← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

خمس فصيل، وفي العشر خمسا فصيل على هذا الاعتبار، وعنه أنه ينظر إلى قيمة خمس فصيل وفي الخمس، وإلى قيمة شاة وسط فيجب أقلهما، وفي العشر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل على هذا الاعتبار. قال: ومن وجب عليه مسن فلم توجد أخذ المصدق أعلى منها، ورد الفضل أو أخذ دونها أو أخذ الفضل، وهذا ــ [البناية] فصلان م: (خمس فصيل) ش: بضم الخاء م: (وفي العشر خمسا فصيل) ش: أي ويجب في العشرة من الفصلان خمسان من فصيل م: (على هذا الاعتبار) ش: يعني يجري على هذا القياس إلى خمس وعشرين فيجب فيها واحدة منها فكأنه اعتبر البعض بالكل. م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف ﵀ م: (أنه ينظر إلى قيمة خمس فصيل) ش: بضم الخاء م: (وفي الخمس) ش: بفتح الخاء أي في الخمسة من الفصلان ش: (وإلى قيمة شاة وسط فيجب أقلهما) ش: أي أقل القيمتين: قيمة خمس الفصيل، وقيمة الشاة، وذلك لأن الأقل متيقن. م: (وفي العشر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل) ش: أي ينظر في العشرة من الفصلان إلى القيمتين من قيمة شاتين وقيمة خمسين من الفصيل م: (على هذا الاعتبار) ش: أي يجري على هذا القياس فينظر، وفي خمسة عشرة إلى قيمة ثلاث شياه وقيمة ثلاث أخماس فصيل، وفي العشرين إلى قيمة أربع شياه وأربعة أخماس فصيل، وفي الخمس والعشرين تجب واحدة منها، ثم لا شيء حتى تبلغ عددا يثلث الواجب فيه في الكبار فيجب ثلاثة فصلان وقد مر بيان ذلك. م: (قال: ومن وجب عليه مسن) ش: أي ذات سن على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو سمي بها كما سمي المسنة من النوق بالتاء؛ لأن المسن مما استدل به على المسن من الدواب م: (فلم توجد أخذ المصدق) ش: بكسر الدال المشددة، وهو عامل الزكاة التي يستوفيها من أربابها، يقال: صدقهم يصدقهم فهو متصدق م: (أعلى منها) ش: أي أعلى من المسن. م: (ورد الفضل) ش: أي فضل القيمة مثلا، إذا كانت قيمة المسن المتعينة للوجوب ثلاثين درهما، وقيمة الأعلى منها أربعون درهما، أخذ المصدق الأعلى، ويرد عشرة دراهم لصاحب المال م: (أو أخذ دونها) ش: أي دون المسن م: (أو أخذ الفضل) ش: مثلا، إذا كانت قيمة المسن ثلاثين، وقيمة الذي أخذه عشرون يأخذ من رب المال عشرة دراهم. وقال أبو يوسف: إذا وجبت بنت مخاض، ولم توجد أخذ ابن لبون، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد ﵏. وعندهما لا يجوز ذلك إلا بطريق القيمة. م: (وهذا) ش: أي وهذا المذكور من أخذ الأعلى ورد الفضل أو أخذ الأدنى واسترداد

стр. 1682

مبني على أن أخذ القيمة في باب الزكاة جائز عندنا، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، إلا أن في الوجه الأول له أن لا يأخذ ويطالب بعين الواجب أو بقيمته؛ لأنه شراء، وفي الوجه الثاني يجبر؛ لأنه لا بيع فيه بل هو إعطاء بالقيمة، ويجوز دفع القيمة في الزكاة عندنا ــ [البناية] الفضل م: (مبني على أن أخذ القيمة في باب الزكاة جائز عندنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى) ش: وأصل ذلك ما رواه البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله أَنَا أبي، حدثنا ثمامة أن أنسا، حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقه فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين....» الحديث، ثم المعتبر ما بين القيمتين في الرد والاسترداد أي شيء كان؛ لأن القيمة تتفاوت باختلاف الرخص من الغلاء، وتقدير العشرين في الحديث ليس بلازم؛ لأنه كان بحسب الغالب في ذلك الزمان. م: (إلا أن في الوجه الأول) ش: وهو قوله: أخذ المصدق أعلاها ورد الفضل م: (له) ش: أي للمصدق م: (أن لا يأخذ) ش: أي الأعلى م: (ويطالب صاحب المال بعين الواجب أو بقيمته؛ لأنه شراء) ش: ولا شراء في الشراء. قال الأترازي: وفيه نظر عندي؛ لأنهم قالوا: الخيار لصاحب المال حتى يكون رفقا به؛ لأن الزكاة وجبت بطريق اليسر، فإذا كان للمصدق ولاية الامتناع من قبول الأعلى لزم العشر وفيه عود على الموضوع بالنقص فلا يجوز. قلت: قيل: إن الخيار للمصدق ذكره صاحب " التجريد ". م: (وفي الوجه الثاني) ش: هو قوله أو أخذ دونها م: (يجبر) ش: أي المصدق م: (لأنه لا بيع فيه بل هو إعطاء بالقيمة) ش: فإذا امتنع يجبر؛ لأن دفع القيمة جائز. [إخراج القيمة في الزكاة والكفارات ونحوها] م: (ويجوز دفع القيمة في الزكاة عندنا) ش: وهو قول عمر ﵁ وابنه، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وطاوس ﵃. وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين عند أحمد، ولو أعطى عرضا عن ذهب وفضة، وقال أشهب: يجزئه، وقال الطرطوسي: هذا قول بين في جواز إخراج القيم في الزكاة. قال: وأجمع أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى ذهبا عن فضة عند مالك، وقال سحنون: لا يجزئه، وهو وجه للشافعية، واختار ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين.

стр. 1683

وكذا في الكفارات، وصدقة الفطر، والعشر، والنذر، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز اتباعا للمنصوص كما في الهدايا والضحايا، ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال للرزق الموعود إليه ــ [البناية] م: (وكذا في الكفارة وصدقة الفطر والعشر والنذر) ش: أي وكذا يجوز دفع القيمة في الكفارة، وأراد بالكفارة المالية وإذا أدى نصف قفيز تمر جيد عن قفيز تمر رديء، وقل في النذر فإنه يجوز عند محمد وزفر، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-. وفي صدقة الفطر لو أدى نصف صاع من تمر عن صاع من شعير بطريق القيمة لا يجوز، وإذا غير المنصوص عن المنصوص يجوز في غير الربويات ذكره في " الجامع "، وكذا يجوز الاستبدال بالثمن والمنذور ولو عينه. م (وقال الشافعي ﵁: لا يجوز) ش: وبه قال داود، وأحمد، وبه قال مالك، إلا أنه قال: يجوز إخراج الذهب عن الفضة، والفضة عن الذهب. م: (اتباعا للمنصوص) ش: يعني اتبع الشافعي اتباعا لعين النصوص وهو قوله ﷺ : «في خمس من الإبل شاة» ، في أربعين شاة شاة، وهذا بيان لما هو مجمل في الكتاب، فإن الإيتاء منصوص عليه والمأتي غير مذكور فيه، فالتحق الحديث بيانا لمجمل الكتاب، وكأنه قال: وآتوا الزكاة في أربعين شاة شاة، ولا يجوز التعليل لإبطال حق الفقير في العين؛ لأن الحق المستحق مراعى بصورته ومعناه، كما في حقوق العباد م: (كما في الهدايا والضحايا) ش: أي كما يتبع المنصوص في الهدايا والضحايا؛ لأنها مقدرة بأعيان معلومة شرعا فلا تتأدى بالقيمة. م: (ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير) ش: أي الأمر بأداء الزكاة إلى الفقير م: (إيصال) ش: أي لأجل الإيصال م: (للرزق الموعود إليه) ش: أي إلى الفقير؛ لقوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (سورة هود: الآية: ٦) . ولما أمر الغني بأدائها وهو حق الله إلى الفقير الذي هي حقه بحكم الوعد علم أن المقصود من الأمر بأدائها إيصال لذلك الرزق الموعود وكفاءته للفقير، فكما يحصل رزق الفقير وكفاءته بعين الشاة، يحصل بقيمتها بل هي أولى؛ لأنه يتوصل بعين الشاة إلى نوع من الكفاية وهو الأكل، وبقيمتها يتوصل إلى أنواع من الكفاية. قلت: هكذا ذكر الشراح خصوصا الأترازي، فإنه أطنب في هذا الموضع، فللخصم أن يقول: في أخذ عين الشاة تحصل كفاية الأكل، وبيعها بعد الأخذ يحصل كل الأنواع بالكفاية، والأحسن أن يقول: إن التقييد على الكتاب بخبر الواحد لا يجوز بالاتفاق، ألا ترى أنه ﷺ قال: «في خمس من الإبل شاة» وكلمة في حقيقة الظرف وعين الشاة لا توجد في الإبل فعرف أن المراد قدره من المال.

стр. 1684

فيكون إبطالا لقيد الشاة فصار كالجزية، بخلاف الهدايا؛ لأن القربة فيها إراقة الدم وهو لا يعقل، ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول، وليس في العوامل، والحوامل والعلوفة صدقة ــ [البناية] م: (فيكون إبطالا لقيد الشاة) ش: أي فيكون الأمر بإيصال الرزق إبطالا لقيد الشاة المنصوص عليه، لا يقال ما قلتم فيه تقييد الشاة المنصوص عليها بالتعليل؛ لأنا نقول: لا نسلم ذلك، وإنما أراد بالنص القطعي الذي يوجبه أداء الرزق الموعود له بالآية المذكورة. م: (وصار كالجزية) ش: أي وصار الحكم كما ذكرنا كأداء القيمة في الجزية، فإنه يجوز بالاتفاق؛ لأنه أدى مالا متقوما عن الواجب فكذا تجوز القيمة في الزكاة لهذا المعنى. م: (بخلاف الهدايا؛ لأن القربة فيها إراقة الدم) ش: هذا جواب عن قياس الشافعي ﵀ عدم جواز أخذ القيمة في الزكاة عنده على عدم جواز أخذ القيمة في الهدايا والضحايا فإنه متفق عليه. والجواب أن معنى القربة في الهدايا والضحايا فإنه إراقة الدم وهي لا تتقوم، فلا يقم شيء آخر مقام ذلك م: (وهو لا يعقل) ش: أي إراقة الدم غير معقولة ولا متقومة، فالمستحق إراقة الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق به لا يلزمه شيء. م: (ووجه القربة في المتنازع فيه) ش: وهو حكم أخذ القيمة في الزكاة م: (سد خلة المحتاج) ش: يعني سد احتياج الفقير م: (وهو معقول) ش: أي يدرك بالعقل فيتأتى فيه الضرر بالقيمة؛ لأن المقصود كفاءة الفقير. فإن قلت: لا نسلم ذلك، ولهذا لا يجوز أداؤها إلى الفقير الكافر وإلى الوالدين والولد، وإن كانوا فقراء. قلت: الشرع لم يأمر بالأداء إليهم. فإن قلت: المراد بكفاية الفقير كفاية العمر أو كفاية الحال وكل منهما ممنوع أما الأول فظاهر، وأما الثاني فأداؤها يجوز إلى من له كفاية الحال، كمن له خادم ودار ومائتا درهم إلا درهم. قلت: المقصود الكفاية الحاصلة بقدر الزكاة لا ذاك ولا ذاك فافهم. م: (وليس في العوامل والحوامل والعلوفة صدقة) ش: أي زكاة الحوامل جمع حامل: وهي التي أعدت لحمل الأثقال كذا قاله الكاكي، وقال تاج الشريعة: جمع عاملة قال في " الطلبة ": العوامل المعدة للأعمال، والمعلوفة: بفتح العين ما يعلف من الغنم وغيرها، فالواحد والجمع سواء، والمعلوفة بالضم: جمع علف كذا قاله المطرزي يقال: علفت الدابة ولا يقال علفتها، والدابة معلوفة وعليف، كذا في " الجمهرة "، وعدم الزكاة في هذه المذكورات في مذهبنا، وهو قول عطاء، والحسن، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر ﵃، ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ﵀ ذكره في " الإمام "، وقال قتادة ومكحول ومالك ﵏: تجب الزكاة في المعلوفة والنواضح، واحتج بالعمومات وهي مذهب معاذ وجابر بن عبد الله وسعيد بن عبد

стр. 1685

خلافا لمالك ﵀ له ظواهر النصوص، ولنا قوله ﷺ : «ليس في الحوامل والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة» ولأن السبب هو المال النامي، ودليله ــ [البناية] العزيز، والحسن بن صالح ﵀. م: (خلافا لمالك) ش: فإنه أوجب الزكاة فيها لما ذكرنا م: (له) ش: أي لمالك ﵀ م: (ظواهر النصوص) ش: لأن ظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (التوبة: الآية ١٠٣) ، وقوله ﷺ : «في كل خمس ذود شاة» يقتضي وجوب الزكاة. م: (ولنا قوله ﷺ : «ليس في الحوامل والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة» ش: أي قول النبي ﷺ ، وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وفي العوامل أحاديث منها ما رواه أبو داود من حديث زهير ﵁ حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث عن علي قال زهير: وأحسبه عن النبي ﷺ أنه قال: «هاتوا زكاة ربع العشر» الحديث، وقال فيه «وليس على العوامل شيء» ورواه الدارقطني مجزوما، قال: ليس فيه: قال زهير: وأحسبه. وقال ابن القطان: هذا سند صحيح وكل من فيه ثقة معروف. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " موقوفا فقال: قال أخبرنا الثوري، ومعمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: «ليس في العوامل البقر صدقة» . ومنها ما رواه الدارقطني من حديث طاوس عن ابن عباس ﵁ مرفوعا: «ليس في البقر العوامل صدقة» وفي إسناده سوار بن مصعب نقل ابن عدي ﵀ تضعيفه عن البخاري والنسائي وابن معين ووافقهم، وقال: عامة ما يرويه غير محفوظ. ومنها رواه الدارقطني أيضا، عن غالب بن عبيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مرفوعا نحوه، وغالب لا يعتمد عليه. قال يحيى: ليس بثقة، وقال الرارزي: متروك. وأما حديث المغيرة فرواه الدارقطني من حديث أبي الزبير أن النبي ﷺ قال: «ليس في المثيرة صدقة» قال البيهقي: إسناده ضعيف والصحيح أنه موقوف، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر موقوفا، وقد مضى تفسير الحوامل والعوامل. وأما البقرة المثيرة فهي التي تثار بها الأرض أي تحرث، من الإثارة وهي التحريك والرفع. م: (ولأن السبب) ش: أي سبب وجوب الزكاة م: (هو المال النامي ودليله) ش: أي دليل

стр. 1686

الإسامة أو الإعداد للتجارة، ولم يوجد ولأن في العلوفة تتراكم المؤنة فينعدم النماء، معنى ثم السائمة: هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول حتى لو علفها نصف الحول أو أكثر كانت علوفة؛ لأن القليل تابع للأكثر ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته، ويأخذ الوسط. ــ [البناية] المال النامي م: (الإسامة) ش: بكسر الهمزة يقال: أسمت الماشية فسامت أي رعيتها فرعت، وبالإسامة تزداد الماشية سمنا، ولهذا أجل السوم بالحول؛ لأن النمو إنما يتحقق ذكرا ونسلا بالحول م: (أو الإعداد للتجارة) ش: بكسر الهمزة من أعددت الشيء، إذا هيأته، والمعنى أو دليله يهيأ المال للتجارة للأرباح م: (ولم يوجد) ش: أي واحد من الإسامة والإعداد للتجارة، فلم تجب الزكاة؛ لأن الحكم يدار على الدليل وهو معدوم. م: (ولأن في العلوفة) ش: بفتح العين كما ذكرنا عن قريب م: (تتراكم المؤنة) ش: أي تتكاثر م: (فينعدم النماء معنى) ش: فلا تجب الزكاة، وفي " البدائع ": إن أسيمت للحمل أو للركوب أو اللحم فلا زكاة فيها، وإن أسيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، حتى لو كانت أربعا من الإبل أو أقل تساوي مائتي درهم تجب فيها خمسة، وإن كانت خمسة لا تساوي مائتي درهم لا تجب فيها الزكاة. وإن أسيمت للدر والنسل ففيها زكاة السائمة. وفي " الذخيرة ": اشترى إبلا سائمة بنية التجارة وحال عليها الحول، تجب فيها زكاة التجارة دون زكاة السائمة، وأجمعوا على أنه لا يجمع بين زكاة السائمة وزكاة التجارة وهو قول الشافعي ومالك وأحمد ﵏. م: (ثم السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول حتى لو علفها نصف الحول أو أكثر كانت علوفة؛ لأن القليل تابع للأكثر) ش: لأن أصحاب السوائم لا يجدون بدا من أن يعلفوا سوائمهم في البرد والثلج، فجعل الأقل تابعا للأكثر، ولا خلاف أن السائمة في جميع الحول تجب فيها الزكاة، والعلوفة في جميع السنة لا تجب فيها الزكاة، وإنما الخلاف في الإسامة في أكثر الحول، فعندنا وأحمد وبعض أصحاب الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: لو علفت في نصف السنة أو أكثر كانت علوفة. وقال الشافعي ﵀ في الأصح: إن السوم شرط في جميع السنة، حتى لو ترك الإسامة في زمان لو لم يعلف فيه الحيوان يموت ينقطع السوم، وإذا ترك العلف في يوم أو يومين هل ينقطع أم لا؟ اختلف أصحابه فيه، فمنهم من قال: لا ينقطع لقلة المدة، ومنهم من قال: ينقطع كيفما يوجد العلف، ومنهم من قال: لو قصد العلف وقطع الإسامة ينقطع الحول، ولو كان العلف ساعة واحدة. م: (ولا يأخذ المصدق) ش: وهو آخذ الزكاة م: (خيار المال ولا رذالته) ش: الرذالة: بضم الراء وتخفيف الذال المعجمة اسم جمع لرذل، وهو الدون من كل شيء م: (ويأخذ الوسط) ش: هذا

стр. 1687

لقوله ﷺ : «لا تأخذوا من حرزات أموال الناس، أي كرائمها، وخذوا من حواشي أموالهم» أي أوساطها ولأن فيه نظرا من الجانبين. قال: ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه وزكاه به. ــ [البناية] مجمع عليه من أهل العلم، فقال الزهري ﵀ إذا جاء المصدق قسم المال أثلاثا: ثلث خيار، وثلث أوساط، وثلث شرار، ويأخذ المصدق من الوسط رواه أبو داود، قوله -الشاة- جمع شياه، والمراد من الشرار المهازيل المغيرة، ومن الخيار السمان الجياد. م: (لقوله ﷺ لا تأخذوا من حرزات أموال الناس أي كرائمها، وخذوا من حواشي أموالهم، أي أوساطها) ش: أي لقول النبي ﷺ ، هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وروى البيهقي بعضه مرسلا عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة أن النبي ﷺ قال لمصدقه: "لا «تأخذ من حرزات أموال الناس شيئا، خذ الشارف والبكر وذوات العيب» ، ورواه ابن أبي شيبة عن حفص عن هشام به. ورواه أبو داود في " المراسيل ": حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن هشام به. قوله: من حرزات أموال الناس جمع حرزة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالراء، وهي خيار مال الرجل سميت حرزة؛ لأن صاحب المال يحرزها في نفسه، سميت به المرأة الواحدة من الحرز ولهذا أضيفت إلى النفس في حديث البيهقي. قوله: الشارف، هي الهرمة، والبكر: بالفتح هو الصغير من الإبل بمنزلة الغلام من الناس. قوله: أوساطها، جمع وسط، وفي " المنتقى ": الأوساط على الأدون، وأدون الأعلى، وقيل: إذا كان عشرون من الضأن وعشرون من المعز أخذ الوسط، ومعرفته أن يقوم الوسط من المعز والضأن فتؤخذ شاة تساوي قيمة نصف كل واحد منهما، مثلا الوسط من المعز يساوي عشرة دراهم، والوسط من الضأن يساوي عشرين فتؤخذ شاة قيمتها خمسة عشر، ولو لم يكن فيها إلا واحدة وسط يجب فيها ما يجب في الأوساط، وإن لم يكن فيها وسط يعتبر أفضلها فيكون الواجب بقدره، وفي " الجامع الكبير ": ولو أخذ شاة سمينة تبلغ قيمتها شاتين وسطين يجوز؛ لأن الجودة في الحيوان مسقوطة، المنصوص عليه هو الوسط. وفي " المجتبى ": لو كان في السوائم العمياء والعرجاء والعجاف تعد من النصاب لإطلاق الاسم، ولكن لا تؤخذ في الصدقة إلا أن تكون قيمة المعيب مثل قيمة الصحيح. م: (ولأن فيه نظرا من الجانبين) ش: أي ولأن في أخذ الوسط نظرا لجانبي الفقير وصاحب المال. [كيفية زكاة المال المستفاد أثناء الحول] م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه) ش: أي ضم الذي استفاده إلى النصاب الذي معه م: (وزكاه به) ش: أي زكى الذي استفاده بالنصاب الذي معه والمستفاد على نوعين؛ الأول: أن يكون من جنسه كما إذا كانت له إبل فاستفاد إبلا في أثناء الحول يضم المستفاد إلى الذي عنده فيزكي عن الجميع.

стр. 1688

وقال الشافعي ﵀ لا يضم؛ لأنه أصل في حق الملك فكذا في وظيفته، بخلاف الأولاد والأرباح، لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل. ــ [البناية] والثاني: أن يكون من غير جنسه كما إذا كان له إبل واستفاد بقرا أو غنما في أثناء الحول لا يضم إلى الذي عنده بالاتفاق بل يستأنف له نوع آخر. والنوع الأول على نوعين أيضا، أحدهما: أن يكون المستفاد من الأصل كالأولاد والأرباح فإنه يضم بالإجماع. والثاني: أن يكون مستفادا بسبب مقصود كالموروث والمشترى والموهوب ونحوها فإنه يضم عندنا. م: (وقال الشافعي ﵁ لا يضم) ش: وبه قال أحمد، وقال النووي في " شرح المهذب ": إن المستفاد في أثناء الحول بشراء أو هبة أو إرث أو نحوها مما يستفاد لا يضم إلى ما عنده في الحول بلا خلاف، ويضم إليه في النصاب على المذهب. وفيه وجه أنه لا يضم كالحول، وإذا كان المستفاد دون النصاب ولا يبلغ النصاب الثاني ما تعلق به الزكاة وإن كان دون نصاب وبلغ النصاب الثاني، بأن ملكت ثلاثين بقرة ستة أشهر ثم اشترى عشرا فعليه بعد تمام الحول في الثلاثين تبيع، وعند تمام حول العشرة ربع مسنة. وعند ابن شريح: لا ينعقد حول العشرة حتى يتم حول الثلاثين ثم يستأنف حول الجميع انتهى. وقال مالك: إذا كمل النصاب بالأولاد قبل مجيء الساعي زكى، والوجوب عنده بمجيء الساعي لا بحولان الحول، وخالفه الأئمة، وإن استفاد من غير الأمهات لا يضم، وقال ابن حزم: لا حكم للشافعي في الوجوب ردا على مالك وأبي ثور. ونص الشافعي في " الأم " والقديم، قال: ثم تناقضوا قالوا: إن أبطأ عاما أو عامين لم يسقط الفرض ووجب أخذها لكل عام، وحكى العبدري عن الحسن البصري ﵀ والنخعي أن السخال لا تضم إلى الأمهات، بل حولها من وقتها لولادتها، وقال الشعبي وداود: لا زكاة في السخال، ولا ينعقد عليها الحول. م: (لأنه أصل في حق الملك) ش: أي ولأن المستفاد أصل لأنه ملك بغير السبب الذي ملك النصاب الآتي م: (فكذا وظيفته) ش: وهي وجوب الزكاة م: (بخلاف الأولاد والأرباح) ش: يعني تضم الأولاد والأرباح؛ (لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل) ، وملكت على صيغة المجهول، والأصل هو الأمهات والمال الذي حصل منه الربح. فإن قلت: ما تقول في الحديث الذي استدل به الشافعي ﵀ رواه الترمذي وقال: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا هارون بن صالح الطلحي المديني، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استفاد مالا فلا

стр. 1689

ولنا أن المجانسة هي العلة في الأولاد والأرباح؛ لأن عندها يتعسر التمييز فيتعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما شرط الحول إلا للتيسير ــ [البناية] زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» . وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث عمرة عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . قلت: أما حديث ابن عمر فإنه ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن زيد، قال الترمذي: وهو ضعيف في الحديث ضعفه أحمد بن حنبل ﵀ وعلي بن المديني وغيرهما من أهل الحديث وهو كثير الغلط. وقال الترمذي أيضا: وروى أيوب وعبد الله بن عمر ﵄ وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفا. قلت: انفرد الترمذي بإخراج هذا الحديث، وانفرد أيضا بالموقوف. وأما حديث ابن ماجه ففيه حارثة بن محمد، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال يحيى: ثقة ولو ثبت لما كان مخالفا لمذهبنا؛ لأن حول الأصل حول الزيادة حكما. قالوا: في الأولاد والأرباح والزيادة في البدن بالسمن. م: (ولنا أن المجانسة هي العلة في الأولاد والأرباح) ش: يعني في الضم وهو موضع الإجماع م: (ولأن عندها) ش: أي عند المجانسة م: (يتعسر التمييز فيتعسر اعتبار الحول لكل مستفاد، وما شرط الحول إلا للتيسير) ش: لأن المستفاد مما يكثر وجوده ولا يمكن مراعاة الحول عند كل مستفاد إلا بعد ضبط أحوال ذلك في الكمية والكيفية والزمان، وفي ضبط هذه الجملة عند الكثرة حرج؛ خصوصا إذا كان النصاب دراهم وهو صاحب غلة يستفيد كل يوم درهما أو درهمين أو غير ذلك، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ". وفي " المستصفى ": اعتبار الحول في المستفاد يؤدي إلى العسر فيعود على موضوعه بالنقص واستدل الأترازي لأصحابنا بقوله: قلنا إن النبي ﷺ أوجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون ولم يفصل بين الزيادة في أول الحول أو في أثنائه وأطال الكلام فيه. قلت: الذي يتصدى لشرح كتاب ينبغي أن يتتبع متن هذا الكتاب كله كلمة كلمة حتى يستفيد الناظر في هذا الشرح، وإلا لا يستفيد شيئا أصلا، ويحير؛ لأن المتن في ناحية والشرح في

стр. 1690

قال: والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- في النصاب دون العفو، وقال محمد وزفر -رحمهما الله- فيهما حتى لو هلك العفو، وبقي النصاب بقي كل الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-، وعند محمد وزفر -رحمهما الله- يسقط بقدره. ــ [البناية] ناحية. ثم قال الأترازي: فإن قلت: قد صح في الحديث وقد ذكر الحديث الذي ذكرناه عن ابن عمر وعائشة ﵃ ثم طوى الكلام من تعرض لمتن الكتاب فسبحان الله كيف قال: قد صح، والحال أنه لم يصح كما ذكرناه. واحتج السروجي بقوله: ولنا ما رواه الترمذي أنه ﷺ قال: «إن من السنة شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم، فما حدث بعد ذلك فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس الشهر» ، ثم قال: وقال سبط ابن الجوزي: رواه الترمذي بمعناه، وقيل: إنه موقوف على عثمان. وقال الكاكي: أيضا ولنا قوله ﷺ : «اعلموا أن من السنة شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم» الحديث، ثم قال: رواه الترمذي، وجزم بذلك ولم أره في الترمذي، والعجب من هؤلاء يستدلون بحديث فيما يتعلق بالمذهب، ولا يذكرون غالبا من رواه من الصحابة ولا يكشفون حاله، ولا من أخرجه مع دعاوي بعضهم علم الحديث. ثم اعلم أن مذهبنا في هذا الباب هو قول عثمان وابن عباس ﵄، والحسن البصري، والثوري، والحسن بن صالح، قال في " المغني ": وهو قول مالك في السائمة. م: (قال) ش: أي القدوري م: (والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- في النصاب دون العفو) ش: يعني إذا اجتمع في المال نصاب وعفو يتعلق الوجوب بالنصاب دون العفو عندهما، وبه قال الشافعي ﵁ في الجديد ومالك وأحمد، واختاره المزني. م: (وقال محمد وزفر فيها) ش: أي الزكاة في النصاب والعفو جميعا، وبه قال الشافعي في القديم م: (حتى لو هلك العفو وبقي النصاب بقي كل الواجب عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀) ش: هذا نتيجة قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان ينبغي أن يذكر هذا قبل قوله - وقال محمد وزفر فيهما-: والعفو هو الذي يزيد بين نصاب ونصاب؛ لأنه لا يخلو عن الوجوب. م: (وعند محمد وزفر يسقط بقدره) ش: أي بقدر العفو، صورته: رجل له ثمانون شاة، فحال الحول عليها، فهلك أربعون بقيت الشاة الواجبة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- صرفا للهلاك إلى العفو، وعند محمد وزفر -رحمهما الله- يبقى نصف الواجب صرفا للهلاك إلى الكل شائعا.

стр. 1691

لمحمد وزفر -رحمهما الله- أن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال والكل نعمة، ولهما قوله ﷺ «في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرا» وهكذا قال في كل نصاب، ونفي الوجوب عن العفو، ولأن العفو تبع للنصاب فيصرف الهلاك أولا إلى التبع، كالربح في مال المضاربة ــ [البناية] م: (لمحمد وزفر أن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال والكل نعمة) ش: فيتعلق الوجوب بالكل؛ لأن الشارع أخبر في قوله: في خمس من الإبل شاة إلى تسع أن الواجب في الكل؛ لأنه حد الوجوب إلى التسع. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- م: (قوله ﷺ : «في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرا» ش: أي قول النبي ﷺ وقد تقدم في كتاب عمر أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة، وكان فيه: «في خمس من الإبل شاة» ، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وتقدم في كتاب أنس عند البخاري: «في خمس ذود شاة» . قوله- وليس في الزيادة شيء حتى تبلع عشرا- ليس من الحديث المذكور، وإنما روى معناه أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا يزيد بن هارون، عن حبيب، عن عمرو بن حزم، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن في كتاب النبي ﷺ ، وكتاب عمر ﵁ في الصدقات أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشرين شيء، يعني حتى تبلغ ثلاثين ومائة. م: (وهكذا قال في كل نصاب) ش: لم يثبت هذا من الحديث المذكور، ولا من غيره، وهذا إنما ذكره جمال الدين ﵀ في تخريجه ببعض موضعه م: (ونفي الوجوب عن العفو) ش: أي نفى النبي ﷺ وجوب الزكاة عن العفو وهو الوقص. وفي " الذخيرة ": الوقص لا شيء فيه، وذكر سنده في الطبراني لمالك والشافعي في تعلق الزكاة بالوقص قولان، والأصح عند الشافعية والمالكية تعلقها بالنصاب دون الوقص، وهذا نصه في القديم وأكثر كتبه الجديدة. وقال البويطي من كتبه الجديدة: يتعلق بالجميع، وقال في " مغني الحنابلة ": يتعلق بالنصاب دون الوقص عند أصحابنا م: (ولأن العفو تبع للنصاب فيصرف الهلاك أولا إلى التبع) . ش: ولأن العفو زائد على النصاب وتبع له، والأصل هو النصاب فيصرف الهالك فيه إلى التبع الزائد م: (كالربح في مال المضاربة) ش: فإن الهالك منه أولا يصرف إلى الربح، ثم إلى رأس المال، ووجه الشبه كون النصاب ومال المضاربة أصلين وإلا العفو والربح تبعان، فصرف الهالك إلى التابع أولى.

стр. 1692

ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ يصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير، ثم إلى الذي يليه إلى أن ينتهي؛ لأن الأصل هو النصاب الأول، وما زاد عليه تابع. وعند أبي يوسف يصرف إلى العفو أولا، ثم إلى النصاب شائعا ــ [البناية] م: (ولهذا قال أبو حنيفة ﵀) ش: أي ولكون النصاب أصلا والعفو الذي هو الوقص تبعا م: (يصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير، ثم إلى الذي يليه إلى أن ينتهي) ش: أي النصاب الأول، وثمرة الخلاف تظهر فيمن ملك تسعا من الإبل فحال عليها الحول، فهلك منها أربع تجب شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- ويصرف الهلاك إلى الأربع والوقص. وعند محمد وزفر -رحمهما الله-: تجب خمسة أتساع الشاة الواجبة، ويسقط أربعة أتساعها، وهكذا فرضت الشافعية والمالكية والحنابلة في كتبهم، وفيه تفصيل عندهم فإن هلكت خمس فعندهما سقط خمس شياه، وعند محمد وزفر تسقط خمسة أتساع شاة، ولو حال على ثمانين شاة فهلك منها أربعون تجب شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر تجب نصف شاة. ولو كانت مائة وعشرين فهلك منها ثمانون تجب شاة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، كأن الحول حال على ما بقي، وعند محمد، وزفر تجب ثلث شاة، ويسقط ثلثاها بهلاك الثمانين، ولو كانت مائة وإحدى وعشرين شاة فهلكت الأربعين تجب شاة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ويصرف الهلاك إلى النصاب الأخير، ثم وثمَّ حتى ينتهي إلى النصاب الأول، كذا ذكره محمد ﵀ ولم يذكر قول نفسه ولا قول زفر، وقياس قولهما أن يجب أربعون جزءا من مائة وإحدى وعشرين جزءا من شاتين. وذكر أبو يوسف قول نفسه في الأمالي مثل قول محمد وزفر، ومن مشايخنا من ذكر قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة في هذه المسألة كما ذكره في الجامع، والأول أصح، وإليه مال الكرخي، والقاضي، وأبو حازم. م: (لأن الأصل هو النصاب الأول وما زاد عليه تابع) ش: أي لأن الأصل في وجوب الزكاة هو النصاب الأول، ولهذا لو عجل الزكاة عن نصب كثيرة، وفي ملكه نصاب واحد جاز، فثبت أن النصاب الأول هو الأصل فيصرف الهالك إلى التابع. م: (وعند أبي يوسف يصرف إلى العفو أولا، ثم إلى النصاب شائعا) ش: أي ثم يصرف إلى النصب من حيث الشيوع، أما الصرف إلى العفو أولا فلصيانة الواجب عن السقوط. وأما الصرف إلى النصب شائعا؛ لأن الملك سبب، وليس في صرف الهلاك إلى البعض صيانة الواجب بيانه: أن من له خمسة وثلاثين من الإبل حال عليها الحول فهلك منها خمسة فعند أبي حنيفة ﵁ في الباقي أربع شياه، وما هلك صار كأن لم يكن، وعند أبي يوسف ﵀ في

стр. 1693

وإذا أخذ الخوارج الخراج وصدقة السوائم لا يثني عليهم؛ لأن الإمام لم يحمهم والجناية بالحماية، وأفتوا بأن يعيدوها دون الخراج فيما بينهم وبين الله ؛ لأنهم مصارف الخراج لكونهم مقاتلة. والزكاة مصرفها الفقراء فلا يصرفونها إليهم، وقيل: إذا نوى بالدفع التصدق عليهم سقطت عنه، وكذا ما دفع ــ [البناية] الباقي أربعة أخماس ابنة مخاض، وعند محمد ﵀ في الباقي أربعة أسباع ابنة مخاض؛ لشيوع الواجب في الكل. [الحكم لو أخذ الخوارج الخراج وصدقة السوائم] م: (وإذا أخذ الخوارج الخراج) ش: هم قوم مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام العدل، بحيث يستحلون قتل غير العادل وماله بتأويل القرآن ودانوا ذلك، وقالوا: من أذنب صغيرة أو كبيرة فقد كفر بالله وحل قتله إلا أن يتوب، وتمسكوا بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣] الآية (سورة الجن الآية: ٢٣) ، كذا في " الفوائد الظهيرية ". م: (وصدقة السوائم) ش: أي وأخذوا زكاة السوائم من الإبل والبقر والغنم م: (لا يثني عليهم) ش: أي لا يؤخذ منهم ثانيا م: (لأن الإمام لم يحمهم) ش: لأنها يؤخذ، باعتبار الحمأة. ولهذا قال عمر ﵁ للساعي: إن كنت لم تحمهم فلا تجبهم، وقد ضيعهم الإمام حيث لم يحمهم عن أهل البغي فلا تؤخذ منهم ثانيا م: (والجباية بالحماية) ش: أي جباية السعاة بسبب حمايتهم أي حفظهم، والجباية من جبي المال أي جمعه ومنه سمي جباية الأوقاف، وهذا الذي ذكره في حق أصحاب السوائم، وأما التاجر إذا مر على عاشر من أهل البغي فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل فعشره ثانيا؛ لأن صاحب المال هو الذي عرض ماله عليه فلم يعذر. م: (وأفتوا) ش: على صيغة المجهول، وأصله أفتيوا من الإفتاء استثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، فالتقى ساكنان: الياء والواو فحذفت الياء لدلالة الواو على الجمع والمعنى المفتي، يقول لهم م: (بأن يعيدوها) كلمة أن مصدرية أي بإعادتها م: (فيما بينهم وبين الله ش: لأنهم لا يصرفونها مصارف الصدقات م: (دون الخراج) ش: يعني لا يفتون بإعادة الخراج م: (لأنهم) ش: أي لأن الخوارج م: (مصارف الخراج لكونهم مقاتلة) ش: لأنهم يقاتلون أهل الحرب. م: (والزكاة مصرفها الفقراء) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: ما معنى تعين لهم بإعادة الزكاة دون الخراج؟ فأجاب بقوله: والزكاة مصرفها الفقراء م: (فلا يصرفونها إليهم) أي إلى الفقراء. م: (وقيل) ش: قائله الفقيه أبو جعفر فإنه قال م: (إذا نوى بالدفع التصدق عليهم سقطت عنه) ش: أي سقطت الزكاة عن الدافع م: (وكذا ما دفع) ش: وكذا الحكم في دفع الزكاة بالسقوط

стр. 1694

إلى كل جائر لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء والأول أحوط، وليس على الصبي من بني تغلب في سائم شيء ــ [البناية] م: (إلى كل جائر) ش: أي ظالم من الملوك وأصحاب الشوكة م: (لأنهم بما عليهم من التبعات) ش: أي المظالم والحقوق التي عليهم كالديون والغصب ونحوها، جمع تبعة بفتح التاء وكسر الباء. م: (فقراء) ش: لأن ما في أيديهم أموال الناس، ولو ردوا ما عليهم إلى أربابها لم يبق في أيديهم شيء فهم بمنزلة الفقراء حتى قال محمد بن سلمة: يجوز أخذ الصدقة لعلي بن عيسى بن يوسف بن هامان والي خراسان، وكان أمير بلخ وجبت عليه كفارة يمين، فسأل الفقهاء عما يكفر به، فأفتوا له بالصيام ثلاثة أيام. م: (والأول أحوط) ش: أي القول الأول وهو إعادة الصدقة دون الخراج هو الأحوط؛ لما أن فيه الخروج عن العهدة بيقين، وكذلك كلما يؤخذ من الجبايات إذا نوى عند الدفع من عشره وزكاته جاز. وفي " الجامع الصغير " لقاضي خان: وكذا السلطان إذا صادر رجلا وأخذ منه أموالا فنوى صاحب المال الزكاة عند الدفع سقطت عنه الزكاة، وكذلك إذا أوصى بثلث ماله للفقراء فدفع للسلطان الظالم جاز. وقال الشهيد: هذا في صدقات الأموال الظاهرة. وأما إذا صادره السلطان ونوى مراد الزكاة إليه فعلى قول طائفة يجوز، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه ليس للظالم ولاية أخذ زكاة الأموال الباطنة. [بني تغلب هل تلزمهم الزكاة] م: (وليس على الصبي من بني تغلب في سائم شيء) ش: قيد بقوله في سائمة؛ لأن العشر يؤخذ منهم مضاعفا. وتغلب بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الغين المعجمة، وكسر اللام، وبني تغلب من نصارى العرب بقرب الروم فلما أراد عمر ﵁ أن يوظف عليهم الجزية، قالوا: نحن من العرب نأنف أداء الجزية، فإن وظفت علينا الجزية لحقنا بأعدائك من الروم، وإن رأيت أن تأخذ شيئا مما يأخذ بعضكم من بعض فضعفه علينا. فشاور عمر ﵁ الصحابة، وكان الذي بينه وبينهم كردوس التغلبي، فقال: يا أمير المؤمنين صالحهم، فصالحهم عمر ﵁ على ذلك وقال: هذه جزية فسموها ما شئتم فوقع الصلح على ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان ﵁ فلزم أول الأمة وآخرها. وقال محمد في " النوادر ": وكان صلحه ضعيفا ولكن بابه كالإجماع، وبقول رسول الله ﷺ : «ألا إن ملكا ينطق على لسان عمر» ﵁ وقال ﵇ «أينما دار عمر الحق

стр. 1695

وعلى المرأة منهم ما على الرجل؛ لأن الصلح قد جرى على ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ من نساء المسلمين دون صبيانهم، وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة، وقال الشافعي ﵀ يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء؛ لأنه الواجب في الذمة فصار كصدقة الفطر، ولأنه منعه بعد الطلب فصار كالاستهلاك، ولنا أن الواجب جزء من النصاب؛ تحقيقا للتيسير ــ [البناية] معه يدور» ثم إن الصبي التغلبي إذا كانت له سائمة من الإبل والبقر والغنم لا يجب عليه فيها شيء؛ لأنها من جملة العهد، على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين، فالصبيان من المسلمين لا تؤخذ منهم زكاة، فكذلك لا تؤخذ من صبيانهم. م: (وعلى المرأة منهم ما على الرجل) ش: أي يجب على المرأة من الزكاة بالضعف مما على الرجل منهم م: (لأن الصلح قد جرى على ضعف ما يؤخذ من المسلمين ويؤخذ من نساء المسلمين دون صبيانهم) ش: وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يؤخذ من نسائهم، وبه قال الشافعي ﵀ وزفر وهو قول الثوري أيضا. وقال الكرخي: وهو الأقيس؛ لأنها بدل الجزية ولا جزية على النساء. وقال أبو بكر الرازي: لا يحفظ عن مالك ﵀ فيهم شيء، ويجب العشر مضاعفا على صبيانهم؛ لأنه مؤنة. م: (وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة) ش: وبه قال الثوري، وأبو ثور، وداود، وأحمد ﵏ في رواية إذا لم يمنعها. م: (وقال الشافعي ﵀ يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء؛ لأنه الواجب في الذمة فصار كصدقة الفطر) ش: لأنه إذا تمكن يتقرر الوجوب عليه، فإذا تلف فقد عجز عن الأداء، فبقي عليه كما في ديون العباد وصدقة الفطر م: (لأنه منعه بعد الطلب) ش: لأنه مطالب شرعا. م: (فصار كالاستهلاك) ش: لأنه لما كان مطلوبا ومنعه فصار كأنه استهلكه. م: (ولنا أن الواجب) ش: أي الواجب عليه في الزكاة م: (جزء من النصاب) ش: أي يتعلق الوجوب بعين النصاب لا بالذمة، وهذا بناء على أن الزكاة تجب في العين أو في الذمة، فعندنا تجب في العين وهو المشهور من مذهب الشافعي ﵀ وفي قوله الآخر: تجب في الذمة والعين مرتهنة بها. م: (تحقيقا للتيسير) ش: أي لأجل تحقيق التيسير بأن يكون الواجب من غير النصاب؛ إذ الإنسان إنما يخاطب بما يقدر عليه وهو قادر على أداء الزكاة عن النصاب لا عن مال مطلق؛ لجواز أن لا يكون له غير ذلك لا سيما أرباب المواشي، فإنهم يسكنون في المفاوز ولا يقدرون على تحصيل الذهب والفضة؛ لبعدهم عن البلاد ونزوحهم عن الأسواق، وإذا كان الواجب جزءا من

стр. 1696

فيسقط بهلاك محله كدفع العبد الجاني بالجناية يسقط بهلاكه، والمستحق فقير يعينه المالك ولم يتحقق منه الطلب، وبعد طلب الساعي قيل: يضمن وقيل: لا يضمن لانعدام التفويت ــ [البناية] النصاب فيسقط بهلاك النصاب؛ لفوات الجزاء بفوات العمل. م: (فيسقط بهلاك محله) ش: لأن المأمور به إخراج الجزء فلا يتصور بدون محله وهو النصاب م: (كدفع العبد الجاني بجنايته يسقط بهلاكه) ش: هذا تمثيل لسقوط الحق بفوات محله، كما إذا جنى عبد جناية فقبل دفع مولاه إياه فمات العبد يسقط حق ولي الجناية لموت العبد لفوات محله. وكذلك العبد المديون إذا جنى، والشقص الذي فيه الشفعة، ولو صار بحرا بطل حق الشفيع وتثبت البراءة عندنا، لا لعجز المأمور به عن الأداء ولكن لفوات المحل الذي أضيف إليه فلا يبقى بدونه فلا يضمن. م: (والمستحق فقير) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵁: ولأنه منعه بعد الطلب يعني المستحق للزكاة فقير؛ لأنه من المصارف لكنه هو الفقير الذي يعينه المالك م: (للدفع) ش: يعني ليس المستحق كل فقير، وإنما يتعين بتعيين المالك م: (ولم يتحقق منه الطلب) ش: أي من الفقير الذي يعينه ولم يكن الهلاك بعد طلب المستحق فلا يكون تعديا، فلا يضمن بخلاف ما إذا استهلكه؛ لأنه دخل في ضمانه فصار دينا في ذمته فلا يسقط. م: (وبعد طلب الساعي قيل يضمن) ش: يعني إذا هلك النصاب بعد طلب الساعي قيل: يضمن الزكاة، والقائل به هو الشيخ أبو الحسن الكرخي ﵀؛ لأنه أمانة عنده وقد هلكت بعد طلب من يملكه المطالبة فيضمن، كما إذا طلب صاحب الوديعة فمنعها المودع مع إمكان الأداء. م: (وقيل لا يضمن) ش: القائل بعدم الضمان أبو طاهر الدباس وأبو سهل الزجاجي، وفي " المبسوط " مشايخنا يقولون: لا يضمن وهو الأصح. وفي " المفيد والمزيد ": هو الصحيح، وفي " البدائع " ومشايخ ما وراء النهر قالوا: لا يضمن وهو الأصح. وجه عدم الضمان هو قوله م: (لانعدام التفويت) ش: لأن المالك كان مخيرا في إعطاء العين أو قيمتها فله أن يؤخر الدفع لتحصيل الفرض. وفي " المبسوط " إذا حبس سائمة بعدما وجبت الزكاة حتى ماتت لم يضمنها، وليس مراده بهذا الحبس أن يمنعها العلف والماء فإن ذلك استهلاك وبه يصير ضامنا، إنما مراده أنه حبسها ليؤدي من محل آخر؛ لأنه مخير بين الأداء من السائمة أو من غيرها فلا يصير ضامنا.

стр. 1697

وفي الاستهلاك وجه التعدي، وفي هلاك البعض يسقط بقدره اعتبارا له بالكل، وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز؛ لأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز كما إذا كفر بعد الجرح، وفيه خلاف مالك ﵀ ــ [البناية] م: (وفي الاستهلاك وجه التعدي) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵁ فصار كالاستهلاك أراد أن قياسه الهلاك على الاستهلاك غير صحيح؛ لأنه في الاستهلاك متعد بخلاف الهلاك م: (وفي هلاك) ش: أي وفي هلاك القدر م: (البعض يسقط بقدر) ش:. أي وفي هلاك بعض النصاب يسقط من الزكاة بقدر الهالك م: (اعتبارا له بالكل) ش: يعني اعتبار الهالك الجزء بهلاك الكل، أراد أنه إذا هلك كل النصاب كأن يسقط كل الواجب فكذلك إذا هلك بعض النصاب يسقط بعض الواجب اعتبارا للبعض بالكل. ولو أزال النصاب بغير عوض كالهبة أو بعوض ليس بمال كالأمهار، وبدل الصلح عن دم العمد، والخلع، ونحوها صار مستهلكا ضامنا. بقي العوض في يده أولا، ولو رجع في الهبة بقضاء زال الضمان وكذا بغير قضاء على الأصح، ولو اشترى بالمال الحولي عبدا للخدمة، ثم رده بالعيب بقضاء أو بغير قضاء، واسترده لا يزول الضمان. [حكم تقديم الزكاة على الحول] م: (وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز) ش: بأن قدم المالك الزكاة قبل حولان الحول والحال أنه مالك لقدر النصاب جاز تقديمه م: (لأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز) ش: سبب الوجوب هو النصاب ولأنه حق يؤجل كالدين المؤجل، وبقولنا: قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول الحسن البصري، والنخعي، والزهري، والثوري، والشعبي، ومجاهد، والحاكم، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، والحسن بن حي ﵏ م: (كما إذا كفر بعد الجرح) ش: قيد الموت لوجود السبب وهو الجرح. م: (وفيه خلاف مالك) ش: أي وفي تقديم الزكاة قبل حولان الحول خلاف لمالك، فإن عنده لا يجوز، وبه قال ربيعة وداود وابن المنذر والليث بن سعد ﵏، وحكي عن محمد بن سيرين، والحسن البصري، وعند المالكية قول آخر، وهو التعجيل به على السنة فعن بعضهم يجوز التعجيل بيومين، وعن ابن حبيب بعشرة أيام. وعن ابن القاسم ﵀ بشهر، وقيل: بخمسة عشر يوما؛ لأن الأداء إسقاط الواجب ولا يتصور الإسقاط قبل الوجود، كأداء الظهر قبل وقته، وبهذا استدل الشراح لأصحابنا، فقال الأترازي: لنا ما روى الشيخ أبو الحسين القدوري أن النبي ﷺ : استسلف من العامل زكاة عامين. وقال الكاكي: ولنا ما روي أنه ﵊ استسلف من العباس زكاة سنتين، وهو ما روى الترمذي، وأبو داود، عن علي ﵁ «أن العباس ﵁ سأل

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] النبي ﷺ عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول مسارعة إلى الخير، فأذن له في ذلك» وقال السغناقي: ولنا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه استسلف من العباس صدقة العامين. قلت: أما الأترازي فإنه أحال الأحاديث على القدوري، ولم يذكر شيئا غير ذلك. وأما الكاكي فإنه ذكر الحديث ونسبه إلى الترمذي وأبي داود ولفظهما ليس كذلك. أما لفظ الترمذي فإنه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الحجاج بن دينار، عن الحكم بن عيينة، عن عبيد بن عدي، عن علي «أن العباس ﵄ سأل رسول الله ﷺ عن تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك.» وروي أيضا بإسناد آخر عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال لعمر ﵁ «إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام» . وأما لفظ أبي داود فكلفظ الترمذي. وأما الذي ذكره السغناقي فأخرجه البزار والطبراني في " الكبير والأوسط " بإسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين» وفي إسناده محمد بن ذكوان ضعفه البخاري والنسائي والدارقطني، وقواه ابن حبان، وقال السغناقي: عندنا يجوز التعجيل ولكن بين الأداء معجلا وبين الأداء في آخر الحول فرق، وهو أن في المعجل يشترط أن لا ينقص النصاب في آخر الحول وفي الأداء، في آخر الحول لا يشترط بيانه أنه إذا عجل شاة من أربعين فحال عليها الحول وعنده تسعة وثلاثون فلا زكاة عليه حتى إنه إذا كان صرف للفقراء وقعت نفلا. وإن كانت قائمة في يد الإمام أو الساعي أخذها، وإن باعها الإمام ضمنها، وأما إذا كان أدركه في آخر الحول فتقع عن الزكاة وإن انتقص النصاب بأدائه، وفي " الإيضاح ": لو انتقص النصاب في آخر الحول فلصاحب المال أن يأخذها من الساعي إن كان قائما، وكذا إن باعه الساعي إن كان قائما وإن أداه إلى الفقير يقع نفلا، وكذا في " الزيادات " وفيه لو باعه للفقراء ثم لم يتصدق بثمنه ورد عليه الثمن، ولو دفعه الإمام إلى فقير فأيسر قبل الحول أو مات أو ارتد جاز عن الزكاة. وقال الشافعي وأحمد ﵄: يسترجع ما أدى من الساعي إن كان باقيا وإن كان هالكا لطالبه بقيمته ولو دفعه الساعي إلى الفقير استرجع من الفقير إن كان باقيا وإن كان هالكا لزم الساعي قيمته يوم الدفع في أظهر الوجهين وهو قول أحمد، وفي وجه لزمته قيمته يوم التلف، ولو عجل الزكاة بنفسه إلى فقير فمات الفقير أو ارتد قبل تمام الحول لم يجز عن الزكاة

стр. 1699

ويجوز التعجيل لأكثر من سنة لوجود السبب، ويجوز لنصب إذا كان في ملكه نصاب واحد، خلافا لزفر ﵀ لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية، والزائد عليه تابع له والله أعلم. ــ [البناية] ويسترجع ما دفع إليه ولو استغنى الفقير من جهة الزكاة قبل الحول يسترجع. وإن استغنى من جهة الزكاة لا يسترجع كذا في " الحلية "، وفي " الزيادات ": لو كان عنده دراهم ودنانير وعروض فجعل زكاة جنس منها سنين فهلك جاز التعجيل عن الباقين؛ لأن الجميع جنس واحد، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، وأما في السوائم المختلفة لا يقع عن الآخر، وعن أبي يوسف جاز تعجيل العشر بعد الزراعة، وهو قول علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وعند محمد ﵀ لا يجوز حتى ينبت. م: (ويجوز التعجيل لأكثر من سنة) ش: وبه قال الشافعي ﵁ في وجه، وفي وجه لا يجوز. وقال صاحب الوجيز: والوجه الأول أصح م: (لوجود السبب) ش: وهو النصاب وقال أحمد ﵀: لا يجوز أكثر من سنتين وفي السنتين عنه روايتان. م: (ويجوز) ش: أي التعجيل م: (لنصب) ش: بضمتين وهو جمع نصاب يعني إذا عجل عن نصب كثيرة يجوز عندنا م: (إذا كان في ملكه نصاب واحد خلافا لزفر ﵀) ش: وبقوله قال الشافعي وأحمد -رحمهما الله. وقال زفر ﵀: لا يجوز التعجيل إلا عن النصاب الموجود في ملكه حتى إذا كان له خمس من الإبل فعجل أربع شياه ثم تم الحول وفي ملكه عشرون من الإبل عندنا يجوز التعجيل عن الكل، وعند زفر ﵀ لا يجوز إلا عن زكاة الخمس؛ لأنه عجل زكاة ما ليس في ملكه فلا يجوز. م: (لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية والزائد عليه تابع له) ش: أي النصاب الأول فيكون حكم التابع كحكم المتبوع؛ لأن الأداء بعد تقرر الوجوب جائز كالمسافر إذا صام رمضان والرجل إذا صلى في أول الوقت جائز لوجود سبب الوجوب.

стр. 1700

باب زكاة المال ــ [البناية] [باب حكم زكاة المال] م: (باب حكم زكاة المال) ش: أي هذا باب في حكم زكاة المال، ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية، شرع في بيان زكاة المال وقدم الناطق لفضله على الصامت، وإنما قال: باب زكاة المال؛ لأنه نوع من أنواع كتاب "الزكاة" والكتاب يجمع الأبواب، وأراد بالمال مال التجارة، كالنقدين، وعروض التجارة، وعقار التجارة وغيرها من أموال التجارة، وإن كان اسم المال يشمل السوائم وغيرها، وقد روي عن محمد ﵀ أن المال كل ما يمتلكه الإنسان من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك. وعن الثوري المال: النصاب، وعن الليث مال أهل البادية النعم كذا ذكره مطرزي. والمال في اصطلاح أهل الجبر والمقابلة: ما يجتمع في ضرب عدد في مثله كالتسعة هي مضروبة الثلاثة في الثلاثة، وهم يسمون الثلاثة أشياء إذا كان مجهولا، وأصحاب المساحة يسمون الثلاثة ضلعا، والتسعة مربعا، وسائر الحساب يسمون الثلاثة جدارا والتسعة مجدورا، وفي " المغرب ": المال العين المضروب وغيره من الذهب والفضة، وسمي المموه والمصفر والبيضاء والصامت مثله، وذكره في الأجوف الواوي وقال: ماله يمول ويمال وتمول بمعنى إذا صار ذا مال، ويقال: تمول الشيء إذا اتخذه مالا لنفسه. قلت: المال عبارة عما يتمول به، يطلق على القليل والكثير حتى لو أقر رجل وقال: لفلان علي مال يقبل قوله في القليل والكثير. وقال صاحب " الهداية ": لا يصدق في أقل من درهم؛ لأن ما دونه من المال من الكسور لا يطلق عليه اسم المال عادة ويجمع على أموال.

стр. 1701

فصل في الفضة ليس فيما دون مائتي درهم صدقة لقوله ﷺ «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» والأوقية: أربعون درهما، فإذا كانت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم؛ «لأنه ﷺ كتب إلى معاذ ﵁ أن خذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين مثقالا من ذهب نصف مثقال» ــ [البناية] [فصل في الفضة] [نصاب الزكاة في الفضة ومقدار الواجب] م: (فصل في الفضة) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام الفضة في باب الزكاة وقدم فصلها؛ لأنها أكثر من الذهب وأروج وأكثر نفعا، ألا ترى أن المهر ونصاب السرقة والجزية التي يبتدئ الإمام وضعها منها دون الذهب، والفضة تتناول المضروب وغيره. م: (ليس فيما دون مائتي درهم صدقة) ش: أي زكاة م: (لقوله ﵊: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ش: أي لقول النبي ﷺ ، الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمسة ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة» ، والأواقي جمع أوقية. م: (والأوقية أربعون درهما) ش: الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها، وحكى اللحياني أنه يقال: وقية ويجمع على وقايا، كركيه وركايا، وأنكر غير واحد أن يقال: وقية بفتح الواو، ووزن الأوقية: أفعولة من الوقاية؛ لأنها تقي صاحبها من الضرر، وقيل: هي فعيلة من الأوق الفعل، ووزن الجمع بالتشديد أفاعل كالأضاحي والأضحية. وفي التخفيف أفاعل، وفي " الذخيرة " للمالكية: كانت الأوقية في زمنه ﷺ أربعين درهما، والنواة خمسة دراهم، والقص نصف درهم بفتح الهاء وكسرها، والأول المشهور، ويقال: درهام، حكاهن أبو عمرو الزاهد في "شرحه "، وقال جمال الدين المخرج قوله في "الكتاب": والأوقية أربعون درهما، يحتمل أن يكون من تمام الحديث، ويحتمل أن يكون من كلام المصنف، فإن كان من تمام الحديث فشاهده ما أخرجه الدارقطني في "سننه " عن يزيد بن سنان عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول «لا زكاة في شيء من الفضة حتى تبلغ خمس أوراق، والأوقية أربعون درهما» انتهى. قلت: احتمال كونه من المرسل بعيد والحديث ضعيف، قال يحيى: يزيد بن سنان ليس بشيء. م: (فإذا كانت) ش: أي الفضة ش: (مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم؛ لأنه «﵊ كتب إلى معاذ بن جبل ﵁ أن خذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين مثقالا من ذهب نصف مثقال» ش: أي لأن «النبي ﷺ كتب إلى معاذ بن جبل -رضي

стр. 1702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الله عنه- حين وجهه إلى اليمن أن يأخذ من كل أربعين دينارا ومن كل مائتي درهم خمسة دراهم» الحديث، وهو معلول بعبد الله بن شبيب في إسناده فإنه يقلب الأخبار ويسرقها، فلا يجوز الاحتجاج به، واكتفى السغناقي في الاستدلال بهذا الحديث. وروى أبو داود من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم» ، اعلم أن الدراهم كانت مختلفة في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وكانت على ثلاثة أصناف على ما ذكر في " الفتاوى الصغرى "، صنف منها كل عشرة عشرة مثاقيل، كل درهم عشرون قيراطا، وصنف منها كل عشرة ستة مثاقيل، كل درهم اثنا عشرة قيراطا، وهو ثلاثة أخماس مثقال، وصنف منها كل عشرة خمسة مثاقيل كل درهم نصف مثقال، وهو عشرة قراريط، وكان المثقال نوعا واحدا وهو عشرون قيراطا، وكان عمر ﵁ يطالب الناس في استيفاء الخراج بأكبر الدراهم ويشق ذلك عليهم، فالتمسوا منه التخفيف، فشاور عمر ﵁ أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمع رأيهم على أن يأخذ عمر ﵁ من كل نوع ثلاثة، فأخذ عمر، فصار الدرهم بوزن أربعة عشر قيراطا، فاستقر الأمر عليه في ديوان عمر ﵁ وتعلقت الأحكام به كالزكاة والخراج ونصاب السرقة وتقدير الديات ومهر النكاح. وفي " المرغيناني ": كان الدرهم شبه النواة، فصار مدورا على عهد عمر ﵁، فكتبوا عليه وعلى الدينار لا إله إلا الله محمد رسول الله، وزاد ناصر الدولة ابن حمدان " ﷺ " فكانت سنة لآله. وفي " المجتبى " و" جمع النوازل " و" العيون " يعتبر دراهم كل بلدة ودنانيرها. وفي " الخلاصة " عن العقيلي: أنه كان يوجب في كل مائتي بخارية، وهي الغطارفية خمسة منها وبه أخذ الإمام السرخسي؛ إذ المعتبر في كل زمان عادة أهله، ألا ترى أن في زمان النبي ﷺ وزن خمسة، وفي زمان عمر ﵁ وزن ستة، وفي زماننا وزن سبعة. وقال النووي ﵀: كان أهل المدينة يتعاملون عددا بالدراهم وقت قدوم النبي ﷺ ، فأرشدهم إلى الوزن، وجعل المعيار وزن أهل مكة. وذكر في " قنية المنية " و" جوامع الفقه ": أن المعتبر في الزكاة وزن أهل مكة، وفي الكيل كيل أهل المدينة، يدل عليه قوله ﷺ : «المكيال على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة» . رواه أبو داود والنسائي وهو على غير شرط البخاري ومسلم.

стр. 1703

قال: ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما، فيكون فيها درهم، ثم في كل أربعين درهما درهم، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه وهو قول الشافعي ﵀ ــ [البناية] وقال الخطابي: قال بعضهم: لم تزل الدراهم على هذا المعيار في الجاهلية والإسلام، وإنما غيروا الشكل ونقشوها، وقام الإسلام والأوقية أربعون درهما. وقال الماوردي في " الأحكام السلطانية ": استقر من الأحكام في الإسلام وزن الدرهم ستة، ووافق كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقال السروجي: الدرهم المصري أربعة وستون حبة وهي أكبر من درهم الزكاة، فإن سقطت الزائد كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهما وحبتين فقط، ذكره الشيخ شهاب الدين في "ذخيرته ". واعلم أن الدراهم لا تخلو عن قليل عشرة، وتخلو عن الكثير، وقد يكون العشر فيه خلقيا، كالرديء من الفضة وهذا ظاهر مكشوف، فإن من أخذ الفضة الخالصة الطلغم فضربها دراهم لم يضف إليها صفرا يغرم أجرة الضراب والنقاش إذا لم ينقص قط بالعيار، ولهذا جعل في كل مائة درهم سلطانية وزن درهمين من الصفر؛ ليقوم ذلك بأجرة الصياغ. م: (ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما فيكون فيها درهم) ش: أي ولا شيء بواجب في الزيادة على المائتين حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما فيكون فيها درهم واحد. م: (ثم في كل أربعين درهما درهم) ش: أي ثم يجب في كل أربعين درهما التي تزيد على المائتين درهما م: (وهذا) ش: أي هذا المذكور م: (عند أبي حنيفة) ش: وبه قال الحسن البصري ﵀، ومكحول، وعطاء، وطاوس في رواية، وعمرو بن دينار، والزهري، والأوزاعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وأبي موسى الأشعري ﵄ رواه عنهما الحسن البصري. م: (وقال صاحباه) ش: أي صاحبا أبي حنيفة، وهما أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله- م: (ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه) ش: أي بحساب ما زاد، وفي بعض النسخ: بحسابهما، وكتب بعضهم بحسبه، أي بحساب المائتين حتى إذا كانت الزيادة درهما تجب الزيادة بحسب جزء من أربعين جزءا من درهم، وبقولهما: قال مالك، والشافعي، وأحمد، والنخعي، وداود، وهو قول علي وابن عمر ﵄. وقال طاوس: إذا زادت الدراهم على المائتين لا يجب شيء حتى تبلغ أربعمائة ففيها عشرة دراهم، وفي ستمائة خمسة عشر درهما م: (وهو قول الشافعي) ش: أي قول صاحبي أبي حنيفة

стр. 1704

لقوله ﷺ في حديث علي ﵁ «وما زاد على المائتين فبحسابه» ولأن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال واشتراط النصاب في الابتداء لتحقق الغنى بعد النصاب في السوائم؛ تحرزا عن التشقيص، ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ في حديث معاذ ﵁ لا تأخذ من الكسور شيئا ــ [البناية] قول الشافعي كما ذكرنا. م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث علي: «وما زاد على المائتين فبحسابه» ش: وقال الأترازي: حديث علي فما زاد فعليه حساب ذلك، وتبعه الأكمل في هذا القدر. قلت: هذا الحديث رواه أبو داود، عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم، وشخص آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث عن علي ﵃ عن النبي ﷺ : «إن كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم....» الحديث، وفي آخره: «فما زاد فبحساب ذلك» ، قال: ولا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك أم رفعه إلى النبي ﷺ ، قال أبو داود: رواه شعبة، وسفيان، وغيرهما عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي ولم يرفعوه. م: (ولأن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال) ش: والكل نعمة فيجب فيه الزكاة م: (واشتراط النصاب في الابتداء لتحقق الغنى) ش: هذا جواب من قال: النصاب يشترط في الابتداء فكذا بعد النصاب الأول، فأجاب بقوله: فاشتراط النصاب في الابتداء لتحقق الغنى؛ ليصير المكلف به أهلا للإغناء م: (وبعد النصاب في السوائم تحرزا عن التشقيص) ش: هذا جواب من قال: لو كان اشتراطه كذلك لما شرطه في السوائم في الانتهاء، كما شرطه في الابتداء، فأجاب بقوله: "وبعد النصاب" أي واشتراط النصاب بعد النصاب الأول في السوائم لأجل التحرز عن التشقيص؛ لأن فيه ضرر الشركة على المالك. م: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: (في حديث معاذ: «لا تأخذ من الكسور شيئا» ش: قال الأترازي: رواه أبو بكر الرازي في شرحه " لمختصر الطحاوي " مسندا إلى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئا، وكذا قاله الأكمل في شرحه والكاكي كذلك. قلت: هذا الحديث رواه الدارقطني في "سننه " من طريق ابن إسحاق، عن المنهال بن الجراح، عن حبيب بن أبي نجيح، عن عبادة بن قيس، عن معاذ بن جبل ﵃ «أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئا.....» الحديث، وهو ضعيف.

стр. 1705

وقوله في حديث عمرو بن حزم: «وليس فيما دون الأربعين صدقة» ولأن الحرج مدفوع، وفي إيجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف، والمعتبر في الدراهم وزن سبعة مثاقيل، وهو أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل ــ [البناية] قال الدارقطني: المنهال بن الجراح هو أبو العطوف متروك الحديث، وعبادة بن قيس لم يسمع من معاذ. وقال ابن حبان: كان يكذب، وقال عبد الحق في "أحكامه ": كذاب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: متروك الحديث واهيه لا يكتب حديثه. وقال أبو محمد الدارمي في "مسنده ": «أن رسول الله ﷺ كتب مع عمرو بن حزم إلى شرحبيل بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال أن في كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم» . وكلال بضم الكاف وتخفيف اللام. وقال الأكمل: معنى الحديث: لا تأخذ من الشيء الذي يكون المأخوذ منه كسورا فسماه كسورا باعتبار ما يجب فيه، قلت: أخذه عن شيخه الكاكي، وقال الكاكي: وقيل: "من" فيه زائدة وفيه نوع تأمل. م: (وقوله في حديث عمرو بن حزم: ليس فيما دون الأربعين صدقة) ش: أي وقول النبي ﷺ وهذا الحديث قد مر في باب صدقة السوائم م: (ولأن الحرج مدفوع) ش: شرعا فلا يجب فيما زاد على المائتين شيء إلى الأربعين م: (وفي إيجاب الكسور ذلك) ش: أي الحرج م: (لتعذر الوقوف) ش: عليه، وفي بعض النسخ لفظ عليه موجود، أي على الكسور، ألا ترى أن من كان له مائتا درهم وسبعة دراهم يجب عليه في السنة الأولى خمسة دراهم وسبعة أجزاء من أربعين جزءا من درهم على قولهما وفي السنة الثانية تجب خمسة دراهم وجزء من واحد من أربعين جزءا من درهم صحيح، وجزء آخر من أربعين جزءا من ثلاثة وثلاثين جزءا من أربعين جزءا من درهم، وهذا لا يفهمه كثير من الفقهاء فكيف بالعامي الذي لا خبرة له أصلا، كذا ذكره الأترازي، وقد أخذه من " مبسوط أبي اليسر ". م: (والمعتبر في الدراهم) ش: التي تخرج في الزكاة م: (وزن سبعة مثاقيل) ش: وقد فسره بقوله: م: (وهو أن تكون العشرة منها) ش: أي من الدراهم م: (وزن سبعة مثاقيل) ش: والمثاقيل جمع مثقال، قال ابن الأثير: المثقال في الأصل مقدار في الوزن أي شيء كان من قليل أو كثير، والناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة وليس كذلك، وقال الجوهري: والمثقال واحد مثاقيل الذهب. قلت: عشرون قيراطا من الذهب هو مثقال وهو الدينار الواحد، والدينار الواحد ستة دوانق، والدوانق: جمع دانق، والدانق: بكسر النون وفتحها وهو قيراطان، قاله في " المغرب " وفيه أيضا:

стр. 1706

بذلك جرى التقدير في ديوان عمر ﵁، واستقر الأمر عليه ــ [البناية] أن أول من أحدث الدانق الحجاج. وقال أبو عبيد: الدانق سدس درهم، فعلت ذلك بنو أمية فاجتمعت الأمة عليه، والقيراط: نصف دانق قاله الجوهري. وقال سراج الدين أبو طاهر محمد بن عبد الرشيد السجاوندي في تصنيف له في قسمة التركات، فقال: اعلم أن الدينار ستة دوانق، والدانق أربع طسوجات، والطسوج حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ستة خرادل، والخردل اثني عشر فلسا، والفلس ست فتيلات، والفتيلة ست نقيرات، والنقيرة ثماني قطميرات، والقطميرة اثنا عشر ذرة، وذكر فيها الدينار بحساب أهل الحجاز عشرون قيراطا، والقيراط خمس شعيرات والدينار عندهم طسوجا وخمسة. وفي " المنافع ": الدينار مائة شعيرة عند أهل الحجاز وعند أهل سمرقند ستة وتسعون شعيرة، والقيراط خمس شعيرات وهو طسوجتان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة، وهو ستة أعشار حبة، وعشر عشر حبة وهو درهم الزكاة. قال القاضي عياض: وزعم بعضهم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق، وهذا لا يصح ولا يجوز أن تكون الدراهم مجهولة، والأوقية مجهولة، وهو تجب الزكاة في أعداد منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال النووي ﵀: هذا هو الصواب الذي يجب اعتقاده وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فجمعوا أصغرها وأكبرها فضربوها على وزنهم، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا في الإسلام، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا هذا عليه، وقيل: إن أول من ضربها عبد الملك بن مروان بالعراق في سنة أربع وسبعين، حكاه سعيد بن المسيب ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين. وقيل: أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، ثم غيرها الحجاج، وقيل: أول من ضرب الدراهم والدنانير آدم ﵇. وقال: أولادي لا تندفع حوائجهم إلا بها وقد مر الكلام فيه أيضا في هذا الفصل. م: (بذلك جرى التقدير) ش: أي بالمذكور وهو قوله والمعتبر.. إلى آخره م: (في ديوان عمر ﵁) ش: الديوان هي الجريدة التي يكتب فيها ما يتعلق بأمور المسلمين، وهي قطع من القراطيس مجموعة من دون الكتب إذا جمعها، ويروى أن عمر ﵁ أول من دون الدواوين، أي رتب الجرائد للولاة والقضاة م: (واستقر الأمر عليه) ش: أي على الذي قدره عمر ﵁.

стр. 1707

وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهو في حكم الفضة، وإذا كان الغالب عليها الغش فهو في حكم العروض يعتبر أن تبلغ قيمته نصابا؛ لأن الدراهم لا تخلو عن قليل غش لأنها لا تنطبع إلا به، وتخلو عن الكثير فجعلنا الغلبة فاصلة، وهو أن يزيد على النصف اعتبارا للحقيقة، وسنذكره في الصرف إن شاء الله تعالى، إلا أن في غالب الغش لا بد من نية التجارة كما في سائر العروض، إلا إذا كان تخلص منها فضة تبلغ نصابا ــ [البناية] م: (إذا كان الغالب على الورق الفضة) ش: الورق بفتح الواو وكسر الراء، وهو المضروب من الفضة، وقد تسكن الراء، وكذا الورقة بكسر الراء وفتح القاف المخففة، وقيل: الورق الدراهم خاصة، ونقل صاحب " البيان " من الشافعية أن الرقة هي الذهب والفضة، قال النووي ﵀: وهو غلط فاحش. وفي " الذخيرة " للقرافي: الرقة الدراهم المصكوكة، ولا يقال لغيرها، والورق المصكوك وغيره، وقيل هما المصكوك، وفي " المنافع ": الفضة تتناول المضروب وغيره، والرقة تختص بالمضروب م: (فهو في حكم الفضة) ش: لأن الغش إذا كان قليلا لا يعتبر به؛ لأن الفضة لا تنطبع إلا بقليل الغش، فجعل القليل عفوا دون الكثير، فالفاصل بينهما بالغلبة فأيهما كان أغلب يعتبر به. م: (وإذا كان الغالب عليها الغش فهو في حكم العروض) ش: جمع عرض بفتح العين وسكون الراء وهو ما ليس بنقد، وقيل: هو المتاع م: (يعتبر أن تبلغ قيمته نصابا) ش: يعني تجب فيها الزكاة م: (لأن الدراهم لا تخلو عن قليل غش لأنها) ش: أي لأن الفضة م: (لا تنطبع) ش: أي لا تطاوع الضرب ولا تلين لأجل تفاسها في العمل والصياغة م: (إلا به) ش: أي بالغش اليسير م: (وتخلو عن الكثير، فجعلنا الغلبة فاصلة) ش: بين القليل والكثير م: (وهو) ش: أي الكثير م: (أن يزيد على النصف اعتبارا للحقيقة) ش: أي لحقيقة الأمر بين القليل والكثير لأنهما لا يتحققان إلا بالزيادة على النصف؛ لأن الكثير ما يقابله قليل، والقليل ما يقابله كثير م: (وسنذكره) ش: أي وسنذكر هذا البحث أو هذا المذكور م: (في الصرف إن شاء الله تعالى إلا أن في غالب الغش لا بد من نية التجارة كما في سائر العروض) ش: لوجوب الزكاة. م: (إلا إذا كان يخلص منهما فضة تبلغ نصابا) ش: الاستثناء من قوله -لا بد من نية التجارة-؛ لأن الفضة لا يشترط فيها نية التجارة،، قال الأترازي: والظاهر أن خلوص الفضة من الدراهم ليس بشرط بل المعتبر أن تكون في الدراهم فضة بقدر النصاب، انتهى. قلت: لا سبيل إلى معرفة كون الفضة فيها قدر النصاب إلا بالخلوص ولا خلوص إلا بالنار. وقال صاحب " الينابيع ": قوله -وإذا كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض-، يريد به إذا كانت الفضة لا تخلص بالنار، وإن كان شيء يخلص منها لا يكون حكمها حكم

стр. 1708

لأنه لا يعتبر في عين الفضة القيمة ولا نية التجارة، والله أعلم ــ [البناية] العروض، بل يجمع ما فيها من الفضة ويضمه إلى ما عنده من ذهب أو فضة أو مال تجارة ويزكي الكل، وإن كانت الفضة والغش سواء تجب فيها احتياطا ذكره أبو نصر في " شرح القدوري ". وقيل: لا تجب، وقيل: تجب فيها درهمان ونصف، وفي " المحيط " و" البدائع " و" التحفة ": والغش: لا يعتبر في الذهب والفضة صفة زائدة على كونهما فضة أو ذهبا فتجب في المضروبة والنقرة والحلي والتبر والمصوغ وحلية السيف والسكين والمنطقة واللجام والسرج والأواني والمسامير المركبة في المصحف والكواكب فيها إذا خلصت بالإذابة والخواتيم والأسورة وغيرها ويجمع بين ذلك، فإذا بلغت نصابا تجب فيها الزكاة، ولو كان وزنها دون المائتين ونصفها وبغشها تساوي المائتين لا تجب، وفي " الينابيع ": إذا كانت المائتان في العدد ونقصت في الوزن لا تجب وإن قل النقص. وفي " البدائع ": لو نقصت المائتان حبة في ميزان وكانت تامة لا تجب الزكاة للشك، وللشافعية وجهان أصحهما وبه قطع المحاملي والبندنيجي والماوردي وآخرون لا تجب، قال الصيدلاني: وسفع إمام الحرمين، وبالغ وعند مالك لو نقصت المائتان ثلاثة دراهم تجب، وعنه لا تمنع الحبة الحبتان، وعنه لو نقصت دانقا أو دانقين تجب الزكاة وبه قال أحمد. م: (لأنه لا يعتبر في عين الفضة القيمة ولا نية التجارة) ش: أي ولا تعتبر أيضا نية التجارة بخلاف العروض، وقال الأترازي: فيه نظر؛ لأنه لا حاجة إلى ذكر القيمة، وكان ينبغي أن يقول: لا يعتبر في عين الفضة نية التجارة، انتهى. قلت: في نظره نظر؛ لأنه لا مانع من ذكر القيمة وهذا من صفتها الكاشفة فلا يجوز، فلا محظور في ذكرها فلا مجال للنظر فيه فافهم.

стр. 1709

فصل في الذهب ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة، فإذا كانت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال؛ لما روينا، والمثقال ما يكون كل سبعة منها وزن عشرة دراهم وهو المعروف ــ [البناية] [فصل في الذهب] [نصاب الزكاة في الذهب ومقدار الواجب] م: (فصل في الذهب) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام الذهب، ووجه تأخيره عن الفضة قد مر في أول فصل الفضة. م: (ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة) ش: وقال الحسن البصري ﵀: ليس في أقل من أربعين دينارا صدقة، وهو شاذ، وذهبت طائفة أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة، وإن لم تكن عشرين مثقالا، وهو قول عطاء وطاوس والزهري وأبو أيوب السختياني وسليمان بن حرب، وكذا لا زكاة في العشرين حتى تبلغ قيمتها مائتي درهم. م: (فإذا كانت عشرين مثقالا) ش: وحال عليها الحول م: (ففيها نصف مثقال لما روينا) ش: نعني لما روينا في فصل الفضة وهو حديث معاذ م: (والمثقال ما يكون كل سبعة منها) ش: الضمير في قوله منها، راجع إلى قوله ما يكون أو المثقال على تأويل المثاقيل فإن سبعة مثاقيل اشترطت في التعريف فكان المثقال أو ما يكون في معنى سبعة مثاقيل، قال السغناقي: وأخذ منه الكاكي فقال هذا مختصرا م: (وزن عشرة دراهم) ش: ارتفاع وزن على الخبرية عن قوله -والمثقال وزن عشرة دراهم- وقال الشراح كلهم: إن هذا دور فإنه عرف في فصل الفضة، والمعتبر في الدراهم وزن سبعة، وهو أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل والدور باطل، لتوقف كل منهما على الآخر. وأجاب الأكمل: أنه ما عرف الدرهم بالمثقال في فصل الفضة وإنما قال: المعتبر من أصنافها ما يكون وزن سبعة مثاقيل فكان ذلك معروفا فيما بينهم، ثم قال هاهنا: والمثقال ما يكون كل سبعة منها وزن عشرة دراهم. ثم قال م: (وهو المعروف) ش: المراد بالمثقال هاهنا هو المعروف فيما بين الناس الذي عرف به وزن الدراهم، ولا دور في ذلك، انتهى كلامه. وقال الأترازي: وقوله -وهو المعروف- ليس بعذر عن التشنيع، فلو قال: والمثقال هو المعروف لكان هان الأمر هونا، ولكن البيان للدرهم والدينار، ثم قال: وذكر بعضهم في "شرحه" في هذا الموضع ما يكون عن التحقيق بعيدا ألف فرسخ، انتهى. قلت: غرضه بهذا التشنيع على السغناقي، فإنه قال: نعم فيه دور إلا أنه دفع تلك الشبهة بقوله وهو المعروف: فإن الشيئين إذا كانا معروفين في أنفسهما، ولكن الجهالة إذا وقعت في نسبة كل منهما إلى الآخر يجوز أن يعرف نسبة ذلك بهذا أو نسبة هذا بذاك.

стр. 1710

ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان؛ لأن الواجب ربع عشر وذلك فيما قلنا إذ كل مثقال عشرون قيراطا، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما تجب بحساب ذلك وهي مسألة الكسور ــ [البناية] بيانه أنك إذا عرفت زيدا وعمرا بعينهما ولكنك لا تعرف نسبة كل منهما إلى الآخر بأي طريق فتقول: من زيد فيجيبك؟ المسئول عنه بأنه ابن عمرو، ثم مضى زمان، ثم غفلت عما عرفه فطريق الضمن فتسأله فتقول من عمرو؟ فيقول لك: أبو زيد فتحصل لك معرفة نسبة كل واحد منهما إلى الآخر بالتصريح، وإن وقع الاستغناء للمتيقظ بالتعريف الأول ولكن كان ذلك التعريف بطريقة الضم لا بالتصريح ولا يستبعده أحد. وكذلك هاهنا ذكر تعريف المثقال، وإن كان وقع الاستغناء وقع بما ذكر هناك لكن لم يكن ذلك بطريق التصريح مع إظهار عذره بقوله -وهو المعروف-، انتهى، وكذلك الكاكي أجاب بهذا، وفيه كفاية يعرف بها البعد عن التحقيق بينه وبين ما قاله الأترازي أكثر من ألف فرسخ. م: (ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان) ش: أي ثم الواجب بعد عشرين مثقالا في كل أربعة مثاقيل قيراطان؛ لأن الأربعة مثاقيل ثمانون قيراطا فكان القيراطان ربع عشرها وهو عشر مثقال؛ لأن المثقال كان زمانهم عشرة دراهم، وفي " الصحاح ": القيراط نصف دانق، وأصله قراط بتشديد الراء يدل عليه جمعه على قراريط بتضعيف الراء، فأبدلت من أحد حرفي التضعيف ياء، وكذلك دينار أصله دنار بتشديد النون. وقول الجوهري: القيراط نصف دانق غير صحيح؛ لأن الدانق سدس الدرهم، والقيراط نصف سبع، وكل دانق قيراطان وثلث، وفي " المغرب ": الدانق قيراطان كما في " الصحاح "، إلا أن يدعي أن الدرهم كانت اثني عشر قيراطا، وقد كان من الدراهم ما هو كذلك على عهد عمر ﵁ أو عبد الملك، ثم صار الدرهم أربعة عشر قيراطا، وكان كذلك في أيام الجوهري والمطرزي، وفي " الحواشي ": القيراطان نصف دانق وشعيرة وثلاث أخماس شعيرة. م: (لأن الواجب ربع العشر) ش: أي الواجب في الزكاة ربع العشر م: (وذلك فيما قلنا) ش: أي ربع العشر فيما قلنا وهو أن في كل أربعة مثاقيل قيراطين، والقيراطان من كل أربعة مثاقيل ربع العشر م: (إذ كل مثقال عشرون قيراطا) ش: فتكون أربعة مثاقيل ثمانين قيراطا، وعشر الثمانين ثمانية وربع الثمانية اثنان، فيكون القيراطان ربع عشر أربعة مثاقيل. م: (وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة وعندهما تجب بحساب ذلك) ش: أي عن أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- تجب فيما دون أربعة مثاقيل بحساب ما زاد. وقال في " الجامع " وهي رواية عن أبي حنيفة ﵁ م: (وهي مسألة الكسور) ش: أي هذه المسألة وهي وجوب الزكاة فيما دون أربعة مثاقيل عندهما، وعدم وجوبها فيه عند أبي حنيفة

стр. 1711

وكل دينار عشرة دراهم في الشرع، فيكون أربعة مثاقيل في هذا كأربعين درهما. قال: وفي تبر الذهب والفضة وحليهما وأوانيهما الزكاة، وقال الشافعي ﵀ لا تجب الزكاة في حلي النساء وخاتم الفضة للرجال؛ لأنه مبتذل في مباح فشابه ثياب البذلة ــ [البناية] ﵀ مسألة الكسر، يعني أن الكسور لا زكاة فيها عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما تجب بحساب ذلك، وقد مر الكلام في فصل الفضة من الجانبين، والخلاف في الموضعين واحد. م: (وكل دينار عشرة دراهم في الشرع) ش: قال الأترازي: فيه نظر؛ لأنه أراد بهذا التقرير أن الدينار والمثقال سواء، وقد قرر قبل هذا أن عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل لا وزن دينار واحد، فيكون الدينار مثل عشرة دراهم، انتهى. قلت: الذي قاله قبل هذا كان في ابتداء الأمر، وتقرر بعد ذلك كل دينار بعشرة دراهم، ألا ترى أن الدية قد قررت من الذهب بألف دينار، ومن الورق بعشرة آلاف درهم، وفي السرقة لا قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم م: (فيكون أربعة مثاقيل في هذا) ش: أي في الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وبين صاحبيه -رحمهما الله- م: (كأربعين درهما) ش: في مسألة المائتين عند زيادة الأربعين درهما عليهما؛ لأن الزيادة في كل واحد منهما خمس النصاب. [الزكاة في تبر الذهب والفضة] م: (قال) ش: أي القدوري م: (في تبر الذهب والفضة) ش: التبر بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة، لما كان غير مضروب من الذهب والفضة م: (وحليهما) ش: بضم الحاء وكسر اللام، أي جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام وهو ما تحلى به المرأة من ذهب أو فضة، وقيل: أو جوهر، والحلية: الزينة من الذهب والفضة م: (وأوانيهما) ش: أي الأواني المعمولة من الذهب والفضة م: (الزكاة) ش: مرفوع بالابتداء وخبره هو قوله مقدما - وفي تبر الذهب والفضة. م: (وقال الشافعي: لا تجب الزكاة في حلي النساء وخاتم الفضة للرجال) ش: وبه قال مالك وأحمد وفي رواية إسحاق، وقد كان الشافعي يقول هذا في العراق وتوقف بمصر، وقال: هذا مما أستخير الله فيه، وقال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيه الزكاة. وقال أنس ﵁: يزكي عاما واحدا لا غير. وقال الحسن البصري، وعبد الله بن عتبة، وقتادة، وأحمد مرة: زكاته عاريته، ويروى ذلك عن ابن عمر وجابر إذا زكاه مرة ذكره النسائي م: (لأنه) ش: أي لأن الحلي م: (مبتذل في مباح) ش: وهو الحلي الذي يباح استعماله، وكل ما كان كذلك فلا زكاة فيه م: (فشابه) ش: أي الحلي يباح استعماله ثيابه م: (ثياب البذلة) ش: وهي ثياب المهنة.

стр. 1712

ولنا أن السبب مال نام، ودليل النماء موجود وهو الإعداد للتجارة خلقة، والدليل هو المعتبر بخلاف الثياب ــ [البناية] م: (ولنا أن السبب) ش: أي سبب وجوب الزكاة م: (مال نام) ش: أي أصله نامي كقاض، وأصله قاضي: فاعل إعلاله م: (ودليل النماء موجود) ش: كأنه جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: فمن أين النماء فيه؟ فأجاب بقوله: -ودليل النماء موجود- م: (وهو الإعداد للتجارة خلقة) ش: أي من حيث الخلقة فلا تبطل بهذا الوصف بإعداده للاستعمال م: (والدليل هو المعتبر) ش: أي الدليل الذي يدل على أنه معد للتجارة من حيث الخلقة هو المعتبر لا نفس النماء م: (بخلاف الثياب) ش: هذا جواب عن قوله - فشابه ثياب البذلة- لأنه لا إعداد فيها لا من العرف ولا من الشرع، وقولنا مذهب عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وابن حبيب، وابن جبير، وعبد الله بن شداد، وعطاء، وطاوس، وميمون بن مهران، وأيوب، وابن سيرين، ومجاهد، والضحاك، وجابر بن زيد، وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، والزهري، وذر الهمداني، والأوزاعي، وابن شبرمة، والحسن بن حي، والحسن بن جني واستحبه الحسن، قال الزهري: نصت السنة أن في الحلي الزكاة، وهو قول عائشة، وأم سلمة وفاطمة بنت قيس، ذكره عبد الحق في " الأحكام الصغرى ". فإن قلت: ما سند أصحابنا في الأحاديث؟ قلت: روى أبو داود والنسائي عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من النار" فخلعتهما، وألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله» والمسكتان: تثنية مسكة بالفتحات؛ السوار. وروى أبو داود أيضا في "سننه ": حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمر بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: دخلنا على «عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: "ما هذا يا عائشة؟ "، فقلت صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله، قال: "أتؤدين زكاتهن؟ ". قلت: لا، قال: " هن حسبك من النار» انتهى. والفتخات: جمع فتخة بالفاء وسكون التاء المثناة من فوق وبالخاء المعجمة وهي الخاتم الذي

стр. 1713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] لا فص لها. وروى أحمد في "مسنده ": حدثنا علي بن عاصم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب، «عن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على رسول الله ﷺ وعلينا أسورة من الذهب فقال لنا: "أتعطيان زكاتها؟ " فقلنا: لا، فقال: "أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار أديا زكاته» . وروى الدارقطني في سننه عن نصر بن مزاحم عن أبي بكر الهذلي حدثنا شعيب بن الحبحاب عن الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: «أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال» . وروى الدارقطني أيضا عن يحيى بن أبي الليث عن حماد بن إبراهيم عن علقمة «عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي ﷺ : إن لامرأتي حليا من ذهب عشرون مثقالا، قال: "فأد زكاته نصف مثقال» . وروى أيضا عن قبيصة عن علقمة عن عبد الله «أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن لي حليا وإن لي بني أخ وإن زوجي خفيف اليد فتجزئ عني أن أجعل زكاة الحلي فيهم؟، قال: "نعم» . وروى الدارقطني أيضا عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: إن للحلي زكاة. وروى أبو داود من حديث أم سلمة قالت: «كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت يا رسول الله: أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» انتهى، والأوضاح: جمع وضح وهو الحلي. فإن قلت: روى الترمذي حديث عمرو بن شعيب المذكور عن قتيبة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب.. الحديث، ثم قال: ابن لهيعة ضعيف، ولا يصح في هذا الباب شيء، انتهى. قلت: ما علينا من هذا الباب والطريق الذي رواه أبو داود صحيح، وقال ابن القطان في

стр. 1714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] كتابه: إسناده صحيح، قال المنذري: إسناده لا مقال فيه، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ومسلم، وكذلك احتجا بحسين المعلم، وقول الترمذي: ولا يصح في هذا الباب شيء، قال فيه المنذري: لعله قصد الطريقين اللذين ذكرهما هو، فإن حديث أبي داود ﵀ لا مقال فيه، وعمرو بن شعيب وإن كان تكلم فيه بعضهم فقد قال شيخنا زين الدين وحكى البخاري توقفه فيما حكاه الترمذي عنه قال: رأيت أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد من المسلمين فمن الناس بعدهم؟ فإن قلت: في حديث عائشة ﵂ محمد بن عمر، قال الدارقطني هو مجهول. قلت: قال البيهقي في " المعرفة ": هو محمد بن عمر بن عطاء لكنه نسبه إلى جده فظن أنه مجهول، وليس كذلك وتبع الدارقطني في تجهيله عبد الحق، وقال ابن القطان: خفي عليه كما خفي على الدارقطني وهو من الثقات، ويحيى بن أيوب أخرجه له مسلم، وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم وأخرجه الحاكم في مستدركه عن محمد بن عمر بن عطاء، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فإن قلت: في حديث إسماعيل بن عاصم رواه يزيد بن هارون بالكذب وعبد الله بن خيثم، قال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب قال ابن عدي: لا يحتج بحديثه. قلت: علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي وثقه أحمد، وروى عنه وقال يحيى بن زكريا صدوق، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه وعبد الله بن خيثم، وهو عبد الله بن عثمان بن خيثم القارئ من القراء المكي، قال يحيى بن معين: هو ثقة حجة، ووثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي، روى له مسلم والأربعة، وشهر بن حوشب الأشعري الشامي الحمصي، ويقال الدمشقي وثقه يحيى، وعنه ثبت، وعن أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه، وروى له مسلم مقرونا بغيره وروى له الأربعة. فإن قلت: في حديث فاطمة بنت قيس نصر بن مزاحم قال أبو خيثمة: كان كذابا، وقال ابن معين: حديثه ليس بشيء، وأبو بكر الهندواني قال الدارقطني: متروك، وقال ابن الجوزي قال غندر: هو كذاب، وقال ابن معين وابن المديني: ليس بشيء، قلت: أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " في حرف الشين عن شيبان بن زكريا عن عباد بن كثير عن شعيب بن الحبحاب به سواء. فإن قلت: حديث عبد الله بن مسعود، قال الدارقطني: هو مرسل موقوف، قلت: فليكن يحسن فيعمل به، وحديثه الآخر عن قبيصة عن عقبة أحد مشايخ

стр. 1715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] البخاري، وأكثر منه في الصحيح، ولا يلفت إلى ما قاله ابن القطان أنه يخطئ كثيرا. فإن قلت: حديث أم سلمة فيه ثابت بن عجلان، قال البيهقي: تفرد به ثابت. قلت: لا يضر، فإن البخاري أخرج له وأخرجه الحاكم في "مستدركه " عن محمد بن مهاجر عن ثابت به وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ومحمد بن مهاجر قال ابن حبان: يضع الحديث عن الثقات، وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وهذا وهم قبيح، فإن محمد بن مهاجر الكذاب ليس هذا، فإن الذي يروي عن ثابت بن عجلان ثقة شامي، وأخرج له مسلم في "صحيحه "، وأما محمد بن مهاجر الكذاب فإنه متأخر عنه. وأما أحاديث الخصوم، فمنها ما رواه ابن الجوزي في " التحقيق " بسنده عن عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ليس في الحلي زكاة» قال البيهقي: والذي يروى عن جابر، عن رسول الله ﷺ «ليس في الحلي زكاة» لا أصل له، وفيه عافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا، كان مقرا بذنبه داخلا فيما يعيب به، من يحتج بالكذابين. وقال السروجي ﵀: هذا غريب من البيهقي مع تعقبة الشافعي، وقال ابن الجوزي: هو ضعيف مع أنه موقوف على جابر ﵁. ومنها ما رواه مالك ﵁ عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان يحلي نساءه وجواريه الذهب ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. ومنها ما رواه الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الحلي قال: ليس فيه زكاة.

стр. 1716

فصل في العروض الزكاة واجبة في عروض التجارة كائنة ما كانت إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب ــ [البناية] [فصل في العروض] [زكاة العروض حكمها وشروط وجوبها] م: (فصل في العروض) ش: أي هذا فصل في بيان حكم الزكاة في العروض. العروض بضم العين جمع عرض وهو المتاع القيمي، وقيل: هو ما ليس بنقد، والعرض بفتحتين حطام الدنيا، كذا في " المغرب " و" الصحاح "، وفيه العرض بسكون الراء: المتاع وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير، قال أبو عبيد: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا، ولا عقارا، وقال السغناقي: فعلى هذا جعل العروض هاهنا جمع عرض بسكون الراء أولى، بل هو واجب؛ لأنه في بيان حكم الأموال التي هي غير الدراهم والدنانير والحيوانات والعرض بالضم الجانب، ومنه أوصى بعرض ماله، أي بجانب منه بلا تعيين، والعرض: بالكسر ما يحمد الرجل ويذم عند وجوده وعدمه، وإنما أخر هذا الفصل للاختلاف فيها، أو لأنها تقوم بالنقدين فيكون بناء عليهما. م: (الزكاة واجبة في عروض التجارة) ش: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في العروض، ورويناه عن ابن عمر، وابن عباس والفقهاء السبعة: ابن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة وسليمان بن يسار وطاوس والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقال ربيعة ومالك: لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير فحينئذ تلزمه زكاة عام واحد، وقال في " المبسوط ": وإن مضى عليها أحوال، وقالت الظاهرية: لا زكاة في العروض للتجارة، وعن ابن عباس ﵄ كذلك. م: (كائنة ما كانت) ش: كلمة - ما- مصدرية، وكانت تامة، وكائنة نصب على الحال، والتقدير: الزكاة واجبة حال كائن كونهما من أي شيء كان من جنس ما تجب فيه الزكاة، كالسوائم، أو من جنس ما لا تجب فيه الزكاة كالثياب والبغال والحمر، م: (إذا بلغت قيمتها) ش: أي قيمة العروض م: (نصابا) ش: لأن المعتبر فيها الغناء بقيمتها، وذلك موجود في جميع الأشياء م: (من الورق) ش: بكسر الراء أي الفضة المضروبة م: (أو الذهب) ش: المضروب. وفي " الذخيرة " و" المرغيناني ": يعتبر في تقويم العروض بالتجارة بالدراهم المضروبة حتى إن من اشترى عبدا للتجارة بنقرة فضة وزنها مائتان، ولا تساوي مائتي درهم مضروبة لا تجب فيه الزكاة، وإن وجبت في رأس ماله؛ لأن عين الذهب والفضة لا يعتبر فيها الضرب ولا التقويم له إنما جعل نصابها أخذ قيمتها؛ لأنه لا نصاب لها في نفسها، والمقصود منها ليست أعيانها، وإنما المقصود هو التمول بمعانيها، فجعل نصابها من مقصودها وهي القيمة، ثم الزكاة

стр. 1717

لقوله ﷺ فيها: «يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم» ــ [البناية] تجب في العروض في عينها حتى إذا هلكت بعد الحول سقطت الزكاة. وقال الشافعي ﵁: في قيمتها. فإن قلت: كل مال اعتبر فيه النصاب تعلق الوجوب به، أصله الأعيان الماشية. قلت نصابها عندنا من أعيانها، وإنما يعتبر التقويم ليعلم أن العين قد بلغت مقدارا معلوما كما يتعين الوزن والعدد ليبلغ وزنا معلوما وعددا معلوما. م: (لقوله ﷺ فيها: «يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم» ش: أي لقول النبي ﷺ في عروض التجارة يقومها إلى آخره، وهذا حديث غريب لا يعرف من رواه من الصحابة ﵃، ومن رواه منهم، وفي هذا الباب أحاديث مرفوعة وموقوفة، فمن المرفوعة: ما رواه أبو داود في "سننه "، حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان، عن سمرة بن جندب، قال: أما بعد فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع وسكت عنه، فيدل على أنه صحيح عنده وكذلك المنذري بعده. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن. ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه " بإسناده إلى أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته، ومن دفع دنانير أو دراهم، أو تبرا، أو فضة لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة» ، وصححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ومنها ما رواه الطبراني في "معجمه " بإسناده عن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالرقيق؛ الرجل أو المرأة الذين هم تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم صدقة، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع» ورواه الدارقطني أيضا. ومن الموقوفة: ما رواه أحمد في "مسنده " وعبد الرزاق في "مصنفه " والدارقطني في "سننه " حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه أنه

стр. 1718

ولأنها معدة للاستنماء بإعداد العبد فأشبه المعد بإعداد الشرع، وتشترط نية التجارة؛ ليثبت الإعداد، ثم قال: يقومها بما هو أنفع للمساكين؛ احتياطا لحق الفقراء. ــ [البناية] قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بي عمر بن الخطاب ﵁ فقال لي: أد صدقة مالك فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو الأدم والجعاب قال: قومها وأد زكاتها. ومنها ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو تجارة أو دواب أو بز للتجارة تدار الزكاة فيه كل عام. ومنها ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن حنبل: ثنا حفص بن غياث، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلا إذا كان للتجارة. ومنها: ما رواه عبد الرزاق عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم قالوا: في العروض تدار الزكاة كل عام لا تؤخذ منها الزكاة حتى لا يأتي ذلك الشهر من عام قابل. م: (ولأنها) ش: أي ولأن العروض م: (معدة) ش: أي مهيأة م: (للاستنماء) ش: أي لطلب النماء م: (بإعداد العبد فأشبه المعد بإعداد الشرع) ش: المعد بضم الميم وفتح العين وتشديد الدال وهو الذهب والفضة م: (ويشترط فيه نية التجارة ليثبت الإعداد) ش: أي حالة الشراع، أما إذا كانت النية بعد الملك فلا بد من اقتران عمل التجارة بنيته؛ لأن مجرد النية لا يعمل فلا يصير حتى يبيعه بالإجماع إلا عند الكرابيسي من أصحاب الشافعي ﵁ وأحمد في رواية فإنه يصير للتجارة بمجرد النية في " جوامع الفقه " السالمة إذا نوى أنه إن وجد ربحا يبيعها لا يبطل السوم، ولو نوى أنه يجعلها علوفة أو يعمل عليها لا تبطل السوم ما لم يفعل، بخلاف عروض التجارة إذا نواها للقنية حيث تبطل التجارة، وكذا العبد إذا نواه للخدمة، وعن محمد إذا نوى أن يستخدمه فاستخدمه لا تبطل التجارة ما لم يجعله للخدمة، ولو اشترى الجلاب شياها، والقصاب اللحم فهي للتجارة، وإن رعاها في المفازة لم يبطل كونها للتجارة؛ لأن المرعى للتخفيف في المؤنة. م: (ثم قال ﵀) ش: أي القدوري أو محمد -رحمهما الله- م: (يقومها بما هو أنفع للمساكين احتياطا لحق الفقراء) ش: أي يقوم العروض التي للتجارة بالذي هو أنفع للفقراء، وهو أن يقومها بأنفع النقدين، وبه قال أحمد؛ لأن المال في يد المالك في زمان طويل وهو المنتفع فلا بد من اعتبار منفعة للفقراء عند التقويم، ولا بد أن يقوم بما يبلغه نصابا حتى إذا قومت بالدراهم تبلغ نصابا، وإذا قومت الذهب لا تبلغ نصابا تقوم بالدراهم وبالعكس كذلك. فإن قلت: في خلافه نظر للمالك وحقه يعتبر، ألا ترى أنه ﷺ نهى عن أخذ كرائم الأموال في الزكاة واشترط الحول فيها. قلت: المالك أسقط حقه بالاستنماء مدة الحول فيوفر حظ الفقراء بالتقويم بالأنفع مراعاة.

стр. 1719

قال ﵁: وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀ وفي الأصل خيره، لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء، وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقومها بما اشترى إن كان الثمن من النقود، لأنه أبلغ في معرفة المالية، وإن اشتراها بغير النقود بأن اشتراها بالعروض قومها بالنقد الغالب. وعن محمد ﵀ أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال كما في المغصوب والمستهلك، ــ [البناية] للحقين بقدر الإمكان. م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه بالتقويم بما هو أنفع للمساكين م: (رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: في التقويم أربعة أقوال، أحدهما هذا المذكور عن أبي حنيفة وكذا ذكر في " الأمالي " يقومها بأنفع النقدين للفقراء، وفي " التحفة " و" القنية ": يقومها بأوفر القيمتين وأنظرهما وأكثرهما زكاة. م: (وفي الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (خيره) ش: أي خير أبو حنيفة ﵀ المالك في التقويم بما شاء من النقدين، وهذا هو القول الثاني م: (لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء) ش: لأن التقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك سواء. م: (وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: ما المراد من قوله في القول الأول - يقومها بما يبلغ نصابا الأنفع- فإن الأنفع الذي هو الأفضل يحتمل أن يكون من جهة إيصال النفع للفقراء مطلقا. فأجاب بقوله: وتفسير الأنفع يعني المراد بالأنفع من هذه الحيثية يعني كون التقويم بما يبلغ نصابا هو الأنفع لهم لا مطلق النفع. م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقومها بما اشترى) ش: وبه قال الشافعي، وهذا هو القول الثالث، يعني يقوم العروض بالثمن الذي اشتراها م: (إن كان الثمن من النقود) ش: أي من الدراهم أو الدنانير م: (لأنه أبلغ في معرفة المالية) ش: لأنه ظهر قيمتها مرة بهذا النقد الذي وقع به الشراء والظاهر إن اشتراها بقيمتها فكان هذا النقد أكثر تعريفا لقيمتها من نقد آخر. م: (وإن اشتراها بغير النقود بأن اشتراها بالعروض قومها بالنقد الغالب) ش: في نقود البلد فإنه لو اشتراها بعروض فإنه لا يصح تقويمها للأشياء، وكذا لو ورثه فوجب التقويم بغالب نقد البلد، وإن كان مسافرا يقومها في البلد الذي يصير إليه. م: (وعن محمد ﵀ أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال) ش: هذا هو القول الرابع، وبه قال الشافعي في وجه قوله -على كل حال- يعني سواء اشتراها بأحد النقدين أو بغيره لأن كل ما يحتاج فيه إلى التقويم يعتبر فيه النقد الغالب م: (كما في المغصوب والمستهلك) ش: أي كما يقوم بالنقد الغالب وقت الحاجة إلى تقويم المغصوب والذي استهلكه بغصب فلا يقوم إلا بالنقد الغالب وقت الحاجة في البلد.

стр. 1720

وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه أما لا بد منه في ابتدائه للانعقاد وتحقق الغنى بالنصاب وفي انتهائه للوجوب، ولا كذلك فيما بين ذلك ــ [البناية] وفي " المجتبى ": الوجوب بالعروض عندنا باعتبار قيمتها حتى يخير بين أداء ربع عشر قيمتها أو ربع عشر عينها وهو أحد قولي الشافعي ﵃: فيه ثلاثة أقوال: في قول: يخرج ربع عشر القيمة وهو نصه في " الأم " وعليه الفتوى، وفي قول ربع عشر العرض، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول: يتخير بينهما وهو قول أبي حنيفة كذا في " الحلية ". م: (وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك) ش: أي فيما بين طرفي الحول م: (لا يسقط الزكاة) ش: وإنما قيدنا بالنقصان احترازا عن هلاك كل النصاب، فإنه ينقطع الحول به بالاتفاق، وذكر النصاب مطلقا ليتناول كل مال تجب فيه الزكاة كالنقدين والسوائم، وقال زفر: يشترط كمال النصاب من أوله إلى آخره، والشافعي ﵀ فيه أربعة أقوال: أحدهما: أنه لو تلف بعض النصاب أو أتلفه ينقطع الحول. وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: إن أتلفه لقصد الفرار عن الزكاة لا ينقطع الحول وإلا ينقطع. والثاني: مثل مذهبنا. والثالث: يعتبر في آخر الحول. والرابع: أنه يعتبر بعض التنقيص دون بعض الكساد، وفي السوائم والنقدين يشترط كمال النصاب في جميع الحول عنده وفي " المحيط ": اشترى عصيرا للتجارة ثم تخمر ثم تخلل فهو للتجارة، وكذا شاة التجارة إذا ماتت فدبغ جلدها فهو للتجارة وعبد التجارة إذا قتل خطأ فدفع بدله، والثاني للتجارة بخلاف العمد لو صالحه الولي على عبد أو غيره لم يكن للتجارة ويبطل بالكتابة، وإذا عجز لا يعود للتجارة، ولو باع مال التجارة في الحول بجنسها أو بغير جنسها لا ينقطع الحول، وفي " المجتبى ": الدين في خلال الحول لا يقطع حكم الحول وإن كان مستغرقا وقال زفر ﵀: ينقطع. م: (لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه) ش: أي يشق اعتبار كمال النصب في أثناء الحول لأنه قد يزيد وقد ينقص، واعتبار الزيادة والنقصان في كل ساعة يفضي إلى الحرج وذلك مدفوع شرعا م: (أما لا بد منه) ش: أي من كمال النصاب م: (في ابتدائه) ش: أي في ابتداء الحول م: (للانعقاد) ش: أي لانعقاد السبب م: (وتحقق الغنى في انتهائه) ش: أي انتهاء الحول م: (للوجوب) ش: أي لوجوب الزكاة م: (ولا كذلك) ش: أي وليس الحكم كما ذكرنا م: (فيما بين ذلك) ش: أي فيما بين الابتداء والانتهاء.
следующие страницы →