← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وإذا نوى المسافر يقيم بمكة وبمنى خمسة عشر يوما لم يتم الصلاة لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع وهو ممتنع لأن السفر لا يعرى عنه إلا إذا نوى المسافر أن يقيم بالليل في أحدهما فيصير مقيما بدخوله فيه، لأن إقامة المرء مضافة إلى مبيته ــ [البناية] [اعتبار نية السفر في موضعين وحكم من فاتته صلاة في السفر] م: (وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة وبمنى خمسة عشر يوما لم يتم الصلاة) ش: لأنه لم ينو الإقامة في كل واحد منهما خمسة عشر يوما، وإن نوى أقل من ذلك، وبه لا يصير مقيما. م: (لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع وهو ممتنع) ش: أي اعتبار النية في مواضع ممتنع، والحاصل أنه لا يعتبر نية الإقامة خمسة عشر في موضعين لا يجمعهما مصر واحد أو قرية واحدة. لأنه حينئذ يلزم اعتبارها في ثلاثة أمصار أو أربعة أمصار إلى خمسة عشر، فيؤدي إلى أن يكون الشخص مقيما بنفس النزول وذلك فاسد. م: (لأن السفر لا يعرى عنه) ش: أي قليل اللبث، قال السغناقي: هذا مدلول معنى، وليس مذكور لفظا، ووجه هذا ما ذكره في " المبسوط ". وقال: لأن نية الإقامة ما يكون في موضع واحد، فإن الإقامة ضد السفر، والانتقال من الأرض إلى الأرض يكون ضربا في الأرض، ولا يكون إقامة، ولو جوزنا نية الإقامة في موضعين جوزنا فيما زاد على ذلك، فيؤدي إلى القول بأن السفر لا يتحقق، لأنك إذا جمعت إقامة المسافر في المراحل، ربما يزيد ذلك على خمسة عشر يوما، لأن إقامة المرء يضاف إلى مبيته، ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: أين تسكن؟ يقول في محلة كذا وهو بالنهار يكون في السوق. م: (إلا إذا نوى المسافر أن يقيم بالليل في أحدهما فيصير مقيما بدخوله فيه) ش: أي في أحد الموضعين. م: (لأن إقامة المرء مضافة إلى مبيته) ش: أي موضع بيتوتته كما ذكرنا الآن، وفي " المبسوط ": إلا بينهما تفاوت، فإنه لو دخل الموضع الذي عزم على المقام فيه بالنهار أولا لا يصير مقيما، لأن موضع إقامة المرء حيث يبيت فيه. وفي " المفيد " و" التحفة ": هذا إذا كان كل واحد منهما أصلا كمكة ومنى، أو كالكوفة والحيرة، فإذا كان أحدهما تبعا للآخر بأن نوى الإقامة في المصر، وفي موضع آخر تبع لها، وهو ما يلزم سكانيه حضور الجمعة يصير مقيما؛ لأنهما مكان واحد، إلا أن ينوي أن يقيم في إحداهما ليلا، وفي الآخر نهارا، فيصير مقيما بدخول الذي نوى أن يقيم فيه ليلا، ولا يصير مقيما بدخول الذي نوى أن يقيم فيه نهارا. وفي [....] : فإذا دخل الذي نوى الإقامة فيه ليلا صار مقيما حتى يرحل، وكذا إذا دخل الآخر بعده فهو مقيم، لأنه ليس بينهما مسيرة سفر، وفي " جوامع الفقه " بعضهم اعتبر الأكثر.

стр. 1367

ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته في الحضر قضاها في السفر أربعا، لأن القضاء بحسب الأداء والمعتبر في ذلك آخر الوقت، لأنه هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في الوقت ــ [البناية] م: (ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته في الحضر قضاها في السفر أربعا) ش: أما قضاء الفائتة في السفر فهو ركعتان في الحضر، وهو أيضا قول مالك والشافعي في القديم. وقال في الجديد: لا يقصر في الحضر، واختاره المزني، وبه قال أحمد وداود؛ لأن المرخص هو السفر وقد زال، فيزول القصر، وأما قضاء الفائتة في الحضر وهو أربع في السفر بالإجماع، وقال: لا أعرف فيه خلافا إلا ما حكي عن الحسن البصري، وروى الأشعث عنه أن الاعتبار بحال الفعل فتقصر. وفي " المبسوط ": إن خرج بعد دخول وقت الصلاة يصلي صلاة المسافر. وقال ابن شجاع: يصلي صلاة المقيم. وفي " شرح المهذب " للنووي: إن سافر في أثناء الوقت وقد تمكن من أدائها فله قصرها عند الشافعي، ومالك والجمهور، واختاره ابن المنذر. وقال زفر: إن كان قد بقي من الوقت مقدار ما يؤدي فيه ركعتين يصلي صلاة المسافر، وإن كان دون ذلك يصلي أربعا. م: (لأن القضاء بحسب الأداء) ش: يعني كل من وجب عليه أداء أربع قضى أربعا، ومن وجب عليه أداء ركعتين قضى ركعتين م: (والمعتبر في ذلك) ش: أي في وجوب القضاء م: (آخر الوقت لأنه) ش: أي لأن آخر الوقت م: (هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في الوقت) ش: قد تقرر في الأصول أن السبب عندنا هو الجزء القائم من الوقت. ولكن أصحابنا اختلفوا في الوجوب الذي يتعلق بآخر الوقت، فقال أكثرهم: الوجوب متعلق بمقدار التحريمة من آخر الوقت، وهو مختار الكرخي والمحققين من أصحابنا والقاضي أبي زيد ﵏. وقال زفر: متعلق بجزء يؤدي الصلاة فيه، وهو اختيار القدوري، وثمرة الخلاف تظهر في الحائض إذا طهرت في آخر الوقت، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والمسافر إذا نوى الإقامة، والمقيم إذا نوى السفر، فعند أكثر أصحابنا يجب ويتغير الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ما يوجد فيه التحريمة. وعند زفر ومن تابعه من أصحابنا لا يجب، ولا يتغير الفرض، إلا إذا أدرك من الوقت ما يمكن الأداء فيه. وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا مضى من الوقت ما يتمكن من أداء الأربع

стр. 1368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإنه يجب عليه الإتمام، وإذا مضى من الوقت ما لم يسع إلا أربع ركعات فإنه يقصر. وهذا بناء على أن الصلاة تجب في أول الوقت. وهاهنا اعتراضات ثلاثة: الأول: أن الأصوليين قالوا: إن الوجوب يضاف إلى كل وقت عند عدم الأداء فيه لا إلى آخره، فكيف قال المصنف: المعتبر في السببية آخر الوقت عند عدم الأداء. قلت: قال الأكمل: أجيب: بأن بعض المشايخ يقررون السببية على الجزء الأخير، وإن فات الوقت، فجاز أن يكون المصنف قد اختار ذلك، انتهى. والأحسن أن يقال: أن الذي قاله المصنف هو الصواب، لأن الوجوب يضاف إلى الجزء الذي يتصل به الأداء إذا وجد الأداء، فإذا لم يوجد الأداء تنتقل السببية جزءا فجزءا إلى آخر الأجزاء، فيكون الآخر معتبرا في السببية. فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يجوز قضاء العصر إلا بصبي إذا أسلم في ذلك الجزء، وإذا قضاها في الجزء الآخر من هذا اليوم. قلت: إنما لم يجز باعتبار أنه إذا لم يؤد فيه وجبت كاملة خالية عن الفساد، فلم يجز قضاؤها في الوقت الناقص. الاعتراض الثاني: أن قوله: القضاء يجب الأداء، ينتقض بما إذا دخل المسافر في صلاة المقيم ثم ذهب الوقت ثم أفسد الإمام والمقتدي صلاته على نفسه، فإنه يقضي ركعتين صلاة السفر، وقد وجب عليه أداء الصلاة أربعا. الجواب: عنه، أن الأربع إنما لزمه متابعة الإمام وقد زال ذلك الإفساد فعاد إلى أصله، ألا ترى أنه لو أفسد الاقتداء في الوقت كان عليه أن يصلي صلاة السفر، فكذلك هاهنا. الاعتراض الثالث: أنكم اعتبرتم حال الأداء دون القضاء فيرد عليكم ما إذا فاتته صلاة في المرض حيث يقضيها في الصحة قائما بركوع وسجود، وإذا فاتته في الصحة يقضيها في المرض بالإيماء فاعتبرتم حال القضاء دون الأداء. الجواب عنه أن المرض لا تأثير له في أصل الصلاة، بل له أثر في الوصف حتى يقع الأداء بحسب القدرة، وللسفر تأثير في أصل الصلاة حيث يتغير الحكم من الإكمال إلى القصر، فلما تحقق القصر في آخر الجزء صار ذلك دينا لم يتغير بعد ذلك، ولهذا لا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في القضاء، فافهم.

стр. 1369

والمطيع والعاصي في سفره في الرخصة سواء. وقال الشافعي ﵀ سفر المعصية لا يفيد الرخصة، لأنها تثبت تخفيفا فلا تتعلق بما يوجب التغليظ، ولنا إطلاق النصوص ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره فصلح متعلق الرخصة والله أعلم. ــ [البناية] [ترخص العاصي] م: " والمطيع " ش: هو الذي يخرج للحج، أو الجهاد م: (والعاصي) ش: هو الذي يخرج لقطع الطريق، أو الإباق م: (في سفره في الرخصة سواء) ش: وفي بعض النسخ في سفرهما. م: (وقال الشافعي: سفر المعصية لا يفيد الرخصة) ش: وبه قال مالك، وأحمد م: (لأنها) ش: أي لأن الرخصة م: (تثبت تخفيفا) ش: أي لأجل التخفيف على المكلف م: (فلا يتعلق بما يوجب التغليظ) ش: أي الذي يوجب التغليظ هو المعصية، المعنى: أن الحكم تنجيز السبب، والمعصية سبب التغليظ فكيف يثبت بها التخفيف؟ م: (ولنا إطلاق النصوص) ش: منها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] (البقرة: آية ١٨٤) . ومنها قوله ﷺ : «فرض المسافر ركعتان» ، كل ذلك مطلقة فيقتضي ثبوت الأحكام في كل مسافر م: (ولأن نفس السفر ليس بمعصية) ش: لأنه عبارة عن خروج بريد، وهو يقوي المعصية لإمكان المفارقة بينهما م: (وإنما المعصية ما يكون بعده) ش: أي بعدما صار مسافرا كما في قطع الطريق م: (أو يجاوره) ش: أي ويجاور السفر كما في الإباق وعقوق الوالدين م: (فصلح) أي السفر م: (متعلق) ش: أي سبب م: (الرخصة والله أعلم) ش: لأن القبح المجاوز لا يتقدم المشروعية، كالصلاة في أرض مغصوبة، والبيع وقت النداء. اعلم: أن السفر خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام. فالواجب: سفر الحج. ومندوب: مثل حج النفل، وطلب العلم، وزيارة قبر النبي ﷺ في مسجده، والصلاة في المسجد الأقصى، وزيارة الوالدين. والمباح: سفر التجارة، والتنزه، والمكروه: السفر من بلد إلى بلد، لا لغرض صحيح. والحرام: السفر لقطع الطريق، أو الإباق، ونحوهما. فعندنا يقصر في كل سفر، وفرقت المالكية بين العاصي بسفره، فجوزوا الرخص للثاني دون الأول، وبقولنا قال الأوزاعي، والثوري، وداود، وأصحابه والمزني، وبعض المالكية، وعن زياد بن عبد الرحمن إلا أنه نسي أن العاصي بسفر يقصر ويفطر، لكن المشهور عن مالك المنع بسفر المعصية، وهو قول الشافعي، وأحمد. وقال النووي: وما يلحق بسفر المعصية أن يتعب نفسه ويعذب دابته بالركض بغير

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] غرض، ولو انتقل من بلد إلى بلد لغير غرض صحيح، لم يترخص، والسفر لمجرد رؤية البلاد ليس بغرض صحيح فلا يترخص. وعن مالك: لا يقصر الصائد المتلذذ، وعن ابن مسعود ﵁ لا يقصر إلا في السفر الواجب كالحج والجهاد، وقال عطاء: أرى أن لا يقصر إلا في سبيل من سبل الخير، ومنهم من قال: لا يقصر إلا في الخوف، وكان الأدنى من الشافعية يقول: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة، فإذا قيل له في المنع: قتل نفسه وهو حرام، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (النساء: آية ٢٩) ، يقول: لكن توبة مظهر الانقطاع. قال أبو بكر الرازي: لا يجوز له قتل نفسه وإن لم يتب، لأن ترك التوبة لا يبيح له قتل نفسه إذ فيه جمع بين معصيتين. وقال أبو بكر الرازي [.....] : إن العاصي في سفره يأكل الأطعمة المباحة من غير منع، ويتوصل به إلى غرضه المحرم ويتقوى عليه بذلك، وقال ابن العربي: عجبا ممن يبيح ذلك مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطئ، قال القرطبي: هذا تحامل، والصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية كما هو فيه، ولعله يتوب في أثناء الحال فتمحو التوبة عنه ما كان منه، وليس أكل الميتة رخصة في حال المخمصة، بل هو عزيمة واجبة حتى لو امتنع من أكلها كان عاصيا. فروع: الخليفة إذا سافر يصلي صلاة المسافرين كغيره، وقيل: إذا طاف في ولايته لا يصير مسافرا، ذكره في " الذخيرة "، وفي " المنتقى " حمل كل رجل فذهب به ولا يدري أين يذهب به، قال: يتم حتى يسير ثلاثا فيقصر، واعلم أن للباقي بعدها شيئا يسيرا، ولو كان صلى ركعتين من جملة أجزأته، فإن سار به أقل من ثلاث أعاد ما صلى. وفي " المبسوط ": ولو ترك القراءة فيهما فلا تنقلب صحيحة، ولو ترك القعدة الأولى ثم نوى الإقامة تجوز صلاته، لأنها سنة في الفرائض، ذكره الزهري في "شرحه" يصح سفر الكافر، وكذا الصبي عند أبي إبراهيم، وعند أبي سهيل لا يصح، ولا يصح السفر منهما عند محمد من القصر، ولا يصح من الحائض في الصحيح. قال السرخسي في " المبسوط " والمرغيناني: لا يقصر في السنن، وتكلموا في الأفضل في حالة الزوال والترك في حالة السير. قال هشام: رأيت محمدا كثيرا لا يتطوع في السفر قبل الظهر، ولا بعدها ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب وما رأيته تطوع قبل العصر ولا قبل العشاء ويصلي العشاء ثم يوتر. في " قنية المنية ": تزوج المسافر في بلد لا يصير مقيما به وهو قول الشافعي.

стр. 1371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وفي " فتاوى خواهر زاده ": يصير به مقيما، ولو كان له أهل ببلدتين فأتاها دخلها صار مقيما فيما ذكر في "جوامع الفقه ". وفي " المحيط ": فإن ماتت زوجته في إحداهما وبقي له فيها دور وعقار قيل: لا يبقى وطنا له إذ المعتبر الأهل دون الدار كما لو تأهل ببلدة واستوت سكنا له وليس له فيها دار، وقيل يبقى كما إذا حلف لا يسكن هذه الدار، وانتقل عنها بأهله وبقي فيها ثقله، والمسافرة تصير مقيمة بنفس التزوج. مسافر ومقيم اشتريا عبدا يصلي العبد صلاة المقيم قاله علاء الدين أبو الحسن الضاري وظهير الدين المرغيناني. وقال علاء الدين الحمالي: الأصح أنه يصلي المسافر، قيل: إن كانت بينهما مهاباة في الخدمة يعتبر حالة بهما فيتم عند المقيم ويقصر عند المسافر، ذكره المرغيناني، المعتبر في الإقامة نية الأصل دون التبع كنية الخليفة والأمير دون الجند، ونية الزوج مع الزوجة والمولى مع عبده، ورب الدين مع مديونه إن كان معسرا، ذكره في " التحفة "، وكذا المحمول مع حامله والأجير مع مستأجره، والتلميذ مع أستاذه، ذكره في " الذخيرة ". وفي " المحيط ": قيل: إن كانت استوفت مهرها، وفي " قنية المنية ": السفر والإقامة إلى الزوج إن استوفت مهرها وإلا فإليها، وكذا بعد الدخول في حق المعجل وكذا الجندي إن كان يرزق من الأمير وإلا فلا. وفي " المحيط ": جعله قوله - وكذا الغريم مع مديونه إن كان مفلسا - لأنه يحبسه أو يلازمه، وكذا لو انحصر غيره ظلما لأنه عاد عليه، وكذا الميتة إلى الأعمى إذا قاده أحد وإلا فلا، وفي "الذخيرة ": المطاوع بالجهاد لا يكون تبعا للمولى فيكون حقا على حاله. قلت: الأليق الوالي بخلاف العبد والمرأة. وفي " المحيط ": مسافر دخل مصر الجند عزيمة، إن كان معسرا يقصر لأنه لم ينو الإقامة وإن كان موسرا وعزم أن يقضي دينه أو لم يعزم شيئا قصر، وإن عزم أن لا يقضي دينه أتم، فكأنه نوى الإقامة. وفي " الذخيرة ": ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف إذا حبس المسافر بالدين وهو معسر يتم الصلاة، وكذا إن كان موسرا إلا أن يكون وطن نفسه على أدائه فيقصر. وفي " المنتقى ": مسلم أسره العدو وإن كان مقصده ثلاثة أيام قصر، وإن لم يعلم سأله كأن لم يخبره. وكان العدو مقيما أتم، وإن كان مسافرا يقصر لأنه تحت قهره كالعبد مع سيده فإنه

стр. 1372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] يسأله، فإن لم يخبره أتم. وفي " الذخيرة ": إن انفلت الأسير من العدو فوطن نفسه على إقامة شهر اختيارا أو نحوه قصر، لأنه محارب العدو، وكذا إذا أسلم فهرب منهم وطلبوه ليقتلوه فخرج هاربا مسيرة السفر، ثم إذا لم يعلم التابع نية المتبوع للإقامة لا يلزم الإتمام حتى يعلم كما في توجه الخطاب، وهو الأصح، وقيل: يلزمه الإتمام لأنه ضمني كعزل الوكيل والمكره بالسفر كالأسير يقصر، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: لا يقصر لعدم النية. صبي وكافر سافرا، ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي، فإن بقي إلى مقصدهما مسيرة سفر قصرا وإن لم يبق فالكافر يقصر دون الصبي، لأن نيته صحيحة، لأنه من أهله، بخلاف الصبي، وقال الفضلي: حكمهما حكم المقيم، وقال بعض المشايخ: حكمهما حكم المسافر، والمختار الأول. ولو طهرت الحائض في السفر، وبينهما وبين المقصد أقل من مسيرة سفر تتم، هو الصحيح، ارتد في السفر ثم أسلم من ساعته، وبينه وبين المقصد أقل من مسيرة سفر يقصر، وكذا المرأة لو طلقها زوجها بائنا، أو رجعيا، وانقضت عدتها وبينها وبين المقصد أقل من مدة السفر، فأما قبل انقضاء العدة فحكمها في الرخصة حكم الزوج. ولا يكره الخروج للسفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. وقال الشافعي: يكره قبل الجمعة. وقبل الزوال له قولان، أصحهما أنه يكره وهو قول أحمد، وقال في " القديم ": لا يكره وهو قول مالك، ولو سافر في رمضان لا يكره من دخل دار الحرب مستأمنا ونوى الإقامة في دارهم في موضع الإقامة صحت نيته.

стр. 1373

باب صلاة الجمعة ــ [البناية] [باب صلاة الجمعة] م: (باب صلاة الجمعة) ش: أي هذا باب في بيان أحكام صلاة الجمعة، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن في كل منهما سقوط شطر الصلاة، فالأول: بواسطة السفر، والثاني: بواسطة الخطبة. إلا أن الأول شامل من كل ذوات الأربع، والثاني: خاص في الظهر والخاص بعد العام وجود الآن، التخصيص لا يكون إلا بعد التعميم، واشتقاقها من الاجتماع كالفرقة من الافتراق. وهي بضم الجيم والميم وبفتح الميم مع ضم الجيم، قال الزمخشري: قرئ بينهما بهن جميعا، فالسكون كالصحلة للمصحول منه، ويفتح للوقت الجامع كالصحلة من اللقبة، والضم ثقيل، كالعسر ويسر، وحكاهن الواحدي عن الفراء، والأكثرون أن الإسكان تخفيف كالعتيق، والفتح لغة بني عقيل، وجمعها جمعات، وجمع، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، وقيل: لكثرة ما جمع الله فيها من خصائل الخير وهي اسم شرعي، وقيل: سميت بذلك لأن آدم ﷺ جمع فيه خلقه، ويروى ذلك عنه ﷺ ، وقيل: لأن المخلوقات تمت فيها واجتمعت، وعن ابن سيرين أن أهل المدينة سموها الجمعة، وجمعوا قبل أن يقدم رسول الله ﷺ ، ونزلت سورة الجمعة، ولم تكن بعد فرضت. وقيل: أول من سمى الجمعة كعب بن لؤي، وكان اسمه في الجاهلية عروبة من الإعراب الذي هو التحسين لمكان تزين الناس فيه. وفضيلتها عظيمة عن أبي هريرة، قال الله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] (البروج: الآية٣) ، الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، رواه البيهقي في "سننه الكبرى ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" رواه مسلم في "صحيحه"، وزاد مالك، وأبو داود: "وفيه تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس"، وزاد الترمذي: "وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه".» وفي ساعة الإجابة ثلاثة عشر قولا: عن أبي هريرة: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، الترمذي: بعد صلاة عصر الجمعة إلى غروب الشمس، الحسن وأبو العالية: عند زوال الشمس، وعائشة ﵂: عند أذان الجمعة. مسلم في "صحيحه ": إذ قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ، أبو بردة: الساعة التي اختار الله فيها الصلاة، أبو داود عن أبي ذر: هي ما بين الساتر ارتفع شبرا إلى ذراع، طاووس وعبد الله بن سلام: بين العصر إلى غروب الشمس.

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] كعب: لو قسم جمعة في جمع إلا على تلك الساعة. أبو داود: من حين تقام الصلاة إلى حين الانصراف، أبو هريرة: التمسوها في ثلاثة مواطن: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وما بين نزول الإمام إلى أن يكبر، وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ابن عمر ﵁: إن طلب ساعة يوم سير قرأها أنها أخفيت في اليوم. وحكى ابن المنذر إجماع المسلمين على وجوبها. وقال الخطابي، وأكثر الفقهاء على أنها من فروض الكافية، قالوا: هذا غلط، وقال النووي: هي فرض على كل مكلف غير أصحاب الأعذار، وحكى أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي غلط من قال إنها فرض كفاية، وقال ابن العربي: لا نطلب على فرضية الجمعة دليلا؛ لأن الإجماع من أعظم الأدلة، وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: سموها سنة، وتكلموا فيه، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود، والدارقطني، وعن حفصة ﵂ أنه ﷺ قال: «رواح الجمعة يجب على كل محتلم» رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم، قاله النووي. وفي " الدراية ": صلاة الجمعة فريضة، حكم جاحدها كافر بالإجماع، وهي فرض عين إلا عند ابن كج من أصحاب الشافعية، فإنه يقول: فرض كفاية وهو غلط، ذكره في " الحلية "، و" شرح الوجيز ". وفرضيتها بالكتاب، والسنة، والإجماع، ونوع من المعنى. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية ٩) ، والمراد من الذكر في الآية الخطبة باتفاق المفسرين، والأمر للوجوب، فإذا فرض السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة فإلى أصل الصلاة كان أوجب، ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] يحرم البيع بعد النداء، وتحريم المباح لا يكون من

стр. 1375

لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع ــ [البناية] أجل واجب. وأما السنة: فحديث جابر، وأبي سعيد، قالا: «خطبنا رسول الله ﷺ .... . الحديث، وفيه: اعلموا أن الله تعالى فرض عليكم صلاة الجمعة» .....الحديث، رواه البيهقي، وقال: وفيه عبد الله بن محمد العدوي وهو منكر الحديث لا يتابع في حديثه، وقال: قاله محمد بن إسماعيل البخاري، وذكر في " المبسوط " أكثر هذا الحديث بمعناه، وبعضه ذكر " صاحب المهذب ". وأما الإجماع، فأجمعت الأمة على ذلك من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار أحد، لكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت، فقال الشافعي في الجديد، وزفر، ومالك، وأحمد، ومحمد في رواية: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنها. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي في القديم: الفرض هو الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاط أداء الجمعة، وقال محمد في رواية: فرض إحداهما غير عين، والتعيين إليه، ولكن رخص في أداء الظهر. وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم، إذ الظهر في أول الوقت يجوز مطلقا، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج إليها لم يبطل فرضه، وعندهم لا يجوز الظهر سواء أدرك الجمعة أو لا، خرج إليها أو لا. وأما المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة، ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض هو آكد منه وأولى، فدل أن الجمعة آكد من الظهر في الفريضة. [شروط صحة الجمعة] [المكان الذي تصح فيه الجمعة] م: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع) ش: شرائط لزوم الجمعة اثنا عشر، ستة في نفس المصلي، وهي: الحرية، والذكورة، والإقامة، والصحة، وسلامة الرجلين، والبصر، وقال: يجب على الأعمى إذا وجد قائدا، وستة في غير نفس المصلي وهي: المصر الجامع، والسلطان، والجماعة، والخطبة، والوقت، والإظهار، حتى إن الوالي لو أتى على باب المصر، وجمع فيه بحشمه، ولم يأذن للناس فيه بالدخول لم يجز. كذا ذكره التمرتاشي ﵀ وذكر محمد في " نوادر الصلاة ": أن أميرا لو جمع جنوده في الحصن، وأغلق الأبواب، وصلى بهم الجمعة، فإنه لا يجزئهم، وأشار المصنف إلى

стр. 1376

أو في مصلى المصر ــ [البناية] الشرط الأول بقوله: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع، وسيأتي حد المصر الجامع. م: (أو في مصلى المصر) ش: نحو مصلى العيد، وفي " الأسبيجابي " و" المفيد ": لا تجب الجمعة عندنا إلا في مصر أو مما هو في حكمه كمصلى العيد، وفي " جوامع الفقه " وأرباض المصر كالمصر، وفي " الينابيع ": لو كان منزله خارج المصر لا يجب عليه، قال: وهذا أصح ما قيل فيه. وفي قاضي خان عن أبي يوسف هو رواية عنه، وعنه من ثلاثة فراسخ، وعنه إذا شهد الجمعة، فإن أمكنه المبيت بأهله يجب الجمعة، واختاره كثير من مشايخنا، قال ابن المنذر: روي ذلك عن ابن عمر ﵄ وأبي هريرة ونافع مولى ابن عمر والحسن، وبه قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور لحديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» وضعفه الترمذي والبيهقي. وعن أبي حنيفة: تجب إذا كن يجيء خراجها مع المصر، وفي " الذخيرة ": في ظاهر رواية أصحابنا لا يجب شهود الجمعة إلا على من سكن المصر والأرباض دون السفر، وسواء كان قريبا من المصر أو بعيدا عنها. وعن محمد: إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال فعليه الجمعة، وهو قول مالك والليث. وفي " منية المفتي ": على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ، هو المختار، وعنه إذا كان أقل من فرسخين تجب، وفي الأكثر لا، وفي رواية: كل موضع لو خرج الإمام إليه صلى الجمعة تجب، وعن معاذ بن جبل: يجب الحضور في خمسة عشر فرسخا. وفي " المرغيناني ": يجوز في فناء المصر، وهو الذي أعد لمصالح المصر متصلا به، وقدره بعض المشايخ بالغلوة، وبعضهم بفرسخين، واختاره السرخسي وخواهر زاده، وروي ذلك عن الزهري، وعن أبي يوسف: لو خرج الإمام مع أهل المصر ميلا أو ميلين جاز له أن يصلي بهم الجمعة، لأن فناء المصر كهي. قال أبو الليث: وبه نأخذ. وفي " الذخيرة": قيل: الجواز بفناء المصر قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يجوز بناء على اختلافهم في مقداره، وقيل: إنما يجوز في فناء المصر إذا لم يكن بين المصر وبينه مزارع ومراع، وهكذا في " المرغيناني " من غير خلاف، فعلى هذا القول لا تجوز إقامة الجمعة في مصلى

стр. 1377

ولا تجوز الجمعة في القرى ــ [البناية] العيد، لأن بينهما مزارع. قال في " الذخيرة ": وقد وقعت مرة فأفتى بعض مشايخ زماننا بعدم الجواز، ولكن هذا ليس بصواب، فإن أحدا لم ينكر جواز صلاة العيد فيه لا من المتقدمين ولا من المتأخرين والمصر وفناؤها شرط جواز صلاة العيد والجمعة، وفي المرغيناني: وإن كان بين المصر وبينه مزارع وفرجة فلا جمعة عليهم، وإن كان النداء يبلغهم قال: والغلوة والميل والميلان ليس بشيء، وهو اختيار الحلواني. وفي " جوامع الفقه " وعن إبراهيم: يجب على كل من كان دون المكان الذي يقصر المسافر إذا وصل إليه. وقال ابن العربي: الوجوب على من سمع النداء عند الشافعي، قال: وعلقه النسفي على سماع النداء، ويسقط عمن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه. قال ابن المنذر: الوجوب على من سمع النداء، يروى ذلك عن ابن عمر وابن المسيب وعمرو بن شعيب، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال ابن المنذر: يجب عند محمد بن المنكدر والزهري وربيعة من أربعة أميال، وقول "المصنف" لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى العيد قول علي بن أبي طالب وحذيفة وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبيد الله بن الحسن وسحنون المالكي. [صلاة الجمعة في القرى] م: (ولا تجوز الجمعة في القرى) ش: إنما قال: لا يجوز في القرى مع أنه مستعار من قوله: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع نفيا لمذهب الشافعي، فإنه لا يشترط المصر بل يجوزها في كل موضع إقامة سكنه أربعون رجلا أحرارا لا يظعنون منه شتاء ولا صيفا، وبه قال أحمد. وقال مالك: تقام بأقل من أربعين، واحتجوا بحديث ابن عباس ﵁ أنه قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس، بجواثا من البحرين، رواه البخاري، وفي لفظ أبي داود: بجواثا قرية من قرى البحرين، وبقوله ﵇: «الجمعة على من سمع النداء» . روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة يترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت على أسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمان. وفي " سنن البيهقي ": فإن أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ . قلت له: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا، وكتب أبو هريرة ﵁ إلى عمر - رضي الله

стр. 1378

لقوله ﷺ : «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» ، ــ [البناية] عنه- يسأله عن الجمعة [.... ... ] فكتب إليه: أن جمع بها حيثما كنت. ولنا ما ذكره "المصنف" من الحديث على ما نبينه إن شاء الله تعالى، ولا حجة لهم في قصة أسعد بن زرارة، لأنه كان قبل مقدم رسول الله ﷺ كما رواه البيهقي في "سننه الكبرى" وأيضا نحن نقول بجوازها بالأربعين، ولا يدل ذلك على عدم الجواز بدون الأربعين، وقال المزني: لا ينسخ ما احتج به الشافعي أنه ﷺ جمع بالأربعين حين قدم المدينة، لأن المسلمين كانوا قد تكاثروا وقالوا أيضا إنه كان أكثر عددا. فإن قلت: روي عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: «مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر» قال ابن قدامة: إذا قال الصحابي مضت تنصرف إلى سنة النبي ﷺ . قلت: قال في " شرح المهذب ": حديث جابر هذا ضعيف، رواه البيهقي ثم قال: هو حديث لا يحتج به. وأما جواثا فقد قال الجوهري وابن الأثير: هي اسم لحصن في البحرين. وفي " المبسوط " هي مدينة، والمدينة تسمى قرية كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] (النساء: الآية ٧٥) وقال عمر ﵁: حيثما كنتم. أي من مثل جواثا من الأمصار، وهي بضم الجيم وبالثاء المثلثة. قوله - في هزم النبيت - بضم الهاء وفتح الزاي المعجمة وهو موضع بالمدينة، وقال ابن الأثير: هزم، بني بياضة موضع بالمدينة وضبطها بفتح الهاء وسكون الزاي ونقيع الخضمات قرية لبني بياضة، والنقيع بالنون، والخضمات بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، وهي أودية يدفع سلبها إلى المدينة، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء من بين جبلين ذوات حجارة سود. م: (لقوله ﷺ : «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع") » ش: قال الزيلعي: هذا مرفوع غريب، وإنما وجدناه موقوفا عن علي ﵁ رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵃: «لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة» ، وأخرجه عبد الرزاق أيضا، والبيهقي في "المعرفة" عن شعبة عن زبيد الأيامي به، ثم قال: وكذلك رواه الثوري عن زبيد به، وهذا إنما يروى عن علي موقوفا، فأما النبي ﷺ فإنه لا يروى عنه في ذلك شيء.

стр. 1379

والمصر الجامع: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود. ــ [البناية] وقال ابن حزم في " المحلى ": وذلك عن علي. وعن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدائن. قلت: قول الزيلعي: وجدناه موقوفا، وقول البيهقي لم يرو عن النبي ﷺ لا يستلزم عدم وقوف غيره على كونه مرفوعا، والإثبات مقدم على النفي، وقد ذكر الإمام خواهر زاده في "مبسوطه" أن أبا يوسف ذكره في " الإملاء " مسندا مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وأبو يوسف إمام في الحديث حجة، ولم يثبت عنده كونه مرفوعا لما قال: إنه مسند مرفوع، ولئن سلمنا أنه موقوف فهو موقوف صحيح، وهو محمول على السماع، لأنه لا يدرك بالعقل وهو مقول علي ﵁ حجة. م: (والمصر الجامع كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود) ش: هذا تفسير المصر الجامع، وقد اختلفوا فيه، فعن أبي حنيفة: هو ما يجتمع فيه مرافق أهله دنيا ودينا. وعن أبي يوسف: كل موضع فيه أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر تجب على أهله الجمعة، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة في كتاب صلاته وفيه أيضا، قال سفيان الثوري: المصر الجامع: ما يعده الناس مصرا عند ذكر الأمصار المطلقة كبخارى وسمرقند. وقال الكرخي: المصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الأحكام، وهو اختيار الزمخشري، وعن أبي عبد الله البلخي أنه قال: أحسن ما سمعت إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم فلم يسعهم فهو مصر جامع، وعن أبي حنيفة: هو بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق، ويرجع الناس إليه فيما وقعت لهم من الحوادث، وهو اختيار صاحب " التحفة ". وقال أبو يوسف في " نوادر ابن شجاع ": إذا كان في القرية عشرة آلاف فهو مصر، وعن بعض أصحابنا: المصر ما يعيش فيه كل صانع بصناعته ولا يحتاج إلى التحول إلى صنعة أخرى. وفي " المستصفى ": أحسن ما قيل فيه إذا وجدت فيه حوائج الدين وهو القاضي والمفتي والسلطان فهو مصر جامع، وعن أبي حنيفة: المصر كل بلدة فيها سكك وأسواق ووال ينصف المظلوم من ظالمه وعالم يرجع إليه في الحوادث وهو الأصح. ذكره في " المفيد " و" التحفة "، وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر حتى إنه لو بعث إلى قرية نائبا إلى إقامة الحدود والقصاص يصير مصرا، فإذا عزله ودعاه تلحق بالقرى، ويؤيد قول محمد هذا ما صح أنه كان لعثمان ﵁ أسود أنزله على الربذة يصلي خلفه أبو ذر وغيره من الصحابة الجمعة وغيرها، ذكره ابن حزم في " المحلى "، وقال قاضي خان: والاعتماد على ما روي عن أبي حنيفة في " المحلى ": كل موضع بلغت أبنيته أبنية منى،

стр. 1380

وهذا عن أبي يوسف ﵀ وعنه أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم، والأول اختيار الكرخي وهو الظاهر، والثاني اختيار الثلجي، والحكم غير مقصور على المصلى ــ [البناية] وفيها مفت وقاض يقيم الحدود وينفذ الأحكام فهو مصر جامع، وقيل: الجامع أن يوجد فيه عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أن يكون بحال لو قصدهم عدو غلبهم دفعه، ذكرهما في " الينابيع ". وفي " الدراية ": ظاهر المذهب ما حده "المصنف" بقوله له أمير، المراد من الأمير الوالي الذي يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم، وإنما قال: ويقيم الحدود بعد قوله وينفذ الأحكام، لأن تنفيذ الأحكام لا يستلزم إقامة الحدود، فإن المرأة إذا كانت قاضية تنفذ الأحكام وليس لها إقامة الحدود، وكذلك حكم نفي ذكر الحدود عن القصاص، لأنهما يقترنان في عامة الأحكام، فذكر أحدهما كان مغنيا عن ذكر الآخر. م: (وهذا عند أبي يوسف) ش: إشارة إلى قوله - والمصر الجامع كل موضع..... إلخ. م: (وعنه) وعن أبي يوسف. م: (أنهم) ش: أي أن من تجب عليهم الجمعة من الرجال البالغين الأحرار، لا من يكون هناك من الصبيان والنساء والعبيد. م: (إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم) ش: فإذا كان كذلك يكون مصرا جامعا. م: (والأول) ش: وهو قوله: والجامع كل موضع له أمير إلى آخره. م: (اختيار الكرخي) ش: كرخ سامرى وكرخ بغداد وكرخ حدان وكرخ البصرة. انتهت إليه رياسة الأصحاب بعد أبي حازم وأبي سعيد البردعي، وعنه أخذ أبو بكر الرازي وأبو عبد الله الدامغاني وأبو علي الشامي وأبو حفص بن شاهين وآخرون. وتوفي ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة. م: (وهو الظاهر) ش: أي الذي اختاره الكرخي، وهو ظاهر المذهب. م: (والثاني) ش: وهو الذي روي عن أبي يوسف أنهم إذا اجتمعوا إلى آخره. م: (اختيار الثلجي) ش: وهو الإمام محمد بن شجاع أحد أصحاب أبي حنيفة، ونسبته إلى ثلج بالثاء المثلثة ابن عمر بن مالك بن عبد مناف، وليس هو منسوبا إلى بيع الثلج، وذكر في كتاب " الطبقات "، ويقال له ابن الثلجي، وهو من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلئي حدث عن وكيع وأبي أسامة والواقدي وغيرهم، وله تصانيف كثيرة، قال السغناقي: مات فجأة في صلاة العصر، وهو ساجد في سنة ست وستين ومائتين. م: (والحكم غير مقصور على المصلى) ش: يعني جواز إقامة الجمعة ليس بمنحصر في المصلى - بفتح اللام- وهو الموضع الذي فيه يصلى العيد لا الموضع الذي يصلى فيه الجمعة، وفي الجوامع

стр. 1381

بل يجوز في جميع أفنية المصر؛ لأنها بمنزلته في حوائج أهله ويجوز بمنى إن كان الأمير أمير الحجاز أو كان الخليفة مسافرا ــ [البناية] التي في المصر. م: (بل يجوز في جميع أفنية المصر) ش: الأفنية جمع فناء بكسر الفاء، وفناء الدار سعة أمامها. وكذلك فناء البيت، وفي " الفتاوى الصغرى ": يجوز صلاة الجمعة والعيدين في فناء المصر، وهو أن يكون على قدر غلوة متصلا بربض المصر كما هو المعتاد في صلاة العيد، لكن إذا خرج رجل من المصر بنية السفر يصلي في هذا الموضع صلاة المسافرين، وكذا لو انتهى المسافر في هذا الموضع نقله في آخر باب الجمعة من " نوادر شمس الأئمة الحلواني ". م: (لأنها) ش: أي لأن الأفنية م: (بمنزلته) ش: أي بمنزلة المصر م: (في حوائج أهله) ش: أي أهل المصر، لأنه أعد لحوائجهم، وقال شمس الأئمة الحلواني في "نوادره": اختلفوا في فناء المصر وتقدير الحد فيه، فقدره محمد هاهنا بغلوة، وبعضهم بفرسخ، وبعضهم بفرسخين، وبعضهم بمنتهى حد صوت مؤذنهم إذا أذن، كذا في " تتمة الفتاوى ". وفي "شرح الطحاوي " عن أبي يوسف أن الإمام إذا خرج يوم الجمعة مقدار ميل أو ميلين وحضرته الصلاة فصلى جاز. وقال بعضهم: لا يجوز الجمعة خارج المصر منقطعا عن العمران. وقال بعضهم: يجوز على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز، كما اختلفوا في منى، وقد مر الكلام في هذا الفصل مستقصى عن قريب. م: (ويجوز بمنى) ش: أي يجوز إقامة الجمعة في منى وهي قرية بين مكة وعرفات، يذبح بها الهدايا والضحايا، سمي ذلك الموضع بمنى لوقوع الأقذار فيه على الهدايا، من منى كمني منيا، أي قذر، ومنه المنية، لأنها مقدرة على [.....] وهي منصرفة إذا جعلت علما لموضع، وتمنع من الصرف إذا جعلت علما للبقعة، فتوجد علتان العلمية والتأنيث. م: (إن كان الأمير أمير الحجاز) ش: الحجاز بين تهامة ونجد، سمي حجازا، لأنه يحجز بينهما، والتهامة الناحية الجنوبية من الحجاز، وما وراء ذلك إلى مكة، وحده تهامة، وفي " شرح الطحاوي ": إن كان الأمير أمير الحجاز أو أمير العراق أو أميرا لمكة أو الخليفة معهم مقيمين كانوا أو مسافرين جاز إقامة الجمعة عندهما، وإن كان أمير الموسم إن كان مقيما جاز وإن كان مسافرا لم يجز. وذكر فخر الإسلام أن أمير الموسم ليس له حق إقامة الجمعة إنما له نيابة الحجاج. وقال في " المختلف ": أمير الحجاج ليس له ولاية إقامة الجمعة إلا إذا ولاه الخليفة أو من له ذلك وهو مقيم. م: (أو كان الخليفة مسافرا) ش: قيد به، إما للتنبيه على أنه لو كان مقيما كان الجواز بالطريق

стр. 1382

عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-. وقال محمد ﵀: لا جمعة بمنى لأنها من القرى حتى لا يعيد بها، ولهما لأنها تتمصر في أيام الموسم وعدم التعييد للتخفف، ولا جمعة بعرفات في قولهم جميعا ــ [البناية] الأولى، وإنما تبقى شبهة وهي أن الخليفة إذا كان مسافرا لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافرا، فذكره ليعلم أن حكم الخليفة على خلاف حكم أمير الموسم، وفي هذا دليل على أن الخليفة أو السلطان إذا كان يطوف في ولايته كان عليه الجمعة في كل مصر يكون فيه يوم الجمعة، لأن إقامة غيره بأمره يجوز، فإقامته أولى، وإن كان مسافرا، كذا في " الفوائد الظهيرية " و" الجامع الصغير " لقاضي خان. م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-) ش: متعلق بقوله ويجوز بمنى. [الجمعة بمنى وعرفات] م: (وقال محمد: لا جمعة بمنى) ش: وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول عطاء ومجاهد. م: (لأنها) ش: أي لأن منى، والتأنيث على تأويل القرية أو البقعة. م: (من القرى) ش: ولا جمعة في القرية، وهو منزل من منازل الحاج كعرفات م: (حتى لا يعيد بها) ش: نتيجة قوله: لا جمعة بمنى، لأنها من القرى، حتى لا يصلي فيها صلاة العيد فلا يصلي فيها الجمعة. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف. م: (لأنها) ش: أي لأن منى. م: (تتمصر) ش: أي تصير مصرا. م: (في أيام الموسم) ش: لما يكون فيها أسواق وفيها سلطان أو نائبه وقاض في أيام الموسم، فتصير كسائر الأمصار. م: (وعدم التعييد للتخفيف) ش: هذا جواب عن قول محمد لا يعيد بها. وتقرير الجواب: إنما لا يعيد فيها يعني لا يصلي صلاة العيد لأجل التخفيف على الناس، لأنهم مشتغلون بأمور المناسك، ولأن منى من أفنية مكة وتوابعها، لأنها في الحرم وتوابع الشيء يقوم مقام ذلك الشيء. وأما عرفات فإنها من الحل وليست من فناء مكة، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ. م: (ولا جمعة بعرفات في قولهم جميعا) ش: أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو قول الزهري، وزعم ابن حزم أنه ﵇ صلى الجمعة بعرفات، قال: ولا خلاف أنه ﵇ خطب وصلى ركعتين، وهذه صفة صلاة الجمعة، قال: وما روى أحد أنه ما جهر فيها، والقاطع بذلك كاذب على الله، وعلى رسوله، ولو صح أنه ما جهر لم يكن لهم به تعلق، لأنه ليس بفرض، قال: ولجاء بعضهم إلى دعوى الإجماع على ذلك، وهذا مكان تبين فيه الكذب على مدعيه. قلت: هذا رجل قد سل لسانه على الأئمة الثلاثة الأجلاء أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم وكلامه متناقض لا يلتفت إليه، حتى يوجب الجمعة على العبد والمسافر ويجيز

стр. 1383

لأنها فضاء وبمنى أبنية، والتقييد بالخليفة وأمير الحجاز؛ لأن الولاية لهما، أما أمير الموسم فيلي أمور الحج لا غير، ولا يجوز إقامتها إلا للسلطان أو لمن أمره السلطان، لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع المنازعة في التقدم والتقديم، وقد تقع في غيره فلا بد منه تتميما لأمره. ــ [البناية] إقامتهما في البراري والقفار باستدلالات باطلة. م: (لأنها) ش: أي لأن عرفات. م: (فضاء) ش: لا أبنية فيها. م: (وبمنى أبنية) ش: تقام فيها الأسواق خصوصا في أيام الموسم، يكون فيها نائب السلطان والقاضي كما ذكرنا. م: (والتقييد بالخليفة وأمير الحجاز، لأن الولاية لهما) ش: أراد بالتقييد تقييد جواز الجمعة بمنى عند أبي حنيفة وأبي يوسف بالخليفة وأمير الحجاز، لأن الولاية لهما في إقامة الجمعة. م: (أما أمير الموسم) ش: أي أمير الحاج. م: (فيلي أمور الحاج لا غير) ش: يعني ليس له ولاية غير الحاج، وليس له إقامة الجمعة إلا إذا كان الخليفة كما ذكرنا. م: (ولا يجوز إقامتها) ش: أي إقامة الجمعة. م: (إلا للسلطان) ش: أراد بالسلطان الخليفة، لأنه أراد به الوالي الذي ليس فوقه وال وهو الخليفة. م: (أو لمن أمره السلطان) ش: يعني إن لم يكن السلطان يكون إقامتها لمن أمره السلطان وهو الأمير أو القاضي أو الخطباء. م: (لأنها) ش: أي لأن الجمعة. م: (تقام بجمع عظيم) ش: من الناس. م: (وقد تقع المنازعة في التقدم) ش: تشديد الدال المضمومة من باب التفعل بأن يقول واحد: أنا أصلي بالناس، ويقول آخر: أنا أصلي بهم. م: (والتقديم) ش: بأن تقول طائفة: يصلي بالناس فلان، ويقول الآخرون: ويصلي بهم فلان الآخر فتقع الخصومة بينهم. م: (وقد تقع) ش: أي المنازعة. م: (في غيره) ش: أي في غير ما ذكر من التقدم والتقديم، بأن تقول طائفة: يصلي في مسجدنا، ويقول الآخرون: يصلي في مسجدنا فتكثر الخصومة والنزاع. م: (فلا بد منه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك، فلا بد من السلطان أو من أمره السلطان. م: (تتميما لأمره) ش: أي لأمر الجمعة، وتذكير الضمير باعتبار المذكور، وانتصاب تتميما على التعليل، وكذلك اللام في لأمره. ومن التتميم أمر السلطان لقطع المنازعة وحسم مادة الخلاف، وعند الشافعي: السلطان يؤم ليس بشرط لصحة الجمعة، ولكن السنة أن لا تقام إلا بإذن السلطان، وبه قال مالك وأحمد في رواية. وعن أحمد أنه شرط كمذهبنا، واحتجوا في ذلك بما روي أن عثمان ﵁ حين كان محصرا بالمدينة صلى علي ﵁ الجمعة بالناس، ولم يرو أنه صلى بأمر عثمان وكان الأمر بيده، فلا يشترط لإقامتها السلطان كسائر الصلوات. قال الأترازي: ولنا ما روي عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ قال: "واعلموا أن الله

стр. 1384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] كتب عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا في شهري هذا، فريضة واجبة إلى يوم القيامة، فمن تركها جحودا لها واستخفافا بحقها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله ولا أتم له أمره، ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا صوم له، إلا أن يتوب، ومن تاب تاب الله عليه» . قلت: لم يبين ما حال هذا الحديث، ومن رواه عن جابر، وذكر في " شرح الأقطع " عن سعيد بن المسيب عن جابر، ورواه ابن ماجه في "سننه"، وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا الوليد بن بكير، حدثني عبد الله بن محمد العدوي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب «عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا، واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب. فمن تاب تاب الله عليه، ألا لا تؤم امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره السلطان يخاف سيفه وسوطه» . وأخرجه البزار من وجه آخر، وروى الطبراني في " الأوسط " من حديث ابن عمر نحوه. فإن قلت: في سند ابن ماجه عن عبد الله بن محمد قالوا: إنه واهي الحديث، و [في] سند البزار علي بن زيد بن جدعان، قال الدارقطني: كلاهما غير ثابت، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث واهي الإسناد. قلت: هذا الحديث روي من طرق ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوة فلا تمنع من الاحتجاج به، واحتجاجهم بما روي عن عثمان ﵁ ساقط، لأنه يحتمل أن عليا ﵁ فعل ذلك بأمره أو لم يتوصل إلى عثمان، وعندنا إذا لم يتوصل إلى إذن الإمام، فللناس أن يجتمعوا ويقدموا من يصلي بهم، كذا ذكره الشيخ أبو نصر البغدادي ﵀ فمن أين يعلم أن عليا ﵁ فعل ذلك بلا إذن عثمان وهو حيث يتوصل إلى إذنه؟ وفي " الأجناس " عن " نوادر ابن سماعة " عن محمد ﵀ لو غلب على مصر متغلب فصلى بهم الجمعة جاز، فكذلك إذا أجمع جميع الناس على رجل يصلي بهم الجمعة جازت.

стр. 1385

ومن شرائطها الوقت، فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده. ــ [البناية] قلت: فبالنظر إلى ذلك كانت صلاة علي ﵁ أولى وأحق بالجواز، ونقل ذلك عن الحسن البصري، لأن الصحابة صلوا وراء علي ﵁ ورضوا به، سواء كان معه إذن أو لم يكن. وفي " فتاوى الكردي ": صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا منشور له من الخليفة يجوز إن كانت سيرته سيرة الأمراء. وفي " فتاوى العتابي ": لكن الأنكحة لا تجوز بتزويجه، وفيه اجتماع الناس على رجل يجمع لهم بغير أمر القاضي وصاحب الشرط لا يجوز. وفي " المجتبى " قال أبو بكر: لا يعرف جواز الجمعة خلف المتغلب عن أصحابنا، وإنما هو شيء ذكره الطحاوي، لكن السلطان إذا كان فاسقا جاز أن يجتمعوا على رجل واحد يجمع لهم بعد موته. وقال أصحابنا: لو مات سلطان بلدة فولَّى أهلها أميرا ينفذ الأحكام والحدود جاز، أو كان قاضيا حكم وصار سلطانا وقاضيا في جماعتهم، ولو غلب عليه الخوارج فولوا رجلا من أهل العدل للقضاء جازت أحكامه. وفي " الفتاوى الظهيرية ": الإمام إذا منع أهل المصر أن يجمعوا لم يجمعوا، قال الهندواني: هذا إذا منع لسبب من الأسباب، أما إذا منعهم تعنتا أو إضرارا بهم يجوز أن يجتمعوا على رجل يصلي بهم الجمعة، وقياسهم على سائر الصلوات فاسد، لأن الجمعة يشترط لها ما لم يشترط لغيرها من الصلوات مثل الخطبة والجماعة. فإن قلت: هذا عبادة على البدن فلا يكون السلطان شرطا فيها كما في الحج والصوم. قلت: هذا مبطل بإقامة الحد وانفراد الواحد بالحج لا يفوت على غيره، وانفراد طائفة بإقامة الجمعة يفوت [على] الباقين فافهم. [دخول الوقت من شرائط الجمعة] م: (ومن شرائطها) ش: أي ومن شرائط الجمعة. م: (الوقت، فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده) ش: أي بعد وقت الظهر، وكان مالك يقول: يجوز إقامتها في وقت العصر، بناء على تداخل الوقتين على مذهبه. وعند أحمد: يجوز إقامتها قبل الزوال. وقال بعض أصحابه: أول وقتها وقت صلاة العيد. وقال بعضهم: يجوز في الساعة السادسة لما روى ابن مسعود ﵁ أقام الجمعة ضحى. وقال أبو بكر بن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا يجزئه قبل الزوال إلا ما روي عن ابن حنبل أنه يجوز قبل الزوال ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق والماوردي عن ابن عباس في السادسة، احتج ابن حنبل بحديث جابر، قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس» رواه

стр. 1386

لقوله ﷺ : «إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» ــ [البناية] مسلم. قال البيهقي: يعني النواضح. «وعن سلمة بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به» رواه البخاري ومسلم. «وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة على عهده ﷺ .» وقال أبو سهل: إنا كنا نرجع فنقيل قائلة الضحى، ولأنها عيد لقوله ﷺ : «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان» ولقوله ﷺ : «إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين» فصار كالفطر والأضحى. واتفق أصحابنا أن وقتها وقت الظهر، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي. م: (لقوله ﵇ «إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» ش: واحتجوا في ذلك بحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» رواه البخاري، «وعن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» متفق عليه. فإن قلت: روي عن عبد الله بن سيدان أنه قال: شهدت الخطبة مع أبي بكر ﵁ فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر ﵁ فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ومثله عن عثمان ﵁ فما رأيت أحدا عاب ذلك. قلت: قال ابن بطال: لا يثبت هذا، وعبد الله بن سيدان لا يعرف. قلت: روى هذا الحديث الدارقطني وغيره وهو حديث ضعيف. وقال النووي في " الخلاصة ": اتفقوا على ضعف ابن سيدان، وقد قال الشافعي: وقد صلى النبي ﷺ وأبو بكر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال، فدل على أنه لا اعتبار بهذا. قلت: والجواب عن حديث جابر: أنه إخبار عن أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال وبدايته، وحديث سلمة حجة عليهم، لأن معناه ليس للحيطان فيء كثير بحيث يستظل به المار، وأصح منه الرواية الأخرى نتتبع الفيء، وهو تصريح بوجوده، لكنه قليل، ومعلوم أن حيطان المدينة كانت قصيرة والشمس فوقها فلا يظهر الفيء الذي يستظل به هنالك عند الزوال إلا بعد زمان طويل. ومعنى حديث سهل: أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا في هذا اليوم إلى التبكير إليها، والاشتغال بغيره كان يفوته، لقوله -عليه

стр. 1387

ولو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر ولا يبنيه عليها لاختلافهما، ــ [البناية] السلام-: «إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» . قال السروجي: لم أجد هذا في كتب الحديث، وقال الزيلعي: غريب، وقال السغناقي: لما روي «أن النبي ﵇ لما بعث مصعب بن عمير ﵁ إلى المدينة قبل هجرته، قال له: "إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» وتبعه الأكمل ونقله من شرحه، وكذا نقله صاحب " الدراية ". ثم قال: قيل: هذا الحديث ما وجد في كتب الحديث، ثم قال: وأجيب عن وجدانه في كتب الحديث ليس بشرط، ويجوز النقل بالمعنى. قلت: سبحان الله، هذا كلام عجيب يصدر من هؤلاء، فأي حديث أصله حتى نقل عنه بالمعنى، وأصل الحديث ما رواه الدارقطني عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة» وفي إسناده غرابة، وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ إنما بعث مصعبا حين كتب الأنصار إليه أن يبعث إليهم، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤم بعضا، وكان قدوم وفود الأنصار في السنة الثانية عشرة من النبوة، ولما قدموا إلى النبي ﷺ في هذه السنة رجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا، فبعث إليهم مصعب بن عمير، فنزل على أسعد بن زرارة وكان الذين قدموا في هذه السنة ثمانية، وفيهم معاذ بن عفراء، ورافع بن مالك وأسعد بن زرارة ﵃. وقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله ﷺ حتى نزل بقباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى، فأقام ﵇ بقباء يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فما قبلها وبعدها أول جمعة جمعت في الإسلام بقرية يقال لها جواثا من قرى البحرين. م: (ولو خرج الوقت) ش: أي وقت الظهر. م: (وهو فيها) ش: أي والحال أنها، أي أن الإمام في صلاة الجمعة. م: (استقبل الظهر) ش: أي صلاة الظهر. م: (ولا يبني عليها) ش: أي على الجمعة. م: (لاختلافهما) ش: أي لاختلاف الظهر والجمعة من حيث الكمية والشرائط، وهذا لأن الظهر أربعة، والجمعة ركعتان، ويخص الجمعة بشروط لا تشترط للظهر، والظهر يخفى فيه، والجمعة يجهر فيها، واسم أحدهما الظهر واسم الآخر جمعة فيثبت اختلافهما قدرا وحالا واسما.

стр. 1388

ومنها الخطبة: لأن النبي ﷺ ما صلاها بدون الخطبة في عمره وهي قبل الصلاة بعد الزوال، به وردت السنة. ــ [البناية] وقال السغناقي: لأنهما يختلفان بدليل تخير العبد إذا أذن له مولاه بأن يصلي الجمعة بين أن يصلي الظهر والجمعة مع تعين الوقت في الجمعة بالعلة، ولو لم يكونا مختلفين لما خير العبد كما في جناية المدبر حيث يجب الأقل على مولاه من الأرش، والقيمة من غير خيار لاتحادهما في المالية، ثم إنه لو دخل وقت العصر وهو في الجمعة وقد تشهد يجزئه الجمعة عند أبي يوسف وأحمد ومحمد، وتبطل جمعته عند أبي حنيفة، ويستقبل قضاء الظهر، وعند الشافعي يصليها ظهرا. وقال ابن القاسم: يصليها جمعة ما لم تغب الشمس بناء على أن وقت الظهر والعصر واحد، وفي " الواقعات ": لو قام المؤتم ولم ينتبه حتى خرج وقت الظهر فسدت الجمعة، لأنه لو أتمها صار قاضيا في غير وقتها، وإن انتبه قبل خروج الوقت جازت صلاته، وعند الشافعية لو سلم الإمام والقوم في الوقت ثم خرج الوقت وعلى المسبوق ركعة ففي أحد الوجهين لا تصح جمعته لوقوع بعض صلاته خارج الوقت، والثاني تصح تبعا للإمام. [الخطبة من شرائط الجمعة] [شروط الخطبة وسننها] م: (ومنها الخطبة) ش: أي من شرائط الجمعة الخطبة، وهو مذهب عطاء والنخعي وقتادة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ﵃، وعن عمر ﵁ قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وعن عائشة مثله، وعن سعيد بن جبير قال: كانت الجمعة أربعا فجعلت الخطبة، فكان ركعتين، وقال ابن قدامة: لا نعلم في هذا مخالفا إلا الحسن البصري، فإنه قال: يجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب. وذكر النووي معه داود وعبد الملك المالكي. وقال القاضي عياض: وروي ذلك عن مالك، وقال ابن حزم في " المحلى ": الخطبة ليست بفرض، تجوز الجمعة بدونها. م: (لأن النبي ﷺ ما صلاها بدون الخطبة في عمره) ش: ذكره البيهقي، وذكر أيضا عن الزهري أنه قال: بلغنا أنه قال: "لا جمعة إلا بخطبة "، واستدل أيضا بحديث ابن عمر: «كان ﵇ يخطب يوم الجمعة خطبتين بينهما جلسة» . قلت: هذا استدل بمجرد الفعل فلا يتم إلا إذا ضم إليه قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، رواه البخاري، فلو لم تكن واجبة لتركها مرة تعليما للجواز. م: (وهي) ش: أي الخطبة. م: (قبل الصلاة بعد الزوال) ش: لأنها شرط فتقدم كسائر الشروط، بخلاف العيد فإنه لو لم يخطب فيه أصلا يجوز، ولو خطب فيه يجوز. م: (وبه وردت السنة) ش:

стр. 1389

ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة وبه جرى التوارث. ــ [البناية] أي بكون الخطبة قبل الصلاة وردت السنة عن النبي ﷺ ، يمكن أخذ هذا في حديثين، أحدهما حديث السائب بن زيد، رواه البخاري عنه قال: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ يوم الجمعة حين يجلس الإمام، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس أمر بالأذان الثاني على الزوراء،» ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، فإذا كان حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة دل على أن الصلاة بعد الخطبة. والآخر «حديث أبي موسى الأشعري أخرجه مسلم عنه قال لي ابن عمر ﵁: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة، قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة» ، قال أبو بردة: يعني على المنبر. م: (ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة) ش: مقدار ثلاث في ظاهر الرواية، وقال الطحاوي مقدار ما سمي موضع جلوسه على المنبر. م: (وبه جرى التوارث) ش: أي بالفصل بين الخطبتين بقعدة جرى التوارث، يعني هكذا فعل النبي ﷺ والأئمة من بعده إلى يومنا هذا، ولفظ التوارث إنما يستعمل في أمر له خطر وشرف، يقال توارث المجد كابرا عن كابر، أي كبيرا عن كبير في القدر والشرف، وقيل: هي حكاية العدل عن العدل، فإن القيام فيها، والفصل بين الخطبتين بقعدة متوارث. وقال ابن المنذر: اختلفوا فيه، «وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس رسول الله ﷺ على المنبر حتى مات، وما كان يخطب إلا قائما» وأول من جلس عثمان ﵁ في آخر عمر زمانه حين كبر، فكان يجلس هنيهة ثم يقوم، وكان المغيرة بن شعبة إذا فرغ المؤذن قام فخطب ولا يجلس حتى ينزل. قال: والذي عليه عمل الناس ما تفعله الأئمة اليوم، ثم هذه القعدة عندنا للاستراحة وليست بشرط، وقال الشافعي: إنها شرط. وقال شمس الأئمة السرخسي: الدليل على أنها للاستراحة لا للشرط حديث جابر بن سمرة «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما خطبة واحدة، فلما أسن جعلها خطبتين بينهما جلسة» ففي هذا دليل على أنها للاستراحة لا للشرط. قلت: هذا الحديث غريب، وهو عن ابن عباس برواية الحسن بن عمارة، وقال ابن العربي: وهو ضعيف. ثم الخطبة الواحدة تجوز عندنا وهو مذهب عطاء ومالك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور. وقال ابن المنذر: أرجو أن تجزئه خطبة واحدة، وقال أحمد: لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي ﷺ .

стр. 1390

ويخطب قائما على طهارة؛ لأن القيام فيهما متوارث ثم هي شرط الصلاة فيستحب فيها الطهارة كالأذان، ــ [البناية] وقال الشافعي: يجب أن يخطب خطبتين قائما يجلس بينهما مع القدرة عليها، وحكى الرافعي وجها آخر أنه لو خطب قائما كفاه الفصل بسكتة من غير جلوس. قال النووي: وهذا شاذ مردود، وقال النووي: القيام والجلوس بينهما سنة عند جمهور العلماء، حتى إن الطحاوي ﵀ قال: لم يقل أحد باشتراط الجلوس بينهما غير الشافعي. م: (ويخطب قائما على طهارة) ش: أي ويخطب الإمام حال كونه قائما وحال كونه على الطهارة، أما القيام فإنه سنة عندنا، وعند الشافعي لا تصح الخطبة قاعدا، وبه قال مالك في رواية، وعنه كقولهما، وبه قال أحمد، وأما الطهارة سنة عندنا لا شرط، خلافا لأبي يوسف والشافعي، حتى إذا خطب على غير طهارة يجوز عندنا ويكره، وعندهما لا يجوز، وقال الشافعي في القديم كقولهما، وبه قال مالك وأحمد. م: (لأن القيام فيها) ش: أي الخطبة. م: (متوارث) ش: أي من النبي ﷺ ومن الأئمة بعده إلى يومنا هذا، والجواب عما يقال إنه إذا كان كذلك ينبغي أن يكون فرضا، كما قال الشافعي: وهو قول المصنف ﵀. م: (ثم هي) ش: أي الخطبة. م: (شرط الصلاة فيستحب فيها) ش: أي في الخطبة. م: (الطهارة) ش: أي عن الجنابة والحدث. م: (كالأذان) ش: وجه التشبيه بالأذان أن الخطبة ذكرها شبه بالصلاة من حيث إنها أقيمت مقام شطرها. وتقام بعد دخول الوقت والأذان أيضا مقام بعد دخول الوقت، لا يقال ليس بينهما مشابهة، بل بينهما مخالفة، فإذا أذن الجنب تستحب فيها الإعادة طاهرا ولم يذكر خطبة الجمعة هاهنا، لأنا نقول لا فرق بينهما في الحقيقة، غير أن الأذان لا يتعلق به حكم الجواز، فذكر استحباب الإعادة، والخطبة يتعلق بها حكم الجواز فذكر الجواز هاهنا، واستحباب الإعادة هاهنا كهو في الأذان. ولم يذكر المصنف أنه هل يعيد الخطبة أو لا، فذكر في "نوادر أبي يوسف " أنه يعيدها وإن لم يعدها جاز، لأنه ليس من شرط استقبال القبلة بخلاف الأذان، فإنه يعيد، لأن الأذان أشبه بالصلاة من الخطبة، ألا ترى أنه شرع استقبال القبلة بخلاف الخطبة، ولكن يكون مسيئا إذا تعمد ذلك، لأنها الصلاة حتى أقيمت مقام الشفع في الظهر، ولأن فيه دخول المسجد جنبا، وهو مكروه. وقال الأترازي: قوله "كالأذان" فيه نظر، لأنه يفهم من هذا التركيب أن الأذان شرط الصلاة وليس كذلك، لأنه سنة.

стр. 1391

ولو خطب قاعدا أو على غير طهارة جاز، لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته التوارث، وللفصل بينهما وبين الصلاة ــ [البناية] قلت: لا نسلم بذلك، لأن قوله: "كالأذان" يتعلق بقوله تستحب فيها الطهارة ولا بقوله هي شرط الصلاة. م: (ولو خطب قاعدا أو على غير طهارة جاز لحصول المقصود) ش: وهو الذكر والوعظ، وفي " المحيط " و" المبسوطين " الخطبة ذكر والمحدث والجنب يمنعان ما خلا قراءة القرآن في حق الجنب، وليست الخطبة كالصلاة ولا كشطرها، بدليل أنها تؤدى غير مستقبل القبلة ولا يفسدها الكلام. م: (إلا أنه يكره) ش: استثناء من قوله "جاز" والضمير في أنه يرجع إلى كل واحد من الخطبة قاعدا ومن الخطبة على غير الطهارة، ويذكر الضمير باعتبار المذكور. م: (لمخالفته التوارث) ش: يتعلق بقوله: "ولو خطب قاعدا" أو أراد بالتوارث ما نقل عن النبي ﷺ وعن الأئمة بعده من القيام في الخطبة. م: (وللفصل بينهما وبين الصلاة) ش: متعلق بقوله: " أو على غير طهارة" وأراد أن الطهارة في الخطبة على غير طهارة لأجل وقوع الفصل بين الخطبة وبين الصلاة، فإنه إذا خطب على غير طهارة يحتاج إلى وضوء لأجل الصلاة، فوضوءه يكون فصلا بينهما. فروع: لو خطب نفر الناس وجاء آخرون أجزأهم، لأنه خطب والقوم حضور، وصلى والقوم حضور، وكبر للجمعة والناس لم يكبروا حتى ركع، ثم كبر والقوم معه، يجزئهم، ولو رفع رأسه قبل أن يركعوا لا يجزئهم، ولو كبروا معه ثم خرجوا من المسجد ثم جاءوا وكبروا قبل رفع الإمام رأسه من الركوع أجزأهم، كذا في " المحيط ". وفي المرغيناني: كبر الإمام والقوم حضور لم يشرعوا إن كان شروعهم قبل رفع الإمام من الركوع صحت الجمعة وإلا استقبلها، قيل: هذا قول محمد، وعن أبي حنيفة: إن شرعوا قبل أن يقرأ آية قصيرة جازت، وإلا استقبلها، وقال أبو يوسف: إن كبروا قبل أن يقرأ ثلاث آيات أو آية طويلة صحت وإلا استقبلها. وفي " الواقعات ": أحدث الإمام وقال لواحد: اخطب ولا يصلي بهم أجزأه أن يخطب ويصلي بهم، وفي الأصل قدم وإن بعد ما خطب الأول وصلى بهم القادم لا يجوز إلا أن يعيد الخطبة، وكذا إذا أمر الثاني الأول أن يصلي بهم، فإن الأول مستأنف ثم أمر من يصلي بهم جاز، ولو خطب وحده لا يجوز، وإن كان بحضرة النساء، وعن أبي حنيفة يجوز، والصحيح الأول عن أبي يوسف لو خطب ولم يسمع الرجال جاز ولا يضر تباعدهم، ولو خطب والقوم نيام أو صم جازت. ذكره في " الذخيرة ". ولو خطب بحضرة الإمام بغير إذنه لم يجز والإذن بالخطبة إذن بالصلاة، وكذا الإذن

стр. 1392

فإن اقتصر على ذكر الله جاز عند أبي حنيفة ﵀ ــ [البناية] بالصلاة إذن بالخطبة أو شهدها جاز، وإن تقدم من غير أن يقدمه الإمام إن كان بعد الشروع يجوز. وقيل: لا يجوز إلا إذا كان قاضيا أو صاحب شرط أو ذا سلطان، ولو خطب ثم ذهب فتوضأ في منزله ثم جاء فصلى جاز، ولو تغدى فيه أو جامع فاغتسل فاستقبل الخطبة، ذكره في " الواقعات " و" منية المفتي ". وفي المرغيناني: لو رجع إلى منزله فتغدى أجزأه، ولو خطب وهو جنب فاغتسل استقبل. وفي " قنية المنية ": خطب وفي يده منشور الوالي وصلى بالناس بالغ جاز. وقال القاضي عبد الجبار ومجد الأئمة الترجماني: لا يجوز ولا تصح صلاتهم بالبالغ، وفي صلاة الجلاتي: ويشترط في الخطبة أهلية الإمام في الجمعة، وعند الشافعي في المحدث والجنب قولان، الجديد اشتراط الطهارة، وكذا طهارة البدن والثوب والمكان وستر العورة، ولم يشترط الطهارة، وأحمد وداود في " الواقعات " لو أحدث الإمام وأمر من لم يحضر الخطبة أن يجمع بهم لم تصح جمعتهم، وإن أمر من حضر الخطبة أو بعضها فجمع بهم جاز. وفي الأصل: لا يجوز، بخلاف ما لو شرع في الصلاة ثم استخلف من لم يشهدها جاز، ولو أحدث الإمام بعدما خطب قبل الشروع في الجمعة وأمر رجلا لم يشهد الخطبة أن يصلي بهم فأمر المأمور من شهد الخطبة من أهل الصلاة أن يصلي بهم جاز، وذكر الحاكم في "مختصره" أنه لا يجوز، ولو كان المأمور الأول ذميا ولم يعلم به الآمر فأمر الذمي مسلما لم يجز، لأنه ليس من أهل الصلاة. وكذا لو كان مريضا يصلي بالإيماء أو أخرس أو أميا أو صبيا فأمروا غيرهم لم يجز، ولو أسلم الذمي وبرئ المريض وتكلم الأخرس وتعلم الأمي فصلى بهم أو أمر غيرهم جاز، ولو أمر نصرانيا أو صبيا فأسلم النصراني وبلغ الصبي لا يصليان حتى يؤمران بعد ذلك إذا استقضاه، ولو قال للنصراني: إذا أسلمت فصل بالناس أو اقض جاز، وكذا الصبي. م: (فإن اقتصر على ذكر الله جاز عند أبي حنيفة ﵀) ش: إطلاق كلامه يقتضي أن يجوز بمجرد قول الله من غير أن يقرن به شيئا كالحمد وسبحان الله، لأنه ذكر الله، ولكن الرواية في " المبسوط " وغيره أنه إذا خطب بتسبيحة واحدة أو بتهليل أو بتحميد أجزأه في قوله. وفي " المحيط ": ويجزئ في الخطبة قليل الذكر نحو قوله - الحمد لله- ونحو قوله "سبحان الله" وقال ابن المنذر: روينا عن الشعبي أنه قال: يخطب بما قل أو كثر، وفي "قاضي خان " التسبيحة الواحدة تجزئ في قول أبي حنيفة. وهو قول أبي يوسف الأول، وكان القول أولا لا يجزئ، وهو قول محمد وقول أبي يوسف الآخر إلا أنه يكون مسيئا بغير عذر كترك

стр. 1393

وقالا لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة لأن الخطبة هي الواجبة والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة. وقال الشافعي ﵀: لا تجوز حتى يخطب خطبتين اعتبارا للمتعارف. ــ [البناية] السنة. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة يحمد الله ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي ﷺ ويعظ الناس ويذكرهم، ويقرأ سورة، ذكره المرغيناني، وقال مالك: الخطبة كل كلام ذي بال، وروى مطرف عنه في " مختصر ابن عبد الحكم ": أو سبح أو هلل أو صلى على النبي ﷺ فلا إعادة عليه، ثم اشترط عند أبي حنيفة أن يكون قوله الحمد لله على قصد الخطبة، حتى لو قال يريد الحمد لله على إعطائه لا ينوب عن الخطبة. وقيل: ينوب، والأول أصح، ونظيره التسمية على الذبيحة إنما تحل إذا كان قاصدا للذبح. وفي " الكافي": التكرار شرط في الحمد لله لتسمى خطبة. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد. م: (لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة) ش: وبه قال عامة العلماء. وقال الإمام أبو بكر: أقل ما سمي خطبة عندنا مقدار التشهد من قوله التحيات لله إلى قوله عبده ورسوله. وفي "التجنيس " مقدار الجلوس بين الخطبتين، وعند الطحاوي مقدار ما يمس موضع جلوسه المنبر، وفي ظاهر الرواية مقدار ثلاث آيات، وعند الشافعي تجب، وبه قال أحمد ومالك في رواية. وفي " الخلاصة الغزالية ": في الخطبة الأولى أربع فرائض: التحميد، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة الآية، وكذا في الخطبة الثانية، إلا أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية يدل على أن قراءة الآية في الأولى. وفي " الحلية " قيل: تجب القراءة في الخطبتين، قيل: ولا تجب فيهما، وقيل: تجب في إحداهما في أيتهما قرأ جاز، والقراءة في الثانية مستحبة، وقيل: واجبة وبقول أحمد أخذ. م: (لأن الخطبة هي الواجبة) ش: يعني بالإجماع. م: (والتسبيحة) ش: الواحدة. م: (أو التحميدة) ش: الوحدة. م: (لا تسمى خطبة) ش: فوجب ما يسمى خطبة. م: (وقال الشافعي: لا تجوز حتى يخطب خطبتين؛ اعتبارا للمتعارف) ش: أي للعادة، لأن الذي يخطب بأقل من ذلك لا يسمى خطبة في عادة الناس، ولا يخطب بها خطيبا، وصورة الخطبتين عنده: ما قد ذكرناه الآن، وعلل الأترازي للشافعي بقوله: "إن ذكر الله مجمل" لا يدري أي ذكر هو، وقد فسره رسول الله ﷺ بخطبتين، بفعله صار بيانا للكتاب. ثم أجاب عن ذلك بقوله: لا نسلم أن ذكر الله مجمل، لأن المجمل ما لا يمكن العمل به إلا ببيان من المجمل، والعمل بالآية قبل البيان، لأن ما سمي ذكر الله معلوم عند الناس وفعل

стр. 1394

وله قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية ٩) ، من غير فصل. ــ [البناية] النبي ﵇ لبيان السنة، ولا نسلم أن الجواز معلق بالخطبة، بل الجواز معلق بذكر الله، وقد حصل، ولئن سلمنا لكن لا نسلم أن القدر القليل لا يسمى خطبة، وكيف لا يسمى خطبة والخطبة موجودة في ذلك القدر؟ قلت: قوله: "لا نسلم أن الجواز معلق بالخطبة" فيه نظر، وكيف لا يعلق بالخطبة؟ والمراد من ذكر الله في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية٩) ، هو الخطبة، فإذا كان المراد بالذكر الخطبة ما هو مضاد الخطأ، ولم يجز لهم عادوا بالقدر القليل، وقوله وحقيقة الخطبة موجودة في ذلك القدر غير مسلم، لأن المراد هو الخطبة الشرعية التي جرى عليها التوارث، وليس المراد الحقيقة اللغوية. ثم سأل الأترازي بقوله: فإن قلت: ذكر رأيت يقدم على الصلاة فوجب أن لا يقصر على الكلمة الواحدة كالأذان؟ قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المقصود من الأذان الإعلام وهو لا يحصل بكلمة واحدة، بخلاف الخطبة، فإن المقصود منها ذكر الله وهو يحصل بكل ما يسمى ذكر الله. قلت: وفيها أيضا إعلام بأن هذا يوم فيه قامت الخطبة مقام الركعتين، على ما روي عن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة، ومعلوم أن قصر الصلاة لا يكون بما يسمى ذكر الله. م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀. م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية ٩)) . م: (من غير فصل) ش: يعني بين قليل الذكر وكثيره، والمراد بذكر الله الخطبة باتفاق المفسرين وقد أمر الله تعالى بالسعي إلى ذكره مطلقا، من غير قيد بذكر طويل ولا بخطبتين، فاشتراطه زيادة على النص بالفعل المنقول بخبر الواحد، فيحمل ذلك على السنة وكمال الذكر، وأصل الذكر حاصل بقولنا الحمد لله وسبحان الله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو ذلك، فما زاد على ذلك فهو شرط الكمال. ثم قوله: "الحمد لله أو سبحان الله" كلام وخبر وتحته معان جليلة جمة، فالمتكلم بهذا اللفظ الوجيز كالذاكر لتلك المعاني الكثيرة بلفظ وجيز، فتكون خطبة وجيزة قصيرة، وقصر الخطبة مندوب إليه، وروي «طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة من فقه الرجل» . فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟

стр. 1395

وعن عثمان ﵁ أنه قال الحمد لله فارتج عيه فنزل وصلى. ــ [البناية] قلت: قال ابن العربي: خرج في الصحيح، ولكن المشهور أنه من قول ابن مسعود ﵁ ومعنى مئنة أي علامة على تفهمه، وجعل الجوهري الميم أصلية، وقيل هي فعلية، ونقل الأزهري عن أبي عبيد أن وزنها مفعلة فتكون الميم زائدة. وقال ابن الأثير: وحقيقتها أنها مفعلة، من معنى أن التي للتخفيف والتأكيد غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا تشتق منها، وإنما ضمت حروفها؛ دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتقت من لفظها بعدما جعلت اسما، لكان قولا، ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من الطاء في الخطبة، والميم في ذلك كلمة زائدة. م: (وعن عثمان ﵁ أنه قال: الحمد لله فأرتج عليه فنزل وصلى) ش: هذا غريب ولكن اشتهر في كتب الفقه أن عثمان قال على المنبر الحمد لله فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر ﵄ كان يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قوال، وسيأتي في الخطبة بعد هذا والسلام. وذكره الإمام القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب " غريب الحديث " من غير سند، فقال: روي عن عثمان ﵁ أنه صعد المنبر فأرتج المنبر عليه، فقال: الحمد لله إن أول كل مركب صعب وإن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، ويعلم الله إن شاء الله، انتهى. قال السراج: فنزل وصلى الجمعة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدل أنه يكتفي بهذا القدر، ومراده من قوله وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قوال، أن الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين يكونون على كثرة المقال مع قبح الفعال، وإن لم أكن مثلهم فأنا على الخير دون الشر، فأما أن يريد بهذه المقالة تفضيل نفسه على الشيخين فلا، كذا في " المحيط ". وروي أن الحجاج لما أتى العراق وصعد المنبر أرتج عليه، فقال: "يا أيها الناس قد هالني كبر رءوسكم وإحداقكم إلي بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشيخ والصبي في نعماء بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها فنزل، وصلى معه أنس بن مالك وغيره من الصحابة، كذا في " المبسوط ". وقال تاج الشريعة: وصلى معه ابن عمر وأنس والحسن وغيرهم من علماء التابعين ﵃، وقال السروجي: وروي عنه أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يشكو إليه الحصر في الخطبة وقلة شهوة الأكل وضعف شهوة الجماع، فكتب إليه الوليد أنك إذا خطبت انظر إلى أخريات الناس ولا تنظر إلى من يكون تقرب منك، وأكثر ألوان الأطعمة، فإنك لو أكلت من

стр. 1396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] كل لون شيئا يسيرا كفيت، وأكثر السراري فإن لكل جديد لذة. قوله " فأرتج عليه": بضم الهمزة وسكون الراء وكسر التاء المثناة من فوق وتخفيف الجيم. وقال الجوهري: أرتج على القارئ على ما لم يسم فاعله إذا لم يقدر على القراء وأرتج الرجل في منطقة إذا استغلق عليه الكلام، وأرتجت الباب أي أغلقته. وفي " النهاية" لابن الأثير: أمرنا رسول الله ﷺ بإرتاج الباب أي بإغلاقه. وفي " مجمع الغرائب ": يقال للرجل الذي لم يحضره منطق قد أرتج عليه كأنه قد أغلق عليه باب النطق. وقال المريد: قول العامة أرتج إليه بالتشديد ليس بشيء. وفي " المغرب ": الكلام العربي بالتخفيف. فإن قلت: روي عن أبي عبيدة أنه قال: يقال أرتج يعني بالتشديد، ومعناه وقع في وجه أي اختلاط. قلت: هذا المعنى بعيد جدا. فروع: الخطبة تشتمل على فروض وسنن، أما الفرض فشيئان الوقت وهو ما بعد الزوال وقبل الصلاة، حتى لو خطب قبل الزوال أو بعد الصلاة لا يجوز. وأما السنن فخمسة عشر: الطهارة حتى كره من الجنب والمحدث. وقال أبو يوسف والشافعي: لا يجوز منهما. والقيام واستقبال القوم بوجهه، والقعود قبل الخطبتين، قال أبو يوسف: والبداية بالحمد لله والثناء عليه بما هو أهله، وكلمتا الشهادة والصلاة على النبي ﷺ ، والموعظة والتذكرة وقراءة القرآن، وتاركها مسيء، وقال الشافعي: لا يجوز، وقدرها ثلاث آيات والجلوس بين الخطبتين، وإعادة التحميد والثناء على الله تعالى في الخطبة الثانية؛ وزيادة الدعاء للمسلمين والمسلمات في الثانية وتخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل. وأما الخطيب فمن السنة فيه طهارته واستقباله بوجهه إلى القوم وترك السلام من وقت خروجه إلى دخوله في الصلاة وترك الكلام، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد: السنة إذا صعد المنبر أن يسلم على القوم إذا استقبلهم بوجهه، وكذا روى ابن عمر عن النبي ﷺ . قلت: هذا الحديث أورده ابن عدي من حديث ابن عمر في ترجمة عيسى بن عبد الله الأنصاري وضعفه، وكذا ضعفه ابن حبان. وقال الأثرم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: "السلام عليكم" ... » الحديث،

стр. 1397

ومن شرائطها الجماعة لأن الجمعة مشتقة منها، ــ [البناية] وهو مرسل فلا يحتج به عنده. وقال عبد الحق في " الأحكام الكبرى ": هو مرسل. وإن أسنده أحمد من حديث عبد الله بن لهيعة فهو معروف بالضعف فلا يحتج به. وقال البيهقي: ليس بقوي، يعني الحديث. وفي " الدراية ": والحجة عليه أي على الشافعي قوله ﷺ : «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام» . وما رواه يحتمل أن يكون قبل هذا القول. وفي "المبسوط ": يستحب للقوم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن المنذر: وهذا كالإجماع. وقال النووي: يكره في الخطبة أن يفعل الخطيب ما يفعله الجهال من الخطباء من الدق بسيف على درج المنبر، وكذا المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم، انتهى. ويستحب أن يتوكأ الخطيب في خطبته على نحو قوس وغيره، «وروى أبو داود عن رجل له صحبة في حديث طويل أنه قال: شهدنا الخطبة مع رسول الله ﷺ فقام يتوكأ على عصا أو قوس.» وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن ابن حبان عن يزيد بن عبد البر عن أبيه «أن النبي ﷺ خطبهم يوم عيد وفي يده قوس أو عصا» . وعن طلحة بن يحيى قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب وبيده قضيب، وذكر البقالي: يخطب بالسيف في بلدة فتحت بالسيف. [الجماعة من شرائط الجمعة] [العدد الذي تصح به صلاة الجمعة] م: (ومن شرائطها) ش: أي ومن شرائط الجمعة. م: (الجماعة، لأن الجمعة مشتقة منها) ش: فلا يتحقق بدونها، كالضارب لما كان مشتقا من الضرب لم يتحقق بدونه، وكذا في سائر المشتقات، واجتمعت الأمة على أنها لا تصح من المنفرد إلا ما ذكره ابن حزم في " المحلى " عن بعض الناس أن الفذ يصلي الجمعة كالظهر.

стр. 1398

وأقلهم عند أبي حنيفة ﵀ ثلاثة سوى الإمام، وقالا اثنان سواه ــ [البناية] م: (وأقلهم) ش: أي أقل الجماعة في انعقاد الجمعة. م: (عند أبي حنيفة ثلاثة) ش: أي ثلاثة رجال. م: (سوى الإمام) ش: وبه قال زفر والليث بن سعد، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي ثور والثوري في قول واختاره المزني. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد. م: (اثنان سواه) ش: أي سوى الإمام، وبه قال أبو ثور وأحمد في رواية والثوري في رواية، وهو قول الحسن البصري، واعلم أن في العدد الذي تصح به الجمعة أربعة عشر قولا، الأول والثاني ذكرناهما الآن. والثالث: إنما تنعقد بواحد سوى الإمام، وهو قول النخعي والحسن بن حي وأبي سليمان وجميع الظاهرية. والرابع: بسبعة رجال، وهو مروي عن عكرمة. والخامس: بتسعة. والسادس: باثني عشر رجلا. وهو قول ربيعة. والسابع: بثلاثة عشر رجلا، ذكره في " المحلى ". والثامن: بعشرين. والتاسع: بثلاثين، رواه ابن حبيب، ذكره في " المحلى ". والعاشر: بأربعين سواك، ذكره ابن شداد عن عمر بن عبد العزيز. والحادي عشر: بأربعين رجلا أحرارا بالغين عقلاء مقيمين لا يظعنون صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة. وهو قول الشافعي، وظاهر قول أحمد ولم يوافقه على جميع شروطه. والثاني عشر: بخمسين رجلا، حكاه في " المحلى " عن عمر بن عبد العزيز، ورواه عن أحمد. والثالث عشر: ثمانين، ذكره المازري. والرابع عشر: بغير تحديد. واحتج الشافعي بقصة أسعد بن زرارة، رواها أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة: قلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت في حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون، رواه ابن ماجه والبيهقي أيضا. وقد ذكرناه في أول الكتاب مشروحا، ولا حجة له فيه بوجهين: أحدهما: أنه

стр. 1399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] كان قبل أن يقدم النبي ﷺ كما رواه البيهقي في "سننه الكبرى". والثاني: أنه يجوز مع الأربعين ولا يدل على عدم الجواز بدون الأربعين، ونحن نجوزه بدون الأربعين وبأقل من الأربعين وبأكثر منها. واحتج الشافعي أيضا بما روي عن جابر ﵁ أنه قال: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة» . وبما روي عن أبي هريرة أنه أقام الجمعة بجواثا بإذن عمر ﵁ وفيها أربعون رجلا، وبما روي عن أبي أمامة أنه ﵇ قال: «لا جمعة إلا بأربعين» . وبما روي عنه ﵇ أنه قال: «إذا اجتمع أربعون فعليهم الجمعة» وأيضا لم ينقل على عهد النبي ﵇ والخلفاء بعده الجمعة بأقل من أربعين رجلا. والجواب عما روى جابر: إن قلت: إنه لا يدل على نفي الجواز بما دون الأربعين. قلت: في قول الصحابة: مضت السنة، خلافا بين العلماء، وقال النووي: حديث جابر هذا ضعيف، رواه البيهقي وغيره بإسناد ضعيف، وقال: هو حديث لا يحتج بمثله. والجواب عن حديث أبي هريرة: كالجواب عن حديث جابر. والجواب عن حديث أبي أمامة: أنه لا أصل له، والجواب عما روي عنه ﷺ : «إذا اجتمع أربعون فعليهم الجمعة» أن صاحب الوجه ذكره ولم يثبت عند أهل النقل. والجواب عن قولهم ينقل على عهد رسول الله ﷺ .... إلخ: أنه يرده ما رواه البخاري ومسلم ﵄ من حديث جابر قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب قائما يوم الجمعة فقدم عير من الشام فنفر الناس وبقي معه اثنا عشر رجلا فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (الجمعة: الآية ١١) » ، قال أبو بكر الرازي: ومعلوم أنه ﷺ لم يترك الجمعة منذ قام بالمدينة، ولم يذكر رجوع القوم، فوجب أن يكون قد صلى باثني عشر رجلا، فبطل اشتراط الأربعين كما قال الشافعي وابن حنبل رحمهما الله، ولأن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن عمير ﵄ بأمر النبي ﷺ باثني عشر رجلا قبل الهجرة، فبطل بذلك اشتراط الأربعين.

стр. 1400

قال ﵁ والأصح أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وحده له أن في المثنى معنى الاجتماع، وهي منبئة عنه، ولهما أن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث؛ لأنه جمع تسمية ومعنى، والجماعة شرط على حدة، وكذا الإمام فلا يعتبر منهم، ــ [البناية] فإن قلت: روى البيهقي والدارقطني أنهم انفضوا فلم يبق إلا الأربعون. قلت: هذا ليس بصحيح، والصحيح ما رواه الشيخان. فإن قلت: انفضوا في الخطبة أم في الصلاة؟ قلت: في روايات مسلم أنهم انفضوا في الخطبة، وفي رواية البخاري في الصلاة. م: (قال) ش: أي المصنف ﵀. م: (والأصح أن هذا قول أبي يوسف وحده ﵀) ش: أي الأصح أن كون الاثنين سوى الإمام شرطا لانعقاد الجمعة، هو قول أبي يوسف وحده ﵀ ومحمد مع أبي حنيفة - رحمهما الله-، والمذكور في عامة نسخ " المختصر " أن محمدا مع أبي يوسف، واحترز المصنف بقوله والأصح أن هذا. م: (له) ش: لأبي يوسف. م: (أن في المثنى معنى الاجتماع) ش: لأن فيه اجتماع واحد مع آخر. م: (وهي) ش: أي الجمعة. م: (منبئة) ش: أي مخبرة. م: (عنه) ش: أي عن الاجتماع لما ذكر أن الجمعة مشتقة من الجماعة وفي الجماعة اجتماع لا محالة. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-. م: (أن الجمع الصحيح) ش: يعني لغة ومعنى. م: (إنما هو الثلاث) ش: ولهذا يقال رجال ثلاثة، ولا يقال رجال اثنان. م: (لأنه) ش: أي لأن الثلاث. م: (جمعة تسمية) ش: أي من حيث التسمية في اللغة. م: (ومعنى) ش: أي ومن حيث المعنى أيضا، ولهذا صح تقسيم أهل الصنعة بين المفرد والمثنى والمجموع ونفي الجمع عن التثنية في قول القائل، هذا مثنى وليس بمجموع. وهذا تثنية وليس بجمع، فإذا صح أن الجماعة مشروطة في الجمع وجب حملها على الجمع المطلق وهو الثلاث فما فوقها، حتى يقوم الدليل على إرادة الاثنين، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بشهود» ولما قال القائل فيما قاله أبو يوسف ﵀ كذلك لأنه يقبل مع الإمام ثلاثة، أجاب المصنف بقوله. م: (والجماعة شرط على حده) ش: أي وحدها دون الإمام. م: (وكذا الإمام) ش: شرط على حدة. م: (فلا يعتبر منهم) ش: أي من الجماعة، لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] وهو يقتضي ثلاثة، لأنها أقل الجمع وقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] يقتضي ذاكرا، فذلك أربعة، ومن وجه خمسة، لأن قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ﴾ [الجمعة: ٩] يقتضي المنادي، وهو المؤذن، وقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] يقتضي ثلاثة، لأنها أقل الجمع، وقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] يقتضي الذاكر، وهو الإمام، وعلى كل حال يجب أن يكون لهم من يصلح إماما، حتى إذا كان صبيا أو مجنونا لا

стр. 1401

وإن نفر الناس قبل أن يركع الإمام ويسجد، ولم يبق إلا النساء والصبيان استقبل الظهر عند أبي حنيفة ﵀ وقالا إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة، فإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا خلافا لزفر ﵀ ــ [البناية] يجوز. م: (وإن نفر الناس) ش: يعني إذا اقتدى الناس بالإمام في صلاة الجمعة، ثم عرض للناس عارض إذا هم إلى النفور فنفروا وبقي الإمام وحده إن كان ذلك. م: (قبل أن يركع الإمام ويسجد) ش: يعني بعد الشروع، لأنهم إن نفروا قبل شروعهم مع الإمام لا يصلي الجمعة بلا خلاف، والخلاف في النفور بعد الشروع قبل الركوع والسجود لما نذكره، وقوله. م: (ولم يبق إلا النساء والصبيان) ش: يعني لم ينفروا فلا يعتبر لبقائهم، لما يجيء عن قريب. م: (استقبل الظهر عند أبي حنيفة ﵀) ش: ولو بقي معه رجلان أو صبيان أو نساء. وقال الثوري: إن بقي معه رجلان صلى الجمعة، وبه قال أبو ثور، وإن بقي معه واحد يصلي الجمعة. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-. م: (إذا نفروا عنه) ش: أي عن الإمام. م: (بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة) ش: وإن بقي وحده. وبه قال المزني في قول. م: (فإن نفروا عنه) ش: أي عن الإمام. م: (بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا) ش: أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. م: (خلافا لزفر) ش: فعنده يصلي الظهر، وعند مالك إن انفضوا بعد الإحرام ويسر رجوعهم بنى على إحرامه أربعا وإلا جعلها نافلة وانتظرهم، وإن انفضوا بعد ركعة، قال أشهب وعبد الوهاب - رحمهما الله: يتمها جمعة، وهو اختيار المزني، وقال سحنون: هو كما بعد الإحرام فيشترط إلى الانتهاء. وقال إسحاق: إن بقي معه اثنا عشر صلى الجمعة. وظاهر كلام أحمد استدامة الأربعين. وقال النووي: لو أحرم بالأربعين المشروطة ثم انفضوا فعنه خمسة أقوال، أصحها يتمها ظهرا كالابتداء، وللمزني تخريجان: أحدهما: يتمها جمعة واحدة كقولهما. والثاني: إن صلى ركعة سجد فيها أتمها جمعة، وقيل: إن بقي معه واحدة أتمها جمعة، ونص عليه في القديم، وذكر ابن المنذر إن بقي معه اثنان لا يتمها جمعة وهو رواية البويطي. وقال صاحب " التقريب ": يحتمل أن يكتفي بالعبد والمسافر، وأقام الماوردي الصبي والمرأة مقامهما، فالحاصل بقاء الأربعين في كل الصلاة، هل هو شرط أم لا؟ قولان. فإن قلنا: لا، فهل شرط بقاء عدد أم لا؟ قولان، فإن قلنا، فهل يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا؟ قولان. فإن قلنا: نعم. فلم يشترط؟ قولان: أحدهما ثلاثة والآخر اثنان، فإذا أردت اختصار ذلك

стр. 1402

وهو يقول إنها شرط فلا بد من دوامها كالوقت، ولهما أن الجماعة شرط الانعقاد فلا يشترط دوامها كالخطبة، ــ [البناية] قلت: في المسألة خمسة أقوال: أحدها: يتمها ظهرا كيفما كان وهو الصحيح. والثاني: جمعة كيفما كان. والثالث: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو الأظهر. والرابع: إن بقي معه واحد أتمها جمعة. والخامس: إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام الركعة يسجد فيها أتم جمعة، وإلا أتمها ظهرا. م: (وهو يقول) ش: أي يقول زفر فيما ذهب إليه. م: (إنها) ش: أي إن الجمعة عنه. م: (شرط فلا بد من دوامها) ش: كما في سائر الشروط. م: (كالوقت) ش: فإن دوامه شرط لصحة الجمعة، فكذلك دوام الجماعة. م: (ولهما) ش: أي ولأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله-. م: (أن الجماعة شرط الانعقاد) ش: أي انعقاد الجمعة لا شرط الأداء. م: (فلا يشترط دوامها) ش: والدليل على ذلك أن المقتدي إذا أدرك ركعة من الجمعة يقضي الجمعة بالاتفاق، وكذا إذا أدرك التشهد عندهما، خلافا لمحمد ﵀ ثم حاجة المقتدي إلى الإمام فوق حاجة الإمام إلى المقتدي، لأن الإمام أصل، والمقتدي تبع، ودوام الإمام لم يحصل شرطا لصحة صلاة المقتدي حتى صح صلاة المسبوق في الجمعة، مع أن حاجة المقتدي أكبر، فلأن لا يجعل دوام المقتدي شرطا لصحة الإمام أولى. م: (كالخطبة) ش: وجه التشبيه هو كون كل واحد من الجماعة والخطبة شرطا لانعقاد الجمعة، ولكن دوام الخطبة ليس بشرط. فكذلك دوام الجماعة، ألا ترى أن الإمام بعدما كبر وسبقه الحدث فاستخلف من لم يشهد الخطبة أتم الجمعة، فكان استخلافه إياه بعد التكبير كاستخلافه بعد أداء ركعة، فهذا مثله، وفي " التجنيس ": خطب وفرغ منها فذهب القوم كلهم وجاء آخرون وصلى بهم أجزأه، لأنه خطب والقوم حضور، وصلى والقوم حضور فتحقق شرط جواز الخطبة. وعند الشافعي: يجب استئناف الخطبة ولو عاد بعد ذلك القوم ولم يطل الفصل لم يجب استئنافها، ولو طال الفصل ففيه خلاف بين أصحابه، قيل: يجب، وقيل: لا يجب، كذا في " شرح الوجيز " وفي " الأجناس ": لو خطب وحده أو بحضرة النساء لم يجز، وبه قال الشافعي، وعن أبي حنيفة - رحمهما الله: يجوز، والصحيح الأول، وعن أبي يوسف ﵀ لو خطب ولم يسمع الرجال جاز، ولا يضر تباعدهم، ولو خطب والقوم نيام أو صم جازت، ذكره في " الذخيرة "، ولو خطب بحضرة الإمام بغير إذنه لم يجز، والإذن بالخطبة إذن بالصلاة، وكذا الإذن بالصلاة إذن بالخطبة وقد سبق هذا ونظائره فيما سبق.

стр. 1403

ولأبي حنيفة ﵀ أن الانعقاد بالشروع في الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة، فلا بد من دوامها إليها بخلاف الخطبة لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها، ولا معتبر في بقاء النسوان وكذا الصبيان لأنه لا تنعقد بهم الجمعة فلا تتم بهم الجماعة، ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى. ــ [البناية] م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن الانعقاد بالشروع في الصلاة) ش: تقديره: أن أبا حنيفة يقول: المقدمة الأولى صحيحة، وهي كون الجماعة شرط الانعقاد، والانعقاد إنما هو بالشروع في الصلاة. م: (ولا يتم ذلك) ش: أي الشروع في الصلاة. م: (إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة) ش: لكونه في محل الرفض، لأن ما دون الركعة معتبر من وجه دون وجه، فالأول فيما إذا يحرم ثم قطع يلزمه القضاء. والثاني: فيما إذا أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركا للركعة، وصلاة الجمعة تغيرت من الظهر إلى الجمعة، فلا تغير إلا بتعين ولا تعين إلا بوجود الركعة، والذي يأتي بركعة يأتي بأركان الصلاة ولا يبقى عليه إلا الركن المكرر، والمصلي ما لم يقيد بالسجدة مستفتح لكل ركن، مكان ذهاب الجماعة، قيل: قيدها بالسجدة كذهابهم قبل التكبير، بخلاف ما بعد تقييدها بالسجدة، فإنه مقيد للأركان لا يفتتح، فافهم، فإنه موضع دقيق. م: (فلا بد من دوامها إليها) ش: أي فلا بد من دوام الجماعة إلى الركعة أي إلى تمام الركعة، والفاء فيه نتيجة قوله: لأن ما دونها ليس بصلاة، وفي الحقيقة الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن لم يكن ما دون الركعة صلاة فلا بد من دوام الجماعة إلى تمام الركعة. م: (بخلاف الخطبة) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره بأن يقال: سلمنا أن الجماعة شرط دوام الخطبة إلى تلك الغاية، وتقدير الجواب هو قوله. م: (لأنها) ش: أي لأن الخطبة. م: (تنافي الصلاة) ش: لأنه حين توجد الخطبة لا توجد الصلاة، وحين توجد الصلاة لا توجد الخطبة، والمنافاة بين الشيئين عبارة عن عدم الاجتماع بينهما في محل واحد، في زمان واحد. م: (فلا يشترط دوامها) ش: أي دوام الخطبة إلى الركعة، والفاء فيه مثل الفاء فيما قبلها. م: (ولا معتبر في بقاء النسوان) ش: لأنه لا ينعقد بهن الجماعة، وهو متعلق بقوله إلا النساء والصبيان، بخلاف بقاء المسافرين وأصحاب الأعذار، ومن لم يشهد الخطبة. م: (وكذا الصبيان) ش: وكذا لا يعتبر بقاء الصبيان، وقد علل هذين الصنفين بقوله. م: (لأنه لا تنعقد بهم الجمعة فلا تم بهم الجماعة) ش: وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد، بخلاف ما إذا بقي خلفه من العبيد والمسافرين ثلاثة، حيث يصلي بهم الجمعة عندنا، خلافا للشافعي ﵀ وأحمد، فعندهما يصلي الإمام الظهر، لأنهما يشترطان أربعين رجلا أحرارا مقيمين كما ذكرنا. [من لا تجب عليه الجمعة] م: (ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى) ش: أما المسافر فلما

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] روى البيهقي من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض» وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد ذكرها البيهقي وغيره. وروى الحافظ في "سننه " عن تميم الدارمي ﵀ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة أو صبي أو مسافر أو عبد» . وقال ابن المنذر: وفي صلاة رسول الله ﷺ الظهر بعرفة، وكان يوم الجمعة دليل على أن لا جمعة على مسافر. قلت: هذا وهم منه، فإن عرفات مفازة، ولا تقام الجمعة في المفازة عند الأئمة الأربعة خلافا للظاهرية ولا يعتد بخلافهم، وحكي عن النخعي والزهري الوجوب على المسافر، وهو قول الظاهرية، وأما المرأة فلما روى أبو داود ﵀ في "سننه" من حديث طارق بن شهاب - رحمهما الله- عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» ، وقال أبو داود: وطارق بن شهاب - رحمهما الله - قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا. قلت: هذا غير قادح في صحة الحديث فإنه يكون مرسل صحابي وهو حجة، وكذا قال النووي في " الخلاصة "، والحديث قال على شرط الشيخين، انتهى. ورواه الحاكم في "مستدركه " عن هريم بن سفيان به، عن طارق بن شهاب عن أبي موسى مرفوعا، فقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا بهريم بن سفيان، ورواه ابن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فلم يذكر فيه أبا موسى، وطارق بن شهاب يعد في الصحابة، وذكر الذهبي في "تجريد الصحابة ": وطارق بن شهاب البجلي الأحمسي له رؤية ورواية، وقد صرح ابن الأثير في "جامع الأصول " بسماعه من النبي ﷺ . وفي " التهذيب " عن الزهري أنه صحابي أدرك الجاهلية، وصحب النبي ﷺ وعقد له المزني في أطراف "سننه ". وذكر له عدة أحاديث.

стр. 1405

لأن المسافر يحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى ــ [البناية] وأما المريض والعبد فللأحاديث المذكورة، وقال ابن المنذر: وجمهور أهل العلم على أنه لا جمعة على مسافر ولا عبد، وهو قول الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأهل المدينة والشافعي وأحمد - رحمهما الله- في إحدى الروايتين في العبد وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وعن الحسن أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، وقال في " الذخيرة ": في رواية ابن سفيان الوجوب على العبد عند مالك، وقال صاحب " الذخيرة ": وهي مردودة بالحديث. وأما الأعمى فلا تجب عليه الجمعة، سواء وجد قائدا أو لا، وكذا على المقعد والعاجز عن الوضوء والتوجه مع مساعد، وعندهما يجب عليهم مع وجود القائد والمساعد، وبه قال الشافعي ﵀. وذكر المرغيناني: العبد لو أذن له مولاه في الجمعة مخير، وفي " منية المفتي ": يجب عليه، وفي " المرغيناني ": في العبد الذي حضر باب الجامع مع مولاه يحفظ الدابة خلاف، والأصح أنه يصلي إذا لم يخل بحفظ دابته، والمكاتب يجب عليه، وقيل: لا يجب عليه، ومعتق البعض في حال سعايته، كذلك في " جوامع الفقه " والأجير يوما لا يذهب إلى الجمعة والجماعة إلا بإذن المستأجر، وكذا قاله أبو حفص الكبير. وقال أبو علي الدقاق: ليس له منعه في المصر عن حضور الجماعة، لكن يسقط الأجر بقسطه. وفي " المجتبى ": ولا تجب الجمعة على الأجير إلا بإذن المستأجر، أما العبد لو أذن له مولاه، فهو مخير بين الجمعة والظهر، والمختفي من السلطان الظالم يباح له أن لا يخرج إلى الجمعة والجماعة، وتسقط بعذر المطر والوحل. وفي " الذخيرة ": للمولى منع عبده من الجمعة والعيدين. م: (لأن المسافر يحرج في الحضور) ش: هذا إلى قوله: "فإن حضروا" - تعليل عقلي، ولم يذكر المصنف شيئا من الحجج النقلية، قوله: يحرج، من حرج يحرج، من باب علم يعلم، فقال: حرج فلان في أمره إذا استدل عليه، ويقال حرج أيضا إذا ضاق صدره، ويقال: مكان حرج بكسر الراء وفتحها أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، والحرج بفتح الراء أيضا الإثم، وقال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، والحرج الذي يلحق المسافر، إما عدم وجدان أجير يحفظ رحله إذا ذهب إلى الجمعة أو خوف انقطاعه عن رفقته. م: (وكذا المريض والأعمى) ش: وكذا يحرج الأعمى والمريض في الحضور إلى الجمعة، والحرج مرفوع شرعا.
следующие страницы →