أبدا وَفِي رِوَايَة فَقلت يارسول الله هُوَ حرٌّ لوجه الله فَقَالَ: ((أما لَو لم تفعل لَلَفَحَتْك النَّار أَو لمستك النَّار)) (٣) . وَمن الْعقُوبَة بالذم قصَّة أبي ذَر ﵁ عِنْدَمَا سَاب َّمملوكاً فعيَّره بِأُمِّهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((أعيرته بِأُمِّهِ، إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة، إخْوَانكُمْ خَوَلُكم جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا

стр. 38

يَأْكُل وليلبسه مِمَّا يلبس)) . فَكَانَ أَبُو ذَر بعد ذَلِك يُلْبس غُلَامه حُلة كَالَّتِي يلبس (١) . أما عُقُوبَة الهجر فتتمثل وَاضِحَة فِي قصَّة الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك وهم كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع، وَلم يكن لَهُم عذر، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن كَلَامهم يَقُول كَعْب ﵁: فَاجْتَنَبَنَا النَّاس وتغيروا لنا حَتَّى تنكرت فِي نَفسِي الأَرْض فَمَا هِيَ الَّتِي أعرف فلبثنا على ذَلِك خمسين لَيْلَة فَأَما صَاحِبَايَ فاستكانا وقعدا فِي بُيُوتهم يَبْكِيَانِ وَأما أَنا فَكنت أشب الْقَوْم وأجلدهم فَكنت أخرج فاشهد الصَّلَاة مَعَ الْمُسلمين وأطوف فِي الْأَسْوَاق وَلَا يكلمني أحد وَآتِي رَسُول الله ﷺ فأُسلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد بعد الصَّلَاة فَأَقُول فِي نَفسِي: هَل حرك شَفَتَيْه برد السَّلَام عليّ أم لَا؟ ثمَّ أُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ فأسارقه النّظر فَإِذا أَقبلت على صَلَاتي أقبل إِلَيّ وَإِذا الْتفت نَحوه أعرض عني حَتَّى إِذا طَال عليّ ذَلِك من جفوة النَّاس مشيت حَتَّى تسّورت جِدَار حَائِط أبي قَتَادَة ((وَهُوَ ابْن عمي وَأحب النَّاس إِلَيّ)) فَسلمت عَلَيْهِ فوَاللَّه ماردَّ السَّلَام عَليّ فَقلت: يَا أَبَا قَتَادَة أنْشدك بِاللَّه هلا تعلمني أحب الله وَرَسُوله فَسكت، فعدت فنشدته فَسكت فعدت فنشدته فَقَالَ: الله وَرَسُوله أعلم. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وتوليت. وَلما مضى أَرْبَعُونَ لَيْلَة إِذا رَسُول رَسُول الله ﷺ يأتيني فَقَالَ: إِن رَسُول الله يَأْمُرك أَن تَعْتَزِل امْرَأَتك ولاتقربها وَأرْسل إِلَى صاحبيّ مثل ذَلِك فَقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عِنْدهم حَتَّى يقْضِي الله هَذَا الْأَمر فَلَبثت بعد ذَلِك عشر لَيَال حَتَّى كملت لنا خَمْسُونَ لَيْلَة من حِين نهى رَسُول الله ﷺ عَن كلامنا، فَلَمَّا صليت الْفجْر وَأَنا على ظهر بَيت من بُيُوتنَا فَبَيْنَمَا أَنا جَالس على الْحَال الَّذِي ذكر الله، قد ضَاقَتْ عَليّ نَفسِي، وَضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ

стр. 39

سَمِعت صَوت صارخ أوفى على جبل سلع بِأَعْلَى صَوته يَا كَعْب بن مَالك أبشر فَخَرَرْت سَاجِدا، وَعرفت أَن قد جَاءَ فرج وآذن رَسُول الله ﷺ تَوْبَة الله علينا حِين صلى صَلَاة الْفجْر ... قَالَ كَعْب: فَلَمَّا سلمت على رَسُول الله ﷺ قَالَ وَهُوَ يَبْرق وَجهه من السرُور: ((أبشر بِخَير يَوْم مرَّ عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك)) ، قَالَ: قلت أَمن عنْدك يارسول الله أم من عِنْد الله؟ قَالَ ((بل من عِنْد الل هـ)) ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سُرَّ استنار وَجهه كَأَنَّهُ قِطْعَة قمر، وَكُنَّا نَعْرِف ذَلِك مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قلت: يارسول الله إِن من تَوْبَتِي أَن أَنْخَلِع من مَالِي صَدَقَة إِلَى الله وَرسوله، قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((امسك عَلَيْك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك)) . قلت: فَإِنِّي أمسك سهمي الَّذِي بِخَيْبَر وَقلت: يارسول الله إِن الله نجاني بِالصّدقِ وَإِن من تَوْبَتِي أَن لَا أُحَدَّث إِلَّا صدقا مَا بقيت، فوَاللَّه مَا أعلم أحدا من الْمُسلمين أبلاه الله فِي صدق الحَدِيث مُنْذُ ذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ أحسن مِمَّا أبلاني مَا تَعَمّدت ـ مُنْذُ ذكرت ذَلِك لرَسُول الله (إِلَى يومي هَذَا كذبا. وَإِنِّي لأرجو الله أَن يحفظني فِيمَا بقيت ـ وَأنزل الله على رَسُوله: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي ... ﴾ الْآيَات أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم (١) هَذِه قصَّة كَعْب بن مَالك ﵁ وَقد اجتزأت مِنْهَا الْمَقْصُود، وفيهَا عبر كَثِيرَة وفوائد جمة فَانْظُر كَيفَ اسْتَطَاعَ المربي ﷺ أَن يَجْعَل هَؤُلَاءِ الَّذين أخطأوا فِي سجن من غير أَن يسجنهم، فضاقت بهم الأَرْض على سعتها وتعدّى ذَلِك الضّيق إِلَى أنفسهم وَلَيْسَ هَذَا انتقاماً مِنْهُم وَلَا بغضاً وكراهية لَهُم إِنَّمَا تربية وتأديباً من محب وتنفيذ لأوامر الرب سُبْحَانَهُ الَّذِي دبرّ ذَلِك وَأنزل فِيهِ آيَات تتلى وَلذَلِك فرِح ﷺ أَشد الْفَرح لما تَابَ الله عَلَيْهِم. وَلَقَد كَانَ لهَذَا الهجر أَثَره على

стр. 40

الثَّلَاثَة ﵃ حَيْثُ تَابُوا وأنابوا.. فَهَذَا كَعْب ﵁ يلْتَزم الصدْق فِي كل أَقْوَاله فِيمَا يسْتَقْبل من أَيَّامه، وَأَرَادَ أَن يخرج من مَاله صَدَقَة لله وَرَسُوله ثمَّ صَارَت هَذِه الْقِصَّة عِبْرَة تدل على عظم الْمعْصِيَة وخطرها.. قَالَ ابْن حجر ﵀ فِي فَوَائِد الْقِصَّة: وفيهَا عظم أَمر الْمعْصِيَة وَقد نبه الْحسن الْبَصْرِيّ على ذَلِك فِيمَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ قَالَ: يَا سُبْحَانَ الله مَا أكل هَؤُلَاءِ مَالا حَرَامًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أفسدوا فِي الأَرْض أَصَابَهُم مَا سَمِعْتُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فَكيف بِمن يواقع الْفَوَاحِش والكبائر (١) . وَهَذِه الْقِصَّة تدل على قُوَّة التربية النَّبَوِيَّة لمجتمع الصَّحَابَة ﵃ فها هم ﵃ يتفاعلون مَعَ هَذِه الْقِصَّة فيلتزمون أَمر النَّبِي ﷺ بِعَدَمِ الحَدِيث مَعَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة حَتَّى إِن قريب كَعْب بن مَالك لم يرد السَّلَام عَلَيْهِ وَلم يُجِبه إِلَّا لما ألحَّ عَلَيْهِ بقوله: الله أعلم. ثمَّ لما نزلت تَوْبَة الله على الثَّلَاثَة وَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك فَرح الصَّحَابَة ﵃ وَاسْتَبْشَرُوا وتسابقوا لبشارة الثَّلَاثَة وهنئوهم بِصُورَة رائعة تدل على تراحم الْمُجْتَمع الْمُسلم وتآلفه. وَلَقَد كَانَ هَذَا التَّأْدِيب والهجر خيرا لهَؤُلَاء أَرَادَهُ الله بهم فَفِي الحَدِيث: ((إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عجل لَهُ عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ شرا أمسك عَنهُ عُقُوبَته فَيرد الْقِيَامَة بذنوبه)) (٢) وَهَكَذَا كَانَت هَذِه الْقِصَّة عبرا ودروساً يَنْبَغِي أَن يعيها المربون ويستفيدوا مِنْهَا فِي تربية الأجيال.
следующие страницы →