Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
فصل في العروض الزكاة واجبة في عروض التجارة كائنة ما كانت إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب
ــ
[البناية]
[فصل في العروض] [زكاة العروض حكمها وشروط وجوبها]
م: (فصل في العروض) ش: أي هذا فصل في بيان حكم الزكاة في العروض. العروض بضم العين جمع عرض وهو المتاع القيمي، وقيل: هو ما ليس بنقد، والعرض بفتحتين حطام الدنيا، كذا في " المغرب " و" الصحاح "، وفيه العرض بسكون الراء: المتاع وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير، قال أبو عبيد: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا، ولا عقارا، وقال السغناقي: فعلى هذا جعل العروض هاهنا جمع عرض بسكون الراء أولى، بل هو واجب؛ لأنه في بيان حكم الأموال التي هي غير الدراهم والدنانير والحيوانات والعرض بالضم الجانب، ومنه أوصى بعرض ماله، أي بجانب منه بلا تعيين، والعرض: بالكسر ما يحمد الرجل ويذم عند وجوده وعدمه، وإنما أخر هذا الفصل للاختلاف فيها، أو لأنها تقوم بالنقدين فيكون بناء عليهما.
م: (الزكاة واجبة في عروض التجارة) ش: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في العروض، ورويناه عن ابن عمر، وابن عباس والفقهاء السبعة: ابن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة وسليمان بن يسار وطاوس والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
وقال ربيعة ومالك: لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير فحينئذ تلزمه زكاة عام واحد، وقال في " المبسوط ": وإن مضى عليها أحوال، وقالت الظاهرية: لا زكاة في العروض للتجارة، وعن ابن عباس ﵄ كذلك.
م: (كائنة ما كانت) ش: كلمة - ما- مصدرية، وكانت تامة، وكائنة نصب على الحال، والتقدير: الزكاة واجبة حال كائن كونهما من أي شيء كان من جنس ما تجب فيه الزكاة، كالسوائم، أو من جنس ما لا تجب فيه الزكاة كالثياب والبغال والحمر، م: (إذا بلغت قيمتها) ش: أي قيمة العروض م: (نصابا) ش: لأن المعتبر فيها الغناء بقيمتها، وذلك موجود في جميع الأشياء م: (من الورق) ش: بكسر الراء أي الفضة المضروبة م: (أو الذهب) ش: المضروب.
وفي " الذخيرة " و" المرغيناني ": يعتبر في تقويم العروض بالتجارة بالدراهم المضروبة حتى إن من اشترى عبدا للتجارة بنقرة فضة وزنها مائتان، ولا تساوي مائتي درهم مضروبة لا تجب فيه الزكاة، وإن وجبت في رأس ماله؛ لأن عين الذهب والفضة لا يعتبر فيها الضرب ولا التقويم له إنما جعل نصابها أخذ قيمتها؛ لأنه لا نصاب لها في نفسها، والمقصود منها ليست أعيانها، وإنما المقصود هو التمول بمعانيها، فجعل نصابها من مقصودها وهي القيمة، ثم الزكاة
стр. 1717
لقوله ﷺ فيها: «يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم»
ــ
[البناية]
تجب في العروض في عينها حتى إذا هلكت بعد الحول سقطت الزكاة. وقال الشافعي ﵁: في قيمتها.
فإن قلت: كل مال اعتبر فيه النصاب تعلق الوجوب به، أصله الأعيان الماشية.
قلت نصابها عندنا من أعيانها، وإنما يعتبر التقويم ليعلم أن العين قد بلغت مقدارا معلوما كما يتعين الوزن والعدد ليبلغ وزنا معلوما وعددا معلوما.
م: (لقوله ﷺ فيها: «يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم» ش: أي لقول النبي ﷺ في عروض التجارة يقومها إلى آخره، وهذا حديث غريب لا يعرف من رواه من الصحابة ﵃، ومن رواه منهم، وفي هذا الباب أحاديث مرفوعة وموقوفة، فمن المرفوعة: ما رواه أبو داود في "سننه "، حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان، عن سمرة بن جندب، قال: أما بعد فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع وسكت عنه، فيدل على أنه صحيح عنده وكذلك المنذري بعده. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن.
ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه " بإسناده إلى أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته، ومن دفع دنانير أو دراهم، أو تبرا، أو فضة لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة» ، وصححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين.
ومنها ما رواه الطبراني في "معجمه " بإسناده عن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالرقيق؛ الرجل أو المرأة الذين هم تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم صدقة، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع» ورواه الدارقطني أيضا.
ومن الموقوفة: ما رواه أحمد في "مسنده " وعبد الرزاق في "مصنفه " والدارقطني في "سننه " حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه أنه
стр. 1718
ولأنها معدة للاستنماء بإعداد العبد فأشبه المعد بإعداد الشرع، وتشترط نية التجارة؛ ليثبت الإعداد، ثم قال: يقومها بما هو أنفع للمساكين؛ احتياطا لحق الفقراء.
ــ
[البناية]
قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بي عمر بن الخطاب ﵁ فقال لي: أد صدقة مالك فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو الأدم والجعاب قال: قومها وأد زكاتها. ومنها ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو تجارة أو دواب أو بز للتجارة تدار الزكاة فيه كل عام.
ومنها ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن حنبل: ثنا حفص بن غياث، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلا إذا كان للتجارة.
ومنها: ما رواه عبد الرزاق عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم قالوا: في العروض تدار الزكاة كل عام لا تؤخذ منها الزكاة حتى لا يأتي ذلك الشهر من عام قابل.
م: (ولأنها) ش: أي ولأن العروض م: (معدة) ش: أي مهيأة م: (للاستنماء) ش: أي لطلب النماء م: (بإعداد العبد فأشبه المعد بإعداد الشرع) ش: المعد بضم الميم وفتح العين وتشديد الدال وهو الذهب والفضة م: (ويشترط فيه نية التجارة ليثبت الإعداد) ش: أي حالة الشراع، أما إذا كانت النية بعد الملك فلا بد من اقتران عمل التجارة بنيته؛ لأن مجرد النية لا يعمل فلا يصير حتى يبيعه بالإجماع إلا عند الكرابيسي من أصحاب الشافعي ﵁ وأحمد في رواية فإنه يصير للتجارة بمجرد النية في " جوامع الفقه " السالمة إذا نوى أنه إن وجد ربحا يبيعها لا يبطل السوم، ولو نوى أنه يجعلها علوفة أو يعمل عليها لا تبطل السوم ما لم يفعل، بخلاف عروض التجارة إذا نواها للقنية حيث تبطل التجارة، وكذا العبد إذا نواه للخدمة، وعن محمد إذا نوى أن يستخدمه فاستخدمه لا تبطل التجارة ما لم يجعله للخدمة، ولو اشترى الجلاب شياها، والقصاب اللحم فهي للتجارة، وإن رعاها في المفازة لم يبطل كونها للتجارة؛ لأن المرعى للتخفيف في المؤنة.
م: (ثم قال ﵀) ش: أي القدوري أو محمد -رحمهما الله- م: (يقومها بما هو أنفع للمساكين احتياطا لحق الفقراء) ش: أي يقوم العروض التي للتجارة بالذي هو أنفع للفقراء، وهو أن يقومها بأنفع النقدين، وبه قال أحمد؛ لأن المال في يد المالك في زمان طويل وهو المنتفع فلا بد من اعتبار منفعة للفقراء عند التقويم، ولا بد أن يقوم بما يبلغه نصابا حتى إذا قومت بالدراهم تبلغ نصابا، وإذا قومت الذهب لا تبلغ نصابا تقوم بالدراهم وبالعكس كذلك.
فإن قلت: في خلافه نظر للمالك وحقه يعتبر، ألا ترى أنه ﷺ نهى عن أخذ كرائم الأموال في الزكاة واشترط الحول فيها.
قلت: المالك أسقط حقه بالاستنماء مدة الحول فيوفر حظ الفقراء بالتقويم بالأنفع مراعاة.
стр. 1719
قال ﵁: وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀ وفي الأصل خيره، لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء،
وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقومها بما اشترى إن كان الثمن من النقود، لأنه أبلغ في معرفة المالية، وإن اشتراها بغير النقود بأن اشتراها بالعروض قومها بالنقد الغالب. وعن محمد ﵀ أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال كما في المغصوب والمستهلك،
ــ
[البناية]
للحقين بقدر الإمكان.
م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه بالتقويم بما هو أنفع للمساكين م: (رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: في التقويم أربعة أقوال، أحدهما هذا المذكور عن أبي حنيفة وكذا ذكر في " الأمالي " يقومها بأنفع النقدين للفقراء، وفي " التحفة " و" القنية ": يقومها بأوفر القيمتين وأنظرهما وأكثرهما زكاة.
م: (وفي الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (خيره) ش: أي خير أبو حنيفة ﵀ المالك في التقويم بما شاء من النقدين، وهذا هو القول الثاني م: (لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء) ش: لأن التقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك سواء.
م: (وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: ما المراد من قوله في القول الأول - يقومها بما يبلغ نصابا الأنفع- فإن الأنفع الذي هو الأفضل يحتمل أن يكون من جهة إيصال النفع للفقراء مطلقا. فأجاب بقوله: وتفسير الأنفع يعني المراد بالأنفع من هذه الحيثية يعني كون التقويم بما يبلغ نصابا هو الأنفع لهم لا مطلق النفع.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقومها بما اشترى) ش: وبه قال الشافعي، وهذا هو القول الثالث، يعني يقوم العروض بالثمن الذي اشتراها م: (إن كان الثمن من النقود) ش: أي من الدراهم أو الدنانير م: (لأنه أبلغ في معرفة المالية) ش: لأنه ظهر قيمتها مرة بهذا النقد الذي وقع به الشراء والظاهر إن اشتراها بقيمتها فكان هذا النقد أكثر تعريفا لقيمتها من نقد آخر.
م: (وإن اشتراها بغير النقود بأن اشتراها بالعروض قومها بالنقد الغالب) ش: في نقود البلد فإنه لو اشتراها بعروض فإنه لا يصح تقويمها للأشياء، وكذا لو ورثه فوجب التقويم بغالب نقد البلد، وإن كان مسافرا يقومها في البلد الذي يصير إليه.
م: (وعن محمد ﵀ أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال) ش: هذا هو القول الرابع، وبه قال الشافعي في وجه قوله -على كل حال- يعني سواء اشتراها بأحد النقدين أو بغيره لأن كل ما يحتاج فيه إلى التقويم يعتبر فيه النقد الغالب م: (كما في المغصوب والمستهلك) ش: أي كما يقوم بالنقد الغالب وقت الحاجة إلى تقويم المغصوب والذي استهلكه بغصب فلا يقوم إلا بالنقد الغالب وقت الحاجة في البلد.
стр. 1720
وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه أما لا بد منه في ابتدائه للانعقاد وتحقق الغنى بالنصاب وفي انتهائه للوجوب، ولا كذلك فيما بين ذلك
ــ
[البناية]
وفي " المجتبى ": الوجوب بالعروض عندنا باعتبار قيمتها حتى يخير بين أداء ربع عشر قيمتها أو ربع عشر عينها وهو أحد قولي الشافعي ﵃: فيه ثلاثة أقوال: في قول: يخرج ربع عشر القيمة وهو نصه في " الأم " وعليه الفتوى، وفي قول ربع عشر العرض، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول: يتخير بينهما وهو قول أبي حنيفة كذا في " الحلية ".
م: (وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك) ش: أي فيما بين طرفي الحول م: (لا يسقط الزكاة) ش: وإنما قيدنا بالنقصان احترازا عن هلاك كل النصاب، فإنه ينقطع الحول به بالاتفاق، وذكر النصاب مطلقا ليتناول كل مال تجب فيه الزكاة كالنقدين والسوائم، وقال زفر: يشترط كمال النصاب من أوله إلى آخره، والشافعي ﵀ فيه أربعة أقوال:
أحدهما: أنه لو تلف بعض النصاب أو أتلفه ينقطع الحول. وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: إن أتلفه لقصد الفرار عن الزكاة لا ينقطع الحول وإلا ينقطع.
والثاني: مثل مذهبنا. والثالث: يعتبر في آخر الحول.
والرابع: أنه يعتبر بعض التنقيص دون بعض الكساد، وفي السوائم والنقدين يشترط كمال النصاب في جميع الحول عنده وفي " المحيط ": اشترى عصيرا للتجارة ثم تخمر ثم تخلل فهو للتجارة، وكذا شاة التجارة إذا ماتت فدبغ جلدها فهو للتجارة وعبد التجارة إذا قتل خطأ فدفع بدله، والثاني للتجارة بخلاف العمد لو صالحه الولي على عبد أو غيره لم يكن للتجارة ويبطل بالكتابة، وإذا عجز لا يعود للتجارة، ولو باع مال التجارة في الحول بجنسها أو بغير جنسها لا ينقطع الحول، وفي " المجتبى ": الدين في خلال الحول لا يقطع حكم الحول وإن كان مستغرقا وقال زفر ﵀: ينقطع.
م: (لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه) ش: أي يشق اعتبار كمال النصب في أثناء الحول لأنه قد يزيد وقد ينقص، واعتبار الزيادة والنقصان في كل ساعة يفضي إلى الحرج وذلك مدفوع شرعا م: (أما لا بد منه) ش: أي من كمال النصاب م: (في ابتدائه) ش: أي في ابتداء الحول م: (للانعقاد) ش: أي لانعقاد السبب م: (وتحقق الغنى في انتهائه) ش: أي انتهاء الحول م: (للوجوب) ش: أي لوجوب الزكاة م: (ولا كذلك) ش: أي وليس الحكم كما ذكرنا م: (فيما بين ذلك) ش: أي فيما بين الابتداء والانتهاء.
стр. 1721
لأنه حالة البقاء، بخلاف ما لو هلك الكل حيث يبطل حكم الحول، ولا تجب الزكاة لانعدام النصاب في الجملة ولا كذلك في المسألة الأولى، لأن بعض النصاب باق فيبقى الانعقاد. قال: وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب، لأن الوجوب في الكل باعتبار التجارة وإن افترقت جهة الإعداد ويضم الذهب إلى الفضة للمجانسة من حيث الثمنية، ومن هذا الوجه صار سببا،
ــ
[البناية]
م: (لأنه حالة البقاء بخلاف ما لو هلك الكل حيث يبطل حكم الحول، ولا تجب الزكاة لانعدام النصاب في الجملة ولا كذلك في المسألة الأولى، لأن بعض النصاب باق فيبقى الانعقاد) ش: أي بقاء شيء من النصاب فيضم المستفاد إليه وهو خاتم فضة، وذلك لتمكن القول ببقاء الانعقاد حتى لو هلك جميع النصاب في أثناء الحول لعدم النصاب، والانعقاد جميعا لعدم المحل.
م: (قال: وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب) ش: هذا بالإجماع م: (لأن الوجوب) ش: أي وجوب الزكاة م: (في الكل) ش: أي في قيمة العروض والذهب والفضة م: (باعتبار التجارة) ش: أي تجب باعتبار التجارة م: (وإن اختلفت جهة الإعداد) ش: أي التهيئة للتجارة، لأن الإعداد في العروض جهة العباد لا إعداد التجارة، وفي الذهب والفضة من الله حيث خلقهما للتجارة.
م: (ويضم الذهب إلى الفضة) ش: عندنا خلافا للشافعي ﵀ لكن أصحابه الثلاثة اختلفوا في كيفية الضم على ما يجيء الآن، وقال الشافعي وأحمد ﵄ في رواية، وأبو ثور، وداود: لا تضم له م: (للمجانسة من حيث الثمنية) ش: أي علة الضم المجانسة بين الذهب والفضة، باعتبار الثمنية لأن كل واحد منهما ثمن فإذا كان ما هو يعد في المجانسة علة للضم، وهو العروض، فلأن يكون في الأقرب أولى م: (ومن هذا الوجه صار سببا) ش: أي من حيث الثمنية صار كل واحد من الذهب والفضة سببا لوجوب الزكاة، ودليل الشافعي ﵀ -أنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما إلى الآخر لتكميل النصاب بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما كالسوائم.
قلنا: هذا ينتقض بضم العروض إلى العروض، وفي الدراهم، ولا يرد السوائم لأن علة الضم هي المجانسة هي ظاهرة بين الذهب، والفضة، لأنهما يقوم بهما الأشياء، وكذا بين عروض التجارة والذهب والفضة، لأن الكل للتجارة بخلاف السوائم لأنه لا مجانسة بينها عند اختلاف الجنس فلا يضم بعضها إلى بعض، وكذا لا مجانسة بينها وبين الذهب والفضة، لأنها ليست للتجارة، ولنا أيضا ما روي عن بكير بن عبد الله الأشج أنه قال: من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة لإيجاب الزكاة، والسنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول الله ﷺ ، ذكره صاحب " المبسوط "، و" البدائع " وغيرهما، وبكير بن عبد الله بن الأشح القرشي روى له
стр. 1722
ثم تضم القيمة عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما بالأجزاء وهو رواية عنه، حتى إن من كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب، وتبلغ قيمتها مائة درهم فعليه الزكاة عنده خلافا لهما،
ــ
[البناية]
الجماعة.
م: (ثم تضم القيمة عند أبي حنيفة ﵀) ش: إن شاء قوم العروض، ويضمها على الدراهم والدنانير، وإن شاء قوم الدراهم والدنانير فيضم قيمتها إلى قيمة العروض، وبه قال الأوزاعي، والثوري، وأحمد في رواية م: (وعندهما بالأجزاء) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد: الضم بالأجزاء، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، ولا يرى الشافعي الضم، وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وأبو داود، وذهب آخرون إلى أن الضم إنما يكون إذا كمل النصاب من أحدهما، بيان ذلك: إذا كان أحدهما ثلثا النصاب فلا بد أن يكون الآخر ثلثي النصاب وكذلك النصف وغيره، ولو كانت عشرة دنانير، ومائة درهم، وقيمة الدنانير ما يجب الضم بالاتفاق، على اختلاف التخريج عنده باعتبار القيمة وعندهما باعتبار الأجزاء، ولو كانت مائة درهم، وخمسة دنانير قيمتها خمسون لا يضم بالاتفاق كذا في " التحفة "، ولو كانت مائة وخمسين درهما، وخمسة دنانير وقيمة الدنانير لا تساوي خمسين درهما تجب الزكاة على قولهما.
واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀، قال بعضهم: لا تجب عنده لأن الضم عنده باعتبار القيمة وبضم الأقل إلى الأكثر، لأن الأقل تابع للأكثر فلا يكمل النصاب.
وقال الفقيه أبو جعفر: يجب على قوله، وهو الصحيح أن يضم الأكثر إلى الأقل كذا في " المختلفات ". وذكر البزدوي: تضم بالقيمة، وبالأجزاء عنده، وعندهما بالأجزاء فقط، وفي الأسبيجابي وغيره: معنى الضم بالأجزاء أن يكون من كل واحد منهما نصف نصاب من غير نظر إلى قيمتها أو من أحدهما نصف وربع، ومن الآخر ربع، أو من أحدهما نصف، وربع، وثمن، ومن الآخر ثمن.
وفي " المحيط ": لو زاد على النصابين أقل من أربعين درهما، أو أقل من أربعة مثاقيل من الذهب تضم إحدى الزيادتين إلى الأخرى ليتم النصاب أربعين درهما، أو أربعة مثاقيل عنده، وعندهما لا يضم، لأن الزكاة تجب في الكسور عندهما، والنصف ليس بشرط فيهما. م: (وهو رواية عنه) ش: أي الضم بالأجزاء إنما هو مذهب صاحبيه رواية عن أبي يوسف ﵀ رواها هشام عنه، وفي " المفيد ": رواها الحسن عنه.
م: (حتى إن من كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب، وتبلغ قيمتها مائة درهم فعليه الزكاة عنده خلافا لهما) ش: هذا بيان نتيجة الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه في كيفية ضم الذهب إلى غيره من الفضة وهو ظاهر.
стр. 1723
هما يقولان المعتبر فيهما القدر دون القيمة حتى لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقها، هو يقول: إن الضم للمجانسة وهو يتحقق باعتبار القيمة دون الصورة فيضم بها والله أعلم.
ــ
[البناية]
م: (هما يقولان) ش: أي أبو يوسف، ومحمد يقولان: م: (إن المعتبر فيهما القدر دون القيمة) ش أي الاعتبار في الذهب، والفضة القدر يعني عينهما لا قيمتهما م: (حتى لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقها) ش: في مصوغ نحو إبريق، أو كأس، أو نحوهما إذا كان وزنه أقل من مائتي درهم قيمته مائتا درهم لا تجب الزكاة فيها بالاتفاق، لأن القيمة ساقطة الاعتبار فيهما كما في سائر حقوق العباد.
م: (هو يقول) ش: أي أبو حنيفة يقول: م: (إن الضم للمجانسة) ش: أي ضم الذهب إلى الفضة للمجانسة بينهما في الثمنية م: (وهو) ش: أي المجانسة م: (يتحقق باعتبار القيمة دون الصورة) ش: لأن في اعتبار الأجزاء اعتبار الصورة، ومسألة المصوغ ليست فيما نحن فيه، إذ ليس فيها ضم شيء إلى آخر حتى تعتبر القيمة، فإن القيمة في النقود إنما تظهر شرعا عند مقابلة أحدهما بالآخر وهاهنا ليس كذلك م: (فيضم بها) ش: أي فيضم الذهب إلى الفضة يعني باعتبارها.
стр. 1724
باب فيمن يمر على العاشر إذا مر على العاشر بمال فقال: أصبته منذ أشهر
ــ
[البناية]
[باب فيمن يمر على العاشر] [الخلاف بين المزكي والعاشر]
م: (باب فيمن يمر على العاشر) ش: أي: هذا باب في بيان حكم من يمر على العاشر، وألحق هذا الباب بكتاب الزكاة اتباعا " للمبسوط "، و" شرح الجامع الصغير ". ووجه المناسبة فيه ظاهرة، لأن العشر المأخوذ من المسلم المار على العاشر هو الزكاة بعينها، إلا أن العاشر كما يأخذ من المسلم يأخذ من الذمي والمستأمن، وليس المأخوذ منهما زكاة، فقدم الزكاة على هذا الباب على ما بعده، لأن الزكاة إحدى أركان الدين، وأما تقديم الصلاة عليها فظاهر.
ولفظ العاشر اسم فاعل من عشرت القوم أَعشُرهم عُشرا بالضم إذا أخذت منهم عُشر أموالهم، فعلى هذا فتسمية العاشر الذي يأخذ العشر إنما يستقيم على أخذه من الحربي لا من المسلم والذمي، لأنه يأخذ من المسلم ربع العشر، وفي " الصحاح ": عشرت القوم أعشُرهم، بضم الشين عُشرا بضم الشين عشر العين إذا أخذت عُشر أموالهم، ومنهم العاشر، والعشّار بتشديد وعشِرت غيرهم بالكسر عَشرا بالفتح إذا صرتَ عَاشِرَهم، وعَاشِر العشرة أحدهم، وعاشر التسعة مُصيِّر التسعة عشرة بنفسه، والعاشر من نصبه الإمام لأخذ الصدقات من التجارة من المال الذي تجب فيه الزكاة ويأمن التجارة ببقائه في المفاوز من قطاع الطريق، واللصوص.
فإن قلت: روي عن النبي ﷺ أنه لعن العاشرين وذمهم.
قلت: " هذا محمول على من يأخذ أموال الناس ظلما وهم القوم المكاسون الذين يأخذون من التجار في مصر والشام وحلب، في أكثر من عشرة مواضع ظلما وعدوانا، ويقولون: نأخذ الزكاة ويكفرون بسبب ذلك، وهم الذين لعنهم النبي ﷺ وقال: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» .
م: (إذا مر على العاشر بمال) ش: أي إذا مر شخص على العاشر بمال من الأموال الباطنة، وإنما قلت كذا لأن في الأموال الظاهرة وهي السوائم لا يحتاج العاشر إلى مرور صاحبها أي صاحب المال عليه في ثبوت ولاية الأخذ له، فإن له أن يأخذ عشر الأموال الظاهرة منه، وإن لم يمر صاحب المال عليه، أما في الأموال الباطلة الأداء لصاحب المال لكونه غير محتاج إلى الحماية، فإذا أخرجها إلى المفاوز احتاج إليها فصارت كالسوائم م: (فقال: أصبته منذ أشهر) ش: أي فقال صاحب المال: أصبت هذا المال يعني لم يحل عليه الحول فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول.
فإن قلت: قوله: منذ أشهر، كيف يراد به ما دون الحول.
стр. 1725
أو علي دين وحلف صدق،
والعاشر من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار، فمن أنكر منهم تمام الحول أو الفراغ من الدين كان منكرا للوجوب، والقول قول المنكر مع اليمين، وكذا إذا قال أديتها إلى عاشر آخر ومراده إذا كان في تلك السنة عاشر آخر، لأنه ادعى وضع الأمانة موضعها، بخلاف
ــ
[البناية]
قلت: الأشهر جمع قلة يقع على العشرة فما دونها، فلا بد أن يراد بها ما دون الستة. هذا الطريق، ورأيت بخط الأترازي منذ شهر بالإفراد، والظاهر أنه سهو منه، لأن النسخ كلها بلفظ أشهر، وكذا الشراح مشوا عليه.
م: (أو علي دين) ش: أي أو قال: علي دين يرد به دينا محيطا بماله والمراد بالدين دين العباد الذي عليه المطالبة من جهتهم والذي لا يطالب من جهتهم لا يمنع الزكاة، وهذا أيضا إذا لم يكن في يده مال آخر من جنس النصاب فقد حال عليه الحول، فإذا كان في يده شيء من ذلك لا يلتفت العاشر إلى قوله: ويأخذ من المال الذي لم يحل عليه الحول، لأن المستفاد عندنا يضم إلى ما عنده من النصاب، إلا أن يكون من إبل الزكاة فحينئذ لا يأخذ باعتبار نصاب آخر عنده حال عليه الحول، وكذا لا يأخذ إذا كان المال للصبي أو المجنون.
م: (وحلف صدق) ش: لأن القول للمنكر مع يمينه، وكذا لا يأخذ إذا تصدق مع يمينه إذا قال: المال لي وأنا أجير فيه، أو هو وديعة عندي أو بضاعة أو ليس للتجارة، أو قال: أنا مضارب أو مكاتب أو عبد مأذون له، وفي " خزانة الأكمل ": إذا كان رب المال معه فإنه يعشره، وعند أبي يوسف ﵀ " لا يمين عليه في هذه الوجوه كلها لأنها عبادة ولا يمين في عبادات كالصوم والصلاة والحج، ووجه ظاهر الرواية أنه لا مكذب له في العبادات وهنا يكذبه العاشر، وبهذا يحصل الجواب عن سؤال السغناقي بقوله: الزكاة عبادة لله تعالى كالصوم والصلاة فلا يشترط التحليف.
فإن قلت: يرد عليه حد القذف فإنه لا يستحلف فيه، مع أن فيه حق العبد.
قلت: شرعت اليمين للنكول، والقضاء بالنكول متعذر في الحدود.
م: (والعاشر من نصبه الإمام على الطريق) ش: أي الطريق الذي يمر عليه أصحاب الأموال م: (ليأخذ الصدقات من التجار) ش: أي الزكاة.
م: (فمن أنكر منهم) ش: أي من التجار م: (تمام الحول) ش: أي قال: ما حال الحول م: (أو الفراغ من الدين) ش: بأن قال: علي دين محيط بمالي م: (كان منكرا للوجوب) ش: أي لوجوب الزكاة م: (والقول قول المنكر مع يمينه) ، وكذا إذا قال: أديتها إلى عاشر آخر) ش: أي غير هذا العاشر م: (ومراده إذا كان في تلك السنة عاشر آخر لأنه ادعى وضع الأمانة) ش: أي الزكاة م: (موضعها بخلاف
стр. 1726
ما إذا لم يكن عاشر آخر في تلك السنة لأنه ظهر كذبه بيقين، وكذا إذا قال: أديتها أنا يعني إلى الفقراء في المصر، لأن الأداء كان مفوضا إليه فيه وولاية الأخذ بالمرور لدخوله تحت الحماية، وكذا الجواب في صدقة السوائم في ثلاثة فصول، وفي الفصل الرابع وهو ما إذا قال: أديت بنفسي إلى الفقراء في المصر لا يصدق وإن حلف. وقال الشافعي ﵀: يصدق لأنه أوصل الحق إلى المستحق، ولنا أن حق الأخذ للسلطان، فلا يملك إبطاله بخلاف الأموال الباطنة، ثم قيل الزكاة في الأول والثاني سياسة،
ــ
[البناية]
ما إذا لم يكن عاشر آخر) ش: أي غير هذا العاشر فإنه لا يصدق م: (لأنه ظهر كذبه بيقين وكذلك) ش: وكذا إذا القول، قوله: فيصدق مع يمينه م: (إذا قال: أديتها أنا يعني إلى الفقراء في المصر لأن الأداء كان مفوضا إليه) ش: أي إلى المالك م: (وفيه) ش: أي في المصر م: (وولاية الأخذ) ش: للساعي إنما تكون م: (بالمرور) ش: أي بمرور المالك على الساعي م: (لدخوله تحت الحماية) ش: بالمرور عليه.
م: (وكذا الجواب في صدقة السوائم) ش: إذا قال العاشر في الإبل والبقر والغنم م: (في ثلاثة فصول) ش: أولها: قوله أصبتها منذ أشهر، والثاني قوله: أو علي دين، والثالث قوله: أديت إلى عاشر آخر، وفي تلك السنة عاشر آخر ففي هذه الفصول الثلاثة إذا حلف صدق فيكون القول قوله.
م: (وفي الفصل الرابع وهو ما إذا قال: أديت بنفسي إلى الفقراء لا يصدق وإن حلف، وقال الشافعي ﵀: يصدق) ش: فيكون القول قوله، وهذا قول الشافعي ﵀ في الجديد. وقال في القديم: لا يصدق وبه قال مالك وأحمد، وقال النووي ﵀ في " شرح المهذب ": أما الأموال الظاهرة على الزروع والثمار والمواشي والمعادن ففي أصح القولين وهو الجديد جواز تفريقه بنفسه، وفي القديم منعه، فإن دفعها بنفسه فعليه دفع ثان إلى الإمام أو نائبه، وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا م: (لأنه أوصل الحق إلى المستحق) ش: وهو الفقير، وأسقطوا المؤنة عن الساعي.
م: (ولنا أن حق الأخذ للسلطان فلا يملك المالك إبطاله) ش: أي إبطال حق السلطان م: (بخلاف الأموال الباطنة) ش: لأنها مفوضة إليه.
م: (ثم قيل) ش: أشار به إلى أن في الفصل الرابع لما لم يصدق في قوله، وأخذ منه الساعي ثانيا ماذا يكون حكمه وهو أن فيه الخلاف، فقال بعضه: م: (الزكاة في الأول) ش: يعني تقع الزكاة في دفعه بنفسه، لأنه أوصل الحق إلى مستحقه م: (والثاني) ش: وهو أخذ الساعي ثانيا يكون م: (سياسة) ش: زجرا له حتى لا يفعل ذلك مرة أخرى، وزجرا لغيره عن الإقدام على ما ليس له، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه وهو في الأجوف الواوي، وفي " المغرب ": يقال
стр. 1727
وقيل: هي فيه الثاني والأول ينقلب نفلا وهو الصحيح، ثم فيما يصدق في السوائم وأموال التجارة لم يشترط إخراج البراءة في " الجامع الصغير " وشرطه في الأصل وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لأنه ادعى ولصدق دعواه علامة فيجب إبرازها، وجه الأول أن الخط يشبه الخط فلا يعتبر علامة.
ــ
[البناية]
للرجل: يسوس الدواب إذا قام عليها وساسها، ومنه الوالي يسوس الرعية سياسة أي يلي أمرهم.
م: (وقيل: هي) ش: أي الزكاة م: (وفي الثاني) ش: يعني في أخذ الساعي لأن الزكاة حق الله تعالى، وإنما يستوفيه من انتصب ثانيا في استيفاء حقوقه، فلا تبرأ ذمته إلا بالصرف إليه م: (والأول ينقلب نفلا) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: الزكاة إذا كانت في أخذ العاشر، فماذا يكون حكم الذي دفعه المالك إلى الفقير، فأجاب عنه بأن الأول وهو دفع المالك الزكاة إلى الفقير يقع نفلا، كمن صلى في منزله الظهر ثم سعى إلى الجمعة ينقلب ظهره نفلا م: (وهو الصحيح) ش: أي القول الثاني هو الصحيح، واحترز به عن القول الأول، وجه الصحة أنه لما ثبت ولاية الأخذ للسلطان شرعا في الأموال الظاهرة كان أداء رب المال فرضا لغوا كما لو أدى الجزية إلى المقاتلة بنفسه.
م: (ثم فيما يصدق) ش: أي ثم في الذي يصدق رب المال م: (في السوائم وأموال التجارة لم يشترط) ش: محمد ﵀ م: (إخراج البراءة) ش: أي خط البراءة أراد به العلامة، وفي " المغرب " البراءة اسم لخط الإبراء من برئ من الدين والعيب براءة والجمع براءات، والبراءات لغة العامة م: (في الجامع الصغير) ش: وهو الذي صنفه الإمام محمد ﵀ م: (وشرطه) ش: أي شرط محمد ﵀ إخراج البراءة م: (في الأصل) ش: أي " المبسوط ". م: (وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀) ش: أي شرط محمد إخراج البراءة وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة م: (لأنه ادعى) ش: أي لأن رب المال ادعى الدفع.
م: (ولصدق دعواه علامة فيجب إبرازها) ش: أي إظهارها، لأن العادة أن العاشر إذا أخذ كتب بذلك براءة، فإذا لم يكن معه براءة فالظاهر يكذبه فلم يقبل قوله من غير براءة، كالمرأة إذا أخبرت بالولادة، فإن شهدت القابلة قبلت وإلا فلا، ثم على قول من يشترط إخراج البراءة هل يشترط اليمين معها؟ فقد اختلف فيه، وفي " المحيط " و" جامع التمرتاشي ": إذا لم يحلف لم يصدق عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يصدق لشهادة الظاهر له.
م: (وجه الأول) ش: أي وجه القول الأول وهو عدم اشتراط إخراج البراءة م (أن الخط يشبه الخط) ش: لأن التزوير يدخله فلا يمكن جعله حكما م: (فلا يعتبر علامة) ش: وقال الأترازي فيها: وقال صاحب الهداية في قوله: فيما يصدق في السوائم وأموال التجارة نظر، لأن ما يصدق في السوائم الفصول الثلاثة المذكورة، لأنه إذا قال: علي دين أو غوصبت منذ أشهر أو
стр. 1728
قال: وما صدق فيه المسلم صدق فيه الذمي، لأن ما يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم، فتراعى تلك الشرائط تحقيقا للتضعيف، ولا يصدق الحربي إلا في الجواري يقول: هن أمهات أولادي أو غلمان معه يقول: هم أولادي لأن الأخذ منه بطريق الحماية وما في يده من المال يحتاج إليها
ــ
[البناية]
أديتها إلى الفقير في المصر فمن يأتي بخطوط براءة العاشر ولا يصدق ذلك إلا في صورة واحدة، وهو أن يقول: أديته إلى عاشر آخر وفي تلك السنة عاشر آخر، فأجاب الأكمل عن ذلك بأنه ذكر العام وأراد به الخاص أي الصورة المذكورة مجازا، انتهى.
قلت: كأنه أخذ الجواب من كلام الأترازي لأنه لما اعترض بالمذكور أجاب هكذا ولا يخلو عن تأمل فافهم.
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ م: (وما صدق فيه المسلم) ش: أي كل ما صدق فيه المسلم من قوله: علي دين، أو لم يحل عليه الحول، أو أديته إلى عاشر آخر، أو هو ليس للتجارة أو هو بضاعة عندي م: (صدق فيه الذمي) ش: إذا حلف م: (لأن ما يؤخذ منه) ش: أي من الذمي م: (ضعف ما يؤخذ من المسلم) ش: لأنه يؤخذ منه نصف العشر م (فتراعى تلك الشرائط) ش: وهي النصاب وحولان الحول والفراغ من الدين م: (تحقيقا للتضعيف) ش: أي لأجل تحقيق التضعيف، وهو أخذ نصف العشر ضعف ما يؤخذ من المسلم وهو ربع العشر، لأن تضعيف الشيء إنما يكون إن كان للضعف على أوصاف المضعف عليه، وإلا يلزم أن يكون تبديلا فيراعى فيه الشروط المذكورة.
م: (ولا يصدق الحربي إلا في الجواري، يقول: هن أمهات أولادي) ش: أي لا يصدق الحربي الذي دخل دارنا بأمان ومر على العاشر في الفصول المذكورة كلها إلا في الجواري إذا قال: هن أمهات أولادي م: (أو غلمان معه يقول: هم أولادي لأن الأخذ منه بطريق الحماية وما في يده من المال يحتاج إليها) ش: أي إلى الحماية، إذ لو لم تكن لحماية الأمان لكان سببا مع أمواله، وإنما لم يصدق في شيء من الفصول لعدم الفائدة في تصديقه لأنه لو قال: لم يتم الحول فلا اعتبار إليه لأن اعتباره لتحصيل النماء والحماية له تمت بنفس الأمان، وكذا لو قال: علي دين، لأن الدين الذي وجب عليه في دار الحرب لا يطالب به في دارنا، وفيه نظر، لأنه يجوز أن يكون الدين المدعى وجب في دار الإسلام قبل مروره على العاشر، وفي "الولوالجي": لأنهم لا يصدقون تجارنا في دعوى ذلك، فنحن لا نصدقهم أيضا، حتى لو علم أنهم يصدقونهم نصدقهم نحن أيضا.
وكذا لو قال: المال بضاعة لأنه لا حرمة لصاحبها ولا أمان، وكذا لو قال: ليس للتجارة، لأن الظاهر يكذبه، لأنه لا يتكلف إلى نقله إلى غير داره ما لم يكن لها، وكذا لو قال: أديتها إلى
стр. 1729
غير أن إقراره بنسب من في يده صحيح، فكذا بأمومية الولد لأنها تبتنى عليه فانعدمت صفة المالية فيهن، فلا يؤخذ إلا من المال.
قال: ويؤخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر،
ــ
[البناية]
عاشر آخر - لأن المأخوذ أجرة الحماية، وقد وجدت بنفس الأمان هكذا قالوا، وفيه نظر، لأنه لا يتكرر الأخذ منه من غير تجدد الأمان، وهو غير مشروع، وكذا لو قال أديتها أنا لا يصدق، لأن اعتقاده يكذبه.
م: (غير أن إقراره بنسب من في يده صحيح) ش: هذا بيان استثناء في قوله: إلا في الجواري، لأن كونه حربيا لا ينافي الاستيلاد والنسب كما يثبت في دار الإسلام يثبت في دار الحرب، وبه يخرج من أن يكون مالا، والأخذ لا يكون إلا من المال الممرور به. م: (فكذا بأمومية الولد) ش: أي فكذا يصح إقراره بأن هذه أم ولدي م: (لأنها) ش: أي لأن أمية الولد م: (تبتنى عليه) ش: أي على النسب، وفي بعض النسخ لأنه ينبني عليه.
قال الأترازي: أي لأن الشأن يبني أمية الولد على النسب م: (فانعدمت صفة المالية فيهن) ش: أي في أمهات الأولاد، لأنهن لم يبقين إلا بإقراره م: (فلا يؤخذ إلا من المال) ش: وكذا لو قال: هم أولادي لهذا المعنى، وإن قال: هم مدبرون لا يلتفت إليه، لأن التدبير منه لا يصح في دار الحرب، كذا في " جامع المحبوبي "، وكذا لو قال: كنت أعتقتهم في دار الحرب لا يصدق، لأن عتقه فيها لا يصح كتدبيره م: (والأخذ لا يجب إلا من المال) ش: أي أخذ العاشر لا يجب إلا من المال الممرور به.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ م: (ويؤخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر) ش: أي الذي يؤخذ من المسلم الزكاة، لأنه لما أخرج ماله إلى البراري احتاج إلى حماية الإمام، فثبت له ولاية أخذ الزكاة منه كما في السوائم، والذمي أحوج إلى الحماية إذ أطماع اللصوص والسراق إلى أموال أهل الذمة أشد وأكثر، فلذلك وجب الأخذ بضعف ما يؤخذ من المسلم، ولتحقيق الذل بالكفر، وأما الحربي فإنه يؤخذ منه العشر، لأنه لما ثبت الضعف في الذمي ثبت ضعف ذلك في الحربي تحقيقا لقصد الذل.
وما يؤخذ من المسلم زكاة توضع موضع الزكاة وتسقط عنه زكاة تلك السنة، وما يؤخذ من الذمي ليس بزكاة لكن يؤخذ بشرائط الزكاة، وتصرف في مصرف الجزية والخراج، لا تسقط عنهم جزية رءوسهم في تلك السنة، وكذا ما يؤخذ من الحربي يصرف إلى مصارف الجزية، وكيفية الأخذ المذكور هي مذهب أبي حنيفة ﵀ وأصحابه. وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي والثوري وأبو عبيد.
وقال مالك: يؤخذ من تجار أهل الذمة العشر إذا اتجروا إلى غير بلادهم مما قل أو كثر إذا
стр. 1730
هكذا أمر عمر ﵁ سعاته، وإن مر حربي على عاشر بخمسين درهما لم يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلها، لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة بخلاف المسلم والذمي، لأن المأخوذ زكاة أو ضعفها فلا بد من النصاب، وهذا في " الجامع الصغير "، وفي كتاب الزكاة: لا نأخذ من القليل، وإن كانوا يأخذون منا منه، لأن القليل لم يزل عفوا، ولأنه لا يحتاج إلى الحماية.
ــ
[البناية]
باعوا ويؤخذ منهم في سفره كذلك، ولو مرارا في السنة، وإن اتجروا في بلادهم لا يؤخذ منهم شيء، ويؤخذ من الحربي كذلك إلا فيما حملوا إلى المدينة من الحنطة والزيت خاصة، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر فقط وهذا عجيب جدا.
م: (وهكذا أمر عمر ﵁ سعاته) ش: يعنى مثل المذكور أمر عمر بن الخطاب ﵁ سعاته بضم السين جمع ساع وهو عامل الزكاة، رواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا هشام بن حسان عن أنس وابن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك ﵁ على الأيلة فأخرج لي كتابا من عمر بن الخطاب ﵁ يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهم، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهم. وروى الشيخ أبو الحسن القدوري في شرحه لمختصر " الكرخي " أن عمر بن الخطاب ﵁ نصب العشار، وقال لهم: خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، وكان هذا بمحضر الصحابة ﵁ من غير خلاف فكان إجماعا.
م: (وإن مر حربي على عاشر بخمسين درهما لم يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلها) ش: أي من مثل خمسين م: (لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة بخلاف المسلم والذمي لأن المأخوذ زكاة) ش: يعني من المسلم م: (أو ضعفها) ش: أي والمأخوذ من الحربي ضعف الزكاة وهو نصف العشر، فإذا كان كذلك م: (فلا بد من النصاب) ش: لأنه شرط في الأصل فكذا في المضاعف م: (وهذا في الجامع الصغير) ش: أي الذي ذكرنا كذا ذكر في " الجامع الصغير " لمحمد ﵀.
م: (وفي كتاب الزكاة) ش: يعني المذكور في كتاب الزكاة المذكور في الأصل وهو " المبسوط " لمحمد ﵀ أيضا م: (ولا يؤخذ) ش: أي العشر م: (من القليل وإن كانوا يأخذون منه) ش: أي من القليل م: (لأن القليل لم يزل عفوا) ش: لنفقته عادة فأخذهم القليل ظلم، ولا متابعة في الظلم، ألا ترى أنهم لو يأخذون جميع الأموال من التجار لا يؤخذ منهم الجميع لأنه غرر هكذا في " المبسوط " وغيره.
وفي " المحيط ": إن أخذوا منا الجميع يؤخذ منهم الجميع إلا قدر ما يبلغهم إلى مأمنهم م: (ولأنه) ش: أي ولأن القليل م: (لا يحتاج إلى الحماية) ش: لأنه لا يلتفت إليه غالبا.
стр. 1731
قال وإن مر حربي بمائتي درهم ولا يعلم كم يأخذون منا نأخذ منه العشر لقول عمر ﵁ فإن أعياكم فالعشر، وإن علم أنهم يأخذون منا ربع عشر أو نصف عشر يأخذ بقدره، وإن كانوا يأخذون الكل لا يأخذ الكل لأنه غدر، وإن كانوا لا يأخذون أصلا لا نأخذ ليتركوا الأخذ من تجارنا، ولأنا أحق بمكارم الأخلاق. قال وإن مر الحربي على عاشر فعشره، ثم مر مرة أخرى لم يعشره حتى يحول عليه الحول
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀: م: (وإن مر حربي بمائتي درهم ولا يعلم كم يأخذون منا نأخذ منه العشر لقول عمر ﵁: فإن أعياكم فالعشر) ش: قول عمر ﵁ هذا غريب لم يدر معناه، فإن عجزتم عن معرفة ما يأخذون منكم فيؤخذ العشر يقال: عييت بأمر إذا لم يهتد لجهته وأعياني هو: عجزني، وقيل: هو مأخوذ من العي وهو الجهل، فالمعنى فإن جهلكم يعنى إذا اشتبه الحال عليكم، لأن لم يعلم العاشر ما يأخذونه من تجارنا يؤخذ منهم العشر.
م: (وإن علم أنهم يأخذون منا ربع عشر أو نصف عشر يأخذ بقدره، وإن كانوا يأخذون الكل لا يأخذ الكل لأنه غرر) ش: لوقوعه بعد الحماية، والغرر حرام ولأنه أمارة عدم الأمان، وفي " مبسوط" شيخ الإسلام: يؤخذ الكل، لأن ما يؤخذ منهم بطريق المجازاة فيجازيهم بمثل صنعهم حتى ينزجروا م: (وإن كانوا لا يأخذون أصلا) ش: أي وإن كان أهل الحرب لا يأخذون من تجارنا أصلا م: (لا نأخذ) ش: منهم م: (ليتركوا الأخذ من تجارنا ولأنا أحق بمكارم الأخلاق) ش: لأن عدم أخذهم من تجارنا يدل على الكرم منهم، ونحن أولى بذلك.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀: م: (وإن مر الحربي على عاشر فعشره) ش: أي فأخذ منه العشر م: (ثم مر مرة أخرى) ش: بعد دخوله دار الحرب قبل حولان الحول م: (لم يعشره حتى يحول عليه الحول) ش: قيل: فيه تناقض، لأنه قال: حتى يحول عليه الحول، ثم قال: لأنه لا يمكن من المقام إلا حولا، وقال الأترازي: وقد تكلم بعضهم في تصحيح هذا اللفظ. وقال: المراد منه إلى أن يحول عليه الحول، وهذا تكلف بعيد خارج عن العربية، فلعل السهو وقع من الكاتب لأنه لا يجوز أن يكون كلام صاحب " الهداية " لأنه لا يمكن من المقام حولا بدون حرف الاستثناء قبل قوله حولا، أو تجوز لأنه يمكن من المقام إلا حولا بدون حرف النفي قبل قوله يمكن انتهى.
قلت: كأنه أراد بقوله -وقد تكلف بعضهم- بعض من كتب حاشية في هذا الموضع على هذا الوجه.
وقال السغناقي في قوله: لا يمكن من المقام إلا حولا: أي إلا قريبا من الحول، وكذا أوله الكاكي، ورأيت في بعض النسخ كلمة إلا مكشوطة فكأنهم كشطوها حتى لا يرد على المصنف بشيء وليس هذا بصحيح، فإن الشراح كلهم ذكروا كلمة إلا وأجاب كل واحد بجواب.
стр. 1732
لأن الأخذ في كل مرة استئصال المال، وحق الأخذ لحفظه ولأن حكم الأمان الأول باق وبعد الحول يتجدد الأمان، لأنه لا يمكن من المقام إلا حولا، والأخذ بعده لا يستأصل المال، وإن عشره فرجع إلى دار الحرب ثم خرج من يومه ذلك عشره أيضا، لأنه رجع بأمان جديد، وكذا الأخذ بعده لا يفضي إلى الاستئصال.
وإن مر ذمي بخمر أو خنزير عشر الخمر دون الخنزير، وقوله عشر الخمر، أي من قيمتها. وقال الشافعي ﵀ لا يعشرهما لأنه لا قيمة لهما. وقال زفر ﵀ يعشرهما لاستوائهما في المالية عندهم وقال أبو يوسف ﵀: يعشرهما إذا مر بهما جملة، كأنه جعل الخنزير تبعا للخمر،
ــ
[البناية]
م: (لأن الأخذ في كل مرة استئصال المال) ش: أي استهلاك للمال م: (وحق الأخذ لحفظه) ش: أي لحفظ المال، أراد الأخذ من الحربي لحفظ ماله لا لاستئصاله م: (ولأن حكم الأمان الأول باق) ش: ما لم يحل الحول أو لم يرجع إلى دار الحرب م: (وبعد الحول يتجدد الأمان لأنه لا يمكن من المقام إلا حولا) ش: قد مر الكلام فيه آنفا م: (والأخذ بعده) ش: أي بعد الحول م: (لا يستأصل المال) ش: لإمكان حصول الربح.
م: (وإن عشره) ش: أي وإن أخذ العاشر عشر الحربي م: (فرجع إلى دار الحرب ثم رجع من يومه ذلك عشره أيضا) ش: أي يأخذ عشره ثانيا وثالثا، ولو كان في يوم واحد لتجدد الأمان، وبه قال إسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ﵄ لا يكرر في السنة، وقال أبو عبيد: هذا إذا كان المال الذي مر به بعينه في المرة الأولى، وإن كان غيره أخذ منه م: (لأنه رجع بأمان جديد) ش: إذ العصمة تنقطع بالرجوع إلى دارهم، وبالعود إلينا تثبت عصمة جديدة، فصار كالمال المتجدد فيؤخذ منه ثانية كذا في "الإيضاح".
م: (وكذا الأخذ بعده) ش: أي بعد الرجوع م: (لا يفضي إلى الاستئصال) ش: لاحتمال حصول الربح في سفره فأقيم نفس السفر مقامه.
م: (فإن مر ذمي بخمر أو خنزير) ش: أي مر بهما بنية التجارة وهما يساويان مائتي درهم م: (عشر الخمر دون الخنزير) ش: أي لا يعشر الخنزير م: (وقوله) ش: أي وقول محمد ﵀ م: (عشر الخمر أي من قيمتها) ش: أي من قيمة الخمر، إنما فسر بهذا احترازا عن قول مسروق، فإنه يقول: يأخذ من عين الخمر.
م: (وقال الشافعي: لا يعشرهما، لأنه لا قيمة لهما) ش: أي للخمر والخنزير م: (وقال زفر ﵀: يعشرهما لاستوائهما في المالية عندهم) ش: وكذا في التقويم في حق أهل الذمة، ولهذا يجب الضمان على متلف خنزير الذمي كما يجب على متلف خمره فيعشرهما.
م: (وقال أبو يوسف: يعشرهما إذا مر بهما جملة كأنه) ش: أي كأن أبا يوسف م: (جعل الخنزير تبعا للخمر) ش: لأن مالية الخمر أظهر، بدليل أن المسلم يرث الخمر، ولو أخرجت من دار الحرب تدخل في الغنيمة ويملكها المسلم حتى لو تخللت تصير ملكا له، والمكاتب لو عجز وله
стр. 1733
فإن مر بكل واحد على الانفراد عشر الخمر دون الخنزير. ووجه الفرق على الظاهر أن القيمة في ذوات القيم لها حكم العين والخنزير منها، وذوات الأمثال ليس لها هذا الحكم والخمر منها، ولأن حق الأخذ للحماية والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل، وكذا يحميها على غيره ولا يحمي خنزير نفسه بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره،
ــ
[البناية]
خمر يصير ملكا للمولى بخلاف الخنزير فجعله تبعا للخمر أولى.
م: (فإن مر بكل واحد على الانفراد عشر الخمر دون الخنزير) ش: لعدم التبعية، كما أن أبا حنيفة لا يقسم العبيد، فإذا انضمت إلى سائر الأموال يقسمها تبعا (ووجه الفرق على الظاهر) أي على ظاهر الرواية أن الخنزير لا يعشر عندهما سواء مر بهما أو على الانفراد م: (أن القيمة في ذوات القيم) ش: احترز به عن ذوات الأمثال م: (لها حكم العين والخنزير منها) ش: ولهذا لو تزوج ذمي ذمية على خنزير فأتاها بالقيمة أجبرت على القبول كما لو أتاها بالعين.
م: (وفي ذوات الأمثال ليس لها هذا الحكم) ش: أي لا يكون في معنى المثلين لأن ما يكون من ذوات الأمثال يجب أن يكون بدله مثلا له اعتبارا بما ضمنه المغصوب، وإذا لم يكن مثلا لها لا يكون أخذها كأخذها ولا كذلك الخنزير، لأنه من ذوات الأمثال وأخذ القيمة فيما لا يكون من ذوات الأمثال ينزل منزلة أخذ العين، والدليل على ذلك أنه لو تزوجها على خمر فأتاها بالقيمة لم تجبر على القبول.
فإن قيل: لا نسلم أن القيمة لها حكم العين في ذوات القيم، ألا ترى أن الذمي إذا باع داره بخنزير وشفيعها مسلم يأخذها بقيمة الخنزير، فلو كان لها حكم العين لما أخذ القيمة كما لا يأخذ عين الخنزير، وأجيب بأن القيمة إنما أقيمت مقام العين حكما لا حقيقة فصار لها شبهة العين وهذه الشبهة لم تعتبر في حق العباد لاحتياجهم بخلاف العشر وهو حق الله ، حيث اعتبرت بهذه الشبهة لاستغنائه تعالى.
فإن قيل: ينتقض ما ذكرتم بذمي أخذ قيمة خنزير له استهلكه ذمي آخر وقضى بها دينا عليه لمسلم فإنه جائز، ولو كان أخذ القيمة كأخذ العين لم جاز القضاء؟ وأجيب بأنه لما قضى بها دينا عليه وقعت المعاوضة بينه وبين صاحب الدين، وعند ذلك يختلف السبب، واختلاف الأسباب ينزل منزلة اختلاف الأعيان.
م: (والخمر منها) ش: أي من ذوات الأمثال م: (ولأن حق الأخذ للحماية والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل وكذا يحميها على غيره ولا يحمي خنزير نفسه بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره) ش: هذا لأن الأصل في الولايات ولاية المرء على نفسه ثم تعدى إلى غيره عند وجود سبب التعدي وللمسلم ولاية خمور نفسه، حتى إن الذمي إذا أسلم وله خمور كان له أن يحفظها أو يحفظها غيره لتخللها، أو تتخلل بنفسها، فيكون له ولاية حماية خمور غيره عند وجود
стр. 1734
ولو مر صبي أو امرأة من بني تغلب بمال فليس على الصبي شيء، وعلى المرأة ما على الرجل لما ذكرنا في السوائم ومن مر على عاشر بمائة درهم وأخبره أن له في منزله مائة أخرى قد حال عليها الحول لم يزك المائة التي مر بها لقلتها وما في بيته لم يدخل تحت حمايته، فلو مر بمائتي درهم بضاعة لم يعشرها، لأنه غير مأذون بأداء زكاتها.
قال: وكذا المضاربة، يعني إذا مر المضارب به على العاشر، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا: يعشرها
ــ
[البناية]
سبب التعدي وهو السلطنة، وليس للمسلم حماية خنزير نفسه حتى إن الذمي إذا أسلم وجب عليه أن يسيبها ولا يحل له أن يحفظها، ولا يكون له ولاية حماية خنزير غيره عند وجود سبب التعدي.
وقال الكاكي: قوله: ولا يحميه على غيره عند وجود سبب التعدي، فإن قيل: المسلم أو الذمي إذا غصب خنزير ذمي وتحاكما إلى القاضي فالقاضي يأمره بالرد والتسليم والأمر بها حماية، قلنا: إذا لم يكن له حماية خنزير نفسه لا يكون له ولاية حماية خنزير غيره، وهاهنا لو حماه حماه لغرض يستوفيه ولا كذلك القضاء فافترقا.
م: (ولو مر صبي أو امرأة من بني تغلب بمال) ش: إنما قيده ببني تغلب لأن الصبي من أهل الحرب المار على العاشر يظن أنها مال التجارة يؤخذ منه العشر، لأن المأخوذ من بني تغلب له حكم الزكاة، والمأخوذ من الحربي على وجه المجازاة لأنه عوض الحماية، والظاهر أنهم يأخذون من صبياننا حتى لو علم أنهم لا يأخذون من صبياننا لا نأخذ من صبيانهم أيضا م: (فليس على الصبي شيء وعلى المرأة ما على الرجل لما ذكرنا في السوائم) ش: أي المأخوذ منهم في حكم الزكاة فيؤخذ من النساء دون الصبيان، لما أن صاحب مال التجارة لما مر على العاشر صار بمنزلة السوائم في الحاجة إلى الحماية.
م: (ومن مر على عاشر بمائة درهم) ش: سواء كان المار مسلما أو ذميا، م: (وأخبره أن له في منزله مائة أخرى قد حال عليها الحول لم يزك المائة التي مر بها، لقلتها) ش: لأن أدنى ما يستحق بحماية شيء هو النصاب م: (وما في بيته لم يدخل تحت حمايته) ش: فلا يضم بما مر به إلى ما في بيته فلا يعشر.
م: (فلو مر بمائتي درهم بضاعة) ش: قال الأترازي: قوله: بضاعة، بالجر على أنها صفة لما قبلها، وقيل: يحتمل أن تكون حالا، وفيه نظر، والبضاعة طائفة من المال تدفع للرجل ليتجر فيه لنفسه م: (لم يعشرها لأنه غير مأذون له بأداء زكاتها) ش: أي زكاة المائتين بضاعة، بل هو مأذون في التجارة، فلو أخذ غير الزكاة وليس له أخذ شيء سوى الزكاة.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ م: (وكذا المضاربة يعني إذا مر المضارب به على العاشر) ش: أي بمال المضاربة م: (وكان أبو حنيفة ﵁ يقول أولا: يعشرها) ش: أي المضارب
стр. 1735
لقوة حق المضارب حتى لا يملك رب المال نهيه عن التصرف فيه بعدما صار عروضا فنزل منزلة المالك ثم رجع إلى ما ذكره في الكتاب وهو قولهما، لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه في أداء الزكاة، إلا أن يكون في المال ربح يبلغ نصيبه نصابا فيؤخذ منه لأنه مالك له، ولو مر عبد مأذون له بمائتي درهم وليس عليه دين عشره. قال أبو يوسف ﵀ لا أدري أن أبا حنيفة ﵀ رجع عن هذا أم لا؟ وقياس قوله الثاني في المضاربة وهو قولهما إنه لا يعشره، لأن الملك فيما في يده للمولى وله التصرف، فصار كالمضارب، وقيل في الفرق بينهما أن العبد يتصرف لنفسه حتى لا يرجع بالعهدة على المولى
ــ
[البناية]
أي مالها م: (لقوة حق المضارب) ش: لأنه صار بمنزلة المالك م (حتى لا يملك رب المال نهيه) ش: أي نهي المضارب م: (عن التصرف فيه بعدما صار عروضا) ش: أي بعدما صار مال المضاربة عروضا، أي له أمتعة بالبيع والشراء.
م: (فنزل منزلة المالك) ش: بتصرفه المطلق م: (ثم رجع) ش: أي أبو حنيفة ﵁ م: (إلى ما ذكر في الكتاب) ش: وهو " الجامع الصغير " وهو أن المضارب إذا مر بمائتي درهم لم يعشرها م: (وهو قولهما) ش: أي الذي رجع إليه هو قول أبي يوسف ومحمد م: (لأنه) ش: أي لأن المضارب م: (ليس بمالك) ش: وهو ظاهر م: (ولا نائب عنه) ش: أي عن المالك م: (في أداء الزكاة) ش: بل هو نائب في حق التجارة لا غير، والنائب يقتصر ولايته على ما فوض إليه، فكان بمنزلة المستبضع.
م: (إلا أن يكون في المال ربح يبلغ نصيبه نصابا) ش: أي لأن المضارب بلغ نصابا.
م: (فيؤخذ منه) ش: أي العشر من نصيبه م: (لأنه مالك له) ش: أي لأن المضارب مالك للنصاب الذي هو حقه في الربح.
م: (ولو مر عبد مأذون له بمائتي درهم وليس عليه دين عشره) ش: أي عشر العاشر العبد المأذون له في التجارة م: (وقال أبو يوسف: لا أدري أن أبا حنيفة رجع عن هذا أم لا) ش: قال الكاكي: والصحيح أن رجوعه في المضارب رجوع في العبد المأذون.
م: (قلت: وكذا ذكر في " المفيد " و" المريد " و" شرح مختصر الكرخي ".
وقياس قوله الثاني في المضاربة وهو قولهما أنه لا يعشره لأن الملك وما في يده للمولى وله التصرف م: (لأن الإذن إطلاق وفك عن الحجر فصار كالمضارب) ش: أي فصار العبد المأذون كالمضارب في أنه ليس بمالك ولا نائب عن مولاه.
م: (وقيل في الفرق بينهما) ش: أي بين العبد المأذون له والمضارب م: (أن العبد يتصرف لنفسه حتى لا يرجع بالعهدة) ش: عند ظهور المستحق أي م: (على المولى) ش: بل يباع فيها، وما زاد
стр. 1736
فكان هو المحتاج إلى الحماية، والمضارب يتصرف بحكم النيابة حتى يرجع بالعهدة على رب المال فكان رب المال هو المحتاج إلى الحماية، فلا يكون الرجوع في المضارب رجوعا منه في العبد وإن كان مولاه معه يؤخذ منه، لأن الملك له إلا إذا كان على العبد دين يحيط بماله لانعدام الملك أو للشغل وقال: ومن مر على عاشر الخوارج في أرض قد غلبوا عليها فعشره يثني عليه الصدقة، معناه إذا مر على عاشر أهل العدل لأن التقصير جاء من قبله من حيث إنه مر عليه
ــ
[البناية]
فيطالب به بعد العتق م: (فكان هو المحتاج إلى الحماية، والمضارب يتصرف بحكم النيابة حتى يرجع بالعهدة على رب المال، فكان رب المال هو المحتاج إلى الحماية فلا يكون الرجوع في المضارب رجوعا منه في العبد، وإن كان مولاه معه) ش: أي وإن كان مولى العبد المأذون معه م: (يؤخذ منه) ش: أي من المولى م: (لأن الملك له) ش: أي للمولى م: (إلا إذا كان على العبد دين يحيط بماله) ش: فحينئذ لا يؤخذ من المولى أيضا بالاتفاق م: (لانعدام الملك) ش: على أصل أبي حنيفة ﵀ لان المولى لا يملك ما في يده، ولهذا إذا أعتق عبده المأذون لا يصح عند أبي حنيفة ﵀ م: (أو للشغل) ش: بفتح الشين يعنى العبد مشغولا بالدين عندهما، والحاصل أن عندهما أيضا لا يؤخذ وإن كان يملك المولى ما في يده على أصلهما، لكن كونه مشغولا بالدين يمنع عن الأخذ.
فقوله: لانعدام الملك، يرجع إلى أبي حنيفة على أصله وقوله -أو للشغل- يرجع إلى أبي يوسف ومحمد على أصلهما.
م: (قال) ش أي محمد ﵀ م: (ومن مر على عاشر الخوارج في الأرض قد غلبوا عليها فعشره) ش: أي فعشر عاشر الخوارج هذا المال عليه، أي أخذ منه العشر م: (يثني عليه الصدقة) ش: أي تؤخذ منه ثانيا م: (معناه إذا مر على عاشر أهل العدل، لأن التقصير جاء من قبله) ش: أي من قبل المار م: (من حيث إنه مر عليه) ش: أي على عاشر الخوارج، وأما إذا غلب أهل البغي فأخذوا العشر لا يؤخذ ثانيا، لأن التقصير ما جاء من قبله بل جاء من قبل السلطان حيث ضيعهم فلم يحمهم والأخذ بالحماية.
стр. 1737
باب في المعادن والركاز قال: معدن ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص أو صفر وجد فيه أرض خراج أو عشر ففيه الخمس عندنا.
ــ
[البناية]
[باب في المعادن والركاز] [حكم زكاة المعدن والركاز ومقدار الواجب فيه]
م: (باب في المعادن والركاز) ش: أي هذا باب في بيان أحكام المعادن والركاز وإنما أخر باب المعادن عن باب العاشر لأن العشر أكثر وجودا من الخمس الذي يؤخذ من المعادن، فكان بيانه أحوج لكثرة وقوعه لأن العشر أقل من الخمس والقليل يقدم على الكثير ذاتا، فقدم بيانه، والمعادن جمع معدِن بكسر الدال في عدَن يعدِن من باب ضرب يضرب عدونا إذا أقام، ومنه جنات عدن، ومعدن كل شيء ومركزه واحد، والمعدن خاص لما يكون في باطن الأرض خلقة، والكنز خاص لما يكون موضوعا، والركاز يصلح لهما في " جمع الغرائب "، قيل: الركاز المعادن، وقيل: هو كنوز الجاهلية، والأصل فيه من ركز رمحه في الأرض إذا ثبت أصله، والكنز يركز في الأرض كما يركز الرمح، وقال ابن الأثير: الركاز: كنوز الأرض الجاهلية المدفونة في الأرض، وهي المطالب في العرف عند أهل الحجاز، وهي المعادن عند أهل العراق والقولان يحتملهما اللغة، قال: والمعدن والركاز واحد، وقال أبو خيثمة اللغوي: أركز الرجل إذا أصاب قطعا من الذهب تخرج من المعادن، قال ابن بطال: وهو قول صاحب " العين " وأبي عبيد وقال النووي: الركاز بمعنى المركوز كالكتاب بمعنى المكتوب، وفي " شرح الطحاوي " المال المستخرج من الأرض له أسماء كثيرة كنز ومعدن وركاز، فالكنز اسم لما دفنه بنو آدم. والمعدن اسم لما خلقه الله في الأرض يوم خلقها. والركاز اسم لهما جميعا، فقد يذكر ويراد به الكنز، ويذكر ويراد به المعدن. ثم المراد من الركاز في الباب الكنز، لأن الباب يشتمل على بيان المعدن والكنز، فلو أريد به المعدن يلزم محض التكرار بلا فائدة، ولهذا لقب الباب التمرتاشي باب في بيان المعدن والركاز.
وقال تاج الشريعة: الجواهر المستخرجة من الأرض تتنوع إلى مخلوق الله تعالى وإلى مدفون الناس ويعرف النوعان بأسماء ثلاثة وبالمعدن والكنز والركاز.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (معدن ذهب أو فضة أو رصاص أو حديد أو صفر) ش: بضم الصاد.
قال الجوهري: هو الذي تعمل منه الأواني، وفي " ديوان الأدب ": هو النحاس والحديد، وعن أبي عبيد جاء فيه كسر الصاد م: (وجد في أرض خراج أو عشر) ش: قيد بأرض خراج أو عشر، لأنه لو وجد في أرض مملوكة أو دار لا يجب فيه الخمس عند أبي حنيفة كما يجيء، وسواء كان الواجد مسلما أو ذميا أو صبيا أو امرأة أو عبدا أو مكاتبا م: (ففيه الخمس عندنا) ش: يعني يؤخذ الخمس من الواجد والباقي له، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو عبيد واختاره الزهري،
стр. 1738
وقال الشافعي ﵀: لا شيء عليه فيه، لأنه مباح سبقت يده إليه كالصيد إلا إذا كان المستخرج ذهبا أو فضة فيجب فيه الزكاة، فلا يشترط الحول في قول لأنه نماء كله والحول للتنمية.
ــ
[البناية]
ويبنى على هذا مسائل وهي أن من حفر معدنا بإذن الإمام يخرج منه الخمس وباقيه له، وإن حفر فلم يصل إليه شيء، وجاء آخر فحفر ووصل إلى المعادن فهو له، لأنه الواجد، وإن اشتركا في الحفر فوجد أحدهما دون الآخر فهو للواجد، ومن تقبل من السلطان معدنا فاستأجر آخر واستخرجوا المعدن وتجب فيه الخمس والباقي للمتقبل، وإن عملوا بغير إذن المتقبل فأربعة أخماس لهم دون المتقبل، ولو باع الركاز فالخمس على المشتري ويرجع على الواجد البائع بخمس الثمن.
م: (وقال الشافعي: لا شيء عليه فيه) ش: وبه قال مالك م: (لأنه مباح سبقت يده إليه كالصيد) ش: فهو لمن أخذه م: (إلا إذا كان المستخرج) ش: بفتح الراء م: (ذهبا أو فضة فيجب فيه الزكاة) ش: وبه قال أحمد، لكن عند الشافعي في الوجوب في الذهب والفضة ثلاثة أقوال: أصحها أن الواجب فيه ربع العشر، وبه قال أحمد ومالك في رواية.
والثاني: أن الواجب فيهما الخمس مثل قولنا، وهو قول المزني.
والثالث: ما ناله بلا تعب ومؤنة ففيه العشر وما ناله بتعب ومؤنة كالمعالجة بالنار ونحوها ففيه ربع العشر، وبه قال مالك ﵀ في رواية، وعن أحمد يجب في المعدن وفي كل ما يستخرج من الأرض حتى القير والكحل.
م: (فلا يشترط الحول في قول) ش: للشافعي وهذا هو الصحيح من مذهبه، وبه قال مالك وفي قول آخر: يشترط الحول لأنه كالزكاة، وفي "تتمتهم": إن قبلنا أن الواجب فيه الخمس لا يعتبر الحول قولا واحدا، وإن قلنا: إن الواجب فيه العشر فيه وجهان: أحدهما: أنه يعتبر لأنه حق يتعلق بالذهب والفضة فيعتبر فيه الحول كالزكاة.
والثاني وهو الصحيح: لا يعتبر لأنه من أموال الأرض فلا يعتبر فيه الحول كما في الحبوب المعشورة.
م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من الذهب والفضة م: (نماء كله) ش: يعني النماء م: (والحول للتنمية) ش: يعني شرع الحول للتنمية، فالنماء عين النقدين فلا يجب اشتراط الحول.
فإن قلت: ذكر في جانب الشافعي عدم اشتراط الحول، ولم يذكر في جانبنا مع أن عندنا كذلك.
قلت: لأن الشافعي قائل بالزكاة، وكان عليه أن يشترط الحول فنفاه بما ذكر من الدليل، ونحن نقول بالخمس فلا يشترط فيه الحول.
стр. 1739
ولنا قوله ﵇: «وفي الركاز الخمس»
ــ
[البناية]
م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «وفي الركاز الخمس» ش: هذا رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» .
أخرجه مطولا ومختصرا، والركاز يطلق على المعدن وعلى المدفون كما ذكرنا.
وجه التمسك به أنه ﵊ سئل عما يوجد في الطريق المار أو الخراب البادي فقال فيه: «وفي الركاز الخمس» ، فعطف الركاز على المدفون، فعلم أن المراد منه المدفون، وفي رواية أبي هريرة «سئل ما الركاز يا رسول الله؟، قال: " الذهب الذي خلقه الله في الأرض» .
فإن قلت: لو كان الموجود في المعدن ما دون النصاب، والواجد فقير ينبغي أن لا يجب الخمس، لما أن مصرف الخمس الفقير وهو فقير كما في اللقطة، وكذلك لو كان الموجود نصابا والواجد مديونا.
قلت: الحديث عام يتناول الفقير والمديون.
فإن قلت: لو كان الواجد ذميا ينبغي أن يؤخذ منه الكل كما لو كان حربيا لأنهما في الكفر سواء لا استحقاق لهما في الغنيمة.
قلت: لا بل للذمي حق في الغنيمة، فإن أهل الذمة لو قاتلوا أهل الحرب فإنه يرضخ لهم في الغنيمة، فجاز أن يكون لهم حظ فيما له حكم الغنيمة. أما الحربي فلا حظ له فيها سواء قاتل بإذن الإمام أو بغير إذنه، فلا يعطى له من الغنيمة شيء.
فإن قلت: الجنس التي لا تجب الزكاة في عينه كالحديد ونحوه، لا يجب حق المعدن كالفيروزج.
قلت: القياس ليس بصحيح لوجود الفارق وهو أن الفيروزج لا ينطبع.
فإن قلت: احتج الشافعي لربع العشر بأنه ﵊ أقطع لبلال بن الحارث المعادن القَبَلية وهي مواضع بناحية المدينة وأخذ فيها الزكاة ربع العشر، فيؤخذ منها ربع العشر إلى يوم القيامة، رواه مالك وأبو داود، والقَبَلية بفتح القاف والباء الموحدة، وقال البكري: هي من ناحية الفُرُع بضم الفاء والراء من أعمال المدينة، والصفراء قالوا: أعمالها من الفرع ومضافة إليها.
قلت: قال ابن عبد البر: هذا منقطع، وقال أبو عبيدة: ومع انقطاعه ليس فيه أنه ﵊ أمر بذلك، وإنما قال: يؤخذ منه.
وقال النووي في شرح "المهذب ": قال الشافعي: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولو أثبتوه
стр. 1740
وهو من الركز فأطلق على المعدن، ولأنها كانت في أيدي الكفرة حوتها أيدينا غلبة فكانت غنيمة، وفي الغنائم الخمس بخلاف الصيد لأنه لم يكن في يد أحد، إلا أن للغانمين يدا حكمية لثبوتها على الظاهر، وأما الحقيقية فللواجد فاعتبرنا
ــ
[البناية]
لم يكن فيه رواية عن رسول الله ﷺ إلا انقطاعه، فإن الزكاة في المعدن دون الخمس ليست مروية عن رسول الله ﷺ .
قال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، قيل: قد اعترف الشافعي أنه لا حجة فيه ولم يثبت رفعه عنده لذكره محتجا به، فكيف له أن يجعله مذهبه بعد إقراره بذلك بغير دليل.
فإن قلت: رواه الدراوردي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن رسول الله ﷺ «أنه أخذ من المعادن القبلية الصدقة» موصولا. أخرجه البيهقي.
قلت: كثير مجتمع على ضعفه، لا يحتج بمثله، ذكره البزار وانفرد به أبو أشبرة، ولم يتابع على إسناده.
وقال يحيى بن معين: كثير ليس بشيء، وعن أحمد مثله، وعنه لا يساوي شيئا. وقال النسائي: متروك الحديث.
م: (وهو من الركز) ش: أي الركاز مشتق من الركز، وهو الإنبات، وهذا المعنى حقيقة في المعدن، ولأنه خلق فيها مركبا وفي الكنز مجاز للمجاوزة م: (فأطلق على المعدن) ش: لما ذكرنا فكانت إرادة المعدن من الركاز أحق للحقيقة.
م: (ولأنها) ش: أي ولأن أراضي المعدن م: (كانت في أيدي الكفرة حوتها) ش: بالحاء المهملة أي جمعتها وجازتها م: (أيدينا غلبة) ش: أي من حيث الغلبة م: (فكانت غنيمة وفي الغنائم الخمس) ش: أي الواجب أيضا في الغنائم الخمس بالنص م: (بخلاف الصيد) ش: جواب عما قاله الشافعي: أنه مال مباح سبقت يده إليه كالصيد م: (لأنه لم يكن في يد أحد) ش: أي لأن الصيد لم يكن في يد أحد فلم يدل على عدم الوجوب في الصيد على عدم الوجود في المعدن، وقياسه على الصيد قياس بالفارق وهو غير صحيح.
م: (إلا أن للغانمين يدا حكمية) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر وارد على قوله كانت غنيمة تقديره أن يقال: لو كانت هذه غنيمة عنده حتى يجب فيها الخمس كانت أربعة أخماسه للغانمين لأن الحكم في الغنيمة هكذا، فأجاب بقوله: إلا أن للغانمين يدا حكمية لا حقيقية م: (لثبوتها على الظاهر) ش: أي لثبوت اليد الحكمية على ظاهر الأرض.
م: (وأما الحقيقية فللواجد) ش: أي وأما اليد الحقيقية فللواجد، وهذا ظاهر م: (فاعتبرنا
стр. 1741
الحكمية في حق الخمس، والحقيقية في حق الأربعة الأخماس حتى كانت للواجد.
ولو وجد في داره معدنا فليس فيه شيء عند أبي حنيفة ﵀، وقالا فيه الخمس لإطلاق ما روينا. وله أنه من أجزاء الأرض مركب فيها ولا مؤنة في سائر الأجزاء، فكذا في هذا الجزء، لأن الجزء لا يخالف الجملة بخلاف الكنز فإنه غير مركب فيها. قال: وإن وجده في أرضه. فعن أبي حنيفة ﵀ فيه روايتان،
ــ
[البناية]
الحكمية) ش: أي اليد الحكمية م: (في حق الخمس والحقيقية) ش: أي اليد الحقيقية م: (في حق الأربعة الأخماس حتى كانت) ش: أي الأربعة الأخماس- م: (للواجد) ش: إنما عملوا هكذا دون العكس، لأن الحقيقية أقوى من الحكمية ولأنهم اعتبروا اليد الحقيقية في حق الخمس مع أنه عبادة يحتاط في إثباتها يلزمنا العمل بها في حق الغانمين، وبتعطيل العمل بالشبهين حينئذ.
[حكم من وجد في داره معدنا هل عليه زكاة]
م: (ولو وجد في داره معدنا فليس فيه شيء عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد وسواء كان الواجد مسلما أو ذميا.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (فيه الخمس) ش: للحال، وعند مالك والشافعي تجب الزكاة في الحال م: (لإطلاق ما روينا) ش: وهو قوله ﵇: «وفي الركاز الخمس» ولم يفصل بين الدار والأرض والحانوت والمنزل كالدار.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أنه) ش: أي أن المعدن م: (من أجزاء الأرض مركب فيها ولا مؤنة في سائر الأجزاء فكذا) ش: لا مؤنة م: (في هذا الجزء لأن الجزء لا يخالف الجملة) .
ش: فإن قلت: لو كان المعدن من أجزاء الأرض ينبغي أن نجوز به التيمم.
قلت: إنه جزء من [من الأرض] ولكنه ليس من جنس الأرض كالخشب وقال الأكمل: يجوز التيمم بما هو من جنسها لا من أجزائها خلقة، وهذا ليس من جنسها.
قلت: فيه تأمل لا يخفى.
م: (بخلاف الكنز فإنه غير مركب فيها) ش: كما عرفت، أي لأن اتصالها اتصال مجاورة، ألا ترى أنه لا يملكه أحد بالشراء ولم يجب عن الحديث، والجواب عنه أنه عام مخصوص منه الأحجار فخص المتنازع فيه. وقيل إن الإمام لما خصه بهذه الدار فكانت نقل بها وللإمام هذه الولاية.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: (وإن وجده) ش: أي المعدن م: (في أرضه فعن أبي حنيفة ﵀ روايتان) ش: في رواية الأصل: لا شيء فيه، وفي رواية " الجامع
стр. 1742
ووجه الفرق على إحداهما وهو رواية الجامع الصغير أن الدار ملكت خالية عن المؤن دون الأرض، ولهذا وجب العشر والخراج في الأرض دون الدار، فكذا هذه المؤنة، وإن وجد ركازا أي كنزا وجب فيه الخمس عندهم لما روينا، واسم الركاز يطلق على الكنز لمعنى الركز وهو الإثبات ثم إن كان على ضرب أهل الإسلام كالمكتوب عليه كلمة الشهادة فهو بمنزلة اللقطة، وقد عرف حكمها في موضعه، وإن كان على ضرب أهل الجاهلية كالمنقوش عليه الصنم
ــ
[البناية]
الصغير " فيه الخمس م: (ووجه الفرق على إحداهما) ش: أي على إحدى الروايتين م: (وهي رواية " الجامع الصغير " أن الدار ملكت خالية عن المؤن فلم يخمس دون الأرض) ش: أي بخلاف الأرض، فإن فيها مؤنة العشر والخراج فتخمس م: (ولهذا) ش: أي ولكون المؤنة فيها م: (وجب العشر والخراج في الأرض دون الدار) ش: تقرير هذا الفرق أن الإمام وإن اصطفى الأرض له لكن ما أخلاها عن المؤن حتى أوجب العشر أو الخراج فيها م: (فكذا هذه المؤنة) ش: أما الدار فقد أصفاها له عن الحقوق فكذا في حكم المعدن.
م: (وإن وجد ركازا) ش: أي كنزا إنما فسر بهذا لأن الركاز اسم مشترك بين المعدن والكنز، وقد فرغ من بيان المعدن وأراد به الكنز م: (وجب فيه الخمس عندهم) ش: أي عندنا وعند الشافعي أيضا م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﵊: «في الركاز الخمس» فإن قلت: في هذا التمسك يلزم تعميم المشترك وهو لا عموم له، لأنه استدل بهذا الحديث على وجوب الخمس في المعدن، واستدل به أيضا على وجوب الخمس في الكنز، ولفظ الركاز مشترك بين المعدن والكنز، كما قال أيضا هنا بقوله.
م: (واسم الركاز يطلق على الكنز لمعنى الركز فيه) ش: أي في الركاز م: (وهو الإثبات) ش: وفي المعدن هذا المعنى أيضا، والجواب عن السؤال المذكور أن هذا مشترك معنوي، فإن الركز لغة الإثبات، والركز تثبت فيتناول المعدن والكنز بالمعنى العام، فكان كل واحد من أنواع العام لا من أنواع المشترك، ونظير هذا قوله : ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (سورة الجمعة: الآية: ٩) فإنه يتناول البيع والشراء وكلاهما مراد المعنى العام وهو مبادلة المال بالمال.
فإن قلت: المراد بالركاز المعدن بدليل العطف في الحديث الذي مضى، قلت: العطف لا يمنع دخول الكنز فيه لجواز أن يكونه تعميما بعد التخصيص كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] (سورة نوح: الآية: ٢٨) .
م: (ثم إن كان) ش: أي الكنز م: (على ضرب أهل الإسلام كالمكتوب عليه كلمة الشهادة فهو بمنزلة اللقطة) ش: في الحكم م: (وقد عرف حكمها) ش: أي حكم اللقطة م: (في موضعه) ش: في كتاب اللقطة م: (وإن كان على ضرب أهل الجاهلية كالمنقوش عليه الصنم) ش: وهو ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن، وقال ابن الأثير: الصنم ما اتخذ إلها من
стр. 1743
ففيه الخمس على كل حال لما بينا.
ثم إن وجده في أرض مباحة فأربعة أخماسه للواجد لأنه تم الإحراز منه إذ لا علم به للغانمين فيختص هو به، وإن وجده في أرض مملوكة فكذا الحكم عند أبي يوسف ﵀ لأن الاستحقاق بتمام الحيازة وهي منه. وعند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- هو للمختط له وهو الذي ملكه الإمام هذه البقعة أول الفتح، لأنه سبقت يده إليه وهي يد الخصوص فيملك به ما في الباطن، وإن كانت على الظاهر،
ــ
[البناية]
دون الله تعالى م: (ففيه الخمس على كل حال) ش: يعني كان الموجود ذهبا أو فضة أو رصاصا أو غيرها، وسواء كان الواجد صغيرا أو كبيرا أو عبدا مسلما أو ذميا ذكرا كان أو أنثى، وسواء وجده في دار أو أرض أو موات إلا إذا كان الواجد حربيا أو مستأمنا فيؤخذ منه، إلا إذا كان الإمام أقطعه إياه لقوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» ، غير أنه إن وجده في أرض مملوكة اختلف أصحابنا فيمن يستحق أربعة الأخماس فإنه لا خلاف في وجوب الخمس م: (لما بينا) ش: أي لقوله ﵊: «وفي الركاز الخمس» .
م: (ثم إن وجده) ش: أي الكنز م: (في أرض مباحة) ش: كالمفاوز والجبال وغيرها م: (فأربعة أخماسه للواجد، لأنه تم الإحراز منه) ش: من أحرزت الشيء أُحرزه إحرازا إذا حفظه وضمه إليه وصانه عن الأخذ م: (إذ لا علم به للغانمين) ش: هذا الدليل لقوله: لأنه تم الإحراز منه أي من الواجد المذكور. قوله: به أي بإحراز الواجد، فإذا كان كذلك م: (فيختص هو به) ش: أي فيختص الواجد بالذي أحرزه، والأصل فيه أن الغانمين لهم الاستيلاء، والإحراز به، ولكن هذا الواجد سبقهم بالإحراز فاختص بما بقي من الخمس وهو أربعة أخماس.
فإن قلت: إحراز هذا المحرز ليس بموجود فكيف وجب فيه الخمس.
قلت: ابتداء الأخذ جهارا، فالواجب كذلك.
م: (وإن وجده في أرض مملوكة فكذا الحكم) ش: أي فكالمذكور من الحكم هنا، يعني: يؤخذ منه الخمس، والباقي له م: (عند أبي يوسف، لأن الاستحقاق بتمام الحيازة) ش: من حازه يحوزه إذا قبضه، وملكه واستبد به م: (وهي منه) ش: أي الحيازة الناشئة من الواجد.
م: (وعند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- هو للمختط له) ش: أي الذي اختط له، وفسره بقوله: م: (وهو الذي ملكه الإمام هذه البقعة أول الفتح) ش: يعني يوم الفتح، وذلك أن الإمام إذا فتح بلدة يجعل لكل واحد من الغانمين ناحية، ويجعل تلك الناحية له، ويجعل عليها علامة يخط عليها خطا ليعلم أنه قد احتازها ومنه سميت خطط البصرة، والكوفة وهي جمع خطة بالكسر م: (لأنه سبقت يده إليه) ش: أي إلى الذي أخذه م: (وهي يد الخصوص) ش: يعني اختصت يده به لسبقه إليه م: (فيملك به) ش: أي بالخصوص م: (ما في الباطن) .
م: (وإن كانت) ش: يده م: (على الظاهر) ش: كلمة إن للوصل، أي يد الخصوص هذا
стр. 1744
كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك الدرة ثم بالبيع لم تخرج عن ملكه لأنه مودع فيها بخلاف المعدن، لأنه من أجزائها فينتقل إلى المشتري، وإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك يعرف في الإسلام
ــ
[البناية]
المجموع لدفع شبهة أوردها شيخ الإسلام في "مبسوطه "، وملخصها أن يد المختط له ثابتة من وجه من حيث إن اليد على الظاهر تدل على الباطن تقديرا، واليد الحكمية لا تثبت الملك كما في حق الغانمين، فإن لهم يدا ثابتة على ما في الباطن، ومع هذا لم يصر ملكا لهم، والجواب أن يد المختط له يد خاصة، واليد الحكمية إذا كانت بهذه المثابة يثبت الملك في المباح كما في المعدن، ألا ترى أن تصرف الغازي بعد القسمة نافذ، وقبلها غير نافذ لثبوت اليد الحكمية على الخصوص.
م: (كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك الدرة ثم بالبيع) ش: أي بيع السمكة م: (لم تخرج الدرة عن ملكه لأنه مودع فيها) ش: أي في السمكة هكذا فسر الأترازي هذا الموضع، حيث قال: كمن اصطاد سمكة في بطنها درة فباع السمكة لا تخرج الدرة عن ملك الصياد، بخلاف المعدن كما ذكره في المتن، قال السغناقي: ثم بالبيع أي بيع الأرض التي تحتها كنز لم يخرج عن ملكه بلفظ التذكير، أي لم يخرج الكنز عن ملكه بدلالة قوله لأنه بالتذكير ولم يقل: "لأنها" حتى ترجع إلى الدرة، لأنه مودع فيها، أي لأن الكنز مودع في الأرض، وكذا فسره الكاكي تبعا له، وهو الصواب.
ثم ذكر شيخ الإسلام في مسألة الدرة فقال في ظاهر الرواية لم يفصل بين كون الدرة مثقوبة أو لا، وقيل: إن كانت مثقوبة لم تدخل في ملك المشتري لأنها بمنزلة الكنز، وإن كانت غير مثقوبة تدخل كمن اصطاد سمكة فوجد في بطنها عنبرا، لأنه حشيش يأكله السمك فيكون تبعا له. وفي " المحيط ": إن كانت الدرة في الصدف فهي للمشتري، لأن السمك يأكل الصدف، وكل ما يأكله بالسمك فهو للمشتري، ولو اشترى جملا فوجد في بطنه دينارا لم يكن له لأنه لا يأكله عادة.
م: (بخلاف المعدن لأنه من أجزائها فينتقل إلى المشتري) ش: يعني بانتقال الأرض إليه لأنه من عروق الأرض.
م: (وإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك يعرف له في الإسلام) ش: يعني لم يعرف المختط له ولا دراية يصرف إلى آخره، وهو اختيار السرخسي، وذكر أبو اليسر يوضع في بيت المال، كذا ذكره التمرتاشي هذا إذا لم يقل مالك الأرض: أنا وضعته، فإن ادعاها فالقول قوله بالاتفاق، وإن تصادقا أنه كنز فيه خلاف أبي يوسف ﵀.
وقال الشافعي ﵀: المالك أولى إذا ادعاه، وبه قال مالك ﵀ وإن نازعه غيره كان المالك أولى، لأن الظاهر أن ما ملكه له، ولو لم يدعه ولم يعرف عامرها
стр. 1745
على ما قالوا، ولو اشتبه الضرب يجعل جاهليا في ظاهر المذهب لأنه أصل. وقيل: يجعل إسلاميا في زماننا لتقادم العهد،
ومن دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازا رده عليهم تحرزا عن الغدر، لأن ما في الدار في يد صاحبها خصوصا،
ــ
[البناية]
ظاهر الذهب أنه يجعل لقطة يعرفه سنة، ويمتلكه، وعن القفال أنه مال ضائع يدفعه إلى الإمام ليضعه في بيت المال، ولو كانت الأراضي في يده بإعارة أو إباحة، وادعى أن المال له فهو أولى، ولو نازعه منازع، فالقول له مع اليمين بشرط الإمكان، لأنه صاحب اليد، وقال المزني: المالك أولى، لأن الدفين تابع للأرض، وفي اعتبار النصاب قولان:
أحدهما: لا يعتبر كقولنا لعموم الحديث وفي الجديد: يعتبر ذكره في " الأم "، وكذا في " الحلية " م: (على ما قالوا) ش: أي المتأخرون.
م: (ولو اشتبه الضرب) ش: بأن لم يعرف هل هو ضرب الإسلام أو ضرب الجاهلية م: (يجعل جاهليا في ظاهر المذهب، لأنه الأصل) ش: أي لأن الجاهلي هو الأصل يقدم م: (وقيل: يجعل إسلاميا) ش: أي يجعل إسلاميا م: (في زماننا لتقادم العهد) ش: أي في الإسلام، فالظاهر أنه ليس بمدفون الكفار، حتى لو علم أنه مدفونهم يخمس، والباقي للواجد، أي من كان فيها، لأن عليا ﵁ فعل كذلك، إلا أن يكون حربيا، وقال الشافعي: لقطة ما يعرفها سنة.
[حكم من دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازا]
م: (ومن دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازا) ش: وفي " المحيط ": وضع محمد هذه المسألة في " الجامع " في الركاز، قال شيخ الإسلام: أراد بالركاز معدنا لا الكنز، والقدوري وضعها في الكنز فهذا أبين لك أن الكنز والمعدن في هذه الصورة سواء.
وقال الأترازي: هاهنا اعلم أن الداخل في دار الحرب إذا وجد ركازا أو معدنا أو كنزا فإن وجده في الصحراء فهو له بلا خمس، سواء دخل بأمان أو بغير أمان، انتهى.
قلت: المصنف قيد بقوله: إذا وجد في دار أحدهم، لأنه إذا وجد في الصحراء في غير ملك أحدهم، فهو له، ولا يخمس، دخل بأمان أو بغير أمان وبه قال ابن الماجشون من المالكية، وفي " القنية ": إن دخلها بأمان وأخرجه ملكه، ولا يطيب له، وقال الشافعي: إن وجد في دار الحرب في موات لا يدبرون عنه ففيه الخمس، والباقي له، وكذا إذا كانوا يدبون عنه في الصحيح، وقال مالك: هو بين الجيش، وقال الأوزاعي: هو بين الجيش بعد إخراج الخمس.
م: (رده عليهم) ش: أي على أهل الحرب م: (تحرزا عن الغدر) ش: أي لأجل الاحتراز عن الغدر الذي هو حرام لقوله ﵊: «لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة» م: (لأن ما في الدار في يد صاحبها خصوصا) ش: أي من حيث الخصوص يعني مختص به ليس لغيره.
стр. 1746
وإن وجده في الصحراء فهو له لأنه ليس في يد أحد على الخصوص فلا يعد غدرا ولا شيء فيه، لأنه بمنزلة متلصص غير مجاهر.
قال: وليس في الفيروزج الذي يوجد في الجبال خمس لقوله ﷺ : «لا خمس في الحجر»
ــ
[البناية]
م: (وإن وجده في الصحراء) ش: أراد به المفازة وموضعها لا ملك لأحد فيه م: (فهو له) ش: أي كله له ولا يخمس وعند الشافعي يخمس م: (لأنه ليس في يد أحد على الخصوص فلا يعد غدرا) ش: فإن قيل: يدهم ثابتة على الصحراء، فإن المستأمن لو وجد شيئا من ذلك في دارنا في الصحراء لا حق له فيه لثبوت يدنا عليه حكما. فيجب أن يكون كذلك وما وجد المستأمن هنا في دارهم قلنا: اليد على ما في الصحراء ثبتت حكما لا حقيقة، وأجيب بأن دارنا دار أحكام فتعتبر اليد الحكمية فيها بخلاف دارهم فإنها دار قهر لا حكم فتعتبر فيها اليد الحقيقية لا الحكمية وذلك لم يوجد على ما في الصحراء كذا في " جامع شمس الأئمة ".
وفي " شرح الطحاوي ": وأما إن أصاب الأسير في دار الحرب المسلم والذمي الذي لم يهاجر إلينا من كنز أو معدن فهو كالمستأمن إلا فيما أصابا في ملك الحربي فهو لهما بلا عشر ولا خمس، وإذا أخرجاه فلا بأس للمستأمن أن يتخلص ما في أيديهم بوجه ما في حر مسلم أو ذمي أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد المسلم ويقاتلهم حتى يستنقذهم، وإن أتى ذلك على قتل بعضهم لأن هؤلاء لا يجزئ عليهم.
لهذا لو أسلموا كانوا ظالمين في إمساكهم.
م: (ولا شيء فيه) ش: أي لا خمس فيه م: (لأنه بمنزلة متلصص غير مجاهر) ش: أي لأن هذا الواجد في الصحراء والمتلصص الذي يتلصص أي مباشرا للصوص خفية من غير استيلاء وهو معنى قوله غير مجاهر.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: (وليس في الفيروزج الذي يوجد في الجبال خمس) ش: إنما قيد بقوله- في الجبال- احترازا عما يوجد هنا أو غيره مما ذكره بعد من الزئبق واللؤلؤ في خزائن الكفار قهرا فإنه يخمس بالاتفاق لأن مال الغنيمة كسائر الأموال م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول ﷺ : م: «لا خمس في الحجر» .
هذا رواه ابن عدي في " الكامل " عن عمر بن أبي عمر الكلاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا زكاة في الحجر» وضعف ابن عدي عُمَرَ بنَ أبي عمر وقال: إنه مجهول لا أعلم من حدث عنه غير بقية فأحاديثه منكرة وغير محفوظة، وأخرجه أيضا عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ونقل تضعيف العرزمي عن البخاري وابن معين والنسائي والفلاس ووافقهم فيه وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه " عن عكرمة قال: «ليس في حجر اللؤلؤ ولا حجر الزمرد زكاة إلا أن يكون للتجارة، فإن كان للتجارة
стр. 1747
وفي الزئبق الخمس في قول أبي حنيفة ﵀ آخرا، وهو قول محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف ولا خمس في اللؤلؤ والعنبر عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-
ــ
[البناية]
ففيه الزكاة.»
وقال السغناقي: لا خمس في الحجر، والفيروزج حجر لأنه لا ينطبع ويجوز التيمم به إلا أن بعض الأحجار أضوأ من بعض، وذكر في " المبسوط ": لا زكاة في الحجر وهو معرب - بيروزة.
[حكم الزكاة في الزئبق ومقدارها]
م: (وفي الزئبق الخمس) ش: أي إن الزئبق يجب فيه الخمس وهو فارسي معرب وقد عرب بالهمزة وبفتح الباء الموحدة، ومنهم من يقول بكسر الباء بعد الهمزة م: (في قول أبي حنيفة آخرا وهو قول محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف) ش:.
كان أبو حنيفة يقول أولا: لا شيء فيه، وفي قوله الأول كان يقول أولا: لا شيء فيه وحكي عن أبي يوسف أن أبا حنيفة كان يقول أولا: لا شيء فيه، وكنت أقول: فيه الخمس فلم أزل أناظره وأقول يلزماه كالرصاص حتى قال: فيه الخمس، ثم رأيت أن لا شيء فيه ثم رأيت الحاصل أن على قول أبي حنيفة الآخر وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد فيه الخمس، وعلى قول أبي يوسف الآخر وهو قول أبي حنيفة الأول لا شيء فيه لأنه ينبع من عينه ولا ينطبع بنفسه فهو كالقير والنفط.
وقال التمرتاشي: قال أبو يوسف: لا يخمس وهو معين بدليل أنه يستسقي بالدلاء فصار كالنفط، ولهما أنه جوهر أذابته حرارة الأرض ومعدنه فصار كما لو أذيب بالنار.
م: (ولا خمس في اللؤلؤ والعنبر عند أبي حنيفة ومحمد) ش: اللؤلؤ بهمزتين وبواوين واللام، والثانية بالواو والأولى بالهمزة، وبالعكس، قال: في اللؤلؤ أربع لغات قيل: لا يقال بتخفيف الهمزة لغة، واللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤا، فعلى هذا أصله ماء ولا شيء في الماء.
وقيل: إن الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ والعنبر، قيل: إنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر: هكذا رواه ابن رستم عن محمد، وقيل: إنه شجيرة تنكسر فيلقيها الموج إلى الساحل وليس في الأشجار شيء، وقيل: إنه خثي دابة، وليس في أخثاء الدواب شيء، ذكر ذلك كله في " المبسوط "، وقيل: يخرج من عين في البحر، وقيل: العنبر نبت يكون في قعر البحر فربما يبتلعه الحوت فإذا استقر في بطنه لفظه لمرارته وما لم يبتلعه الحوت فهو الجيد، وقيل: إنه زبد البحر، وقالوا: إن البحر إذا تلاطمت فيه الأمواج صار منها الزبد فلا يزال يضرب الريح بعضها على بعض حتى يمكث ما صفي في الزبد فينعقد عنبرا ثم يتجمد فيقذفه إلى الساحل ويذهب ما لا ينتفع به من الزبد جفاء، وإليه أشار الله تعالى في كتابه ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]
стр. 1748
وقال أبو يوسف ﵀ فيهما وفي كل حلية تخرج من البحر خمس، لأن عمر ﵁ أخذ الخمس من العنبر، ولهما أن قعر البحر لم يرد عليه القهر فلا يكون المأخوذ منه غنيمة، وإن كان المأخوذ ذهبا أو فضة. والمروي عن عمر ﵁ فيما دسره البحر وبه نقول
ــ
[البناية]
(الرعد: الآية ١٧) ، ولا خمس في الماء والزبد منه.
م: (وقال أبو يوسف: فيهما) ش: أي يجب الخمس فيهما أي في اللؤلؤ والعنبر م: (وفي كل حلية) ش: أي يجب الخمس أيضا في كل حلية م: (تخرج من البحر خمس) ش: الحلية على وزن فعلة بالكسر وهي ما يزين به من الذهب والفضة وغيرهما، وفي " المبسوط " قال مشايخنا: لو وجد الذهب والفضة في قعر البحر لم يجب فيه شيء، لأن ما في البحر ليس في يد أحد قط لأن قعر البحر يمنع قهر غيره م: (لأن عمر ﵁ أخذ الخمس من العنبر) ش: هذا غريب عن عمر بن الخطاب وإنما هو عن عمر بن عبد العزيز ﵁ رواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل أن عمر بن العزيز أخذ الخمس، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث أن عمر بن عبد العزيز خمس العنبر.
فإن قلت: روى أبو عبيد في " كتاب الأموال " أخبرنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن رجاء بن روح عن رجل قد سماه عبد العزيز عن ابن عباس عن يعلى بن أمية قال: كتب إلي عمر ﵁ أن آخذ من العنبر العشر.
قلت: قال أبو عبيدة: هذا إسناده ضعيف، وقول أبي يوسف هو قول الحسن البصري والزهري وعمر بن عبد العزيز ﵃.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (أن قعر البحر لم يرد عليه القهر) ش: يعني بالاستيلاء لعدم القدرة م: (فلا يكون المأخوذ منه غنيمة) ش: ولا شيء فيه م: (وإن كان المأخوذ ذهبا أو فضة) ش: واصل بما قبله.
م: (والمروي عن عمر ﵁) ش: هذا جواب عن استدلال أبي يوسف لقوله لأن عمر أخذ الخمس في العنبر وهو دون الذي روي عن عمر م: (فيما دسره البحر) ش: أي دفعه ورماه إلى البر م: (وبه نقول) ش: أي بوجوب الخمس في العنبر الذي دسره البحر نقول، فلم يبق حينئذ حجة لأبي يوسف في حديث عمر.
وقال السغناقي: لكن لا يتم دفع قول أبي يوسف بمطلق ما ذكر في " الكتاب " من دسر البحر الذي يجب فيه الخمس، فإن في حديث ابن عباس كان العنبر مما دسره البحر أيضا على ما ذكره في " المبسوط "، ونفى الخمس عنه فلا بد من زيادة القيد الذي يوجب الخمس ليفيد دخول دسر البحر في حديث عمر وهو أن يقال: والمروي عن عمر ﵁ فيما دسره
стр. 1749
متاع وجد ركازا
ــ
[البناية]
البحر الذي من دار الحرب فدخل الجيش دار الحرب فوجدوه على ساحل بحر دار الحرب فأخذوه فكان غنيمة فيجب الخمس.
وأما حديث ابن عباس ﵄ ففيما دسره البحر الذي في دار الإسلام وأخذه واحد من الناس أو فيما دسره البحر الذي في دار الحرب ولكن أخذه واحد من المسلمين فلا خمس فيه لأنه بمنزلة المتلصص لا كالمجاهد، فليس فيما أخذ المتلصص خمس، انتهى.
قلت: هذا التطويل لا يفيد.
أما الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ فلم يثبت كما ذكرنا، بل روي عنه خلافه كما مر.
وأما أثر ابن عباس ﵁ فإن أبا عبيد روى عن ابن أبي مريم عن داود بن عبد الرحمن العطار سمعت عمرو بن دينار يحدث عن ابن عباس قال: ليس في العنبر خمس، وروى عنه خلافه، رواه عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد -وكان عاملا بعدن - سأل ابن عباس ﵄ عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء فالخمس، واستدل الأترازي لأبي يوسف بقوله: ما روي أن يعلي بن أمية كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ في عنبرة وجدت على ساحل البحر فكتب إليه: ذلك سيب من سيب الله يؤتيه من يشاء، فيها وفيما دسره البحر الخمس، انتهى.
قلت: لم يبين من روى هذا من أهل الحديث وهل هو حديث صحيح أو ضعيف مع أن له دعوى عريضة في هذا الباب ولم يبن السبب ما هو ووضع نقطة واحدة بعد السين تحت الباء فيكون الناظر فيه أنه سبب بباءين موحدتين وليس هو إلا سيب بفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة.
وقال الزمخشري ﵀: السيوب جمع سيب يريد به المال المدفون في الجاهلية أو المعدن، وقال ابن الأثير: السيوب في الأصل م: (الركاز) ش: وقيل: السيوب عروق من الذهب والفضة تسيب في المعدن أي يكون فيه ويظهر، انتهى.
قلت: ذكر الأترازي هذا الأثر حجة لأبي يوسف غير مناسب لأنه لا يطابق قول أبي يوسف في أخذ الخمس في العنبر على ما لا يخفى على المتأمل.
م: (متاع وجد ركازا) ش: متاع مبتدأ نكرة تخصص بالصفة، وقوله -ركازا- نصب على الحال أي وجد المتاع حال كونه ركازا لا حال كونه لقطة ولا حال كونه موضوعا في البيت وغيرهما من النقدين والاسم بمنزلة المصدر في باب الحال كما تقول: هذا بسرا أطيب منه رطبا،
стр. 1750
فهو للذي وجده وفيه الخمس، معناه إذا وجد في أرض لا مالك لها لأنها غنيمة بمنزلة الذهب والفضة والله أعلم.
ــ
[البناية]
وأبهم الركاز ولم يفسره كما فسره فيما قبل.
وفسره الأترازي بقوله -متاع وجد ركازا- أي كنزا، يعني إذا وجد كنز متاع في أرض غير مملوكة يجب فيه الخمس، وقال تاج الشريعة: ألفاظ المشايخ في تفسير المتاع مختلفة لكن الصحيح أنه ﵀ أراد كل ما يتمتع به ثيابا أو أثاثا أو طعاما أو آنية ذهبا أو فضة أو رصاصا أو حديدا. وقال السغناقي: المتاع ما يتمتع به في البيت من الرصاص ونحوه، وقيل: المراد به الثياب، قال: وتفسيرهم بالذهب والفضة مما لا يكاد يصح، لأنه يقع تكرارا محضا من غير فائدة في حق الذهب والفضة، وإن لفظ الكتاب وهو قوله- لأنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة يقتضي أن يكون المراد بالمتاع الذهب والفضة.
قلت: روي في " الإمام " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الركاز الذهب الذي ينبت بالأرض» ، ورواه البيهقي في " المعرفة " وفيه أبو يعلى جبار بن علي العنزي، قال يحيى: صدوق وقال أبو زرعة: لين، ورواه البيهقي أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «في الركاز الخمس" قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت» . وذكره في " الإمام " أيضا ولم يتكلم عليه فدل على صحته.
م: (فهو للذي وجده) ش: خبر المبتدأ م: (وفيه الخمس) ش: أي يجب فيه الخمس م: (معناه إذا وجد في أرض مالك لها) ش: قيد بقوله: لا مالك لها لأنه إذا كان لها مالك فالحكم فيه ما ذكر في الذهب والفضة م: (لأنها غنيمة بمنزلة الذهب والفضة) ش: يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور آنفا.
стр. 1751
باب زكاة الزروع والثمار قال أبو حنيفة ﵀: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقي سيحا أو سقته السماء
ــ
[البناية]
[باب زكاة الزروع والثمار] [حكم زكاة الزروع والثمار] [ نصاب زكاة الزروع والثمار والمقدار الواجب فيه]
م: (باب زكاة الزروع والثمار) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الزروع والثمار لما فرغ من بيان العبادات المالية المطلقة شرع في بيان العبادة المالية المقيدة وهذا العشر عبادة فيها معنى المؤنة على ما عرف فيكون مقيدا، وإطلاق اسم الزكاة عليه -أي العشر- يصرف مصارف الزكاة.
وقال الإمام بدر الدين الكردري ﵀: فتسمية الزكاة هاهنا خرجت على قولهما لأنهما يشترطان النصاب والبقاء فكان هو فرع زكاة، ولم يقدم صدقة الفطر على العشر لأن مناسبة العشر بالزكاة أقوى لكون كل واحد منهما بناء على القدرة الميسرة ولاتحاد سببها وهو الملك، بخلاف صدقة الفطر، لأن سببها الرأس والأصل في وجوب العشر قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (البقرة: الآية ٢٦٧) .
قال المفسرون الإنفاق من المكسوب إخراج الزكاة والإنفاق من المخرج من الأرض إخراج العشر، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (الأنعام: الآية ١٤١) وقول النبي ﷺ فيما رواه البخاري من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» . وأخرج مسلم من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فيما سقته السماء والأنهار والعيون العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر» .
م: (قال أبو حنيفة ﵁: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر) ش: الأصل عشره أن كل ما تسبب في الحبان ويقصد به استيفاء اشتغال الأرض ففيه العشر الحبوب والبقول والرطاب والرياحين والوسمة والزعفران والورد والورس، وهو مذهب إبراهيم النخعي ومجاهد وحماد وزفر وبه قال عمر بن عبد العزيز ذكره أبو عمر، ويروى عن ابن عباس ﵄ وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قاله غير النعمان، قال السروجي: لقد كذب في ذلك فإنه لا يخفى عنه من قاله غيره، وإنما تعصبه حمله على أن قال مثله.
م: (سواء سقي سيحا) ش: السيح الماء الجاري من ساح الماء سيحا إذا جرى على وجه الأرض، وانتصابه على أنه مفعول ثان لسقي كما في قَوْله تَعَالَى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥] (محمد: الآية ١٥) ، م: (أو سقته السماء) ش: أي المطر قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام: ٦] فإن قلت: كان حقه أن يقول: العشر ونصف العشر لأن الواجب أحد هذين على ما جاء في الحديث الذي مضى.
стр. 1752
إلا القصب والحطب والحشيش، وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية
ــ
[البناية]
قلت: هذا من تسمية الشيء بأغلب الاسمين، لأن وجوب العشر في بلاد المسلمين أكثر، أو الأراضي التي تستقي من الأنهار أو من المطر أكثرهما يسقى بالدوالي ونظيره العمران في أبي بكر وعمر ﵄ لأن خلافة عمر كانت أمد من ولاية أبي بكر ﵁ فيكون عدل عمر أكثر فكذا هذا.
م: (إلا القصب والحطب والحشيش) ش: وكذلك يستثنى التين والسعف، وذكر في " المبسوط ": الطرفاء عوض الحطب، والسعف روق جريد النخل الذي يصنع منه المراوح وغيرها والمراد بالقصب الفارسي وهو الذي يدخل في الأبنية ويتخذ منه الأقلام، قيل هذا إذا كان القصب ينبت في الأرض والجبال، أما لو غرز الأرض بقصبه فإنه يجب فيه العشر، ذكر الأسبيجابي والمرغيناني والوبري وتجب في قصب السكر والذريرة، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه لا شيء في قصب الذريرة وهي رواية عن أبي حنيفة، وفي مضغه حراقه ومسحوقه عطر يضرب إلى البياض بصفرة يجلب من الهند ويجعل في الأروية وسمي ذريرة لأنه يدق ذرة ذرة، وسيجيء الكلام فيه في الكتاب.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (لا يجب العشر غلا فيما له ثمرة باقية) ش: كالحنطة والشعير والذرة والجوز واللوز والفستق والبندق والعدس والحمص والباقلاء والجلبان والماعن واللوبيا ونحوهما وهو قول الشافعي وفي " المبسوط " وأوجبا في الجوز واللوز وفي الفستق على قول أبي يوسف ﵀ وعلى قول محمد لا تجب، وفي " المرغيناني " عن محمد أنه لا عشر في التين والفستق والجوز واللوز والنبق والتوت والموز والخرنوب، وعنه يجب في التين والفستق.
قال الكرخي: وهو الصحيح عنه ولا في الأهليلجة وسائر الأدوية والسدر والأشنان، ويجب فيما يجيء منه ما يبقى سنة مثل العنب والرطب وغيرهما، وعن محمد إن كان العنب لا يجيء منه الزيت لرقته لا يجب فيه العشر ولا يجب في الصفر والصنوبر والحلبة، وعن أبي يوسف أنه أوجب العشر في الحناء، قال محمد: لا شيء فيه كالرياحين، وفي " المبسوط " عن محمد في التين والأجاص والعناب روايتان وفي الثوم والبصل روايتان.
وذكر في " العيون " التين الذي ييبس يجب فيه العشر ولا عشر في التفاح والخوخ الذي يسقى وييبس ولا شيء في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطب، وكل يذر لا يصلح إلا للزراعة ذكره القدوري، ويجب في بذر العنب دون عيدانه، ويجب في الكمون والكراوية والخردل لأن ذلك من جملة الحبوب.
ولا زكاة عند الشافعية في التين والسفرجل والرمان والخوخ والجوز واللوز وسائر
стр. 1753
إذا بلغ خمسة أوسق والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ، وليس في الخضروات عندهما عشر
ــ
[البناية]
الثمار سوى الرطب والعنب ولا في الزيتون في الجديد وفي الورس في الجديد، وأوجبها في القديم من غير شرط النصاب في قليله وكثيره ولا يجب في الترمس في الجديد، وقول مالك مثل قول الشافعي وزاد عليه وجوب العشر في الترمس والسمسم والزيتون، والوجوب في الزيتون قول الزهري والأوزاعي والثوري والليث ورواية عن أحمد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر ﵃.
وقال أحمد: يجب فيما به البقاء واليبس والكيل من الحبوب والثمار سواء كان قواما كالحنطة والشعير والسلق وهو نوع من الشعير، وفي " المغرب " نوع من الشعير لا قشر له يكون بالغور والحجاز والعلس وهو نوع من الحنطة يزعم أهله أنه إذا خرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة ويكون منه حبتان وثلاث في كمام واحد وهو طعام اأهل صنعاء. وفي " المغرب " هو بفتحتين حبة سوداء إذا أجدب الناس خلطوها وأكلوها.
م: (إذا بلغ خمسة أوسق) ش: ذكرت ثلاثة قيود في مذهب الصاحبين الأول: الثمرة احترازا عن غير الثمرة، والثمرة اسم لشيء متفرع من أصل يصلح للآكل.
الثاني: البقاء وحده أن يبقى سنة في الغالب من غير معالجة كثيرة كالحنطة والشعير وغيرهما، واحترز به من الورد والآس والوسمة.
الثالث: أن يبلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ .
الوسق بقتح الواو، وروي بكسرها أيضا ذكره القاضي عياض وهو ستون صاعا، قال الخليل: هو حمل البعير، والوقر حمل البغل والحمار، والوسق عند محمد ﵀ أربعمائة رطل وثمانون رطلا بالبغدادي وخمسة آلاف رطل وأربعمائة رطل، وعند أبي يوسف ألف وستمائة رطل وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، والوسق ثلاثمائة رطل وعشرون رطلا بالبغدادي عندهم.
وقال السغناقي: م: (والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ) ش: فخمسة أوسق ألف ومائتا مَنٍّ، لأن كل صاع أربعة. وقال شمس الأئمة: هذا قول أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: الوسق ثلاثمائة مَنٍّ.
[الزكاة في الخضروات]
م: (وليس في الخضروات عندهما عشر) ش: والخضروات بفتح الخاء لا غير نحو الفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما، والبقول كالكراث والكرفس، واستشكل ابن الأثير في " النهاية " جمع الخضراء على الخضروات.
قال: وقياس ما كان على هذا الوزن من الصفات لا يجمع على هذا الجمع إنما يجمع به ما
стр. 1754
فالخلاف في موضعين في اشتراط النصاب وفي اشتراط البقاء لهما في الأول قوله ﷺ «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» ولأنه صدقة فيشترط النصاب فيه لتحقق الغنى، ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ : «ما أخرجت الأرض ففيه العشر» من غير فصل،
ــ
[البناية]
كان اسما لا صفة نحو صحراء وخنفساء قال وإنما جمع هذا الجمع لأنه قد صار اسما لهذه البقول لا صفة م: (فالخلاف) ش: يعني بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (في موضعين) ش: أحدهما م: (في اشتراط النصاب) ش: والآخر قوله: م: (وفي اشتراط البقاء) ش: فأبو حنيفة لم يشترطهما وهما شرطاهما.
م: (لهما في الأول) ش: أي لأبي يوسف ومحمد في الأول وهو اشتراط النصاب م: (قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» ش: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة» .
و «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» . وفي لفظ لمسلم: «ليس في حب ولا عنب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» ، وزاد أبو داود فيه: «والوسق ستون مختوما» وزاد ابن ماجه «والوسق ستون صاعا» . والمراد من الصدقة العشر لأن زكاة التجارة تجب فيما دون خمسة أوسق إذا بلغت قيمته مائتي درهم.
م: (ولأنه صدقة فيشترط النصاب فيه لتحقق الغنى) ش: هذا دليل عقلي أي ولأن العشر صدقة كالزكاة يتعلق بها أداء المال أو بدليل على أنه لا يجب على الكافر ابتداء ويصرف مصارف الصدقات وقيمة خمسة أوسق مائتا درهم فيشترط فيه النصاب لأجل تحقق الغنى.
م: (ولأبي حنيفة قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ : م: (ما أخرجته الأرض ففيه العشر، من غير فصل) ش: هذا الحديث غريب بهذا اللفظ، ومعناه ما أخرجه البخاري عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.. الحديث، وقد ذكرناه في أول الباب وليس فيه إشارة إلى النصاب لأنه عام يتناول القليل والكثير فيدل على الوجوب من غير قيد.
وإخراج لبعض الخارج عن الوجوب وإخلائه عن حقوق الفقراء، وقال أبو بكر بن العربي في " عارضة الأحوذي " وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلا وأحوطها للمساكين وأولاها قياما شكرا للنعمة وعليه يدل عموم الآية والحديث.
فإن قلت: العشر يشبه الزكاة من حيث أن يصرف إلى أهل السهمين المذكورين في الآية فيجب أن يكون لماليته عفو ونصاب.
стр. 1755
وتأويل ما روياه زكاة التجارة لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق وقيمة الوسق أربعون درهما ولا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو الغنى، ولهذا لا يشترط الحول لأنه للاستنماء وهو كله نماء،
ولهما في الثاني قوله ﷺ «ليس في الخضروات صدقة»
ــ
[البناية]
قلت: العشر كالخمس حتى إذا أخذ مرة لا يؤخذ ثانيا، وإن تكرر السنون فيبقى الباقي لرب المال، والعشر يجب على الفقراء فيجب أن لا يتعلق بقدر معين لما أنه يجب تحقق الأرض فيجب في القليل والكثير. قوله -من غير فصل- ليس من الحديث، يعني من غير فرق بين القليل والكثير.
م: (وتأويل ما روياه زكاة التجارة) ش: هذا جواب عن حديثهما المذكور أي بتأويل ما رواه أبو يوسف ومحمد أنه محمول على زكاة التجارة م: (لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهما) ش: فيكون قيمة خمسة أوسق مائتي درهم، وكان كذلك في ذلك الوقت غالبا فأدير الحكم على ذلك إذ الكيل كان أيسر عليهم.
م: (ولا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو الغنى) ش: هذا جواب عن قوله لتحقق الغنى أي لا اعتبار بالمالك في العشر، ولهذا يجب العشر في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب، فإذا لم يعتبر المكاتب فكيف يعتبر بصفة وهو الغنى الحاصل بالنصاب، وذكر في " المبسوط ": إن كانت الأرض لمكاتب أو لصبي أو مجنون وجب العشر في الخارج منها عندنا.
وقال الشافعي: لا شيء في الخارج من أرض المكاتب والعشر عنده قياس الزكاة فلا يجب إلا باعتبار المالك، أما عندنا فالعشر مؤنة الأرض النامية كالخراج، فالمكاتب والحر فيه سواء، وكذلك الخارج من الأرض الموقوفة على الرباطات والمساجد يجب فيه العشر عندنا وعند الشافعي لا تجب إلا في الموقوفة على أقوام بأعيانهم فإنهم كالملاك.
م: (ولهذا لا يشترط الحول) ش: والأصل عدم اشتراط غنى المالك بالنصاب لا يشترط الحول في العشر م: (لأنه) ش: أي لأن الحول يشترط م: (للاستنماء) ش: أي لطالب النماء م: (وهو) ش: أي الذي يجب فيه العشر م: (كله نماء) ش: لأن وجوبه يتعلق بالأرض النامية والخراج يجب في قليل الخارج فكذا العشر.
م: (ولهما في الثاني) ش: أي ولأبي يوسف ﵀ ومحمد في اشتراط البقاء م: (قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «ليس في الخضروات صدقة» ش: هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃ وهم معاذ وطلحة وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأنس وعائشة وعبد الله بن عمر وخالد بن عبد الله وأبو موسى الأشعري وعمر بن الخطاب ﵃. أما حديث معاذ بن جبل فرواه الترمذي، حدثنا علي بن حزم أنا عيسى بن يونس عن الحسن بن عمارة عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد عن عيسى بن طلحة «عن معاذ أنه كتب
следующие страницы →