Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عائشة فسألتها عن مرض رسول الله ﷺ » - ... الحديث، وفي آخره، «فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﵇ قاعد» . وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ كان إماما.
وقال البيهقي: لا تعارض بين الخبرين، فإن الصلاة التي كان فيها النبي إماما هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها ﵊ حتى خرج من الدنيا.
وقال ابن حبان في "صحيحه " بعد أن روى حديث عائشة ﵂ من رواية زائدة عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن عبد الله، عن عائشة بلفظ " الصحيحين "، ثم روى من حديث شعبة عن موسى بن أبي عائشة «أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه» هذا شعبة قد خالف زائدة في هذا الخبر وهما ثقتان ثبتان حافظان.
ثم أخرج عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: أغمي «على رسول الله ﷺ ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، الحديث، إلى أن قال: فخرج بين ثويبة وبريرة فأجلساه إلى جنب أبي بكر ﵁ فكان رسول الله ﷺ يصلي وهو جالس وأبو بكر قائم وهو يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر» .
ثم أخرج عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى «رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدا» قال: وعاصم بن أبي النجود ونعيم بن أبي هند حافظان ثقتان.
قال: وأقول وبالله التوفيق: إن هذه الأخبار كلها صحيحة ليس فيها تعارض، فإن النبي ﵇ صلى في مرضه الذي توفي فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إماما وفي الأخرى كان مأموما، قال: والدليل على ذلك أن في خبر عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة أنه خرج ﵇ خرج بين رجلين العباس وعلي ﵄، وفي خبر مسروق عنها أنه ﵇ خرج بين بريرة وثويبة، وفي كلام البخاري ما يقتضي الميل إلى أن حديث «إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» منسوخ، فإنه قال بعد روايته: قال الحميدي هذا حديث منسوخ بأنه ﵇ آخر ما صلى صلى قاعدا والناس خلفه قيام وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله ﵇.
стр. 1017
ويصلي المومئ خلف مثله لاستوائهما في الحال، إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا؛ لأن القعود معتبر، فتثبت به القوة.
ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ؛ لأن حال المتقدي أقوى، وفيه خلاف زفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[البناية]
م: (ويصلي المومئ خلف مثله) ش: أي مثله المومئ وهذا لا خلاف فيه م: (لاستوائهما في الحال) ش: أي لاستواء المأمومين في هذه الحالة، وقال التمرتاشي: لو كان الإمام يصلي قاعدا بالإيماء والمقتدي قائما بالإيماء يصح اقتداؤه به أيضا؛ لأن هذا القيام ليس بركن حتى كان الأولى تركه، دل عليه ما لو عجز عن السجود وقدر على غيره من الأفعال أنه يصلي قاعدا بالإيماء فيستوي حاليهما.
م: (إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا) ش: هذا استثناء من قوله يصلي: المومئ، أي فحينئذ لا يجوز، وذكر التمرتاشي حكم هذه المسألة على خلاف هذا، فإنه قال: واختلف من يصلي قاعدا مؤمئا، بمن يصلي مضطجعا والأصح أنه يجوز على قول محمد، وكذا الأظهر على قولهما الجواز، وذكر في " المحيط " ما يوافق رواية " الهداية "، ثم ذكر التمرتاشي، وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ حد الركوع.
م: (لأن القعود معتبر فتثبت به القوة) ش: دليله أن صلاة المتطوع مستلقيا بالإيماء مع القدرة على القعود لا يجوز.
م: (ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ؛ لأن حال المقتدي أقوى) ش: من حال الإمام بقدرته على الركوع والسجود دون الإمام، وحاصله أن حال الراكع والساجد أقوى فلا يجوز بناؤه على الضعيف.
وفي " الذخيرة ": لو صلى الإمام قاعدا بركوع وسجود وصلى خلفه قوم قعودا بالإيماء وقوم قياما بالإيماء فصلاة الكل جائزة؛ لأن صلاة القاعد بالركوع والسجود أقوى من صلاة القاعد والقائم بالإيماء، ولو كان الإمام يصلي قاعدا بالإيماء يجوز أيضا، وإن كان يصلي مستلقيا بالإيماء لا تجوز صلاة القاعد المومئ خلفه لقوة القاعد؛ لأن حال المستلقي دون حال القاعد، ولهذا لا تجوز صلاة المتنفل مستلقيا، ولو كان الإمام صلى قائما بركوع وسجود خلفه مثله وآخرون يصلون قعودا بركوع وسجود وقوم يصلون بالإيماء مستلقين على أقفيتهم فصلاة الكل جائزة.
م: (وفيه خلاف زفر) ش: يعني يجوز عند زفر إمامة المومئ للذي يركع ويسجد؛ لأن صاحب الخلف كصحاب الأصل، ولهذا جازت إمامة المتيمم المتوضئ، وبه قال الشافعي، وقال الماوردي: عجز الإمام عن الأركان لا يمنع من الاقتداء به كالقائم، وفي " المغني " لا يؤم المضطجع والعاجز عن الركوع والسجود لمن يقدر عليهما في قول مالك وأحمد خلافا لزفر والشافعي.
стр. 1018
ولا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن الاقتداء بناء، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم، قال: ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة
ــ
[البناية]
قلنا: في جواب زفر لا نسلم أن الإيماء كالخلف، ولئن سلمنا لكن لا نسلم أنه كان في الحقيقة كالمتيمم؛ لأن التيمم خلف يؤدي به أركان الصلاة، كما شرعت وهذا لا يؤدي به كما شرعت.
[صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس]
م: (ولا يصلي المفترض خلف المتنفل) ش: وبه قال مالك في رواية وأحمد في رواية أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا وهو قول الزهري والحسن وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاوس.
م: (لأن الاقتداء بناء) ش: أي بناء أمر وجودي لأنه عبارة عن متابعة الشخص لآخر في أفعاله بصفاتها وهو مفهوم وجودي لا سلب فيه، وبناء الأمر الوجودي على المعدوم بصفاتها غير متحقق م: (ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام) ش: فلا يمكن بناء الموجود على المعدوم م: (فلا يتحقق البناء على المعدوم) ش: لاستحالة ذلك.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر) ش: أي ولا يصلي من يريد صلاة فرض مثلا صلاة الظهر خلف من يصلي فرضا آخر نحو من يصلي عصرا أو عشاء م: (لأن الاقتداء شركة) ش: يعني في التحريمة م: (وموافقة) ش: يعني في الأفعال فلا بد من الاتحاد في الشركة والموافقة؛ لأنهما لا يوجدان إلا عند اتحاد ما يحرما له وفعلاه.
فإن قلت: الشركة تقتضي المعية في الاشتراك، والبناء يقتضي التعاقب وبينهما منافاة.
قلت: الاشتراك بالنسبة إلى التحريمة، والبناء بالنسبة إلى الأفعال، فلا منافاة بينهما، وحاصل الأمر أن اتحاد الصلاتين شرط لصحة الاقتداء فلا يصح اقتداء مصلي الظهر بمصلي العصر، وعلى العكس ولا اقتداء من يصلي ظهرا بمن يصلي ظهر يوم آخر، ويجوز اقتداء القاضي بالقاضي إذا فاتتهما صلاة واحدة من يوم واحد كالأداء، ولا يجوز أداء الناذر بالناذر إلا إذا نذر الثاني عين ما نذر الأول لاتحادهما، ولو أفسد كل واحد تطوعه ثم اقتدى أحدهما بالآخر صح كما قبل الإفساد.
ويجوز اقتداء الحالف بالحالف؛ لأن وجوبها عارض لتحقيق البرء فبقيت نفلا، ولا يجوز اقتداء الناذر بالحالف لقوة النذر، ويجوز اقتداء الحالف بالناذر، ولو اقتدى مقلد أبي حنيفة في الوتر مقلد أبي يوسف ومحمد جاز لاتحاد الصلاة.
стр. 1019
فلا بد من الاتحاد. وعند الشافعي ﵀ يصح في جميع ذلك؛ لأن الاقتداء عنه أداء على سبيل الموافقة، وعندنا معنى التضمن مراعى.
ــ
[البناية]
قال المرغيناني: وعندي نظيره من صلى ركعتين من العصر فغربت الشمس فاقتدى به إنسان في الأخيرتين يجوز، وإن كان هذا قضاء في حق المتقدي؛ لأن الصلاة واحدة ثم إذا لم يصح الاقتداء في هذه المسائل عندنا يصير شارعا في التطوع أم لا؟ فيه روايتان.
وقال الصدر الشهيد: الاعتماد على أنه لا يصير شارعا، ولو كان اقتداء المفترض بالمتنفل في فعل واحد. قيل: لا يجوز كما لو كان في جميع الأفعال لأنه بناء الموجود على المعدوم.
وقال بعضهم: لا يجوز في فعل واحد ألا ترى أن محمدا ذكر في الأصل أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع فجاء إنسان واقتدى به فقبل أن يسجد السجدتين سبق الإمام الحدث فاستخلف هذا المسبوق صح الاستخلاف ويأتي الخليفة بالسجدتين ويكونان له نفلا حتى يعتد بهما فرضا في حق من أدرك أولا الصلاة ومع هذا صح الاقتداء به، وكذا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض في الركعتين الأخيرتين وهو اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة، والصحيح الأول الذي عليه عامة الأصحاب.
والجواب عن الأول: بأن السجدتين فرض في حق الخليفة حتى لو لم يأت بهما حتى خرج من صلاته فسدت صلاته وإن لم يعتد له بهما.
وعن الثانية: أن صلاة المقتدي المتنفل أخذت حكم صلاة المفترض بسبب الاقتداء؛ ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك مع الإمام من الشفع الأول، ولذا لو أفسد صلاته يلزم قضاء الأربع فتكون القراءة نفلا في حقه في الركعتين الأخيرتين كما كانت نفلا في حق إمامه، فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل في حق القراءة في الأخيرتين.
م: (وعند الشافعي يصح في جميع ذلك) ش: يعني يصح عنده اقتداء الذي يركع ويسجد بالمومئ والمفترض بالمتنفل، واقتداء من يصلي فرضا آخر وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود م: (لأن الاقتداء عنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ م: (أداء على سبيل الموافقة) ش: وقد حصل التوافق في الأفعال فجاز.
م: (وعندنا معنى التضمن مراعى) ش: يعني التضمن الذي دل عليه قوله ﷺ : «الإمام ضامن» مراعى عندنا وهو الصحة والفساد، وإنما تصير صلاتهم في ضمن صلاته صحة وفسادا إذ تبنى صلاتهم على صلاته، والابتناء لا يصح ما لم يكن أصل الفرض بحيث يمكن الإمام أداء ما على المقتدي بتحريمه أداء صلاته صح أداء المقتدي بناء على صلاته فيراعى الاتحاد بين صلاتهم وصلاته، فلا يحصل مراعاة الاتحاد مع تغاير الفرضين؛ ولهذا لا يجوز اقتداء مصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة أو على العكس.
стр. 1020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ «أن معاذا كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري فيصلي بهم الصلاة المكتوبة.
قلت: الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن الاحتجاج من باب ترك الإنكار من النبي ﷺ وشرط ذلك علمه بالواقعة وجاز أن لا يكون علم بها، ويدل عليه ما رواه أحمد في "مسنده " عن معاذ بن رفاعة «عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة فنخرج عليه فيطول علينا فقال له ﵇: "يا معاذ لا تكن فتانا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك» "، فدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين، ولم يكن يجمعهما بأنه قال: «إما أن تصلي معي» أي ولا تصلي بقومك، «وإما أن تخفف على قومك» ولا تصلي معنا.
الثاني: أن النية أمر مبطن لا يطلع عليه إلا بإخبار الباري، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه ﵇ بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه وأفعال الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض ويؤيده أيضا حديث أحمد المذكور.
فإن قلت: معاذ إن ترك فضيلة الفرض خلف النبي ﵇ ويأتي به مع قومه وكيف يظن معاذ بعد سماعه قول النبي ﵇ «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ولعل الصلاة الواحدة مع النبي ﷺ خير من كل صلاة صلاها في عمره، وأيضا وقع في رواية الشافعي، ومن طريقه روى الدارقطني ثم البيهقي «هي له تطوع ولهم فريضة» رواه الشافعي في "مسنده ".
قلت: قال الشيخ تقي الدين: يمكن أن يقال في الحديث المذكور: إن مفهومه أن لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور سبق مع الاتفاق في الصلاة المقامة، ويؤيد هذا اتفاقهم على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، ولو تناوله النهي لما جاز مطلقا.
وقولهم: وكيف يظن بمعاذ إلخ غير موجه؛ لأنه ليس تفوته الفضيلة معه ﷺ في سائر أئمة مساجد المدينة وفضيلة النافلة خلفه مع أداء الفرض مع قومه تقوم مقام أداء الفريضة خلفه وامتثال أمر النبي ﷺ في إمامة قومه زيادة طاعة.
стр. 1021
ويصلي المتنفل خلف المفترض؛ لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة، وهو موجود في حق الإمام، فيتحقق البناء
ــ
[البناية]
وأما الزيادة في رواية الشافعي فليس من كلام النبي ﷺ وإنما هي من الرواة، ولعلها من الشافعي فإنها دائرة عليه، ولا يعرف إلا من جهته فيكون منه ظنا واجتهادا.
وعن ابن قدامة وابن تيمية الحراني من الحنابلة: أن أحمد قد ضعف هذه الزيادة، فقال: وقد سئل عن حديث معاذ: أخشى أن لا يكون محفوظا؛ لأن ابن عيينة زاد فيه كلاما لا يقوله أحد. قال في " المغني " عنه: وقد روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة، ولم يقولا ما قال ابن عيينة يعني زيادته هي له تطوع ولهم فريضة.
الثالث: أنه منسوخ، قال الطحاوي: يحتمل أن يكون ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك كان يفعل في أول الإسلام، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵁ «لا تصلى صلاة في يوم مرتين» وقال ابن دقيق العيد: هذا مدخول من وجهين:
أحدهما: أنه أثبت النسخ بالاحتمال.
الثاني: أنه لم يقم دليل على أن ذكره كان واقعا أعني صلاة الفريضة في يوم مرتين.
قلت: الاحتمال إذا كان ثابتا عن الدليل يعمل به، وقد ذكر الطحاوي بإسناده أنهم كانوا يصلون الفريضة الواحدة في اليوم مرتين حتى نهوا عنه وكذا ذكره المهلب، والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة، والدليل عليه أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي ﷺ بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف مرة فلو جاز ما ذكروه لما يحملها مع المعدات، فلو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل يصلي بهم الصلاة مرتين فيصلي بالطائفة الأولى صلاة كاملة فلما لم يصل دل على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل.
الرابع: يحتمل أنه يكون كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل؛ لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار في إسناد لهم، فأخبر الراوي بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد.
م: (ويصلي المتنفل خلف المفترض) ش: وهذا بالاتفاق، وفي شرح " العمدة " وفيهم من لا يجوز ذلك لاختلاف النية م: (لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة) ش: أي في حق المتنفل المقتدي، وذلك أن المفترض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والمتنفل مشتمل على أصل الصلاة، ففي هذه الصورة تشتمل صلاة الإمام على صلاة المقتدي وزيادة فيصح اقتداؤه به.
م: (وهو موجود) ش: أي أصل الصلاة موجود م: (في حق الإمام) ش: لأنه مفترض م: (فيتحقق البناء) ش: أي بناء صلاة المتنفل على صلاة المفترض، وتفسير البناء أن تجعل التحريمتان
стр. 1022
ومن اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد لقوله ﵊: «من أمّ قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته وأعادوا»
ــ
[البناية]
تحريمة واحدة، وقال مالك والزهري: لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة، والمغايرة بين النفل والفرض ثابتة، ويرد ذلك بحديث معاذ ﵁.
فإن قلت: صفة النفل موجودة في حق المقتدي، ومعدومة في حق الإمام فيثبت التغاير فلا يجوز الاقتداء.
قلت: تلك ليست بصفة زائدة هل هي عبارة عن عدم الوجوب فبقي أصل الصلاة وهو موجود في حق الإمام فيثبت الاتحاد، فيجوز الاقتداء أو يفهم هذا الجواب عن السؤال المذكور من أمعن نظره في كلام المصنف ﵀.
فإن قلت: القراءة فرض في صلاة النفل والأخيرتين نفل في صلاة الفرض فيكون اقتداء المفترض وذا لا يجوز
قلت: القراءة في الأخيرتين في النفل إنما يكون فرضا إذا كان المصلي منفردا، أما إذا كان مقتديا فلا لأنه ممنوع من ذلك.
[اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث]
م: (ومن اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد) ش: أي أعاد صلاته، قيد بالعلم بعد الاقتداء، لأنه لو علم أن إمامه محدث قبل الاقتداء لا يصح اقتداؤه بالإجماع.
وقال النووي: اجتمعت الأئمة على أن من صلى محدثا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة وتجب عليه الإعادة بالإجماع، سواء تعمد ذلك أو نسيه أو جهله على المذهب، وفي " الوسيط " النجاسة مثله في الجديد فلا يعذر؛ لأنه شرط وإن بان إمامه مشركا أو مجنونا أو صلى بغير إحرام أو امرأة أو خنثى أو صلى القارئ خلف الأمي أعاد عند الشافعي وبه قال أحمد، وإن بان أنه محدث أو جنب أو في ثوبه نجاسة خفيفة أو ببدنه لا يعيد، وإن تعمد الإمام ذلك ففي الإعادة قولان عند الشافعي، وفي الجنابة يعيد عندهم، وعند مالك إن كان عالما بجنابته يعيد وإلا فلا.
وقال أبو ثور والمزني: في الكل لا يعيد إذا لم يعلم، وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة بطلت صلاة المأموم، وإن كان غيره أعاد في الوقت وبعده لا.
م: (لقوله ﵇ «من أم قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته وأعادوا» ش: هذا الحديث لا يعرف ولكن جاءت فيه الآثار، وروى محمد بن الحسن في كتابه " الآثار " أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عثمان بن دينار أن علي بن أبي طالب ﵁ قال في الرجل يصلي بالقوم جنبا قال: يعيد ويعيدون.
ورواه عبد الرزاق ﵁ في "مصنفه " عن إبراهيم بن يزيد المكي عن عمرو بن
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
دينار عن أبي جعفر أن عليا ﵁ صلى بالناس وهو جنب أو محدث على غير وضوء فأعادوا وأمرهم أن يعيدوا.
وروى عبد الرزاق ﵁ أخبرنا حسين بن وهران عن مطرح عن أبي المهلب عن عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: صلى عمر ﵁ بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعد الناس فقال له علي: قد كان ينبغي من صلى معك أن يعيد، وقال: فرجعوا إلى قول علي ﵁، ولو احتج المصنف بما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» .
لكان أولى وأوجه لأنه يخبر أن ضمان الإمام في الجواز والفساد، بيانه أنه لم يرد أنه ضامن لنفسه؛ لأن كل مصل ضامن بصلاة نفسه فتعين أن يكون الإمام ضامنا للقوم، ولا يجوز أن يكون ضامنا للقوم وجوبا وأداء؛ لأنه غير مراد بالإجماع فتعين أن يكون صحة وفسادا.
فإن قلت: في سنده اضطراب.
قلت: رواه أحمد في "مسنده " حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا وهذا سند صحيح. وقال في " التنقيح ": رواه مسلم في "صحيحه " بهذا الإسناد نحوا من أربعة عشر حديثا.
فإن قلت: الخصم احتج بما رواه أنس ﵁ قال: «دخل رسول الله ﷺ في صلاته فكبر وكبرنا معه ثم أشار إلى القوم أن امكثوا كما أنتم، فلم نزل قياما حتى أتى رسول الله ﷺ قد اغتسل ورأسه تقطر ماء فصلى بهم» ولو لم تكن صلاتهم منعقدة لم يكلف استدامة القيام مع قوله ﷺ : «لا تقوموا في الصف حتى تروني خرجت» فدل على أن عدم طهارة الإمام لا تمنع انعقاد صلاة المقتدي الذي لم يعلم بحال الإمام.
قلت: هذا كان في بدء الأمر قبل تعلق القوم بصلاة الإمام، ألا ترى أن في هذا الحديث جاء النبي ﷺ وكبر ولم يأمرهم بإعادة التكبير فيكون القوم مصلين بصلاة بتكبيرة قبل تكبير الإمام، وهذا لا يصح بلا إشكال؛ ولأن ابن سيرين ذكر هذه القصة، وذكر أن النبي ﷺ أومأ إليهم أن اقعدوا، ولو انعقدت صلاتهم لم يأمرهم بالقعود، ولم يحتمل أن الأمر بالمكث كي لا يتفرقوا
стр. 1024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
حتى يجيء رسول الله ﷺ والحديث حكاية حال لا عموم له، فلا يجوز ترك القياس بمثله.
فإن قلت: يرد عليكم مسألة الترتيب والقهقهة حيث علمتم بهما بخلاف القياس.
قلت: هذه حكاية قول وليس بحكاية فعل فيصح العموم فيه؛ لأن العموم من أوصاف اللفظ.
فإن قلت: هو منسوب إلى التفريط بهذا الإتمام: دليله ما لو ارتد الإمام بعدما صلى.
قلت: يشكل هذا بما لو ظهر أنه كافر أو امرأة حيث لا يصح، وإن هو غير منسوب إليه هناك أيضا.
وفي " المجتبى " أم قوما مدة، ثم قال: صليت بغير طهارة أو مع العلم بالنجاسة المانعة أو قال: كنت مجوسيا لا يلزمهم الإعادة لأنه صرح بكفره وقول الفاسق غير مقبول في الديانات.
واستدل الأترازي في المسألة المذكورة: بما روي عن سعيد بن المسيب «أن النبي ﷺ صلى بالناس فأعاد وأعادوا» .
قلت: العجب منه مع دعواه الفرضية يستدل بحديث ضعيف ومرسل، ورواه الدارقطني والبيهقي عن أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب به.
وقال البيهقي: أبو جابر البياضي متروك الحديث، وكان مالك لا يرضى به، وكان ابن معين يرميه بالكذب. وقال الشافعي: من روى عن البياضي بيض الله عينه.
فإن قلت: روى عمر ﵁ أنه صلى بالناس وأعاد ولم يأمر القوم بالإعادة.
قلت: لم يتيقن عمر ﵁ بالجنابة قبل الدخول في الصلاة وإنما أخذ لنفسه بالاحتياط، ويدل عليه ما رواه مالك في " الموطأ " أن عمر ﵁ خرج إلى الحرف فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل، قال: ما أراني إلا قد احتلمت وما شعرت وصليت وما اغتسلت. قال: وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يره وأقام ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنا.
وروى الطحاوي بإسناده أن عمر نسي القراءة في صلاة المغرب وأعاد بهم الصلاة لترك القراءة، وفي فساد الصلاة بترك القراءة اختلاف، فإذا صلى جنبا أحرى أن يعيد، وعنه عن طاوس ومجاهد في إمام صلى وهو على غير وضوء أعادوا جميعا.
فإن قلت: روى الدارقطني بإسناده عن البراء بن عازب أنه ﷺ قال: «أيما إمام صلى بالقوم
стр. 1025
وفيه خلاف الشافعي ﵀ بناء على ما تقدم، ونحن نعتبر معنى التضمن، وذلك في الجواز والفساد
وإذا صلى أمي بقوم يقرءون وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وقالا: صلاة الإمام ومن لم يقرأ تامة؛ لأنه معذور أم قوما معذورين وغير معذورين، فصار كما إذا أم العاري عراة ولابسين، وله أن الإمام ترك فرض القراءة مع القدرة عليها فتفسد صلاته، وهذا لأنه لو اقتدى بالقارئ تكون قراءته له
ــ
[البناية]
وهو جنب فقد مضت صلاتهم ثم يغتسل هو ثم ليعد صلاته، فإن صلى بغير وضوء فمثل ذلك» ".
قلت: قال أبو الفرج: لا يصح هذا الحديث؛ لأن في طريقه بقية وهو مدلس، وعيسى بن إبراهيم وهو ضعيف وجرير وهو متروك، والضحاك بن مزاحم ضعفه الأكثرون وهو لم يلق البراء ﵁.
م: (وفيه خلاف الشافعي بناء على ما تقدم) ش: أي وفي حكم هذه المسألة خلاف الشافعي بناء على ما تقدم عن قريب، وهو أن الاقتداء عنده على سبيل الموافقة لا بناء على صلاة الغير م: (ونحن نعتبر معنى التضمن) ش: في قوله ﷺ : «الإمام ضامن» م: (وذلك) ش: أي معنى التضمن م: (وفي الجواز والفساد) ش: أي لا في الوجوب والأداء وقد قررناه عن قريب.
[إمامة الأمي]
م: (وإذا صلى أمي بقوم يقرءون وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة) ش: قد قررنا الأمي عند قوله: ولا يصلي القارئ خلف الأمي، مع خلاف الشافعي فيه.
م: (وقالا: صلاة الأمي ومن لم يقرأ تامة) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد صلاة الأمي وصلاة من لا يقرأ تامة م: (لأنه معذور) ش: أي؛ لأن الأمي معذور م: (أم قوما معذورين) ش: وهم الأميون م: (وغير معذورين) ش: وهم القارئون م: (فصار) ش: أي فصار حكم هذه المسألة م: (كما إذا أم العاري عراة) ش: جمع عار كقضاة جمع قاض م: (ولابسين) ش: بالنصب عطف على عراة أي وقوما عليهم الثياب، هما قاسا المسألة المذكورة على هذه المسألة، فإن في هذه كان لكل فريق حكم نفسه اعتبار الكل بالبعض، فتصح صلاة العراة فكذلك في تلك المسألة تصح صلاة الأميين. والحاصل أن صلاة من يمثل هذا الإمام تصح، ولا تصح ممن هو أعلى منه.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الإمام ترك فرض القراءة مع القدرة عليها) ش: أي على القراءة بتقديم القارئ م: (فتفسد صلاته) ش: أي صلاة الإمام ثم بين وجه ذلك بقوله م: (وهذا) ش: أي ترك الإمام فرض القراءة الذي هو موجب لفساد صلاته م: (لأنه) ش: أي؛ لأن هذا الإمام الأمي م: (لو اقتدى بالقارئ تكون قراءته) ش: أي قراءة القارئ م: (قراءة له) ش: أي لهذا الإمام
стр. 1026
بخلاف تلك المسألة وأمثالها؛ لأن الموجود في حق الإمام لا يكون موجودا في حق المقتدي،
ولو كان يصلي الأمي وحده والقارئ وحده جاز
ــ
[البناية]
وذلك بالحديث فلما لم يقدمه لزم ترك القراءة مع القدرة، ففسدت صلاته كما لو كان قارئا فلم يقرأ، فإذا فسدت صلاته فسدت صلاة الكل، وعن الشيخ أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول القارئ والأمي يتساويان في فرض التحريمة ويختلفان في القراءة، فإذا اقتدى القارئ صحت تحريمته وقد ألزم الإمام تصحيح صلاة المؤتم فصار ملزوما للقراءة التي تصح صلاة المؤتم بها وقد تركناها فتبطل صلاته.
فإن قلت: كيف يلزم فرض القراءة على الأمي وهو غير قادر؟
قلت: يلزمه بالتزامه وإن لم يلزمه الشرع كنذر القراءة.
فإن قلت: لم لا يلزم القضاء على المقتدي إذا أفسد وقد صح شروعه؟.
قلت: لما شرع في صلاة الأمي أوجبها على نفسه بغير قراءة فلم يلزمه القضاء كنذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه إلا في رواية أبي يوسف في ظاهر الرواية، لأنه فصل بين العلم وعدمه، وعن الشيخ أبي عبد الله الجرجاني أن صلاة الأمي إنما تفسد عنده إذا علم أن خلفه قارئا، أما إذا لم يعلم فلا على ما يجيء عن قريب.
م: (بخلاف تلك المسألة) ش: أراد بها مسألة إمامة العاري للعراة واللابسين م: (وأمثالها) ش: أي وبخلاف أمثال تلك المسألة كإمامة الجريح بمثله والصحيح، وإمامة المومئ بمثله والقادر على الأركان وإمامة المستحاضة بمثلها والطاهرة م: (لأن الموجود في حق الإمام) ش: في هذه الصورة وهو الجراحة والإيماء والاستحاضة م: (لا يكون موجودا في حق المقتدي) ش: لأن أصحاب هذه الأعذار لا يكونون قادرين على إزالة هذه بتقديم من لا عذر له، بخلاف مسألة إمامة الأمي لأميين والقارئين.
فإن قلت: هذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم؛ لأنه لا يعتبر قدرة الغير حتى لا يوجب الحج والجمعة على الأعمى، وإن وجد قائدا.
قلت: الفرق أن الأعمى لا يقدر على إتيان الحج والجمعة بدون اختيار القائد، وهاهنا قادر على الاقتداء بالقارئ بدون اختيار، ولأبي حنيفة وجه آخر وهو أن افتتاح الكل قد صح؛ لأنه أوان التكبير والأمي قادر عليه فيصح الاقتداء وصار الأمي متحملا فرض القراءة عن القارئ، فإذا جاء أوان القراءة وهو عاجز عن الوفاء بما تحمل فتفسد صلاته، وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم بخلاف سائر الأعذار فإنها قائمة عند الافتتاح فلا يصح اقتداء من عذر به ابتداء.
م: (ولو كان يصلي الأمي وحده والقارئ وحده جاز) ش: لأن الأصل أن لا تكون قراءة الإمام
стр. 1027
هو الصحيح؛ لأنه لم يظهر منهما رغبة في الجماعة،
ــ
[البناية]
قراءة المقتدي إلا أن الشرع جعل قراءة المقتدي إذا اقتدى، فإذا لم يقتد فلا فإذا لا يلزم ترك فرض القراءة فيجوز صلاة الأمي م: (هو الصحيح) ش: احترز به عما روي عن أبي حازم أن قياس قول أبي حنيفة لا تجوز صلاته ثم علل المصنف وجه التصحيح بقوله م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الشأن م: (لم يظهر منهما) ش: أي من الأمي والقارئ م: (رغبة في الجماعة) ش: لأنهما لم يرغبا في الجماعة، وصلى كل واحد وحده، لم يعتبر وجوب القارئ في حق الأمي؛ لأن تضمن قراءة الإمام قراءة المقتدي مقصور على الجماعة وحضور من ليس بينه وبين المصلي جامع الاقتداء كلا حضور، والمراد من صلاة الأمي وحده والقارئ وحده أن يكونا في مكان واحد بأن صلى الأمي وحده بجنب القارئ فحينئذ تفسد صلاته، وقيل: لا، وبه قال مالك.
وفي " الذخيرة ": القارئ إذا كان على باب المسجد أو بجوار المسجد والأمي في المسجد يصلي فصلاة الأمي جائزة بلا خلاف، وكذا إذا كان القارئ في غير صلاة الأمي جاز للأمي أن يصلي وحده ولا ينتظر فراغ الإمام.
وفي " المحيط ": ذكر الكرخي في "مختصره" لو اقتدى القارئ بالأمي، ولم ينو إمامته لا تفسد صلاته؛ لأنه يلحقه فساد صلاته من جهة القارئ فلا بد من التزامه كالمرأة، وقيل: تفسد وإن لم ينو إمامته. وفي " المحيط " لو تعلم الأمي سورة في خلال صلاته تفسد صلاته خلافا للشافعي، ولو اقتدى بالقارئ ثم تعلم سورة قيل: لا تفسد، وقيل: تفسد عند عامة المشايخ.
وفي " الذخيرة " ذكر لهذه المسألة في الكتب المشهورة.
فالأول: قاله أبو بكر بن محمد بن الفضل.
والثاني: قاله أبو بكر محمد بن حامد وعامة المشايخ.
وإن كان إماما أو منفردا فتعلم سورة في وسط صلاته لا يبني، وروى هشام عن محمد أنه قال: عامة أصحابنا على أن الأخرس إذا أم الأميين والقارئين فصلاتهم تامة، وقال الفقيه أبو جعفر: لم ير ذلك أبا حنيفة؛ لأنه خالفهم في ذلك القارئ إذا اقتدى بالأمي هل يصير شارعا في الصلاة، ذكر محمد هذا في " الجامع الصغير " وهذا فصل اختلف فيه الأصحاب، قال بعضهم: لا يصير شارعا حتى لو كان في التطوع لا يجب القضاء، وقال بعضهم: يصير شارعا ولم تفسد ويجب قضاء التطوع.
قال في " الذخيرة ": والصحيح هو الأول، وذكر القدوري في "شرحه " أن القارئ إذا دخل في صلاة الأمي متطوعا ثم أفسدها يلزمه القضاء عند زفر ﵀ قال: ولا رواية عن أبي حنيفة، يعني سبقه الحدث فقدم الأمي في الركعتين الأخيرتين. وقال زفر: لا تفسد في هذا الفصل.
стр. 1028
فإن قرأ الإمام في الأوليين، ثم قدم في الأخريين أميا فسدت صلاتهم، وقال زفر ﵀: لا تفسد لتأدي فرض القراءة. ولنا أن كل ركعة صلاة حقيقة فلا تخلو من القراءة إما تحقيقا أو تقديرا، ولا تقدير في حق الأمي، لانعدام الأهلية، وكذا على هذا لو قدمه في التشهد، جائزة عند الكل. والله تعالى أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
م: (فإن قرأ الإمام في الأوليين ثم قدم في الأخريين أميا فسدت صلاتهم) ش: وكذا روي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول. م: (وقال زفر: لا تفسد لتأدي فرض القراءة) ش: يعني أن القراءة فرض في الأوليين وقد تأدى فصار الأمي والقارئ بعده سواء.
م: (ولنا أن كل ركعة صلاة حقيقة فلا تخلو من القراءة إما تحقيقا أو تقديرا) ش: يعنى لا يجوز خلوها من القراءة بالحدث فتشترط فيها القراءة إما حقيقة وإما تقديرا وكلاهما منتف في حق الأمي فصار استخلافه استخلاف من لا يصح للإمامة فأشبه استخلاف الصبي والمرأة ففسدت صلاتهم.
م: (ولا تقدير في حق الأمي لانعدام الأهلية) ش: أي لا يمكن تقدير القراءة في حق الأمي ولا شيء منها موجود في حق الأمي إما حقيقة فظاهر وإما تقديرا فلعدم الأهلية والشيء إنما يقدر إذا أمكن تقديره م: (وكذا على هذا لو قدمه في التشهد) ش: أي وكذا على هذا الاختلاف لو قدم الأمي في التشهد يعني فسدت صلاتهم خلافا لزفر، هذا إذا لم يقعد قدر التشهد، أما إذا قعد قدر التشهد فصحيح بالإجماع كذا ذكر فخر الإسلام؛ لأن هذا من فعله وهو مناف فانقطعت صلاته، وإنما الاختلاف فيما ليس من فعله مثل طلوع الشمس، وقيل تفسد صلاتهم عند أبي حنيفة وعندهما لا تفسد والصحيح هو الأول.
ولو أن القارئ قرأ في الأوليين ثم نسي القراءة في الأخريين وصار أميا فسدت صلاته عند أبي حنيفة ويستقبلها، وعلى قولهما لا تفسد ويبني عليهما استحسانا وهو قول زفر. وفي الأصل: الأمي إذا افتتح صلاته قعد قدر التشهد وسلم ثم تعلم السورة ثم تذكر أن عليه سجود السهو فإنه لا يعيد صلاته.
م: (جائزة عند الكل) ش: يجب أن لا يترك الأمي الاجتهاد إن ليله أو نهاره حتى يعلم مقدار ما تجوز به الصلاة، فإن قصر لم يعذر عند الله تعالى وبه قالت الأئمة الثلاثة، ذكر التمرتاشي ولو حضر الأمي على قارئ يصلي فلم يقتد به وصلى وحده اختلفوا فيه: والأصح أن صلاته فاسدة، نوى الاقتداء بإمام على ظن أنه صلى فإذا هو خليفة جاز، ولو نوى الاقتداء بالأصلي فإذا هو خليفة لم يجز.
وفي " فتاوى الصغرى ": اقتدى بإمام وفي زعمه أنه فلان ثم ظهر أنه غيره يجزئه، وإن اقتدى بفلان بعينه ثم ظهر أنه غيره لا يجزئه، اقتدى مسبوق بمسبوق في قضاء ما سبق لا يجوز،
стр. 1029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وكذا لا يجوز اقتداء اللاحق باللاحق كذا في " الخلاصة "، شك في إتمام وضوء إمامه جاز اقتداؤه به.
اشتركا في نافلة ثم أفسدها صح اقتداء أحدهما بصاحبه وإن لم يشتركا لم يصح شرع في ظهر الإمام متطوعا ثم قطعها واقتدى يصلي ظهر ذلك اليوم جاز.
تكلم الإمام في شفع التراويح، ثم أمهم في ذلك جاز، وكذا لو اقتدى في سنة العشاء بمن يصلي التراويح وفي سنته بعد الظهر بمن يصلي الأربع قبل الظهر صح، ولو صليا الظهر ونوى كل واحد إمامة صاحبه صحت صلاتهما، ولو نويا الاقتداء فسدت.
وفي " الخلاصة " و " الخزانة " أربعة مواضع لا يتابع المقتدي الإمام إذا فعله، لو زاد سجدة في صلاته لا يتابعه، ولو زاد في تكبيرات العيد يتابعه ما لم يخرج عن أقاويل الصحابة، ولو خرج لا يتابعه ولو كبر خمسا في صلاة الجنازة لا يتابعه، ولو قام إلى الخامسة ساهيا بعدما قعد قدر التشهد على الرابعة لا يتابعه، فإن لم يقيد الإمام الخامسة بالسجدة وعاد وسلم سلم المقتدي معه، وإن قيد الإمام الخامسة بالسجدة سلم المقتدي ولا يتابعه، ولو لم يقعد على الرابعة وقام إلى الخامسة ساهيا وتشهد المقتدي وسلم ثم قيد الإمام الخامسة بالسجدة فسدت صلاتهم، وتسعة أشياء إذا لم يفعلها الإمام يفعلها المقتدي إذا لم يرفع يديه عند الافتتاح يرفعهما وركع ولم يكبر يكبر المقتدي ولم يسبح في الركوع والسجود يسبح المقتدي ولم يقل سمع الله لمن حمده يقولها المقتدي ولم يكبر عند الانحطاط يكبر المقتدي ولم يقرأ التشهد يتشهد المقتدي، ولم يسلم يسلم المقتدي، ونسي الإمام تكبيرة التشريق يكبر المقتدي والله تعالى أعلم بالصدق والصواب.
стр. 1030
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين وعليه توكلي وهو حسبي
باب الحدث في الصلاة
ومن سبقه الحدث في الصلاة انصرف
ــ
[البناية]
[باب الحدث في الصلاة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين وعليه توكلي وهو حسبي
م: (باب الحدث في الصلاة) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الحدث الواقع في الصلاة، وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول في بيان أحكام الإمامة والإمام، ومن جملة الأحكام المتعلقة بالإمام سبق الحدث إياه فنحتاج إلى بيان أحكامه، وأما وجه المناسبة بينه وبين الفصول السابقة، هي أن المذكور فيها أحكام السلامة عن العوارض في الصلاة في حق الإمام والمنفرد والجماعة، والمذكور هاهنا بيان أحكام العوارض العارضة المانعة من المضي في الصلاة والسلامة هي الأصل فلذلك أخر هذا الباب.
م: (ومن سبقه الحدث) ش: كلمة من موصولة تضمنت معنى الشرط والمعنى سبقه بدون اختياره، ويسمى ذلك حدثا سماويا، والحاصل أن الشرط سبق الحدث الخارج من بدنه الموجب للوضوء دون الغسل، ومن غير قصد منه للحدث أو بسببه أو من غيره، ولم يأت بعده بما ينافي الصلاة من توقف في موضع الصلاة أو كلام أو كشف عورة من غير ضرورة أو فعل فعل ينافي الصلاة مما له منه بد، فعلى هذا لا يجوز له البناء فيما إذا انتضح البول عن بدنه أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم؛ لأنه ليس من الأحداث، وكذا إذا انتقض وضوءه بالإغماء أو الجنون أو القهقهة؛ لأنها ليست خارجة من البدن، وكذا في الاحتلام، وإن كان خارجا من البدن؛ لأنه موجب للغسل والنص ورد في موجب الوضوء، وكذا في الحدث العمد؛ لأنه قصده والشرط المسبق كما ذكرنا، وكذا إذا كانت به جراحة أو فعل فغمزها بيده فسال منها الدم؛ لأنه وجد منه القصد بسبب الحدث، وكذا فيما إذا رماه إنسان ببندقة أو حجر من السقف فأصابه فسال الدم؛ لأن الحدث منه بسبب غيره.
وعن أبي يوسف يبني في البندقة كالسماوي لعدم صبغه، ولو عثر بحشيش المسجد فأدماه
стр. 1031
أو تنحنح فخرجت ريح بقوته في الصلاة انصرف
فإن كان إماما استخلف وتوضأ.
ــ
[البناية]
قيل يبني، وقيل على الاختلاف بينهما وبين أبي يوسف فعنده يبني، ولو عطس فسبقه الحدث من عطاسه.
م: (أو تنحنح فخرجت ريح بقوته) ش: قيل: يبني وقيل لا ولو سقط منها الكرسف بغير فعلها مبلولا بنت في قولهم وبتحريكها بنت عند أبي يوسف وعندهما لا تبني م: (في الصلاة) ش: في محل النصب على الحال م: (انصرف) ش: جواب من، والمعنى من غير توقف بعد سبق الحدث؛ لأنه إذا توقف يصير مؤديا جزء الصلاة مع الحدث فتنقطع صلاته فلا يبني حينئذ وأشار إليه بقوله: انصرف وهو جزاء الشرط والجزاء لا يتراخى عن الشرط، ولو مكث في مكانه قدر ما يؤدي ركنا فسدت صلاته.
وفي (المنتقى) : إن لم ينو بمقامه الصلاة لا يفسد؛ لأنه لم يؤد جزءا من الصلاة بالحدث، وفي جوامع الفقه: إلا إذا أحدث في نومه ومكث حتى انتبه وذهب يبني. وعن محمد: لو ركع وسجد في حال نومه ثم انتبه وذهب جاز له البناء؛ لأن ما أتى به في حال نومه كالعدم، وعن أبي يوسف: لو أحدث في سجوده فرفع رأسه وكبر يريد به إتمام سجوده أو لم ينو شيئا فسدت، وإن أراد الانصراف لا تفسد ولو قرأ ذاهبا إلى الوضوء تفسد وإتيانه لا تفسد، وقيل على العكس والصحيح الفساد فيهما؛ لأن في الأول أدى ركنا مع الحدث، وفي الثاني مع المشي والتسبيح والتهليل لا يمنع البناء في الأصح. وقيل: لو رفع رأسه من الكوع وقال: سمع الله لمن حمده وهو محدث لا يبني.
قال المرغيناني: نص عليه في المنتقى واعلم أن صورة ذهابه إلى الوضوء به يتأخر محدودا بالخفض كذا قاله في مختصر البحر المحيط. وقال صاحب الطراز: يضع يده على أنفه يوهم أنه قد رعف فينقطع عنه الظنون. قال: هو مروي عن النبي ﵇.
قلت: ذكره المصنف على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
م: (فإن كان إماما) ش: تفصيل حكم الذي سبقه الحدث في الصلاة فلذلك ذكره بالفاء، أي فإن كان الذي سبقه الحدث إماما م: (استخلف) ش: خليفة في موضعه، وتفسير الاستخلاف هو أن يأخذه بثوبه ويجره إلى المحراب كذا في الخلاصة ويكون استخلافه بالإشارة، وفي جوامع الفقه يشير لركعة واحدة بإصبع واحدة والسجدة يضع إصبعه على جبهته إن كان واحدا بإصبع واحدة وفي اثنين بأصبعين، وفي سجدة التلاوة يضع أصبعه على جبهته ولسانه، وفي السهو يشير بذلك بعد السلام وبتحويل رأسه يمينا وشمالا، ولو استخلف بالكلام فسدت صلاته وصلاتهم سواء كان عامدا أو ساهيا أو جاهلا، وذكر في الذخيرة للمالكية أن عند مالك إذا استخلف بالكلام يجوز، وقال ابن حبيب: إن استخلف [بالكلام جاهلا أو عمدا تبطل، وإن كان ساهيا
стр. 1032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فعليه فقط ويقدم من الصف] الذي يليه لقربه ولهذا قال ﵇: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» . وفي (المفيد) : لو قدم امرأة فسدت صلاته وصلاة القوم. وقال زفر: لا تفسد صلاة المقدمة والنساء، وتفسد صلاة الرجال.
وفي (مختصر البحر) : استخلف محدثا فسدت صلاتهم وفي الجمعة يجوز ويقدم غيره فيصلي بهم. وفي " الأجناس ": لو قدم جنبا أو محدثا أو امرأة فسدت صلاة الكل، ولو استخلف صبيا أو مجنونا أو أخرس أو امرأة أو كافرا فاستخلف أهله غيره لم يجز، ولو استخلف رجلا جاثيا حينئذ وكان كبر قبل سبق حدث الإمام صح وكذا بعده ونوى الاقتداء به، وعند بشر المريسي لا يصح اقتداؤه، ولو قدم الإمام رجلا وتقدم آخر بنفسه أو بتقديم القوم وأتم بكل طائفة فهو والأول سواء، ولو قدم الإمام رجلا والقوم رجلا فالإمام من قدمه الإمام إلا أن ينوي القوم أن يأتموا بالآخر قبل أن ينوي ذلك.
وقال إمام الحرمين: ليس عندي نقل في هذه المسألة، ولعل الأظهر أن المتبع من قدمه القوم [إلا أن ينوي القوم أن يؤموا بآخر قبل أن ينوي ذلك] . وفي " جوامع الفقه ": لو تقدم واحد بنفسه تشترط نية القوم الاقتداء به.
ولو قدمه الإمام أو القوم لا يشترط بذلك. قال المرغيناني: هذا خلاف ما ذكره في الأصل، وفي " الذخيرة ": الإمام المحدث على إمامته ولم يخرج من المسجد فإن استخلف وأقام خليفته مقامه في مكانه ونوى أن يؤم الناس فيها، أو استخلف القوم غيره خرج من إمامته، وفي " جوامع الفقه ": لا يخرج من إمامته، إلا بالخروج من المسجد أو بقيام الخليفة مقامه إن نوى أن يؤم في ذلك المكان أو باستخلاف الناس غيره.
وفي " التحفة ": وإن لم يستخلف وخرج من المسجد تفسد صلاة القوم إذا لم يكن خارج المسجد صفوف متصلة، فإن كانت وخرج ولم يجاوز الصفوف تبطل صلاتهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وقال محمد: لا تبطل، قال: والصحيح قولهما وكذا لو استخلف من الصفوف المتصلة الخارجة من المسجد لم يجز عندهما ويجوز عند محمد. وفي " مختصر البحر المحيط ": وفي المسجد يستخلف والكبير والصغير فيه سواء إلا إذا كان مثل جامع المنصور وجامع البيت المقدس، وإذا لم يوجد شيء من ذلك فتوضأ في جانب المسجد والقوم ينتظرون ورجع إلى مكانه وأتم صلاته أجزأهم، وإن لم يستخلفوا حتى خرج الإمام من المسجد بطلت صلاتهم والإمام يتوضأ ويبني؛ لأنه منفرد في حق نفسه. ذكر الطحاوي أن صلاته تفسد أيضا. وفي " جوامع الفقه " في فساد صلاة الإمام روايتان. وفي " المفيد ": في المشهور من الرواية أنها لا تفسد. وذكر أبو عصمت من أصحابنا أنها تفسد والصحيح الأول، ولو لم يكن مع الإمام إلا رجل واحد فهو إمام قدمه أولا.
стр. 1033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال في " الوبري ": تقدم بنفسه أو لم يتقدم وقام مقام الأول أو لم يقم حتى لو فسدت صلاة الثاني فسدت صلاته لنفسه. قال في " المفيد ": كالإمامة الكبرى إذا لم يكن في العالم من يصلح غيره، ولو اقتدى إنسان بالإمام المحدث قبل خروجه من المسجد صح، وإن كان بعد انصرافه، ثم ينظر إن قدم المحدث خليفة جازت صلاة الداخل ولا تفسد، وإن كان خلفه من لا يصلح للإمامة كالصبي والمرأة والأمي والأخرس إن استخلفه تفسد بلا خلاف كما ذكرنا.
وإن لم يستخلف وخرج من المسجد اختلف المشايخ فيه، ففيل: تفسد، وقيل لا تفسد، وتفسد صلاة المقتدي، وهذا أصح، ولو قدم المحدث واحدا من آخر ثاني الصفوف وخرج من المسجد قبل أن يقوم الثاني مقام الأول، نظر إن نوى الثاني الإمامة من ساعته لا تفسد ويحول الإمام إلى الثاني، وإن لم ينو من ساعته وإنما نوى أن يكون إماما مقام الأول [وخرج الأول من المسجد قبل أن يصلي إلى مقام الأول فسدت صلاة القوم] ؛ لأن الإمامة لم تحول إليه بعد، والأول يبني على صلاته بكل حال، فإن تقدم رجلان [فالسابق إلى مكان الأول متعين] ، فإن بقي إلى مكان الإمام وإن استويا في التقدم واقتدى بعضهم بهذا وبعضهم بذاك فصلاة الذي ائتم به الأكثر صحيحة وصلاة الأقل فاسدة، وعند الاستواء لا يمكن الترجيح وإتمامها بإمامين غير ممكن فتفسد صلاتهم كذا في " الذخيرة ".
وفي " جوامع الفقه ": يقدم كل طائفة رجلا فالعبرة للأكثر وعند الاستواء تفسد. وفي " المبسوط ": يقدم كل فريق رجلا فاقتدوا بأحدهما إلا رجلا أو رجلين اقتديا بالآخر فصلاة الجماعة صحيحة وصلاة الآخرين فاسدة، وإن كانت إحدى الجماعتين أكثر فقد قال بعض أصحابنا: وصلاة الأكثرين صحيحة ويتعين الفساد في حق الآخرين في الواحد والمثنى.
قال: والأصح أنه تفسد صلاة الفريقين، وفي متعرقات الفقيه أبي جعفر إذا ظن الحدث فاستخلف ثم تبين أنه لم يحدث قبل خروجه، وإن كان الخليفة لم يأت بالركوع جازت وإلا فسدت. قال الفقيه: وفي رواية ابن سماعة عن محمد إن قام الخليفة مقام الإمام فسدت صلاتهم، وفي " جوامع الفقه " كبر الخليفة ينوي الاستقبال جازت صلاة من استقبل وفسدت صلاة من لم يستقبل، وتفسد صلاة المتخلف أن يبني على صلاة نفسه.
وسئل أبو نصر عمن استخلف فقدم الخليفة غيره من غير أن يحدث؟ إن قدمه قبل أن يقوم في موضع الإمام الأول في المسجد جاز، ولو اقتدى المقيم بالمسافر خارج الوقت أو المتنفل بالمفترض فأحدث المسافر أو المفترض تفسد صلاتهما؛ لأنهما لا يصلحان لإقامتها، ولو أحدث الإمام والقوم فخرجوا معا تفسد صلاة القوم دون الإمام لخلو مكان الإمام وتفرد الإمام.
ثم أعلم أن الذي سبقه الحدث يتوضأ ثلاثا ثلاثا، قال في " التحفة ": ويستوعب رأسه
стр. 1034
وبنى
ــ
[البناية]
وبنى
بالمسح ويتمضمض ويستنشق ويأتي بسائر سنن الوضوء وهو الصحيح. وفي " الحاوي ": عن أبي القاسم أنه يتوضأ مرة مرة ولا يزيد على ذلك وإن زاد فسدت صلاته. وفي " الجوامع " المتيمم للجنابة إذا أحدث فذهب فوجد ما يكفي لوضوئه يبني بخلاف ما إذا وجد ما يكفيه لجنابته. وفي " الذخيرة ": المرأة كالرجل في الوضوء والبناء؛ لأن كلمة "من" تتناول الرجل والمرأة.
وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول: إن أمكنها الوضوء من غير كشف عورتها بأن يمكنها غسل ذراعيها في الكمين ومسح مع الخمار بأن كان ذلك رقيقا يصل الماء إلى ما تحت ذلك فكشفتها لا شيء، وإن لم يمكنها بأن كان عليها جبة وخمار ثخينين لا يصل إلى ما تحت ذلك جاز وهو نظر الرجل إذا كشف عورته في الاستنجاء عند مجاوزة النجاسة مخرجها أكثر من قدر الدرهم. وعن إبراهيم بن رستم: لا يجوز للمرأة البناء؛ لأنها عورة. وفي " مختصر البحر المحيط ": لو سبقه الحدث من صلاة الجنازة ينبغي له أن ينبي وفي الاستخلاف خلاف.
م: (وبنى) ش: أي على صلاته ما لم يوجد منه ما ينافي صلاته مما له منه بد كالكلام، والأكل، والشرب، والبول، والتغوط ونحو ذلك. وفي السغناقي يمنع البناء الحدث العمد والإغماء والجنون والقهقهة عمدا أو لا والاحتلام والإمناء، والنظر بشهوة أو تفكر أو النحة أو عضة زنبور أو ظهرت عورته عند الاستنجاء ولو لم يظهر بنى. وروى أبو سليمان أنه يبني مطلقا، وفي " شرح القدوري " لأبي نصير: لا يبني في ظاهر المذهب.
وذكر في " المحيط " عن محمد أنه يستنجي من تحت ثيابه، وروى أبو سليمان أن الاستيفاء من البئر لا يمنع البناء، ولو جاوز الماء فذهب إلى غيره فسدت صلاته. وفي " مختصر عن المحيط ": يبني ولو استفاء بوضوء أو حزز دبره فسدت صلاته.
وفي " المرغيناني ": ما يسقي من البئر ويبني. وقال الكرخي والقدوري: لا يبني. وفي " التحفة ": أنه يبني، ولم يجد خلافا ولو طلب الماء بإشارة أو اشتراه بالتعاطي أو نسي ثوبه في موضع الوضوء فرجع واحدة لا يبني، ولو تذكر أنه لم يمسح برأسه فرجع ومسح يجزئه؛ لأنه لا بد منه. ولو أحدث فأصاب منه ثوبه أو بدنه يغسل ويبني، ولو انتضح عليه من البول أكثر من قدر الدرهم وهو في الصلاة فذهب وغسله لا يبني عندهما، وعند أبي يوسف يبني، وإن كان له ثوبان نزع النجس منهما من ساعته وصلى، وكذا لو وقع ثوبه فأخذه من ساعته فستر عورته تفسد صلاته، وإن سكت عريانا إن عجز عن رفع ثوبه لا تفسد ما لم يؤد ركنا مع الكشف، وإن قدر على رفعه تفسد عندهما خلافا لأبي يوسف.
فإن قلت: ما وجه تخصيص الإمام بالبناء مع جوازه للمقتدي والمنفرد.
قلت: لأنه أعلم بشرائط البناء غالبا من غيره.
стр. 1035
والقياس أن يستقبل وهو قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لأن الحدث ينافيهما
والمشي والانحراف يفسدها فأشبه الحدث العمد.
ــ
[البناية]
م: (والقياس أن يستقبل) ش: أي صلاته هذه م: (وهو قول الشافعي) ش: أي استقبال الصلاة في هذه الحالة قول الشافعي في الجديد وبه قال مالك في قول وأحمد في رواية، وعن أحمد: أن صلاة المأمومين تبطل، وعنه: لا يستخلف ويتيممون وحدانا، والمسبوق تبطل صلاته، وعنه يتوضأ ويبني.
وفي " المبسوط " كان مالك ﵀ يقول أولا: يبني ثم رجع وعاب عليه محمد في كتاب الحج لرجوعه من الآثار إلى القياس، وفي " الجواهر " من كتب المالكية أنه يستخلف سواء شرع طاهرأ أو محدثا أو جنبا، وإن صلوا وحدانا بطلت في المشهور.
وقال الزهري في إمام بثوبه دم أو رعف أو سجد للسهو] بالتصرف وليقل أتموا صلاتكم. وروي أن معاوية لما طعن أتم الصلاة وحدانا، وذكر في " النهاية " لإمام الحرمين في باب الجمعة لو أحدث الإمام عامدا أو أخرج نفسه من الصلاة [تفسد أو سبقه] الحدث فالاستخلاف يجزئ في هذه الصورة عندهم مع بطلان صلاة الإمام.
م: (لأن الحدث ينافيهما) ش: أي ينافي الصلاة، والطهارة شرط لبقاء الصلاة كما هي شرط لابتدائها فلا تبقى مع وجود الحدث المنافي لشرطها.
م: (والمشي) ش: إلى الوضوء م: (والانحراف) ش: عن القبلة م: (يفسدها) ش: أي الصلاة لأنهما متنافيان م: (فأشبه الحدث العمد) ش: أي أشبه الحدث السابق وهو الحدث السماوي الحدث العمد، فكما أن في الحدث العمد تبطل الصلاة فكذلك في الحدث السماوي، وهو الذي ذكره وجه القياس الذي أخذ به الشافعي ومن اتبعه، ولم يذكر المصنف له دليلا من الآثار واحتجوا في ذلك بالأحاديث:
منها: ما رواه الأثرم بإسناده عن علي ﵁ «عن النبي ﵇ أنه كان قائما يصلي بهم فانصرف ثم أتى ورأسه تقطر ماء، فقال: "إني قمت بكم ثم تذكرت أني جنب ولم أغتسل فانصرفت واغتسلت، فمن أصابه منكم مثل الذي أصابني فلينصرف وليغتسل وليستقبل صلاته» .
ومنها: ما رواه مالك في " الموطأ «أنه ﵇ صلى بأصحابه فلما أحرم بالصلاة وذكر أنه جنب فقال لأصحابه: "كما أنتم" ومضى ورجع ورأسه تقطر ماء ولم يستخلف» فدل أن تقدم الجنابة لم تمنع الاقتداء فإنه قال: كما أنتم.
ومنها: ما رواه علي بن طلق عن رسول الله ﵇ أنه قال: «إذا نسي أحدكم في
стр. 1036
ولنا قوله ﵊: «من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» .
ــ
[البناية]
صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته» أخرجه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: [هذا] حديث حسن ورواه ابن حبان في "صحيحه ". ومنها: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: «إذا رعف أحدكم في الصلاة فلينصرف وليغسل عنه الدم ثم ليعد وضوءه وليستقبل صلاته» وأخرجه الطبراني في "معجمه " والدارقطنى في "سننه " وابن عدي في " الكامل ".
والجواب عن هذه الأحاديث: أن حديث علي ﵁ هو مذهبنا فإنه أمر بالاستقبال فدل أن شروعه فيها لم يصح، ونحن إنما قلنا بالاستخلاف والبناء في الحدث الطارئ السابق دون العمد القارن والجنابة، وأن حديث " الموطأ " يخالفه الصحيح الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم فإنهما رويا بإسنادهما «عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله ﵇، فلما قام في مصلاه ولم يشرع في الصلاة وقد تكلم ثم جاء وكبر للشروع في الصلاة» . ومعنى قوله: كما أنتم أي لا تتفرقوا حتى أجيء، ولهذا استقبل وأمرهم بالاستقبال، ويدل عليه ما رواه أبو داود «أنه ﵇ قام في مصلاه فانتظرنا أن يكبر فانصرف، فقال: "كما أنتم» فمن المحال أن يصلوا بصلاة رسول الله ﵇ قبل شروعه ﵇، ومن المعلوم بالضرورة أنهم لم يكونوا شرعوا في الصلاة قبل شروعه ﵇.
وأن حديث علي بن طلق محمول على العمد أو على الأفضلية توفيقا بين الأحاديث على أن ابن القطان [كان يقول] في كتابه: هذا حديث لا يصح فإن فيه مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك وهو مجهول الحال. وأن حديث ابن عباس فيه سليمان بن أرقم، وقال أحمد وأبو داود والنسائي وابن معين والبخاري: إنه متروك.
م: (ولنا قوله ﷺ : «من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» ش: هذا الحديث رواه ابن ماجه في "سننه " عن إسماعيل عن [ابن جريج] عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم» ، وأخرجه الدارقطني في "سننه ".
стр. 1037
وقال ﵊: «إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف فليضع يده على فمه، وليقدم من لم يسبق بشيء» .
ــ
[البناية]
وقال: الحفاظ يروونه عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلا، ثم أخرجه عن عبد الرزاق عن ابن جريج به مرسلا وقال: هذا هو الصحيح.
وقال إمام الحرمين في " النهاية " والغزالي في " الوسيط ": إن هذا الحديث مروي في الكتب الصحاح وهو وهم منهما، وإنما لم يقل به الشافعي؛ لأنه مرسل وابن أبي مليكة لم يلق عائشة ﵂ م: (وقال ﷺ : «إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء» ش: هذا بهذا اللفظ غريب، ولكن أخرج أبو داود وابن ماجه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدكم فأحدث فليأخذ بأنفه ثم لينصرف» .
وأخرج الدارقطني في "سننه " عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي ﵁ موقوفا: [إذا أم القوم فوجد في بطنه رزءا أو رعافا أو قيئا فليضع ثوبه على أنفه وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدم] . قوله: رعف، قال المطرزي: رعف أنفه سال رعافه.
قلت: الرعاف هو الدم يخرج من الأنف، ورعف من باب نصر ينصر، وجاء رعف بالضم وهي لغة ضعيفة، وجاء رعف يرعف بالفتح فيهما، ويقال: رعف الفرس يرعف ويرعف بالفتح والضم أي سبق وتقدم واسترعف مثله.
قوله: أو أمذى: أي صار ذا مذي، قوله: وليبن: أمر وأدنى درجاته الإباحة فيثبت شرعية البناء.
فإن قلت" وليتوضأ أمر أيضا، وهو للوجوب فينبغي أن يكون وليبن كذلك.
قلت: لا يضرنا ذلك، لأنه حينئذ يكون أثبت للمدعي.
قوله: من لم يسبق بشيء مفعول وليقدم وأراد به من لم يسبقه حدث مثله، وقد فسره بعضهم بقوله: المراد المسبوق بالصلاة وليس كذلك لأن المسبوق يجوز أن [يكون] يجعل خليفة لمن سبقه الحدث، وقال تاج الشريعة: قوله: من لم يسبق بشيء لبيان الأفضل؛ لأنه أقدر على إتمام الصلاة من المسبوق. قوله: رزءا بكسر الراء وتشديد الزاء وهو في الأصل الصوت الخفي ويريد به القرقرة وقيل: هي غمز الحدث وحركته للخروج.
стр. 1038
والبلوى فيما سبق، دون ما يتعمده، فلا يلحق به،
والاستئناف أفضل تحرزا عن شبهة الخلاف
ــ
[البناية]
وأخرج الطبراني عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «من وجد في بطنه رزءا فلينصرف وليتوضأ» وأمره بالوضوء لئلا يدافع أحد الأخبثين وإلا فليس بواجب إن لم يخرج الحدث.
فإن قلتم: استدللتم بحديثين أحدهما مرسل والآخر ضعيف.
قلت: لا يضرنا إرساله؛ لأن المرسل عندنا حجة ويقوي الضعيف بما نقل عن الصحابة ﵃ وهو ما أخرجه ابن أبي شيبه في "مصنفه" عن علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق وسلمان وابن عمرو ابن مسعود.
وروي من التابعين عن علقمة، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، مكحول، وسعيد بن المسيب، وكيف يذهب إلى القياس بترك قول هؤلاء وقولهم فيما لا يدرك بالقياس كالنص في كونه راجحا على القياس حتى قال بعضهم في المسألة إجماع الصحابة، فإنه روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والعبادلة الثلاثة، وأنس، وسلمان ﵃ أجمعين - جواز البناء، والمراد إجماع فقهائهم وبقولهم يترك القياس، هذا والنووي اجتهد في هذا وقال: منع البناء المسور بن مخرمة من الصحابة وهو لا يقاوي هؤلاء الأجلاء من الصحابة، والأئمة الكبار من التابعين والرجوع إلى الحق واجب، وروي أيضا مثلما قلنا عن الأوزاعي وابن أبي ليلى وسلمان بن يسار والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ﵃.
م: (والبلوى فيما سبق) ش: هذا جواب عن قول الشافعي فأشبه الحدث العمد، تقريره أن البلوى أي البلية في الحدث يقال: لحصوله بغير فعله فيجعل فيه مقدورا م: (دون ما يتعمده) ش: أي يقصده ويفعله باختياره وليس فيه بلوى فلا يجعل معذورا فلا يجوز القياس لوجود الفارق وهو معنى قوله م: (فلا يلحق به) ش: أي لا يلحق بما يسبق مما يتعمد وهذا في نفس الأمر منع المشابهة ومن قوله: فأشبه الحدث العمد، وكيف يشابه الذي بلا اختيار بالذي باختيار.
م: (والاستئناف أفضل) ش: أي استقبال الصلاة أفضل من البناء م: (تحرزا عن شبهة الخلاف) ش: لأنه أقرب إلى الاحتياط؛ لأن البناء عمل بخبر الواحد والاستئناف بالإجماع، والإجماع أقوى من خبر الواحد كذا قاله بعض الشراح وفيه نظر؛ لأنه قيل: إن البناء إجماع الصحابة، فإن روي عن جماعة كثيرين كما ذكرنا، وبه يترك القياس؛ لأن قولهم فيما لا يدرك بالقياس، كالنص في كونه راجحا على القياس مع أنه مؤيد بالأمر في الحديث المذكور.
стр. 1039
وقيل: إن المنفرد يستقبل، والإمام والمقتدي يبني صيانة لفضيلة الجماعة، والمنفرد إن شاء أتم في منزله، وإن شاء عاد إلى مكانه،
والمقتدي يعود إلى مكانه، إلا أن يكون إمامه قد فرغ أو لا يكون بينهما حائل.
ــ
[البناية]
م: (وقيل: إن المنفرد يستقبل) ش: أي الأفضل له ذلك للاحتياط م: (والإمام والمقتدي يبني) ش: يعني الإمام إذا سبقه الحدث يبني على صلاته، والمقتدي أيضا إذا سبقه الحدث يبني م: (صيانة لفضيلة الجماعة) ش: أي حفظا لفضيلة الجماعة، وانتصاب صيانة على التعليل.
م: (والمنفرد إن شاء أتم في منزله) ش: يعني الذي يصلي وحده إذا سبقه الحدث فذهب وتوضأ إن شاء أتم صلاته في منزله وهو الموضع الذي توضأ فيه بعد الانصراف م: [ (وإن شاء عاد إلى مكانه) ] ش: وإنما صار مخيرا بين الأمرين لأنه إذا أتم في منزله صار مؤديا صلاته في مكانه مع قلة المشي، وإن عاد إلى مكانه صار مؤديا لها في مكان واحد مع كثرة المشي فوجد في كل واحد من الأمرين جهة الكراهة وجهة الفضيلة فصار مخيرا.
م: (والمقتدي يعود إلى مكانه) ش: وهو الموضع الذي سبقه الحدث فيه، ولا يجوز له أن يبني في منزله الذي توضأ فيه لوجوب متابعة الإمام. وقال المرغيناني: المقتدي يعود لا محالة إذا لم يفرغ إمامه. وقال الأسبيجاني: يعود إلى موضع يجوز له الاقتداء بإمامه، وقال في " المفيد ": وكذا إذا لم يعلم بفراغ إمامه وإن فرغ يتخير بين العود والإتمام في مسجد آخر.
م: (إلا أن يكون إمامه قد فرغ) ش: هذا مبينا من قوله يعود إلى مكانه أراد أن إمامه إذا فرغ عن الصلاة يجوز له أن يبني في منزله لزوال الداعي. وإذا عاد بعد فراغ الإمام، فعن ابن سماعة: أنه يفسد صلاته بحصول المشي بلا حاجة. واختيار السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده: لا يفسد صلاته.
فإن قلت: اللاحق في حكم المقتدي فيما يتم من صلاته، فإذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع صحة الاقتداء من طريق أو نهر فينبغي أن لا يجوز في بيته.
قلت: هم بمنزلة المقتدي، ولكن الإمام قد خرج من حرمة الصلاة، فلا يراعى ترتيب القيام بينه وبين إمامه، وربما خرج أو أحدث أو نام.
م: (أو لا يكون بينهما حائل) ش: عطف على المستثنى؛ يعني أن المقتدي يعود إلى مكانه إلا إذا فرغ إمامه فحينئذ لا يعود، وإلا إذا لم يكن بين الإمام والمقتدي حائل؛ أي مانع لجواز الاقتداء كالطريق والنهر الكبير فحينئذ لا يعود إلى مكانه، وإن لم يفرغ الإمام عن الصلاة لجواز المتابعة من حيث هو.
فإن قلت: المقتدي إذا عاد إلى مكانه قبل فراغ الإمام كيف يصنع؟ قلت: قال في " شرح الطحاوي ": يشتغل أولا بقضاء ما سبقه الإمام في حالة اشتغاله بالوضوء بغير قراءة؛ لأنه لاحق،
стр. 1040
ومن ظن أنه أحدث فخرج من المسجد، ثم علم أنه لم يحدث استقبل الصلاة، فإن لم يكن خرج من المسجد يصلي ما بقي، والقياس فيهما الاستقبال، وهو رواية عن محمد ﵀ لوجود الانصراف من غير عذر، وجه الاستحسان أنه انصرف على قصد الإصلاح، ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه بنى على صلاته، وألحق قصد الإصلاح بحقيقته.
ــ
[البناية]
ويقوم مقدم قيام الإمام ومقدار ركوعه وسجوده، ولو زاد أو نقص فلا يضره ولا يلزمه السهو لأنه لاحق، إلا إذا انتهى إمامه فيتابعه في الموضع الذي سجد إمامه، ثم يقضي آخر صلاته، ولو لم يشتغل بقضاء ما سبق أولا فيتابع الإمام جاز فيقضي ما سبق الإمام بعد تسليم الإمام؛ لأن ترتيب أفعال الصلاة ليس بشرط عندنا خلافا لزفر ﵀.
[حكم من ظن أنه أحدث فخرج من المسجد ثم علم أنه لم يحدث]
م: (ومن ظن أنه أحدث فخرج من المسجد ثم علم أنه لم يحدث استقبل الصلاة) ش: لأن الانصراف عن القبلة بلا عذر مفسد فيلزمه الاستقبال م: (فإن لم يكن خرج من المسجد يصلي ما بقي) ش: من صلاته؛ لأن السجود وإن تباعدت أطرافه بمنزلة مكان واحد. بدليل صحة الاقتداء وعدم تكرر وجود سجدة التلاوة.
م: (والقياس فيهما الاستقبال) ش: أي فيما إذا خرج من المسجد وفيما إذا لم يخرج م: (وهو) ش: أي القياس م: (رواية عن محمد ﵀ لوجود الانصراف) ش: أي الانصراف عن الصلاة. وفي " الذخيرة ": أي الانحراف عن القبلة م: (من غير عذر) ش: وهذا وجه القياس. وفي " الجامع الصغير " لقاضي خان: إذا كان يمشي في المسجد ووجهه إلى القبلة بأن كان باب المسجد على حائط القبلة، فأما إذا أعرض عن القبلة فسدت صلاته، وإن كان في المسجد إذ هو انحراف عن القبلة بغير عذر. وفي ظاهر الرواية لم يفصل بينهما إذا مشى في المسجد مستقبل القبلة أو انحرف عن القبلة وإطلاق صاحب الكتاب يحمل على هذا.
م: (وجه الاستحسان أنه انصرف على قصد الإصلاح) ش: أي على قصد إصلاح صلاته لا رفضها م: (ألا ترى) ش: تنبيه على ما ذكره من أن انصرافه على قصد الصلاح م: (أنه) ش: أي أن [الظن] الذي ظن أنه أحدث م: (لو تحقق ما توهمه) ش: من ظن حصوله الحدث م: (يبني على صلاته) ش: ولا يقطعها، والتأويل أن بين خطأ في آخر الأمر قد يعتبر في بعض الأحكام، كتأويل أهل البغي في دماء أهل الحق وأموالهم إذا كانت لهم قوة ومنعة حتى لا يضمنون شيئا من ذلك م: (وألحق قصد الإصلاح بحقيقته) ش: أي ألحق قصد الإصلاح بحقيقة الإصلاح، أعني أن الحدث المتوهم لو كان متحققا كان يبني فكذا في هذه الصورة.
فإن قلت: إذا كان قصد الإلحاق ملحقا بحقيقته ينبغي أن يبني إذا خرج من المسجد أيضا.
قلت: هذا ليس بمطلق بل في هذه الصورة لأنه إذا خرج يختلف المكان من غير عذر وهو يبطل لتحريمه أشار إليه بقوله.
стр. 1041
ما لم يختلف المكان بالخروج،
وإن كان استخلف فسدت؛ لأنه عمل كثير من غير عذر، وهذا بخلاف ما إذا ظن أنه افتتح الصلاة على غير وضوء فانصرف، ثم اعلم أنه على وضوء حيث تفسد صلاته وإن لم يخرج؛ لأن الانصراف على سبيل الغرض، ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه يستقبله، فهذا هو الحرف،
ــ
[البناية]
م: (ما لم يختلف المكان بالخروج) ش: من المسجد لأنه مكان واحد. وفي " جامع التمرتاشي " وكذا الغازي لو ظن حضور العدو فانصرف، والأمر بخلافه لم تفسد صلاته ما لم يخرج من المسجد، وفي الصحراء ما لم يجاوز مكان الصفوف وإلا تفسد، والبيت كالمسجد، والمرأة إذا نزلت من مصلاها فسدت لأنه بمنزلة المسجد في حق الرجل، ولو ذهب قدامه في الصحراء بمقدار الصفوف حده إن لم يكن سترة وإن كانت فحده سترة.
م: (وإن كان استخلف) ش: أي وإن كان الذي ظن أنه أحدث استخلف ثم علم أنه لم يحدث م: (فسدت) ش: أي صلاته وإن لم يخرج من المسجد م: (لأنه) ش: أي لأن الذي فعله م: (عمل كثير) ش: لأنه استخلاف ومشى والعمل الكثير م: (من غير عذر) ش: يفسد الصلاة م: (وهذا) ش: أي الحكم المذكور م: (بخلاف ما إذا ظن أنه افتتح (الصلاة) على غير وضوء فانصرف) ش: من صلاته أو من القبلة م: (حيث تفسد صلاته وإن لم يخرج) ش: من المسجد ثم أشار إلى الفرق بين المسألتين بقوله م: (لأن الانصراف) ش: أي في هذه المسألة م: (على سبيل الغرض) ش: والأغراض والانصراف من هذا الوجه ملحق بحقيقته.
ثم أوضح ذلك بقوله: م: (ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه) ش: من ظنه افتتاح صلاته بغير وضوء م: (يستقبله) ش: صلاته، لأنه انصرافه كان على سبيل الرفض م: (وهناك) ش: أي في المسألة الأولى م: (لو تحقق ما توهمه) ش: من سبق الحدث م: (لا يستقبلها) ش: أي الصلاة، لأن انصرافه كان على سبيل الإصلاح كما ذكرناه م: (فهذا هو الحرف) ش: أي هو الأصل في البناء والاستقبال، أو هذا هو الأصل بين المسألتين وهو أن الانصراف إذا كان على سبيل قصد الإصلاح لا يستقبل ما لم يخرج من المسجد، وإذا كان عل سبيل الرفض والترك يستقبل بمجرد الانصراف وإن لم يخرج من المسجد ولم يستخلف، وعلى هذا إذا أقبل سواد فظنوه عدوا فانحرف قوم، فإذا هي بقر أو غنم أو إبل إن لم يجاوزوا الصفوف بنوا استحسانا، وإن جاوزوا استقبلوا، وإذا ظن أنه لم يمسح فانصرف ثم علم أنه كان ماسحا فسدت صلاته، وإن لم يخرج من المسجد وكذلك متيمم رأى سرابا فظنه ماء فانحرف فظهر أن سراب، وكذلك إذا رأى في ثوبه لونا فظن أنه [نجاسة] فانحرف ثم علم أنه ليس بنجاسة لم يبن، وكذلك ماسح الخف إذا ظن أن المدة قد تمت فانحرف لغسل الرجلين يستقبل وإن لم يخرج لأنه في الجميع قصد رفض الصلاة فانقطعت صلاته.
стр. 1042
ومكان الصفوف في الصحراء له حكم المسجد؛ ولو تقدم قدامه فالحد السترة، وإن لم تكن فمقدار الصفوف خلفه، وإن كان منفردا فموضع سجوده من كل جانب، وإن جن أو نام فاحتلم أو أغمي عليه استقبل؛ لأنه يندر وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النص،
ــ
[البناية]
[حكم الحدث من الإمام أو المأموم في الصحراء]
م: (ومكان الصفوف في الصحراء له حكم المسجد) ش: هذا لبيان أنه لم يكن في المسجد ماذا يكون حكمه، وهو أنه إذا كان يصلي في الصحراء لا يخلو، إما أن يكون إماما أو منفردا وعلى التقديرين، لا يخلو إما أن يكون بينه سترة أو لا يكون، فإن كان إماما وكان الصفوف كالمسجد في حقه فإذا سبقه الحدث فإنه ينصرف ويستخلف ما دام في مكان الصفوف، فإن خرج من الصفوف ولم يستخلف، فقد بطلت صلاته لاختلاف المكانين من غير عذر، هذا إذا لم يكن سترة، فإن كانت بين يديه سترة فالمعتبر حد السترة إذا مشى قدامه وهو معنى قوله.
م: (ولو تقدم قدامه) ش: أي ولو مشى قدامه سجد في الجواز والفساد السترة، وهو معنى قوله م: (فالحد السترة) ش: فإن جاوزها بطلت صلاته م: (وإن لم تكن) ش: أي سترة بين يديه م: (فمقدار الصفوف خلفه) ش: أي فالمعتبر مقدار الصفوف التي خلفه؛ أي خلف الإمام حتى إذا كان من آخر الصفوف إلى الإمام خمسة أذرع مثلا، فالحد قدام الإمام خمسة أذرع، فإن لم يخرج عن هذا المقدار يبنِ ولا يستقبل، وإن خرج عن هذا المقدار ولم يستخلف بطلت صلاته؛ لأن الإمام بعد سبقه الحدث كان عليه الاستخلاف ليصير هو في حكم المقتدين به لأنه صار مقتديا، فإن قلت: ذكر الصفوف [بالجمع باعتبار الغالب م: (وإن كان) ش: أن المصلي الذي سبقه الحدث م: (منفردا] فموضع سجوده) ش: أي فالمعتبر موضع سجوده م: (من كل جانب) ش: من جوانبه، فإذا لم يتجاوز المصلي في أثناء الصلاة [ذلك المقدار يبني فيما كان قصد الإصلاح وإلا فلا، وإن لم يتجاوزه م: وإن جن) ش: أي المصلي في أثناء الصلاة] م: أو نام فاحتلم) ش: إنما قال فاحتلم؛ لأن مجرد النوم في الصلاة لا يفسدها.
فإن قلت: هلا اكتفى بقوله: أو احتلم من غير ذكر نام؛ لأن الاحتلام لا يكون إلا في النوم.
قلت: احتلم يستعمل في البلوغ أيضا، فقال: احتلم الغلام أي بلغ وعقل، ولو اكتفى بقوله: أو احتلم لكان يوهم أنه بمعنى عقل بقرينة قوله: جن.
م: (أو أغمي عليه) ش: الإغماء مرض يحصل في الدماغ بسبب الامتلاء من بلغم بارد غليظ، هذا عند أهل الطب، وعند المتكلمين هو سهو يعتري الإنسان مع فتور الأعصاب، والجنون زوال العقل وفساده، ولهذا يمكن الإغماء في الأنبياء دون الجنون م (استقبل) ش: جواب إن؛ أي استقبل صلاته م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (يندر وجود هذه العوارض) ش: أي الجنون والاحتلام والإغماء م: (فلم يكن) ش: أي هذه العوارض م: (في معنى ما ورد به النص) ش: وهو قوله ﵇: «من قاء أو رعف في صلاته» ومعنى ما ورد به النص هو القيء والرعاف
стр. 1043
وكذلك إذا قهقه؛ لأنه بمنزلة الكلام وهو قاطع،
وإن حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره أجزأهم عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يجزئهم؛ لأنه يندر وجوده،
ــ
[البناية]
فإذا لم يكن في معنى ما ورد به النص بقيت على أصل القياس. أما الجنون والإغماء فإن الشخص يبقى على حاله بعد حدوثهما فيصير مؤديا جزءًا من الصلاة مع الحدث فتفسد بخلاف القيء والرعاف فإنه ينصرف على الفور [حال] وقوعهما.
وأما الاحتلام فإنه يوجب الغسل بخلاف القيء والرعاف، فإن وجوبهما بالفرض، هذا إذا وجدت هذه الأشياء قبل أن يقعد مقدار التشهد، أما لو حدث بعده فصلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه يصير خارجا عنها لهذه الأشياء.
فإن قلت: الخروج بفعله فرض عند أبي حنيفة، ولم يوجد.
قلت: وجد؛ لأنه صار محدثا بها؛ لأنه لا بد من اضطراب ومكث بعد الحدث، فبالمكث إذا الخروج من الصلاة مع الحدث، وهو صنع كيف ما كان من حيث الاضطراب أو من حيث المكث.
م: (وكذلك إذا قهقه لأنه بمنزلة الكلام) ش: فصار كأنه تكلم بعد الحدث، وشرط البناء أن لا يتكلم؛ لقوله ﷺ : «وليبن على صلاته ما لم يتكلم» .
فإن قلت: ما معنى قوله: إن القهقهة بمنزلة الكلام.
قلت: لأن كلا منهما ينقل المعنى من الضمير إلى فهم السامع.
م: (وهو قاطع) ش: أي الكلام قاطع للصلاة والقهقهة أقطع لأنها أفحش، ولهذا سوى بين النسيان والعمد، هذا أيضا إذا وجدت قبل ما قعد قدر التشهد، وأما إذا وجدت بعده فلا تفسد صلاته كما لو تكلم بعده ولكن يلزمه الوضوء عندنا لصلاة أخرى، وعند زفر: لا يلزمه هذا كله أيضا على قولنا، فأما على قول الشافعي: تفسد صلاة الإمام لا صلاة القوم.
[الحكم لو حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره]
م: (وإن حصر الإمام عن القراءة) ش: حصر بكسر الصاد، يقال: حصر يحصر حصرا بفتحتين من باب علم يعلم، والحصر، والحصر القيء وضيق الصدر، قال تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] [النساء: الآية ٩٠] ، ومعناه: ضاق صدر الإمام عن القراءة، ويجوز أن يقرأ على صيغة المجهول من حصره إذا حبسه من باب نصر ينصر، ومعناه: ومنع حبس عن القراءة بسبب خجل أو خوف.
م: (فقدم غيره أجزأهم عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد، وفي " المفيد ": جعل قول أبي يوسف مع أبي حنيفة م: (وقالا: لا يجزئهم لأنه يندر وجوده) ش: أي لأن الحصر يندر وجوده، والاستخلاف ثبت بخلاف القياس، في أمر غالب الوجود وهو الحدث، فلا يجوز الاستخلاف فيه. وفي " الفوائد الظهيرية " ليس الحصر في معنى الحدث من وجوه:
стр. 1044
فأشبه الجنابة في الصلاة، وله أن الاستخلاف لعلة العجز وهو هنا ألزم،
والعجز عن القراءة غير نادر، ولو قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة لا يجوز بالإجماع لعدم الحاجة إلى الاستخلاف، وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم؛ لأن التسليم واجب فلا بد من التوضؤ ليأتي به،
ــ
[البناية]
أحدها: أن الطهارة شرط بجميع الصلاة، والقراءة شرط لبعضها.
والثاني: أنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة، ولها جواز بدون القراءة كما في الأمي.
والثالث: أن القراءة تجزئ لها النيابة بخلاف الطهارة.
وقال الأترازي: ونقل شيخنا عن شيخه العلامة حميد الدين الضرير أنه قال في شرحه صورة المسألة: إذا لم يعقد الإمام [على] القراءة لأجل خجل يعتريه، أما إنه إذا نسي القراءة أصلا لا يجوز الاستخلاف بالإجماع لأنه يصير أميا، واستخلاف الأمي لا يجوز.
قلت: حميد الدين مسبوق في هذه، أما في السير فإنه قال: إنما يجوز الاستخلاف إذا [كان] حافظا للقراءة لكن لحقه خجل أو خوف فحصر، فأما لو نسي فصار أميا لم يجز الاستخلاف إجماعا؛ لأن إتمام القارئ صلاة الأمي غير جائز. وقال أبو بكر الرازي: إنما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئا وإن أمكنه قراءة آية لا يستخلف، وإن استخلف فسدت صلاته.
وقال الأترازي: ثم عندهما إذا لم يستخلف كيف يصنع، قال بعض الشارحين: يتم صلاته بلا قراءة إلحاقا له بالأمي، وهذا سهو لأن مذهبهما أنه يستقبل وبه صرح فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ".
قلت: أراد ببعض الشارحين السغناقي، فإنه قال هكذا في شرحه، وقال الأكمل: ونسبه بعض الشارحين إلى السهو وأراد به الأترازي.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الاستخلاف لعلة العجز) ش: عن المضي في الصلاة صيانة لصلاة القوم عن البطلان م: (وهو هنا ألزم) ش: أي العجز عن القراءة ألزم؛ لأنه ربما يجد الماء في المسجد فيتوضأ ويبني من غير استخلاف، والذي حصر فلا بد له من تعلمه أو تذكره وذلك يمنع المضي غالبا، فلما جاز الاستخلاف في الحدث لعلة العجز جاز في الحصر أيضا لوجود تلك العلة.
م: (والعجز عن القراءة غير نادر) ش: هذا جواب عن قولهما: إنه يندر وجوده م: (ولو قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة لا يجوز بالإجماع) ش: أي لا يجوز الاستخلاف بالإجماع م: (لعدم الحاجة إلى الاستخلاف) ش: لوجود قراءة ما يجوز به الصلاة، وهي آية قصيرة عنده، فإذا لم يجز له الاستخلاف يركع ويمضي في صلاته، وقال في " المحيط ": ولو استخلف تفسد صلاته.
م: (وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم؛ لأن التسليم واجب فلا بد من التوضؤ ليأتي به) ش:
стр. 1045
وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته؛ لأنه يتعذر البناء لوجود القاطع، لكن لا إعادة عليه؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان،
فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته، وقد مر من قبل، وإن رآه بعدما قعد قدر التشهد، أو كان ماسحا فانقضت مدة مسحه،
ــ
[البناية]
أي بالتسليم الذي هو واجب، وعند الشافعي: التسليم فرض وقد مر بيانه م: (وإن تعمد الحدث في هذه الحالة) ش: يعني بعد التشهد م: (أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة فقد تمت صلاته لأنه يتعذر البناء لوجود القاطع) ش: وهو تعمد الحدث أو الكلام أو عمل ما ينافي الصلاة.
م: (لكن لا إعادة عليه) ش: أي إعادة صلاته م: (لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان) ش: وفساد ما بقي لا يؤثر في فساد ما مضى، وعند الشافعي ومالك وأحمد: فسدت صلاته؛ لأن السلام من الأركان أو الفرائض عندهم
[رؤية المتيمم للماء أثناء الصلاة]
م: (فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته) ش: لأنه قدر على الأصل حال قيام الخلف قبل تمام الحكم بالخلف.
فإن قلت: يشكل هذا بالمتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ما كان له أن يتوضأ ويبني على صلاته، فلم تبطل صلاته هناك برؤية الماء.
قلت: التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثا بالحدث السابق؛ إذ الإصابة ليست بحدث، وهاهنا ينتقض التيمم عند إصابة الماء لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم لا بصفة الاستناد.
م: (وقد مر من قبل) ش: أي في باب التيمم وهو قوله: وينقض رؤية الماء إذا قدر على استعماله م: (فإن رآه) ش: أي فإن رأى المتيمم الماء م: (بعدما قعد قدر التشهد) ش: هذه اثنتا عشرة مسألة تسمى باثني عشرية؛ لأنها بذلك العدد في الروايات المشهورة، قيل: هي أنها من حيث العربية لأنه لا تجوز النسبة إلى اثني عشر ولا إلى غيره من العدد المركب [إلا] إذا كان علما فحينئذ ينسب إلى صدره فيقال: خمسي في خمسة عشر كما يقال: تأبطي في تأبط شرا أو بعلي في بعلبك.
قلت: إنما لم ينسب إلى خمسة عشر عددا؛ لأن الجزأين حينئذ مقصودان، فلو حذف أحدهما اختل المعنى، ولو لم يحدث استثقل. وأما إذا كان علما فالاسمان بكمالها علم لا دلالة لعشرة ولا لخمسة، فكان الثاني كتاء التأنيث، ولم يكن في الحذف إخلال، ولكن لقائل أن يقول: يجعل اثني عشر هاهنا في حكم المفرد فينسب إليها بكمالهما على أن الذي قيل: إنما هو في المركب الإسنادي والمزجي كما عرف في موضعه، وقد أشار المصنف إلى المسألة الأولى من هذه المسائل الاثني عشرية بقوله، فإن رأى المتيمم الماء بعدما قعد قدر التشهد.
وأشار إلى الثانية بقوله م: (أو كان ماسحا) ش: أي على خفيه م: (فانقضت مدة مسحه) ش:
стр. 1046
أو خلع خفيه بعمل يسير، أو كان أميا فتعلم سورة، أو عريانا فوجد ثوبا، أو مومئا، فقدر على الركوع والسجود، أو تذكر فائتة عليه قبل هذه، أو أحدث الإمام القارئ، فاستخلف أميا، أو طلعت الشمس في الفجر،
ــ
[البناية]
بعدما قعد قدر التشهد، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها في حق المسافر.
وأشار إلى الثالثة بقوله م: (أو خلع خفيه بعمل يسير) ش: أي خلع أحد خفيه وقيد باليسير؛ لأن العمل الكثير يخرج عن الصلاة فيتم صلاته حينئذ بالاتفاق، وقال في " المبسوط ": وتأويله إذا كان واسعا لا يحتاج إلى معالجة.
وأشار إلى الرابعة بقوله: م: (أو كان أميا فتعلم سورة) ش: قال في " الينابيع ": يريد به إذا كان يصلي وحده، أما لو كان خلفه الإمام قيل: هي على الاختلاف، وقيل: يجوز صلاته بالاتفاق. قال أبو الليث: وبه نأخذ، وفي " المبسوط ": ذكر أبو يوسف في " الإملاء " عن أبي حنيفة أنه كان يقول: الأمي إذا تعلم سورة في خلال صلاته يقرأ ويبني كالقاعد إذا قدر على القيام، ثم رجع عن ذلك لأن صلاته ضرورية كالمومئ. وفي " المبسوط ": فتعلم سورة أي تذكرها بعد النسيان أما إذا تلقنها ابتداء فذلك صنع منه فيخرج به عنها ذكره الحلواني، وقيل: سمعها بلا اختيار وحفظها بلا صنع.
وأشار إلى الخامسة بقوله: (أو عريانا) ش: أي أو كان المصلي عريانا م: فوجد ثوبا) ش: ساترا عورته. وأشار إلى السادسة بقوله: م: (أو مومئا) ش: أي: أو كان يصلي حال كونه مومئا م: فقدر على الركوع والسجود) ش: وأشار إلى السابعة بقوله: م: (أو تذكر فائتة عليه قبل هذا) ش: أي أو كان المصلي تذكر أن عليه فائتة قبل هذا الذي يصليه، قيل: معناه قبل سقوط الترتيب وفي الوقت سعة.
وأشار إلى الثامنة بقوله: (أو أحدث الإمام فاستخلف أميا) ش: أي لو أحدث المصلي العاري بعدما قعد قدر التشهد فاستخلف رجلا أميا، وفساد صلاته باستخلاف الأمي في هذه الحالة عند أبي حنيفة على اختيار المصنف ومن وافقه. وأما على اختلاف فخر الإسلام فلا فساد بالاستخلاف بعد التشهد بالإجماع، وذكر في " كشف الغوامض ": أنه لا يفسد صلاته عند أبي حنيفة لأن هذا الفعل ليس من أفعال الصلاة فيخرج به من الصلاة كما لو تكلم أو خرج من المسجد. وفي " المبسوط ": والاستخلاف وإن كان بصنعه لكنه غير مفسد كاستخلاف العاري.
وأشار إلى التاسعة بقوله: م: (أو طلعت الشمس في الفجر) ش: أي أو طلعت الشمس بعد أن قعد قدر التشهد في صلاة الفجر. وفي " المبسوط ": إن قيل طلوع الشمس مبطل لا مغير فلم كانت على الخلاف، قلنا: بل هو مغير من الفرض إلى النفل ولا يخرج به من التحريمة.
стр. 1047
أو دخل وقت العصر وهو في الجمعة، أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن برء، أو كان صاحب عذر فانقطع عذره كالمستحاضة ومن بمعناها،
ــ
[البناية]
وأشار إلى العاشرة بقوله: م: (أو دخل وقت العصر وهو في الجمعة) ش: قال في " الينابيع ": هذا لا يتصور إلا على رواية الحسن عن أبي حنيفة إن أخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله قولهما حتى يتحقق الخلاف. وفي " المنافع ": هذا على اختلاف القولين عندهما إذا صار ظل كل شيء مثله، وعنده إذا صار ظل كل شيء مثليه، وقيل: تخصيص الجمعة اتفاقي لأن الحكم في الظهر لذلك.
وأشار إلى الحادية عشرة بقوله م: (أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن برء) ش: أي كان المصلي ماسحا على الجبيرة وهي العيدان التي يشد بها [على] الجرح ويجبر بها العظام.
وأشار إلى الثانية عشرة بقوله: م: أو كان صاحب عذر فانقطع عذره) ش: بعدما قعد قدر التشهد، وفسر صاحب العذر بقوله م: (كالمستحاضة ومن بمعناها) ش: نحو من به سلس البول وانطلاق البطن وانفلات الريح والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرجى برؤه وانقطاع دم الاستحاضة ولا بد من استيعاب وقت كامل، فلو انقطع الدم بعد التشهد فلو سال الدم في وقت صلاة أخرى فالصلاة الأولى جائز، وإن لم يسل فالصلاة الأولى عند أبي حنيفة باطلة؛ لأنه يتحقق بعد التشهد، وأنه كالانقطاع في وسط الصلاة وعندهما جائزة؛ لأنه كالانقطاع بعد تمام الصلاة.
واعلم أنه قد يزيد على هذه المسائل الاثنتي عشرة مسائل أخرى:
الأولى: إذا صلى بالثوب وفيه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ثم وجد من الماء ما يغسل به النجاسة في هذه الحالة.
الثانية: أنه كان يقضي صلاة الفجر وقد فاتته فدخل عليه وقت الزوال في هذه الحالة.
الثالثة: أنه كان يقضي صلاة الظهر في وقت العصر فغربت الشمس في هذه الحالة.
الرابعة: الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس فعتقت في هذه الحالة إن سترت رأسها من ساعتها لا تفسد صلاته، وإن لم تستر فصلاتها فسدت عنده ذكرها الأسبيجابي.
الخامسة: لو سلم ثم تذكر أن عليه سجدتي السهو فعاد إليهما فلما سجد سجدة تعلم سورة تفسد صلاته عنده؛ لأنه عاد إلى حرمة الصلاة فصار كما لو تعلم قبل السلام، بعدما قعد قدر التشهد ذكرها في " الذخيرة "، ولو سلم ثم تذكر أن عليه سجدة تلاوة أو قراءة تشهد، قال في " الذخيرة ": لم يذكر هذا في الكتاب، قال: ويجب أن يكون من الاثني عشرية؛ لأنه سلام ساه فيجعل كالعدم، أما لو سلم ثم تذكر سجدة صلاتية فإن صلاته تفسد عندهم جميعا لأنه تعلم
стр. 1048
بطلت الصلاة في قول أبي حنيفة ﵀، وقالا: تمت صلاته، وقيل: الأصل فيه أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة ﵀
وليس بفرض عندهما، فاعتراض هذه العوارض عنده في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة، وعندهما كاعتراضها بعد التسليم، لهما ما رويناه من حديث ابن مسعود ﵁ وله أنه لا يمكنه أداء صلاة الأخرى إلا بالخروج من هذه وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا،
ــ
[البناية]
سورة وعليه ركن من أركان الصلاة.
م: (بطلت الصلاة في قول أبي حنيفة ﵁ خلافا لهما) ش: هذا جواب قوله: فإن رآه بعدما قعد قدر التشهد وما بعده من المسائل وهي الاثنتا عشرة مسألة.
م: (وقيل) ش: قائله أبو سعيد البردعي ﵀ فإن قال: م: (الأصل فيه) ش: أي في المذكور من المسائل وهي اثنتا عشرة مسألة م: (أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة ﵀) ش: بدليل أنه ممنوع من البقاء على صلاته بعد التشهد حتى يدخل وقت صلاة أخرى، ولو لم يبق عليه فرض لم يمنع من البقاء كما بعد السلام، وإذا ثبت هذا فقد حدثت هذه المعاني وهي مفسدة للصلاة مع بقاء فرض من فروض الصلاة عليه فصار كما لو حدثت وسط الصلاة.
م: (وليس بفرض عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد، فإذا كان فرضا عند أبي حنيفة م: (فاعتراض هذه العوارض) ش: وهي العوارض التي ذكرها في هذه المسائل الاثنتي عشرة م: (في هذه الحالة) ش: أي الحالة التي كانت بعدما قعد قدر التشهد م: (عنده) ش: أي عند أبي حنيفة م: (كاعتراضها) ش: أي كاعتراض هذه العوارض م: (في خلال الصلاة) ش: أي في أثنائها، واعتراضها في أثنائها يبطل بالاتفاق فكذا في هذه الحالة.
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد م: (كاعتراضها بعد التسليم) ش: فاعتراضها بعده لا يبطل بالاتفاق م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (ما رويناه من حديث ابن مسعود ﵁) ش: وهو قوله ﵇: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك» وقد تقدم هذا في أول باب صفة الصلاة وفيه أيضا عند قوله: وتشهد وهو واجب عندنا.. إلى آخره، وجه استدلالهما به هو أنه ﵇ علق تمام الصلاة بأحد الأمرين، فمن علق بثالث فقد خالف النص.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه) ش: أي أن المصلي م: (لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج عن هذه) ش: أي عن هذه الصلاة التي هو فيها م: (وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا) ش: كلمة ما مبتدأ، وخبره قوله: يكون فرضا، وصورة هذا التوسل أنه إذا تحرم للظهر
стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
مثلا فلم يخرج منها حتى دخل وقت العصر لزمه أداء العصر مثلا ولا عليه أداؤها إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عن تحريمة الظهر سببا يتوصل به إلى أداء العصر وأداء العصر فرض، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا كالانتقال من ركن إلى ركن، في باب الصلاة عد من الأركان، وإن لم يكن ركنا في نفسه كذا هذا؛ لأنه لم يبق الأولى على الصحة لا يمكنه أداء الثانية لأن الترتيب عندنا فرض، ولا يخرج عن الأولى على وجه يبقى صحيحا إلا بصنع يوجد منه فكان فرضا، وهذه النكتة منقولة عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي ﵀.
١ -
فإن قلت: تشكل عليه مسألة المحاذاة، فإن المرأة لو حاذت رجلا في هذه الحالة تمت صلاته بالاتفاق ولا صنع منه.
قلت: المحاذاة من باب المفاعلة فلا يتحقق إلا من فاعلين وكان منه صنع، أدناه اللبث في مكانه.
فإن قلت: يشكل ما لو تعلم سورة بلا اختيار.
قلت: إنه لا صنع فيه.
فإن قلت: هذا جواب غير قوي.
قلت: لا نسلم لأنه لم يوجد منه الصنع ابتداء وكون تعلمه صنعا منه لا يضرنا.
فإن قلت: على ما قررتم يكون الخروج من الصلاة بصنعه فرضا لغيره كالسعي إلى الجمعة، فيجب إن تم صلاته في الصور المذكورة لحصول المقصود من الصنع، وهو الخروج من الأولى كما لو دخل الجامع يوم الجمعة قبل دخول الوقت.
قلت: الخروج عن الأولى يجب أن يكون على وجه تبقى صحيحة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] [محمد: الآية ٣٣] ، ولأن الترتيب فرض ولم يبق لهذا الخروج صحيحة.
فإن قلت: إنما لم يبق صحيحة لأن الخروج لم يكن بصنع المصلي، وكان بقاؤها صحيحة موقوفا على الخروج على بقائها صحيحة فهذا دور.
قلت: الخروج بصنعه موقوف على ما اعتبره الشرع رافعا للتحريمة، ويلزم منه بقاؤها صحيحة.
ثم اعلم أن العامة على قول أبي سعيد البردعي، والمختار عند المصنف قول الكرخي، وفي كلامه إشارة إلى ذلك، ويشير قول الكرخي إلى أن الخروج بصنع المصلي ليس بفرض بالاتفاق،
стр. 1050
ومعنى قوله: " تمت " قاربت التمام، الاستخلاف ليس بمفسد، حتى يجوز في حق القارئ، وإنما الفساد ضرورة حكم شرعي، وهو عدم صلاحية الإمامة
ــ
[البناية]
وإنما عند أبي حنيفة أن هذه الأشياء مغيرة للصلاة ووجود المغير بعد التشهد كوجوده قبله لما أنه في حرمة الصلاة، ولهذا إذا نوى المسافر في هذه الحالة الإقامة أتم، والمعني بالمغير ما يجب الصلاة بعد وجوده على غير الصغير الواجبة هي عليها قبله، فإن الصلاة تجب بعد رؤية الماء وانقضاء مدة المسح، ووجدان الثوب، وتعلم السورة بالوضوء والغسل واللبس والقراءة بعد أن كانت واجبة بطهارة [التيمم والمسح والعري وعدم القراءة، وقيل: المعني به كون الصلاة جائزة] بالاجتماع به وبضده، فإنها تصح بالتيمم والمسح والإيماء وأضدادها.
م: (ومعنى قوله) ش: أي قول النبي ﵇ م: (تمت) ش: أي قاربت التمام، هذا جواب عن تمسكهما، وتقديره: أن معنى قوله ﵇ (تمت) في قوله: إذا قلت هذا، أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، يعني: قاربت التمام كما في قوله ﵇: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» أي قاربت التمام بالاتفاق لبقاء فرض بعده وهو طواف الزيارة بالاتفاق. وقال ﵇: «لقنوا موتاكم» ... " الحديث أي الذي شارف الموت.
فإن قلت: من أي باب هذا؟
قلت: من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كما في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] [يوسف: الآية ٣٦] ، أي: عنبا، وإنما حملنا عليه توفيقا بين ما قلنا من الدليل العقلي وبينه، ولأن العقل حجة من حجج الله تعالى كالنقل.
م: (والاستخلاف ليس بمفسد) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر يرد على قوله: أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميا تقديره أن يقال: ينبغي أن لا تفسد الصلاة عند أبي حنيفة باستخلاف الأمي بعد قدر التشهد؛ لأن الاستخلاف عمل كثير مفسد للصلاة، وهو صنع منه فيخرج عن الصلاة باستخلافه، وتقدير الجواب: أن الاستخلاف نفسه ليس بمفسد بدليل أنه لو استخلف القارئ في صلاته لم يضره وهو معنى قوله م: (حتى يجوز في حق القارئ) ش: حتى يجوز الاستخلاف في حق المصلي القارئ، فعلم أن نفس الاستخلاف ليس بمفسد.
م: (وإنما الفساد ضرورة حكم شرعي) ش: يعني أن الفساد ليس لنفس الاستخلاف بل لأمر آخر وهو ضرورة حكم شرعي.
م: (وهو عدم صلاحية الإمامة) ش: يعني عدم شرعية الأمي لإمامة القارئ، وقال التمرتاشي والهندواني والإمام الكاساني: يجوز صلاته بالاتفاق لوجود الصنع المفسد وهو استخلاف من لا يصلح استخلافه. وقال الأترازي: في قوله الاستخلاف ليس بمفسد نظر عندي؛ لأنا نقول: لا نسلم أن الاستخلاف ليس بمفسد، وقد صرح صاحب " الهداية " نفسه فيمن ظن أنه أحدث
стр. 1051
ومن اقتدى بإمام بعدما صلى ركعة فأحدث الإمام فقدمه أجزأه؛ لوجود المشاركة في التحريمة والأولى للإمام أن يقدم مدركا لأنه أقدر على إتمام صلاته، وينبغي لهذا المسبوق أن لا يتقدم لعجزه عن التسليم، فلو تقدم يبتدئ من حيث انتهى إليه الإمام لقيامه مقامه، وإذا انتهى إلى السلام
ــ
[البناية]
فاستخلف حيث قال: وإن كان استخلف فسد لأنه عمل كثير، فلو لم يكن الاستخلاف مفسدا لم تفسد الصلاة في تلك المسألة لأنه استخلف القارئ لا الأمي.
قلت: في كلامه وقد ذهل عنها الأترازي: وهو أن مسألة الاستخلاف على الخلاف، فكان ذكره هناك اختيار ما ذكر في " المبسوط "، وهو أن الصورة في الاستخلاف صنع منه وهو عمل كثير من غير عذر وهاهنا فرض المسألة فيما إذا كان يعذر، ولا يلزم من كونه مفسدا إذا لم يكن عذر كونه مفسدا عند العذر.
م: (ومن اقتدى بالإمام بعدما صلى ركعة) ش: أي بعدما صلى الإمام من صلاته ركعة، وهذا المقتدي مسبوق بالركعة م: (فأحدث الإمام فقدمه) ش: أي فقدم هذا المقتدي الذي هو مسبوق بركعة م: (أجزأه) ش: أي أجزأ الإمام تقديمه م: (لوجود المشاركة في التحريمة) ش: يعني أن صحة الاستخلاف بالمشاركة وهي حاصلة في المسبوق فيصح استخلافه.
فإن قلت: ينبغي أن لا يجوز استخلاف المسبوق؛ لأن الاستخلاف عمل كثير يثبت على خلاف القياس في حق المدرك، والمسبوق ليس في معناه فلا يلحق به. قلت: لا نسلم أن الاستخلاف كان في المدرك.
م: (والأولى للإمام أن يقدم مدركا لأنه أقدر على إتمام صلاته) ش: أي لأن المدرك أقدر من المسبوق فكان أولى لأن المسبوق إذا أتم صلاة الإمام يقدم مدركا آخر للسلام لعجزه عن السلام، أما المدرك فيسلم إذا أتم صلاة الإمام بدون استخلاف آخر، فيثبت أنه أقدر من المسبوق.
م: (وينبغي لهذا المسبوق أن لا يتقدم لعجزه عن التسليم) ش: لأن عليه بقية صلاته فلا يقدر على التسليم حتى يكمل ما عليه، وإن قيل يتقدم جاز فيستخلف مدركا عند تمام صلاة إمامه ليسلم بهم وليسجد لسهوه إن كان عليه سهو، فإن جاء الأول وقد سبقه الثاني ينقل بقضاء ما سبقه ثم يتابعه لأنه لاحق، وإن لم يفعل جاز، قال في " المبسوط " لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط عندنا خلافا لزفر، ومثله في الأسبيجابي. قلت: ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: المسبوق يصلي أولا مع الإمام آخر صلاته فإذا قام يقضي أول صلاته فقد قدم آخرها على أولها في الفعل.
م: (فلو تقدم) ش: أي المسبوق م: (يبتدئ من حيث انتهى إليه الإمام لقيامه مقامه) ش: أي لقيام المسبوق مقام الإمام وهو بفتح الميم م: (وإذا انتهى إلى السلام) ش: أي إذا انتهى إلى آخر صلاة الإمام
стр. 1052
يقدم مدركا يسلم بهم، فلو أنه حين أتم صلاة الإمام قهقه أو أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته وصلاة القوم تامة؛ لأن المفسد في حقه وجد في خلال الصلاة وفي حقهم بعد تمام أركانها والإمام الأول إن كان فرغ لا تفسد صلاته وإن لم يفرغ تفسد وهو الأصح، فإن لم يحدث الإمام الأول وقعد قدر التشهد ثم قهقه أو أحدث متعمدا فسدت صلاة الذي لم يدرك أول صلاته عند أبي حنيفة. وقالا: لا تفسد، وإن تكلم أو خرج من المسجد لم تفسد في قولهم جميعا، لهما أن صلاة المقتدي بناء على صلاة الإمام جوازا وفسادا ولم تفسد صلاة الإمام، فكذا صلاته وصار كالسلام والكلام، وله أن القهقهة مفسدة للجزء الذي يلاقيه من
ــ
[البناية]
الذي محله التسليم م: (يقدم مدركا يسلم بهم) ش: أي بالقوم م: (فلو أنه) ش: أي المسبوق م: (حين أتم صلاة الإمام قهقه أو أحدث متعمدا) ش: أي قصدا م: (أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته) ش: أي صلاة المسبوق م: (وصلاة القوم تامة؛ لأن المفسد وجد في خلال الصلاة) ش: في حق المسبوق م: (وفي حقهم) ش: أي وفي حق القوم م: (وجد بعد تمام أركانها) ش: فلا تفسد صلاتهم؛ لأن هذه الأشياء لو وجدت [في هذه الحالة من القوم أنفسهم كانت لا تفسد صلاتهم فلأن لا تفسد إذا وجدت] من إمامهم أولى وأحرى.
م: (والإمام الأول) ش: وهو الذي قدم المسبوق م: (إن كان قد فرغ لا تفسد صلاته) ش: لأنه كواحد من القوم م: (وإن لم يفرغ تفسد صلاته) ش: لوقوع المنافي للصلاة في وسطها م: (وهو الأصح) ش: أي فساد صلاته هو الأصح لما ذكرنا، واحترز به عن رواية أبي حفص أن صلاته أيضا تامة لأنه يدرك أول الصلاة فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد.
م: (فإن لم يحدث الإمام الأول وقعد قدر التشهد) ش: قبل القعود بقدر التشهد لأنه إذا وجدت القهقهة أو الحدث العمد قبله تفسد صلاة الجميع اتفاقا.
م: (ثم قهقه أو أحدث متعمدا فسدت صلاة الذي لم يدرك أول صلاته) ش: وهو المسبوق م: (عند أبي حنيفة) ش: ولا تفسد صلاة المدرك اتفاقا وفي صلاة اللاحق، روايتان.
م: (وقالا: لا تفسد) ش: أي صلاة الذي لم يدرك م: (وإن تكلم) ش: الإمام الأول م: (أو خرج من المسجد لم تفسد في قولهم جميعا) ش: أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن صلاة المقتدي بناء على صلاة الإمام جوازا وفسادا) ش: أي من حيث الجواز والفساد م: (ولم تفسد صلاة الإمام) ش: أي والحال أنه لم تفسد صلاة الإمام م: (فكذا صلاته) ش: أي صلاة المقتدي أيضا لا تفسد؛ لأن صلاته مبنية على صلاة الإمام م: (فصار كالسلام والكلام) ش: أي صار حكم هذا، كحكم السلام والكلام بعدما قعد قدر التشهد.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵁ م: (أن القهقهة مفسدة للجزء الذي تلاقيه من
стр. 1053
صلاة الإمام فيفسد مثله من صلاة المقتدي غير أن الإمام لا يحتاج إلى البناء والمسبوق محتاج إليه، والبناء على الفاسد فاسد بخلاف السلام؛ لأنه منه والكلام في معناه، وينتقض وضوء الإمام لوجود القهقهة في حرمة الصلاة.
ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى ولا يعتد بالتي أحدث فيها؛ لأن إتمام
ــ
[البناية]
صلاة الإمام) ش: لأنها تبطل الطهارة، وهي شرط للصلاة م: (فتفسد) ش: بضم التاء أي فتفسد القهقهة م: (مثله) ش: أي مثل ذلك الجزء م: (من صلاة المقتدي) ش: لابتنائها عليها م: (غير أن الإمام لا يحتاج إلى البناء) ش: هذه إشارة إلى بيان الفرق [الذي] بين صلاة الإمام وصلاة المسبوق، مع أن القهقهة لاقت بجزء من صلاة كل واحد منهما، ومع هذا لا تفسد صلاة الإمام وتفسد [صلاة] المسبوق وذلك لأن القهقهة وجدت في حق الإمام بعد انتهاء الأركان، فجعلت عفوا فلا يحتاج إلى البناء م: (والمسبوق محتاج إليه) ش: أي إلى البناء لأنها وجدت في خلال صلاته، فتفسد ذلك الجزء الذي لاقته ففسدت صلاته أصلا لعدم قدرته على البناء.
م: (والبناء على الفاسد فاسد) ش: كان هذا جواب عما يقال: لم لا يبني المسبوق أيضا؟ فقال: كيف يبني على الفاسد وهو الجزء الذي لاقته القهقهة في خلال صلاته؟ والبناء على الفاسد فاسد م: (بخلاف السلام) ش: لأنه لا يبطل شيئا من أجزاء الصلاة على الإمام لأنه لا يبطل بشرط الأداء وهو الطهارة م: (لأنه منه) ش: أي لأن السلام سنة للصلاة وهو من الإنهاء ومعناه متمم للصلاة ومحلل إذا وجد في أوان التحليل، ولهذا لا ينتقض به الطهارة، وفي " المجتبى " المراد من النهي ما يكون مستحقا بالتحريمة، إما بصفة الاتصال كالسلام أو الانفصال كالخروج.
وفي " مبسوط شيخ الإسلام ": السلام منه لا يفسد لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منه، وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه فيكون منهيا لا مفسدا م: (والكلام في معناه) ش: أي في معنى السلام لأنه إنما جعل منهيا باعتبار أنه كلام لا باعتبار أنه ثناء فعلم أنه معناه، ولهذا لو قالوا: لو حلف لا يكلم فلانا فسلم يحنث.
م: (وينتقض وضوء الإمام لوجود القهقهة في حرمة الصلاة) ش: وعند زفر لا ينتقض وهو القياس؛ لأنها إنما تنقض الوضوء إذا فسدت الصلاة، وهاهنا لم تفسد صلاة الإمام فلا ينقض وضوءه. وجه الاستحسان أنها أفسدت الجزء الملاقي لها من الصلاة لوقوعها في حرمة الصلاة فانتقض الوضوء أيضا بناء على فساد ذلك الجزء؛ لأنها لم تؤثر في فساد باقي الصلاة لانتهاء الأركان.
[حكم من أحدث في ركوعه أو سجوده]
م: (ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى على صلاته ولا يعتد بالتي أحدث فيها) ش: أي الركعة التي أحدث فيها أو بالسجدة ولا يعتد من الاعتداد أي لا يعتبر، وفي بعض النسخ ويعيد بالتي أحدث فيها، من الإعادة والمعنى قريب لأن عدم الاعتداد يستلزم الإعادة م: (لأن إتمام
стр. 1054
الركن بالانتقال ومع الحدث لا يتحقق فلا بد من الإعادة
ولو كان إماما فقدم غيره دام المقدم على الركوع؛ لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة، ولو تذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة فانحط من ركوعه لها أو رفع رأسه من سجوده فسجدها يعيد الركوع والسجود، وهذا بيان الأولى لتقع أفعال الصلاة مرتبة بالقدر الممكن وإن لم يعد
ــ
[البناية]
الركن بالانتقال) ش: تمام السجدة بالرفع عند محمد ولم يوجد، وعند أبي يوسف وإن تمت بالوضع لكن الجلسة بين السجدتين فرض عنده م: (ومع الحدث لا يتحقق) ش: أي الانتقال لا يتحقق بغير طهارة والانتقال من ركن إلى ركن فرض بالإجماع فلا يعتد بركوعه وسجوده بعد تحقق الانتقال بالطهارة م: (فلا بد من الإعادة) ش: أي من إعادة الركوع الذي أحدث فيه والسجود الذي أحدث فيه.
م: (ولو كان إماما) ش: أي ولو كان الذي أحدث في ركوعه أو سجوده إماما م: (فقدم غيره دام المقدم) ش: بفتح الدال م: (على الركوع) ش: يعني يكون المقدم على هيئته م: (لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة) ش: أي بالثبات في حاله ولا يحتاج إلى رفع رأسه، ثم إنشاء الركوع لأن للدوام حكم الابتداء في الفعل الممتد، وللركوع وللسجود امتداد فلما دام المقدم صار كأنه ركع، أصله حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه ولا يركب دابة وهو راكبها يحنث بالاستدامة لوجود اللبس أو الركوب بالاستدامة.
فإن قلت: لو قال لامرأته: إن جامعتك فأنت طالق فجامع ولبث في الجماع لا تثبت الرجعة عند محمد، فعلم أنه ليس للدوام حكم الابتداء. قلت: عدم ثبوت الرجعة عنده للاحتياط، ولأن الجماع هو الإيلاج والإخراج وهما ليسا بممتدين فلا تثبت الرجعة بالشك.
م: (ولو ذكر) ش: أي المصلي م: (وهو راكع أو ساجد) ش: أي والحال أنه ذكر في الركوع والسجود م: أن عليه سجدة) ش: هو مفعول ذكر، يعني: في حالة الركوع أنه ترك سجدة صلاتية أو تلاوة أو ذكر في حالة السجود أنه ترك سجدة م: (فانحط من ركوعه لأجل السجدة التي ذكرها أو رفع رأسه من سجوده فسجدها) ش: أي السجدة [ويعيد السجدة] التي ذكرها. م: (يعيد الركوع والسجود) ش: يعني يعيد الركوع الذي ذكر فيه السجدة ويعيد السجود الذي ذكر فيه السجدة، وهذا بيان الأولى، يعني إعادة الركوع والسجود الذي ذكر فيهما أن عليه سجدة أولى، لأن مراعاة الترتيب ليست بركن م: (لتقع الأفعال مرتبة بالقدر الممكن) ش: لأن مراعاة الترتيب فيما شرع من الأفعال مكررا واجبة لا فرضا لما ذكرنا، والقدر الممكن إعادة الركوع والسجود لتحقق الترتيب على اعتبار أن لا يكون الأول محسوبا، ويجوز أن يكون المراد تقريب الركوع والسجود إلى محله بقدر الإمكان.
م: (وإن لم يعد) ش: أي الركوع الذي ذكر فيه أن عليه سجدة، أو السجود الذي ذكر فيه
стр. 1055
أجزأه؛ لأن الانتقال مع الطهارة شرط وقد وجد. وعن أبي يوسف أنه يلزمه إعادة الركوع؛ لأن القومة فرض عنده.
قال: ومن أم رجلا واحدا فأحدث وخرج من المسجد فالمأموم إمام نوى أو لم ينو لما فيه من صيانة صلاته وتعيين الأول لقطع المزاحمة ولا مزاحمة ههنا،
ــ
[البناية]
كذلك م: (أجزأه) ش: لأن ذكر السجود لا يناقض الركوع ولا ينافيه، فصح الاعتداد به فلا يعيد م: (لأن الانتقال مع الطهارة شرط وقد وجد) ش: هذا إشارة إلى بيان الفرق بين هذا وبين ما تقدم وهو من وجهين: أحدهما أن تذكر السجود في الركوع لا ينقض الركوع م: (لأن الاعتداد والترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط) ش: وإن لم ينقض لا يلزمه الإعادة.
والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال والطهارة فيه شرط وقد وجدت، وعند زفر عليه إعادة القيام والركوع الأول؛ لأن من أصوله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة فيبطل ما أدى.
م: (وعن أبي يوسف أنه يلزمه إعادة الركوع لأن القومة فرض عنده) ش: فحيث انحط من الركوع ولم يرفع رأسه فقد ترك الفرض فعليه الإعادة.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا عاد إلى السجد الأصلية بعدما قعد قدر التشهد، فإنه ترتفض القعدة وكذا لو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ القرآن، فعاد إلى قراءة القرآن ارتفض الركوع.
قلت: إنما لم يرتفض القعدة بالإتيان بالسجدة لأنه ﵇ علق تمام الصلاة بالقعدة في قوله إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فلو قلنا: يجوز تأخير غيرها عنها كان تمام الصلاة بذلك الغير وهو خلاف النص وكذلك لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود؛ لأن القيام وسيلة إلى الركوع والركوع وسيلة إلى السجود، حتى إن من لم يقدر على الركوع والسجود لا يجب عليه القيام والوسائل متقدمة على المقاصد، والقراءة رتبة القيام فكانت تابعة له.
[حكم من أم رجلا واحدا فأحدث]
م: (ومن أم رجلا واحدا فأحدث) ش: أي الإمام م: (وخرج من المسجد فالمأموم إمام) ش: لتعينه بخلاف ما إذا كان أكثر من واحد حيث يحتاج إلى الاستخلاف لقطع المزاحمة. م: (نوى أو لم ينو) ش: الضمير في نوى، يحتمل أن يكون للإمام يعني نوى الإمام استخلافه أولى لتعينه، كما لو قال لعبديه: أحدكما حر، ثم مات أحدهما قبل البيان يتعين الحي للحرية لتعينه فكذا هذا، ويتحمل أن يكون للمقتدي يعني نوى هو الإمامة أولا لتعينه للاستخلاف لصلاحية الإمامة له. م: (لما فيه) ش: أي لما في كون المأموم إماما م: (من صيانة صلاته) ش: أي صلاة المقتدي الذي صار إماما لأنه لو لم يتعين المقتدي إماما لخلا موضع الإمامة عن الإمام وبهذا المعنى يوجب فساد صلاة المقتدي. م: (وتعيين الأول لقطع المزاحمة) ش: هذا جواب عما يقال: إن التعيين لا
следующие страницы →