← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الأكمل حيث نسب هذا الأثر إلى النبي ﷺ وهو في الديار التي أكثرها علماء الحديث، وجل طلابها المحدثون، ثم قال: وليس المراد بالمنافق المصطلح عليه وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، وإلا لكانت الجماعة فريضة؛ لأن المنافق كافر، ولا يثبت الكفر بترك غير الفريضة، وكان آخر الكلام منافقا لا أوله، فيكون المراد به العاصي. قلت: قوله منافق خرج مخرج المبالغة في التهديد، وشدة الوعيد، وهذا كما روي عن ابن عباس ﵁ أن رجلا سأله عمن يقوم الليل، ويصوم بالنهار، ولا يحضر الجماعة، قال: هو في النار، وليس مراده أنه في النار لأجل كفره، وإنما مراده التخويف والتهديد، والمنافق [في] المصطلح الذي ذكره الأكمل إنما يسمى اليوم زنديقا، ولا يمكن أن يحمل لفظ المنافق في الأثر المذكور على هذا المعنى الذي يستحق بها النار من الأمور الثلاثة والأربعة وتارك الجماعة غير داخل فيها فلم يبق إلا المعنى الذي ذكرناه الآن. وقول الأكمل: لأن المنافق كافر، ليس على إطلاقه، والمنافق له معنيان كما ذكرنا، ولا يصح أن يكون المراد منه هاهنا أحد المعنيين على ما ذكرنا، وقوله: ولا يثبت الكفر بترك غير الفريضة، يشير إلى أن تارك الفريضة كافر وليس كذلك، وإنما يكفر بالجحد على ما لا يخفى. فإن قلت: الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلقت برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» ". يدل على أن الجماعة فرض كما ذهب إليه طائفة؛ لأن تارك السنة لا يحرق عليه بيته، ولو كانت سنة ما استحق تاركها هذا الوعيد الشديد. وحديث جابر: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . قلت: لا نسلم دلالة ذلك على ما قالوا؛ لأنه ﷺ قال: «يشهدون الصلاة» ولم يقل: لا يشهدون الجماعة. وفي رواية: «إلى قوم متخلفين عن الصلاة» ولم يقل يتخلفون عن الجماعة، والصلاة فرض وتاركها مستحق الوعيد على أنه جاء في رواية لمسلم عن ابن مسعود: «يتخلفون عن الجمعة» الحديث يفسر بعضه بعضا. فإن قلت: قال: البيهقي: والذي تدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة. قلت: قال النووي في " الخلاصة ": بل هما روايتان، رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة، وكلاهما صحيح، ولئن سلمنا ذلك فالحديث خبر واحد، فلا يزداد به على إطلاق الكتاب. وأما حديث جابر فالمراد به نفي الكمال والفضيلة كما في قوله ﷺ : «لا صلاة للعبد الآبق ولا

стр. 982

و أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، وعن أبي يوسف ﵀: أقرؤهم؛ لأن القراءة لا بد منها، والحاجة إلى العلم إذا نابت نائبة ونحن نقول: القراءة مفتقر إليها لركن واحد، والعلم سائر أركان الصلاة. ــ [البناية] للمرأة الناشزة» . فإن قلت: لو لم يكن فرضا لما هم بالإحراق. قلت: ترك الإحراق يدل على عدم الفرضية. فإن قلت: ما فائدة الهم إذا لم يكن فرضا؟ قلت: لقد هم بالاجتهاد ثم منع بالوحي أو بتغير الاجتهاد على المختار في جواز الاجتهاد له ﵇. فإن قلت: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] (البقرة: الآية ٤٣) ، يدل على أن الجماعة فرض؛ لأنه قيل: إن المراد به الجماعة. قلت: الخطاب لليهود فإنه لا ركوع في صلاتهم، وقيل: المراد بالركوع الخضوع، وفي الآية أقاويل فلا تثبت الفرضية. [أولى الناس بالإمامة] م: (وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة) ش: أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القرآن ما يجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك الشافعي. فإن قلت: في الحديث الذي يأتي الأقرأ مقدم وهاهنا على العكس. قلت: عن قريب يأتي وجه ذلك إن شاء الله تعالى. م: (وعن أبي يوسف أقرؤهم) ش: أي وروي عن أبي يوسف أن أقرأ للناس أولى بالإمامة؛ يعني أعلمهم بالقراءة، وكيفية أداء حروفها، وما يتعلق بالقراءة، وبه قال ابن سيرين وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. م: (لأن القراءة لا بد منها) ش: لأنها ركن في الصلاة يحتاج إليها لا محالة في الصلاة م: (والحاجة إلى العلم إذا نابت نائبة) ش: المعنى إنما يحتاج إلى العلم بالسنة. إذا وقعت واقعة من العوارض ليمكنه من صلاته، وربما لا يفرض فيكون الأقرأ أولى من العالم بالسنة. م: (ونحن نقول: القراءة مفتقر إليها في ركن واحد) ش: وهو القيام م: (والعلم) ش: يحتاج إليها لأجل م: (سائر أركان الصلاة) ش: جواب عما قال أبو يوسف ﵀ تقريره أن القراءة محتاج إليها في الصلاة في ركن واحد وهو القيام، والعلم محتاج إليه لأجل سائر أركان الصلاة، فكان العلم أولى. وفي " المجتبى ": الأعلم بالسنة أولى إذا كان يحذر الفواحش الظاهرة، وإن كان غيره أورع منه، وفي " الشفاء " عن أبي حفص: الأمي الذي يقرأ القليل أحب إلي من الفاسق

стр. 983

فإن تساووا فأقرؤهم؛ لقوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة» وأقرؤهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يتلقونه بأحكامه. ــ [البناية] القارئ. وفي " شرح الإرشاد ": لو كان عالما بمسائل الصلاة متبحرا فيها، غير متبحر في سائر العلوم، فإنه أولى من المتجر في سائر العلوم. م: (فإن تساووا) ش: في القراءة أو العلم م: (فأقرؤهم) ش: أي فأولاهم بالإمامة أقرؤهم م: (لقوله ﵇ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة) ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري واللفظ لمسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقرهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما، ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» . قال: الأصح في الرواية مَكَانَ "إسْلَامًا": "سِنًّا"، ورواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "مستدركه " إلا أن الحاكم قال عوض قوله: «فأعلمهم بالسنة» ، «فأفقههم فقها، فإن كانوا في الفقه سواء فأكثرهم سنا» ، وقد أخرج مسلم في "صحيحه " هذا الحديث، ولم يذكر فأفقههم فقها، وهي لفظة عزيزة غريبة بهذا الإسناد، وسنده عن يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود، فذكره، ثم أخرج الحاكم، عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل ابن رجاء به، قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الفقه سواء فأقرؤهم للقرآن، ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه» " وسكت عنه، والباقون من الأئمة يخالفونه في هذه المسألة، ويقولون: إن الأقرأ لكتاب الله مقدم على العالم كما هو لفظ الحديث، قال: إذا اجتمع من يحفظ القرآن وهو غير عالم وفقيه يحفظ يسيرا من القرآن، قدم حافظ القرآن عندهم، ونحن نقول: يقدم الفقيه. وأجاب المصنف عن الحديث بقوله: (وأقرؤهم كان أعلمهم) ش: يعني في زمان النبي ﵇ كان أعلم الصحابة أقرأهم م: (لأنهم كانوا يتلقونه) ش: أي القرآن م: (بأحكامه) ش: أي بأحكام القرآن. وفي " المبسوط " وغيره: إنما قدم الأقرأ في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك يتلقونه بأحكامه، حتى روي أن عمر ﵁ حفظ سورة البقرة في اثنتى عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام. وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﵇، إلا ونحن نعلم أمرها ونهيها، وزجرها، وحلالها وحرامها، والرجل اليوم يقرأ السورة، ولا يعرف من أحكامها شيئا.

стр. 984

فقدم في الحديث، ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم. فإن تساووا فأورعهم ــ [البناية] فإن قلت: لما كان أقرؤهم أعلمهم فما معنى قوله ﵇: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» ، وأقرؤهم هو أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا. قلت: المساواة في القرآن مع التفاوت في الأحكام، ألا ترى أن أبي بن كعب كان أقرأ وابن مسعود كان أفقه وأعلم، وفي " النهاية ": اشتغل بحفظ القرآن سنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد وأُبَي وابن مسعود ﵃ وعمر ﵁ كان أعلم وأفقه من عثمان، ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن فجرى كلامه ﵇ على الأعم الأغلب. م: (فقدم في الحديث) ش: هذا نتيجة قوله: وأقرؤهم كان أعلمهم أي فقدم الأقرأ في لفظ الحديث المذكور م: (ولا كذلك في زماننا) ش: أي وليس الأقرأ في زماننا أعلم؛ لأن الشخص ربما يكون أقرأ وليس له علم بالكتاب أصلا م: (فقدمنا الأعلم) ش: نتيجة النفي المذكور. فإن قلت: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، والحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول؛ لأن صيغته صيغة إخبار وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضا فإنه ذكره بالشرط والجزاء على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قلت: صيغة الإخبار لبيان المشروعية، لا أنه لا يجوز غيره؛ لقوله ﵇: «يمسح المقيم يوما وليلة» . ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع. فإن قلت: لو كان المراد من الإقراء قوله ﵇: «يؤم القوم أقرؤهم» هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأقرأ في الحديث، ويكون التقدير: يؤم القوم أعلمهم، فإن استووا فأعلمهم. قلت: المراد من قوله: أعلمهم بأحكام كتاب الله دون السنة، ومن قوله: أعلمهم بالسنة أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعا، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول. فإن قلت: يعارض حديث ابن مسعود المذكور قوله ﵇: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» إذا كان من هو أقرأ منه للقرآن مثل أبي وغيره وهو أولى. قلت: حديث ابن مسعود كان في أول الهجرة، وحديث أبي بكر كان في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبو بكر ﵁ أعلمهم وأفقههم في كل أمره، ألا ترى أن قول أبي سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا. واسم أبي مسعود هو عقبة بن عامر الأنصاري. م: (فإن تساووا فأورعهم) ش: فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهم بالإمامة أورعهم، في " البدرية " الورع الاجتناب عن الشبهات، والتقوى الاجتناب عن الحرم، وفي " الكافي ":

стр. 985

لقوله ﵊: «من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي» فإن تساووا فأسنهم؛ «لقوله ﵊ لابني أبي مليكة: "وليؤمكما أكبركما سنا» ؛ ولأن في تقديمه تكثير الجماعة. ــ [البناية] المتقي الذي لا يأكل الربا، والورع: الذي لا يدفع المال بدل الإجارة، والورع ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمام، وإنما فيه بعد ذكر الأعلم، أقدم هجرة، ولكن أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي معنا، ومكان الهجرة الورع؛ لأن الهجرة منقطعة في زماننا، وقد قال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، وإنما المهاجر من هجر السيئات» فجعلوا الهجرة عن المعاصي مكان تلك الهجرة، فإن هجرتهم لتعلم الأحكام وعند ذلك يزداد الورع. م: (لقوله ﷺ : «من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي» ش: هذا الحديث غريب ليس في كتب الحديث، لكن روى الطبراني ما في معناه من حديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم علماؤكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» . ورواه الحاكم في "مستدركه " في فضائل الأعمال عن يحيى بن يعلى به سندا ومتنا، إلا أنه قال: «فليؤمكم خياركم» وسكت عنه. وروى الدارقطني ثم البيهقي في "سننهما" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله تعالى» ، قال البيهقي: إسناده ضعيف، وقال ابن القطان: فيه الحسين بن نصر لا يعرف. م: (فإن تساووا فأسنهم) ش: أي فإن تساووا في القراءة والعلم والورع فأسنهم أولى بالإمامة م: «لقوله ﷺ لابني أبي مليكة وليؤمكما أكبركما سنا» ش: هذا الحديث قد تقدم في باب الأذان وهو من حديث مالك بن الحارث أخرجه الأئمة الستة، قال: «أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي فلما أردنا الانتقال من عنده قال لنا: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما» وأخرجه الجماعة مطولا ومختصرا. م: (ولأن في تقديمه) ش: أي في تقديم الأسن م: (تكثير الجماعة) ش:؛ لأن رغبة الناس في الاقتداء به أكثر فيكون سببا لتكثير الجماعة، وكلما كثرت الجماعة كان الأجر أكثر، وفي " المحيط و " التحفة ": الأسن من الورع إذا لم يكن فيه فسق؛ لأن الكبير أخشع في الصلاة، وأقرب إلى الإجابة، وأكثر عبادة. وقال النووي: المراد بالسن سن من يصير في الإسلام فلا يقدم شيخ أسلم قريبا على شاب نشأ في الإسلام أو أسلم قبله، وفي " خير مطلوب " و " التحفة ": زاد

стр. 986

ويكره تقديم العبد؛ لأنه لا يتفرغ للتعلم، والأعرابي؛ لأن الغالب فيهم الجهل ــ [البناية] بعضهم فإن تساووا فأحسنهم خلقا، وزاد بعضهم: فإن تساووا فأحسنهم وجها؛ لقوله ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» ، وفي " المحيط ": اعتبر الحسب في المال على الأحسن وجها. وفي " مختصر الجواهر ": يرجح بالفضائل الشرعية والخلقية والمكاتبية وكمال الصورة كالشرف في النسب والسن ويلحق بذلك حسن اللباس، وقيل: ونظافة الوجه وحسن الخلق وتملك رقبة المكان أو منفعته، قال المرغيناني: المستأجر أولى من المالك. وفي " الخلاصة ": فإن تساووا في هذه الخصال يقرع أو الخيار إلى القوم، وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس. وقال أبو الفضل الكرماني: هما سواء. وللشافعي قولان في القديم: يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وهو الأصح. والقول الثاني: يقدم الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة، وفي "تتمتهم" ثم بعد الكبر والشرف تقدم نظافة الثوب، والمراد النظافة عن الوسخ، والنجاسات؛ لأن الصلاة مع النجاسة لا تصح، ثم بعد ذلك حسن الصوت؛ لأن به تميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة ثم حسن الصورة. وفي " المبسوط " و " المحيط " و " شرح الأقطع " لم تعتبر الهجرة لسقوط وجوبها على جميع الحاضرين، الأفقه والأقرأ والأورع والأسن وصاحب البيت وإمام المسجد. قلت: هذا في الزمان الماضي؛ لأن الولاة كانوا علماء وغالبهم كانوا صلحاء، وفي زماننا أكثر الولاة ظلمة وجهلة. [إمامة العبد والفاسق والأعمى وولد الزنا] م: (ويكره تقديم العبد؛ لأنه لا يتفرغ للتعلم) ش: فيغلب عليه الجهل، وقال مالك: لا يؤتم به في جمعة ولا عيد. وقال الأوزاعي: لا يجوز أن يؤم الأحرار، قلنا: الإمامة أمر ديني فيستوي فيه الحر والعبد، ولهذا جوز الشافعي إمامته بلا كراهة، وقال: الحر أولى. وفي "تتمتهم" تكره إمامته، ووجه الكراهة أن في تقديمه تقليل الجماعة؛ لأن الناس يستنكفون متابعته. م: (والأعرابي) ش: عطف على قوله العبد أي ويكره أيضا تقديم الأعرابي، وهو بفتح الهمزة البدوي، وهو من يسكن البادية عربيا كان أو أعجميا. وفي " الكافي ": ويستحب تقديم العربي؛ لأنه يسكن البدو م: (لأن الغالب فيهم الجهل) ش: وهو معنى: من بدا جفا. فإن قلت: ما وجه رفع الضمير في قوله: فيهم، مع أن المذكور واحد، وإن كان مراده عود الضمير إلى الأعرابي والعبد، وما كان ينبغي أن يقول فيها بضمير التثنية؟ قلت: كان الأولى أن يقول: فيه أو فيهما، ولكن كأنه ينظر إلى أن في الأعرابي معنى الجمع؛ لأنه محلى بالألف واللام فيصدق على كل من يسكن البادية.

стр. 987

والفاسق؛ لأنه لا يتهم لأمر دينه ــ [البناية] م: (والفاسق؛ لأنه لا يهتم لأمر دينه) ش: فيرد فيه الناس، وفيه تقليل الجماعة، وقال مالك: لا تجوز إمامة الفاسق بلا تأويل كالزاني وشارب الخمر، أما الفاسق بالتأويل كمن يسب السلف الصالح، فعنه فيه روايتان، وعن أحمد: فيه روايتان في جواز الاقتداء به مطلقا أصحهما المنع، وقلنا نحن والشافعي بجواز إمامته؛ لقوله ﵊: «صلوا خلف كل بر وفاجر» ؛ ولأن ابن عمر وأنسا وغيرهما من الصحابة ﵃ والتابعين صلوا خلف الحجاج الجمعة وغيرها مع أنه كان أفسق أهل زمانه. وروي أن الحجاج كان يخطب يوم الجمعة، فأطال الجمعة حتى كاد يدخل وقت العصر فقام ابن عمر ﵄ وقال: أقصر يا مكار هداك الله، فلما فرغ الحجاج دعا ابن عمر ليقتله وقال: أما تخشى أن الله يسلطني على مالك ودمك فأهريقه، أو على نفسك فأخترمها، فقال ابن عمر: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعلي ﵃ والآن أصلي خلفك، وأنت من أفسق الناس. وأما وجه الكراهية فلما قلنا؛ ولهذا قال أصحابنا: لا ينبغي أن يقتدى بالفاسق إلا في الجمعة؛ لأن في سائر الصلوات يجد إماما غيره بخلاف الجمعة، وكان ابن مسعود ﵁ يصلي خلف الوليد بن عقبة في صلاة الجمعة وسائر الصلوات، وكان الوليد واليا بالكوفة وكان فاسقا حتى صلى بالناس يوما وهو سكران، كذا في " شرح الإرشاد ". وفي " المحيط ": لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرزا ثواب الجماعة؛ لقوله ﵊: «صلوا خلف كل بر وفاجر» . وأما لا ينال ثواب من صلى خلف التقي، ثم الفاسق إذا كان يؤم، وعجز القوم عن منعه تكلموا فيه، قيل: يقتدى به في صلاة الجمعة، ولا يترك الجمعة بإمامته، أما في غيرها من المكتوبات فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر، ولا يصلي خلفه ولا يأثم بذلك، وفي " المجتبى " و" المبسوط ": يكره الاقتداء بصاحب البدعة، وفي " شرح بكر " فأصل الجواب أن من كان من أهل قبلتنا، ولم يعمل بقوله لم يحكم بكفره، وتجوز الصلاة خلفه، وإن كان يكفي حتى يكفر أهلها؛ كالجهمي والقدري الذي قال بخلق القرآن، والرافضي الغالي الذي ينكر خلافة أبي بكر ﵁ والمشبهة لا تجوز، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي ﵁ وقال القفال ومن تابعه: يجوز الاقتداء بهم وأنهم لا يكفرون وهو ظاهر مذهب الشافعي كذا في " شرح الوجيز "، وعن أبي يوسف: من اتخذ من هذه الأهواء شيئا فهو صاحب بدعة. وروى محمد عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز. أما الصلاة خلف الشافعي إذا انحرف عن القبلة لا يجوز، أو لم يتوضأ من الخارج من غير

стр. 988

والأعمى؛ لأنه لا يتوقى النجاسة، " وولد الزنا؛ لأنه ليس له أب يثقفه فيغلب عليه الجهل؛ ولأن في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة، فيكره وإن تقدموا جاز؛ لقوله ﵊: «صلوا خلف كل برّ وفاجر» . ــ [البناية] السبيلين، أو لم يغسل المني الذي هو أكثر من الدرهم لا تجوز على الأصح، وإلا فتجوز، وقيل: لكنه يكره، وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم وإن تكلم بحق، وقال ابن حبيب من المالكية: من صلى وراء من شرب الخمر يعيد أبدا إلا أن يكون واليا. وقال أبو بكر: من صلى خلف الفاسق من غير تأويل يعيد أبدا، وتكره إمامة الخصي والأقلف والمأبون وولد الزنا، وعند الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين تصح الصلاة خلف الفاسق، وعن أبي يوسف ﵀ لا يؤمهم صاحب خصومة في الدين، ولو صلى خلفهم جازت. وعن أبي يوسف ﵀ من طلب الدين بالخصومات دعي زنديقا، ومن طلب الكساد دعي زعليا، ومن طلب غريب الحديث دعي كذابا، ولا بأس بأن يصلى وراء من في يديه تصاوير، وقيل: إن كانت مكشوفة يكره. وفي " الفتاوى الظهيرية ": لا تصح إمامة الأحدب للقائم هكذا ذكره محمد بن شجاع في " النوازل "، وقيل: يجوز والأول أصح. وفي " الذخيرة ": ويؤم الأحدب القائم، كما يؤم القاعد القائم، ولا يؤم الراكب النازل. م: (والأعمى) ش: عطف على قوله: والأعرابي أي: ويكره أيضا تقديم الأعمى م: (لأنه لا يتوقى النجاسة) ش: أي لا يتحفظ على النجاسة ولا يهتدي إلى القبلة، ولا يقدر على استيعاب الوضوء في أعضاء الطهارة غالبا، وعن ابن عباس ﵁ قال: كيف أؤمهم وهم بعيد، يعني إلى القبلة، وقال القاضي من الحنابلة: هو كالبصير إذ هو أخشع في الصلاة، قال: البصير يشغله ما يراه وقد ينظر إلى ما لا يحل. وفي " المحيط ": إذا لم يوجد غيره من البصير فهو أولى بالإمامة. وفي " البدائع " إذا كان لا يوازيه غيره في الفضل في المسجد فهو أولى. م: (وولد الزنا) ش: عطف على قوله: والأعمى، أي: ويكره أيضا تقديم ولد الزنا م: (لأنه ليس له أب يثقفه) ش: أي يؤدبه ويعلمه فيبقى على ما حمل جاهلا م: (فيغلب عليه الجهل) ش: وبقولنا قال الشافعي ومالك، وقال أحمد: لا يكره، ورواه ابن المنذر عن مالك واختاره. م: (ولأن في تقديم هؤلاء) ش: هذا دليل ثان يشتمل الكل، أي ولأن في تقديم العبد والأعرابي والفاسق والأعمى وولد الزنا م: (تنفير الجماعة فيكره) ش: لأن القوم يؤذون بهم ولا يرضون بهم أئمة فيكره. وفي " المجتبي " والمراد من الكراهة في هذا الموضع كراهة تنزيه، فإنه قال محمد في الأصل: إمامة غيرهم أحب إلي، وأما الجواز فلا كلام فيه أشار إليه بقوله: م: (وإن تقدموا جاز؛ لقوله ﷺ : «صلوا خلف كل بر وفاجر» ش: وهذا الحديث أخرجه الدارقطني في "سننه " عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁ أن

стр. 989

ولا يطول الإمام بهم الصلاة؛ لقوله ﵊: «من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة» ، ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة ــ [البناية] رسول الله ﷺ قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر» . قال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي هريرة ﵁ ومن دونه ثقات، ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في " العلل المتناهية "، وأعله بمعاوية بن صالح مع ما فيه من الانقطاع وتعقبه ابن عبد الهادي، وقال: إنه من رجال الصحيح، وجه الاستدلال بهذا الحديث في حق الفاسق ظاهر، وفي حق العبد والأعمى يتمسك بدلالته؛ لأنه لما جوز الاقتداء بالفاسق مع الموجب للتميز، فيجوز في حقهما بالطريق الأولى ونقول: كل واحد منهما لا يخلوا إما أن يكون برا أو فاجرا، والنبي ﷺ جوز الاقتداء بكل منهما. [تخفيف الإمام في الصلاة] م: (ولا يطول الإمام بهم الصلاة) ش: أي بالجماعة م: (لقوله ﷺ : «من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة» ش: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» وفي لفظ لمسلم: «الصغير والكبير والضعيف والمريض» . وروى البخاري أيضا «من حديث أبي مسعود الأنصاري فقال: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بها فلان، فقال: فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبا من يومئذ، ثم قال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الكبير والصغير وذا الحاجة» "، فهذا يدل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه، وهذا لا خلاف فيه. [إمامة المرأة للنساء في صلاة الجماعة] م: (ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة) ش: الكلام في هذا الموضع على وجوه: الأول: قال السغناقي في اللفظ صورة المناقضة، حيث ذكر الوحدة مع كونهن جماعة، ثم أجاب عن هذا بقوله: لكن المراد من الوحدة توحدهن عن الرجال، وهن في أنفسهن جماعة النساء. قلت: لا مناقضة فيه، ولا يصدق حد عليه؛ لأن المعنى: ويكره للنساء المنفردات عن الرجال أن يصلين بجماعة عنهن. الثاني قال الأترازي وهذا عندنا وعند الشافعي يستحب لنا أنها لو كانت مستحبة لبينها النبي ﷺ فتكون جماعتهن بدعة ويكره. قلت: قول الشافعي هو قول الأوزاعي والثوري وأحمد ﵀ وحكاه ابن المنذر عن عائشة وأم سلمة ﵄ فإذا كان كذلك فكيف تكون جماعتهن بدعة؟ والبدعة

стр. 990

لأنها لا تخلو من ارتكاب المحرم وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة ــ [البناية] اسم لإحداث أمر لم يكن في زمان رسول الله ﷺ ، وقد روى أبو داود في "سننه " في باب إمامة النساء من «حديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه كانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها» . وروى عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵃ قال: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن. وروى ابن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه اسمها حجيرة، قالت: أمتنا أم سلمة ﵂ قائمة وسط النساء. حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة ﵂ أنها كانت تؤم النساء تقوم معهن في وسطهن. وروت عظمة الحنفية قالت: أمتنا عائشة ﵂ فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة، رواه الدارقطني وهو حجة على الشعبي والنخعي حيث قال: تؤمهن في النفل دون الفرض، وشذ أبو ثور والمزني ومحمد بن جرير الطبري فأجازوا إمامة النساء على الإطلاق للرجال والنساء. وعن سليمان بن بشار والحسن البصري ومالك: لا تؤم المرأة أحدا في فرض أو نفل. الثالث: قول المصنف في كراهته جماعة النساء: م: (لأنها لا تخلو عن ارتكاب المحرم وهو قيام الإمام وسط الصف) ش: فكيف يكون قيام الإمام وسطهن محرما، وقد فعلته عائشة وأم سلمة، وروي عن ابن عباس ﵁ على ما ذكرناه الآن، وأيضا فلقائل أن يقول: ارتكاب المحرم فيه في حق الرجال دون النساء، إذ لو كان مطلقا لما كان يجوز الصلاة. الرابع: قوله: م: (فيكره) ش: يعني إذا كان الأمر كذلك يكره فعلهن الجماعة وكيف يكره، وقد ذكر في " المحلى ": صلت عائشة بهن المغرب جهرت بالقراءة، وصلت أم سلمة العصر. الخامس: قوله: م: (كالعراة) ش: هو جمع عار كالقضاة جمع قاض، والتشبيه فيه من كل الوجوه ظاهر، ولكن كلام الشارح يختلف في وجه الشبه، فقال تاج الشريعة: يعني يكره للعراة الجماعة؛ لأنها لا تخلو عن مباشرة إحدى الروايتين. أما قيام الإمام وسط الصف، أو زيادة الاطلاع على العورات كما هاهنا، وقال السغناقي قوله: فيكره كالعراة، وفي العراة عندنا أن يصلوا وحدانا قعودا بإيماء، وإنما أمرناهم بترك الجماعة لتشاغل بعضهم عن بعض، ولا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل، وإن الأولى لإمامهم إذا صلوا الجماعة أن يقوم وسطهن؛ لئلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز أيضا، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، فالأولى أن يصلين

стр. 991

فإن فعلن قامت الإمام وسطهن؛ لأن عائشة ﵂ فعلت كذلك، وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام ــ [البناية] وحدهن، وإن صلين بجماعة قامت إمامتهن وسطهن، وإن تقدمن جاز فكذلك حال العراة، وكلام الأكمل هاهنا قريب منه بل أخذ منه. وقال الأترازي: قوله: فيكره كالعراة، أي تكره جماعة النساء كجماعة العراة، وقال صاحب " الدراية ": التشبيه بالعراة ليس من كل الوجوه بل في أفضلية الأذان وأفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودا وهو أفضل من صلاة النساء قائمات. قلت: المصنف جعل العراة مشبها به، وتاج الشريعة عكس فيه، وجعل وجه التشبيه الحرمة، والسغناقي جعله في الأفضلية، وصاحب " الدراية " كذلك ولكنه زاد في الأفضلية الأذان أيضا، والأترازي جعله في الكراهة. السادس: قوله: م: (وإن فعلن قامت الإمام وسطهن) ش: فيه تناقض وهو أنه أولا قال: قيام الإمام وسط الصف ارتكاب محرم، فعلم منه عدم جواز صلاتهن بالجماعة، وهنا يقول بجواز ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن يكون المراد بالحرمة أيضا هنا اللغوي وهو المنع، ووجه الكراهة لا يمنع ذلك الجواز مع الكراهة. فإن قلت: كيف قال: قامت الإمام، بتاء تأنيث الفعل. قلت: قال المطرزي في " المغرب ": الإمام من يؤم به أي يقتدى به ذكرا كان أو أنثى، ومنه قامت الإمام في وسطهن، وفي بعض النسخ: فإن فعلن قامت الإمامة وسطهن، وهو غير صواب؛ لأن لفظة الإمام اسم لا وصف. قوله: م: (وسطهن) ش: بسكون السين؛ لأنه ظرف بخلاف جلست وسط الدار بالفتح، وكل موضع صلح فيه بين فهو ساكن، وما لا يصلح فهو بالفتح ومنه يشد في وسطه الهميان. وقال الأزهري: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط القلادة والصف والسبحة فهو بالإسكان وما كان منضما لا يبين كالدار والساحة فهو بالفتح، وأجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح. السابع: قوله: م: (لأن عائشة ﵂ فعلت كذلك) ش: أي صلت بجماعة النساء، وقامت وسطهن وقد ذكرناه عن قريب، وروى محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن عائشة ﵃ أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطا، وقد ذكرنا عن أم سلمة أيضا، وفيه أيضا رد على الأترازي حيث قال: إنها بدعة، وعلى المصنف أيضا في أنها ارتكاب المحرم. الثامن: قوله: م: (وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام) ش: قال الأترازي: أي حمل فعل

стр. 992

ولأن في التقدم زيادة الكشف. ــ [البناية] عائشة الجماعة على ابتداء الإسلام يعني كان ذلك ثم نسخ حين أمرن بالوقار والقرار في البيوت، وهذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: لما فعلت عائشة الجماعة دل على أنها مستحبة فلا يكره. فأجاب عنه وقال: وحمل ذلك على ابتداء الإسلام. قلت: هذا كلام من لم يطلع في كتب القوم، وأمضى فيه لأنه ﵊ أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة كما رواه البخاري ومسلم ثم تزوج عائشة بالمدينة وبنى بها وهي بنت تسع وبقيت عند النبي ﷺ تسع سنين، وما صلت إماما إلا بعد بلوغها، فكيف يستقيم حمله على ابتداء الإسلام، وتصدى الأكمل للجواب عن هذا وقال: يجوز أن يكون المراد بابتداء الإسلام ما قبل بيان الانتساخ، فإنه ابتدأ بالنسبة إليه. قلت: هذا أبعد من الأول؛ لأن هذا لم يكن في ابتداء الإسلام على ما دلت عليه الأخبار المذكورة، فإذا كان كذلك كيف يحمل هذا على ما قبل الانتساخ. التاسع: قوله: م: (ولأن في التقدم زيادة الكشف) ش: هذا الدليل توكيد يمنع المتقدم بالنسبة؛ لأنه بين بالنسبة في الأصل لا بالتعليل، واعترض عليه بأن المرأة إذا كانت لابسة من فوقها إلى قدمها، ولم يكن بينهن أحد من الرجال، فإن التقدم يكره مع أنه لا كشف فيها، فلو كانت الكراهية لزيادة الكشف ينبغي أن يجوز هناك لانعدام العلة. فأجاب عنه الأكمل أخذا من كلام السغناقي بما ملخصه: أن ذلك نادر لا حكم له على أن ترك التقديم بالسنة والتعليل لا يضاهيها. قلت: لا نسلم أنه نادر؛ لأن المرأة شأنها التستر في كل الأحوال ولا سيما في الصلاة خصوصا إذا أمت، فإنها تحترز عن انكشاف شيء من أعضائها غاية الاحتراز، فحينئذ لا يوجد كشف أصلا فضلا عن زيادته وقوله: على أن يترك التقدم.. إلى آخره، فيه نظر لأنه لم يبين النسبة التي دلت على ترك التقدم. وقال الأكمل: وهنا بحث من أوجه، وذكر منها: أن المذهب عندنا أن انتفاء صفة الوجوب تستلزم انتفاء صفة الجواز، ثم أجاب عنه بما حاصله أن الجواز ليس بمنسوخ بالإجماع، وإنما المنسوخ هو كون جماعتهن سنة وفيه نظر؛ لأن من ادعى النسخ فعليه البيان. وقال صاحب " الدراية ": ولأن جماعتهن لو كانت مشروعة لزم تركها ولشاعت كما شاعت جماعة الرجال على أنها من الشعائر فيختص بالأذان والخطب والجمع والأعياد؛ ولأن جماعتهن لا تخلو عن ارتكاب محرم؛ لأن في التقدم زيادة كشف، وفي الوسط تركه القيام وكل ذلك حرام. أما زيادة الكشف؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] (النور: الآية ٣١) ، وأما ترك القيام

стр. 993

ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه ــ [البناية] فلأنه خلاف السنة؛ لأنه لم يعمل به النبي ﵊ ولا واحد من الصحابة. وأما حديث أم ورقة ورايطة كان في ابتداء الإسلام أو تعلما للجواز مع أن في حديث أم ورقة مقالا عند أهل الحديث. قلت: هذا كله مخدوش، أما قوله: لو كانت جماعتهن مشروعة كره تركها، فغير سديد؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء مشروعا أن يكره تركه؛ لأن هذا ليس بكلي، فإن المشروع إذا كان فرضا يكون تركه حراما، وإن سنة يكون تركه مكروها، وإن كان ندبا يجوز تركه ولا يكره. وأما قوله: فتختص بالأذان.. إلخ. فيرده ما رواه الحاكم في " المستدرك " عن عبد الله بن إدريس عن عطاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء فتقوم وسطهن. وأما قوله: وكل ذلك حرام، غير مسلم؛ لأن الحرمة غير مقتصرة على زيادة الكشف. وأما قوله: فلأنه خلاف السنة، مردود؛ لأن النبي ﷺ أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها كما ذكرنا من رواية أبي داود، وفي الحديث وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وقال عبد الرحمن بن خلاد: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا. وقوله: ولا واحد من الصحابة مردود، فإنا ذكرنا عن عائشة وأم سلمة بأنهما فعلتا ذلك. وقوله: مع النساء في حديث أم ورقة مقالا، إشارة إلى ما قاله المنذري في "مختصره " لسنن أبي داود في سنده الوليد بن جميع وفيه مقال ولا يضره ذلك، فإن مسلما أخرج له وكفى هذا في عدالته وصدقه. فإن قلت: قد قال ابن بطال في كتابه: الوليد بن جميع، وعبد الرحمن بن خلاد لا يعرف حاليهما. قلت: ذكرهما ابن حبان في " الثقات " فالحديث إذا صحيح. فإن قلت: أخرج ابن عدي في " الكامل " وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "الأذان" من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن النبي ﵊ قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال، ولا تقدمهن امرأة ولكن تقوم وسطهن» ". قلت: في سنده الحاكم بن عبد الله قال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون. وعن البخاري: تركوه، وعن النسائي: متروك الحديث، وكان ابن المبارك يوهنه، وأنكر ابن الجوزي هذا الحديث في كتابه " التحقيق " ولا يعرف مرفوعا إنما هو شيء يروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي. [موقف الإمام والمأموم في الصلاة] م: (ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه) ش: مساويا له وهو قول عمر ﵁ وابنه وعروة بن الزبير، وبه قال الثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وعن الشافعي: يستحب أن يتأخر عن الإمام قليلا، وعن سعيد بن المسيب أنه يقيمه عن يساره، وفيه قول رابع مروي عن النخغي

стр. 994

«لحديث ابن عباس ﵄ فإنه ﵇ صلى به وأقامه عن يمينه» ولا يتأخر عن الإمام، وعن محمد ﵀ أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام والأول هو الظاهر، فإن صلى خلفه أو في يساره جاز وهو مسيء؛ لأنه خالف السنة ــ [البناية] أنه يقوم خلفه إلى أن يركع، فإذا جاء أخذ الإمام عن يمينه. م: (لحديث ابن عباس ﵄ «فإنه ﷺ صلى به وأقامه عن يمينه» ش: حديث ابن عباس أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن كريب مولى ابن عباس. قال: «نمت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ في الليل، فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فأخذني جنبه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمنيه، فصليت معه» . أخرجوه مختصرا ومطولا. فإن قلت: كيف يجوز أداء النفل بالجماعة وإنه بدعة. قلت: أداء النفل بالجماعة بلا أذان ولا إقامة بواحد أو اثنين، يجوز على أنا نقول: التهجد كان فرضا على النبي ﷺ فيكون اقتداء المتنفل بالمفترض مع أن ابن عباس كان صبيا فلا يكون مخالطا. م: (ولا يتأخر عن الإمام) ش:؛ لأن التأخر خلاف السنة، وإن كان المقتدي أطول وسجوده قدام الإمام لا يضره؛ لأن العبرة بموضع الوقوف، كما لو وقف في الصف فوقوع سجود الإمام يطوله. م: (وعن محمد أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام) ش: كما هو المشهور من عمل العامة م: (والأول هو الظاهر) ش: أي قيام المقتدي عن يمين الإمام بدون التأخر هو ظاهر الرواية ووجهه حديث ابن عباس ﵄. م: (فإن صلى خلفه أو في يساره جاز وهو مسيء) ش: أي وإن صلى المقتدي خلف الإمام أو عن يساره، والحال أنه وحده جاز والحال أنه مسيء أي فاعل فعل السيئ م: (لأنه خالف السنة) ش: وهو ما ذكر حديث ابن عباس آنفا، وعن شيخ الإسلام من مشايخنا من قال: الجواب في الفصلين وهو ما لو قام عن يساره أو خلفه واحد؛ لأنه ترك السنة في القيام فيكون مكروها. ومنهم من فرق وقال: لا يكون عن يساره إذا قام خلفه؛ لأنه لا يصير تاركا للسنة من كل وجه؛ لأنه عمل به واحد من الصحابة وهو ابن عباس فإنه قام خلفه، ودعا له بالفقه والعلم، وعند أحمد لو وقف على يساره تبطل صلاته، وقال أحمد: لو كان اثنان وكان أحدهما صبيا فوقفا عن يمينه فلا بأس به، ولو وقفا خلفه توقف أحمد، وأكثرهم على أنه لا يصح بل الصبي يقف على يساره.

стр. 995

وإن أم اثنين تقدم عليهما، وعن أبي يوسف ﵀ يتوسطهما، ونقل ذلك عن عبد الله ابن مسعود ﵁ ولنا أنه ﵇ تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما ــ [البناية] م: (وإن أم اثنين تقدم عليهما) ش: أي وإن أم رجلين تقدم عليهما وهذا عند أبي حنيفة ﵀ ومحمد. م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يتوسطهما) ش: أي الإمام يتوسط اثنين؛ لأن الاصطفاف خلف الإمام سنة الجماعة والاثنين ليسا بجماعة حقيقة. م: (ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁) ش: أي نقل التوسط بين الاثنين عن عبد الله بن مسعود، هذا موقوف على ابن مسعود كما ترى، وقد رواه مسلم من ثلاث طرق ولم يرفعه في الأوليين ورفعه إلى النبي ﷺ وقال فيه: «هكذا فعل رسول الله ﷺ » -. وقال الترمذي في "جامعه " عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فقام بينهما، قال: ورواه عن النبي ﷺ وقال أبو عمر ﵁: هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح عندهم التوقيف على ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود، وقال الحارثي: حديث ابن مسعود منسوخ وأراد به الحديث الذي أخرجه مسلم عنه في "صحيحه "، وعن إبراهيم «عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فقال: أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما فجعل أحدهما بيمينه، والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبتينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ » - لأنه إنما تعلم هذه الصورة من رسول الله ﷺ بمكة وفيهما التطبيق وأحكام أخرى وهي متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبي ﷺ المدينة تركه. فإن قلت: ما أجاب المصنف عن حديث ابن مسعود هذا. قلت: أجيب بثلاثة أجوبة. الأول: أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس ﵁ الآتي ذكره عقيب هذا الحديث. والثاني: أنه قال لضيق المسجد وبعذر آخر لا على أنه من السنة. والثالث: ذكر البيهقي في " المعرفة «أنه رأى النبي ﷺ يصلي وأبو ذر عن يمينه كل واحد يصلي لنفسه، فقام ابن مسعود خلفهما فأومأ إليه النبي ﷺ بشماله فظن عبد الله أن ذلك سنة الموقف، ولم يعلم أنه يؤمهما وعلمه أبو ذر حتى قال فيما روي عنه يصلي كل رجل منا لنفسه» . م: (ولنا أنه ﵇ «تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما» ش: وهذا الحديث أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة «عن أنس بن مالك

стр. 996

فهذا للأفضلية والأثر دليل الإباحة. ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة أو صبي، أما المرأة فلقوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله» ، فلا يجوز تقديمها ــ [البناية] أن جدته مليكه دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصل لكم" [قال أنس:] فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبث فنضحته بماء، فقام رسول الله ﵇ وقمت أنا واليتيم من ورائه والعجوز وأنس وراءنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف» واليتيم هو ضمير بن أبي ضميرة مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صحبة، وقيل: اليتيم أخو أنس لأبيه واسمه ضمير واليتيم علم غالب له كالنجم للثريا. وقال أبو عمر: قوله: جدته مليكة، والضمير عائد على إسحاق وهي جدة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة، وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك، وقال غيره: الضمير يعود إلى أنس وهو القائل: إن جدته، وهي جدة أنس بن مالك أم أمه واسمها مليكة بنت مالك بن عدي، ويؤيد ما قال أبو عمر أن في بعض طرق الحديث أن أم سلمة سألت رسول الله ﷺ أن يؤمها، أخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله فذكره وأم سليم وهي أم أنس جاء ذلك مصرحا في البخاري. م: (فهذا دليل للأفضلية) ش: أي فعل النبي ﷺ تقدمه على الاثنين دليل الأفضلية م: (والأثر دليل الإباحة) ش: أراد بالأثر الذي رواه أبو يوسف عن ابن مسعود. فإن قلت: لم يعكس قلت: ترجيحا لفعل النبي ﵇ على فعل غيره. ١ - فروع: ولو قام واحد بجنب الإمام وخلفه صف يكره بالإجماع، كذا في " شرح الإرشاد "، وفي " المجتبى ": السنة أن يقوم في المحراب ليعدل الطرفين ولو قام في أحد جانبي الصف يكره، ولو كان المسجد الصيفي بجنب الشتوي، وإملاء المسجد ليقوم الإمام في جانب الحائط يستوي القوم من جانبيه، والأصح ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن يقوم الإمام بين الساريتين، وفي رواية: أو ناحية المسجد أو إلى سارية؛ لأنه خلاف لعمل الأمة، ومتى استوى جانباه يقوم عن يمين الإمام إن أمكنه وإن وجد في الصف فرجة سدها ولا ينتظر حتى يجيء آخر فيقفان خلفه، ولو لم يجد عالما يقف خلف الصف بحذاء الإمام للضرورة، ولو وقف منفردا بغير عذر تصح صلاته عندنا، وعند الشافعي ومالك. وقال أحمد وأصحاب الحديث: لا تصح صلاته واحتجوا بقوله ﵇: «لا صلاة للمنفرد خلف الصف» ، ولنا حديث أنس واليتيم والعجوز، وقد جوزوا اقتداءها وهي منفردة خلف الصف، وما رواه من الحديث المذكور أريد به نفي الكمال. [إمامة المرأة والصبي في الصلاة] م: (ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة ولا صبي، أما المرأة فلقوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله، فلا يجوز تقديمها» ش: هذا غير مرفوع، وهو موقوف على عبد الله بن مسعود

стр. 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه " عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في "معجمه " ولم أر أحدا من شراح " الهداية " تعرض لحال هذا الخبر، وكتب أصحابنا معتبرة، وذكره الكبائر أي من الشافعية في كتاب بعض ما تفرد به أحمد بن حنبل، وذكره أيضا ابن قدامة في " المغني " وابن حزم في " المحلى "، وجه الاستدلال بقوله: من حيث أخرهن الله، ما قال أبو زيد في " الأسرار ": إن حيث عبارة عن المكان ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، وقيل: يجوز أن يكون حيث للتعليل يعني كما أخرهن الله تعالى في الشهادة والإرث والسلطنة وسائر الولايات. قلت: أصل حيث أنه ظرف مكان مضاف إلى الجملة تقول: اجلس حيث الأمير جالس، وحيث جلس الأمير، وقد يضاف إلى المفرد كقول الشاعر: تمضي المواضي حيث لي العمائم .... .... قال أبو الفتح: من أضاف حيث إلى المفرد أعربها، ومن ذلك ضبط بعضهم، أما ترى حيث سهيل طالعا، بفتح ثاء حيث وخفض سهيل، وأصله حيث سهيل بضم الثاء ورفع سهيل، والخبر محذوف أي موجود إذا اتصلت بها ما النافية فضمنت معنى الشرط وجزمت الفعلين، وفيه ست لغات بالحركات الثلاث وبالواو معها، ومن العرب من يعرب حيث، وعليه قراءة من قرأ ﴿من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢] بالكسر وهي للمكان اتفاقا. وقال الأخفش: وقد ترد للزمان، أقول في الخبر أمرا تبركا بتأخيرهن من حيث العام في الصلاة؛ لعدم وجوب تأخيرهن خارج الصلاة إجماعا، وحيث تأخيرهن في الصلاة إظهار لتعيينهن في الجماعة؛ لأن الرجال هم الأصول في إقامة الجماعة، فإن جماعة النساء ليست مستحبة عن الانفراد. وعند الشافعي: دون استحباب الرجال والرجل هو المخاطب بالتأخير، فإذا ترك ما هو يخاطب به فسدت صلاته كما لو تقدم على إمامه. يظهر من هذا كله أنه أمر بتأخيرها وهو نهي عن الصلاة خلفها وإلى جانبها أيضا، والنهي يقتضي فساد المنهي؛ ولأن في تأخيرها صيانة للصلاة عن الفساد، وهي واجبة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (محمد: الآية ٣٣) ، وإليه أشار المصنف بقوله: فلا يجوز تقديمها، هذه نتيجة قوله: ولا يجوز أن يقتدوا بامرأة، تقدير الكلام: لما جاء الأمر بتأخيرها فلا يجوز تقديمها، فلم يجز الاقتداء بها. وفي الأترازي: فإن قيل: هذا الحديث خبر الواحد وبمثله ثبت الوجوب لا الفرض فلا تفسد الصلاة بتركه. قلنا: هذا حديث مشهور تثبت الفرضية به، فتركه مفسد، وفي " المجتبى ": يمسك في المسألة بالإجماع، والمراد به إجماع المجتهدين، لأنه حكي عن ابن جرير الطبري أنه يجوز إمامتها

стр. 998

وأما الصبي فلأنه متنفل، فلا يجوز اقتداء المفترض به، وفي التراويح والسنن المطلقة جوزه مشايخ بلخ ﵏ ولم يجوزه مشايخنا ﵏ ومنهم من حقق الخلاف في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها؛ لأن نفل الصبي دون نفل البالغ. ــ [البناية] بالتراويح إذا لم يكن هناك قارئ غيرها. م: (وأما الصبي فلأنه متنفل) ش: أي وأما عدم جواز الاقتداء بالصبي فلأنه متنفل والذي يقتدي به مفترض م: (فلا يجوز اقتداء المقترض به) ش: أي بالمتنفل؛ لأن صلاة الإمام متضمنة صلاة المقتدي صحة وفسادا، لقوله ﵇: «الإمام ضامن» ولا شك أن الشيء إنما يتضمن ما هو دونه لا ما هو فوقه، فلم يجز اقتداء البالغ بالصبي لهذا، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأحمد وإسحاق، وفي النفل روايتان. وقال ابن المنذر: وكرهها عطاء والشعبي ومجاهد، وقال الحسن والشافعي: تصح إمامته، وفي الجمعة له قولان، قال في " الأم ": لا تجوز، وقال في " الإملاء ": تجوز لما روى البخاري عن عمرو بن سلمة قال: «أممت على عهد رسول الله ﷺ وأنا غلام ابن ست سنين أو ابن سبع سنين» وسلمة صحابي، والأشهر أن عمرا لم يسمع من النبي ﵇ ولم يرو عنه، وقال الخطابي: كان الحسن يضعف حديث عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء بين. وقال أبو داود: وقيل لأحمد حديث عمرو قال: لا أدري ما هذا، فلعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي ﷺ ، قال: وقد خالفه أمثال الصحابة، وقد قال عمرو: كنت إذا سجدت خرجت استي، وهذا غير بالغ، والعجيب أنهم لم يجعلوا قول أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وكبار الصحابة ﵃ وأفعالهم حجة، واستدلوا بفعل [صبي] عمره ست سنين، ولا يعرف فرائض الوضوء والصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة؟ ومنعه أحوط في الدين، وعن ابن عباس ﵁ لا يؤم الغلام حتى يحتلم، وعن ابن مسعود: لا يؤم الغلام الذي لا تجب عليه الحدود، رواهما الأثرم في "سننه ". [إمامة الصبي في النوافل كالتراويح ونحوها] م: (وفي التراويح والسنن المطلقة) ش: السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها م: (جوزه) ش: أي الاقتداء بالصبي م: (مشايخ بلخ ولم يجوزه مشايخنا) ش: أي ولم يجوز الاقتداء بالصبي علماء أهل بخارى وسمرقند. م: (ومنهم) ش: أي ومن مشايخ بخارى وسمرقند م: (من حقق الخلاف في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد) ش: فقال عند أبي يوسف: لا يجوز الاقتداء، وعند محمد يجوز م: (والمختار) ش: أي للفتوى م: (أنه) ش: أي أن الاقتداء بالصبي م: (لا يجوز في الصلوات كلها؛ لأن نفل الصبي دون نفل البالغ) ش:؛ لأن نفل البالغ مضمون حيث يجب القضاء إذا أفسده، ونفل الصبي غير

стр. 999

حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع، ولا يبني القوي على الضعيف، بخلاف المظنون؛ لأنه مجتهد فيه، فاعتبر العارض عدما، وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي؛ لأن الصلاة متحدة ويصف الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء؛ لقوله ﵇: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» ــ [البناية] مضمون م: (حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع) ش: فيكون نفل الصبي دون نفل البالغ فلا يجوز أن يكون الأدنى متضمنا للأعلى. م: (ولا يبني القوي على الضعيف) ش: لأن نفل البالغ القوي حيث يلزمه بالشروع، ونفل الصبي ضعيف حيث لا يلزمه بالشروع، وعلى هذا لا يجوز الاقتداء به أيضا في النفل. م: (بخلاف المظنون) ش: هذا جواب عن قياس مشايخ بلخ عن المظنون وتقديره قياس اقتداء البالغ بالصبي على الاقتداء بالظان فاسد، صورة المظنون أن يقتدي المتنفل بمن يصلي صلاة عليه يجوز الاقتداء، وإن كانت غير مضمونة بالقضاء عندنا، لأنه شرع فيه على قصد التزام فرض آخر عليه، وصورة أخرى شرع في صلاة على ظن أنها عليه فاقتدى به متنفل ثم أفسده يلزمه القضاء، وإن لم يلزم الإمام على تقدير الإفساد م: (لأنه مجتهد فيه) ش: أي؛ لأن المظنون مجتهد فيه؛ لأن عند زفر القضاء واجب على الظان، فصار كأن الإمام ضامن فاتحد حال الإمام والمقتدي فجاز الاقتداء به. م: (فاعتبر العارض) ش: وهو للظان م: (عدما) ش: في حق المقتدي بالنظر إلى اجتهاد زفر مع احتمال صحة قول المجتهد؛ لأن في زعمه مضمونة صلاة الإمام، فكان هذا اقتداء بمصلي المضمونة، أما الصبي فليس من أهل الضمان حتى يسري حكم ضمانه إلى المقتدي فكان اقتداء البالغ به في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل. م: (وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي؛ لأن الصلاة متحدة) ش: لعدم الضمان على واحد منهما وكان بناء الضعيف على الضعيف. [كيفية ترتيب الصفوف في الصلاة] م: (ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء) ش: هذا ترتيب القيام خلف الإمام، وفي " المحيط " و " الإسبيجابي ": يلي الإمام الرجال ثم الصبيان الكبار ثم الخناثى ثم النساء ثم الصبيات والمراهقات م: (لقوله ﷺ «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» ش: روي هذا الحديث عن ابن مسعود وأبي مسعود والبراء بن عازب، فحديث ابن مسعود أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم» . وحديث البراء بن عازب أخرجه الحاكم في " المستدرك " في كتاب الفضائل من حديث عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله ﷺ يأتينا إذا أقيمت الصلاة فيمسح عواتقنا ويقول: "أقيموا صفوفكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلني منكم أولو الأحلام

стр. 1000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] والنهى» وسكت عنه. وقال الزيلعي في تخريج أحاديث " الهداية " للمصنف: استدل بهذا الحديث على قوله ويصف الرجال.. إلخ، ولا ينهض ذلك إلا على تقديم الرجال فقط، ويمكن أن يستدل بحديث أبي مالك الأشعري «أن النبي ﷺ كان يصفهم في الصلاة فيجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» رواه الحارث ابن أبي أسامة في "مسنده ". وأخرج ابن أبي شيبة عنه «أن النبي ﷺ أقام الرجال يلونه وأقام الصبيان خلف ذلك» . قال الأكمل: الصبيان تابعة للرجال لاحتمال رجوليتهم. قلت: إذا سلمنا هذا فما الدليل منه على كون النساء بعد الصبيان، قوله: ليلني بكسر اللامين وتخفيف النون من ولي يلي وليا وهو القرب، وأصل يلي يولي حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسر وأمر الغائب منه ليل؛ لأن الياء تسقط للجزم، وأمر الحاضر مثل ق على وزن ع، وقال النووي: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد. قلت: القاعدة في ذلك أن النون المؤكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو المحذوفتان فيصير ليليني. قوله: أولو الأحلام حلم بضم الحاء وسكون اللام وهو ما يراه النائم تقول منه: حلم بفتح اللام، واحتلم تقول: حلمت هكذا وحلمته أيضا ولكن غلبت استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، فكان المراد هاهنا ليلني البالغون. قوله: النهى بضم النون جمع نهية بضم النون وسكون الهاء وهي العقل، يقال بفتح النون أيضا؛ لأنه نهى صاحبه عن الرذائل وكذلك العقل لعقله من عقال البعير، ويقال: رجل نه ونهى من قوم نهى، وقال أبو علي الفارسي: يجوز ألا يكون النهى مصدر كالهدى وأن يكون جمعا قال: ومعناه في اللغة الشاب والحسن. وقال السغناقي في تعبير الحلم بالعقل غلط من وجهين: أحدهما: أن الثقات لم يفسروه. الثاني: إثبات التكرار في الحديث، ففي تفسير العقل من غير قابل؛ لأن النهى جمع نهية وهي العقل. قلت: قد فسر بعضهم بالحلم وليس فيه التكرار، وإنما هو التأكيد؛ لأن اللفظ مختلف والمعنى واحد، وقد وقع من غير فائدة مثل هذا في الكلام الفصيح. قوله: وإياكم، من المنصوبات بالإلزام كما في قوله: إياكم والأسد، والمعنى: اتقوا

стр. 1001

ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن. وإن حاذته امرأة وهما مشتركان في صلاة واحدة ــ [البناية] أنفسكم أن تعرضوا لهيشات الأسواق، وهو بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة وروي هوشان وأصله من الهوش وهو الاختلاط والهوشة الفتنة وبينهم تهاوش أي اختلاط واختلاف. فإن قلت: ما وجه تخصيص أولي الأحلام والنهى بذلك. قلت: لاختلافها من احتياج إليه ولتبليغ ما سمعوه منه وضبط ما يحدث عنه والتنبيه على سهو إن وقع؛ لأنهم أحق بالتقديم وليقتدي بهم من بعدهم، وكذا ينبغي لسائر الأئمة الاقتداء برأيه وسيرته ﷺ في كل حال من جموع الصلاة، وتجانس العلم والذكر وبحال الرأي [.... ..] ، قوله: ثم الذين يلونهم، معناه الذين يقربون منهم في هذا الوصف. م: (ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن) ش: هذا دليل معقول وتمهيد لذلك مسألة المحاذاة، أي ولأن محاذاة النساء الرجال مفسدة لصلاتهم فيؤخرون دفعا لفسادهم. [محاذاة المرأة للرجل في الصلاة] م: (وإن حاذته امرأة) ش: أي وإن حاذت المصلي امرأة، والمحاذاة في اللغة هي المقابلة بالحذاء، يقال: حاذاه يحذوه وفلان جلس بحذاء فلان، وفلان يحتذي فلانا أي يقتدي به، ويقال: احتذى شماله وانتحى فعاله أي: اقتدى به وحذوه النعل بالنعل حذوا إذا أقدرت كل واحدة على صاحبها، وفي " المغرب " حذوته وحاذيته إذا ضربت بحذائه وحذا بي الفلان عليهما م: (وهما مشتركان في صلاة واحدة) ش: أي والحال الرجل والمرأة المحاذية له يشتركان في صلاة واحدة، وهاهنا شروط: الأول: أن يكون المحاذاة بين الرجل والمرأة، فلو كان المحاذي صبيا لا تفسد صلاة الرجل، وكذلك لو كان معتوها. الثاني: أن تكون المرأة المحاذية مشتهاة بأن كانت بنت سبع، وقيل: بنت تسع نظرا إلى بنائه ﷺ بعائشة ﵂ وهذا يبلغ في التاسع والأصح أن السن التي ذكرت لا تفسد بها بل المعتبر أن تكون ضخمة تتحمل الجماع، وإن لم تكن كذلك لا تكون مشتهاة بالسن الذي ذكر، أما لو بلغت سن البلوغ ولم تكن ضخمة ينبغي أن تكون مشتهاة بالسن، وهذا لا تراع فيه وسواء كانت المرأة المحاذية أجنبية أو ذات رحم محرم أو عجوزة ينفر الناس منها وتكرهها. الثالث: أن تكون المرأة عاقلة. الرابع: أن لا يكون بينهما حائل؛ لأن الحائل يرفع المحاذاة والحائل أن تكون بينهما أسطوانة أو كانت في قبة في وسط الصف، وفي " التحرير " أو مقدار ما يقوم به رجل آخر، وفي " المحيط " و " المفيد ": أو كان أحدهما على دكان قدر قامة الرجل والآخر أسفل وفي " المحيط " أو بينهما

стр. 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] حائل أدناه مثل مؤخرة الرجل أو مقدمته، وفي " الحواشي ": غلظ من غلظ الأصبع ثم المساءة لأكثر القوم كذا في " مختصر المحيط "، قال أبو الليث: هو الأصح، وقيل: الأصح أن الاعتبار بالساق والكعب. الخامس: أن تكون الصلاة ذات ركوع وسجود حتى تكون صلاة من كل وجه، وإن كان ما يصليان بالإيماء لعذر؛ لأنها مطلقة في الأصل ولا تكون المحاذاة مفسدة في صلاة الجنازة. السادس: أن تكون المحاذاة في ركن كامل، وينبغي للحال أن يشترط أن يكون الأداء في ركن كامل عند محمد، وعند أبي يوسف لو وقعت مقدار الركن فسدت، وإن لم تؤد، وفي " مختصر بحر المحيط " لو حاذته أقل من مقدار أفسدت عند أبي يوسف وعند محمد لا تفسد إلا مقدار الركن. وفي " المحيط " ذكر الجرجاني أن امرأة لو كبرت في الصف الأول، وركعت في الصف الثاني وسجدت في الصف الثالث، فسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها في كل صف؛ لأنها أدت ركنا كاملا من أركان صلاتها في كل صف، فصار كالمدفوع إلى صف النساء. السابع: أن يكون فيه نوى الإمام إمامتها، أو نوى إمامته النساء إلا امرأة بعينها تحاذيه لا تفسد صلاته ذكره صاحب " المحيط عن أبي يوسف، وقال شمس الأئمة السرخسي: لو صححنا اقتداء المرأة بالرجل بغير سنة قدرت على إفساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت، بأن تقتدي به فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر ما لا يخفى، وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب يعني يجوز اقتداء المرأة بالرجل في الجمعة والعيدين، ولكن هو محمول عند أكثر المشايخ على وجود النية من الإمام، ومنهم من سلم ولكن يفرق بينهما وبين سائر الصلوات، فنقول: الضرر هاهنا في جانبها؛ لأنها لا تقدر على صلاة العيدين والجمعة وحدها، ولا تجد إماما آخر يقتدى به مع أنها لا تقدر على الوقوف بجنب الإمام؛ لكثرة الازدحام في هذه الصلوات، وصححنا اقتداءها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات. الثامن: شرط ذكره صاحب " الينابيع " وهو أن يكون الإمام قد نوى إمامتها، وهي معه قد اقتدت به من أول صلاته، ولو نوى إمامتها إلا أنها لم تقتد به في أول صلاته فصلاتهما جائزة؛ لأن الركن لا يوجد في كل واحد من كل وجه حيث انفرد في بعضها، وإذا وجدت الشركة من أول الصلاة فوقفت بجنب الإمام فسدت صلاته وصلاتهما مع القوم؛ لفساد صلاة إمامهم، والصحيح أن ذلك ليس بشرط فإنه ذكر في " الذخيرة " وعزاه في كتاب " الغنية " فقال: اقتدى رجل وامرأة برجل في الركعة الثالثة ثم أحدثا فذهبا وتوضآ ثم جاءا فيصليان فحاذته إن حاذته في الثالثة والرابعة للإمام وهي الأولى والثانية لهما تفسد صلاة الرجل، وإن حاذته في الثالثة والرابعة لهما لا تفسد صلاة الرجل؛ لأنهما متسويان فيها

стр. 1003

فسدت صلاة إن نوى الإمام إمامتها، والقياس أن لا تفسد، وهو قول الشافعي - رحمة الله عليه - اعتبارا بصلاتها حيث لا تفسد ــ [البناية] وفي " مختصر بحر المحيط " نية إمامة النساء تعتبر وقت الشروع لا بعده، وتصح نية النساء بدون حضورهن، وقيل: يشترط حضرتها، وفي " الذخيرة " ذكر في بعض الفتاوى لو أن رجلا صلى ولم ينو إمامة النساء فاقتدت به امرأة، قال أبو نصر: إن لم تقم بجنبه يصح اقتداؤها، وقال أبو القاسم: لا يصح اقتداؤها في الوجهين. وفي الأسبيجابي: لو تقدمت أمامه لا يصح اقتداؤها وتصح صلاته. وفي " المرغيناني ": لو تقدمت المرأة فالصحيح أن صلاة الرجل لا تفسد؛ لأنه لم يرض بإمامتها، وعن أبي يوسف تفسد. وفي " الذخيرة " حكي عن مشايخ العراق صورة في المحاذاة تفسد صلاة المرأة ولا تفسد صلاة الرجل، وبيانها جاءت امرأة فشرعت في الصلاة بعدما شرع الرجل ناويا إمامة النساء فحاذته تفسد صلاة الرجل، وإذا كانت حاضرة فقامت بحذائه وكان يمكنه أن يؤخرها بالتقدم عليها خطوة أو خطوتين، فلم يتقدم فسدت صلاته؛ لأنه لم يوجد منه التأخير لها وقد ترك فرض المقام. التاسع: أن تكون الصلاة مشتركة يعني تحريمة وأداء بأن يكونا وراء الإمام حقيقة أو تقديرا، أما حقيقة فظاهر، وأما تقديرا فبالتأخير. والعاشر: حد المحاذاة أن يكون عضو منها يحاذي عضوا من الرجل؛ لأنهم شرطوا المحاذاة مطلقا فيتناول كل الأعضاء أو بعضها، ونص في " قاضي خان " أن محاذاة غير قدمها بشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاة الرجل، وقال: المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها محل أقدام الزوج لا تجوز صلاتهما بالجماعة، وإن كان قدمها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة تقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت صلاتهما؛ لأن العبرة للقدم، وفي " الجامع " لو أدركا أول الصلاة مع الإمام ثم أحدث أو نام، وقد فرغ الإمام فحاذته المرأة تفسد صلاته؛ لأن اللاحق خلف الإمام تقديرا، ولهذا لو وافقها يقضي، ولو سها لا يسجد للسهو فكانت الصلاة مشتركة، ولو كانا مسبوقين فحاذته في قضاء ما سبق لم تفسد صلاته؛ لعدم الاشتراك لا حقيقة ولا حكما، ثم الشركة قد تكون باتحاد الفرضين وباقتداء المشروعة بالمتطوعة أو المفترض. م: (فسدت صلاته) ش: جواب الشرط أي صلاة الرجل دون صلاة المرأة ولكن يشترط وهو م: (إن نوى الإمام إمامتها) ش: وفيه خلاف زفر ﵀ على ما يأتي عن قريب إن شاء الله. م: (والقياس أن لا تفسد) ش: أي أن لا تفسد صلاة الرجل، ويجوز أن تقرأ لا تفسد بضم التاء من الإفساد يعني ومقتضى أن لا تفسد المحاذاة صلاة الرجل م: (وهو قول الشافعي) ش: أي القيام، وهو عدم الفساد قول الشافعي م: (اعتبارا بصلاتها حيث لا تفسد) ش: أي اعتبر الشافعي اعتبارا بصلاة المرأة حيث لا تفسد؛ لأنهما مشتركين تفسد صلاة أحدهما دون الآخر؛ لأن فساد

стр. 1004

وجه الاستحسان ما رويناه، وإنه من المشاهير، وهو المخاطب به دونها فيكون هو التارك لفرض القيام، فتفسد صلاته دون صلاتها كالمأموم إذا تقدم على الإمام، وإن لم ينو إمامتها لم تضره ولا تجوز صلاتها؛ لأن الاشتراك لا يثبت دونها عندنا. ــ [البناية] الصلاة لترك الركن أو لوجود ما يناقضها ولم يوجد. م: (وجه الاستحسان ما رويناه) ش: وهو قول أبي مسعود أخروهن من حيث أخرهن الله. وجه الاستدلال به أن الرجل إن أخطأ مكانه ففسدت صلاته كما إذا تقدم على الإمام، وهذا لأن مقامه قدام المرأة للخبر المذكور، فلما حاذته لزم ترك فرض الإمام وهو تأخير المرأة عنه فسدت صلاته دون صلاة المرأة؛ لأن المأمور بالتأخير الرجل دون المرأة. م: (وأنه من المشاهير) ش: أي وإن الخبر المذكور من الأخبار المشهورة. هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: هذا خبر الواحد لا يثبت به الفرض فكيف أثبتم به فرض القيام؟ فأجاب عنه بقوله: وأنه من المشاهير، وليس بخبر الواحد فيجوز به الزيادة على الكتاب، ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الفرض يثبت به ابتداء، بل يثبت باعتبار أنه وقع بيانا لما تضمنه كتاب الله بقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (البقرة: الآية ٢٢٨) ، فألحق بالكتاب فأخذ حكمه. أقول: هذا كله إذا ثبت كون الخبر المذكور حديثا مرفوعا ولم يثبت ذلك كما ذكرنا. م: (وهو المخاطب به دونها) ش: هذا جواب عن وجه القياس وتقريره أن يقال: لا يلزم من عدم فساد صلاتها عدم فساد صلاته؛ لأنه المخاطب به أي؛ لقوله أخروهن من حيث أخرهن الله م: (دون المرأة) ش:. فإن قلت: إذا كان هو مأمورا بتأخيرها وتكون هي أيضا مأمورة بالتأخير؛ لأن التأخير لازم التأخر فينبغي أن تفسد صلاتها. فإن قلت: لا نسلم أنها مأمورة قصدا بل هي مأمورة ضمنا، وما ثبت ضمنا دون ما ثبت قصدا، ففسدت صلاته دون صلاتها، وأيضا كان يمكن له أن يتقدم خطوة أو خطوتين، ولا يتأخرها، فيكون هو المقصر وإلى هذا أشار بقوله: (فيكون هو التارك لفرض القيام) ش: وهو تقديمه عليها م: (فتفسد صلاته دون صلاتها) ش: لعدم التقصير منها م: (كالمأموم إذا تقدم على الإمام) ش: وهذا القياس مستقيم على قول الشافعي وأحمد؛ لأنهما يقولان بفساد المأموم إذا تقدم على إمامه خلافا لمالك وإسحاق. وقال الثوري: المناولة بالعقب على المذهب، وفي الوسط الاعتبار بالكعب. م: (وإن لم ينو إمامتها لم تضره) ش: أي لم ينو الإمام إمامته المرأة تضره المحاذاة لعدم الاشتراك م: (ولا تجوز صلاتها) ش: أي صلاة المرأة م: (لأن الاشتراك) ش: بين الإمام وبينها م: (لا يثبت دونها عندنا) ش: أي دون النية؛ لأن نيته إمامتها يشترط لفساد صلاة الرجل عند المحاذاة عندنا.

стр. 1005

خلافا لزفر ﵀ ألا ترى أنه يلزمه الترتيب في المقام فيتوقف على التزامه كالاقتداء، وإنما يشترط نية الإمامة إذا ائتمت محاذية، وإن لم يكن بجنبها رجل ففيه روايتان، والفرق على إحداهما أن الفساد في الأول لازم، وفي الثاني محتمل. ــ [البناية] م: (خلافا لزفر ﵀) ش: فإن عنده نية إمامتها ليست بشرط؛ لفساد صلاة الرجل بعدما دخلت في صلاته؛ لأن الرجل صالح لإمامة الرجال والنساء ثم اقتداء الرجل به صحيح بلا نية إمامته وكذا اقتداء المرأة. م: (ألا ترى) ش: توضيح لقوله: لأن الاشتراك لا يثبت دونها، وتقريره م: (أنه يلزمه الترتيب في المقام) ش: أي؛ لأن الإمام لا يلزمه الترتيب في المقام أي في التقديم بالنص، وكل من يلزمه شيء توقف على التزامه فلا يسر به الشريك في المقام م: (فيتوقف على التزامه كالاقتداء) ش: فإن الاقتداء لما بقي يلزم فساد صلاته من صلاة الإمام توقف لزوم الفساد على إلزام المقتدي بنية الشروع في صلاة الإمام. فإن قلت: يشكل على هذا قول أبي حنيفة ﵁ في اقتداء القارئ بالأمي فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ به، ومع ذلك لا يشترط للأمي نية إمامة القارئ مع أنه يلحق صلاته فساد من جهة عنده. قلت: يمنع اشتراط النية على قول الكرخي، فإن عنده لا يصح بلا نية أيضا، ولئن فيه لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، وأما فساد صلاة الإمام في المحاذاة بسبب الاقتداء لا غير فيتوقف على إلزامه كذا في " مبسوط شيخ الإسلام " و " المحيط " ولكن ذكر في الكتاب الصحيح أنه تجوز صلاة الأمي فيما إذا صلى القارئ منفردا على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وفي " جامع المحبوبي ": محاذاة الأمرد تفسد الصلاة عند البعض؛ لأنه ذكر في الملتقط أن الأمرد من قرنه إلى قدمه عورة. م: (وإنما يشترط نية الإمامة إذا ائتمت محاذية) ش: أي إذا اقتدت بالإمام حال كونها محاذية أراد بهذا أن النية إنما تشترط إذا كانت المحاذاة ثابتة وقت الاقتداء بأن قامت أولا بجنب رجل. م: (وإن لم يكن بجنبها رجل) ش: أو كان ولكن المرأة قامت خلفه هل يشترط نية الإمام أو لا؟ م: (ففيه روايتان) ش: في رواية: يشترط لاحتمال تقدم المرأة فتحقق المحاذاة، وفي رواية لا يشترط؛ لأنه لا فساد في الحال وتحققه موهوم م: (والفرق على إحداهما) ش: أي إحدى الروايتين: وهي رواية الصحة م: (أن الفساد في الأول) ش: وهو ما إذا كان بجنبها رجل م: (لازم) ش: لوجود ملزومه وهو المحاذاة في الحال، فلا بد من النية ليكون الفساد بالتزامه م: (وفي الثاني) ش: وهو ما إذا لم يكن بجنبه رجل فالفساد فيه م: (محتمل) ش: بأن تمشي فتحاذي فتفسد، ولكن الظاهر أن لا تمشي في الصلاة ولا تحاذي، فلم يشترط نية الإمام لعدم التحقق بلزوم الفساد.

стр. 1006

ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة، وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أهل الشهوة، وأن لا يكون بينهما حائل، لأنها عرفت مفسدة بالنص، بخلاف القياس فيراعي جميع ما ورد به النص ــ [البناية] م: (ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة) ش: أشار بهذا إلى شرائط المحاذاة المفسدة وقد ذكرنا أنها عشرة، والمصنف ذكر بعضها وأشار بكلمة من التي هي للتبعيض، فمنها أن تكون الصلاة مشتركة يعني تحريمة وأداء بأن يكون خلف الإمام حقيقة أو تقديرا، أما حقيقة فظاهر، وأما تقديرا فمثل رجل وامرأة خلف الإمام أحدثا فتوضآ ثم جاء أو قد فرغ الإمام فحاذته المرأة في الأداء فسدت صلاة الرجل؛ لأنها خلف الإمام تقديرا، ولهذا لم يكن عليهما قراءة ولا سهو، وإنما يبنيان على رأي الإمام في صلاة العيد في عدد التكبيرات ومحلها، ولو كانا مسبوقين فحاذته على قضاء ما سبقها لم تفسد لعدم الاشتراك حقيقة ولا حكما. أما حقيقة فظاهر، وأما حكما فإن المسبوق منفرد في قضاء ما سبق، وهذا كان عليه السهو والقراءة، وأنه مقيس على صلاة نفسه في صلاة العيد في التكبيرات عددا ومحلا ثم الاشتراك قد يكون باتحاد الفرضين واقتداء المتطوعة بالمتطوع أو المفترض. م: (وأن تكون مطلقة) ش: أي ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مطلقة أي كاملة ذات ركوع وسجود، واحترز بذلك عن صلاة الجنازة، فإن المحاذاة فيها ليست بمفسدة؛ لأنه دعاء وقضاء حق الميت لا غير م: (وأن تكون المرأة من أهل الشهوة) ش: أي ومن شرائط المحاذاة أن تكون المرأة المحاذية مشتهاة في الحال أو في الماضي، حتى إن محاذاة الصغيرة ليست بمفسدة م: (وأن لا يكون بينهما حائل) ش: أي ومن شرائطها أن لا يكون بين الرجل والمرأة المحاذية حائل أي فاصل، واعتبره في " المحيط " بقدر ذراع، وإن كان أقل منه لا تكون سترة، وقد استقصينا الكلام في هذه الشروط فيما مضى. م: (لأنها) ش: أي؛ لأن المحاذاة م: (عرفت مفسدة) ش: للصلاة م: (بالنص) ش: وهو قوله: أخروهن من حيث أخرهن الله م: (بخلاف القياس) ش: لأن القياس المحاذاة غير مفسدة كما قال زفر والشافعي؛ لأن الصلاة لا تفسد إلا بترك ركن، ولو جردت ساقها فلم يوجد فيها ذلك م: (فيراعي جميع ما ورد به النص) ش: وهذا نتيجة قوله: بخلاف القياس، فحينئذ يراعي فيه ما ورد به النص وهو الخبر المذكور. ثم المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها، وآخر عن يسارها، وآخر عن خلفها، والثنتان صلاة أربعة، واحد عن يمينهما، وآخر عن يسارهما، و [اثنان خلفهما] وهذا لفظ " الذخيرة " و " التحرير "، وفي " المبسوط ": واحد عن يمين أحدهما، والآخر عن يسار الأخرى، وهذه العبارة أولى، وصلاة اثنين خلفهما بهما. وإن كن ثلاثا ووقفن في الصف أفسدت صلاة

стр. 1007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] خمسة: واحد عن يمينهن، وآخر عن يسارهن، وثلاثة خلفهن، وثلاثة إلى آخر الصفوف. ولو كان صف تام من النساء خلف الإمام ووراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها. وفي " الذخيرة " و " المحيط " و " التحرير ": وهذا استحسان، وفي القياس: تفسد صلاة واحد من الرجال خلف النساء للحائل في حق باقي الصفوف. قلت: هذا استحسان في الاستحسان؛ لأن الفساد في الأصل المحاذاة استحسان، والأصل في الحائل وصف النساء قول عمر ﵁ من كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر أو صف من نساء فليس هو مع الإمام، ذكره في " المحيط و " الذخيرة " وغيرهما، وقال: يرويه كعب بن أبي سليم وهو ضعيف عن تميم وهو مجهول، ورفعه لا أصل له. وفي " المحلى " لابن حزم عن عمر من كان بينه وبين الإمام نهر أو حائط أو طريق فليس مع الإمام. قال الأسبيجابي: الصف التام من النساء يفسد صلاة من خلفهن ولو كانوا عشرين صفا. وفي " المفيد " و " المزيد ": ولو كان ألف صف إذا كن في صلاة الإمام، وهو الذي يمنع صحة الاقتداء هو الذي لا يغير إلا بحيلة كالبحر وغيره. وقيل: ما تجري فيه سواء كان فيه ماء أو لم يكن ذكره في " المفيد ". وفي " المختصر " و " البحر المحيط ": السواقي تمنع كالأنهار عند أبي يوسف، ورواية عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا يمنع إلا ما تجري فيه السفينة والزورق وهكذا ذكر الحاكم الشهيد في " المنتقى "، قال صاحب " الذخيرة ": وهو الصحيح، وفي " المحيط ": وهو الأصح. وعن أبي يوسف إن كان يمكن الشمس في بطنه كان عظيما، ومن المشايخ من قال: إذا كان لا يمكن الرجل القوي أن يحاذه بوثبة فهو مانع، ولو كان على عدة صفوف متصلة لا يمنع عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وفي الحوض إن وصلت النجاسة إلى الجانب الآخر يمنع، ذكره الإمام أبو نصر الصفار، والطريق العريضة ما تمر به العامة ويمر به الواحد أو الاثنان خاصة، وقيل ما تمر به العجلة وحمل البعير والمحمل. ١ - فروع أخرى: وفي " المحيط ": إذا كان يصلي في الصحراء وبينه وبين إمامه قدر صفين يمنع وأقل لا، وفي " الذخيرة " عن الفقيه أبي القاسم الصفار: مانع والبعد بينه وبين إمامه في المسجد لا يمنع إذا لم يشتبه حال إمامه عليه، والمصلي بمنزلة المسجد في هذا وفي جوامع الفقيه: البيت والدار ومصلى العيد والجنازة بمنزلة المسجد كذا عن أبي يوسف بخلاف الصحراء. وقال أبو الحسن علي الصفدي: البيت لها كالمسجد للرجل كما في سجدة التلاوة، وفي " مختصر البحر المحيط ": المسافة التي تمنع الاقتداء في الصحراء تمنعه في البيت. قال: والأصح أنه يجوز صلاة جماعة في خان القاضي، أو خان السبيل والباب المغلق يجوز الاقتداء، وإن لم تتصل الصفوف، وهو جواب القاضي الحاكم ببخارى، وقيل: لا يجوز به لو

стр. 1008

ويكره لهن حضور الجماعات يعني الشواب منهن؛ لما فيه من خوف الفتنة، ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء، ــ [البناية] كان بينه وبين الإمام حائط تجوز صلاته، قال في " المحيط " و " الذخيرة ": أطلق محمد الجواب في الأصل في الحائط قالوا: هذا إذا كان الحائط قصيرا مثل قامة الرجل لا يمنعه من الوصول إلى الإمام، وإن كان طويلا منع، وإن لم يشتبه عليه حال الإمام كالنهر العظيم والطريق العريضة. وفي " الذخيرة ": اختلف المشايخ في الفاصل القصير وغيره، فقال أبو طاهر الدباس: القصير ما يصعد عليه بغير كلفة بأن يخطو الرجل خطوة ويضع قدمه عليه. وعن محمد بن سلمة: القصير ما لا يشتبه حال الإمام عليه به. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: القصير حائط المقصورة بحيث لا يمنع المقتدي من الوصول إلى الإمام، وإن [كان] في الطويل ثقب كبير مثل الباب فيصح الاقتداء، وإن كان صغيرا لا يمكنه الوصول إلى مكان الإمام قيل: لا يصح، وقيل: يصح، والباب الكبير إن كان مسدودا قيل: لا يصح الاقتداء به، وبه قال الفقيه أبو بكر الإسكاف، وقيل: يصح وبه قال الفقيه أبو بكر الأعمش، وإن كان الحائط الطويل عليه شباك فمن اعتبر الوصول قال يمنع، ومن اعتبر حال اشتباه الإمام قال: لا يمنع، فإن كان الإمام على الأرض والقوم على سطح المسجد أو العكس، قال: إن كان له منعه يصح وإلا فلا. وقيل: إن كان لا يشتبه عليهم حال إمامهم يصح وإلا فلا. ويجوز الاقتداء من المأذنة بالإمام وهو المسجد كالسطح، ولو كان على سطح داره بجنب المسجد لا يصح. قال في " المحيط ": وهو الصحيح. وفي " الذخيرة ": قال الحلوائي: يجوز كما لو صلى بمنزله تحت المسجد وهو يسمع التكبير من الإمام أو المكبر. وقال القاضي علاء الدين في " شرح المختلفات ": لا يجوز، ولو قام على رأس الحائط الذي هو المسجد ومنزله قالوا: يجوز؛ لأنه لا حائل هناك، وفي فناء المسجد لا يشترط اتصال الصفوف ولا يلي المسجد؛ لأنه في حكم المسجد، وإليه أشار محمد ﵀ في السفينتين المتلاصقتين يشترط اتصال الصفوف. [حضور النساء للجماعات] م: (قال: ويكره لهن حضور الجماعات) ش: أي يكره للنساء م: (يعني الشواب منهن) ش: وهي جمع شابة، وهذه اللفظة بإطلاقها تتناول الجُمَع والأعياد والكسوف والاستسقاء. وعن الشافعي: يباح لهن الخروج م: (لما فيه) ش: أي في حضورهن الجماعة م: (من خوف الفتنة) ش: عليهن من الفساق، وخروجهن سبب للحرام وما يفضي إلى الحرام فحرام. وذكر في كتاب الصلوات مكان الكراهة الإساءة والكراهة فحش. قلت: المراد من الكراهة التحريم ولا سيما في هذا الزمان لفساد أهله. م: (ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء) ش: لحصول الأمن، وفي المغرب اختلاف الروايات، وفي " المنظومة ": ألحق المغرب بالعشاء كما ذكره المصنف والمبسوط لشمس

стр. 1009

وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يخرجن في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة إليها فلا يكره كما في العيد، وله أن فرط الشبق حامل؛ فتقع الفتنة، غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة، أما في الفجر والعشاء فهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، والجبانة متسعة فيمكنها الاعتزال عن الرجال فلا يكره. ــ [البناية] الأئمة. وفي " المختلف ": والعصر ألحق المغرب بالظهر كما في " مبسوط " شيخ الإسلام، ويحتمل أن ذلك بناء أن المغرب تنتشر فيه الفسقة أيضا كالعصر في بعض البلاد، قيل: هذا كله في زمانهم، أما في زماننا فيكره خروج النساء إلى الجماعة لغلبة الفسق والفساد، فإذا كره خروجهن للصلاة فلأن يكره حضورهن مجالس العلم خصوصا عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية أهل العلم. م: (وهذا عند أبي حنيفة) ش: أي هذا الذي ذكرنا عند أبي حنيفة م: (وقالا: يخرجن في الصلوات كلها) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: العجائز تخرجن في جميع الصلوات م: (لأنه لا فتنة لقلة الرغبة إليها) ش: أي لقلة رغبة الرجال فيهن، كذا علل في بعض الشروح، وفيه نظر؛ لأن الحريص منهم من يرغب في العجائز فيصير خروجهن سببا للوقوع في الفتنة. م: (فلا يكره) ش: نتيجة ما قيل يعني فإذا أمن من الفتنة فلا يكره م: (كما في العيد) ش: أي لا يكره خروجهن في العيد وهذا مجمع عليه. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن فرط الشبق) ش: بفتح الباء وهو شدة الغلبة من شبق الفحل بالكسر إذا اشتدت عليه، والفرط بالتسكين مجاوزة الحد م: (حامل) ش: أي على الفتنة م (فتقع الفتنة) ش: بسبب غلبان الشهوة، فعند ذلك يمنعن من الخروج إلى جميع الصلوات نظرا إلى ذلك. م: (غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة) ش: فلا يحصل إلا في هذه الأوقات؛ لأن الحريص منهم يرغب العجائز، وفيهن من يرغب بلا خلاف. م: (أما في الفجر والعشاء فهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون) ش: فيحصل الأمن منهم م: (والجبانة متسعة) ش: جواب عن قياسهما بقولهما كما في العيد والجبانة بتشديد الباء الموحدة بعد الجيم م: (فيمكنها الاعتزال عن الرجال) ش: لاتصال الجبانة ولغلبة أهل الصلح يومئذ م: (فلا يكره) ش: نتيجة ما قبله، وتكلموا أن حضورهن للصلاة أو لتكثير الجمع، فروى الحسن عن أبي حنيفة أن خروجهن للصلاة يقمن في آخر الصفوف فيصلين من وراء الرجال؛ لأنهن من أهل الجماعة تبعا للرجل، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن خروجهن لتكثير العراء ويقمن في ناحية ولا يصلين؛ لأنه قد صح أن النبي ﷺ أمر الحيض بذلك فإنهن ليس من أهل الصلاة.

стр. 1010

قال: ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة ولا الطاهرة خلف المستحاضة؛ لأن الصحيح أقوى حالا من المعذور، والشيء لا يتضمن ما هو فوقه، والإمام ضامن بمعنى؛ أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي، ــ [البناية] فإن قلت: روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» . رواه الجماعة إلا ابن ماجه. قلت: هذا محمول على العجائز، ويؤيده ما رواه البيهقي ﵀ عن ابن مسعود «أنه ﷺ نهى النساء عن الخروج إلا عجوزا في منقليها» . والأصح أنه موقوف عليه، والمنقلان الحقان بفتح الميم وهو الأشهر وبكسرها أيضا، وكان ابن عمر ﵁ يحبس النساء إلا يوم الجمعة ويخرجن من المسجد، وقال أبو عمرو الشيباني: ابن مسعود حلف فبالغ في اليمين ما صلت امرأة أحب إلى الله من صلاتها في بيتها إلا في حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من بعولتها، وعن أم سلمة ﵂ أنه ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» رواه أحمد. [صلاة الصحيح خلف صاحب العذر] م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة) ش: أراد به من به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ، ومن به استطلاق بطن وانفلات الريح، يعني لا يجوز اقتداء الطاهر بواحد من هؤلاء. م: (ولا الطاهرة خلف المستحاضة) ش: أي: ولا تصلي النساء الطاهرات خلف المستحاضة وهي التي يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه. م: (لأن الصحيح أقوى حالا من المعذور) ش: فلا يجوز اقتداء الصحيح به؛ لأنه بناء القوي على الضعيف، وهو لا يجوز، وللشافعي في صلاة الطاهر خلف المستحاضة وجهان، والصحيح: أنه لا يجوز كالمتوضئ خلف المتيمم، والغاسل خلف الماسح، وبه قال زفر خلف كل معذور؛ لأنه آت بما هو مأمور به. والثاني: لا يجوز؛ لأن طهارتها ضرورة ولا ضرورة في الاقتداء. م: (والشيء لا يتضمن ما هو فوقه) ش: وإنما قلنا أنها تتضمن؛ لقوله ﷺ : م: «والإمام ضامن» ش: والضمان ليس في الذمة، فإن صلاة المقتدي لا تصير في ذمته فثبت معناه أن صلاة الإمام في ضمنه صلاة المقتدي وإليه أشار بقوله م: (بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي) ش: هذا معنى قوله ﷺ : «الإمام ضامن» ومن المعلوم أن صلاة القوم ليست في ذمة الإمام كما ذكرنا، فيكون معنى ضامن لصلاته لتبعية صلاتهم صحة وفسادا، والتضمن إنما يتحقق إذا كان التضمن مثله أو فوقه، أما إذا كان دونه فلا.

стр. 1011

ولا يصلي القارئ خلف الأمي، ــ [البناية] وقال تاج الشريعة: قوله: ضامن، من ضمن الشيء يضمنه إذا جعله تحت ضمنه أي كشحه ووقع ثقله عليه. قلت: الضبين بكسر الضاد المعجمة وسكون الباء الموحدة. قال الجوهري: ما بين الإبط والكشح وأول الحمل الإبط ثم الضبين ثم الحص. [صلاة القارئ خلف الأمي] م: (ولا يصلي القارئ خلف الأمي) ش: وللشافعي فيه قولان منصوصان، وثالث مخرج أصحهما الجديد أنه لا يصح، وفي القديم يصح في السرية دون الجهرية، وفي المخرج: يصح مطلقا، وشذ صاحب " الحاوي "، فقال الأقوال الثلاثة إذا كان جاهلا فإن علم لا يصح قطعا، والمذهب ما قدمناه، والصحيح بطلان الاقتداء وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهم واختاره المزني وأبو ثور وابن المنذر وصححه مطلقا، وهو مذهب عطاء وقتادة، والأمي عندهم هو الذي لا يحفظ الفاتحة بكمالها، ولو حفظ جميع القرآن حتى الفاتحة إلا تشديدة منها أمي عندهم، وهذا بعيد من اللغة والعرب، وفي " المغرب ": الأمي في اللغة منسوب إلى أمه من العرب، وهي لم تكتب ولم تقرأ فاستقر لكل من لا يعرف الكتابة ولا القراءة، ومن يعرف الكتابة ويحفظ جميع القرآن إلا حرفا من الفاتحة. فكيف يكون أميا والأمي عندنا من لا يحفظ من القرآن ما تصح به صلاته. وقال تاج الشريعة: الأمي هنا من لا يحسن قراءة شيء من القرآن، منسوب إلى الأم أي هو كما ولدته أمه، وهو في التنزيل والحديث ولسان العرب من لا يحسن التحفظ، وإذا عرف ذلك فمن أحسن قراءة آية من القرآن أن لا يكون أميا حتى يجوز اقتداء من يحفظ التنزيل عند أبي حنيفة وعند ذلك حكم من يحسن ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأن فرض القراءة إنما تقام بهذا القدر، وما رواه فصل في بابه، فقال صاحب " الدراية ": الأمي عند الشافعي من لا يحسن القراءة. وفي " المحيط ": ولا يؤم الأخرس الأمي ذكره الكرخي؛ لأن الأمي يقدر على التحريمة بخلاف الأخرس. وفي " الذخيرة ": لا يجوز لعلمائنا الثلاثة، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلاة أن الأخرس والأمي إذا أرادا الصلاة كان الأمي أولى بالإمامة، فهذا دليل على جواز اقتداء الأمي بالأخرس، والأمي إذا أم الأخرس فصلاتهما جائزة بلا خلاف. وفي " جوامع الفقه " وغيره: إذا قرأ في الأوليين ثم خرس أو صار أميا فسدت صلاة القوم وأتم هو صلاته، ولو اقتدى الأمي بالقارئ فعلم سورة في وسط الصلاة قال الفضل: لا تفسد صلاته، وقال غيره: تفسد، وعن أبي يوسف: من يجن ويفيق لا يجوز إمامته في حال إفاقته إذا كان أكثر حاله الغيبة.

стр. 1012

ولا المكتسي خلف العاري؛ لقوة حالهما ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: لا يجوز؛ لأنه طهارة ضرورية، والطهارة بالماء أصلية، ولهما أنه طهارة مطلقة، ــ [البناية] [صلاة المكتسي خلف العاري] م: (ولا المكتسي خلف العاري) ش: أي لا يصلي من عليه الثوب خلف العريان ولو قال: ولا المستور العورة خلف العاري لكان أجود؛ لأن من ستر عورته بالسراويل وغيرها يسمى عاريا في العرف هكذا ذكره المصنف في كفارة اليمين وفي " جوامع الفقه " لا يصح اقتداء الصحيح الذي ثوبه نجسة بالمبتلى بالحدث الدائم م: (لقوة حالهما) ش: أي لقوة حال القارئ والمكتسي وهذا ظاهر، ولا تظن أن الضمير يرجع إلى المكتسي والعاري، لفساد المعنى والمراد بقوة الحال الاشتمال على ما لم تشتمل عليه صلاة الإمام مما تتوقف عليه الصلاة، ثم في كل موضع لا يجوز الاقتداء هل يكون شارعا في صلاة نفسه، في رواية باب الحدث لا يكون شارعا، وكذا في روايات الزيادات حتى لو ضحك قهقهة لا تنتقض طهارته، وفي رواية باب الأذان يصير شارعا وقيل: ما ذكر في باب الحدث قول محمد وما ذكر في باب الأذان قولهما بناء على أن فساد التحريمة يوجب فساد التحريمة في قول محمد وعلى قولهما لا يوجب. وذكر في " المحيط " أن القارئ إذا اقتدى بالأمي قال بعضهم لا يصير شارعا حتى لو كان في التطوع يجب القضاء، والصحيح هو الأول نص عليه محمد في الأصل، وقيل: إنما لا يلزمه القضاء؛ لأن الشروع بمنزلة النذر، ولو نذر المصلي بأن يصلي بغير قراءة لا يلزمه فكذا الشروع. [إمام المتيمم للمتوضئين] م: (ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ش: وبه قال جمهور الفقهاء، وحكاه ابن المنذر، عن ابن عباس، وعمار بن ياسر، وجماعة من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والزهري، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. م: (وقال محمد: لا يجوز) ش: وبه قال النخعي ويحيى الأنصاري. وعن علي ﵁ مكروه، وقال الأوزاعي: لا يؤمهم إلا أن يكون أميرا م: (لأنه) ش: أي؛ لأن التيمم م: (طهارة ضرورية) ش: يعني لا يصار إليها إلا عند عدم الماء، ويزول كونها طهارة بوجود الماء كما قال الشافعي أنه طهارة ضرورية مع قيام الحدث؛ ولهذا لا يؤدى به فرضان عنده ولا يعتبر قبل الوقت م: (والطهارة بالماء أصلية) ش: لأنه خلف عن الماء ولا شك أن حال من اشتمل على الطهارة الأصلية أقوى من حال من اشتمل على الطهارة الضرورية. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة، وأبي يوسف م: (أنه) ش: أي أن الماء م: (طهارة مطلقة) ش: أي غير مؤقتة بوقت كطهارة المستحاضة.

стр. 1013

ولهذا لا يتقدر بقدر الحاجة، ــ [البناية] م: (ولهذا لا يتقدر بقدر الحاجة) ش: أي ولكونه طهارة مطلقة لا يتقدر بقدر الحاجة كالتيمم، ولم يذكر المصنف استدلال أصحابنا بالأخبار فنقول: أصبح محمد ﵀ فيما روي عن علي ﵁ أنه قال: لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين، ولم يرو عن أقرانه خلاف ذلك فوجب اتباعه، ولهما «حديث عمرو بن العاص أنه ﷺ جعله أميرا على سرية فلما انصرفوا سألهم عن سرية فقالوا: كان حسن السرية، ولكنه صلى بنا يوما وهو جنب فسأله النبي ﷺ فقال: احتلمت في ليلة باردة حيث الهلاك إن اغتسلت فقرأت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (البقرة: الآية ١٥٩) ، فتيممت وصليت بهم فتبسم النبي ﷺ » -. وقال مالك: من فقه عمرو بن العاص، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، رواه أبو داود وبغير هذا اللفظ، وقال في آخره: فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئا، ورواه البخاري تعليقا. والجواب عما روي عن علي ﵁ أنه أراد به نفي الفضيلة والكمال بدليل عطف المقيد عليه، وهناك المراد في الفضيلة بالاتفاق، وفي الحقيقة هذا الخلاف بناء على ما ذكر في الأصول، وهو أن التراب خلف عن الماء على قولهما، وعنده التيمم خلف عن الوضوء فيكون المتيمم صاحب الخلف والمتوضئ صاحب الأصل عنده فلا يؤمه، وعندهما لما كان التراب خلفا عن الماء في حصول الطهارة فعند حصول الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين. فإن قلت: يرد إشكال على أصل كل واحد منهما بمسألة انقطاع الرجعة، فإن محمدا جعل التيمم هنا طهارة ضرورية، وفي باب الرجعة طهارة مطلقة حتى تنقطع الرجعة بمجرد التيمم من غير أن تصلي، وهما جعلاه قطعا هاهنا وضرورة هناك حتى قالا: لا تنقطع الرجعة بمجرد التيمم فيلزمه التناقض. قلت: لا تناقض أصلا فإنهم اتفقوا على أن التيمم طهارة ضرورية؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند العجز ومطلقة باتفاقهم؛ لعدم توقيته بوقت غير أن الذي يظن هذا إذا وقف على تعليلهم اندفع ذلك عنه فيما اختارا جهة الضرورة في انقطاع الرجعة إذا انقطع دمها في الحقيقة الثالثة بما دون العشرة، وقالا: لم تنقطع الرجعة الإطلاق في حق الصلاة لدفع الحرج، وفي حق انقطاع الرجعة جهة بمجرد التيمم من غير أن تصلي؛ لأن الشرع لم يذكر كونها طهارة في باب الرجعة وكان المقصود من طهارتها أداء الصلاة فما لم يترتب ما هو المقصود منه لم يكن طهارة بالنسبة إليه، ومحمد ﵀ قد عمل في البابين جميعا بالاحتياط، ففي باب الصلاة القول بعدم

стр. 1014

ويؤم الماسح الغاسلين؛ لأن الخف مانع سراية الحدث إلى القدم، وما حل بالخف يزيله المسح بخلاف المستحاضة؛ لأن الحدث لم يعتبر شرعا مع قيامه حقيقة. ويصلي القائم خلف القاعد، وقال محمد ﵀: لا يجوز وهو القياس لقوة حال القائم، ــ [البناية] جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم فخرج عن العهدة على الوجه الأكمل، وفي باب الرجعة القول بالانقطاع؛ لأنه لما انقطعت الرجعة لم يكن لها أن يراجعها ولا يحل له وطؤها وانقطاع الرجعة مما لا يؤخذ فيه بالاحتياط إجماعا، ألا ترى أنه إذا بقيت لمعة من بدنها بعد الاغتسال تنقطع الرجعة عنها احتياطا. م: (ويؤم الماسح الغاسلين) ش: أي يؤم الماسح على الخف الذين غسلوا أرجلهم وهذا بلا خلاف فيه والمفتصد، والماسح على الجيرة كالماسح على الخف، وقيل لا يجوز، ذكر القولين في " المحيط ". م: (لأن الخف مانع سراية الحدث إلى القدم) ش: أي؛ لأن خف الماسح يمنع سراية الحدث فيكون هو باقيا على كونه غاسلا م: (وما حل بالخف يزيله المسح) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال إنه باق؛ لأنه على كونه غاسلا؛ لأن الخف قام مقام بشرة القدم، والحدث قد حله، وتقرير الجواب أن الذي قد حل بالخف يزيله المسح؛ ولأن المسح على الخف كغسل الرجل وكلمة ما موصولة ومحلها الرفع على الابتداء وخبره الجملة أعني قوله: يزيله المسح م: (بخلاف المستحاضة) ش: يعني لا يجوز إمامة المستحاضة للطاهرة للضرورة وفي القدم ليس بقائم لمنع الخف سراية الحدث. [صلاة القائم خلف القاعد] م: (ويصلي القائم خلف القاعد) ش: عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والمراد من القاعد الذي يركع ويسجد أما القاعد الذي يومئ فلا يجوز اقتداء القائم به اتفاقا، وبه قال الشافعي ومالك في رواية استحسانا، وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعودا وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المروي عن أربعة من الصحابة وهم جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهر حتى لو صلوا قياما لا يجزئهم، ولكن عند أحمد شرطين: الأول: أن يكون المريض إمام حي. الثاني: أن يكون المرض مما يرجى زواله بخلاف الزمانة، واحتجوا على ذلك بحديث أنس عن النبي ﷺ «إنما جعل الإمام» الحديث، وفي آخره: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين» رواه البخاري ومسلم. م: (وقال محمد: لا يجوز) ش: وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر ﵏ قياسا، أشار إليه بقوله م: (وهو القياس) ش: أي الذي قال محمد هو القياس م: (لقوة حال القائم)

стр. 1015

ونحن تركناه بالنص، وهو ما روي: «أن النبي ﵊ صلى آخر صلاته قاعدا والقوم خلفه قيام» ــ [البناية] ش: والقاعد ليس كالقائم فيكون اقتداء كامل الحال بناقص الحال فلا يجوز اقتداء القارئ بالأمي م: (ونحن تركناه بالنص) ش: أي تركنا القياس بالنص. فإن قلت: ما وجه قوله ونحن تركناه بالنص ولم يقل: قال ونحوه؟ قلت: أشار بهذه العبارة أن هذا مما اختاره فأشرك نفسه مع أبي حنيفة وأبي يوسف م: (وهو) ش: أي النص م: (ما روي «أنه ﷺ صلى آخر صلاته قاعدا، والقوم خلفه قيام» ش: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي توفي فيه أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس فلما دخل أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض، فجاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» . وهذا صريح في أن النبي ﷺ كان الإمام، إذ أجلس عن يسار أبي بكر ﵁ ولقوله: «فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس» - ولقوله: «- يقتدي به أبو بكر» - وقال: «كان النبي ﷺ يصلي بالناس وكان أبو بكر مبلغا» - لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان. ويدل عليه حديث جابر ﵁ عنه قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره» . رواه مسلم بلفظه والبخاري بمعناه، وكانت هذه صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، وتوفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين والبيهقي وغيره. وقال الماوردي في " الحاوي " روي أنه توفي ﷺ من يومه. واعلم أن حديث عائشة ﵂ قد روي بطرق كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما وفيه اضطراب غير قادح، منهم من ادعى فيه التعارض؛ لأن في رواية شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة «أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر،» وروى شعبة أيضا عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة «أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر جالسا في مرضه الذي توفي فيه» فهذا كله يدل على أن أبا بكر كان إماما. وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس» ... الحديث. وفي آخره فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر ﵁. وروى أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله قال: «دخلت على

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عائشة فسألتها عن مرض رسول الله ﷺ » - ... الحديث، وفي آخره، «فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﵇ قاعد» . وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ كان إماما. وقال البيهقي: لا تعارض بين الخبرين، فإن الصلاة التي كان فيها النبي إماما هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها ﵊ حتى خرج من الدنيا. وقال ابن حبان في "صحيحه " بعد أن روى حديث عائشة ﵂ من رواية زائدة عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن عبد الله، عن عائشة بلفظ " الصحيحين "، ثم روى من حديث شعبة عن موسى بن أبي عائشة «أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه» هذا شعبة قد خالف زائدة في هذا الخبر وهما ثقتان ثبتان حافظان. ثم أخرج عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: أغمي «على رسول الله ﷺ ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، الحديث، إلى أن قال: فخرج بين ثويبة وبريرة فأجلساه إلى جنب أبي بكر ﵁ فكان رسول الله ﷺ يصلي وهو جالس وأبو بكر قائم وهو يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر» . ثم أخرج عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى «رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدا» قال: وعاصم بن أبي النجود ونعيم بن أبي هند حافظان ثقتان. قال: وأقول وبالله التوفيق: إن هذه الأخبار كلها صحيحة ليس فيها تعارض، فإن النبي ﵇ صلى في مرضه الذي توفي فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إماما وفي الأخرى كان مأموما، قال: والدليل على ذلك أن في خبر عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة أنه خرج ﵇ خرج بين رجلين العباس وعلي ﵄، وفي خبر مسروق عنها أنه ﵇ خرج بين بريرة وثويبة، وفي كلام البخاري ما يقتضي الميل إلى أن حديث «إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» منسوخ، فإنه قال بعد روايته: قال الحميدي هذا حديث منسوخ بأنه ﵇ آخر ما صلى صلى قاعدا والناس خلفه قيام وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله ﵇.

стр. 1017

ويصلي المومئ خلف مثله لاستوائهما في الحال، إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا؛ لأن القعود معتبر، فتثبت به القوة. ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ؛ لأن حال المتقدي أقوى، وفيه خلاف زفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ــ [البناية] م: (ويصلي المومئ خلف مثله) ش: أي مثله المومئ وهذا لا خلاف فيه م: (لاستوائهما في الحال) ش: أي لاستواء المأمومين في هذه الحالة، وقال التمرتاشي: لو كان الإمام يصلي قاعدا بالإيماء والمقتدي قائما بالإيماء يصح اقتداؤه به أيضا؛ لأن هذا القيام ليس بركن حتى كان الأولى تركه، دل عليه ما لو عجز عن السجود وقدر على غيره من الأفعال أنه يصلي قاعدا بالإيماء فيستوي حاليهما. م: (إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا) ش: هذا استثناء من قوله يصلي: المومئ، أي فحينئذ لا يجوز، وذكر التمرتاشي حكم هذه المسألة على خلاف هذا، فإنه قال: واختلف من يصلي قاعدا مؤمئا، بمن يصلي مضطجعا والأصح أنه يجوز على قول محمد، وكذا الأظهر على قولهما الجواز، وذكر في " المحيط " ما يوافق رواية " الهداية "، ثم ذكر التمرتاشي، وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ حد الركوع. م: (لأن القعود معتبر فتثبت به القوة) ش: دليله أن صلاة المتطوع مستلقيا بالإيماء مع القدرة على القعود لا يجوز. م: (ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ؛ لأن حال المقتدي أقوى) ش: من حال الإمام بقدرته على الركوع والسجود دون الإمام، وحاصله أن حال الراكع والساجد أقوى فلا يجوز بناؤه على الضعيف. وفي " الذخيرة ": لو صلى الإمام قاعدا بركوع وسجود وصلى خلفه قوم قعودا بالإيماء وقوم قياما بالإيماء فصلاة الكل جائزة؛ لأن صلاة القاعد بالركوع والسجود أقوى من صلاة القاعد والقائم بالإيماء، ولو كان الإمام يصلي قاعدا بالإيماء يجوز أيضا، وإن كان يصلي مستلقيا بالإيماء لا تجوز صلاة القاعد المومئ خلفه لقوة القاعد؛ لأن حال المستلقي دون حال القاعد، ولهذا لا تجوز صلاة المتنفل مستلقيا، ولو كان الإمام صلى قائما بركوع وسجود خلفه مثله وآخرون يصلون قعودا بركوع وسجود وقوم يصلون بالإيماء مستلقين على أقفيتهم فصلاة الكل جائزة. م: (وفيه خلاف زفر) ش: يعني يجوز عند زفر إمامة المومئ للذي يركع ويسجد؛ لأن صاحب الخلف كصحاب الأصل، ولهذا جازت إمامة المتيمم المتوضئ، وبه قال الشافعي، وقال الماوردي: عجز الإمام عن الأركان لا يمنع من الاقتداء به كالقائم، وفي " المغني " لا يؤم المضطجع والعاجز عن الركوع والسجود لمن يقدر عليهما في قول مالك وأحمد خلافا لزفر والشافعي.

стр. 1018

ولا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن الاقتداء بناء، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم، قال: ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة ــ [البناية] قلنا: في جواب زفر لا نسلم أن الإيماء كالخلف، ولئن سلمنا لكن لا نسلم أنه كان في الحقيقة كالمتيمم؛ لأن التيمم خلف يؤدي به أركان الصلاة، كما شرعت وهذا لا يؤدي به كما شرعت. [صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس] م: (ولا يصلي المفترض خلف المتنفل) ش: وبه قال مالك في رواية وأحمد في رواية أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا وهو قول الزهري والحسن وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاوس. م: (لأن الاقتداء بناء) ش: أي بناء أمر وجودي لأنه عبارة عن متابعة الشخص لآخر في أفعاله بصفاتها وهو مفهوم وجودي لا سلب فيه، وبناء الأمر الوجودي على المعدوم بصفاتها غير متحقق م: (ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام) ش: فلا يمكن بناء الموجود على المعدوم م: (فلا يتحقق البناء على المعدوم) ش: لاستحالة ذلك. م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر) ش: أي ولا يصلي من يريد صلاة فرض مثلا صلاة الظهر خلف من يصلي فرضا آخر نحو من يصلي عصرا أو عشاء م: (لأن الاقتداء شركة) ش: يعني في التحريمة م: (وموافقة) ش: يعني في الأفعال فلا بد من الاتحاد في الشركة والموافقة؛ لأنهما لا يوجدان إلا عند اتحاد ما يحرما له وفعلاه. فإن قلت: الشركة تقتضي المعية في الاشتراك، والبناء يقتضي التعاقب وبينهما منافاة. قلت: الاشتراك بالنسبة إلى التحريمة، والبناء بالنسبة إلى الأفعال، فلا منافاة بينهما، وحاصل الأمر أن اتحاد الصلاتين شرط لصحة الاقتداء فلا يصح اقتداء مصلي الظهر بمصلي العصر، وعلى العكس ولا اقتداء من يصلي ظهرا بمن يصلي ظهر يوم آخر، ويجوز اقتداء القاضي بالقاضي إذا فاتتهما صلاة واحدة من يوم واحد كالأداء، ولا يجوز أداء الناذر بالناذر إلا إذا نذر الثاني عين ما نذر الأول لاتحادهما، ولو أفسد كل واحد تطوعه ثم اقتدى أحدهما بالآخر صح كما قبل الإفساد. ويجوز اقتداء الحالف بالحالف؛ لأن وجوبها عارض لتحقيق البرء فبقيت نفلا، ولا يجوز اقتداء الناذر بالحالف لقوة النذر، ويجوز اقتداء الحالف بالناذر، ولو اقتدى مقلد أبي حنيفة في الوتر مقلد أبي يوسف ومحمد جاز لاتحاد الصلاة.

стр. 1019

فلا بد من الاتحاد. وعند الشافعي ﵀ يصح في جميع ذلك؛ لأن الاقتداء عنه أداء على سبيل الموافقة، وعندنا معنى التضمن مراعى. ــ [البناية] قال المرغيناني: وعندي نظيره من صلى ركعتين من العصر فغربت الشمس فاقتدى به إنسان في الأخيرتين يجوز، وإن كان هذا قضاء في حق المتقدي؛ لأن الصلاة واحدة ثم إذا لم يصح الاقتداء في هذه المسائل عندنا يصير شارعا في التطوع أم لا؟ فيه روايتان. وقال الصدر الشهيد: الاعتماد على أنه لا يصير شارعا، ولو كان اقتداء المفترض بالمتنفل في فعل واحد. قيل: لا يجوز كما لو كان في جميع الأفعال لأنه بناء الموجود على المعدوم. وقال بعضهم: لا يجوز في فعل واحد ألا ترى أن محمدا ذكر في الأصل أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع فجاء إنسان واقتدى به فقبل أن يسجد السجدتين سبق الإمام الحدث فاستخلف هذا المسبوق صح الاستخلاف ويأتي الخليفة بالسجدتين ويكونان له نفلا حتى يعتد بهما فرضا في حق من أدرك أولا الصلاة ومع هذا صح الاقتداء به، وكذا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض في الركعتين الأخيرتين وهو اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة، والصحيح الأول الذي عليه عامة الأصحاب. والجواب عن الأول: بأن السجدتين فرض في حق الخليفة حتى لو لم يأت بهما حتى خرج من صلاته فسدت صلاته وإن لم يعتد له بهما. وعن الثانية: أن صلاة المقتدي المتنفل أخذت حكم صلاة المفترض بسبب الاقتداء؛ ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك مع الإمام من الشفع الأول، ولذا لو أفسد صلاته يلزم قضاء الأربع فتكون القراءة نفلا في حقه في الركعتين الأخيرتين كما كانت نفلا في حق إمامه، فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل في حق القراءة في الأخيرتين. م: (وعند الشافعي يصح في جميع ذلك) ش: يعني يصح عنده اقتداء الذي يركع ويسجد بالمومئ والمفترض بالمتنفل، واقتداء من يصلي فرضا آخر وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود م: (لأن الاقتداء عنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ م: (أداء على سبيل الموافقة) ش: وقد حصل التوافق في الأفعال فجاز. م: (وعندنا معنى التضمن مراعى) ش: يعني التضمن الذي دل عليه قوله ﷺ : «الإمام ضامن» مراعى عندنا وهو الصحة والفساد، وإنما تصير صلاتهم في ضمن صلاته صحة وفسادا إذ تبنى صلاتهم على صلاته، والابتناء لا يصح ما لم يكن أصل الفرض بحيث يمكن الإمام أداء ما على المقتدي بتحريمه أداء صلاته صح أداء المقتدي بناء على صلاته فيراعى الاتحاد بين صلاتهم وصلاته، فلا يحصل مراعاة الاتحاد مع تغاير الفرضين؛ ولهذا لا يجوز اقتداء مصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة أو على العكس.

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإن قلت: روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ «أن معاذا كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري فيصلي بهم الصلاة المكتوبة. قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن الاحتجاج من باب ترك الإنكار من النبي ﷺ وشرط ذلك علمه بالواقعة وجاز أن لا يكون علم بها، ويدل عليه ما رواه أحمد في "مسنده " عن معاذ بن رفاعة «عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة فنخرج عليه فيطول علينا فقال له ﵇: "يا معاذ لا تكن فتانا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك» "، فدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين، ولم يكن يجمعهما بأنه قال: «إما أن تصلي معي» أي ولا تصلي بقومك، «وإما أن تخفف على قومك» ولا تصلي معنا. الثاني: أن النية أمر مبطن لا يطلع عليه إلا بإخبار الباري، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه ﵇ بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه وأفعال الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض ويؤيده أيضا حديث أحمد المذكور. فإن قلت: معاذ إن ترك فضيلة الفرض خلف النبي ﵇ ويأتي به مع قومه وكيف يظن معاذ بعد سماعه قول النبي ﵇ «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ولعل الصلاة الواحدة مع النبي ﷺ خير من كل صلاة صلاها في عمره، وأيضا وقع في رواية الشافعي، ومن طريقه روى الدارقطني ثم البيهقي «هي له تطوع ولهم فريضة» رواه الشافعي في "مسنده ". قلت: قال الشيخ تقي الدين: يمكن أن يقال في الحديث المذكور: إن مفهومه أن لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا المحذور سبق مع الاتفاق في الصلاة المقامة، ويؤيد هذا اتفاقهم على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، ولو تناوله النهي لما جاز مطلقا. وقولهم: وكيف يظن بمعاذ إلخ غير موجه؛ لأنه ليس تفوته الفضيلة معه ﷺ في سائر أئمة مساجد المدينة وفضيلة النافلة خلفه مع أداء الفرض مع قومه تقوم مقام أداء الفريضة خلفه وامتثال أمر النبي ﷺ في إمامة قومه زيادة طاعة.
следующие страницы →