Полный текст (7 019 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وكيفيتهما أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك
ــ
[البناية]
والسنة المؤكدة في قوة الواجب، ومع هذا لا يحصل الفساد بتركها سواء كان عامدا أو ناسيا كما في ترك الواجب، غير أنه في ترك الواجب يكون ناقصا، وفي الشفاء هما سنتان، قوله: فإن من تركهما يأثم، وقول السغناقي في كتاب الله أمراه لا يلزمنا؛ لأنا ما ادعينا فرضية المضمضة والاستنشاق والذي ذكره إنما يلزم من يدعي فرضيتهما، وقوله مع أن ابن عباس إلى آخره ما أفاد فائدة جديدة لما ادعاه؛ لأنا لا نقول أنهما ليستا بسنتين، ومع هذا هو حديث ضعيف.
م: (وكيفيتهما) ش: أي كيفية كل واحد من المضمضة والاستنشاق.
م: (أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك) ش: إنما ذكر هذا نفيا لقول الشافعي فإن عنده الأفضل أن يتمضمض ويستنشق بكف واحد بماء واحد، واحتج الشافعي بما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ وله طرق منها: «فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثا» وفي لفظ البخاري: «فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات» وفي رواية لهما: «فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات» .
وروى ابن حبان «فمضمض واستنشق ثلاث مرات من ثلاث حثيات» وفي لفظ البخاري «فمضمض ثلاث مرات من حفنة» .
وفي " التلويح شرح البخاري ": والأفضل أن يتمضمض ويستنشق من ثلاث غرفات كما في الصحيح وغيرها.
ووجه ثان: «يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا» رواه علي ابن أبي طالب عن النبي ﷺ عند أبي حنيفة وابن حبان، رواه أيضا وائل بن حجر، أخرجه البزار بسند ضعيف.
وثالث: «يجمع بينهما بغرفة وهو أن يتمضمض منها ثم يستنشق ثم الثانية كذلك ثم الثالثة» رواه عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ ، أخرجه الترمذي وقال حسن غريب.
ورابع: يفصل بينهما بغرفتين فتمضمض من أحدهما ثلاثا، ثم استنشق من الأخرى ثلاثا.
стр. 107
هو المحكي من وضوئه ﷺ
ــ
[البناية]
وخامس: يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض من غرفة ثلاثا ويستنشق من أخرى ثلاثا، وفي " الروضة "، وفي كيفيته وجهان: أصحهما يتمضمض من غرفة ثلاثا ويستنشق غرفات، ومذهب أحمد كمذهب الشافعي، ومذهب مالك ما ذكره في " الموطأ " و " الجواهر " حكى ابن سابق في ذلك قولين:
أحدهما: يغرف غرفة واحدة لفيه، وأنفه.
والثاني: يتمضمض ثلاثا في غرفة ويستنشق ثلاثا في غرفة، فقال: وهذا اختيار مالك، والأول اختيار الشافعي، وأشار المصنف إلى دليل أصحابنا بقوله:
م: (هو المحكي من وضوئه ﷺ ) ش: المحكي يستعمل في رواية الفعل، والمروي في رواية اللفظ، قال صاحب " الدراية ": حكى عثمان وعلي ﵄ وضوء رسول الله ﵇ هكذا نسبه إلى " المحيط "، ولم يبين حديثهما كيف هما، وأما قوام الدين فإنه قال: ولنا أن الأنف والفم عضوان منفردان فلا يجمع بينهما بماء واحد كسائر الأعضاء، وأما أكمل الدين فإنه قال كقول قوام الدين.
وأما السغناقي فإنه قال بعد احتجاج الشافعي بما روي أنه ﵇ كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد وله عندنا تأويلان: أحدهما: أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما في غسل الوجه، والثاني: أن فعلهما باليد اليمنى ردا على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، ثم نسبه إلى " المبسوط " فانظر إلى هذا الشأن العجيب، بل يرد ما احتج به الشافعي من الصحيح بما ذكروه، وكان الواجب أن يذكر وربما احتجت به أصحابنا من الأحاديث، ثم يجيبوه عن أحاديثه، ثم يقووا ذلك بدلائل أخرى في التأويلين المذكورين؛ نظرا لأن الأحاديث المصرحة بأنه تمضمض واستنشق بماء واحد لا يمكن تأويلها بما ذكروه، فنقول وبالله التوفيق:
أما ما احتج به أصحابنا فما ذهبوا إليه هو الحديث الذي رواه الترمذي من حديث علي ﵁ وفيه: «فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا.» الحديث، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فإن قلت: لم يحك فيه أن كل واحدة من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، بل حكى أنه تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: مدلوله ظاهر ما ذكرناه وهو أن يتمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي فإنه روى عنه أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في " الأم ": يغرف غرفة يمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة يتمضمض بها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصه في الكيفيتين فنص في " الأم " وهو نص " مختصر المزني " أن الجمع أفضل، ونص البويطي أن الفصل أفضل، ونقله الترمذي عن الشافعي. قال النووي: قال صاحب " المهذب " القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أيضا أكثر في الأحاديث الصحيحة والجواب عن كل ما روي في ذلك فهو محمول على الجواز، ومن الدليل على تجديد الماء لكل مرة فيها حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده وهو كعب بن عمرو، قال ابن خزيمة الحافظ: عمرو بن كعب. والأول أصح، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق»
فإن قلت: ليس بصريح في المقصود.
قلت: رواه الطبراني في " معجمه " من حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليماني «أن رسول الله ﷺ توضأ فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا يأخذ لكل واحدة ماء جديدا الحديث» .
فإن قلت: في سنده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف تركه يحيى القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد بن حنبل. وقال النووي في " التهذيب ": العلماء على ضعفه، وأنكر ابن أبي حاتم كون جد طلحة صحابيا وقال: سألت عنه فلم يثبته، وقال: طلحة هذا رجل من الأنصار، وقال ابن القطان: فيه علة وهي جهل حال مصرف بن عمرو والد طلحة.
قلت: أما ليث بن سليم القرشي الكوفي، فقد روى عنه خلق كثير منهم سفيان الثوري، وشريك، وشعبة، وفضل بن عاصم، وأبو عوانة، والوضاح، والإمام أبو حنيفة، وآخرون كثيرون، وعن أبي داود: ليس به بأس، وعن يحيى: لا بأس به. قال الدارقطني: كان صاحب سنة. وإنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس.
وأما مجاهد فحسب واستشهد به البخاري في " الصحيح "، وروى في كتاب رفع اليدين في الصلاة وغيره، وروى له مسلم مقرونا بأبي إسحاق الشيباني، وروى له الأربعة، ولما روى أبو
стр. 109
ومسح الأذنين وهو سنة بماء الرأس عندنا خلافا للشافعي
ــ
[البناية]
داود هذا الحديث سكت عنه، وذا يدل على أنه عنده حديث صحيح، وكذا سكت عنه المنذري في " مختصر السنن "، ونقل النووي على هذا غير صحيح، وأما إنكار أبي حاتم لكونه جد طلحة صحابيا فليس بموجه، قال الخلال: عن أبي داود: سمعت رجلا من ولد طلحة يقول: إن لجدي صحبة، وحكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جده، فقال: عمرو بن كعب، وعمرو بن أبي كعب، وكعب بن عمرو، وكانت له صحبة، وقال الذهبي في تجزئة أسماء الصحابة: كعب بن عمرو الهمداني الثاني صحابي نزل الكوفة وجد طلحة بن مصرف حديثه عنده ذكره في باب كعب بن عمرو، وذكره أيضا في باب عمرو بن كعب، وقول ابن القطان يرده ما ذكره ابن السكن وابن مردويه أن طلحة بن مصرف وكذا ذكره يعقوب بن سفيان في " تاريخه " وابن أبي خيثمة أيضا، وآخرون.
وأما حديث مصرف، فقد قال الذهبي في " مختصر تهذيب الكمال ": وثقه أبو زرعة ثم في تقديم المضمضة والاستنشاق اختيار رائحة الماء وطعمه كيلا يكون وضوءه بما لا يجوز بسبب التغير؛ لأن اللون شاهد هنا لاختيار الرائحة والطعم، وقيل الاستنشاق بالشمال لأن اليسار للأقذار وإزالة المخاط باليد اليسرى، وفي " المجتبى " لو رفع الماء من كف واحدة للمضمضة جاز، والاستنشاق لا يجوز لصيرورة الماء مستعملا، وفي " جامع قاضي خان " و " المحيط ": المبالغة فيها سنة إجماعا لقوله ﵇ للقيط بن صبرة «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما فأرفق» رواه الأئمة الخمسة، وصححه الترمذي، والمبالغة في المضمضة والغرغرة وفي الاستنشاق أن يأخذ بمنخريه حتى يصعد الماء إلى ما اشتد من الأنف.
[مسح الأذنين في الوضوء]
م: (ومسح الأذنين) ش: بالرفع عطف على ما قبله، والتقدير ومن سنن الوضوء مسح الأذنين م: (وهو) ش: أي مسح الأذنين، (سنة بماء الرأس عندنا) ش: أي عند أصحابنا، م: (خلافا للشافعي) ش: متعلق بقوله بماء الرأس لا بقوله: سنة، فإنه عنده أيضا، وقال قوام الدين: متعلق بمجموع قوله " سنة بماء الرأس " لا " بسنة " وحدها، ولا " بماء الرأس " وحده، كما ظن بعض الشارحين. قلت: أراد به السغناقي، ومن تبعه، وهذا عجيب منه؛ لأن الخلاف في موضع واحد، فكيف يتعلق بالموضعين. و " خلافا " منصوب على أنه مفعول مطلق بإضمار فعله تقديره: نحن في هذا نخالف خلافا للشافعي، أو هذا المذكور في معنى يخالف خلافا للشافعي وكان مصدرا مؤكدا مضمون الجملة كقوله علي ألف درهم اعترافا.
стр. 110
لقوله ﵇: «الأذنان من الرأس»
ــ
[البناية]
م: (لقوله ﵇: «الأذنان من الرأس» ش: أكثر الشراح لم يتعرضوا لهذا الحديث من جهة التخريج والتصحيح ونحوهما، فنقول: هذا الحديث روي عن ثمانية أنفس من الصحابة وهم: أبو أمامة، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو موسى، وأنس، وابن عمر، وعائشة ﵃.
فحديث أبي أمامة عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي أمامة «توضأ النبي ﷺ فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا، وقال: " الأذنان من الرأس» ولفظ ابن ماجه وقال: قال
стр. 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
رسول الله ﷺ : «الأذنان من الرأس» .
وقال أبو داود والترمذي قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي ﷺ أو من قول أبي أمامة يعني حديث الأذنين، وقال الترمذي: حديثه ليس بذلك القائم، ورواه الدارقطني في " سننه "، وقال رفعه، وهم شهر بن حوشب ليس بالقوي، وقد رفعه سليمان بن حرب وهو ثقة، ثم أخرجه عن سليمان بن حرب حدثهما عن حماد بن زيد به، وفيه قال أبو أمامة: «الأذنان من الرأس» وقال ابن دقيق العيد في " الإمام ": وهذا الحديث معلول بوجهين:
أحدهما: لشهر بن حوشب.
والثاني: بالشك في رفعه، قلت: شهر وثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب ابن شيبة. وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري، وصحح حديث شهر الترمذي عن أم سلمة «أن النبي ﷺ نشر على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ﵃ كساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقال: أشهر إسناد فيه حديث حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، وكان حماد يشك في ربيعة، وكان سليمان ابن حرب يقول: هو من قول أبي أمامة.
قلت: قد اختلف فيه على حماد، فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبو الربيع، وإذا رفع ثقة حديثا ووقفه آخر وقبلهما شخص واحد في وقتين يرجح الرفع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثا فيقف به في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي.
وحديث عبد الله بن زيد عن ابن ماجه، قال: قال رسول الله ﷺ : «الأذنان من الرأس» وإسناده أمثل إسناد لاتصاله وثقة رواته وقواه المنذري وابن دقيق العيد.
وحيث ابن عباس عند الدارقطني قال: إن النبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس» قال ابن
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته فإن قلت: أعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إن إسناده وهم، وإنما هو مرسل، قلت: لا يقدح ذلك، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند مرسل، قال البزار: إسناد حديث ابن عباس جيد، فانظر كيف أعرض البيهقي عن حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس المذكورين واشتغل بحديث أبي أمامة وزعم أن إسناده أشهر إسناد بهذا الحديث، وترك هذين الحديثين وهما أمثل ومن هنا يظهر تحامله.
وجد حديث أبي هريرة عند ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : «الأذنان من الرأس» ، وأخرجه الدارقطني في " سننه " وفي إسناده البختري بن عبيد وقال: هو ضعيف وأبوه مجهول، وفي إسناد ابن ماجه عمرو بن الحصين وبان علاثة، قال الدارقطني: كلاهما ضعيفان.
وحديث أبي موسى عند الدارقطني والطبراني، وفي إسناده عن الحسن عن أبي موسى، قال الدارقطني: الحسين لم يسمع من أبي موسى، ثم أخرجه موقوفا.
وحديث أنس عند الدارقطني من طرق عبد الحكم عن أنس وهو ضعيف.
وحديث ابن عمر عند الدارقطني من طرق وأعل جميعها.
وحديث عائشة ﵂ عند الدارقطني أيضا، وقال: الأصح أنه موقوف، وفي إسناده محمد بن الأزهر وكذبه أحمد ثم مذهب الشافعي ﵀ أن الأذنين ليسا من الرأس، ولا من الوجه، نقله النووي في " شرح المهذب " ويأخذ لهما ماء جديدا، ولو أمسك بعض أصابعه عليه الماء الذي أخذه للرأس فمسح به أذنيه صح، وفي الرواية قال الشافعي: يمسح
стр. 113
والمراد بيان الحكم دون الخلقة
ــ
[البناية]
أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثلاثا، ويأخذ لصماخه ماء جديدا، وهو قول أبي ثور، وقال مالك: الأذنان من الرأس إلا ويمسحهما مع الرأس على رواية الاستيعاب ويجزئ مسحهما بماء مسح الرأس، وقال الشعبي والحسن بن صالح: ما أقبل منهما من الوجه فيغسل معه، وما أدبر منهما من الرأس فيمسح معه، وعن ابن شريح أنه كان يغسلهما مع الوجه ويمسحهما من الرأس احتياطا في العمل، هذا مذهب العلماء، وقد غلط من غلطه زاعما أن الجمع لم يقل به أحد، فإن الشافعي استحب غسل الأذنين مع الوجه وأنهما يمسحان مع الرأس، وقال ابن المنذر: روايتان الأذنان من الرأس عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وابن سيرين، والحسن، وابن جبير، وقتادة، ومالك وهو قول أصحابنا، وقال أبو عيسى الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم وبه قال السدي وابن المبارك، وأحمد، وروي عن إسحاق بن راهويه أن من تركها عمدا لم تصح صلاته وعن الشعبي لا يستحب مسحها.
م: (والمراد بيان الحكم دون الخلقة) ش: أي مراد النبي ﷺ من قوله: «الأذنان من الرأس» بيان حكم مسح الأذنين دون خلقتهما؛ لأنهما مشاهدة والنبي ﷺ بعث ببيان الأحكام دون حقائق الأشياء.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ المراد إما أن يكون الحقيقة وهو مشاهد لا يحتاج إليه وإنهما ممسوحتان كالرأس وهذا بعيد؛ لأن اتفاق العضوين في وظيفة لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر، فتعين أنهما ممسوحتان بالماء الذي مسح به الرأس.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: أن النبي ﷺ جعل الأذنين من أبعاض الرأس حكما حيث قرنهما بكلمة " من "، ولو كان من أبعاض الرأس حقيقة يسن مسحهما بماء واحد فكذا إذا كانتا من أبعاضه حكما إذ الحكمي يلحق بالحقيقي. ووجه ثالث: أن استيعاب الرأس بالمسح بماء واحد سنة ولا يتم بدونهما حيث جعلتا من الرأس.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يجزئ مسحهما عن مسح الرأس.
قلت: كون الأذنين من الرأس ثبت بخبر الواحد فلا يقع مجزئا عما ثبت بالكتاب، كما أن التوجه إلى الحطيم لا يجزئ لأن كونه من البيت ثبت بخبر الواحد والتوجه إلى البيت ثابت بالكتاب فلا يجزئ عنه ما ثبت بخبر الواحد، لئلا يلزم نسخ الكتاب به، وقوله ﵇ في السنن أنه من ذلك لا يقتضي إلا المشاركة إياه في حكم، ولا يقتضي مساواة الأول للثاني في
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
جميع الأحكام، وذلك عند قوله ﵇ «سلمان منا أهل البيت» وقوله: «إن مولى القوم منهم» لم يرد أن سلمان شارك أهل البيت في كرامتهم، واستحقاقهم التام ولأن مولى القوم الهاشمي لا يكون من غسالة الناس من الصدقات كما لا يكون الهاشمي، ألا ترى أن من حلف في شيء على أهل بيت رسول الله ﷺ لم يكن يحنث بسلمان، وكذا من حف في شيء على بني فلان فلم يكن يحنث بمواليهم.
فإن قلت: لم لا يجعل الحديث بيانا على أن وظيفتهما المسح لا الغسل من غير إثبات التبعية فكان الحديث بيانا أنهما من الممسوح.
قلت: لا يلزم من كون وظيفة الشيء المسح كونه من الرأس كالخف.
فإن قلت: إذا كانا من الرأس فينبغي أن يسقط فرض مسح الرأس إذا مسح أذنيه.
قلت: المسنون لا يقوم مقام المفروض، وفي " المبسوط ": إن مسح أذنيه دون رأسه لم يجزئ، وقال خواهر زاده: الرأس من الحلقوم إلى فوق إلا أنه تعالى فصل في الأحكام فجعل وظيفة الوجه الغسل، ووظيفة الرأس بعده المسح، فأشبه الأذنين أن وظيفتهما من أيهما، فبين ﵇ بقوله: «الأذنان من الرأس» أن وظيفتهما من الرأس؛ لأنه ﵇ ما بعث لبيان الحقائق.
ووجه آخر في الاستدلالات أن كلمة " من " للتبعيض فوجب أن يكون بعض الرأس حقيقة وحكما، أو حكما لا حقيقة، وحكم الرأس من ذلك المسح، فكذا حكمهما ثم كيفية مسحهما، ذكر في " المجتبى " يمسحهما بالسبابتين داخلهما والإبهامين خارجهما، وفي " الأصل " يمسح داخلهما مع الوجه، وفوقهما مع الرأس، والمختار هو الأول، وعن الحلواني وشيخ الإسلام خواهر زاده يدخل الخنصر في صماخ الأذنين ويحركهما كذا فعل النبي ﷺ واعلم أن الشافعي استدل بقوله: أن يأخذ لكل واحدة من الأذنين ماء جديدا بحديث عبد الله بن زيد «أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ وأخذ لأذنيه ماء جديدا خلاف الماء الذي أخذه لرأسه» ورواه البيهقي
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال: إسناده صحيح، واستدل أيضا بما «رواه أبو أمامة الباهلي أنه ﵇ أخذ لأذنيه ماء جديدا» ولأن الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه ثم يأخذ لهما ماء جديدا فهذا مثاله.
والجواب عن الأول: أنه محمول على أنه لم يبق في كفه بلل فلهذا أخذ ماء جديدا، فعلموا الدليل على ما رواه أبو داود من حديث عثمان ﵁ «أنه سئل عن الوضوء فدعا بماء أه. وفيه فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه.» وفي " الغاية " للسروجي: وتأويل حديث عبد الله بن زيد «أنه ﵇ أخذ خلاف الماء الذي أخذه لرأسه» أنه لم يستعمله، ويحمل على الجواز؛ لأن السنة لا تثبت بمرة واحدة، وهكذا يكون جوابا عن الثاني. ولنا حديث أمثل من الكل، أخرجه ابن منده وابن خزيمة في " صحيحيهما " والحاكم في " مستدركه " من حديث ابن عباس ﵄ قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله، فأخذ غرفة فمسح برأسه وأذنيه، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه "، ولفظه: «ثم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه.»
وأما الجواب عن قوله: ولأن الأذن مع الرأس إلى آخره، أن الفم والأنف وإن كانا من الوجه في وجه، ولكنهما خصا بماء جديد ليحصل الامتياز بسنة الوجه عن غسل الفم بضرب حفنة، كما يحصل الامتياز لفرض المسح عن فرض الغسل بضرب حفنة ولهذا لا يقام الثلث فيهما إلا بماء جديد.
١ -
فرع: أما مسح الرقبة، فلم يرد فيه رواية عن أصحابنا المتقدمين، قال في " شرح الطحاوي ": كان الفقيه أبو جعفر يمسح عنقه اتباعا لما روي أن ابن عمر كان يمسح عنقه، وفي " التحفة " اختلف المشايخ في مسح الرقبة قال أبو بكر الأعمش إنه سنة، وقال أبو بكر الإسكاف إنه أدب.
فإن قلت: قال محمد الجرجي: روي أن النبي ﷺ قال: " غسل الرقبة أمان من الغسل " ثم قال: ولم يوهن أئمة الحديث إسناده، فحصل التردد في أن هذا الفعل سنة أو أدب، وتعقبه الإمام بما حاصله أنه لم يجز الأصحاب ترددا في حكم مع تضعيف الحديث الذي يدل عليه.
قلت: قال القاضي أبو الطيب: لم ترد فيه سنة ثابتة، وقال القاضي أبو الحسين: لم ترد فيه سنة، وقال الغوراني: لم يرد فيه خبر وأورده الغزالي في " الوسيط " وتعقبه ابن الصلاح فقال: هذا الحديث غير معروف عن النبي ﷺ وإنما هو قول بعض السلف، وقال النووي في " شرح
стр. 116
قال: وتخليل اللحية؛ لأن النبي ﵇ أمره جبريل ﵇ بذلك
ــ
[البناية]
المهذب ": هذا حديث موضوع وليس من كلام النبي ﵇، وزاد في موضع آخر: لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيء، وليس هو سنة بل هو بدعة، ولم يذكره الشافعي ولا جمهور الأصحاب، وإنما قال ابن القاضي وطائفة يسيرة وتعقبه ابن الرفعة بأن البغوي من أهل الحديث قال باستحبابه، ولا مأخذ لاستحباب الأجزاء، وأثر مسح القفا ما رواه أحمد وأبو داود من حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ مسح مؤخر أصل العنق» كذا قاله الجوهري وغيره، والقذال بفتح القاف والذال المعجمة جماعة مؤخر الرأس وهو معقد العذار من الفرس خلف الناصية، خلف الناصية، فإذا كان كذلك كيف يكون حديث طلحة مسندا في مسح الرقبة. وكلام بعض السلف الذي ذكره ابن الصلاح يحتمل بأن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قل: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة. قلت: هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع؛ لأنه لا مجال فيه للرأي، وروى أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " بإسناده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من توضأ ومسح عقبه وقي الغل يوم القيامة» وفي " البحر " للروياني لم يذكر الشافعي مسح العنق، وقال أصحابنا: هو سنة.
[تخليل اللحية في الوضوء]
م: (وتخليل اللحية) ش: بالرفع عطف على ما قبله من المرفوعات، وتفسيره أن يدخل أصابع يديه في خلل اللحية وهي الفرج التي بين الشعر م: (لأن النبي ﵇ أمره جبريل ﵇ بذلك) ش: أي بتخليل اللحية على ما روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع حدثنا الهيثم بن
стр. 117
وقيل هو سنة عند أبي يوسف ﵀ جائز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله -
ــ
[البناية]
حماد بن أبان عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵇، فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك» .
ورواه ابن عدي في " الكامل " ولفظه قال: «جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد خلل لحيتك بالماء عند الطهور» وأعله بالهيثم بن حماد، وأسند تضعيفه عن أحمد وابن معين.
ويقرب منه ما رواه أبو داود في سننه عن الوليد بن وردان عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: " هكذا أمرني ربي» ومن كتب عنه ثم المنذري بعده قال في " الإمام " الوليد بن وردان أنه روى عنه جماعة وقول ابن القطان أنه مجهول على طريقه في طلب زيادة التعديل مع رواية جماعة عن الراوي، قال قوام الدين: إنما أسند صاحب " الهداية " الأمر إلى جبريل (﵇) لكونه أمر بأمر الله .
قلت: هذا عجز منه؛ لأنه لم يقف على الحديث الذي ذكرنا عن ابن أبي شيبة حتى أول بهذا التأويل، ثم تخليل اللحية فيه أربعة أقوال: الأول: أنه واجب، يروى ذلك عن سعيد بن جبير، وعبد الحكم من المالكية، والثاني: أنه سنة، وبه قال أبو يوسف والشافعي، ورواية عن محمد قال في خير مطلوب وهو الأصح. الثالث: أنه مستحب، وفي " المحيط " أدب، وليس بمسنون، وهو قول أبي حنيفة ومحمد على ما يشير إليه المصنف الآن.
م: (وقيل: هو سنة) ش: أي تخليل اللحية سنة (عند أبي يوسف ﵀ جائز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ، ش: معنى جائز أن صاحبه لا ينسب إلى البدعة وهو القول الرابع، وبه قال مالك في " القنية "، وفي " المبسوط ": وتخليل اللحية مستحب عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما: جائز وكذا ذكر في " التحفة " و " القنية "، وفي " شرح الطحاوي " والأفضل تخليلها وإن لم يفعل أجزأه، وقال السغناقي في قوله: جائز عند أبي حنيفة ومحمد أي لا يبدع فاعله كما يبدع ماسح الحلقوم، وقال صاحب " الكافي ": يعني جائز ليس بسنة أصلية، ولو فعل لا يبدع ولا يكره؛ لأنه ﵇ فعله مرة فدل على الجواز لا على السنة.
стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: قوله فعله مرة يرده ما رواه أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: " هكذا أمرني ربي» ورواه أبو داود، وفيه شيئان يدلان على أنه ﵇ فعله غير مرة: أحدهما: قوله " كان " فيدل على الاستمرار، والثاني: قوله: " هكذا أمرني ربي " والذي يأمره ربه فلا يفعله مرة.
فإن قلت: في إسناد الحديث الوليد بن وردان وهو مجهول الحال.
قلت: أبو داود لما رواه سكت عنه فهذا يدل على رضاه به على قاعدته، وله طرق أخرى منها طريق الحاكم في " مستدركه " برواية ثقات، ومنها طريق ابن عدي، ومنها طريق صححه ابن القطان.
ومع هذا روي حديث تخليل اللحية عن سبعة عشر نفرا من الصحابة وهم: عثمان بن عفان، وأنس بن مالك، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وأبي أيوب، وابن عمر، وأبي أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي الدرداء، وكعب بن عمرو، وأبي بكرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأم سلمة، وجرير، وعبد الله بن عكبرة، وعلي بن أبي طالب ﵃.
فحديث عثمان عند الترمذي وابن ماجه من حديث عامر بن شقيق الأسدي عن أبي وائل عن عثمان ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يخلل لحيته» وقال الترمذي: إنه ﷺ توضأ وخلل لحيته وقال: حديث حسن صحيح، وقال محمد ابن إسماعيل - يعني البخاري -: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان ﵁.
ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه "، وقال: صحيح الإسناد وقد احتجا - يعني البخاري ومسلم - بجميع رواته [ ... ] غير عمار بن ياسر وأنس وعائشة، ثم أخرج أحاديثهم «أن النبي ﷺ توضأ وخلل لحيته» وزاد في حديث أنس: وقال: «بهذا أمرني ربي»
فإن قلت: تعقبه الذهبي في " مختصره "، وقال: بن عامر بن شقيق ضعفه ابن معين، وقال الشيخ تقي الدين: أخرج البخاري ومسلم حديث عثمان في الوضوء من عدة طرق، وليس في شيء منها ذكر التخليل.
قلت: قال الترمذي في " العلل الكبير ": قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري -: أصح
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
شيء عندي في التخليل حديث عثمان، وهو حديث حسن.
وحديث أنس رواه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ : إذا توضأ خلل لحيته» رواه البزار في " مسنده "، والحاكم في " مستدركه ".
وحديث عمار عند الترمذي، وابن ماجه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته» وفي إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق عن حسان بن بلال، قال الترمذي: سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم عن حسان حديث التخليل، ثم أخرج الترمذي من حديث قتادة عن حسان بن بلال.
وحديث ابن عباس عند الطبراني في " الأوسط " قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ» . الحديث وفيه: «وخلل لحيته» ورواه العقيلي أيضا.
وحديث أبي أيوب عند ابن ماجه من حديث واصل بن السائب عن أبي سورة «عن أبي أيوب قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فخلل لحيته» . قال البخاري وأبو حاتم: واصل بن السائب منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، ورواه الترمذي في " العلل "، والعقيلي، وأحمد.
وحديث ابن عمر عند ابن ماجه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم يشبك لحيته بأصابعه من تحتها» ورواه الطبراني في " الأوسط ".
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وحديث أبي أمامة عند ابن أبي شيبة في " مصنفه "، والطبراني في " معجمه الكبير "، وإسناده ضعيف.
وحديث عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني، وعند أبي عبيد في " كتاب الطهور " وفي إسناده أبو الورقاء، وهو ضعيف.
وحديث أبي الدرداء عند الطبراني، وابن عدي بلفظ: «توضأ فخلل لحيته مرتين، وقال: " هكذا أمرني ربي» وفي إسناده ثمامة بن نجيح وهو لين الحديث.
وحديث كعب بن عمرو عند الطبراني، وحديث أبي بكرة عند البزار في " مسنده " «أن النبي ﷺ توضأ وخلل لحيته» .
وحديث عائشة ﵂ عند الحاكم في " مستدركه "، وأحمد في " مسنده "، وإسناده ضعيف.
وحديث جابر عند ابن عدي في " الكامل " من حديث أصرم بن غياث قال البخاري: هو منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، «ولفظه وضأت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أنياب مشط.»
وحديث أم سلمة ﵂ عند الطبراني في معجمه «أن النبي ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته.» ورواه العقيلي في " الضعفاء ".
стр. 121
لأن السنة إكمال الفرض في محله والداخل ليس بمحل له
ــ
[البناية]
وحديث جرير عند ابن عدي، وفيه: أصرم بن غياث، وهو متروك.
وحديث عبد الله بن عكبرة عند الطبراني في " الصغير " ولفظه: عن عبد الله بن عكبرة وله صحبة، «قال: " التخليل سنة» وفيه عبد الكريم وهو ضعيف، وحديث علي ﵁ عند الطبراني فيما تلقاه عن ابن مردويه وإسناده ضعيف ومنقطع.
م: (لأن السنة إكمال الفرض في محله) ش: لتخليل أصابع الرجلين والمضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف من الوجه. ولا كذلك ما تحت اللحية لسقوط منبات اللحية. م: (والداخل) ش: أي في اللحية.
م: (ليس بمحل له) ش: أي للفرض بعدم وجوب إيصال الماء إليه بالاتفاق، واعترض بأن المضمضة والاستنشاق سنتان وداخل الفم ليس محل الفرض في الوضوء، وأجيب بأن الفم والأنف من الوجه في وجه إذ هما في حكم الخارج من الوجه، والوجه محل الفرض.
فإن قلت: الأمر يقتضي الوجوب فكان ينبغي أن يكون تخليل اللحية واجبا.
قلت: أمر الوضوء في الآية خاص بظاهر اللحية لا يحتمل الخفاء. فلو قلنا: بوجوب تخليل اللحية بهذا الأمر يلزم الزيادة في كتاب الله تعالى بخبر الواحد، وهي تجري مجرى النسخ، فلذلك انحطت درجة مقتضى الأمر من الوجوب إلى السنية، وكون تخليل اللحية سنة هو الصحيح للأحاديث المذكورة ولفعل الصحابة ﵃ وأخرج سعيد بن منصور عن الوليد عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل أصابعه ولحيته، وكان أصحابه إذا توضئوا خللوا لحاهم» .
فإن قلت: قال أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية [حديث] .
قلت: قد مر أن الترمذي صحح حديث عثمان ﵁، وحديث عائشة المذكور إسناده حسن، وقال السروجي في شرحه: ذكر أصحابنا «أنه ﵇ كان إذا خلل لحيته الكريمة شبك أصابعه كأنها أسنان مشط» وليس لذلك كله ذكر في كتب الحديث، وإنما ذكر ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر: «وشك لحيته بأصابعه من تحتها» ولم يزد، وذكر الراوي
стр. 122
وتخليل الأصابع
ــ
[البناية]
«كأنها أسنان مشط» .
قلت: العجب من السروجي كيف غفل حديث جابر الذي أخرجه ابن عدي المذكور آنفا وكيف يقول: وليس لذلك كله ذكر في كتب الحديث، ولا يلزم من اطلاعه على ذلك أن يقول: وليس لذلك كله ذكر في كتب الحديث، ثم نسبه إلى أبي بكر الرازي بأنه قال: كأنها أسنان مشط، وأبو بكر الرازي لم يقل هذا من عنده.
[تخليل الأصابع في الوضوء]
م: (وتخليل الأصابع) ش: بالرفع عطف على ما قبله من المرفوعات، وأطلق الأصابع على أصابع اليدين والرجلين، وذكر في " التحفة " و " القنية " و " المنافع " أصابع اليدين والرجلين، وسكت أكثرهم عن ذكر أصابع اليدين لحصول وصول الماء إلى أصابعهما بغسل الوجه واليدين والرجلين، وتخليلهما يكون بالتشبيك بينهما.
وفي " الذخيرة " تخليل الأصابع إذا كانت مضمومة وهو يتوضأ من الإناء فرض، قال المرغيناني: بماء يتقاطر، قيل المراد وصول الماء إلى أثنائها لا نفس التخليل ولهذا قالوا: وإن توضأ في الماء الجاري أو الحوض، وأدخل رجليه في الماء يجزيه ترك التخليل. وإن كانت منضمة.
وفي " جوامع الفقه " للعتابي: تخليل أصابع الرجلين إذا كانت منضمة واجب، وفي شرح شيخ الإسلام أن تخليلها قبل الوصول إلى أثنائها فرض، وبعده سنة، وقال شمس الأئمة الحلواني: سنة مطلقة، ومن الناس من قال: تخليل أصابع الرجلين فرض، وهو واجب في اليدين عند مالك، وقال إسحاق وأحمد وكذا في الرجلين.
وقال مالك: لا يلزم في الرجلين ذكره في " العتبية " وإنما يجب عنده في الجنابة، وإن كانت أصابع يديه ورجليه متلاصقة ذلك كله فيها، ولا يلزم فعلها عنده وفي " العتبية " تخليل أصابع الرجلين مع وصول الماء إلى باطنها فيخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر يده اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى بذلك ورد الخبر، وكذا قال الرافعي الأحب في كيفية تخليل أصابع الرجلين أن يجعل خنصر اليد اليسرى من أسفل الأصابع، يبتدئ بخنصر أصابع الرجل اليمنى مختما بخنصر اليسرى، ورد الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ وهذه الكيفية لا أصل لها وإنما روى أبو داود والترمذي من حديث المستورد بن شداد، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع يده بخنصره» فالحديث يقتضي البداية بالخنصر فقط.
стр. 123
لقوله ﵇: «خللوا أصابعكم كي لا تتخللها نار جهنم»
ــ
[البناية]
م: (لقوله ﵇: «خللوا أصابعكم كي لا تتخللها نار جهنم» ش: ما ورد الحديث بهذا اللفظ، والذي ورد هو ما رواه الدارقطني في " سننه " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خللوا أصابعكم لا يخللها الله بالنار يوم القيامة» ، وخرج نحوه من حديث عائشة، وفي الأول: يحيى بن ميمون الثمار، قال ابن أبي حاتم: قال عمرو بن علي كان يحيى كذابا، وله حديث عن يحيى بن علي حدث علي عن زيد بأحاديث موضوعة، وفي الثاني: عمر بن قيس، ولقبه مستدل، قال أحمد: متروك.
وأخرجه الطبراني من حديث وائل بن حجر عن النبي، قال: «من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة» ، وفي باب لقيط بن صبرة عند الأربعة وقد مر. وحديث ابن عباس عند الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وحديث الربيع بنت معوذ عند الطبراني في " الأوسط " بإسناد ضعيف. وحديث عثمان ﵁ عند الدارقطني: «أنه خلل أصابع قدميه ثلاثا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل
стр. 124
ولأنه إكمال الفرض في محله
ــ
[البناية]
كما فعلت» وحديث عبد الله بن مسعود عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق موقوفا عن علي وابن مسعود، ولفظه: «لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار» ، ورواه زيد بن أبي الورقاء عن الثوري عن أبي مسكين عن هذيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود مرفوعا، قال أبو حاتم: رفعه منكر، وهو في جامع الثوري موقوفا.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن تخليل الأصابع م: (إكمال الفرض في محله) ش: أي في محل الفرض وقد قلنا: إن غسل اليدين والرجلين فرض، وتخليل أصابعهما إكمال الفرض فيكون سنة بمقتضى الأحاديث المذكورة.
فإن قلت: ينبغي أن يكون التخليل واجبا نظرا إلى الأمر كما قال مالك في اليدين، وأحمد وإسحاق في اليدين والرجلين مع كونهما مقرونين بالوعيد لتاركه. قلت: هذا لا يفيد الفرضية؛ لأنه من أخبار الآحاد ولا يفيد الوجوب؛ لأنه إنما يقتضي الوجوب إذا لم يمنعه مانع، ولم توجد قرينة صارفة عن ظاهره كخبر صدقة الفطر والأضحية وخبر الفاتحة، أما إذا وجد لا يمكن القول بالوجوب وهاهنا عارض هذا الأمر من تعليم الأعرابي الوضوء، ولم يعلمه التخليل، فلو كان واجبا لعلمه. هذا الذي ذكره أكثر الشراح، وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أن الراوي طوى ذكر التخليل لكونه من المكملات، وقال صاحب " الدراية ": الأخبار التي حكي فيها وضوء رسول الله ﷺ من غير ذكر التخليل يحتمل على الندب أو السنة التي دون الوجوب عملا بالدليلين بقدر الإمكان، وتبعه على ذلك الأكمل، وهذا أيضا فيه نظر؛ لأن في حديث وائل بن حجر رواه البزار في مسنده قال: «شهدت النبي ﷺ وأتي بماء فأكفأ على يمينه ثلاثا ... الحديث، وفيه ثم غسل بيمينه قدمه اليمنى وفصل بين أصابعه وقال: خلل بين أصابعه» .
فإن قلت: الأمر المقرون بالوعيد على التارك يدل على الوجوب.
قلت: قال السغناقي: إنما لم يفد الوجوب؛ لأن آية الوضوء خاصة ليس بمحتملة للبيان؛ لأنه بين في نفسه فحينئذ تكون الزيادة عليه بطريق النسخ لا بطريق البيان، وخبر الواحد لا يصلح لذلك، وقال الأكمل: الوعيد مصروف بما إذا لم يصل الماء بين الأصابع وقد أخذ ذلك من السروجي، وقال الشيخ حافظ الدين النسفي: لا مدخل للوجوب في الوضوء؛ لأنه شرط الصلاة
стр. 125
وتكرار الغسل إلى الثلاث؛ «لأن النبي ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به "، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: " هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين "، وتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم»
ــ
[البناية]
فيكون تبعا لها، فلو قلنا بالوجوب هاهنا كما في الصلاة لقلنا بوجوب الفاتحة ليساوي الفرع الأصل، بخلاف النصين فيهما أي في الصلاة والوضوء للتفاوت هناك حيث يثبت التبع بثبوت الأصل، ويسقط بسقوطه ولا كذلك هاهنا.
[تكرار الغسل ثلاث مرات في الوضوء]
م: (تكرار الغسل إلى الثلاث) ش: بالرفع أيضا عطفا على ما قبله، أي تكرار غسل الأعضاء المفروض غسلها إلى ثلاث مرات، أراد أنه أيضا من سنن الوضوء. م: «لأن النبي ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله - تعالى - الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم» ش: أقول هذا الحديث بهذا اللفظ ما روي، ولكنه مركب من حديثين، فقوله: «توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به - إلى قوله - فمن زاد» حديث واحد أخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ نحوه غير أن في حديثه «ثم توضأ مرتين، ثم توضأ ثلاثا، وفيه " وضوء المرسلين قبلي» .
وأخرجه البيهقي في " سننه "، وقال: تفرد به المسيب بن واضح وهو ضعيف، وقال في " المعرفة ": المسيب بن واضح غير محتج به، وقد روي هذا الحديث من أوجه كلها ضعيفة، وقال عبد الحق في " أحكامه ": هذا الطريق من أحسن طرق هذا الحديث، ونقل عن ابن أبي حاتم أنه قال: المسيب صدوق لكنه يخطئ كثيرا.
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وأخرجه ابن ماجه من طرق أخرى عن ابن عمر، ولفظه: «توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به، ثم توضأ ثنتين ثنتين، وقال: هذا وضوء القدر من الصلاة، وتوضأ ثلاثا وقال: هذا أسبغ الوضوء، وهو وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ﵇» وفي رواته عبد الرحيم بن زيد العمي قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: هو متروك الحديث وأبوه زيد ضعيف الحديث، ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﵇، وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حديث واه وفي إسناده معاوية بن قرة عن ابن عمر ومعاوية هذا لم يلحق ابن عمر.
ورواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده فذكره، وزيد العمي وثقه الحسن بن سفيان، وقال أحمد: صالح، وإنما سمي العمي؛ لأنه كان إذا سئل قال: حتى أسأل عمي، وروى ابن ماجه أيضا من حديث أبي بن كعب «أن رسول الله ﵇ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: " هذا وظيفة الوضوء، وقال: وضوء من لم يتوضأ لم يقبل الله له صلاة "، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: " هذا وضوء من يتوضأه أعطاه الله تعالى كفلين من الأجر "، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: " هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي» وفي رواية زيد بن أبي الحواري قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وفيه أيضا عبد الله بن عوانة الشيباني، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.
وروي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت كلاهما أخرجه الدارقطني «أن النبي ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: " هذا الذي لا يقبل الله العمل إلا به " وتوضأ مرتين مرتين، وقال: " هذا يضاعف الله به الأجر مرتين " وتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» وأما «حديث توضأ مرة مرة» فأخرجه الجماعة إلا مسلم من حديث ابن عباس، «وحديث توضأ مرتين مرتين» أخرجه البخاري من حديث زيد بن عاصم، وحديث توضأ ثلاثا ثلاثا أخرجه البخاري ومسلم من حديث عثمان ﵁.
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقوله: " فمن زاد على هذا " إلى آخره، حديث آخر ركبه المصنف مع الأول، وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا أتى النبي ﵇ فقال يا رسول الله كيف الطهر الحديث وفي آخره هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء وفي لفظ لابن ماجه تعدى وظلم وللنسائي فقد أساء» ، وقال تقي الدين في " الإمام ": الحديث صحيح عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بصحة الإسناد إلى عمرو، قال أبو بكر بن العربي: عمرو بن شعيب ضعيف.
وثبت في " الصحيحين " أنه ﵇ قال: «إن أمتي يأتون غرا محجلين يوم القيامة من آثار الوضوء» ، وقال أبو محمد الأصيلي: هذا الثابت يدل على أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم، فلا يثبت ما روي «أنه ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» وهو حديث لا يصح.
قلت: ما لعمرو بن شعيب، وقد روى عنه أيوب السختياني، وثابت البناني، والأوزاعي، وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن إسحاق، و [ ... ] ومكحول الشامي، والإمام أبو حنيفة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون. وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: بمن الناس بعدهم؟
وقول الأصيلي هذا الحديث الثابت إلى آخره غير مسلم؛ لأنه لا يلزم من كون الغرة والتحجيل لهذه الأمة أن لا يكون الوضوء موجودا في غيرهم، ولكن تكون الغرة والتحجيل لهذه الأمة خاصة بشرفهم، وفضلهم على غيرهم، ولا يحسن أن نقول إن الأمم السابقة المسلمين كانوا يصلون بلا وضوء.
وقوله: «فقد تعدى وظلم» له تأويلات سبعة:
الأول: تعدي وأساء في الأدب بترك السنة، والتأدب بآداب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء.
الثاني: زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها.
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الثالث: زاد على المحدود أو نقص عنه.
الرابع: زاد على الثلاث يفيد أن كمال السنة لا يحصل إلا بالثلاث، أما لو زاد على الثلاث لطمأنينة القلب عند الشك أو نية وضوء آخر فلا بأس به، لحديث ابن عمر أنه ﵇ كان يقول: «من توضأ على وضوئه كتب الله له عشر حسنات» رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والترمذي وضعفه هو وغيره؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن زياد، قلت: روي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: سمعت يحيى القطان يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة، وعن يحيى: ليس به بأس، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: أويحتج بحديث الأفريقي؟ قال: نعم، قلت: صحيح الكتابة؟ قال: نعم، وكان أحمد بن [......] ينكر على من يتكلم فيه، قال: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، وأنعم جد عبد الرحمن هذا.
فإن قلت: جاء «الوضوء على الوضوء نور على نور» .
قلت: هذا مشهور في كتب الفقه لم يذكر في كتب الحديث المشهور المعتبرة.
الخامس: قيل: فمن زاد على المد في الوضوء، وعلى الصاع في الغسل أو نقص عن ذلك فقد تعدى وظلم لحديث أنس ﵁ أنه ﵇ «كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد» رواه البخاري ومسلم.
السادس: فمن زاد على الصلوات الخمس والوتر أو نقص عنها. وهو بعيد جدا.
السابع: ما ذكر من المشايخ أنه محمول على نفس الفعل وإن لم يكن ثم اعتقاد أن الزيادة على الثلاث لا يقع طهارة ولا يصير الماء به مستعملا إذا قصد به تجديد الوضوء.
فإن قلت: ذكر في الجامع أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس الطهور، وفي العضو النجس مستعملا يقتضي ما ذكره سنة تقع طهارة ويصير الماء به مستعملا.
قلت: ما ذكر هناك محمول على ما إذا نوى به القربة، والدليل عليه أنه قال في " العتابي ": وماء الرابعة مستعمل في العضو النجس؛ لأن الظاهر هو القربة حتى يقوم الدليل بخلافه، وفي " شرح النظم " للنسفي؛ لأن وجد فيه معنى القربة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور، فلهذا صار الماء به مستعملا.
وذكر في " المحيط " والأسبيجابي أن ماء الرابعة لا يصير مستعملا إلا بالنية وفي " الدراية " قوله: تعدى، يرجع إلى الزيادة؛ لأنه مجاوزة الحد، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
(البقرة: الآية ٢٢٩) والظلم يرجع إلى النقصان، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] (الكهف: الآية ٣٣) ، أي: لم ينقص، وأخذ الأكمل منه، وبه فسر السغناقي.
وقال البخاري: كره أهل العلم الإسراف فيه، وإن لم يجاوز فعل النبي ﵇: هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة عليها، وقد قال الشافعي في الأم: لا أحب الزيادة عليها فإن زاد لم أكره إن شاء الله تعالى، وذكر أصحابه ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الزيادة عليه مكروهة كراهة تنزيه، وثانيها: أنها حرام، وثالثها: أنها خلاف الأولى، وأبعد من قال: إذا زاد على الثلاث بطل وضوءه، حكاه الدبري في " استذكاره " وهو خطأ.
فإن قلت: ما حكم الثلاث. قلت: الأولى: فرض، والثانية: سنة، والثالثة: إكمال السنة وهي المذهب، وقيل: الثانية سنة، والثالثة: نفل، وقيل: بالعكس وعن أبي بكر الإسكاف الثلاث فرض، ذكره في " مختصر المحيط "، ولو توضأ مرة مرة لقوة البرد أو لقلة الماء أو لضرورة لا يكره ولا يأثم وإلا فيأثم، وقيل: إن اعتاد يأثم وإلا فلا.
فإن قلت: كيف يكون النفل عن الثلاثة إثما وظلما، وقد ثبت «أنه ﵇ توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين» . قلت: ذلك لبيان الجواز وكان ذلك الحال أفضل؛ لأن البين واجب عليه. فإن قلت: مقتضى التأويل أن من غسل ما فوق المرفق والكعب يكون مسيئا وظالما، وجاء في تلك الإطالة الغرة والتحجيل الثابتة في الصحيح، وكان أبو هريرة ﵁ يمر يده حتى يبلغ الإبط، فقيل له: ما هذه الوضوء، «فقال: سمعت خليلي ﵇ يقول: " يبلغ الحلي من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، رواه مسلم، والبخاري» رواه بمعناه. قلت: تحصيل الجواب لما ذكرنا من التأويلات في قوله: فقد تعدى وظلم، وقال ابن بطال: هذا الذي قال أبو هريرة ما لم يبالغ عليه المسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله، ولم يتجاوز فعل النبي ﵇ قط مواضع الوضوء.
قلت: هذا ترك الأدب في حق الصحابي، وهو لم يفعل ما فعل من تلقاء نفسه بل أخذه عن النبي ﵇ ودعوى الإجماع لا يقبل مع خلاف أبي هريرة والشافعي وأصحابه، بل قالوا باستحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين لا خلاف فيه بين أصحابه، ذكر النووي حتى لو قطعت اليد من محل الفرض كالمنكب يستحب أن يمسح موضع القطع بلا خلاف، نص عليه
стр. 130
والوعيد لعدم رؤيته سنة
قال: ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة،
ــ
[البناية]
الشافعي في " الأم "، واختلفوا في تعليله، فقال الجماعة: حتى لا يخلو العضو من طهارة.
وقال الغزالي، والبغوي، وآخرون: يستحب ذلك إطالة للغرة والتحجيل؛ لأن الغرة إنما هي في الوجه، والذي في اليد التحجيل، وأورد عليهم بأن غسل ما فوق المرفق كان تبعا للذراع، وقد زال المتبوع فينبغي أن لا يشرع التابع، كما لا يقضي السنن إذا سقط قضاء الفرائض بحيض أو جنون، وأجابوا عنه بأن سقوط القضاء عن المجنون والحائض وخصه مع إمكانه فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى.
وأما سقوط غسل الذراع فلتعذره، والعذر مختص بالذراع، فيبقى العضد على ما كان في الاستحباب، وصار كالمحرم الذي لا شعر على حلق رأسه فيستحب إمرار الموسى على رأسه.
م: (والوعيد لعدم رؤيته سنة) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: إن الشارع رتب على الزيادة والنقصان وعيد مقتضاه الإطلاق، وتقدير الجواب بأن الوعيد بعدم رؤيته الثلاث سنة، والحديث ليس على ظاهره، وأشار بذلك إلى أنه اختار من تأويلات هذا الحديث التأول الذي قيل: إنه إذا زاد عل الثلاث معتقدا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث.
وأما إذا أراد طمأنينة القلب عند الشك أو بنيته وضوء آخر فلا بأس به ولا يدخل تحت الوعيد، ومن العجائب من دعاوى الأترازي في " شرحه " أنه نسب هذا الحديث أعني الذي فيه " فمن زاد على هذا " إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وليس كذلك فإنه روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما ذكرنا، وأعجب منه أنه قال: كذا ذكره الخصاف في " شرح مختصر الطحاوي "، وسكت على ذلك من غير أن يبين من أخرجه من أئمة الحديث.
[النية في الوضوء]
م: (ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة) ش: النية بكسر النون وتشديد الياء وقد تخفف: إرادة استباحة الصلاة بوضوئه أو قصد عبادته لا تستغني عن الطهارة أو قصد امتثال الأمر كذا قال فخر الإسلام، وقيل: أن ينوي إزالة الحدث أو استباحة الصلاة والمستحب ما يثاب على فعله ولا يلام على تركه.
فإن قلت: قال المصنف: وتستحب النية في الوضوء، ثم قال: فالنية في الوضوء سنة عندنا، وهذا ما وجهه. قلت: قال الأترازي وتبعه الأكمل إنما قال سنة بعد أن قال: ويستحب لأن الاستحباب على ما اختاره القدوري فرواه بلفظه ثم ذكر ما هو المختار عنده. قلت: له وجه آخر عندي: وهو أنه ذكر استحباب النية في الطهارة، والطهارة أعم من الوضوء فالمتوضئ إذا أراد أن
стр. 131
فالنية في الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعي ﵀ فرض؛ لأنه عبادة فلا يصح بدون النية كالتيمم، ولنا أنه لا يقع عبادة إلا بالنية ولكنه يقع مفتاحا للصلاة
ــ
[البناية]
يطهر ثوبه أو بدنه أو المكان الذي يصلي من النجاسة يستحب له أن ينوي لعموم قوله ﵇: «الأعمال بالنيات» وهذا عمل أيضا مطلوب مرغوب فيه، فإذا نوى تطهير هذه الأشياء يحصل له الثواب فيكون مستحبا، وإذا لم ينو لا يضره ذلك؛ لأن تارك المستحب لا يلام، وأما ذكره بلفظ النية في الوضوء فلنصب الخلاف بيننا وبين الشافعي بأن النية عنده وجماعة آخرين فرض فأقل الأمر أن يذكر في مقابلة لفظ السنة.
م: (فالنية في الوضوء سنة عندنا) ش: الفاء هنا للعطف ولكنها تعد الترتيب المتقارب من بعض الوجوه كما يقال: خذ الأكمل فالأفضل واعمل الأحسن فالأجمل، وفائدة كون النية سنة في الوضوء عندنا أنه إذا نسي المسح فأصابه المطر أو أجرى الماء أو قطر على أعضاء وضوئه أو علم الوضوء إنسانا أو توضأ متبردا فعندنا يجوز، وبه قال الثوري والأوزاعي، والحسن بن حي نظر ومالك في رواية.
م: (وعند الشافعي فرض) ش: وبه قال الزهري، وربيعة، ومالك، والليث بن سعد، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود م: (لأنه) ش: أي لأن الوضوء م: (عبادة فلا يصح بدون النية) ش: لأن العبادة فعل يأتي به المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لأمر ربه، والوضوء بهذه المثابة، وكل ما هو عبادة لا يصح بدون النية لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (البينة: الآية ٥) ، والإخلاص لا يحصل إلا بالنية، وقد جعله حالا للعابدين والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية.
م: (كالتيمم) ش: أي كما أن النية شرط في التيمم، وقاسه على ذلك في كونهما طهارتين للصلاة فلا يفترقان م: (ولنا أنه) ش: أي لا، الوضوء م: (لا يقع عبادة إلا بالنية) ش: هذا قول بموجب العلة، معناه سلمنا أن الوضوء لا يقع عبادة إلا بالنية م: (ولكنه) ش: أي ولكن الوضوء (يقع مفتاحا للصلاة) ش: معنى هذا الاستدراك أنه ليس كلامنا في أن الوضوء لا يكون عبادة إلا بالنية، وإنما كلامنا في استعمال الماء المطهر في أعضاء الوضوء، هل يوجب الطهارة بدون النية حتى يكون مفتاحا للصلاة أو لا، ولا مدخل لكونه عبادة في ذلك، ويفسد ذلك بدونها؛ لأن أعضاء الوضوء محكوم بنجاستها في حق الصلاة، ضرورة الأمر بتطهيرها، والماء طهور بطبعه فإذا لاقى النجس طهره، قصد المستعمل من ذلك كالثوب النجس؛ ولأن المطهر لا يعرف كونه مطهرا على قصد
стр. 132
لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم؛ لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة أو هو ينبئ عن القصد،
ــ
[البناية]
العبادة، والشيء إذا خلق على أي طبع فوجد ذلك الطبع فيه سواء وجدت النية فيه أو لم توجد، كالنار طبعها الإحراق إذا وجدت محلا قابلا للإحراق، وكذا الماء يطهر بلا نية؛ لأن طبعه مطهر، والتحقيق في هذا المقام أن الوضوء جعل شرطا للصلاة بوصف كونه طهارة لا بوصف كونه قربة، وهذا؛ لأن الشارع سمى الماء طهورا، وهو ما يحصل به الطهارة فاستعماله في محل قابل يحصل الطهارة قصد أو لم يقصد كما أن الماء يروي خلقة فاستعماله يحصل الري قصد أو لم يقصد م: (لوقوعها) ش: أي لوقوع الطهارة.
م: (طهارة باستعمال المطهر) ش: وهو الماء الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] (الفرقان: الآية ٤٨) .
فإن قلت: إذا سلمتم للخصم أن الوضوء لا يقع عبادة إلا بالنية فتكون النية شرطا فيه فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
قلت: نعم عبادة، ولكنها غير مستقلة؛ لأنها وسيلة إلى غيرها فهذا الاعتبار مستغنى عن النية على أن بعضهم قالوا: الوضوء غير عباده، ولهذا لا يصح النظر به وعدم النية تمنع العبادة ولا تمنع الطهارة.
م: (بخلاف التيمم) ش: أشار به إلى أن قياس الشافعي الوضوء على التيمم في كونهما طهارة فلا يفترقان قياسا بالفارق، وذا لا يجوز بين ذلك بوجهين:
أحدهما: قوله م: (لأن التراب غير مطهر) ش: يعني لم يعقل مطهرا؛ لأنه في ذاته ملوث ومغير فلا يكون مطهرا م: (إلا في حالة إرادة الصلاة) ش: فتكون طهارته بدلا عن الوضوء؛ لأنه بطبعه وحقيقته مطهر بخلاف الماء.
والوجه الثاني: هو قوله: (أو هو) ش: أو التيمم م: (ينبئ عن القصد) ش: يقال تيمم إذا قصد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (البقرة: الآية ٢٦٧) أي: لا تقصدوه، وفي لفظه ما يدل اشتراط النية، فلم يكن فيه إلا معنى النية. فإن قيل في الوضوء مسح والمسح لم يعقل مطهرا طبعا فيحتاج إلى النية، أجيب بأن مسح الرأس ملحق بالغسل لقيامه وانتقاله إليه بضرب من هذا الجرح، وهذا في " شرح الأكمل " نقله من كلام السغناقي ولو نظر في قوله لأنه ينبئ عن القصد لغة، والقصد الذي هو النية إنما هو قصد خاص وهو قصد إباحة الصلاة والأعم لا دلالة له على الأخص؛ لأن الأول: مدلول اللفظ، والثاني: فعل القلب، ولا دلالة لأحدهما على الآخر. قلت: القصد لغة مطلق، والقصد الذي هو إباحة الصلاة مقيد، ويلزم من وجود المقيد
стр. 133
ويستوعب رأسه بالمسح وهو السنة
ــ
[البناية]
وجود المطلق والقصد فعل القلب فافهم.
[استيعاب الرأس في الوضوء]
م: (ويستوعب رأسه بالمسح) ش: بنصب الباء أي يستحب أن يستوعب رأسه عطفا على قوله: " أن ينوي الطهارة "، والتقدير يستحب نية الطهارة، فاستيعاب الرأس أي شموله بالمسح، وهو على اختيار القدوري، وعلى اختياره سنة، أشار إليه بقوله: م: (وهو سنة) ش: أي استيعاب الرأس بالمسح سنة، ذكرها في " المحيط " و " البدائع " و " التحفة " و" القنية "و " المفيد " و " شرح المبسوط "، وهو صحيح. وأشار بقوله: وهو سنة إلى الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسين سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وفيه «ثم أدخل يده يعني في التور فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» .
ورواه الأربعة أيضا فأبو داود عن عبد الله بن سلمة عن مالك، والترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى، والنسائي عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك، وابن ماجه عن الربيع بن سليمان وحرملة بن يحيى كلاهما عن الشافعي عن مالك.
وأخرجه محمد بن الحسن في " موطئه " عن مالك، وقال: أخبرنا مالك بن أنس قال: أخبرنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسين المدني عن أبيه، ويحيى أنه سمع جده أبا حسين سأل عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ «قال: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد بن عاصم: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» قال محمد: هذا حسن، والوضوء ثلاثا ثلاثا أفضل الوضوء، والاثنان مجزئان والواحدة إذا أسبغت تجزئ أيضا، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة، وبه استدل أصحابنا على أن السنة البداءة من مقدم الرأس، قال الحسن البصرى: السنة البداءة من الهامة يضع يديه عليها، ويمر بهما إلى مقدم الرأس ثم يعيدهما إلى القفا، وهكذا روى هشام عن محمد، والصحيح قول العامة للحديث المذكور، وفي " المحيط ": ويستحب فيه أن يضع من كل واحدة من يديه ثلاث أصابع عن مقدم رأسه، سوى الإبهام والسبابة، ويجافي بين كفيه، ويمرهما إلى القفا ثم يضع كفيه على مؤخر
стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
رأسه ويمرهما إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل أذن بكل إبهام وباطنه بمسبحة.
وفي الينابيع: والمسح أن يضع الخنصر والبنصر بكسر أولهما والصاد بينهما من كل يد على مقدم الرأس من منبت الشعر ويمررهما إلى نصف رأسه ثم يرفعهما، ويضع الوسطيين في وسط رأسه، ويمرهما إلى منبت الشعر من قفاه، ثم يعيدهما إلى وسط رأسه، ثم يضع الخنصر والبنصر في وسط رأسه ويمرهما إلى مقدم رأسه، ثم يمرهما إلى وسط رأسه، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يدخل السبابة في أذنه ويديرها في زواياها ويدير إبهامه من زوياها.
وفي " الدراية ": وكيفية الاستيعاب أن يبل كفه، وأصابع يديه ويضع بطون ثلاث من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبابتين والإبهامتين. ويجافي الكفين ويمررهما إلى مؤخر الرأس ثم يمسح الفردين بالكفين ويمرهما إلى مقدم الرأس ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين وباطن الأذنين بباطن السبابتين ويمسح رقبته بظاهر اليدين، حتى يصير ماسحا ببلل لم يصر مستعملا، هكذا روت عائشة ﵂ مسح رسول الله ﷺ ، وهكذا المنقول عن السلف وعن أبي حنيفة ومحمد أنه يبدأ من أعلى رأسه إلى جنبيه ثم إلى قفاه عكسه كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ".
قلت: حديث عائشة ﵂ أخرجه النسائي، «أنها وصفت وضوءه ﵇ ووضعت يديها في مقدم رأسها ومسحت إلى مؤخره، ثم مرت يديها بأذنيها، ثم مرت على خدين» قالوا: الذي ذكره صاحب " الدراية " ونسبه إلى عائشة، لم يذكره أحد من أئمة الحديث على الوجه المذكور ولا عن غير عائشة من الصحابة الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ . وأخرج أبو داود عن محمد بن حسين، وقد ورد من حديث طلحة بن مصرف، وفيه «رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة حتى يبلغ القذال، وهو أول القفاء، وقال مرة: وقد مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى يخرج يديه من تحت أذنيه، وأخرجه الطحاوي، ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ يمسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه» .
وأخرج النسائي حديث عبد الله بن زيد وفيه «ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بهما إلى مؤخر رأسه ثم جره إلى قفاه ثم جره إلى مؤخره، وعند أبي داود وبدأ بالمؤخر ثم بمقدمه وبأذنيه كليهما، وفي لفظ مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناصيته لمنبت الشعر لا يحول الشعر عن هيئته، وفي لفظ: مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه» .
وأخرجه البزار من حديث أبي بكرة وفيه «مسح برأسه وما أقبل يقبل بيديه من مقدمه إلى
стр. 135
وقال الشافعي ﵀: السنة التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول
ــ
[البناية]
مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه» وأخرج ابن قانع من حديث أبي هريرة وفيه «ووضع يديه على النصف من رأسه ثم جرهما إلى مقدم رأسه ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، وجرهما إلى صدغيه.» وأخرج أبو داود أيضا من حديث أنس، وفيه: «فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه» وأخرج ابن السكن عنه ولفظه: «فمسح باطن لحيته وقفاه.»
وأخرجه البيهقي والبغوي وابن أبي خيثمة وفيه: مسح رأسه إلى سافله، فهذا أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار بعض أصحابنا رواية عبد الله بن زيد ﵁ وذكر السغناقي في كيفية المسح كلاما نقله عن الدراية ثم قال: كذا أعلمنا عين الأعيان الأستاذ المتفنن مولانا فخر الدين المايرمعي ﵀ إلا أن الرواية منصوصة في " المبسوط " على أن الماء لا يعطى له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال.
قال الأترازي: إن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات، فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملا فكذلك في حكم إقامة السنة في المسموح، ولكن يجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب؛ ليقوم الأكثر مقام الكل، حتى إنه لو مسح بإصبعه بجوانبها الأربعة لا يجوز في الأصح؛ لعدم استعمال أكثر الأصابع، فانظر هل ترى أحدا من الشراح، وهم أئمة كبار، أقام من الحديث شيئا مما ذكره من الصور المذكورة في كيفية مسح الرأس بالاستيعاب.
م: (وقال الشافعي ﵀: السنة التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول) ش: لا خلاف بيننا وبين الشافعي في سنية استيعاب الرأس بالمسح وإنما الخلاف في تثليث المسح، فعنده السنة في التثليث بمياه مختلفة نص عليه في كتبه، وقطع به جماعة من جماهير أصحابه، حكي هذا عن الشافعي، ولكن حكى الرافعي وجها لأصحابنا أنه يسن مرة واحدة، وهو مذهب أكثر العلماء، وحكى الترمذي عنه أنه يمسح مرة كقولنا، قال النووي: لا أعلم أحدا من أصحابنا حكى هذا عن الشافعي، لكن حكى الرافعي وجها لأصحابنا أنه مسح مرة واحدة وهو مذهب أكثر العلماء، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم.
وقال ابن عدي: كل الرواة قالوا: مسح الرأس مرة واحدة، وقال ابن المنذر: وممن قال به عبد الله بن عمر، وطلحة بن مصرف، والحاكم، وحماد، والنخعي، ومجاهد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري، وأحمد، ومالك، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، واختاره ابن المنذر، ومذهب الشافعي حكاه ابن المنذر عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وعطاء، وهو رواية عن أحمد، وداود، وقال ابن سيرين إنه يمسح مرتين، واحتج بحديث الربيع
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بنت معوذ «أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين» وعن عبد الله بن زيد مثله، وقال أبو عبيد القاسم ابن سلام: لا نعلم أحدا من السلف جاء عنه استكمال الثلاثة في مسح الرأس إلا عن إبراهيم التيمي.
قلت: ذكرنا الآن عن الجماعة الذين ذكرهم ابن المنذر، ومن الغرائب أن الشيخ أبا حامد الاسفراييني حكى بعضهم أنه أوجب الثلاثة وحكاه صاحب " الإبانة " عن ابن أبي ليلى ثم إن المصنف ﵀ احتج للشافعي من جهة القياس ولم يحتج له بشيء من الحديث، واحتج له بعض أصحابه بحديث عثمان ﵁ «أن النبي ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا» ورواه مسلم ووجه الدلالة منه أن قوله توضأ يشتمل الغسل والمسح، وحديث عثمان أيضا أنه «توضأ، ومسح رأسه ثلاثا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا» رواه أبو داود بإسناد حسن ذكره النووي، وقال أيضا ابن الصلاح: حديث حسن. وحديث علي ﵁ «أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثا ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل» ورواه البيهقي وقال: أحسن ما روى عن علي ابنه الحسين بن علي فذكره بإسناده وذكر مسح الرأس ثلاثا، «وهكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ» وإسناده حسن.
وأما الذي احتج به المصنف بقوله: اعتبارا بالمغسول فأراد أن المسح ركن من الوضوء فكان التثليث فيه سنة كغسل الوجه واليدين والرجلين، وأيضا الرأس أحد أعضاء الوضوء والمسح أحد قسمي الوضوء فيسن تثليثه كالغسل. قلنا: هذا القياس ضعيف؛ لأن المسموح ليس من جنس المغسول، وكان من الواجب عليه أن يقيس الممسوح على الممسوح بأن يقول: لا يصلح تكرارا إنما شرع بحكم مرة كمسح الخف والجبيرة والتيمم، وهذا مسح فلا يكرر هو الذي قاله الأترازي، وقال صاحب " المفيد " والمزيد: هذا فاسد الوضع؛ لأن المسح مبناه على التوسعة، والتخفيف بخلاف الغسل وإلحاق ما مبناه على التيسير بما مبناه على التعسير فاسد في الوضع، واعتبار المسح بالمسح وجه كمسح الخف والجبيرة، وفي " البدائع " التعسير في الغسل يفيد زيادة النظافة وبزيادة
стр. 137
ولنا «أن أنسا ﵁ توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هذا وضوء رسول الله ﵇»
ــ
[البناية]
تكرار المسح لا يحصل زيادة نظافة؛ ولأن تكراره يقربه إلى السيلان فكان مخلا باسم المسح والسنة الإكمال لا الإخلال، وجواب المصنف عن ذلك يأتي عن قريب مع الجواب عن أحاديثه.
فإن قلت: اعتبارا منصوب بماذا. قلت: هو مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره اعتبر الشافعي اعتبارا بالمغسول، ويجوز أن يكون اعتبارا بمعنى معتبرا على صيغة المفعول، ويكون نصب على الحال من التثليث.
م: (ولنا «أن أنسا ﵁ توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هذا وضوء رسول الله ﷺ » ش: هذا الحديث الذي نسبه إلى أنس غريب، والعجب من المصنف ذكر هذا، ولم يذكر ما «روي في " الصحيحين " من رواية عبد الله بن زيد أنه مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» وحديث آخر أخرجه الأربعة عن سعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب ﵁ «أنه أتي بإناء فيه ماء وطست.. الحديث، وفيه ماء فمسح برأسه مرة واحدة، وقال في آخره: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ . فهو هذا» .
ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يتوضأ ثلاثا ثلاثا إلا المسح فإنه مرة مرة» وحديث آخر أخرجه أبو داود عن ابن عباس ﵄ «أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ.. الحديث، وفيه مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة.»
وحديث آخر أخرجه الدارقطني في مسنده عن عثمان بن عفان ﵁ «وفيه مسح برأسه مرة واحدة، وقال في آخره: هكذا رأيت النبي ﷺ توضأ وكنت على وضوئه، ولكن أحببت أن أريكم كيف توضأ النبي ﷺ » وقال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل
стр. 138
والذي يروى من التثليث محمول عليه بماء واحد
ــ
[البناية]
على أن مسح الرأس مرة واحدة.
فإن قلت: روى أبو داود، والبزار، والدارقطني من طريق أبي سلمة عن حمران عن عثمان ﵁ «أن النبي ﷺ توضأ فمسح رأسه ثلاثا» .
قلت: فيه عبد الرحمن بن وردان، وفيه مقال، وأخرجه البزار أيضا من طريق عبد الكريم بن حمران وإسناده ضعيف، ورواه أيضا من حديث أبي علقمة مولى ابن عباس عن عثمان وفيه ضعف، ورواه أيضا أبو داود، وابن خزيمة والدارقطني من حديث ابن دارة عن عثمان، وابن دارة مجهول الحديث. ورواه البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح عن عثمان، وفيه انقطاع ورواه الدارقطني أيضا من طريق السلماني عن أبيه عن عثمان والسلماني ضعيف جدا وأبوه ضعيف أيضا، وقال البيهقي: روي من أوجه غريبة عن عثمان وفيها: «مسح الرأس ثلاثا» إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا احتج بها.
فإن قلت: روى أبو داود والدارقطني في " سننه " عن محمد بن محمود الواسطي عن شبيب عن أيوب عن أبي يحيى الحمال عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي ﵁ «أنه توضأ.. الحديث، وفيه أنه مسح رأسه ثلاثا» ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة ﵀ عن علقمة بن خالد، وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات فرووه عن خالد بن علقمة، وقالوا فيه: مسح رأسه مرة واحدة، ومع خلافه إياهم قال: إن السنة في مسح الرأس مرة واحدة.
قلت: الزيادة من الثقة مقبولة ولاسيما مثل أبي حنيفة ﵀ وأما قوله: فقد خالف حكم المسح.. غير صحيح؛ لأن تكرار المسح مسنون عند أبي حنيفة أيضا، إذا كان بماء واحد على ما يذكره المصنف عن قريب.
م: (والذي يروى من التثليث محمول عليه بماء واحد) ش: هذا جواب عن الأحاديث التي فيها
стр. 139
وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ ولأن المفروض هو المسح، وبالتكرار يصير غسلا فلا يكون مسنونا فصار كمسح الخف بخلاف الغسل؛ لأنه لا يضره التكرار،
ويرتب الوضوء فيبدأ
ــ
[البناية]
تثليث المسح التي احتج بها الشافعي، وتقريره أن يقال: الذي يروى من التثليث على تقدير ثبوته محمول عليه أي على التثليث بماء واحد؛ لأن ذلك يقتضي العدد دون تكرار أخذ الماء، قال تاج الشريعة: قوله والذي يروى فيه من التثليث هو ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ «أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح برأسه ثلاثا» .
قلت: الذي يروى عن عبد الله بن أبي أوفى المذكور الذي فيه تثليث الغسل المسح هو وحده حتى خصه به، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ ومع هذا من أخرج حديث عبد الله بن أبي أوفى من أئمة الحديث. م: (وهو) ش: أي التثليث (مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵁) ش: وروى الحسن في " المجرد " عن أبي حنيفة ﵀ أنه إذا مسح ثلاثا بماء واحد كان مسنونا، فإن قيل: قد صار البلل مستعملا بالمرة الأولى فكيف في إمراره ثانيا، وثالثا، أجيب بأنه يأخذ حكما واحدا، والصحيح أنه عند أبي حنيفة ﵀ يصير مستعملا لإقامة فرض آخر لا لإقامة السنة؛ لأنها تبع للفرض، ألا ترى أن الاستيعاب يسن بماء واحد، والصحيح عن أبي حنيفة ﵀ ترك التثليث. فإن قيل: روي «أنه ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا فكان ماسحا رأسه ثلاثا» قيل له: ثبت ذلك بمقتضى قوله: ثلاثا، وقد مر أن التثليث ليس سنة بصريح قوله أن النبي ﷺ مسح رأسه مرة واحدة، فالصريح أقوى.
م: (ولأن المفروض) ش: دليل آخر أي في الوضوء م: (هو المسح) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] م: (وبالتكرار) ش: أي بالتكرار للمسح م: (يصير) ش: أي المسح م: (غسلا) ش: لأن المسح مجرد الإصابة م: (فلا يصير مسنونا) ش: مسحه للقدمين يخرج عن كونه سنة؛ لأنه يصير غسلا والغسل خلاف المسح م: (فصار كمسح الخف) ش: أي فصار مسح الرأس كالمسح على الخف، وتحقيقه أن يقال: مسح الرأس مسح في الوضوء، وكل ما هو مسح في الوضوء لا يسن تثليثه كمسح الخف، والمسح على الجبيرة م: (بخلاف الغسل؛ لأنه لا يضره التكرار) ش: هذا متصل بقوله " وبالتكرار يصير غاسلا "، ومعناه: أن المسح يفسده التكرار بخلاف الغسل فإنه لا يفسده بل يزيده نظافة وتنقية فكان قياس الشافعي الممسوح على المغسول فاسدا.
[ترتيب أعضاء الوضوء]
م: (ويرتب الوضوء) ش: بنصب الباء عطف على قوله: " ويستوعب " قاله الأكمل، وقال الأترازي: عطف على قوله أن ينوي فعلى قوله يكون الترتيب مستحبا، والمنصوص في " المبسوط " أن الترتيب سنة، وكذا عند المصنف على ما يجيء الآن، م: (فيبدأ) ش: الفاء فيه تفسيرية؛ لأنه يفسر الترتيب، ويجوز فيه النصب والرفع، فالنصب عطف على قوله: ويرتب
стр. 140
بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامن، والترتيب في الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعي ﵀ فرض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، والفاء للتعقيب ولنا أن المذكور فيها حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة
ــ
[البناية]
الوضوء والرفع على تقدير فهو مبتدأ فتكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، وهو أن يبدأ فيه م: (بما بدأ الله تعالى بذكره) ش: في القرآن في آية الوضوء م: (وبالميامن) ش: أي ويبدأ بالميامن، وهو جمع ميمنة وهي خلاف الميسرة وكذا الأيمن خلاف الأيسر ويجمع على أيامن، وسيأتي دليله (فالترتيب في الوضوء سنة عندنا) ش: أي الترتيب في أعضاء الوضوء سنة عند أصحابنا، وبه قال مالك، والليث، والثوري والأوزاعي، وعطاء بن السائب، ومكحول، والزهري، وربيعة، والنخعي، وداود، والمزني، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء، واختاره ابن المنذر وصاحب " البيان "، وأبو نصير البنديجي من أصحاب الشافعي والأبهري، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس ﵃.
م: (وقال الشافعي ﵀ فرض) ش: أي الترتيب في الوضوء فرض، وقال أبو بكر الرازي ولا يروى عن أحد من السلف والخلف مثل قول الشافعي.
قلت: هذا غفلة منه، وقد قال بقوله أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقتادة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإليه ذهب ابن منصور، وصاحب مالك، وحكاه عن صاحبه م: (بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، والفاء للتعقيب) ش: أي الفاء في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ، وجه الاستدلال أن الفاء للتعقيب، والتعقيب يدل على الترتيب فيفيد ترتيب غسل الوجه على القيام إلى الصلاة، وإذا ثبت الترتيب فيه ثبت في غيره؛ لأنه معطوف على المرتب، والمعطوف على المرتب مرتب، وتحقيق هذا أن الفاء للتعقيب مع الوصل فإذا كان كذلك ثبت تقديم الوجه على الباقي، ويلزم ترتيب غيره عليه؛ لأن غيره معطوف عليه بحرف الواو وهو الترتيب كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] (الحج: الآية ٧٧) ، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (البقرة: الآية ١٥٨) ، ونقلوا عن الفراء كون الواو للترتيب، وادعوا أن الفاء تفيد البداءة بغسل الوجه، واستدلوا أيضا بتأخر غسل الرجلين عن مسح الرأس، وقالوا: لولا وجوب الترتيب لما أخر غسلهما عن المسح ولذكره مع المغسولات وتعلقوا أيضا بوضوئه ﷺ وسنجيب عن الكل إن شاء الله تعالى.
م: (ولنا أن المذكور فيها) ش: أي في الآية المذكورة م: (حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة) ش: يعني المذكور بعد الفاء حرف الواو، والواو لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة، وبإجماع النحاة البصرية والكوفية، دون الترتيب، وقيل: نص سيبويه عليه في سبعة عشر موضعا من الكتاب، فصار المعنى كأنه قال والله أعلم: فاغسلوا هذه الأعضاء، فعملنا بحرف
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الفاء والواو، فقلنا: الفاء دخل في الفعل لا في المحل والفاء التي للتعقيب هي العاطفة وليست هذه عاطفة بل جواب الشرط ولو كانت للتعقيب فهي لتعقيب الجملة بواسطة الواو.
وقال إمام الحرمين، تكلف أصحابنا في نقل أن الواو للترتيب واستشهدوا بأمثلة فاسدة، والحال أنها لا تقتضي ترتيبا ومن ادعاه فهو مكابر، وقال النووي وهو الصواب، ولو كانت الواو للترتيب لكان قولنا جاء زيد وعمرو وبعده تكرار أو قبله أو معه نقضا، وكذا من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه ينجزه، ولو كانت تحتمل الترتيب لما وقع ويصح تنجيز الحالف، وكذا تقول: تقابل زيد وعمرو مع امتناع الترتيب والاشتراك المجازي على خلاف الأصل. وقد شنع قوام الدين على حافظ الدين تشنيعا شنيعا لا يليق لمثله أن يذكر مثله بما ذكر، وذلك أن حافظ الدين قال في جواب الشافعي في " المستصفى ": والجواب [ب] الفاء إنما يقتضي التعقيب إذا دخلت على غير الأفعال الاختيارية، وأما إذا دخلت على الأفعال الاختيارية فلا. وقال قوام الدين: أقول ما للنسفي من جواب، فمن أين قال مثل هذا الكلام تقليدا، وما وضع أهل اللغة الفاء إلا للتعقيب مطلقا، سواء دخلت على كذا، وكذا. قلت: مراد حافظ الدين أن الفاء ما وضعت للتعقيب مطلقا، وما قاله صحيح؛ لأن الفاء إنما تكون للتعقيب إذا كانت عاطفة أما إذا كانت جواب الشرط لا تكون للتعقيب، بل تسمى حرفا رابطة، وقوله: وما وضع أهل اللغة الفاء إلا للتعقيب ليس كذلك بل وضعت لغيره، كما ذكرنا ولا يمكن أن يقال الفاء في قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] (المؤمنون: الآية ١٤) للتعقيب، وذلك لأن المعلوم ما بين هذه الأشياء عن المهلة، والفاء التي للتعقيب لا تقتضي المهلة إذا قلت جاء زيد فعمرو، فمدلوله مجيء عمرو عقيب مجيء زيد بزمان وإن لطف، ولا يكون بينهما مهلة، فدل على أن الفاء في الآية المذكورة للتراخي بمعنى ثم وتجيء بمعنى الواو، كما قالوا في قول امرئ القيس بين الدخول، فحومل أي وحومل، حتى ادعى بعضهم أن الصواب روايته بالواو، وقد تجيء الفاء بمعنى الغاية، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] (البقرة: الآية ٢٦) وهو غريب.
فإن قلت: الحروف ينوب بعضها عن بعض.
قلت: هذا إذا كان الواضع واحدا، وأما إذا كان متعددا فلا يحتاج إلى هذا، وأما الجواب عما قالوه نصرة إلى ما ذهب إليه الشافعي ﵀:
أما عن الأول: فقد ذكرناه عند قوله: وأما وجه المذكور فيها حرف " الواو "، وتوضيح ذلك أيضا أن الواو لما كانت المطلق الجمع بإجماع أهل اللغة صار تقدير الآية على هذا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا كذا وامسحوا كذا، ولا يفهم منه إلا فعل الغسل والمسح مطلقا كما في قول الرجل لعبده
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
إذا دخلت السوق فاشتر اللحم والخبز والبقل، لا يفهم منه إلا الجمع بين هذه الأشياء مطلقا كيفما وقع الشراء، وليس مراده أن يشتري اللحم أولا ثم البقل، فكذا فيما نحن فيه، وفيما ذهبنا إليه عمل بالسنة، ودلالة الإجماع، والمنقول، أما السنة فهي ما ذكر أبو داود في " سننه " «أن النبي ﷺ تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه» والخلاف فيهما واحد.
قلت: ذكر السغناقي هكذا، والذي رواه أبو داود هكذا في حديث طويل، وفيه عن عمار «فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: " إنما يكفيك أن تضع هكذا وضرب بيده على الأرض فنفضهما ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه " ورواه البخاري أيضا ولفظه: فقال: أي ﷺ لعمار: " إنما يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه ".
ورواه الإسماعيلي في كتابه " المخرج " على البخاري، ولفظه: " إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك ثم تمسح بوجهك» ولم يذكر مسح اليدين إلا قبل الوجه، فإذا ثبت جواز تقديم مسح اليدين في التيمم على الوجه ثبت في الوضوء لعدم القائل بالفرق، وأما أدلة الإجماع فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقا، وإن لم يوجد الترتيب، وأما المنقول فإن الواو لو اقتضى الترتيب لكان قول الرجل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق كقوله إن دخلت الدار وأنت طالق، وليس كذلك، فإن في الواو تطلق في الحال، وفي الفاء يتعلق الطلاق.
وأما عن الثاني: وهو استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] (الحج: الآية ٧٧) فإنا لم نعلم الترتيب فيه بالواو، ولأن النصوص فيها متعارضة فإنه قال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] (آل عمران: ٤٣) ، وإنما علمناه بفعل النبي ﷺ .
وأما عن الثالث: وهو استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (البقرة: الآية ١٥٨) فإن الترتيب فيهما ليس بالآية وإنما هو بالحديث، ولا يتصور الترتيب لكونهما من الشعائر، غير أن السعي لا ينفك عن الترتيب فرجح الصفا بالذكر بخلاف الوضوء فإنه يمكن غسل الأعضاء دفعة كما لو انغمس في الماء للوضوء أو للغسل.
وأما عن الرابع: وهو نقلهم عن انفراد الواو تأتي للترتيب فهو خلاف ما ذكره أهل اللغة والنحو وأنكروا على الفراء ذلك، وكتب النحو مشحونة بأن الواو لمطلق الجمع، ولم يذكر خلافا وصرح في بعضها بلفظ الإجماع، ولذا قال المصنف بإجماع أهل اللغة.
فإن قلت: قد وافق الفراء في ذلك جماعة منهم قطرب، والزيلعي، وثعلب، وأبو عمرو
стр. 143
فتقتضي أعقاب غسل جملة الأعضاء
والبداءة بالميامن فضيلة؛ لقوله ﵇: «إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل»
ــ
[البناية]
الزاهد، وهشام، والشافعي. قلت: قال السيرافي: إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب وقد أنكروا عليهم بذلك، ولا يضر خلافهم إجماع الأكثرين على أن خلاف القليل لا يمنع انعقاد الإجماع عند البعض، والمصنف إما ذهب إلى قول البعض في قوله: بإجماع أهل اللغة، وإما اتفاق الجمهور فسماه إجماعا تسمية للبعض باسم الكل.
وأما عن الخامس: وهو قولهم: إن الفاء تفيد البداءة بغسل الوجه؛ لأن الفاء دخلت في الغسل مقدما على المسح، فنقول: لا نسلم ذلك؛ لأن فعل المغسول لما كان مقدما يلزم منه تقديم جنس الغسل على المسح، ولا يفهم منه الترتيب.
وأما عن السادس: وهو استدلالهم بتأخير غسل الرجلين فنقول: أعضاء الوضوء انقسمت إلى مكشوف غالبا وهو الوجه واليدان وإلى مستور غالبا وهو الرأس والرجلان، وكانت البداية بالمكشوف أولى؛ لأنه عرضة للتراب، وقدم من ذلك الوجه لشرفه ثم قدم اليمين على اليسار ثم قدم الرأس على الرجلين؛ لأنه أشرف، وقال الزمخشري: الرجلان مظنة الإسراف، فعطفهما على الممسوح ليدل على عدم الإسراف، والتوسط في الصب، وأدخل الممسوح بين الغسلين وقدم الوجه وأخر الرأس مع قربه لفائدة، ولا يلزم أن تكون تلك الفائدة الوجوب لعدم انحصارها فيه فتكون فائدة استحباب الترتيب.
وأما عن السابع: وهو تعلقهم بوضوء النبي ﷺ مرتبا، فنقول: لما لم يرو ترك الترتيب فيه عنه ﷺ فكذلك لم يرو ترك البداءة بغسل اليدين وترك المضمضة والاستنشاق وتقديم اليد اليمني والرجل اليمني والبداءة من رؤوس الأصابع والبداية بالوجه، وليس شيء من ذلك بشرط.
م: (فيقتضي إعقاب غسل جملة الأعضاء) ش: أي لما كان حرف الواو لمطلق الجمع والفاء دخلت على هذه الجملة التي لا ترتيب فيها اقتضى ذلك إعقاب غسل جملة الأعضاء من غير ترتيب، والإعقاب بكسر الهمزة.
[البداءة بالميامن في الوضوء]
م: (والبداءة بالميامن فضيلة) ش: أي مستحبة، والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، وذكر الميامن فيما مضى الآن، وإنما أعاد ذكرها هاهنا ليبين أنها فضيلة وليست بسنة؛ لأنه ذكر شيئين: أحدهما: ترتيب الوضوء، والثاني: البداءة بالميامن، ولكن ما علم من ذلك أنهما سنة، وفضيلة بين هاهنا أن الترتيب سنة والبداية بالميامن فضيلة، وليست بسنة م: «لقوله ﵇: إن الله يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل) » ش: هذا الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه أحد ولكن الأئمة الستة
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أخرجوه قريبا منه في كتبهم من حديث مسروق عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء حتى في طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله» رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه في " الطهارة "، وأبو داود في " اللباس "، والترمذي في الصلاة وألفاظهم متقاربة.
وأخرجه ابن حبان ولفظه: «كان يحب التيامن في كل شيء في وضوئه حتى في الترجل والانتعال» وأخرجه ابن مندة ولفظه: «كان يحب التيامن في الوضوء والانتعال» وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﵇ «قال: " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم» أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، كلهم من طريق زهير عن الأعمش عن أبي صالح عنه، وزاد ابن حبان: «إذا لبستم.»
والنسائي والترمذي من حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ : " كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه» وعن عائشة ﵂ «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى» رواه أبو داود وغيره.
وعن أم عطية ﵂ «أن النبي ﷺ قال للنسوة في غسل ابنته: " ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «إذا اغتسل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ بالشمال؛ لتكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع» اتفقا عليه، وعن أنس ابن مالك ﵁: «إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» قال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم، والتنعل لبس النعلين والترجل تسريح الشعر.
واتفق العلماء أنه يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل، ولبس الثوب، والنعل، والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال وتقليم
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه.
ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط، والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وقلع الخف، والنعل، والسراويل، والثوب، وأشباه ذلك، وعن شعبة تقديم اليمنى واجب يعني في الوضوء، وعن ابن مسعود أنه رخص بالشمال، وروى الدارقطني من حديث علي ﵁: " ما أبالي بدأت بيميني أو شمالي إذا أكملت الوضوء "، وروى الدارقطني أيضا أنه جاء رجل إلى علي ﵁ فسأله عن الوضوء، فقال: " ابدأ باليمين أو الشمال، فخيره به علي، ثم دعا بماء فبدأ بالشمال قبل اليمين "، ورواه البيهقي أيضا، وروي عن علي: " ما أبالي بدأت بالشمال إذا توضأت " رواه ابن أبي شيبة.
١ -
فروع: للوضوء فرائض وسنن وواجبات وآداب ومكروهات، أما الفرائض فقد مر ذكرها وأما سننها فقد عدها المصنف وعدها في صلاة الحلواني خمس عشرة، وفي التحفة إحدى وعشرين:
١ - الاستنجاء بالأحجار أو ما يقوم مقامها.
٢ - والنية.
٣ - والتسمية.
٤ - وغسل اليدين إلى الرسغين قبل إدخالهما في الإناء.
٥ - والاستنجاء بالماء وهو كان أدبا في عصر النبي ﷺ وصار سنة بعد عصره بإجماع الصحابة كالتراويح.
٦ - والمضمضة.
٧ - والاستنشاق والترتيب فيهما.
٨ - وأخذ الماء لكل واحدة منهما على حدة والمبالغة فيهما إلا في حالة الصوم.
٩ - والسواك في حال المضمضة.
١٠ - والترتيب.
следующие страницы →