← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وإن نفر الناس قبل أن يركع الإمام ويسجد، ولم يبق إلا النساء والصبيان استقبل الظهر عند أبي حنيفة ﵀ وقالا إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة، فإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا خلافا لزفر ﵀ ــ [البناية] يجوز. م: (وإن نفر الناس) ش: يعني إذا اقتدى الناس بالإمام في صلاة الجمعة، ثم عرض للناس عارض إذا هم إلى النفور فنفروا وبقي الإمام وحده إن كان ذلك. م: (قبل أن يركع الإمام ويسجد) ش: يعني بعد الشروع، لأنهم إن نفروا قبل شروعهم مع الإمام لا يصلي الجمعة بلا خلاف، والخلاف في النفور بعد الشروع قبل الركوع والسجود لما نذكره، وقوله. م: (ولم يبق إلا النساء والصبيان) ش: يعني لم ينفروا فلا يعتبر لبقائهم، لما يجيء عن قريب. م: (استقبل الظهر عند أبي حنيفة ﵀) ش: ولو بقي معه رجلان أو صبيان أو نساء. وقال الثوري: إن بقي معه رجلان صلى الجمعة، وبه قال أبو ثور، وإن بقي معه واحد يصلي الجمعة. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-. م: (إذا نفروا عنه) ش: أي عن الإمام. م: (بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة) ش: وإن بقي وحده. وبه قال المزني في قول. م: (فإن نفروا عنه) ش: أي عن الإمام. م: (بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا) ش: أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. م: (خلافا لزفر) ش: فعنده يصلي الظهر، وعند مالك إن انفضوا بعد الإحرام ويسر رجوعهم بنى على إحرامه أربعا وإلا جعلها نافلة وانتظرهم، وإن انفضوا بعد ركعة، قال أشهب وعبد الوهاب - رحمهما الله: يتمها جمعة، وهو اختيار المزني، وقال سحنون: هو كما بعد الإحرام فيشترط إلى الانتهاء. وقال إسحاق: إن بقي معه اثنا عشر صلى الجمعة. وظاهر كلام أحمد استدامة الأربعين. وقال النووي: لو أحرم بالأربعين المشروطة ثم انفضوا فعنه خمسة أقوال، أصحها يتمها ظهرا كالابتداء، وللمزني تخريجان: أحدهما: يتمها جمعة واحدة كقولهما. والثاني: إن صلى ركعة سجد فيها أتمها جمعة، وقيل: إن بقي معه واحدة أتمها جمعة، ونص عليه في القديم، وذكر ابن المنذر إن بقي معه اثنان لا يتمها جمعة وهو رواية البويطي. وقال صاحب " التقريب ": يحتمل أن يكتفي بالعبد والمسافر، وأقام الماوردي الصبي والمرأة مقامهما، فالحاصل بقاء الأربعين في كل الصلاة، هل هو شرط أم لا؟ قولان. فإن قلنا: لا، فهل شرط بقاء عدد أم لا؟ قولان، فإن قلنا، فهل يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا؟ قولان. فإن قلنا: نعم. فلم يشترط؟ قولان: أحدهما ثلاثة والآخر اثنان، فإذا أردت اختصار ذلك

стр. 1402

وهو يقول إنها شرط فلا بد من دوامها كالوقت، ولهما أن الجماعة شرط الانعقاد فلا يشترط دوامها كالخطبة، ــ [البناية] قلت: في المسألة خمسة أقوال: أحدها: يتمها ظهرا كيفما كان وهو الصحيح. والثاني: جمعة كيفما كان. والثالث: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو الأظهر. والرابع: إن بقي معه واحد أتمها جمعة. والخامس: إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام الركعة يسجد فيها أتم جمعة، وإلا أتمها ظهرا. م: (وهو يقول) ش: أي يقول زفر فيما ذهب إليه. م: (إنها) ش: أي إن الجمعة عنه. م: (شرط فلا بد من دوامها) ش: كما في سائر الشروط. م: (كالوقت) ش: فإن دوامه شرط لصحة الجمعة، فكذلك دوام الجماعة. م: (ولهما) ش: أي ولأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله-. م: (أن الجماعة شرط الانعقاد) ش: أي انعقاد الجمعة لا شرط الأداء. م: (فلا يشترط دوامها) ش: والدليل على ذلك أن المقتدي إذا أدرك ركعة من الجمعة يقضي الجمعة بالاتفاق، وكذا إذا أدرك التشهد عندهما، خلافا لمحمد ﵀ ثم حاجة المقتدي إلى الإمام فوق حاجة الإمام إلى المقتدي، لأن الإمام أصل، والمقتدي تبع، ودوام الإمام لم يحصل شرطا لصحة صلاة المقتدي حتى صح صلاة المسبوق في الجمعة، مع أن حاجة المقتدي أكبر، فلأن لا يجعل دوام المقتدي شرطا لصحة الإمام أولى. م: (كالخطبة) ش: وجه التشبيه هو كون كل واحد من الجماعة والخطبة شرطا لانعقاد الجمعة، ولكن دوام الخطبة ليس بشرط. فكذلك دوام الجماعة، ألا ترى أن الإمام بعدما كبر وسبقه الحدث فاستخلف من لم يشهد الخطبة أتم الجمعة، فكان استخلافه إياه بعد التكبير كاستخلافه بعد أداء ركعة، فهذا مثله، وفي " التجنيس ": خطب وفرغ منها فذهب القوم كلهم وجاء آخرون وصلى بهم أجزأه، لأنه خطب والقوم حضور، وصلى والقوم حضور فتحقق شرط جواز الخطبة. وعند الشافعي: يجب استئناف الخطبة ولو عاد بعد ذلك القوم ولم يطل الفصل لم يجب استئنافها، ولو طال الفصل ففيه خلاف بين أصحابه، قيل: يجب، وقيل: لا يجب، كذا في " شرح الوجيز " وفي " الأجناس ": لو خطب وحده أو بحضرة النساء لم يجز، وبه قال الشافعي، وعن أبي حنيفة - رحمهما الله: يجوز، والصحيح الأول، وعن أبي يوسف ﵀ لو خطب ولم يسمع الرجال جاز، ولا يضر تباعدهم، ولو خطب والقوم نيام أو صم جازت، ذكره في " الذخيرة "، ولو خطب بحضرة الإمام بغير إذنه لم يجز، والإذن بالخطبة إذن بالصلاة، وكذا الإذن بالصلاة إذن بالخطبة وقد سبق هذا ونظائره فيما سبق.

стр. 1403

ولأبي حنيفة ﵀ أن الانعقاد بالشروع في الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة، فلا بد من دوامها إليها بخلاف الخطبة لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها، ولا معتبر في بقاء النسوان وكذا الصبيان لأنه لا تنعقد بهم الجمعة فلا تتم بهم الجماعة، ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى. ــ [البناية] م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن الانعقاد بالشروع في الصلاة) ش: تقديره: أن أبا حنيفة يقول: المقدمة الأولى صحيحة، وهي كون الجماعة شرط الانعقاد، والانعقاد إنما هو بالشروع في الصلاة. م: (ولا يتم ذلك) ش: أي الشروع في الصلاة. م: (إلا بتمام الركعة، لأن ما دونها ليس بصلاة) ش: لكونه في محل الرفض، لأن ما دون الركعة معتبر من وجه دون وجه، فالأول فيما إذا يحرم ثم قطع يلزمه القضاء. والثاني: فيما إذا أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركا للركعة، وصلاة الجمعة تغيرت من الظهر إلى الجمعة، فلا تغير إلا بتعين ولا تعين إلا بوجود الركعة، والذي يأتي بركعة يأتي بأركان الصلاة ولا يبقى عليه إلا الركن المكرر، والمصلي ما لم يقيد بالسجدة مستفتح لكل ركن، مكان ذهاب الجماعة، قيل: قيدها بالسجدة كذهابهم قبل التكبير، بخلاف ما بعد تقييدها بالسجدة، فإنه مقيد للأركان لا يفتتح، فافهم، فإنه موضع دقيق. م: (فلا بد من دوامها إليها) ش: أي فلا بد من دوام الجماعة إلى الركعة أي إلى تمام الركعة، والفاء فيه نتيجة قوله: لأن ما دونها ليس بصلاة، وفي الحقيقة الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن لم يكن ما دون الركعة صلاة فلا بد من دوام الجماعة إلى تمام الركعة. م: (بخلاف الخطبة) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره بأن يقال: سلمنا أن الجماعة شرط دوام الخطبة إلى تلك الغاية، وتقدير الجواب هو قوله. م: (لأنها) ش: أي لأن الخطبة. م: (تنافي الصلاة) ش: لأنه حين توجد الخطبة لا توجد الصلاة، وحين توجد الصلاة لا توجد الخطبة، والمنافاة بين الشيئين عبارة عن عدم الاجتماع بينهما في محل واحد، في زمان واحد. م: (فلا يشترط دوامها) ش: أي دوام الخطبة إلى الركعة، والفاء فيه مثل الفاء فيما قبلها. م: (ولا معتبر في بقاء النسوان) ش: لأنه لا ينعقد بهن الجماعة، وهو متعلق بقوله إلا النساء والصبيان، بخلاف بقاء المسافرين وأصحاب الأعذار، ومن لم يشهد الخطبة. م: (وكذا الصبيان) ش: وكذا لا يعتبر بقاء الصبيان، وقد علل هذين الصنفين بقوله. م: (لأنه لا تنعقد بهم الجمعة فلا تم بهم الجماعة) ش: وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد، بخلاف ما إذا بقي خلفه من العبيد والمسافرين ثلاثة، حيث يصلي بهم الجمعة عندنا، خلافا للشافعي ﵀ وأحمد، فعندهما يصلي الإمام الظهر، لأنهما يشترطان أربعين رجلا أحرارا مقيمين كما ذكرنا. [من لا تجب عليه الجمعة] م: (ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى) ش: أما المسافر فلما

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] روى البيهقي من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض» وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد ذكرها البيهقي وغيره. وروى الحافظ في "سننه " عن تميم الدارمي ﵀ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة أو صبي أو مسافر أو عبد» . وقال ابن المنذر: وفي صلاة رسول الله ﷺ الظهر بعرفة، وكان يوم الجمعة دليل على أن لا جمعة على مسافر. قلت: هذا وهم منه، فإن عرفات مفازة، ولا تقام الجمعة في المفازة عند الأئمة الأربعة خلافا للظاهرية ولا يعتد بخلافهم، وحكي عن النخعي والزهري الوجوب على المسافر، وهو قول الظاهرية، وأما المرأة فلما روى أبو داود ﵀ في "سننه" من حديث طارق بن شهاب - رحمهما الله- عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» ، وقال أبو داود: وطارق بن شهاب - رحمهما الله - قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا. قلت: هذا غير قادح في صحة الحديث فإنه يكون مرسل صحابي وهو حجة، وكذا قال النووي في " الخلاصة "، والحديث قال على شرط الشيخين، انتهى. ورواه الحاكم في "مستدركه " عن هريم بن سفيان به، عن طارق بن شهاب عن أبي موسى مرفوعا، فقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا بهريم بن سفيان، ورواه ابن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فلم يذكر فيه أبا موسى، وطارق بن شهاب يعد في الصحابة، وذكر الذهبي في "تجريد الصحابة ": وطارق بن شهاب البجلي الأحمسي له رؤية ورواية، وقد صرح ابن الأثير في "جامع الأصول " بسماعه من النبي ﷺ . وفي " التهذيب " عن الزهري أنه صحابي أدرك الجاهلية، وصحب النبي ﷺ وعقد له المزني في أطراف "سننه ". وذكر له عدة أحاديث.

стр. 1405

لأن المسافر يحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى ــ [البناية] وأما المريض والعبد فللأحاديث المذكورة، وقال ابن المنذر: وجمهور أهل العلم على أنه لا جمعة على مسافر ولا عبد، وهو قول الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأهل المدينة والشافعي وأحمد - رحمهما الله- في إحدى الروايتين في العبد وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وعن الحسن أنها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، وقال في " الذخيرة ": في رواية ابن سفيان الوجوب على العبد عند مالك، وقال صاحب " الذخيرة ": وهي مردودة بالحديث. وأما الأعمى فلا تجب عليه الجمعة، سواء وجد قائدا أو لا، وكذا على المقعد والعاجز عن الوضوء والتوجه مع مساعد، وعندهما يجب عليهم مع وجود القائد والمساعد، وبه قال الشافعي ﵀. وذكر المرغيناني: العبد لو أذن له مولاه في الجمعة مخير، وفي " منية المفتي ": يجب عليه، وفي " المرغيناني ": في العبد الذي حضر باب الجامع مع مولاه يحفظ الدابة خلاف، والأصح أنه يصلي إذا لم يخل بحفظ دابته، والمكاتب يجب عليه، وقيل: لا يجب عليه، ومعتق البعض في حال سعايته، كذلك في " جوامع الفقه " والأجير يوما لا يذهب إلى الجمعة والجماعة إلا بإذن المستأجر، وكذا قاله أبو حفص الكبير. وقال أبو علي الدقاق: ليس له منعه في المصر عن حضور الجماعة، لكن يسقط الأجر بقسطه. وفي " المجتبى ": ولا تجب الجمعة على الأجير إلا بإذن المستأجر، أما العبد لو أذن له مولاه، فهو مخير بين الجمعة والظهر، والمختفي من السلطان الظالم يباح له أن لا يخرج إلى الجمعة والجماعة، وتسقط بعذر المطر والوحل. وفي " الذخيرة ": للمولى منع عبده من الجمعة والعيدين. م: (لأن المسافر يحرج في الحضور) ش: هذا إلى قوله: "فإن حضروا" - تعليل عقلي، ولم يذكر المصنف شيئا من الحجج النقلية، قوله: يحرج، من حرج يحرج، من باب علم يعلم، فقال: حرج فلان في أمره إذا استدل عليه، ويقال حرج أيضا إذا ضاق صدره، ويقال: مكان حرج بكسر الراء وفتحها أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، والحرج بفتح الراء أيضا الإثم، وقال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، والحرج الذي يلحق المسافر، إما عدم وجدان أجير يحفظ رحله إذا ذهب إلى الجمعة أو خوف انقطاعه عن رفقته. م: (وكذا المريض والأعمى) ش: وكذا يحرج الأعمى والمريض في الحضور إلى الجمعة، والحرج مرفوع شرعا.

стр. 1406

والعبد مشغول بخدمة المولى، والمرأة بخدمة الزوج، فعذروا دفعا للحرج والضرر، فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم عن فرض الوقت؛ لأنهم تحملوه فصاروا كالمسافر إذا صام، ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يؤم في الجمعة ــ [البناية] وفي " قنية المنية ": إن وجد المريض ما يركبه فهو كالأعمى على الخلاف إذا وجد قائدا، وقيل: لا يجب عليه اتفاقا كالمقعد، وقيل: وهو كالقادر على المشي، فيجب في قولهم، وهو الصحيح. قلت: ينبغي أن يكون الصحيح عدم الوجوب، لأن في إلزامه الركوب والذهاب إلى الجمعة زيادة المرض فلا يلزم بالحضور، والممرض قيل كالمريض والأصح أنه أن يبقى ضائقا بخروجه فهو عذر. م: (والعبد مشغول بخدمة المولى) ش: فإذا ألزم الحضور يحصل الضرر لمولاه بترك الخدمة، فصار كالحج والجهاد، بخلاف الصلاة المفروضة لأنه يؤديها بنفسه في زمان يسير فلا يلزم الضرر بالمولى، وكذا الصوم لأنه قادر على الجمع بينه، وبين خدمة المولى. م: (والمرأة بخدمة الزوج) ش: أي والمرأة مشغولة بخدمة الزوج، فإذا ألزمت بالحضور حصل الضرر. م: (فعذروا) ش: أي إذا كان كذلك فهم عذروا وهو على صيغة المجهول المبني للمفعول، والضمير فيه يرجع إلى المسافر والمرأة والمريض والعبد والأعمى. م: (دفعا للحرج والضرر) ش: أي لدفع المشقة، وهو نصب على التعليل. قوله: والضرر، يجوز أن يكون تفسيرا للحرج أو يكون الحرج في بعض هؤلاء، والضرر في بعضهم. م: (فإن حضروا) ش: أي فإن حضر هؤلاء المذكورين في يوم الجمعة إلى الصلاة. م: (وصلوا مع الناس أجزأهم عن فرض الوقت) ش: أي أجزأتهم الجمعة عن الظهر. وقال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافا. وقال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم على أن النساء لو صلين الجمعة يجزئهن عن الظهر، مع إجماعهم على أن لا جمعة عليهن، انتهى. وعن الحسن ﵁ قال: كان نساء المهاجرين يصلين الجمعة مع رسول الله يحتسبن بها من الظهر، ولأن هؤلاء من أهل الفرض والرخصة لهم في ترك السعي للعذر، فلما حضروا زال العذر وسقط الفرض. م: (لأنهم) ش: أي لأن هؤلاء المذكورين. م: (تحملوه) ش: أي الحرج. م: (فصاروا كالمسافر إذا صام) ش: في رمضان يسقط عنه الفرض، فكذا هؤلاء يسقط عنهم الفرض بحضورهم وصلاتهم الجمعة. [إمامة المسافر والعبد والمريض في الجمعة] م: (ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يؤم في الجمعة) ش: أي لكل واحد أن يؤم، وبه قال الشافعي ﵀ في أصح قوليه، وفي قول: إن كان صاحب العذر أحدا من أربعين رجلا

стр. 1407

وقال زفر ﵀: لا يجزئه؛ لأنه لا فرض عليه، فأشبه الصبي والمرأة. ولنا أن هذه رخصة، فإذا حضروا يقع فرضا على ما بيناه، أما الصبي فمسلوب الأهلية، والمرأة لا تصلح لإمامة الرجال. وتنعقد بهم الجمعة، لأنهم صلحوا للإمامة فيصلحون للاقتداء بطريق الأولى، ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته. وقال زفر ﵀: لا يجزئه. ــ [البناية] لا يجوز. وقال مالك: لا تصح إمامة العبد. وقال أحمد ﵀: لا يجوز خلف العبد والمسافر، وفي الحل منع ذلك من جواز إمامة المسافر في الجمعة، قيل: هو خطأ. م: (وقال زفر ﵀: لا يجزئه) ش: أي لا يجزئ كل واحد منهم أن يؤم. م: (لأنه لا فرض عليه) ش: أي فرض صلاة الجمعة. م: (فأشبه الصبي والمرأة) ش: في عدم جواز إمامتهما. وفي " جوامع الفقه " روى عن أبي يوسف مثل قول زفر. م: (ولنا أن هذه رخصة) ش: أي سقوط الجمعة عن المذكورين رخصة، وتأنيث الإشارة باعتبار الخبر، وإنما كان السقوط رخصة لهم دفعا للحرج. م: (فإن حضروا يقع فرضا) ش: يعني إذا تركوا الرخصة وحضورا وصلوا يقع ما صلوا عن فرض الوقت، لأن الإسقاط عنهم لدفع الحرج، والقول بعدم الجواز يؤدي إلى الحرج، وفيه فساد الوضع. م: (على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله: لأنهم تحملوه. م: (أما الصبي فمسلوب الأهلية) ش: جواب عن قول زفر: فأشبه الصبي، وتقريره: أن الصبي لا أهلية له لعدم البلوغ، فالقياس عليه لا يجوز. م: (والمرأة لا تصلح لإمامة الرجال) ش: هذا أيضا جواب عن قول زفر: فأشبه المرأة، وهو ظاهر. م: (وتنعقد بهم الجمعة) ش: هذه مسألة متبرأة، أي تنعقد بالمسافر والعبد والمريض الجمعة. م: (لأنهم صلحوا للإمامة فيصلحون للاقتداء بطريق الأولى) ش: لأن من جازت إمامته في الجمعة يعتد به في العدد، وفيه إشارة إلى رد قول الشافعي ﵀ أن هؤلاء لا تصلح إمامتهم، فلا يعتد بهم في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة. م: (ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام) ش: أي قبل أن يصلي الإمام الجمعة، قيد به لأنه إذا صلى الظهر في منزله بعدما صلى الإمام الجمعة جاز بالاتفاق. م: (ولا عذر له) ش: أي والحال أنه لا عذر له، قيد به لأن المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة إمام الجمعة يجوز بالاتفاق، والمعذور مثل المسافر والعبد والمريض والمرأة. م: (كره له ذلك) ش: أي ما فعله من صلاته في منزله قبل صلاة إمام الجمعة، وجه الكراهة مخالفة إمام الجمعة. م: (وجازت صلاته) ش: عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وابن نافع والشافعي ﵏ في القديم. م: (وقال زفر ﵀: لا يجزئه) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ -

стр. 1408

لأن عنده الجمعة هي الفريضة أصالة، والظهر كالبدل عنها، ولا مصير إلى البدل مع القدرة على الأصل. ولنا أن أصل الفرض هو الظهر في حق الكافة، هذا هو الظاهر. إلا أنه مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة، وهذا لأنه متمكن من أداء الظهر بنفسه دون الجمعة لتوقفها على شرائط لا تتم به وحده، وعلى التمكن يدور التكليف، ــ [البناية] في الجديد، وقال ابن المنذر: والفرض هو الذي في بيته إذا كان الإمام يؤخر الجمعة، وقال الحكم بن عيينة: يصلي معهم ويصنع الله ما يشاء. م: (لأن عنده) ش: أي لأن عند زفر. م: (الجمعة هي الفريضة أصالة) ش: أي من حيث الأصالة، لأنه مأمور بالسعي إليها منهي عن الاشتغال بالظهر ما لم يتحقق فوت الجمعة، وهذا صورة الأصل. م: (والظهر كالبدل عنها) ش: أي عن الجمعة. م: (ولا مصير إلى البدل مع القدرة على الأصل) ش: كالتيمم مع القدرة على الماء، وإنما قال: والظهر كالبدل عنها، ولم يقل: والظهر بدل عنها؛ لأن الأربع لا تكون بدلا عن الركعتين حقيقة. م: (ولنا أن أصل الفرض هو الظهر، في حق الكافة) ش: أي في حق الناس كافة. م: (هذا هو الظاهر) ش: أي كون أصل الفرض هو الظهر، ظاهر المذهب عند أصحابنا الثلاثة، وأشار به إلى أن في هذا اختلاف الرواية، ففي " الذخيرة ": فرض الوقت الظهر عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ وهو قول محمد ﵀ الأول، وفي قوله الآخر: الفرض أحدهما غير معين، وإنما يتعين بالفعل إلا أن الجمعة آكد من الظهر، وفي " الينابيع ": وقيل: الفرض أحدهما أو فرضها الجمعة، حتى لو صلاهما فالفرض هو الجمعة تقدمت أو تأخرت. وفي " المرغيناني " و" الولوالجي ": وقيل: الواجب كلاهما، ويسقطان بأداء الجمعة، وفي " المفيد " قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله-: فرض الوقت الظهر، لكن أمر غير المعذور بإسقاطه بالجمعة حتما والمعذور رخصة. وقال محمد ﵀: فرض الوقت الجمعة، لكن رخص له بإسقاطها بالظهر، ومثله في " المحيط "، وفي " الينابيع ": هو أصح أقواله، وعن محمد ﵀ أنه قال: لا أعلم فرض الوقت ما هو، وإنما الفرض ما استقر عليه فعله. م: (إلا أنه مأمور بإسقاطه) ش: أي إسقاط الظهر. م: (بأداء الجمعة) ش: عند وجود شرائطها. م: (وهذا) ش: أي ما ذكرنا من كون الظهر هو الأصل وكونه مأمورا بإسقاطه بأداء الجمعة. م: (لأنه) ش: أي لأن المكلف. م: (متمكن من أداء الظهر بنفسه) ش: أي وحده. م: (دون الجمعة) ش: أي غير متمكن من أداء الجمعة. م: (لتوقفها على شرائط) ش: خارجة عن قدرته؛ هي الإمام والخطبة والجماعة والمصر. م: (لا تتم) ش: تلك الشرائط. م: (به) ش: أي بالمكلف. م: (وحده) ش: من عدم قدرته عليهما. م: (وعلى التمكن يدور التكليف) ش: لأن مدار التكليف على الوسع بالنص، فدل ذلك أن الظهر هو فرض الوقت، لكن عليه إسقاطه بالجمعة عند وجود شرائطها كما ذكرنا، ألا ترى أن الجمعة إذا لم تصل حتى خرج الوقت يُقضى الظهر لا

стр. 1409

فإن بدا له أن يحضرها فتوجه إليها والإمام فيها بطل ظهره عند أبي حنيفة ﵀ بالسعي. ــ [البناية] الجمعة، فلو لم يكن فرض الوقت الظهر لم يقض الظهر بل الجمعة. وثمرة الخلاف بين محمد ﵀ وصاحبيه على غير ظاهر الرواية، فظهر فيمن تذكر أن عليه فجر يومه يخاف فوت الجمعة إن اشتغل بالفجر فعندهما لا تجزئه الجمعة، لأن فرض الوقت هو الظهر، فإذا ترك الجمعة أمكنه فعل الظهر من غير فوات، وعند محمد يصلي الجمعة لأن فرض الوقت هي الجمعة، فصار كالذي يذكر فجر يومه في آخر وقت الظهر، حيث يصلي الظهر لئلا يفوت فرض الوقت. م: (فإن بدا له أن يحضرها) ش: أي فات ظهر لهذا الذي صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له أن يحضر للجمعة. م: (فتوجه إليها) ش: إلى الجمعة. م: (والإمام فيها) ش: أي والحال أن الإمام في صلاة الجمعة لم يفرغ منها. م: (بطل ظهره) ش: الذي صلاه في منزله. م: (عند أبي حنيفة بالسعي) ش: أي بمجرد سعيه، سواء أدرك الإمام أو لا. وهاهنا قيدان: الأول: قوله: فإن بدا له أن يحضرها؛ لأنه إذا خرج لا يريد الجمعة لا يرتفض ظهره بالاتفاق. الثاني: قوله: فتوجه والإمام فيها لأنه إذا توجه بعد فراغ الإمام لا يرتفض ظهره بالاتفاق، وقد اختلفت عبارات كتب أصحابنا في هذا الباب. ففي " المحيط " لو توجه إليها والإمام لم يؤدها إلا أنه لا يُرْجَى إدراكها لبعد المسافة لم يبطل ظهره في قول أبي حنيفة ﵀ عند العراقيين، ويبطل عند البلخيين، وهو الصحيح. ولو توجه إليها ولم يصلها الإمام بعذر أو بغير عذر، اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنه لا يبطل، وعن الحلواني لو لم يخرج من البيت ولكن أداها قبل الخروج إذا كان البيت واسعا لم يبطل ما لم يجاوز العتبة، وقيل: يبطل إذا خطا خطوتين، وفي " التحفة ": هو على وجهين: الأولى: إن صلى معه أو أدركه في الصلاة بعدما فاته يبطل ظهره بلا خلاف. والثاني: حين سعى كان الإمام في الجمعة، لكن عند حضوره كان قد فرغ منها، فكذلك عنده، وعندهما لم ينقض ما لم يشرع معه. وفي " الأسبيجابي ": لو صلى الظهر في بيته ثم خرج إلى الجمعة وقد فرغ الإمام لا يرتفض الظهر في قولهم، ولو أنه حين خرج كان الإمام فيها، فلما انتهى إليه فرغ منها يرتفض عنده، خلافا لهما. وفي " المحيط " ذكر الطحاوي أنه إذا كان خروجه وفراغ الإمام معا لم ينقض ظهره، وفي " الينابيع": إذا توجه والإمام فيها أو لم يشرع بعد بطل ظهره. وفي " المبسوط ": يعتبر سعيه بعد انفصاله من داره. وفي " قنية المنية ": يرتفض الظهر عنده بأداء بعض الجمعة، وعندهما لا يرتفض ما لم يؤدها، هكذا روى الحسن، ومثله في " المحيط".

стр. 1410

وقالا: لا يبطل حتى يدخل مع الإمام؛ لأن السعي دون الظهر فلا ينقضه بعد تمامه، والجمعة فوقها فينقضها، وصار كما إذا توجه بعد فراغ الإمام، وله أن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة ــ [البناية] وفي " التحفة " و "المختلف ": لو صلى المعذور الظهر ثم أدرك الجمعة لا يبطل ظهره عند زفر، لأنه قدر على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل، وعندنا ينقض لأنه إذا أدى الجمعة كانت هي الفرض عليه فلا يبقى الظهر ضرورة للتنافي. وفي " خزانة الأكمل " عن أبي يوسف ﵀ صلى بقوم الظهر يوم الجمعة ثم دخل مع الإمام في صلاة الجمعة فصلى بعضها ثم أفسدها أجزأته الظهر في منزله، ولو أتمها مع الإمام انقلبت ظهره تطوعا وبقي للقوم فريضة، وكذا في " المحيط ". م: (وقالا: لا يبطل حتى يدخل مع الإمام) ش: كذا ذكروا قولهما في شرح " الجامع الصغير " وكذا ذكر أبو بكر الرازي، والأسبيجابي في شرحيهما " لمختصر الطحاوي "، وكذا ذكر القدوري في شرح " مختصر الكرخي " حيث قال: وقالا: يبطل الظهر حتى يكبر للجمعة، وهذا كله يدل على أن الظهر ينقض عندهما بمجرد الشروع مع الإمام، وذكر خواهر زاده في "مبسوطه" أن قولهما لا يرتفض الظهر ما لم يؤد الجمعة كلها، حتى إذا شرع في الجمعة مع الإمام ثم إنه تكلم قبل أن يتم الجمعة، فإنه يرتفض عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما لا يرتفض، ثم قال: هكذا ذكر الحسن في كتاب صلاته. م: (لأن السعي دون الظهر) ش: لأنه ليس مقصود بنفسه والظهر مقصود بنفسه. م: (فلا ينقضه بعد تمامه) ش: أي فلا ينقض السعي الظهر بعد تمام الظهر لأن الأعلى لا ينتقض بالأدنى. م: (والجمعة فوقها) ش: أي فوق الظهر، وإنما أنث الظهر باعتبار الصلاة. م: (فينقضها) ش: أي إذا كانت الجمعة فوق صلاة الظهر فتنقض صلاة الظهر، لأنا أمرنا بإسقاط الظهر بالجمعة فجاز أن ينقضه. م: (وصار) ش: أي هذا الذي بدا له أي يتوجه والإمام فيها ولم يدخل معه. م: (كما إذا توجه بعد فراغ الإمام) ش: من صلاة الجمعة فإنه لا يبطل ظهره بالاتفاق. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀. م: (أن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة) ش: لأنه من الفروض المختصة بالجمعة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (٩: الجمعة) ، وقد نُهِيَ عن السعي في سائر الصلوات، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» ، رواه الأئمة الستة وغيرهم. وذكر في " الأسرار " أن وجه كون السعي من خصائص الجمعة هو أن صلاة الجمعة صلاة خصت بمكان، لا يمكن الإقامة إلا بالسعي إليها، فصار السعي مخصوصا به دون سائر

стр. 1411

فينزل منزلتها في حق ارتفاض الظهر احتياطا، بخلاف ما بعد الفراغ منها لأنه ليس بسعي إليها. ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة في المصر، ــ [البناية] الصلوات، فإنه يصح أداؤها في كل مكان، فإذا صار من خصائص الجمعة شرعا أشبه الاشتغال به الاشتغال بركن منها، والشخص إذا تشاغل بالجمعة بطل الظهر. فإن قلت: كيف لا يبطل الظهر إذا توضأ يريد الجمعة والطهارة من فروضها. قلت: سلمنا أنها من فروضها ولكن ليست من الفروض المختصة بها، واعترض على أصل أبي حنيفة ﵀ بمسألة القارن، فإنه إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف بعمرته يصير رافضا لها، ولو سعى إلى عرفات لا يصير به رافضا للعمرة. وأجيب بأن في العمرة روايتان ذكرهما أبو بكر الرازي: أحدهما: رافضا لعمرته بمجرد التوجه كما في السعي إلى الجمعة فلا يرد الاعتراض، والأخرى: أنه لا يكون رافضا لعمرته حتى يقف بها وهي الرواية المشهورة، ووجه الفرق أن الأمر وارد برفض الظهر بخلاف رفض العمرة، فإنه حرام، فلم تجز إقامة التوجه مقام الوقوف. فإن قلت: الظهر قوي؛ لأنه حسن لمعنى في نفسه، والسعي ضعيف؛ لأنه بمعنى في غيره، فلا ينقض الضعيف القوي. قلت: لما قام السعي مقام الجمعة اعتبر فيه صفة الجمعة لا صفة نفسه، كالتراب لما قام مقام الماء اعتبر فيه صفة الماء لا صفة نفسه، فلما قام مقام القوي صار هو قويا في نفسه. فإن قلت: السعي الموصل إلى الجمعة مأمور به، والسعي الذي لا يدرك به الجمعة غير موصل فيجب أن لا تبطل به الظهر. قلت: الحكم به دائر بين الإمكان لكون الإمام في الجمعة، والإدراك ممكن في الجمعة بإنذار أهل إياه بالإدراك. م: (فينزل منزلتها) ش: أي فإذا كان الأمر كذلك فنزل السعي منزلة الجمعة. م: (في حق ارتفاض الظهر احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط، إذ الأقوى يحتاط في إثباته، ما لا يحتاط في إثبات الأضعف. م: (بخلاف ما بعد الفراغ منها) ش: هذا جواب عن قياسهما، أي بخلاف إدراكه بعد فراغ الإمام من الجمعة. م: (لأنه ليس بسعي إليها) ش: أي إلى الجمعة فلا يبطل الظهر، وما قيل أن السعي المذكور في النص نفس الشيء لا المشي بصفة العدو والإسراع لا يخلو عن نظر، وهو موضع التأمل. وفي " العتبية ": سرعة المشي والعدو غير واجب عندنا وعامة الفقهاء، واختلف في استحبابه، والأصح أن يمشي على السكينة والوقار. [صلاة المعذورين الظهر بجماعة يوم الجمعة في المصر] م: (ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة في المصر) ش: وقال الشافعي ﵀: لا يكره لهم ذلك، بل هو أفضل كما في سائر الأيام، ولكنهم يخفونها حتى إن من رآهم لا يظنهم راغبين عن الإمام. وفي " الحلية " قال الشافعي ﵀: المستحب لأصحاب

стр. 1412

وكذا أهل السجن، لما فيه من الإخلال بالجمعة، إذ هي جامعة للجماعات، والمعذور قد يقتدي به غيره بخلاف أهل السواد؛ لأنه لا جمعة عليهم، ــ [البناية] الأعذار أن يؤخروا الظهر بجماعة إلى فوات الجمعة ثم يصلونها، ولكن يجب عليهم إخفاؤها لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام. وفي " شرح الوجيز " فيه وجهان: أحدهما: لا يستحب، لأن الجماعة في هذا اليوم الجمعة، وهو قول مالك وأبي حنيفة -رحمهما الله- وأصحهما أنه يستحب، وبه قال أحمد والثوري، ولو صلى المعذور ظهره في بيته ثم حضر وصلى الجمعة فجمعته تطوع في الجديد، وبه قال زفر. وقال الشافعي ﵀ في القديم: يحتسب الله تعالى بأيتها شاء. وفي " الغاية ": ولو صلى المعذورون الظهر أجزأهم، وكرهه الحسن وأبو قلابة كقولنا، وقال قوم: يصلون جماعة، روي ذلك عن ابن مسعود. وقال الثوري: وربما فعلته أنا والأعمش، وبه قال إياس بن معاوية وأحمد وإسحاق. م: (وكذا أهل السجن) ش: أي وكذا يكره لأهل السجن إذا صلوا الظهر يوم الجمعة بجماعة، ورخص مالك ﵀ لأهل السجن والمسافرين والمرضى أن يجمعوا، واختلف قوله في القديم: تفوتهم الجمعة، فحكى ابن القاسم عنه أنهم يصلون أفرادا أربعا. وفي " جوامع الفقه ": أصحاب الأعذار، ومن لا تجب عليه الجمعة إذا صلوا الظهر بلا أذان ولا إقامة فرادى من غير جماعة كان أحسن. وفي " خزانة الأكمل ": يصلي المعذور بأذان وإقامة في بيته. وفي " الولوالجي ": لا يؤذن ولا يقيم في السجن وغيره كصلاة الظهر. وفي " المبسوط ": لو صلى الإمام الظهر بأهل المصر جازت صلاتهم وقد أساءوا. وفي " المرغيناني ": إذا منع الإمام أهل المصر أن يجمعوا لا يجمعون، وقال أبو جعفر: هذا إذا منعهم باجتهاد، وأراد أن يخرج تلك البقعة أن تكون مصرا، فأما إذا نهاهم تعنتا أو إضرارا بهم، فلهم أن يجمعوا على من يصلي بهم، وزعم أبو إسحاق المروزي من الشافعية ﵏ أنها تصح على كلا القولين ولم يوافقوا عليه. م: (لما فيه) ش: أي لما في الفعل المذكور وهو صلاة المعذورين الظهر بجماعة، وصلاة أهل السجن كذلك. م: (من الإخلال بالجمعة إذ هي جامعة للجماعات) ش: كلمة إذ للتعليل، وهي ترجع إلى الجمعة. م: (والمعذور قد يقتدي به غيره) ش: أي غير المعذور فلا يذهب إلى الجمعة فيخل بالجمعة. م: (بخلاف أهل السواد) ش: وهم أهل القرى. م: (لأنه لا جمعة عليهم) ش: وكذا أهل المفاوز الذين يسقط عنهم شهود الجمعة، لأن يوم الجمعة في حقهم كسائر الأيام، وَيَعْرَى صُنْعُهُمْ عَنْ شُبَهِ مخالفة الإمام والسواد الأعظم. م: (وإن فعلوا ذلك) ش: أي وإن فعل المعذورون الصلاة بالجماعة.

стр. 1413

ولو صلى قوم أجزأهم لاستجماع شرائطه. ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدركه وبنى عليها الجمعة، لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» ، وإن كان أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة عندهما. ــ [البناية] م: (ولو صلى قوم أجزأهم) ش: فعليهم ذلك. م: (لاستجماع شرائطه) ش: الضمير في شرائطه يرجع إلى الفعل الذي دل عليه قوله- فإن فعلوا - المراد بالفعل هو صلاتهم بالجماعة. [حكم المسبوق في صلاة الجمعة] م: (ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدركه) ش: سواء أدركه في الركعة الأولى أو في الثانية. م: (وبنى عليها الجمعة) ش: أي على ما أدركه كسائر الصلوات. م: (لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» ش: هذا الحديث رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ولفظ الجميع فيه "فأتموا» ، ولفظ المصنف أخرجه أحمد في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) عن سفيان بن عيينة عن الزهري وغيره، وقال أبو داود: قال فيه ابن عيينة وحده: فاقضوا، وقال البيهقي: لا أعلم أحدا روى عن الزهري "فاقضوا" إلا ابن عيينة وحده وأخطأ. قلت: في كل ما قالوا نظر، فقد رواه أحمد في (مسنده) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به، وقال: فاقضوا، ورواه البخاري في كتابه المفرد في الأدب من حديث الليث عن الزهري به، وقال: فاقضوا، ومن حديث سليمان عن الزهري به نحوه، ومن حديث الليث عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد، وعن أبي هريرة كذلك، ورواه أبو نعيم في " المستخرج " عن أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب عن الزهري به نحوه، فقد تابع ابن عيينة جماعة. فإن قلت: هل فرق بين "أتموا" وبين "فاقضوا" في الاستدلال. قلت: استدل ب "أتموا" من قال: إن الذي يدركه المأموم هو أول صلاته، واستدل ب "فاقضوا" من قال: إن الذي يدركه هو آخر صلاته. وقال صاحب " التنقيح ": والصواب عدم الفرق، فإن القضاء هو الإتمام في عرف الشارع، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] [البقرة الآية: ٢٠٠] ، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] . م: (وإن كان أدركه في التشهد) ش: أي وإن أدرك الإمام حال كونه في التشهد. م: (أو في سجود السهو) ش: أي إذا أدرك الإمام حال كونه في سجود السهو. م: (بنى عليها الجمعة) ش: أي بنى على صلاة الإمام الجمعة، معناه يصلي ركعتين. م: (عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- وقال ابن المنذر: وهو قول النخعي، والحكم بن عتيبة وحماد وداود.

стр. 1414

وقال محمد ﵀ إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر؛ لأنه جمعة من وجه، ظهر من وجه، لفوات بعض الشرائط في حقه، فيصلي أربعا اعتبارا للظهر، ــ [البناية] م: (وقال محمد ﵀: إن أدرك معه) ش: أي مع الإمام. م: (أكثر الركعة الثانية) ش: أراد بأكثر الركعة الثانية، أدرك في الركوع. م: (بنى عليها الجمعة) ش: أي على صلاة الإمام الجمعة، يعني يصلي ركعتين. م: (وإن أدرك أقلها) ش: أي أقل الركعة الثانية بأن أدرك بعد ركوع الثانية. م: (بنى عليها الظهر) ش: يعني بنى على الجمعة التي صلاها الإمام صلاة الظهر، يعني يصلي أربع ركعات، وبقول محمد قال الزهري وزفر والشافعي ومالك وأحمد ﵏ وجعل النووي قول أبي يوسف ﵀ معهم، وهو غلط. وقال النووي في "شرح المهذب ": وإن أدركه بعدما رفع الإمام رأسه لم يدرك الجمعة بلا خلاف عندهم، وفي كيفية نيته وجهان، أحدهما ينوي الظهر لأنه الذي يؤديه به وأصحهما، وبه قطع الروياني في " الحلية " ينوي الجمعة موافقة للإمام. قلت: يبعد أن يصلي الظهر بنية الجمعة، وهذا لو نوى الظهر في الابتداء لا يصح، وعند أحمد على ما اختاره الحربي ينوي ظهرا، ولو نوى الجمعة لا يجزئه. وقيل: ينوي جمعة حتى يخالف الإمام. فإن قلت: ذكر في المنافع والحواشي أنه ينوي الجمعة بالإجماع. قلت: هو محمول على اتفاق أصحابنا، فكيف يكون إجماعا، وفيه خلاف للشافعية والحنابلة. فإن قلت: كيف جعل الركوع أكثر الركعة الثانية؟ قلت: لأن الأصل في الصلاة الأفعال وأكثرها هو الركوع والسجود. فإن قلت: لم يقل المصنف وإن أدرك معه الركعة الثانية. قلت: لئلا يتوهم أنه إذا أدرك القيام يبني عليه الجمعة، وإلا فلا، فيكون هذا بيانا لثلاث مسائل، وهي إدراكه في القيام قبل القراءة، وفيه بعد القراءة، وفي الركوع وبيان أنه لو أدركه في القومة لا يبني على الجمعة لعدم إدراك الأكثر، والسجود الذي يأتي به مع الإمام لا يعتد به. م: (لأنه جمعة من وجه، ظهر من وجه) ش: أما كونه جمعة من وجه فباعتبار ما وجد من شرائط الجمعة فيما أدرك التحريمة والجماعة والإمام، وأما كونه ظهرا من وجه فباعتبار ما عدم من الشرائط فيما يقضى كالجماعة والإمام. م: (لفوات بعض الشرائط في حقه) ش: أي في حق هذا الذي أدرك أقل الجمعة وهو الجماعة، والإمام كما ذكرنا. م: (فيصلي أربعا) ش: أي إذا كان كذلك يصلي أربع ركعات. م: (اعتبارا للظهر) ش: أي يعتبر اعتبارا لجانب الظهر.

стр. 1415

ويقعد لا محالة على رأس الركعتين اعتبارا للجمعة، ويقرأ في الأخريين لاحتمال النفلية، ولهما أنه مدرك للجمعة في هذه الحالة، حتى يشترط نية الجمعة وهي ركعتان، ولا وجه لما ذكره؛ لأنهما مختلفان فلا يبنى أحدهما على تحريمة الأخرى. ــ [البناية] م: (ويقعد لا محالة) ش: بفتح الميم، معناه هنا لا بد، والميم زائدة، فعلى هذا يجوز أن يكون المحيلة وهو الحيلة وأن يكون الحول وهو القوة والحركة، وعلى كل حال وزنها مفعلة. م: (على رأس الركعتين) ش: وهما اللتان الكاملتان للإمام. م: (اعتبارا للجمعة) ش: أي نظرا لجانب الجمعة، والحاصل أنه يعمل بالشبهين ولزوم القعدة الأولى، رواه الطحاوي عن محمد كما هو لازم للإمام، وفي رواية المعلى عنه لا تلزمه القعدة الأولى لأنها ظاهر من وجه فلا تكون القعدة الأولى واجبة. وقيل وجوبها للاحتياط. قلت: فقال السرخسي: هذا الاحتياط لا معنى له، فإنه إن كان ظهرا فلا يمكنه بناؤها على تحريمة عقدها للجمعة، ولهذا لو دخل وقت العصر وهو في الجمعة يستقبل الظهر، ولا يبنيه على تحريمة الجمعة، وإن كان جمعة فالجمعة لا تكون أربعا، وفي " المرغيناني " روي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير أنه قال لمحمد ﵀ يصير مؤديا للظهر بتحريمة الجمعة وقد جاءت به الآثار. وفي " المنتقى " مسافر أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد صلى أربعا بالتكبير الذي دخل معه ولم يجده خلافا، وقالت طائفة: من لم يدرك الخطبة صلى أربعا، روي هذا القول عن عطاء وطاووس ومكحول ومجاهد، محكي عن عمر ﵁ لفوات الشرط وهو الخطبة في حقه، قيل لابن سيرين: إن من لم يدرك الخطبة صلى أربعا وهو قول أهل مكة، فقال: ليس لهذا معنى. م: (ويقرأ في الأخريين) ش: أي ويقرأ ما تجوز به الصلاة في الركعتين الأخريين اللتين يصليهما هذا المسبوق للاحتياط. م: (لاحتمال النفلية) ش: أي لاحتمال كون ما بين الركعتين نفلا؛ لأنا ذكرنا أن فيه شبهين، فكان في ذلك إعمال الدليلين، وهو أولى من إهمال أحدهما. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. م: (أنه) ش: أي أن هذا المدرك لأقل الركعة الثانية. م: (مدرك للجمعة في هذه الحالة) ش: وهي الحالة التي أدرك الإمام فيها. م: (حتى يشترط نية الجمعة) ش: حتى لو نوى غيرها لا يصح. م: (وهي ركعتان ولا وجه لما ذكره) ش: أي لا وجه لما ذكره محمد من قوله؛ لأنه جمعة من وجه ظهر من وجه ... إلى آخره. م: (لأنهما) ش: أي لأن الجمعة والظهر. م: (مختلفان) ش: حقيقة وحكما، لأن الجمعة ركعتان، فيشترط فيها ما لا يشترط في الظهر، والظهر أربع ركعات، فالأربع خلاف الاثنين، فإذا كان كذلك. م: (فلا يُبنى أحدهما على تحريمة الأخرى) ش: للاختلاف بينهما. فإن قلت: فيما ذكراه تحريمة الجمعة مع عدم شرطها، وذلك فاسد. قلت: وجوده في حق

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الإمام جعل وجودها في حق المسبوق، كما في القراءة. فإن قلت: ذكر المصنف قوله ﵇: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» . قلت: وهو حديث صحيح في معرض الاستدلال لأبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- فما وجه قوله بعد ذلك، ولهما أنه مدرك للجمعة إلخ. قلت: لا مانع من ذلك؛ لأنه يجوز الاستدلال على مطلوب واحد بالمنقول والمعقول، بل هو أقوى، أو نقول: كان الأول استدلالا على ما إذا كان الذي أدركه أكثر، وذلك متفق عليه، فحينئذ ليس الاستدلال لهما فقط بل لهم جميعا، وكون الحديث يدل على المطلوب الثاني لهما أيضا لا ينافيه. وهاهنا بحث ذكره الشراح، فقال السغناقي: واحتج من خالف، أراد من خالف أبا حنيفة ﵀ وأبا يوسف في المسألة المذكورة بما روي عن الزهري بإسناده عن أبي هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسا صلى أربعا» . وقال الأترازي: قال الشيخ أبو نصر البغدادي: ذكر الدارقطني أن النبي ﷺ قال: «من أدرك الإمام جلوسا قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة» . وقال صاحب " الدراية ": لهم -أي: لمحمد ومن تبعه- في المسألة المذكورة ما روى الزهري بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى، وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا» . وقال الأكمل أيضا: يعني ما ذكره صاحب " الدراية "، ثم أجاب السغناقي بقوله، قلنا: لا يصح التعليق بهذا الحديث، لأن لفظ الجمعة مع قوله وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا، إنما نقله ضعفاء أصحاب الزهري، هكذا قاله الحاكم الشهيد، وأما الثقات من أصحابه كمعمر والأوزاعي، ومالك روى عن الزهري: من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها، فأما إذا أدرك ما دونها، فما حكمه؟ فهو مسكوت عنه، فكان موقوفا على قيام الدليل، وقد قام، وهو ما روي من قوله- ﵇: «ما أدركتم فصلوا» ... " الحديث. وأجاب الأترازي بما قاله السغناقي وزاد قوله والحديث مذكور في السير هكذا، وقال معمر عن الزهري: ما أرى الجمعة إلا من الصلاة، إن أدرك منها ركعة فقد أدركها، وإن أدرك ما دونها

стр. 1417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] صلى أربعا، ولو كان عنده نص في الجمعة لم يحتج إلى الرأي، ولئن صح عن النبي ﵇ قوله: «وإن أدركهم جلوسا» فمعناه أدركهم جلوسا بعد الصلاة قبل الانصراف، لأنه لم يقل في الصلاة، وأجاب الأكمل وصاحب " الدراية " أيضا بما ذكره السغناقي، وكل منهم لم يحرر الحديث، وقلد بعضهم بعضا، وليس هذا دأب شراح الكتب الموضوعة على الأحاديث النبوية، فنقول وبالله التوفيق: هذا الحديث له طرق: منها ما رواه الدارقطني من حديث ياسين بن معاذ عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخيرة فليصل الظهر أربعا» ، وياسين ضعيف متروك. ومنها ما رواه الدارقطني أيضا من حديث سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: «إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، فإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى، وإن لم يدرك ركعة فليصل أربع ركعات» ، وهذا أيضا من رواية ياسين. ومنها ما رواه الدارقطني أيضا من حديث سليمان بن أبي داود الحراني عن الزهري عن سعيد وحده مثل اللفظ الأول، وسليمان متروك. ومنها ما رواه الدارقطني أيضا من حديث صالح بن أبي الأخضر عن أبي سلمة وحده نحو الأول، وصالح ضعيف. ومنها ما رواه ابن ماجه: حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عمر بن حبيب، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى» ، وعمر بن حبيب متروك، ورواه الدارقطني أيضا من رواية الحجاج بن أرطاة، وعبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة كذلك، ولم

стр. 1418

وإذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته. قال ﵁: وهذا عند أبي حنيفة ﵀. ــ [البناية] يذكروا كلهم الزيادة التي فيه من قوله «ومن لم يدرك الركعة الأخيرة فليصل الظهر أربعا» إلا لبدئه بإدراك الركوع، وأحسن طرق هذا الحديث رواية الأوزاعي على ما فيها من تدليس الوليد. وقد قال ابن حبان في "صحيحه": إنها كلها معلولة، وقال ابن أبي حاتم في " العلل " عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث وله طرق أخرى من غير طريق الزهري، رواه الدارقطني من حديث داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفيه يحيى بن راشد البراء وهو ضعيف. وقال الدارقطني في " العلل ": حديثه غير محفوظ. وقد روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه عن سعيد بن المسيب، قوله: وهو أشبه بالصواب، وفي هذا الباب عن ابن عمر ﵄ رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني من حديث شعبة، حدثني يونس بن الزبير عن الزهري، وأما قوله «من صلاة الجمعة» فوهم، وذكر الأترازي وقال: وروى خواهر زاده في "مبسوطه" عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة» ، انتهى قلت: هذا ليس له أصل ولا ذكره أحد من أئمة الحديث، والعجب من الأترازي أن هذا طريق مظلم كيف يمشي عليه. م: (وإذا خرج الإمام يوم الجمعة) ش: يعني إذا خرج من منزله أو من بيت الخطابة لأجل الخطبة، ويقال: المراد بخروجه صعوده على المنبر. م: (ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته) ش: وبه قال مالك، وقيد بالكلام لأن الصلاة في هذين الوقتين تكره بالإجماع أي صلاة التطوع. م: (قال ﵀) ش: أي قال "المصنف": إذا خرج الإمام، إلى هنا من كلام القدوري، وأشار "المصنف" بأن هذا قول أبي حنيفة، وقال. م: (وهذا) ش: القول. م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي وهذا الذي ذكره من كراهة الصلاة والكلام وقت خروج الإمام عند أبي حنيفة ﵀ واختلفوا على قوله، فقال بعضهم: يكره كلام الناس، أما التسبيح وأشباهه فلا يكره. وقال بعضهم: يكره ذلك، والأول أصح، وعند الشافعي ﵀ يصلي تحية المسجد في حال الخطبة، وبه قال أحمد.

стр. 1419

وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب، وإذا نزل قبل أن يكبر؛ لأن الكراهة للإخلال بفرض الاستماع، ولا استماع هنا، بخلاف الصلاة، لأنها قد تمتد. ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ : «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام» . ــ [البناية] وقال ابن المنذر: اختلفوا فيمن دخل المسجد والإمام يخطب، فقال الحسن: يصلي ركعتين، وبه قال مكحول وابن عيينة والمغيرة والشافعي وابن حنبل ﵏ وإسحاق وأبو ثور وطائفة من المحدثين، وعندنا يجلس ولا يصلي. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء وصالح وعروة وقتادة والنخعي، وقال ابن حنبل ﵏: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست. وقال الأوزاعي: إن كان ركعها في بيته ثم دخل المسجد والإمام يخطب قعد ولم يركع، وإن لم يكن، ركعها إذا دخل المسجد. وقال ابن بطال في " شرح البخاري ": والمنع قول الجمهور من أهل العلم، وذكره ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس ﵃. م: (وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب) ش: وبه قال الشافعي وأحمد -رحمهما الله- وفي "جوامع الفقه " عند أبي يوسف ﵀ يباح الكلام عند جلوسه إذا مكث، وعند محمد لا يباح، وقوله: "قبل أن يخطب" يتعلق بقوله: "لا بأس بالكلام"، لا بقوله: "خرج" لفساد المعنى. م: (وإذا نزل قبل أن يكبر) ش: أي ولا بأس بالكلام أيضا إذا نزل الخطيب من المنبر قبل أن يكبر للصلاة. م: (لأن الكراهة للإخلال بفرض الاستماع) ش: أي لأن كراهة الكلام لأجل الإخلال بفرض استماع الخطبة، وعند خروجه قبل الشروع في الخطبة، وعند نزوله قبل شروعه في الصلاة لا يلزم ذلك. م: (ولا استماع هنا) ش: أي ولا استماع للخطبة في الحالتين المذكورتين. م: (بخلاف الصلاة لأنها قد تمتد) ش: أي قد تطول فيفضي إلى الإخلال ولا يمكن قطعها بخلاف الكلام، لأنه يمكن قطعه متى شاء. م: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله- ﵇ «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام» ش: لم يتعرض أحد من الشراح لحال هذا الحديث غير أن الأترازي قال: روى خواهر زاده في "مبسوطه" عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام» . " قلت: هذا غريب مرفوعا، ولهذا قال البيهقي: رفعه وَهْمٌ فاحش، إنما هو من كلام الزهري، رواه مالك في " الموطأ " عن الزهري، قال: خروجه يقطع الصلاة وكلامه يقطع

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الكلام، وعن مالك رواه محمد بن الحسن في "موطئه". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃ أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام. وأخرج عن عروة قال: إذا قعد الإمام على المنبر فلا صلاة. وعن الزهري قال في الرجل يجيء يوم الجمعة والإمام يخطب يجلس ولا يصلي. وقال في " المبسوط ": استدل أبو حنيفة ﵀ بما روي أنه ﵇ قال: «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد يكتبون القوم الأول فالأول، إلى أن قال: فإذا خرج الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر، وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، فأما إذا كانوا يتكلمون فهم يكتبون، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] [سورة ق، الآية: ١٨] » انتهى. وروى الطحاوي من حديث عوف بن قيس «عن أبي الدرداء أنه قال: "جلس رسول الله ﷺ في يوم الجمعة على المنبر يخطب الناس، فتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعب ﵀ فقلت له: يا أبي متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر، قال: ما لك من جمعتك إلا ما لغوت، ثم انصرف رسول الله ﷺ فجئته فأخبرته، فقلت: يا رسول الله إنك تلوت آية وإلى جنبي أبي بن كعب، فسألته: متى نزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني حتى إذا نزلت زعم أنه ليس لي من جمعتي إلا ما لغوت، فقال: صدق، فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى ينصرف» . وأخرجه أحمد أيضا في "مسنده" نحوه، غير أن في لفظه «فأنصت حتى يفرغ".» وأخرج البيهقي من حديث عطاء بن يسار «عن أبي ذر، قال: "دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلست قريبا من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة، فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟ فحصر ولم يكلمني، فلما صلى رسول الله ﷺ صلاته، قلت لأبي: إني سألتك فنجهتني ولم تكلمني، فقال أبي: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهبت إلى النبي، فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى أنزلت هذه السورة؟ فنجهني ولم يكلمني ثم قال: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال النبي ﷺ : صدق أبي» .

стр. 1421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ثم قال البيهقي: ورواه عبد الله بن جعفر عن شريك عن عطاء عن أبي الدرداء عن أبي بن كعب، وجعل القصة بينهما، ورواه حرب بن قيس عن أبي الدرداء وجعل القصة بينه وبين أبي، ورواه عيسى بن جارية عن جابر بن عبد الله، فذكر معناها بين ابن مسعود وبين أبي بن كعب، ورواه الحكم عن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، فجعل معنى هذه القصة بين رجل غير مسمى وبين ابن مسعود، انتهى. قلت: هذا مرسل؛ لأن عطاء بن يسار لم يدرك أبا ذر، وأخرجه ابن ماجه بوجه آخر من حديث عطاء بن يسار «عن أبي بن كعب أن رسول الله- ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكر بأيام الله، وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني، فقال: متى أنزلت هذه السورة، إني لم أسمع بها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا، قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال أبي: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال أبي، فقال رسول الله ﷺ : صدق أبي» . وأخرج الطحاوي من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة فقرأ سورة، فقال أبو ذر لأبي بن كعب: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال أبي لأبي ذر: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فدخل أبو ذر على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ صدق أبي» . وأخرجه الطيالسي في "مسنده" والبيهقي في "سننه" من طريقه، وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث الشعبي «أن أبا ذر والزبير بن العوام سمع أحدهما من النبي ﷺ أنه يقرأ وهو على المنبر يوم الجمعة، قال: فقال لصاحبه: متى أنزلت هذه الآية؟ قال: فلما قضى صلاته قال له عمر بن الخطاب ﵁: لا جمعة لك، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "صدق عمر ". ﵁.» فإن قلت: يشكل على مسألة الصلاة حديث سليك الغطفاني، أخرجه الأئمة الستة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله «أن رجلا جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: صل ركعتين وتجوز فيهما، وزاد فيه مسلم وقال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، ويتجوز فيهما، وزاد فيه ابن حبان في "صحيحه "، وقال له: لا تعذر لمثل ذلك» قال ابن حبان: يريد الإبطاء لا الصلاة، بدليل أنه جاز في الجمعة الثانية نحوه، فأمره بركعتين مثلهما.

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قلت: أجيب عنه بأجوبة: أحدهما: أن حديث سليك هذا محمول على ما قبل النهي عن الكلام في الخطبة، وكان الكلام مباحا في الصلاة والخطبة أيضا. والثاني: أنه ﵇ كان إماما وخطيبا، فلا بأس له أن يتكلم، لأنه يخطب والخطبة من أولها إلى آخرها كلام. الثالث: أنه كان قبل الأمر بالاستماع والإنصات المأمورين. الرابع: يحتمل أنه كان أمره بذلك بعد قطع الخطبة لإرادة تعليمه الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف خطبته بعد ذلك. فإن قلت: روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم وعن أسعار السوق ثم يصلي» وعن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا إذا صعدا المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق. قلت: حديث أنس كان في ابتداء الإسلام حين كان الكلام مباحا في الصلاة، وأما حديث عمر وعثمان ﵄ فمعارض بحديث ابن عمر وابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا نمير عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة يوم الجمعة بعد خروج الإمام، وقال ابن عبد البر: كان ابن عباس وابن عمر يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالف لهما. فإن قلت: جاء في الحديث أن الدعاء يستجاب وقت الإقامة في يوم الجمعة، فكيف يسكت عند أبي حنيفة ﵀. قلت: يقرأ الدعاء بقلبه لا بلسانه، ثم إذا اشتغل الإمام بالخطبة ينبغي للمستمع أن يجتنب بما يجتنب في الصلاة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] [الأعراف، الآية: ٢٠٤] وقوله ﵇: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» وهذا الحديث رواه أبو هريرة وأخرجه عنه الأئمة الستة ما خلا الترمذي، فإذا كان كذلك يكره له رد السلام وتشميت العاطس، إلا في القول الجديد للشافعي ﵀ فإنه يرد ويشمت، قال شيخ الإسلام: والأصح أنه يشمت، والاستماع من أول الخطبة إلى آخرها وإن كان فيها ذكر الولاة والديوان من الإمام. وفي "المجتبى": قيل: وجوب الاستماع مخصوص بزمان الوحي، وقيل: في الخطبة الأولى دون الثانية لما فيها من مدح الظلمة. وعن أبي حنيفة: إذا سلم عليه يرد بقلبه، وعن أبي يوسف: يرد السلام ويشمت العاطس فيها، وعن محمد: يرد ويشمت بعد الخطبة، وقيل: الإشارة بيده ورأسه عند رؤية المنكر يكره، والأصح أنه لا بأس به، ويصلي على النبي ﷺ عند ذكره- ﵇ في قلبه. واختلف المتأخرون فيمن كان بعيدا لا يسمع الخطبة، فقال محمد بن سلمة: المختار السكوت

стр. 1423

من غير فصل، ولأن الكلام قد يمتد طبعا فأشبه الصلاة، وإذا أذن المؤذنون الأذان الأول ترك الناس البيع والشراء وتوجهوا إلى الجمعة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية ٩) ــ [البناية] وهو الأفضل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵀ وقال نصر بن يحيى: يسبح ويقرأ القرآن، وهو قول الشافعي ﵀ وأجمعوا على أنه لا يتكلم، وقيل: الاشتغال بالذكر وقراءة القرآن أفضل من السكوت، وأما رواية الفقه والنظر في كتب الفقه وكتابته، فقيل: يكره، وقيل: لا بأس به. وقال شيخ الإسلام: الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب، وفي " الكامل ": ويقضي الفجر إذا ذكره في الخطبة، ولو تغدى بعد الخطبة أو جامع فاغتسل بعد الخطبة، وفي الوضوء في بيته لا يعيد، ولو صلى ركعتين فالأحسن أن يعيدهما، ويستحب ذكر الخلفاء الراشدين. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يستقبل الإمام فإذا استقبل بالخطبة انحرف إليه واستقبله، ويستحب أن يقعد فيها كما يقعد في الصلاة لقيامها مقام ركعتين، ولا بأس بأن يقعد محتبيا لأنه ينتظر الصلاة، وقيل يقعد كيف شاء، والنوم مكروه فيها إلا إذا غلبت عيناه. م: (من غير فصل) ش: أي بين أن يكون ترك الصلاة والكلام إذا خرج قبل أن يخطب وبين أن يكون تركهما بعد أن يخطب. م: (ولأن الكلام قد يمتد طبعا) ش: هذا دليل من جهة العقل، وجواب عما قالا إن الصلاة قد تمتد والكلام لا يمتد لأنه يمكن قطعه، وتقريره أن الكلام قد يمتد من حيث طبيعة الإنسان وإن كان في نفس الأمر يقدر على قطعه. م: (فأشبه الصلاة) ش: يعني عند امتداده طبعا يشبه امتداد الصلاة شرعا فصار في المنع سواء. [البيع والشراء بعد أذان الجمعة الأول] م: (وإذا أذن المؤذنون الأذان الأول) ش: ذكر المؤذنين بلفظ الجمع، وإن كان لا يحتاج إليه إخراجا للكلام مخرج العادة، فإن المتوارث اجتماع المؤذنين لتبليغ أصواتهم إلى أطراف المصر الجامع، وأراد بالأذان الأول الأذان الذي يؤذن على المئذنة، وهو الأذان الذي أحدث على الزوراء في عهد عثمان بن عفان ﵁ ولم ينكره أحد من المسلمين، وفي " المحيط ": الزوراء المئذنة، وفي " البدائع ": اسم المنارة، قال: وقيل: اسم موضع بالمدينة. وقال ابن بطال: الزوراء حجر كبير عند باب المسجد. وقال البخاري: الزوراء موضع بالسوق في المدينة، وفي " المغرب ": الأزور من الرجال الذي مال أحد شقي صدره وبمؤنثه سميت دار عثمان بالمدينة، ومنه قولهم: حديث الأذان بالزوراء. م: (ترك الناس البيع والشراء، وتوجهوا إلى الجمعة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة الآية: ٩] ) ش: في " تفسير المنتقى ". ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فامضوا إليه واعملوا

стр. 1424

وإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان، ــ [البناية] له وروي عن ابن عمر ﵄ سمعت عمر ﵁ يقرأ: "فامضوا إلى ذكر الله"، وعنه: ما سمعت عمر ﵁ قط يقرأها إلا "فامضوا إلى ذكر الله"، وروى الأعمش عن إبراهيم: كان عبد الله يقرأها: "فامضوا إلى ذكر الله"، ويقول: لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي وهي قرابة أبي العالية، وعن الحسن ليس السعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وعن قتادة أن تسعى بقلبك وعملك وهي المشي إليها. وقال الشافعي ﵀: السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] [الليل، الآية: ٤] وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] [النجم، الآية: ٣٩] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة، الآية: ٩] ، إلى موعظة الإمام، وقيل: إلى الخطبة والصلاة. قوله ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة، الآية: ٩] ، يعني البيع والشراء، لأن البيع يتناول المعنيين، وإنما خص البيع من بين ما يذهل عن ذكر الله من سوى على الدنيا، لأن يوم الجمعة تهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب فيوقت هبوطهم واجتماعهم واعتضاض الأسواق بهم إذا انفتح النهار وتعالى الضحى وفي وقت الظهيرة، وحينئذ تجر التجارة، ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت يبطله الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى مسجد الله، قيل لهم أدوا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه مقارب، قوله "ذروا" من يذر الدعوى من يدع، وأما ثور يذر ويدع إلا ما جاء في قراءة شاذة "وما ودعك ربك" بالتخفيف. م: (وإذا صعد الإمام المنبر جلس) ش: بكسر الميم من المنبر وهو الارتفاع، والقياس فيه فتح الميم على ما عرف في موضعه. م: (وأذن المؤذنون بين يدي المنبر) ش: هذا هو الأذان الأصلي الذي كان في زمان النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ من بعده، ثم حدث الأذان الآخر وهو الأذان الأول في عهد عثمان كما ذكرنا. م: (بذلك) ش: أي بالأذان بين يدي المنبر بعد الأذان الأول على المنارة. م: (جرى التوارث) ش: من زمن عثمان بن عفان إلى يومنا هذا. م: (ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان) ش: أي الأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر حين صعد الإمام المنبر، لما روى البخاري من حديث السائب بن يزيد ﵀ قال «: كان البداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما أن كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء على الزوراء» كما ذكرناه، وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: هو أذان المنارة؛ لأنه لو اشترطوا الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، وربما يفوته أداء الجمعة إذا كان المصر بعيد الأطراف.

стр. 1425

ولهذا قيل هو المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع، والأصح أن المعتبر هو الأول إذا كان ذلك بعد الزوال لحصول الإعلام به، والله أعلم. وإذا فرغوا من خطبته أقاموا ــ [البناية] م: (ولهذا قيل: هو المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع) ش: أي ولكن الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي ﷺ بين يدي المنبر، قال بعضهم - وهو الطحاوي - هو المعتبر في وجوب السعي إلى الجمعة على المكلف، وفي حرمة البيع والشراء، وفي " فتاوى العتابي " هو المختار، وبه قال الشافعي وأحمد ﵄ وأكثر فقهاء الأمصار، ونص في المرغيناني و" جوامع الفقه " أنه هو الصحيح. وقال ابن عمر: الأذان الأول بدعة، ذكر ابن أبي شيبة في "سننه" عنه، وقال الأترازي: قوله في وجوب السعي وحرمة البيع فيه نظر، لأن البيع وقت الأذان جائز لكنه يكره، وبه صرح في " شرح الطحاوية "، وهذا لأن النهي في معنى لغيره لا يعدم المشروعية. قلت: فيه اختلاف العلماء، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي ﵏ يجوز البيع مع الكراهة، وهو قول الجمهور، وقال مالك وأحمد والظاهرية ﵏ البيع باطل. وفي " المحلى " يصح البيع إلا أن.... الصلاة ولا يصح بخروج الوقت، ولو كان بين كافرين ولا يحرم نكاح ولا إجارة ولا سلم، وقال مالك: كذلك في البيع الذي فيه سلم، وكذا في النكاح والإجارة والسلم، وأباح الهبة والقرض والصدقة، وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا يصح البيع يوم الجمعة حين ينادى للصلاة، وفي بقية العقود غير البيع وجهان عند الحنابلة. وذكر أبو بكر الرازي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار أن البيع يحرم بزوال الشمس، قال مجاهد والزهري بالنداء، واعتبار الوقت أولى إذ يجب عليهم الحضور بدخول الوقت فلا يسقط عنهم تأخير النداء، ولهذا لم يكن للنداء قبل الزوال معنى. وقال السروجي: ينبغي أن يحرم البيع والشراء قبل الزوال أيضا إذا كان منزله بعيدا عن الجامع بحيث تفوت عليه صلاة الجمعة. م: (والأصح أن المعتبر هو الأول) ش: أي الأذان الأول. م: (إذا كان ذلك بعد الزوال لحصول الإعلام به) ش: أي بالأذان الأول، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي وإسحاق بن زياد، وفي " المبسوط ": الأصح أن كل أذان يكون قبل الزوال فذلك غير معتبر، والمعتبر أول الأذان بعد زوال الشمس، سواء كان على المنبر أو على النور. قلت: هذا الذي ذكره موافق رواية "الهداية "، وهذا أوفق وأحوط. م: (وإذا فرغ من خطبته أقاموا) ش: أي فإذا فرغ الإمام من خطبته أقاموا الصلاة كسائر الصلوات المفروضة، ولو سمع النداء قبل العشاء إذا خاف فوت الجمعة يتركه بخروج وقت

стр. 1426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] المكتوبة بخلاف الجماعة في سائر الصلوات. فروع: لو خطب واحد وصلى غيره جاز عندنا، وهو قول مالك وأحمد -رحمهما الله- وأحد قولي الشافعي وأحمد -رحمهما الله- وصلى غيره جاز عندنا، وعندهما لا يصح، لو استدبروا الإمام في الخطبة صح، وقد أساءوا. لا يصح في أحد الوجهين للحنابلة، وكذا لو كان عكس كلمات الخطبة بأن صلى على النبي ﵇ ثم وعظ ثم حمد وأثنى على الله في أحد الوجهين عندهم. وفي " المبسوط " يستحب للقوم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة، وعن أبي حنيفة أنه كان إذا فرغ المؤذن من أذانه أدار وجهه إلى الإمام وكان ابن عمر وأنس يستقبلان الإمام إذا خطب وهو قول شريح وعطاء وبه قال مالك والأوزاعي والثوري وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق، قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع. قلت: لكن اليوم يستقبلون القبلة للحرج في تسوية الصفوف لكثرة الزحام، وقال النووي: يكره في الخطبة ما يفعله الخطباء من الدق بالسيف على درج المنبر في صعوده، فإنه بدعة لا أصل له، وكذا الدعاء على المنبر قبل جلوسه، وكذا المجازفة في السلاطين والدعاء لهم، وكذا كذبهم في قولهم السلطان العالم العادل. وأجمعوا أن القراءة بالحمد في الجمعة، وفي " التحفة " وغيرها: لا يقرأ فيها قدر ما يقرؤه في الظهر؛ لأنها بدل منه، وإن قرأ في الجمعة " ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] " كان حسنا تبركا بالنبي ﷺ والمواظبة عليها مكروهة لهجران باقي القرآن وإيهام العامة أن ذلك بطريق الحتم والوجوب. وفي " الواقعات " والمرغيناني: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يضر الناس، وقال الفقيه أبو جعفر: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إذا أخذ فيها وهو قول مالك. وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى البعيد، وقال الشافعي: الخطى إليها بواحد أو اثنين لا بأس به، وأكره الكثير إلا أن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بالتخطي فيسعه، ومنهم من أباحه بإذنهم. وقال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك؛ لأن الثقيل من الأذى والكثير مكروه، وكره ذلك أبو

стр. 1427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] هريرة وابن المسيب وعطاء، واختلفوا في الدنو من الإمام أفضل أو التباعد، قيل: التباعد أفضل لئلا يسمع الظلمة والدعاء لهم، قال الحلواني: الصحيح أن الدنو منه أفضل، اختلفوا في الصف الأول، كان أصحاب ابن مسعود يرون أن الصف الأول ما يلي المقصورة؛ لأنهم كانوا يمنعون العامة من دخول المقصورة، فكان في ذلك احتراز فضيلة الصف الأول في حق العامة، أما في زماننا فلا يمنع، ومن الصف الذي يلي الإمام ذكره في " خزانة الأكمل " وغيره. اختلفوا فيمن لم يقدر على السجود على الأرض من الزحام، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يسجد على ظهر أخيه، رواه البيهقي بإسناد صحيح، وبه قال أصحابنا والثوري والشافعي، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال عطاء والزهري: يمسك عن السجود، فإذا رفعوا سجد، وعندنا لو فعله جاز، وعند الشافعية سجوده على ظهر أخيه واجب في الصحيح. ونقله النووي عن أبي حنيفة وهو وهم، وقال مالك: تفسد الصلاة إن فعل ذلك، وقال نافع: يومئ إيماء، وفي المرغيناني: ينظر حتى يقوم الناس، فإذا وجد فرجة سجد، ولو سجد على ظهر رجل ساجد على ظهر رجل ساجد آخر لم يجز، وكذا لو وجد فرجة، ومع هذا سجد على ظهر رجل لم يجز، ولو ركع ركوعين مع الإمام فيها ولم يسجد بكثرة الزحام حتى فرغ الإمام. قال أبو حنيفة: يسجد سجدتين للركعة الأولى ويلغي الثانية ويقضيها، وإن نواها عن الثانية بطلت نيته وكانت للركعة الأولى. قال أبو جعفر: على أحد الروايتين عن علمائنا، وعلى الرواية الأخرى تكون السجدتان للثانية. وقال أبو جعفر: إن ركع مع الإمام في الأولى ولم يسجد وركع معه في الثانية وسجد، فالثانية تامة ويقضي الأولى ركوعا وسجودا. اختلفوا فيمن زحم في الجمعة عن الركوع والسجود متى فرغ الإمام، فعندنا يصلي ركعتين؛ لأنه أدرك أول الصلاة فهو الأحق، كما لو نام خلفه وهو قول الحسن البصري والأوزاعي والنخعي وأحمد، وقال قتادة وأيوب السجستاني والشافعي ﵏ وأبو ثور: يصلي أربعا. وقال مالك: أحب إلي أن يصلي أربعا. وفي " المبسوط ": الصحيح عن أبي حنيفة ﵀ ومحمد جواز الجمعة في مصر واحد في موضعين وأكثر، وفي "جوامع الفقه " عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، والأظهر عنه عدم الجواز في الموضعين، فإن فعلوا فالجمعة للأوليين، وإن وقعتا معا أو جهلت فسدتا. وفي " قنية المنية ": لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها مع اختلاف العلماء في جوازهما أمر.... بأداء الأربع بعد الجمعة احتياطا. واختلفوا في نيتها، قيل: ينوي ظهر يومه، وقيل: آخر ظهر عليه، والأحسن وقيل الأحوط

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أن يقول نويت آخر ظهر أدركت وقته ولم أصله بعد، وقال الحسن: اختياري أن يصلي الظهر بهذه النية ثم يصلي أربعا بنية السنة. ثم اختلفوا في القراءة، قيل: يقرأ الفاتحة والسورة في الأربع، وقيل: في الأوليين كالظهر. اختلفوا في سبق الجمعة بما إذا يعتبر إذا اجتمعتا في مصر واحد، فقيل بالشروع، وقيل بالفراغ، وقيل بهما، والأول أصح، وعند المالكية والحنابلة قيل بالإحرام، وقيل بالسلام، ذكرهما في " الذخيرة " و" شرح الهداية " لأبي البقاء، وقال: فإذا بطلتا يندب إلى أن يجتمعوا في مكان واحد فصلوا الجمعة، قال: وقيل الظهر وهو ضعيف ويكره بعد الزوال يوم الجمعة ولا يكره قبله، وفي " شرح الأقطع ": لا يكره قبله وبعده، وفي " النوادر " أن يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة من غير فصل، وفي " المبسوط ": لا يجوز السفر بعد الزوال يوم الجمعة عند الشافعية، وكذا عند المالكية ذكره في " الذخيرة" للقرافي. قال أبو مطيع: لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المسجد، وفي " فتاوى قاضي خان " قال أبو نصر: من أخرجهم من المسجد أرجو أن يغفر له، وقال بعض العلماء: من تصدق بفلس في المسجد ثم تصدق بعد ذلك بأربعين، قلنا لم يكن كفارة لذلك الفلس، وعن خلف بن أيوب أنه قال: لو كنت قاضيا لا أقبل شهادة من تصدق على هؤلاء في المسجد الجامع، وعن أبي بكر بن إسماعيل أنه قال: هذا فلس يحتاج إلى سبعين مثله كفارة له، ولكن تصدقوا قبل أن تدخلوا المسجد أو بعد الخروج منه. وعن ابن المبارك قال: يعجبني أن السائل إذا سأل لوجه الله تعالى لا يعطى له شيئا؛ لأن الدنيا ومتاعها حقير فإذا سأل بوجه الله فقد عظم ما حقره فلا يعطى له زجرا، وقال الصدر الشهيد: إن السائل إذا كان لا يمر بين يدي المصلي ولا يتخطى رقابا ولا يسأل إلحافا ولا يسأل لأمره لا بد له منه فلا بأس بالسؤال والإعطاء خير. وفي "المجتبى": يستحب لمن حضر الجمعة أن يغتسل ويدهن ويمس طيبا إن وجده، ويلبس أحسن ثيابه إن كان له، ويستحب الثياب البيض، وكره الغزالي وأبو طالب المكي لبس السواد، وخالفهما الماوردي «لأنه ﵇ خطب وعليه عمامة سوداء.» «ودخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء» وعلى علي بن أبي طالب وابن عمر ﵃ عمامة سوداء يوم قتل عثمان ﵁ وأحدث بنو العباس لبس السواد شعارا لهم لأن الراية التي عقدت للعباس يوم الفتح ويوم خيبر كانت سوداء.

стр. 1429

باب صلاة العيدين قال: وتجب صلاة العيدين على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، ــ [البناية] [باب صلاة العيدين] [حكم صلاة العيدين وعلى من تجب] م: (باب صلاة العيدين) ش: أي هذا باب في بيان صلاة العيدين الفطر والأضحى، وفي بعض النسخ باب العيدين على حذف المضاف لعدم اللبس، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنهما يصليان بجمع عظيم يجهر فيهما بالقراءة، ويشترط لأحدهما ما يشترط للآخر سوى الخطبة فإنها شرط في الجمعة لا تجوز الصلاة بدونها مستحبة في العيد تجوز صلاة العيد بدونها، لكن تنسب إلى الإساءة بتركها السنة، وأيضا خطبة الجمعة تقدم على الصلاة وتؤخر خطبة العيد عنها، فلو قدمت جاز ولا تعاد بعد الصلاة، وأيضا ليس في العيدين أذان ولا إقامة، ويشتركان في حق التكليف، فإن صلاة العيد تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة. وأما وجه تقديم الجمعة على العيد فظاهر وهو قوله الجمعة في نفسها بالفريضة، وكثرة وقوعها، ثم أصل العيد عود، لأنه مشتق من عاد يعود عودا، وهو الرجوع. قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها كالميزان والميقات من الوزن والوقت، ويجمع على أعياد، وكان من حقه أن يجمع على أعواد؛ لأنه من العود كما ذكرنا، ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد، أو جمع بالياء للفرق بينه وبين أعواد الخشبة، وسميا عيدين لكثرة عوائد الله فيهما، وقيل: لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى، وهو من الأسماء الغالبة على يوم الفطر والأضحى. والأصل فيه حديث أنس ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال ﵇ قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله خيرا منهما يوم النحر ويوم الفطر» رواه أبو داود والنسائي والبيهقي، قال البغوي: حديث صحيح، وأول عيد صلاه النبي ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرض زكاة الفطر، ونزلت فريضة رمضان في شعبان وحولت القبلة وبنى بعائشة ﵂ في شوال وتزوج علي ﵁ بفاطمة ﵂. م: (وتجب صلاة العيدين على كل من تجب عليه صلاة الجمعة) ش: أشار بهذا إلى أن صلاة العيد واجبة، كما رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵀ ذكر هذه الرواية في " المبسوط " وذكر الكرخي أنها تجب على من تجب عليه الجمعة، وفي " العتبية " هي واجبة في أصح الروايات عن أصحابنا، قال قاضي خان: هو الصحيح، وفي " المحيط ": الأصح أنها واجبة، وفي المرغيناني كذلك، وفي " جوامع الفقه " و" منية المفتي " أنها واجبة، وفي " المفيد " هي واجبة. وفي " البدائع " هو الصحيح، وفي " مختصر أبي موسى الضرير " هي فرض كفاية، وفي " الغزنوي " قيل هي فرض

стр. 1430

وفي " الجامع الصغير " عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سنة والثاني فريضة ــ [البناية] كفاية. وفي " العتبية " قيل هي فرض، وأطلق، وقال مالك والشافعي ﵏ هي سنة مؤكدة، وقال الشافعي ﵀ أيضا تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه الجمعة، وهذا منه يقتضي أن تكون فرض عين، لأن الفرض والواجب عنده في غير الحج واحد، وهو خلاف الإجماع ولهذا تكلموا فيه، وقال ابن العربي في المعارضة: لا أعلم أحدا قال إنها فرض كفاية إلا الإصطخري من الشافعية. قلت: ظاهر مذهب أحمد أنها فرض كفاية، ذكر عنه في " المغني "، وقال في " جوامع الفقه " هو قول ابن أبي ليلى، وقال إمام الحرمين قال به طائفة مع الإصطخري، قوله- على من تجب عليه الجمعة - مشير إلى أنها لا تجب على العبد والمسافر والمريض كالجمعة. فإن قلت: ينبغي أن تجب عليه الجمعة مع إذن مولاه لقيام الظهر مقام الجمعة، وهاهنا ليس كذلك. قلت: نعم، كذلك إلا أنها لا تجب عليه مع الإذن أيضا، لأن المنافع بالإذن لا تصير مملوكة للعبد، فبقي الحال في الإذن كهي قبله، كما في الحج، فإنه لا يقع من حجة الإسلام، وإن حج بإذن مولاه، وكذلك العبد إذا حنث في يمينه يكفر بالمال بإذن مولاه فإنه لا يجوز، لأنه لم يملكه بالإذن. وقال الشافعي: لا يشترط لها ما يشترط للجمعة، حتى يجوز أن يصلي العبد العيد والمسافر والمرأة والمنفرد حيث شاء، وأهل القرى لأنها نافلة، فأشبهت صلاة الاستسقاء والخسوف، وقال في القديم وهو رواية عن أحمد كقولنا. وفي " الجامع الصغير " عيدان اجتمعا في يوم واحد فالأول سنة والثاني فريضة ولا يترك واحد منهما لما ذكر "المصنف" ﵀ أن صلاة العيدين واجبة أراد به بلفظ الجامع الصغير ليدل على أنها سنة عند محمد ﵀. قال شمس الأئمة السرخسي: اشتبه المذهب فيها هل هي واجبة أم سنة، فالمذكور. م: (في الجامع الصغير) ش: أنها سنة لأنه قال. م: (عيدان اجتمعا في يوم واحد فلأول سنة والثاني فريضة) ش: وهو تنصيص على السنة. قال: والأظهر أنها سنة ولكنها من معالم الدين إقامتها هدى وتركها ضلالة، وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنها سنة مؤكدة. وقال السغناقي: كل موضع فيه نوع مخالفة بين روايتي القدوري و" الجامع الصغير "، ويفيد لفظ " الجامع الصغير "، ومخالفته هنا ظاهرة وهي إطلاق الواجب على صلاة العيد في لفظ القدوري وإطلاق السنة في " الجامع الصغير "، وتبعه في هذا الكلام صاحب " الدراية " ثم الأكمل كذلك.

стр. 1431

ولا يترك بواحد منهما ــ [البناية] قلت: لم يتعرض القدوري في "مختصره" إلى الوجوب ولا إلى السنة، وإنما قال ويصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح وليس ذكر لفظ " الجامع الصغير " إلا لما ذكرنا، ثم المراد من اجتماع العيدين هاهنا اتفاق كون يوم الفطر أو يوم الأضحى في يوم الجمعة، وتغلب لفظ العيد على لفظ الجمعة، إما لعلة الحروف كما في العمرين، أو التغليب المذكور كما في القمرين، أو لأن يوم الجمعة عيد المؤمنين باعتبار ما لهم من وعد المغفرة والكفارة. قوله: م: (ولا يترك بواحد منهما) ش: أي من العيد والجمعة، أما الجمعة فلأنها فريضة، وأما العيد فلأن تركها بدعة وضلال، وقال فخر الإسلام: ومن الناس من قال: بأنه إذا شهد الأولى منهما لم يلزمه شهود الأخرى؛ لما روي أنه ﵇ قال في يوم عيد وجمعة «إنكم يا أهل العوالي شهدتم معي العيد وإنما مجمعون فمن شاء فليرجع» وفي " المحلى " و" الأشراف ": صلى عثمان ﵁ العيد ثم خطب فقال: إنه قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر، ومن أحب أن يرجع إلى أهله فليرجع فقد أذنت له. قوله- وإنما مجمعون - دليل على أن تركها لا يجوز، وإنما أطلق لهم رسول الله ﷺ وخيرهم عثمان، لأنهم كانوا أهل أبعد قرى المدينة، وإذا رجع أهل القرى قبل صلاة الجمعة لا بأس به. فإن قلت: كيف قال محمد ولا يترك واحد منها، ومعلوم أن صلاة الجمعة فرض عين، وفرائض الأعيان لا تترك. قلت: احترز به عن قول بعض العلماء فإنه روي عن عطاء أنه يجزئ لصلاة العيد عن الجمعة ومثله عن علي وابن الزبير ﵄ وعنه يجزئ أحدهما عن الأخرى. وقال ابن عبد البر: سقوط الجمعة والظهر بصلاة العيد متروك مهجور، ولا يقول عليه وتأويل ذلك في حق أهل البادية ومن لا يجب عليه الجمعة، ويستحب تأخير صلاة العيد في الفطر، وتعجيلها في النحر لتعجيل الأضاحي وخروج الوقت في أثنائها يفسدها كالجمعة. وفي " قنية المنية " يقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة وصلاة الجنازة على الخطبة، ولو أفسدها قضاها ركعتين عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ لا قضاء عليه، وفي " منية المفتي ": لا قضاء عليه ولم يجد خلافا، وقال أبو حفص الكبير: يقضي ركعتين لا يكبر فيهما

стр. 1432

قال: وهذا تنصيص على السنة، والأول على الوجوب وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ وجه الأول: مواظبة النبي ﷺ عليها من غير ترك. ووجه الثاني: «قوله ﷺ في حديث الأعرابي عقيب سؤاله قال: هل علي غيرهن؟ فقال: لا إلا أن تطوع» ــ [البناية] وإقامتها في الرساتيق يكره كراهة تحريم. قال شرف الأئمة والقاضي عبد الجبار، وقال الكرابيسي فسخ وكان يغضب لذلك غضبا شديدا. م: (قال) ش: أي "المصنف". م: (وهذا) ش: أي قوله عند أبي حنيفة.. إلخ. م: (تنصيص على السنة) ش: لأنه صرح بها. م: (والأول على الوجوب) ش: أراد بالأول قوله- وتجب صلاة العيد - أي الأول تنصيص على وجوب صلاة العيد. م: (وهو رواية) ش: أي الوجوب رواية. م: (عن أبي حنيفة ﵀) ش: رواه عنه الحسن كما ذكرناه. م: (وجه الأول) ش: أي الوجوب. م: (مواظبة النبي ﷺ عليها) ش: أي على صلاة العيد. م: (من غير ترك) ش: ومواظبة النبي ﷺ من غير ترك يدل على الوجوب، ولأنها صلاة تختص بجماعة وضع لها خطبة فكانت واجبة كالجمعة. فإن قلت: يلزم عليه الأذان والإقامة والجماعة في سائر الصلوات فإنها من الشعائر وتقام على سبيل الإجهار مع أنها سنة. قلت: صلاة العيد شعار شرعت مقصودة بنفسها، وهذه الأشياء شرعت تبعا لغيرها وهو الصلاة، فانحطت درجتها عن درجة صلاة العيد، كذا ذكر شيخ الإسلام. واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] [البقرة: ١٨٥] قيل المراد صلاة العيد والأمر للوجوب، وفي " الفوائد الظهيرية " الأمر باللام إنما يكون للغائب، وهذا مخاطب، لكن روي في قراءة رسول الله ﷺ : "فبذلك فلتفرحوا"، بالخطاب فيحمل هذا على ذلك أو جعل الأخبار من الأمر مجازا، لأنه مستأنف، ومعنى الوجوب من الأخبار أيضا، وفيه تأمل، لأنه روي عن ابن عباس ﵁ أن المراد تكبيرة ليلة الفطر بدليل عطفه على إكمال رمضان. وقيل: المراد بالآية التعليم، وقيل: المراد تكبيرات صلاة العيد، وقيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر، الآية: ٢] المراد صلاة عيد النحر فيجب بالأمر. م: (ووجه الثاني) ش: وهو كونه سنة. م: (قوله- ﵇ في حديث الأعرابي عقيب سؤاله هل علي غيرهن، فقال: لا، إلا أن تطوع) ش: حديث الأعرابي أخرجه البخاري ومسلم في الإيمان عن طلحة بن عبيد الله قال: «جاء رجل إلى النبي ﵇ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال له: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع

стр. 1433

والأول أصح، وتسميته سنة لوجوبه بالسنة، ويستحب في يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل الخروج إلى المصلى ويغتسل ــ [البناية] وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق.» قوله- عقيب سؤاله- أي عقيب سؤال الأعرابي. قوله- إلا أن تطوع - بتشديد الطاء والواو كلتيهما، لأن أصله تتطوع بتائين، فأدغمت أحد التائين في الطاء. م: (والأول أصح) ش: أراد بالأول وجوب صلاة العيد، وأشار هذا إلى أنه أيضا ممن يقول بالوجوب. م: (وتسميته سنة لوجوبه بالسنة) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال إذا كانت صلاة العيد واجبة فكيف تقول إنها سنة، وتقرير الجواب أن تسمية محمد ﵀ صلاة العيد سنة مع كونها واجبة لأجل أنها تثبت بالسنة وهي مواظبته- ﵇ عليها من غير ترك، وفي " المحيط " عن أبي يوسف ﵀ أنها سنة واجبة أي وجوبها طريقة مستقيمة. [ما يسن للمصلي في يوم الفطر] م: (ويستحب في يوم الفطر أن يطعم الإنسان قبل أن يخرج إلى المصلى) ش: وبه قال مالك والشافعي وأحمد ﵏ لما روى البخاري في -صحيحه- عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تغدوا يوم الفطر حتى تأكلوا تمرات» ، وقال أنس قيل «ما خرج رسول الله ﷺ يوم الفطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو أكثر بعد أن يكون وترا» وهو قول فقهاء الأمصار، وكان ابن عمر ﵁ لا يأكل يوم الفطر حتى يغدو. وقال ابن مسعود ﵁ إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل ومثله عن النخعي، وقال علي ﵁ «من السنة أن يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى» وعن ابن عباس ﵁ يجب عليه. وعن سعيد بن المسيب: كان الناس يؤمرون بالأكل قبل الغدو في يوم الفطر. م: (ويغتسل) ش: بنصب اللام، أي يستحب في يوم الفطر أن يغتسل، وبه قال عطاء وعلقمة وعروة والنخعي والشعبي وإبراهيم التيمي وقتادة، ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وعن الشافعي ﵀ أنه سنة كالجمعة ذكره في " المهذب " و" نهاية المطلب "، وفي " المدونة " غسل العيدين مطلوب دون غسل الجمعة. وفي " الذخيرة " لما كان العيد منخفض عن الجمعة في الوجوب وهو في وقت البرودة وعدم انتشار روائح الأعراف انحط غسله عن غسلها، وفي " الجواهر " يغتسل بعد الفجر، فإن فعل قبله أجزأه. فإن قلت: جعل المصنف الاغتسال هاهنا مستحبا، وفي الطهارة سنة.

стр. 1434

ويستاك ويتطيب، لما روي «أنه ﷺ كان يطعم في يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى» وكان يغتسل في العيدين ولأنه يوم اجتماع فيسن فيه الغسل والتطيب كما في الجمعة ويلبس أحسن ثيابه؛ «لأن النبي ﷺ كان له جبة فنك أو صوف يلبسها في الأعياد» ــ [البناية] قلت: اختلفت عبارات المشايخ، ففي بعضها جعله مستحبا، وفي بعضها سنة والصحيح أنه سنة، وسماه مستحبا لاشتمال السنة على المستحب. م: (ويستاك) ش: بالنصب أيضا، لأن العلة التي لأجلها ندب الاغتسال والسواك والتطيب في الجمعة في صلاة العيد، وفي " السنن "عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك، ويمس من الطيب ما قدر له".» م: (ويتطيب) ش: بالنصب أيضا، أي يستحب في يوم الفطر أن يتطيب بطيب له رائحة ولا لون له كالبخور والمسك حلال للرجل، وقد غلط من قال بنجاسته. م: (لما روي أنه ﵇ «كان يطعم في يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى» ش: هذا دليل لقوله ويستحب في الفطر أن يطعم قبل أن يخرج إلى المصلى، وقد رويناه عن البخاري من حديث أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» وقد ذكرناه عن قريب. م: «وكان يغتسل في العيدين» ش: هذا حديث آخر دليل لقوله ويغتسل، رواه ابن ماجه من حديث الفاكه بن سعد، وكانت له صحبة: «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» والفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، ولا يعرف لفاكه بن سعد غير هذا الحديث، وروى ابن ماجه أيضا من حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى» . م: (ولأنه) ش: أي ولأن يوم العيد. م: (يوم اجتماع، فيسن فيه الغسل والتطيب كما في الجمعة) ش: أي كما سن في يوم الجمعة. م: (ويلبس) ش: بالنصب أيضا، أي: ويستحب له أن يلبس. م: (أحسن ثيابه) ش: جديدا كان أو غسيلا. م: (لأنه ﵇ «كانت له جبة فنك أو صوف يلبسها في الأعياد» ش: هذا الحديث غريب، لكن روى البيهقي من طريق الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد الأسلمي، أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد» . وروى البيهقي من حديث جابر بن عبد الله، قال: «كان للنبي ﵇ برد أحمر

стр. 1435

ويؤدي صدقة الفطر إغناء للفقير ليتفرغ قلبه للصلاة ــ [البناية] يلبسه في العيدين والجمعة» . قوله - جبة فنك- بالإضافة، ويجوز أن يكون بالصفة، وكذا الكلام في برد حبرة، والفنك بفتح الفاء والنون: حيوان يتخذ من جلده الفراء السنجاب، والحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة برد يمان، والجمع حبر، ويقال برد حبر وحبرة بالإضافة، والصفة عن عمر ﵁ أنه خرج في يوم الفطر أو أضحى في ثوب قطن يمشي. م: (ويؤدي صدقة الفطر) ش: بالنصب أيضا عطفا على قوله: أن يطعم. م: (إغناء للفقير) ش: أي لأجل إغنائه، لقوله ﵇ «أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم» ، ويروى عن الطلب، رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي عن نافع عن ابن عمر ﵃، وفي رواية البيهقي: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» . وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من «حديث ابن عمر ﵄ قال: أمرنا رسول الله ﷺ يوم الفطر أن نؤديها قبل خروج الناس إلى الصلاة.» م: (ليتفرغ قلبه للصلاة) ش: أي لصلاة العيد، لأن الفقير يشتغل بالسؤال ويطوف ويشتغل قلبه بالتحصيل، فإذا أعطي شيئا من ذلك يفرغ قلبه لأجل الصلاة. ثم إن "المصنف "﵀ ذكر هاهنا استحباب ستة أشياء وهي قوله - في يوم الفطر - إلى قوله - ويتوجه إلى المصلى - وفي " قنية المنية " يستحب يوم الفطر للرجل اثني عشر شيئا: الغسل، والسواك، ولبس أحسن الثياب المباحة والتطيب والتختم والتبكير وهو سرعة الانتباه والابتكار وهو المسارعة إلى المصلى، والإفطار على حلو قبل الصلاة، وأداء صدقة الفطر قبلها، وصلاة الغداة في مسجد حيه، والخروج إلى المصلى ماشيا، والرجوع من طريق أخرى، والأضحى كالفطر غير أنه يترك الأكل حتى يصلي العيد، وهو سنة، قال: وكانت الصحابة ﵃ يمنعون صبيانهم من الأكل وأطفالهم من الرضاع إلى أن يصلوا. وقال بعضهم: هذه سنة لمن أراد أن يضحي بعد الأضحى حتى يكون أول أكله من لحم الأضحية، فأما من لم يضح فقبل الصلاة وبعدها في حقه سواء، ثم الخروج للجبانة سنة، وهي المصلى في طرف البلد، وإن كان يسعهم المسجد الجامع، وعليه عامة المشايخ، وقيل: ليس بسنة، وإنما يفعل لضيق الجامع، والصحيح هو الأول، وقال ابن المنذر: قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى، والسنة ذلك، فإن ضعف يوم عنه أمر الإمام من يصلي بهم في المسجد، وهو الأفضل، روي ذلك عن علي ﵁ واستحسنه

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الأوزاعي، وهو قول الشافعي ﵀ وأبي ثور. والمستحب أن يجيء ماشيا لما ذكرنا عن عمر ﵁: «من السنة أن يأتي العيد ماشيا» . رواه الترمذي وابن المنذر. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وكره النخعي الركوب، واستحب المشي الثوري، والشافعي - رحمهما الله- وأحمد كقولنا، وهو أقرب إلى التواضع وموافقة السنة، والركوب مباح، وفي المرغيناني: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل، ومثله في " الذخيرة، «وكان ﵇ يقول عند خروجه: اللهم إني خرجت إليك مخرج العبد الذليل» . فإن قلت: ما أصل اختلاف الطريق يوم العيد عند الخروج إلى المصلى. قلت: روي عن عمر «أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق آخر» رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وروى البخاري من حديث جابر أنه ﵇ «كان يعدو يوم الفطر والأضحى في طريق ويرجع الأخرى.» فإن قلت: ما الحكم فيه قلت ذكر فيه وجوه الأول أنه إنما فعل ذلك ليكون للطريق الآخر حظا من العبادة والثاني لأن الناس يسألون عن الشرائع وما كانوا يقدرون على الوقوف له في طريق واحد الثالث أن كل واحد الثالث أن كل واحد كان يتمنى النظر إلى وجهه ولا يتيسر له في طريق واحد. الرابع: ليبين أن ذلك كله حسن مختار. الخامس: أنه كان يفعله احتياطا وتحرزا عن كيد الكفار. السادس: أن ذلك لكثرة الزحمة، يروى عن ابن عمر السابع: لأجل الغبار. الثامن: للتسوية بين أهل الطريقين في التبرك به. التاسع: لتعم الصدقة مساكين الطريقين، العاشر: لإظهار كثرة أهل الإسلام وانتشارهم. وفي "التجنيس" الحكمة في ذلك أن مكان القربة يشهد لصاحبها، ففي اختلاف الطريقين كثرة الشهود.

стр. 1437

ويتوجه إلى المصلى ولا يكبر عند أبي حنيفة ﵀ في طريق المصلى ويكبر عندهما اعتبارا بالأضحى، وله أن الأصل في الثناء الإخفاء. ــ [البناية] م: (ويتوجه إلى المصلى) ش: بالرفع لا بالنصب أي يتوجه من يريد صلاة العيد إلى مصلى العيد. م: (ولا يكبر) ش: يجوز أن تكون الواو للعطف، ويجوز أن تكون للحال، يعني ولا يكبر جهرا. م: (عند أبي حنيفة ﵀ في طريق المصلى) ش: إنما قيدنا بالجهر، لأن التكبير خير موضوع، لا خلاف في جوازه بصفة الإخفاء، وذكر الطحاوي أنه يغدو إلى الصلاة جاهرا بالتكبير في العيدين، ولم يذكر الخلاف. وقال أبو بكر الرازي في شرح " مختصر الطحاوي " ويحكى عن أبي حنيفة ﵀ أنه يكبر في الأضحى دون الفطر وعليه مشايخنا بما وراء النهر، وفي عامة الكتب الخلاف في الجهرية في طريق المصلى لا في نفس التكبير، ومعنى قوله - ولا يكبر - أي جهرا به عند أبي حنيفة ﵀ كما ذكرنا، ويأتي به سرا كما في سائر الأيام، وهو رواية المعلى عن أبي يوسف ﵀ ذكره المرغيناني. وقال الأسبيجابي مثلما قال الطحاوي ثم إنه يقطع التكبير إذا انتهى إلى المصلى، وفي رواية: لا يقطعها ما لم يفتتح الإمام صلاة العيد، ذكره في " المحيط ". واختلف أصحاب الشافعي ﵀ في انقطاع هذا التكبير، فقال المزني: يكبرون حتى يخرج الإمام، وقال البويطي: حتى يفتتح الصلاة، وعن الشافعي ﵀ في القديم: حتى ينصرف من الصلاة، ومثله في الأضحى، ويجهر به في الطريق إجماعا. وكان ابن عمر ﵄ يرفع صوته بالتكبير في العيدين، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وأبي أمامة الباهلي ﵁. م: (ويكبر عندهما) ش: أي يكبر جهرا عند أبي يوسف ﵀ ومحمد في عيد الفطر. م: (اعتبارا بالأضحى) ش: أي قياسا على عيد الأضحى، فإنه يكبر فيه جهرا بلا خلاف، وبه قال النخعي؛ وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى، وابن عبد العزيز وأبان بن عثمان، والحكم وحماد ومالك والشافعي ومحمد وإسحاق وأبو ثور ﵃ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة، الآية: ١٨٥] وقال ابن عباس ﵄ هذا ورد في عيد الفطر بدليل عطفه على قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والمراد بإكمال العدة إكمال صوم رمضان. م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀. م: (أن الأصل في الثناء الإخفاء) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] [الأعراف: ٢٠٥] ، وقوله ﵇ «خير الذكر الخفي» ، ولأنه أقرب من الأدب والتطوع، وأبعد من الرياء وقال ﷺ :

стр. 1438

والشرع ورد به في الأضحى لأنه يوم تكبير ولا كذلك يوم الفطر ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، ــ [البناية] «خير الذكر الخفي، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ، وذكر ابن المنذر عن ابن عباس ﵃ أنه سمع الناس يكبرون، فقال: أيكبر الإمام؟ قيل: لا، قال: مجانين الناس، وفي " الحاوي ": سئل النخعي عن ذلك، قال: ذاك تكبير الحاكم. قلت: هذا خلاف ما مر عنه آنفا أنه يكبر، وقال أبو جعفر: والذي عندنا أنه لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخيرات، وقال: وبه نأخذ. م: (والشرع ورد به) ش: أي بالجهر بالتكبير. م: (في الأضحى) ش: أي في عيد الأضحى. م: (لأنه) ش: أي لأن عيد الأضحى. م: (يوم تكبير) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] [البقرة: ٢٠٣] جاء في التفسير: المراد به التكبير في هذه الأيام. م: (ولا كذلك يوم الفطر) ش: لأنه لم يرد به الشرع، وليس في معناه أيضا لأن عيد الأضحى اختص بركن من أركان الحج، والتكبير شرع علما على وقت أفعال الحج، وليس في شوال ذلك. فإن قلت: لا نسلم أن الشرع لم يرد به، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥] وقد ذكرنا عن ابن عباس ﵁ ما قاله فيه. قلت: المراد بما في الآية التكبير في صلاة العيد، والمعنى صلوا صلاة العيد، وكبروا الله فيها. فإن قلت: روى نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى رافعا صوته بالتكبير حتى يأتي المصلى» رواه الحاكم والبيهقي. قلت: في إسناده الوليد بن محمد وهو متروك الحديث أيضا، وصحح البيهقي رفعه، ورواه الشافعي ﵀ أيضا موقوفا. فروع: قال أبو بكر الرازي، قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن إلا بإزاء العدو واللصوص معينا له، وقيل: وكذا في الحريق والمخاوف كلها، وفي جمع النوازل ويكبر كلما لقي جمعا أو هبط واديا كالتلبية. [التنفل في المصلى قبل صلاة العيد] م: (ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد) ش: وفي بعض النسخ قبل العيد، أي قبل صلاة العيد، وفي " الذخيرة ": ليس قبل صلاة العيدين صلاة، كذا ذكر محمد في الأصل، وإن شاء

стр. 1439

لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة، ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة، ــ [البناية] تطوع بعد الفراغ من الخطبة. وقال أبو بكر الرازي: معناه ليس قبلها صلاة مسنونة لا أنها تكره، إلا أن الكرخي نص على الكراهة قبل العيد حيث قال: يكره لمن حضر المصلى التنفل قبل صلاة العيد. وفي " التجريد": إن شاء تطوع بعد الفراغ، من الخطبة ولم يذكر أنه تطوع في الجبانة أو في بيته، فإنه قال: لأنه يشبه السنة، فلو أراد أن يفعل ذلك فليفعله في منزله، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلى، وإنما يكره في الجبانة. وعامة المشايخ على الكراهة مطلقا، وعن علي وابن مسعود وجابر وابن أبي أوفى ﵃ أنهم كانوا لا يرونها قبلها ولا بعدها، وهو قول ابن عمر ومسروق والشعبي والضحاك والقاسم وسالم والزهري ومعمر وابن جريج ومالك وأحمد. وقال أنس والحسن وعروة والشافعي ﵏ يصلي قبلها وبعدها، وعن الشافعي ﵀ في غير الإمام. وقال أبو مسعود البزدوي: لا يصلي قبلها ويصلي بعدها، وبه قال علقمة، والأسود، ومجاهد، والثوري، والنخعي، والأوزاعي وابن أبي ليلى، وفي "الجواهر " للمالكية: لا يتنفل قبلها ولا بعدها في هذا اليوم، حكى ذلك عن ابن حبيب المالكي، وهو مردود بالإجماع، وعند أشهب لا يتنفل قبلها في المسجد ويتنفل بعدها، وفي " المغني ": قال أحمد: أهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها. م: (لأنه ﵇ لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة) ش: أي لأن النبي ﷺ لم يصل قبل العيد مع حرصه على فعل الصلاة، وقد روى الأئمة الستة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ خرج فصلى بهم العيد ولم يصل قبلها ولا بعدها.» وروى ابن ماجه في "سننه " من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» . م: (ثم قيل الكراهة في المصلى خاصة) ش: قائله محمد بن مقاتل الرازي، وأشار بقوله خاصة إلى أنه لا يكره في غير المصلى، وروي عن علي ﵁ أنه رأى في المصلى أقواما يصلون قبل الإمام، فقال: ما هذه الصلاة؟ لم نكن نعرفها على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أكره أن أكون من الذي قال الله تعالى في حقهم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وقال واحد منهم: إني أعلم أن الله لا يعذب عبدا على الصلاة، قال علي ﵁: أنا أعلم أن الله لا يثيب على مخالفة رسول الله ﷺ ، قوله "خاصة" منصوب على الحال من الكراهة، والعامل فيه "قيل"، وكذلك الكلام في عامة.

стр. 1440

وقيل فيه وفي غيره عامة؛ لأنه ﷺ لم يفعله، وإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس دخل وقتها إلى الزوال، فإذا زالت الشمس خرج وقتها؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين، ــ [البناية] م: (وقيل فيه وفي غيره عامة) ش: أي قيل الكراهة في المصلى وغير المصلى، وهو قول عامة المشايخ، كما ذكر، ثم إذا أراد أن يصلي بعدها صلى أربعا، وفي "زاد الفقهاء ": إن أحب أن يصلي بعدها صلى أربعا، إلا أن مشايخنا قالوا: المستحب أن يصلي أربعا بعد الرجوع إلى منزله، كيلا يظن ظان أنه هو السنة المتوارثة، ولكن ذكر في " فتاوى" قاضي خان جواز التطوع في الجبانة بغير كراهة إذا كان بعد صلاة العيد من غير ذكر عدم الاستحباب، وكذلك أطلق الجواز في " التحفة "، فقال: أما لو فعل بعد الفراغ من الخطبة فلا بأس به. م: (لأنه ﵇ لم يفعله) ش: أي لم يفعل الصلاة، أي لم يصل في المصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، وعدم فعله دليل الكراهة، وفي فتاوى الكردي والولوالجي وعليه الفتوى وفي " الصحيحين " عن النبي ﵇ «أنه خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين ولم يصل قبلهما، ولا بعدهما، وقال أبو داود: ويوم الفطر» . م: (وإذا حلت الصلاة) ش: قال السغناقي: من الحل لا من الحلول، لأن الصلاة قبل ارتفاع الشمس كانت حراما، كما جاء في الحديث: ثلاث أوقات نهانا رسول الله ﷺ ... الحديث، وقال تاج الشريعة: يحتمل أن يكون من الحلول يعنى الوجوب، ويحتمل أن يكون من الحل؛ لأن قبل ارتفاع الشمس لا تحل الصلاة. قلت: الصواب ما قاله على ما لا يخفي. م: (بارتفاع الشمس) ش: ارتفاعها عند ابيضاضها، وذكر في " المحيط " أن أول وقتها حين تبيض الشمس، وآخر وقتها حين نزولها. وفي " الينابيع " فإذا صليت الصلاة بارتفاع الشمس يريد به إذا حل الوقت بالمباح للصلاة وذلك إذا ارتفعت الشمس وابيضت، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله- وأكثر أهل العلم. وقال الشافعي ﵀ أول وقتها طلوع الشمس، ويستحب تأخيرها قدر رمح. م: (دخل وقتها إلى الزوال) ش: أي إلى زوال الشمس عن كبد السماء. [وقت صلاة العيدين] م: (وإذا زالت الشمس خرج وقتها؛ لأن النبي ﷺ «كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين» ش: قال الزيلعي: هذا حديث غريب، وقال السروجي: قال شمس الدين سبط بن الجوزي: متفق عليه. وروى أبو داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، ثنا يزيد بن خمير الرحبي، قال: «خرج عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح» أي وقت جواز التسبيح أي صلاة
следующие страницы →