Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
الطلاق. ولأبي حنيفة ﵀ أنها ادعت الحنث فلا يثبت إلا بحجة تامة، وهذا لأن شهادتهن ضرورية في حق الولادة، فلا تظهر في حق الطلاق، لأنه ينفك عنها.
وإن كان الزوج قد أقر بالحبل طلقت من غير شهادة، عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما تشترط شهادة القابلة، لأنه لا بد من حجة لدعواها الحنث، وشهادتها، حجة فيه على ما بينا، وله أن الإقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه وهو الولادة، ولأنه أقر بكونها مؤتمنة، فيقبل قولها في رد الأمانة. قال: وأكثر مدة الحمل سنتان، لقول عائشة ﵂: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل.
ــ
[البناية]
الطلاق) ش: لأن وقوع الطلاق متعلق بها م: (ولأبي حنيفة أنها) ش: أي أن المرأة التي هي الزوجة م: (ادعت الحنث) ش: على الزوج وهو وقوع الطلاق والزوج ينكر ذلك م: (فلا يثبت إلا بحجة تامة) ش: أي كاملة. (وهذا) إشارة إلى عدم ثبوت دعوى المرأة إلا بحجة كاملة م: (لأن شهادتهن ضرورية في حق الولادة) ش: لأن مجلس الولادة لا يطلع عليه الرجال. والثابت بالضرورة لا يتعدى موضع الضرورة م: (فلا تظهر في حق الطلاق، لأنه) ش: أي لأن الطلاق م: (ينفك عنها) ش: أي عن الولادة في الجملة يعني يوجد بدونها. وكذا الولادة توجد بدون الطلاق وإن صار الطلاق هنا من لوازمها، كمن اشترى لحما، فشهد مسلم أنه ذبيحة مجوسي قبلت ذبيحته في حرمة الأكل، ولا يثبت تمجس الذابح في حق الرجوع على البائع بشهادة الواحد، كذا في " جامع قاضي خان ".
[أقر الزوج بالحبل ثم علق طلاقها بالولادة فقالت المرأة ولدت وكذبها الزوج]
م: (وإن كان الزوج قد أقر بالحبل) ش: يعني إذا أقر الزوج بالحبل، ثم علق طلاقها بالولادة، فقالت المرأة ولدت وكذبها الزوج م: (طلقت من غير شهادة، عند أبي حنيفة. وعندهما تشترط شهادة القابلة، لأنه لا بد من حجة لدعواها الحنث، وشهادتها حجة فيه) ش: أي شهادة القابلة حجت في الحنث م: (على ما بينا) ش: يعني في المسألة الأولى.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن الإقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه) ش: أي بالشيء الذي يفضي الحبل إليه م: (وهو الولادة) ش: الضمير في - وهو - يرجع إلى ما م: (ولأنه أقر بكونها مؤتمنة) ش: لأنه علق طلاقها بأمر كائن وهو الولادة، والقول قول المؤتمن في دعوى رد الأمانة م: (فيقبل قولها في رد الأمانة. قال) ش: أي القدوري م: (وأكثر مدة الحمل سنتان لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل) ش: أخرج الدارقطني، ثم البيهقي في "سننهما" من طريق ابن المبارك حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة ﵂ قالت: "ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل"، وفي لفظ: "لا يكون الحمل أكثر من سنتين".
стр. 2977
وأقله ستة أشهر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] (الأحقاف: الآية ١٥) ، ثم قال الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] (لقمان: الآية ١٤) فبقي للحمل ستة أشهر. والشافعي ﵀ يقدر الأكثر بأربع سنين، والحجة عليه ما رويناه، والظاهر أنها قالته سماعا، إذ العقل لا يهتدي إليه. ومن تزوج أمة فطلقها ثم اشتراها، فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم اشتراها لزمه، وإلا لم يلزمه، لأنه في الوجه الأول ولد المعتدة، فإن العلوق سابق على الشراء، في الوجه الثاني.
ــ
[البناية]
وأخرج الدارقطني أيضًا، ومن جهته البيهقي عن الوليد بن مسلم، قال: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عائشة ﵂ أنها قالت: "لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل"، فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، كل بطن في أربع سنين. قوله: ولو بظل مغزل أي بقدر مكث ظله حال الدوران، لأن ظله حال الدوران أسرع زوالا من سائر الظلال، والغرض المبالغة في تقليل المدة.
وفي بعض النسخ: ولو بفلك مغزل، وهو رواية " المبسوط "، والإيضاح أي بدور فلكة مغزل. وفي " شرح الإرشاد ": ولو بدور ظلة مغزل.
[مدة الحمل]
م: (وأقله ستة أشهر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ش: (الأحقاف: الآية ١٥) (ثم قال الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] (لقمان: الآية ١٤) فبقي للحمل ستة أشهر. والشافعي ﵁ يقدر الأكثر) ش: أي أكثر مدة الحمل. م: (بأربع سنين) ش: وبه قال مالك في المشهور وأحمد كذلك. وقال عبادة: خمس سنين، وقال الزهري: ست سنين، وقال ربيعة بن عبد الرحمن: سبع سنين، وقال الليث: ثلاث سنين، وبقولنا قال الثوري والضحاك بن مزاحم وأحمد في رواية.
م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي. م: (ما رويناه) ش: وهو حديث عائشة. م: (والظاهر أنها قالته سماعا) ش: أي الظاهر أن عائشة قالت الحديث المذكور من حديث السماع عن النبي ﷺ . م: (إذ العقل لا يهتدي إليه) ش: يعني العقل لا يدرك هذا، لأن ما في الرحم لا يعلمه إلا الله تعالى.
م: (ومن تزوج أمة فطلقها ثم اشتراها) ش: يريد به طلاقها بعد الدخول، إذ لو كان قبل الدخول لا يلزمه الولد إلا أن يحيا لأقل من ستة أشهر منذ فارقها. م: (فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم اشتراها لزمه) ش: أي الولد. م: (وإلا لم يلزمه) ش: أي وإذا جاءت به لأكثر من ذلك لم يلزمه. م: (لأنه في الوجه الأول) ش: أراد به ما إذا ولدته لأقل من ستة أشهر، (ولد المعتدة، فإن العلوق سابق على الشراء، وفي الوجه الثاني) ش: أراد به ما إذا ولدته لستة أشهر أو أكثر من وقت
стр. 2978
ولد المملوكة، لأنه يضاف الحادث إلى أقرب وقته، فلا بد من دعوة، وهذا إذا كان الطلاق واحدا بائنا أو خلعا أو رجعيا، أما إذا كان اثنتين يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق، لأنها حرمت عليه حرمة غليظة، فلا يضاف العلوق إلا إلى ما قبله، لأنها لا تحل بالشراء. ومن قال لأمته: إن كان في بطنك ولد فهو مني، فشهدت على الولادة امرأة فهي أم ولده، لأن الحاجة إلى تعيين الولد، ويثبت ذلك بشهادة القابلة بالإجماع.
ــ
[البناية]
الشراء. م: (ولد المملوكة، لأنه يضاف الحادث إلى أقرب وقته) ش: وهو وجوب وقت كونها مملوكة فلا يثبت إلا بالدعوى وهو معنى قوله. م: (فلا بد من دعوة) ش: يعني لا يثبت النسب إلا بأن يدعيه.. م: (وهذا) ش: أي هذا الحكم الذي ذكرناه. م: (إذا كان الطلاق واحدا بائنا أو خلعا أو رجعيا، أما إذا كان) ش: أي الطلاق. م: (اثنتين يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق، لأنها حرمت عليه حرمة غليظة) ش: بطلقتين، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. م: (فلا يضاف العلوق إلا إلى ما قبله) ش: أي ما قبل الطلاق وهو أبعد الأوقات. م: (لأنها لا تحل بالشراء) ش: إذ الوطء لا يحل له قبل الشراء لأنها حرمت عليه حرمة غليظة بالسنتين، وإذا لم يحل وطؤها بملك اليمين لا يُقضى بالعلوق من أقرب الأوقات، إذ في القضاء بالعلوق إلى أقرب الأوقات يلزم حمل أمر المسلم على الحرام، وهو الممكن للوطء الحرام من المولى. فإن قيل: وجب أن يحل بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] (المؤمنون: الآية ٦) ، قلنا: لا تحل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] (البقرة: الآية ٢٣٠) ، والثانية في الأمة كالثلاث في الحرة. وإذا لم يحل وطؤها، فلا يضاف إلى أقرب الأوقات، بل يضاف إلى الأبعد، وهو ما قبل الطلاق، فيلزمه الولد إذا جاءت به لأقل من سنتين منذ الطلاق.
م: (ومن قال لأمته: إذا كان في بطنك ولد فهو مني، فشهدت على الولادة امرأة فهي أم ولده) ش: أي بالإجماع. م: (لأن الحاجة إلى تعيين الولد، ويثبت ذلك بشهادة القابلة بالإجماع) ش: أي باتفاق أصحابنا، وبه قال أحمد وقد مر الخلاف فيه، وهذا إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار. ولو ولدت لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لاحتمال أنها حبلت بعد مقالة الولي، فلم يكن المولى مدعيا لهذا الولد بخلاف الأول، لتيقنا ببقائه في البطن وقت القول فتيقنا بالدعوى، هذا في " جامع قاضي خان ".
وقال الأترازي: ومثله مسألة كتاب العتاق، وإن قال: ما في بطنك حر فولدت بعد ذلك لستة أشهر لم يعتق، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر عتق. وكان ينبغي لك أن تعرف أنه فيما إذا قال إن كان في بطنك ولد. أو قال: إن كان بها حبل فهو مني بلفظ التعليق. أما إذا قال: هذه حامل مني يلزمه الولد، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر إلى سنتين حتى ينفيه، وبه صرح في " الأجناس " في كتاب الإعتاق.
стр. 2979
ومن قال لغلام: هو ابني ثم مات، فجاءت أم الغلام وقالت: أنا امرأته ، فهي امرأته، وهو ابنه ويرثانه. وفي "النوادر" جعل هذا جواب الاستحسان. والقياس أن لا يكون لها الميراث، لأن النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد، وبالوطء عن شبهة، وبملك اليمين، فلم يكن قوله إقرارا بالنكاح. وجه الاستحسان: أن المسألة فيما إذا كانت معروفة بالحرية وبكونها أم الغلام، والنكاح الصحيح وهو المتعين لذلك وضعا وعادة. ولو لم يعلم بأنها حرة، فقالت الورثة أنت أم ولد، فلا ميراث لها، لأن ظهور الحرية باعتبار الدار حجة في دفع الرق لا في استحقاق الميراث، والله أعلم.
ــ
[البناية]
[قال لغلام هو ابني ثم مات فجاءت أم الغلام وقالت أنا امرأته]
م: (ومن قال لغلام: هو ابني ثم مات، فجاءت أم الغلام وقالت: أنا امرأته، فهي امرأته وهو ابنه ويرثانه) ش: أي الأم والابن يرثان الميت. م: (وفي " النوادر " جعل) ش: أي محمد. م: (هذا جواب الاستحسان، والقياس أن لا يكون لها الميراث، لأن النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد، وبالوطء عن شبهة، وبملك اليمين، فلم يكن قوله إقرارا بالنكاح) ش: واعترض أنه ينبغي أن لا يكون لها الميراث في الاستحسان، لأن هذا النكاح يثبت اقتضاء، فيثبت بقدر الضرورة، وهو تصحيح النسب دون استحقاق الإرث. وأجيب: بأن النكاح على ما هو الأصل ليس بمتنوع إلى نكاح (ما) هو سبب لاستحقاق الإرث والنكاح ليس بسبب له، فلا يثبت النكاح بطريق الاقتضاء، وثبت ما هو من لوازمه التي لا تنفك عنه شرعا، وإنما قال على ما هو الأصل لئلا يرد نكاح الكتابية والأمة لأنه من العوارض.
م: (وجه الاستحسان: أن المسألة فيما إذا كانت) ش: أي أم الغلام. م: (معروفة بالحرية وبكونها أم الغلام) ش: قيد بكونها معروفة بالحرية، لأنها لو لم تكن معروفة بأنها حرة من الأصل لا ترث، لأن للورثة أن يقولوا: إن كنت أم الولد لمورثنا إنما عتقت بموته. غاية ما في الباب أنها حرة في الحال، والتمسك باستصحاب الحال لمعرفة الحكم في الماضي يصلح للدفع لا للإثبات، فيندفع عنها الرق ولا يثبت الإرث، وقيد أيضا بكونها أم الغلام، لأنه إذا لم يثبت أنها أم الغلام فلا ترث.
م: (والنكاح الصحيح وهو المتعين لذلك) ش: أي لثبوت النسب. م: (وضعا وعادة) ش: أي من حيث الوضع، ومن جهة الشرع، ومن حيث العادة بالشهرة بين الناس. م: (ولو لم يعلم بأنها حرة، فقالت الورثة أنت أم ولد فلا ميراث لها) ش: قد قررنا هذا، لأن قولنا فيه بكونها معروفة بالحرية. م: (لأن ظهور الحرية باعتبار الدار) ش: أي دار الإسلام. م: (حجة في دفع الرق لا في استحقاق الميراث) ش: لأن الإرث لا يثبت إلا بنسب صحيح، وقال التمرتاشي: لا ميراث لها، ولكن لها مهر المثل، لأنهم أقروا بالدخول بها، ولم يثبت كونها أم ولد بقولهم، وقال الأترازي: وفيه نظر، لأن الدخول إنما يوجب بمهر المثل في غير صورة النكاح، إذا كان الوطء عن شبهة، ولم يثبت النكاح هنا. والأصل عدم الشبهة فبأي دليل يحمل على ذلك؟ فلا يجب مهر المثل.
стр. 2980
باب حضانة الولد ومن أحق به وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين، فالأم أحق بالولد، لما روي «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال ﷺ : "أنت أحق به ما لم تتزوجي» .
ــ
[البناية]
[باب حضانة الولد ومن أحق به]
م: (باب حضانة الولد ومن أحق به) ش: أي هذا باب في بيان حكم الولد في الحضانة والتربية لمن هو. م: (ومن أحق به) ش: لأن الولد عاجز عن النظر لنفسه والقيام بحوائجه، فجعل الشرع الولاية إلى من هو متفق عليه، فجعل ولاية التصرف إلى الأب لقوة رأيه مع النفقة، وحق الحضانة إلى الأم لرفقها، في ذلك مع الشفقة عليه، وهي أقدر على ذلك للزومها البيت وكونها أشفق، ثم المناسبة بين الناس ظاهرة لا تحتاج إلى بيان.
م: (وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين، فالأم أحق بالولد) ش: سواء كانت كتابية أو مجوسية، لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدين. م: (لما روي أن «امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال ﷺ أنت أحق به ما لم تتزوج» ش: هذا الحديث رواه أبو داود في "سننه ": حدثنا محمد بن خالد السلمي، حدثنا الوليد عن أبي عمرو - يعني الأوزاعي - حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو «أن امرأة قالت يا رسول الله ﷺ إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لها رسول الله ﷺ أنت أحق» .
ورواه الحاكم وصحح إسناده، قالوا: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فإذا أراد بجده محمدا، كان الحديث مرسلا، وإذا أراد به عبد الله كان الحديث متصلا، وهنا قد صرح عن جده عبد الله فالحديث متصل صحيح، وعمرو، وشعيب، ومحمد كلهم ثقات. قولها: وحجري، بفتح الحاء وكسرها، حجر الإنسان، والحوى، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الواو بيت من الوبر، والجمع الأحوية، كذا في " الصحاح ".
وقال ابن الأثير: الحوى اسم المكان الذي يحوي الشيء، أي يضمه ويجمعه، هكذا فسره في هذا الحديث، ثم قال: الحوى بيوت مجتمعة من الناس، والجمع أحوية، فسره في حديث آخر، والسقاء بالكسر الدلو.
стр. 2981
ولأن الأم أشفق عليه وأقدر على الحضانة، فكان الدفع إليها أنظر، وإليه أشار الصديق ﵁ بقوله: ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر. قاله حين وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، والصحابة حاضرون متوافرون. والنفقة على الأب، على ما نذكر، ولا تجبر الأم عليها، لأنها عست تعجز عن الحضانة،
ــ
[البناية]
م: (ولأن الأم أشفق عليه وأقدر على الحضانة) ش: مأخوذ من الحضن وهو ما دون الإبط إلى الكشح، وحضن الشيء جانباه، وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه، وكان المربي للولد يتخذه في حضنه ويضمه إلى جانبه. م: (فكان الدفع إليها أنظر) ش: أي فكان دفع الولد إلى أمه أنظر في حقه يعني أقوى نظرا في حاله من غيره.
م: (وإليه) ش: أي إلى هذا المعنى. م: (أشار الصديق) ش: أي أبو بكر الصديق. م: (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بقوله: ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر) ش: ﵁. م: (قاله حين وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، والصحابة حاضرون متوافرون) ش: هذا غريب بهذا اللفظ، وقصته ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف " حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طلق أم عاصم، ثم أتى عليها، وفي حجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال له أبو بكر: مسحها وحجرها وريحها خير له منك يا عمر، حتى يشب الصبي فيختار لنفسه.
ورواه عبد الرزاق، حدثنا سفيان الثوري عن عاصم عن عكرمة، قال: خاصمت امرأة عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وكان طلقها، فقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: هي أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج. وتفسير الذي ذكره المصنف قوله: وريقها، أي ريق أم عاصم امرأة عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - واسمها جميلة، وقوله: من شهد بضم الشين وفتحها، عسل في شمعه.
وفي " المبسوط ": ريحها، وفي رواية ريح رقاعها، وهو ثوب تشتمل به المرأة، خير له من سمن وعسل عندك يا عمر، فدعه عندها، وقضى به، بحضرة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ولم ينكر عليه أحد، فحل محل الإجماع.
م: (والنفقة على الأب على ما نذكر) ش: أي نفقة الولد على أبيه على ما يأتي في باب النفقات. م: (ولا تجبر الأم عليها) ش: أي على الحضانة، وفي بعض النسخ. م: (عليه) ش: أي على الولد، يعني إذا طلبت فهي أحق، وإذا أبت لا تجبر على الأخذ. م: (لأنها عست تعجز عن الحضانة) ش: وبه قال الشافعي وأحمد والثوري ومالك في رواية. وفي رواية: تجبر. وبه قال ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح وأبو ثور، واختاره أبو الليث والهندواني من أصحابنا، والمشهور عن مالك
стр. 2982
فإن لم تكن له أم فأم الأم أولى من أم الأب. وإن بعدت، لأن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات، فإن لم تكن، فأم الأب أولى من الأخوات، لأنها من الأمهات، ولهذا تحرز ميراثهن السدس، ولأنها أوفر شفقة للأولاد. فإن لم تكن له جدة فالأخوات أولى من العمات والخالات، لأنهن بنات الأبوين، ولهذا قدمن في الميراث، وفي رواية: الخالة أولى من الأخت لأب لقوله ﵇: «الخالة والدة» .
ــ
[البناية]
لا تجبر في الشريعة التي لا عادة لها بإرضاع الولد، وإن كانت ممن ترضع تجبر. فإن لم يوجد غيرها أو لم يأخذ الولد ثدي غيرها أجبرت بلا خلاف، ويجبر الأب على أخذ الولد بعد استغنائه عن الأم لأن نفقته وصيانته عليه بالإجماع.
م: (فإن لم يكن له أم) ش: أي فإن لم يكن للولد أم، بأن كانت غير أهل للحضانة أو متزوجة بغير محرم أو ميتة. م: (فأم الأم أولى من أم الأب وإن بعدت) ش: أي وإن علت عند الجمهور، وعن أحمد: أم الولد أولى، وهو ضعيف، لأن أم الولد تدلى بالأم، وهي مقدمة على الكل، فما دامت واحدة منهن من جانب الأم قائمة فهي أحق. م: (لأن هذه الولاية) ش: أي ولاية الحضانة. م: (تستفاد من قبل الأمهات) ش: لما مر من وفور شفقتهن، فمن كانت تدلى إليه بأم، فهي أولى ممن تدلي بأب ويستوي في ذلك المسلمة والكافرة، لأن الحضانة باعتبار الشفقة. وذلك لا يختلف باختلاف الدين، على ما قيل: كل شيء يحب ولده حتى الحبارى.
م: (فإن لم تكن) ش: أي الأم. م: (فأم الأب أولى من الأخوات) ش: من أم أو أب، لأن استحقاق الحضانة باعتبار قرابة الأم، قلنا: هذه في نفسها كأم الأم والأم مقدمة على غيرها في الحضانة. ولهذا يجوز ميراثها من السدس وأصل الشفقة باعتبار الولادة، وذلك للجدات دون الأخوات. وعن مالك الخالة مقدمة على الجدة لأب. م: (لأنها من الأمهات، ولهذا تحرز ميراثهن السدس) ش: أي تحرز ميراث الأمهات. هذا إيضاح لكون أم الأب من الأمهات، أنها تحرز السدس في الميراث وهو ميراث الأم.
قال الأترازي: فيه نظر، لأن ميراث الأم إنما يكون هو السدس إذا كان معها ولد أو ولد الابن والإخوة ثنتان من الإخوة والأخوات. وهنا عند عدمهم أيضا، يكون للجدة السدس، وميراث الأم عند عدمهم ثلث الجميع أو ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين. م: (ولأنها) ش: أي ولأن أم الأب. م: (أوفر شفقة للأولاد) ش: أي لأجل الولادة. م: (فإن لم تكن له جدة، فالأخوات أولى من العمات والخالات، لأنهن) ش: أي الأخوات. م: (بنات الأبوين ولهذا قدمن في الميراث، وفي رواية) ش: أي في رواية كتاب الطلاق. م: (الخالة أولى من الأخت لأب لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ . م: «الخالة والدة» ش: هذا الحديث رواه البخاري عن البراء بن عازب في حديث طويل عن النبي ﷺ : «الخالة بمنزلة الأم» . رواه أبو داود من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 2983
وقيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] (يوسف: الآية ١٠٠) ، أنها كانت خالته. وتقدم الأخت لأب وأم، لأنها أشفق، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب، لأن الحق لهن من قبل الأم، ثم الخالات أولى من العمات ترجيحا لقرابة الأم، وينزلن كما نزلن الأخوات، معناه ترجيح ذات قرابتين، ثم قرابة الأم، ثم العمات ينزلن كذلك، وكل من تزوجت من هؤلاء يسقط حقها لما روينا.
ــ
[البناية]
بلفظ: «الخالة أم» . ورواه الطبراني من حديث أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الخالة والدة» ، وكذا رواه العقيلي من حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
م: (وقيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] (يوسف: الآية ١٠٠) أنها كانت خالته. وتقدم الأخت لأب وأم، لأنها أشفق، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب) ش: وبه قال المزني وابن شريح من الشافعية. وقال الشافعي: في الأصح تقدم الأخت لأب على الأخت من أم. وبه قال أحمد واعتبراه بقوة الميراث، ولنا ما أشار به المصنف بقوله. م: (لأن الحق لهن) ش: أي حق الحضانة. م: (من قبل الأم) ش: معناه أن ذات قرابتين ترجح على ذات قرابة واحدة لما فيها من زيادة الشفقة. وعند زفر: الأخت لأب وأم، والأخت لأم يستويان في الحضانة. م: (ثم الخالات أولى من العمات ترجيحا لقرابة الأم) ش: أي لأجل الترجيح لقرابة الأم، لأن الحضانة من قبل الأمهات. م: (وينزلن كما نزلت الأخوات) ش: يعني أن الخالة لأب وأم] أولى [من الخالة لأم أشار إليه بقوله. م: (معناه ترجيح ذات قرابتين، ثم قرابة الأم) ش: والخالة لأب وأم ذات قرابتين، والخالة لأم ذات قرابة واحدة. وعند الشافعي وأحمد: تقدم الخالة من الأب على الخالة من الأم. م: (ثم العمات ينزلن كذلك) ش: يعني أن العمة لأب وأم أولى من العمة لأم، ثم العمة لأم أولى من العمة لأب، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات بمعزل عن حق الحضانة؛ لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية.
كذا في " المحيط ": وفي " البدائع ": لا حق للرجال من قبل الأم في الحضانة، ولا يسلم إليهن إلا بطلبهن، بخلاف الأب عند استغناء الصغير يجبر على القبول. وفي " المنصوري ": ابن العم أولى بالذكر والخال أولى بالأنثى، وكل ذكر من قبل الأم لا حق له في الولد مع العصبة إلا الخال، مع ابن العم فينظر في النساء من كان من قبل الأم، وفي الرجل من كان من قبل الأم ويدفع الصغير إلى مولى العتاقة.
م: (وكل من تزوجت من هؤلاء) ش: يعني كل من تزوجت من النساء ممن كان لها حق الحضانة. م: (يسقط حقها لما روينا) ش: وهو قوله ﵇: «ما لم تتزوجي» وفيه خالف الحسن البصري، قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم إلا الحسن البصري، وهو رواية عن
стр. 2984
ولأن زوج الأم إذا كان أجنبيا يعطيه نزرا، وينظر إليه شزرا، فلا نظر. قال: إلا الجدة إذا كان زوجها الجد؛ لأنه قائم مقام أبيه، فينظر له. وكذلك كل زوج هو ذو رحم محرم منه لقيام الشفقة نظرا إلى القرابة القريبة. ومن سقط حقها بالتزوج يعود إذا ارتفعت الزوجية؛ لأن المانع قد زال فإن لم تكن للصبي امرأة من أهله، فاختصم فيه الرجل فأولاهم به أقربهم تعصيبا؛ لأن الولاية للأقرب، وقد عرف الترتيب في موضعين، غير أن الصغيرة لا تدفع إلى عصبة غير محرم، كمولى العتاقة وابن العم تحرزا عن الفتنة.
ــ
[البناية]
أحمد، فإن عندهما لا يسقط حقها بالتزوج. م: (ولأن زوج الأم إذا كان أجنبيًا يعطيه نزرًا) ش: أي يعطي الصغير شيئًا قليلًا، يقال شيء نزر، أي قليل ومادته نون وزاي وراء مهملة. م: (وينظر إليه شزرًا) ش: أي ينظر زوج الأم الأجنبي إلى الصغير بمؤخر عينيه، يقال شزره بعينه يشزره وشزره مشزرًا إذا نظر إليه بمؤخر عينيه، ومادته شين معجمة وزاي ثم راء، المقصود أن هذا عبارة عن قلة الشفقة على الصغير وقلة الالتفات إليه، ولهذا قال المصنف. م: (فلا نظر) ش: أي إذا كان حال زوج الأم الأجنبي هكذا فلا نظر منه على الصغير.
م: (قال) ش: أي القدوري. م: (إلا الجدة إذا كان زوجها الجد) ش: هذا استثناء من قوله سقط حقها، يعني إذا كانت الجدة متزوجة بالجد لا يسقط حقها، وإن كانت ذات زوج. م: (لأنه) ش: أي لأن الجد. م: (قائم مقام أبيه) ش: لقيامه مقام أبيه. م: (فينظر له، وكذلك كل زوج هو ذو رحم محرم منه) ش: أي من الولد، كعم الولد إذا تزوج بأمه لا يسقط حقها. م: (لقيام الشفقة نظرًا إلى القرابة القريبة) ش: أي بالنظر إلى القرابة. وهو العم. وإنما ينزع الولد من يد الأم إذا تزوجت بغير محرم. وإذا ارتدت أو خيف على الصبي. م: (ومن سقط حقها بالتزوج يعود) ش: أي حقها. م: (إذا ارتفعت الزوجية؛ لأن المانع قد زال) ش: والسبب قائم يعود الحق. وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وفي رواية عن مالك لا يعود والرجعي مانع حتى تنقضي عدتها عندنا، وبه قال المزني، وقال غيره من الشافعية: يعود بالطلاق الرجعي.
م: (فإن لم تكن للصبي امرأة من أهله، فاختصم فيه الرجال فأولاهم به) ش: أي أولى الرجال بإمساك الصبي. م: (أقربهم تعصيبًا) ش: أي من حيث التعصيب أي أقرب العصبات. م: (لأن الولاية للأقرب، وقد عرف الترتيب في موضعين) ش: في باب الميراث وولاية الإنكاح.
م: (غير أن الصغيرة لا تدفع إلى عصبة غير محرم) ش: هذا استثناء من قوله: فأولاهم أقربهم تعصيبًا، قيد بقوله الصغيرة، لأن الصغيرة تدفع إلى أقرب العصبات، سواء كان محرمًا أو غير محرم. م: (كمولى العتاقة وابن العم تحرزًا عن الفتنة) ش: لأنه لا يؤمن عليها منه، وكذلك ذو الرحم المحرم عن العصبة إذا لم يؤمن عليها منه لفسقه ومجونه لا تدفع إليه لأن في الدفع ضررًا بالصغيرة.
стр. 2985
والأم والجدة أحق بالغلام، حتى يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ويستنجي وحده. وفي " الجامع الصغير ": حتى يستغني فيأكل وحده، ويشرب وحده ويلبس وحده، والمعنى واحد؛ لأن تمام الاستغناء بالقدرة على الاستنجاء. ووجهه أنه إذا استغنى يحتاج إلى التأدب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقهم، والأب أقدر على التأديب والتثقيف. والخصاف ﵀ قدر الاستغناء بسبع سنين اعتبارا للغالب،
ــ
[البناية]
وقال الصدر الشهيد: وعند أبي حنيفة، إذا لم يكن عصبة للصغير يدفع إلى الأخ لأم، لأن عنده تقدم الأم ولاية. وقال في " تحفة الفقهاء ": وإن لم يكن للجارية من عصباتها غير ابن العم - والاختيار للقاضي - وإن رآه أصلح، يضم إليه، وإلا يوضع عند أمينة، وقال محمد: لا حق للذكر من قبل النساء، والتدبير إلى القاضي يدفع إلى ثقة يحضنها.
[الأحق بالولد]
م: (والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ويستنجي وحده) ش: وذكر في " نوادر ابن رشيد " ويتوضأ وحده، وتكلموا في المراد من الاستنجاء، من مشايخنا من قال: المراد به كمال الطهارة بأن يطهر وجهه وحده بالماء، بحيث لا يحتاج إلى من يعنيه ويعلمه. ومنهم من قال: المراد منه أن يطهر نفسه عن النجاسة، وإن كان لا يقدر على تمام الطهارة.
م: (وفي " الجامع الصغير ": حتى يستغني فيأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده) ش: ولم يذكر فيه الاستنجاء، وشرطه في" السير الكبير " وغيره. م: (والمعني واحد) ش: يعني ذكر الاستنجاء فيما مضي. وذكر الاستغناء في رواية " الجامع الصغير " في المعني واحد، وبين المصنف ذلك بقوله. م: (لأن تمام الاستغناء بالقدرة على الاستنجاء) ش: أي القدرة على الاستنجاء أن يمكنه أن يفتح سراويله عند الاستنجاء، ويشده عند الفراغ.
م: (ووجهه) ش: أي وجه ذكر الاستغناء. م: (أنه) ش: أي أن الصغير. م: (إذا استغنى يحتاج إلى التأدب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقهم. والأب أقدر على التأديب والتثقيف) ش: أي التسوية. م: (والخصاف) ش: وهو الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن عمر، من كبار علمائنا. وكان يروي عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف القاضي، وقال صاحب " الطبقات ": أحمد بن عمر، بضم العين، وقيل: عمرو، بالفتح ابن مهير، وقيل: مهران الشيباني. روى عن مشايخ بخارى مثل أبي عاصم النبيل، ومسدد " والقعنبي " وغيرهم، وله مصنفات كثيرة، وكان زاهدًا يأكل من كسب يده، فلذلك سمي خصافًا.. مات ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين.
م: (قدر الاستغناء بسبع سنين اعتبارًا للغالب) ش: لأنه إذا بلغ سبع سنين استغنى عن الحضانة غالبا، ويستنجي وحده وعليه الفتوى. كذا في " الكافي " وغيره، وقدره أبو بكر الرازي بتسع، وعند مالك: الأم أحق بالغلام حتى يحتلم. وقيل: حتى يثغر، أي حتى تبدو أسنانه،
стр. 2986
والأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض؛ لأن بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء، والمرأة على ذلك أقدر، وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ، والأب فيه أقوى وأهدى. وعن محمد ﵀ أنها تدفع إلى الأب، إذا بلغت حد الشهوة لتحقق الحاجة إلى الصيانة. ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدا تشتهى. وفي " الجامع الصغير ": حتى تستغني؛ لأنها لا تقدر على استخدامها، ولهذا
ــ
[البناية]
وعند الشافعي يخير الغلام في سبع، فإن اختار أحدهما وسلم إليه، ثم اختار الآخر. فله ذلك ورد إليه، فإن عاد واختار الأول أعيد إليه، هكذا أبدًا، قال في " المغني ": وهذا لم ينقل عن أحد من السلف، والمعتوه لا يخير ويكون عند الأم.
م: (والأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض؛ لأن بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء) ش: من الغزل والطبخ وغسل الثياب. م: (والمرأة على ذلك أقدر) ش: لأنها لو دفعت إلى الأب اختلطت بالرجال، فقل حياؤها، والحياء في النساء زينة. م: (وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ والأب فيه أقوى وأهدى) ش: لأنها بعد البلوغ تحتاج إلى التزويج، والأب فيه هو الأصل، وفي التحصين والحفظ الأب أقوى، لقدرته على ما لا تقدر عليه الأم، وأهدى إلى طريق معرفة ذلك لأنها تصير عرضة للفتنة، ومطمعًا للرجال والنساء يخدعنها.
م: (وعن محمد) ش: رواها هشام عنه. م: (أنها تدفع إلى الأب إذا بلغت حد الشهوة لتحقق الحاجة إلى الصيانة، والأب أقدر على هذا) ش: وفي " غياث المفتي " الاعتماد على رواية هشام لفساد الزمان. وإذا بلغت إحدى عشرة سنة، فقد بلغت حد الشهوة في قولهم، وعند الشافعي: إذا اختار الغلام أمه يكون عندها بالليل، وعند الأب بالنهار، والبنت أيهما اختارت تكون عنده ليلًا ونهارًا عند المالك. م: (ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدًا تُشتهى) ش: تكلموا في حد المشتهاة ليبني عليه ثبوت حرمة المصاهرة، وكون الأب أولى.
وقالوا: إذا كانت بنت خمس سنين وما دونه لم تكن مشتهاة، وإذا كانت بنت ست سنين أو ثمان سنين، ينظر إن كانت غيلة ضخمة، كانت مشتهاة، وإلا فلا. وقال الفقية أبو الليث: في " أيمان الفتاوى ": الغالب أنها لا تشتهى ما لم تبلغ تسع سنين. قال شمس الأئمة السرخسي: وبه نأخذ.
م: (وفي " الجامع الصغير ": حتى تستغني) ش: ذكر أولًا رواية القدوري أن الصغيرة تترك من سوى الأب والجدة إلى أن تشتهى، ثم ذكر رواية " الجامع الصغير " إلى أن تستغني، واستغناؤها أن تأكل وحدها وتلبس وحدها، فإذا بلغت إلى أن تشتهى واستغنت تدفع إلى الأب. م: (لأنها) ش: أي لأن من سوى الأم والجدة مثل الأخوات ونحوها. م: (لا تقدر على استخدامها) ش: أي على استخدام الصغيرة التي استغنت، وإن كانت تحتاج إلى تعلم آداب النساء. م: (ولهذا) ش: أي
стр. 2987
لا تؤاجرها للخدمة، فلا يحصل المقصود، بخلاف الأم والجدة لقدرتهما عليه شرعا.
وقال: والأمة إذا أعتقها مولاها، وأم الولد إذا أعتقت كالحرة في حق الولد؛ لأنهما حرتان أو أن ثبوت الحق، وليس لهما قبل العتق حق في الولد؛ لعجزهما عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى. والذمية أحق بولدها المسلم، ما لم يعقل الأديان أو يخاف أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك، واحتمال الضرر بعده،
ــ
[البناية]
ولأجل عدم قدرة من سوى الأم والجدة على استخدامها. م: (لا تؤاجرها) ش: أي الصغيرة. م: (للخدمة) ش: أي لأجل خدمة من كان يريد استخدامها. م: (فلا يحصل المقصود) ش: وهو التعليم. م: (بخلاف الأم والجدة لقدرتهما عليه) ش: أي على الاستخدام. م: (شرعًا) ش: أي من حيث الشرع بدليل الإجارة.
م: (قال) ش: أي القدوري. م: (والأمة إذا أعتقها مولاها، وأم الولد إذا أعتقت كالحرة في حق الولد) ش: وذلك بأن زوجهما مولاهما، ثم ولدتا، ثم عتقتا فكانتا أحق الولد من مولاهما لأن الخصومة هنا إنما تكون مع المولى، لأن الزوج لا حق له في الولد إذ الولد يتبع الأم في الملك ومالك المملوك أحق به من غيره، كذا في " الكافي "، واختلف المالكية في أم الولد إذا أعتقت مع اتفاقهم على ثبوت الأم، ذكره في " الجواهر ".
م: (لأنهما) ش: أي الأمة وأم الولد اللتين أعتقا. م: (حرتان) ش: فكانتا أحق بالولد من مولاهما. م: (أو أن ثبوت الحق) ش: أي وقت ثبوت الحق.
م: (وليس لهما قبل العتق حق في الولد؛ لعجزهما عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى) ش: وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأحمد. وعند مالك: تثبت الحضانة للرقيق.
م: (والذمية أحق بولدها المسلم، ما لم يعقل الأديان) ش: فإن عقل الأديان يؤخذ منها، ويدفع إلى الأب، وبه قال مالك في المشهور وأبو القاسم وأبو ثور، وتمنع أن تغذيه بالخمر ولحم الخنزير، وإن خيف ضم إليه ناس من المسلمين. وقال الشافعي وأحمد: لا حضانة لها وهي رواية عن مالك. م: (أو يخاف أن يألف الكفر) ش: أي بأن يألف الكفر، فأن مصدرية، أي يخاف ألفة الكفر. وأما قوله: أو يخاف، فيجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: النصب على تقدير: إلى أن يخاف. كما في قوله: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي إلى أن تعطيني.
الثاني: الرفع على أنه استئناف؛ أي هو يخاف.
الثالث: الجزم عطفا على قوله ما لم يعقل فيقر أو يخاف.
م: (للنظر قبل ذلك) ش: أي الذمية أحق بولدها المسلم لأجل النظر في حق الصغير، قبل أن يعقل الأديان، وقبل أن يخاف عليه من فتنة الكفر (واحتمال الضرر بعده) أي ولأجل احتمال
стр. 2988
ولا خيار للغلام والجارية. وقال الشافعي ﵀: لهما الخيار لأن النبي ﵇ خير.
ــ
[البناية]
حصول الضرر بعده، بانتقاش أحوال الكفر في ذهنه بعد أن يعقل الأديان. م: (ولا خيار للغلام والجارية) ش: يعني بين الأبوين بأن يكون الولد عند الأم ما لم تزوج بزوج آخر إلى المدة التي ذكرناها، وبه قال مالك.
م: (وقال الشافعي لهما الخيار) ش: إذا بلغا من التمييز يسلم إلى من اختاره، وبه قال أحمد. م: (لأن النبي ﷺ خير) ش: أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن هلال بن أسامة «عن أبي ميمونة، سليم، ويقال: سلمان مولى من أهل المدينة، رجل صدوق. قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إذ جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، فادعياه، وقد طلقها زوجها. فقالت: يا أبا هريرة - ورطنت بالفارسية - زوجي يريد أن يذهب بابني. فقال أبو هريرة: استهما عليه - ورطن لها بذلك -. فجاء زوجها وقال: من يحاقني في ولدي! فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت "امرأة جاءت إلى رسول ﷺ وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ : استهما عليه. فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به» . وجه الاستدلال: هو أنه ﷺ خيره بقوله «هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت» . قوله: رطنت، من الرطانة - بفتح الراء وكسرها - وهي كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو ثلاثة، والعرب تخص بها غالبًا كلام أعجم. قوله: من بئر أبي عنبة، بكسر العين المهملة، وفتح النون وبالباء الموحدة، وهي بئر معروف بالمدينة. عندما عرض رسول الله ﷺ أصحابه لما سار إلى بدر. قوله: يحاقني بالحاء المهملة وبالقاف. أي من ينازعني؟ واستدل الشافعي أيضًا بحديث رافع بن سنان وهو الذي ذكره المصنف. وأجاب عنه على ما يأتي. أخرجه أبو داود والنسائي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده «رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاءت بابن لهما صغير لم يبلغ، فأجلس النبي ﷺ الأب هاهنا والأم هاهنا ثم خيره، وقال: "اللهم اهده"، فذهب إلى أمه. ولفظ أبي داود: أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فطيم، وقال
стр. 2989
ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة بتخليته بينه وبين اللعب، فلا يتحقق النظر. وقد صح أن الصحابة ﵃ لم يخيروا. وأما الحديث فقلنا قد قال ﷺ : " اللهم اهده " فوفق لاختياره الأنظر بدعائه ﵇
ــ
[البناية]
رافع: ابنتي، فأقعد النبي ﷺ الأم ناحية، والأب ناحية وأقعد الصبي بينهما، وقال لهما: "ادعواها" فمالت الصبية إلى أمها، فقال ﵇: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها، فأخذها» وأخرجه أحمد في "مسنده " ولفظه في: ولد صغير. م: (ولنا أنه) ش: أي أن الصغير. م: (لقصور عقله يختار من عنده الدعة) ش: بفتح الدال والعين المهملة أي الراحة والخفض والهاء فيه عوض عن الواو لأنه من ودع الرجل بالواو وضم الدال، فهو وديع أي ساكن، وهو من باب فعل يفعل بضم العين فيهما كحسن يحسن. م: (بتخليته بينه وبين اللعب) ش: أي بسبب تخلية من عنده الدعة بين الصبي وبين اللعب. م: (فلا يتحقق النظر) ش: وعدم تحقق النظر على الصبي إذا اشتغل باللعب ظاهر. م: (وقد صح أن الصحابة لم يخيروا) ش: لم يتعرض إليه أحد من الشراح. وقد روى مالك والبيهقي «عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه دفع الغلام لأمه لما اختصم فيه عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وأمه، قال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا توله والدة عن ولدها» ، أي لا يفرق بينهما، وكل أنثى فارقت ولدها فهي والهة وقد ولهت تله ولها فهي والهة وواله، والوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، والمصنف احتج بهذا، ومع هذا ورد ما يخالف هذا، روى عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا ابن جريج أن عبد الله بن عمر يقول: اختصم أب وأم في ابن لهما إلى عمر ﵁ فخيره فاختار أمه فانطلقت به، روى ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أنه خير غلاما بين أبيه وأمه.
م: (وأما الحديث) ش: أشار به إلى الحديث الذي استدل به الشافعي، وهو قوله: لأن النبي ﷺ خيره، وأشار به إلى الجواب عنه، فقال. م: (فقلنا قد قال ﷺ : «اللهم اهده» فوفق لاختياره الأنظر بدعائه ﵇) ش: هذا جواب عما استدل به الشافعي في حديث التخيير؛ بيانه
стр. 2990
أو يحمل على ما إذا كان بالغا.
ــ
[البناية]
أنه لو كان للتخيير اعتبار، لم يقل النبي ﷺ : «اللهم اهده» فوفق لاختياره الأنظر في حقه ببركة دعائه ﵇، ولم يوجد ذلك فيما نحن فيه. م: (أو يحمل على ما إذا كان بالغًا) ش: هذا جواب ثان عن حديث الشافعي، ولكن ليس بموجه ولا يرضي الخصم لأنه صرح فيه فجاء بابن لهما صغير لم يبلغ وهو في حديث رافع بن سنان الذي مضى عن قريب.
وفي رواية أخرجها أبو داود «عن رافع بن سنان، ولفظه: أنه أسلم وأبت امرأته فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فطيم، وقال رافع: ابنتي. وأقعد النبي ﷺ الأم ناحية والأب ناحية، فأقعد الصبية بينهما، وقال لهما: "ادعواها"، فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي ﷺ : "اللهم اهدها"، فمالت إلى أبيها وأخذها» انتهى، وهذا إيضاح صرح فيه بالصبية وأنها فطيم فكيف يكون الولد غالبًا؟ والمعني أن أصحابنا قصروا في هذا الباب حيث يستدل الخصم بالأحاديث الصحيحة، وهم يستدلون بالدليل العقلي.
وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأربعة أجوبة: الأول: أنه ﵇ أمر إما بالاستهام وهو متروك بالإجماع، والثاني: لم يذكر فيه الطلاق، وقولها: إن زوجي، دليل على قيام النكاح، والثالث: ليس فيه سبع سنين، والخصم يشترط التخيير في سبع سنين، والرابع: أن بئر أبي عنبة كانت بالمدينة، ولا يمكن للصغير أن يسقي منها، ولا يخلو الكل عن تأمل، واعلم أن الابن إذا بلغ يخير بين أبويه. فإن أراد أن ينفرد فله ذلك، إلا إذا كان فاسقا يمضي عليه شيء، فحينئذ يضمه الأب إلى نفسه، لأنه أقدر على صيانته، أما الجارية فإن كانت بكرا يضمها إلى نفسه سواء كانت مأمونة أو غير مأمونة.
فإن كانت ثيبًا مأمونة ليس له أن يجبرها حتى تكون معه لزوال ولايته عنها كذا في نسخ " الفتاوى " وغيرها قاله الأترازى. وفي " الكافي " اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج، فالخلع جائز والشرط باطل.
стр. 2991
فصل وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك؛ لما فيه من الإضرار بالأب، إلا أن تخرج به إلى وطنها، وقد كان الزوج تزوجها فيه؛ لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا. قال ﷺ : «من تأهل ببلدة فهو منهم» ،
ــ
[البناية]
[فصل في بيان حكم من يريد إخراج الصغيرة إلى القرى]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان حكم من يريد إخراج الصغيرة إلى القرى، وبين ذلك بقوله في فصل على حدة.
م: (وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك) ش: هذا بعد انقضاء عدتها، فإنه صرح به في " جامع قاضي خان " وغيره. م: (لما فيه من الإضرار بالأب) ش: أي في الخروج بالولد لانقطاع ولده عنه. م: (إلا أن تخرج به) ش: بولدها من المصر. م: (إلى وطنها) ش: هذا استثناء من قوله: فليس لها ذلك. م: (وقد كان الزوج) ش: أي والحال أن الزوج. م: (تزوجها فيه) ش: أي في وطنها. م: (لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا) ش: أما العرف فلأن الزوج يقيم في البلد الذي يتزوج فيه عادة، إلا أنه يلزمها متابعة الزوج إذا أعطاها جميع المهر رضيت بذلك أو لم ترض. فبعد زوال الزوجية يعود الأمر الأول.
وأما شرعًا: فلأن العقد متى وجد في مكان العقد، والأولاد من ثمرات عقد النكاح، فيجب إمساكها في موضع العقد، بخلاف ما إذا أراد النقل إلى مصر ليس هو مصرها، ولم يكن ثمة أصل النكاح، ليس لها أن تنقل الأولاد، وكذا إذا أرادت الانتقال بالأولاد إلى مصرها، لكن ثمة أصل النكاح لعدم دليل العرف والشرع.
م: (قال ﷺ ) ش: أي قال النبي ﷺ . م: «من تأهل ببلدة فهو منهم» ش: لم يتعرض أحد من الشراح لهذا الحديث، ولا بمجرد ذكره. روى هذا الحديث ابن أبي شيبة في "مصنفه "، حدثنا المعلى بن منصور عن عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه «أن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صلى بمنى أربعًا، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من تأهل في بلدة فهو من أهلها يصلي بصلاة المقيم، وإني تأهلت منذ قدمت مكة» .
ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده " كذلك، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله، وإنما أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها» . ورواه أحمد في "مسنده "، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تأهل في بلد فليصل صلاة مقيم» .
واستدل به المصنف لقوله لأنه اليوم المقيم فيه شرعًا، حاصله أن الرجل إذا تزوج امرأة في
стр. 2992
ولهذا يصير الحربي به ذميا. وإن أرادت الخروج إلى مصر غير وطنها، وقد كان التزوج فيه، أشار في الكتاب إلى أنه ليس لها ذلك. وهذه رواية كتاب الطلاق. وذكر في " الجامع الصغير " أن لها ذلك؛ لأن العقد متى وجد في مكان فيه يوجب أحكامه فيه كما يوجب البيع التسليم في مكانه.
ــ
[البناية]
بلد هو وطن المرأة يكون من أهل ذلك البلد.
م: (ولهذا يصير الحربي به) ش: أي بالتزوج. قاله الأترازي والأكمل. م: (ذميًا) ش: وقال تاج الشريعة: الضمير يرجع إلى التزام المقام. وبيانه أنه لما استدل بقوله التزم المقام عرفًا وشرعًا، فلقائل أن يقول هب أنه التزم المقام. فلماذا يصير مقيمًا؟ فيجاب عنه بأنه لالتزام المقام أثر، ولهذا يصير الحربي ذميًا. قيل: هذا خلاف المفهوم من كلامه. وقال " صاحب النهاية ": هذا وقع غلطًا، أي قوله: ولهذا يصير الحربي به ذميًا. فإنه ذكر في غير هذا الكتاب أن المستأمن إذا تزوج ذمية لا يصير ذميًا، لأنه يمكنه أن يطلقها ويرجع. وقد وجدت بخط شيخي: ليس في النسخة التي قوبلت بنسخة المصنف هذه الجملة.
وقال الأترازي: ونقل عن الإمام حافظ الدين الكبير، أن هذه الجملة ليست في النسخة التي قوبلت مع نسخة المصنف، فعلى هذا يكون السهو من الكاتب، لأنه قال في " السير الكبير " بعد كتاب الحدود في أرض الحرب بباب: وإذا دخلت المرأة من أهل الحرب دار الإسلام بأمان وهي كتابية، فتزوجها ذمي أو مسلم فقد صارت ذمية لأن لزوجها أن يمنعها عن العود إلى دار الحرب، فكان الإقدام على النكاح مع علمها أن لزوجها أن يمنعها عن العود إلى دار الحرب رضا منها بالمقام في دار الإسلام.
وأما الحربي إذا تزوج ذمية لا يصير ذميًا؛ لأن المرأة ليس لها أن تمنع زوجها من دار الحرب، انتهى.
وغير بعضهم لفظ الحربي بلفظ الحربية حتى ترد السؤال. وقال بعضهم: لا حاجة إلى تغيير اللفظ لجواز أن يكون الحربي صفة لشخص؛ أي الشخص الحربي ذكرًا كان أو أنثي. قلت: هذا بعيد جدًا.
م: (وإن أرادت الخروج إلى مصر غير وطنها) ش: صفة المصر. م: (وقد كان التزوج فيه) ش: أي والحال إن تزوج الزوج فيه أي في مصر غير وطنها. م: (أشار في الكتاب) ش: أي القدوري، وقيل: المراد به " المبسوط ". م: (إلى أنه ليس لها ذلك، وهذه رواية كتاب الطلاق) ش: من الأصل.
م: (وذكر) ش: أي محمد. م: (في " الجامع الصغير " أن لها ذلك؛ لأن العقد متى وجد في مكان فيه) ش: أي في ذلك المكان. م: (يوجب أحكامه فيه كما يوجب البيع التسليم في مكانه) ش: أي
стр. 2993
ومن جملة ذلك حق إمساك الأولاد. وجه الأول: أن التزوج في دار الغربة ليس التزاما للمكث فيه عرفا، وهذا أصح. والحاصل: أنه لا بد من الأمرين جميعا، الوطن ووجود النكاح، وهذا كله إذا كان بين المصرين تفاوت. أما إذا تقاربا بحيث يمكن للوالد أن يطالع ولده ويبيت في بيته فلا بأس به. وكذا الجواب في القريتين، ولو انتقلت من قرية المصر إلى المصر لا بأس به؛ لأن فيه نظرا إلى الصغير حيث يتخلق بأخلاق أهل المصر، وليس فيه ضرر بالأب، وفي عكسه ضرر بالصغير، لتخلقه بأخلاق أهل السواد فليس لها ذلك.
ــ
[البناية]
تسليم المعقود عليه في موضع العقد.
م: (ومن جملة ذلك حق إمساك الأولاد) ش: لأن الأولاد من ثمرات النكاح فيوجب إمساكها في موضع العقد. م: (وجه الأول) ش: أراد به قوله ليس لها ذلك وهو رواية كتاب الطلاق. م: (أن التزوج في دار الغربة ليس التزاما للمكث فيه عرفًا) ش: أي من حيث العرف أراد بأن العرف لم يجر بأن يكون للتزوج في دار الغربة التزامًا للإقامة. م: (وهذا أصح) ش: أي الوجه الأول هو الأصح.
م: (والحاصل أنه لا بد من الأمرين جميعا الوطن ووجود النكاح) ش: أي لانتقال الأم بالأولاد الصغار، ولا بد من وجود أمر آخر وهو أن تريد الانتقال إلى دار الحرب، فإنه ذكر في " شرح كتاب الطحاوي ": ولو أرادت الانتقال إلى دار الحرب، وإن كان أصل النكاح وقع هناك في حربية بعد أن يكون زوجها مسلما أو ذميا، ليس لها ذلك، ولو كان كلاهما حربيين فلهما ذلك. م: (وهذا كله) ش: أي هذا الذي ذكرناه كله. م: (إذا كان بين المصرين تفاوت) ش: أراد به البعد بحيث لا يمكن للأب رجوعه إلى بيته في يوم مطالعة أولاده. م: (أما إذا تقاربا) ش: أي المصران. م: (بحيث يمكن للوالد أن يطالع ولده ويبيت في بيته فلا بأس به، وكذا الجواب في القريتين) ش: يعني إذا كانت قريبتين بحيث يمكن للأب مطالعة الأولاد في يومه، فلها ذلك وإلا فلا.
م: (ولو انتقلت من قرية المصر إلى المصر لا بأس به؛ لأن فيه نظرًا إلى الصغير، حيث يتخلق بأخلاق أهل المصر، وليس فيه ضرر بالأب، وفي عكسه) ش: وهو الانتقال من المصر إلى القرية. م: (ضرر بالصغير لتخلقه بأخلاق أهل السواد فليس لها ذلك) ش: أي ليس لها أن تنقل الصغار من المصر إلى القرية، إلا إذا وقع العقد فيها فحينئذ لها ذلك. ذكره في " شرح الطحاوي " وفي " فتاوى البقالي ": ليس لها ذلك بحال، وقع العقد هناك أو لا.
فروع: لو جاءت بصبي، وقالت: هذا ابن بنتي وقد ماتت، فأعطني نفقته، فقال: إنها لم تمت وهي في منزلي، وأراد أخذه منها لم يكن له ذلك حتى يعلم القاضي أمه، فيجيء بها، فيأخذه منها. وإن جاء بامرأة، وقال: هذه بنتك وهي أمه، وقالت: ابنتي ماتت، فالقول للزوج؛ لأن الفراش لهما، قال الأب: هو ابن ست سنين، وقالت: ابن سبع، إن كان يأكل وحده ويلبس وحده دفع إليه وإلا فلا.
стр. 2994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولو ادعى التزوج عليها بأخرى وأنكرت، فالقول لها. ولو قالت: طلقني وعاد حقي، إن لم تعين الزوج فالقول لها، وإن عينت لا يقبل قولها في الطلاق. وإن كان معسرًا فقالت العمة: أنا أولى بغير أجر، والأم طلبت أجره، فالعمة أولى، وهو الصحيح.
стр. 2995
باب النفقة قال: النفقة واجبة للزوجة على زوجها، مسلمة كانت أو كافرة، إذا أسلمت نفسها في منزله فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها. والأصل في ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (البقرة: الآية ٢٣٣) ،
ــ
[البناية]
[باب النفقة] [حكم النفقة للزوجة]
م: (باب النفقة) ش: أي: هذا باب في بيان أحكام النفقة، وهي اسم بمعنى الإنفاق، وهي عبارة عن الإدرار على الشيء بما به بقاؤه. والنفقة تجب بأسباب الزوجية، ومنها النسب ومنها الملك، والكل يجيء بيانه على الترتيب مشتملا على ذكر فصول على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
م: (قال) ش: أي القدوري. م: (النفقة واجبة للزوجة على زوجها، مسلمة كانت أو كافرة. إذا أسلمت نفسها في منزله فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها) ش: أي في منزل الزوج. قال الأقطع في "شرحه ": تسليمها نفسها شرط في وجوب النفقة ولا خلاف في ذلك. وقال الأترازي: فعلم بهذا إذا ادعى بعض الشراح للهداية، بقوله: هذا الشرط ليس بلازم في ظاهر الرواية.
فإنه ذكر في " المبسوط " وهو ظاهر الرواية بعد صحة العقد، النفقة واجبة لها وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج. ألا ترى أن الزوج لو لم يطلب انتقالها إلى بيت الزوج جاز لها أن تطالبه بالنفقة. وقال في " الإيضاح ": وهذا لأن النفقة حق المرأة والانتقال حق الزوج فإذا يطالبها بالنفقة، فقد ترك حقه وهذا لا يوجب بطلان حقها.
وقال في " النهاية ": وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحق النفقة إذا لم تزف إلى بيت زوجها. والفتوى على جواب الكتاب، وهو وجوب النفقة وإن لم تزف فإن كان الزوج قد طالبها بالنفقة، وإن لم تمتنع من الانتقال إلى بيت زوجها فلها النفقة أيضًا، وأما إذا كان الامتناع بحق بأن امتنعت لتستوفي مهرها، فلها النفقة أيضًا، وإن كان الامتناع بغير حق، بأن كان أوفاها المهر، أو كان المهر مؤجلا أو وهبته منه، فلا نفقة لها، فكل من كان محبوسا لغيره بحق مقصود، كانت نفقته عليه.
م: (والأصل في ذلك) ش: أي في وجوب النفقة. م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧)) ش: أمر بالإنفاق، والأمر للوجوب، والسعة: القدرة. م: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (البقرة: الآية ٢٣٣)) ش: المولود له هو الأب، ورزقهن: الأمهات، قَوْله تَعَالَى: ﴿بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي بالوسط. وقال الزجاج في تفسيره: مما تعرفون أنه العدل على قدر الإمكان، وكلمة "على" للإيجاب.
стр. 2996
وقوله ﷺ في حديث حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» ؛ ولأن النفقة جزاء الاحتباس، فكل من كان محبوسا بحق مقصود لغيره، كانت نفقته عليه، وأصله القاضي والعامل في الصدقات، وهذه الدلائل لا فصل فيها، فتستوي فيها المسلمة، والكافرة. ويعتبر في ذلك حالهما جميعا، قال: وهذا اختيار الخصاف وعليه الفتوى.
ــ
[البناية]
م: (وقوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ . م: (في حديث حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» ش: هذا الحديث رواه مسلم عن جابر بن عبد الله، وهو حديث طويل جدًا، وفيه: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ... » الحديث أخرجه مسلم في باب حجة الوداع.
م: (ولأن النفقة جزاء الاحتباس) ش: أي احتباس المرأة عند الرجل. م: (فكل من كان محبوسًا بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه) ش: لا يقال يرد على هذا نفقة الرهن، فإنها على الراهن مع أنه محبوس بحق المرتهن، لأنا نقول سلمنا أنه محبوس عند المرتهن ولكن لا نسلم أنه محبوس بحق هو مقصود للمرتهن فحسب. فإنه كما يحصل مقصود المرتهن يحصل مقصود الراهن أيضًا. ألا ترى أنه إذا هلك، هلك الدين الذي على الراهن مضمونًا بأقل من قيمته ومن الدين، لكن على هذا كان ينبغي أن تجب النفقة عليهما جميعًا، إلا أن النفقة لما كانت لبقية الرهن وهو على ملك الراهن، وجبت عليه خاصة كالوديعة يجب نفقتها على صاحب المال.
و: (وأصله) ش: أي أصل من كان محبوسا لمنفعة ترجع إلى غير. م: (القاضي والعامل في الصدقات) ش: لأنهما حبسا أنفسهما لمصالح المسلمين فيجب كفايتهما، وكذلك المفتي والمتولي والوصي والمضارب إذا سافر بمال المضاربة والمقاتلة إذا قاموا بكفاية المسلمين في دفع عدوهم يجب كفايتهم. م: (وهذه الدلائل) ش: أشار به إلى ما ذكره من الكتاب والسنة، وقال الأترازي: أي الآيات الدالة على وجود النفقة والدليل العقلي.. م: (لا فصل فيها) ش: أي لا فرق فيها بل على إطلاقها. م: (فتستوي فيها المسلمة والكافرة) ش: والغنية والفقيرة، والموطوءة وغير الموطوءة، والمنتقلة إلى بيت زوجها وغير المنتقلة. م: (ويعتبر في ذلك حالهما جميعًا) ش: أي حال الزوجين. وهذا لفظ القدوري.
م: (قال) ش: أي المصنف. م: (وهذا اختيار الخصاف وعليه الفتوى) ش: أي على اختيار الخصاف الفتوى. وظاهر الرواية عن أصحابنا اعتبار حال الرجل في اليسار والإعسار دون حال المرأة. وبه صرح محمد في الأصل والحاكم في " الكافي " وصاحب " الشامل " في قسم المبسوط، والإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي "، وإليه ذهب الكرخي وكثير من مشايخنا المتأخرين، كصاحب " التحفة " وصاحب " النافع " وغيرهم، وهو قول الشافعي.
стр. 2997
وتفسيره أنهما إذا كانا موسرين تجب نفقة اليسار. وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار. وإن كانت المرأة معسرة والزوج موسرا، فنفقتها دون نفقة الموسرات وفوق نفقة المعسرات. وقال الكرخي ﵀: يعتبر حال الزوج، وهو قول الشافعي ﵀؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧) . ووجه الأول قوله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
ــ
[البناية]
م: (وتفسيره) ش: أي تفسير قول الخصاف. م: (أنهما) ش: أي أن الزوجين. م: (إذا كانا موسرين تجب نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار) ش: أي تجب نفقة الإعسار. م: (وإن كانت المرأة معسرة والزوج موسرًا) ش: أي وكان الزوج موسرا. م: (فنفقتها دون نفقة الموسرات وفوق نفقة المعسرات) ش: وفي " الذخيرة ": بيانه: إذا كان الزوج موسرًا بفرط اليسار نحو أن يأكل الحلوى واللحم المشوي والباحات، والمرأة فقيرة كانت تأكل في بيتها خبز الشعير، لا يؤخذ الزوج بأن يطعمها ما يأكل بنفقته، ولا ما كانت المرأة تأكل في بيتها، ولكن يطعمها فيما بين ذلك، ويطعمها خبز البر، وباحة وباحتين، فهذا معنى اعتبار حالهما.
وأما إذا كان الزوج معسرًا والمرأة موسرة، لم يذكر المصنف هذا القسم، قال الأترازي: لا أدري كيف ذهب عنه، ولا بد من ذكره، فقال الخصاف في كتابه: يفرض له نفقة صالحة، يعني وسطا، فيقال له: تكلف إلى أن تطعمها خبز البر وباحة وباحتين، كي لا يلحقها الضرر.
وقال الأترازي: هذا التكليف تكليف ما ليس في الوسع، فلا يجوز. قال الإمام السرخسي: لم يذكر صاحب الكتاب أنه يؤاكلها؛ يعني الخصاف لم يذكره في كتاب النفقات، ثم قال: ولكن مشايخنا قالوا المستحب له أن يؤاكلها لأنه مأمور بحسن العشرة معها، وزاد في أن يؤاكلها ليكون نفقتها ونفقته سواء.
م: (وقال الكرخي: يعتبر حال الزوج، وهو قول الشافعي؛ لقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧)) ش: وهو ظاهر الرواية، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧) بين أن التكليف بحسب الوسع وأن النفقة على حسب حاله.
ولما زوجت نفسها من معسر، فقد رضيت بنفقة المعسرين، فلا يستوجب على الزوج إلا بحسب الزوج وحاله.
م: (ووجه الأول) ش: أي وجه اعتبار حالهما وهو اختيار الخصاف. م: (قوله ﷺ ) ش: أي «قول النبي ﷺ . م: (لهند امرأة أبي سفيان: خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف) » ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة غير الترمذي عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أن هندًا أم معاوية قالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال ﵇: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
стр. 2998
اعتبر حالها، وهو الفقه. فإن النفقة تجب بطريق الكفاية. والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات، فلا معنى للزيادة. وأما النص فنحن نقول بموجبه أنه يخاطب بقدر وسعه، والباقي دين في ذمته،
ــ
[البناية]
م: (اعتبر حالها) ش: أي اعتبر ﵇ حال المرأة، ولقائل أن يقول هذا الدليل غير مطابق للمدعى، وهو الاعتبار بحالها.
والحديث يدل على اعتبار حالها، وأما اعتبار حاله فالآية تدل عليه، والخصم يدل عليه، فإذا الآية تدل على اعتبار حاله والحديث على اعتبار حالها، فوجب الجمع بينهما بأن يكون حاله معتبرة من جهة وحالها كذلك.
فإن قيل: هذا على تقدير التعارض والحديث لا يعارض الآية لكونه من الأحاديث، فالجواب أن الحديث تفسير لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (البقرة: الآية ٣٣٣) ، فتكون المعارضة حينئذ بين الآيتين فيجمع بينهما. م: (وهو الفقه) ش: أي اعتبار حال المرأة هو الفقه؛ أي هو الذي يفهم من الدلائل.
وأشار بهذا إلى أنه اختار قول الخصاف حيث اعتبر حالهما، لكن ذكر الدليل من جهة نفسه لما اختاره، وإنما قلنا من جهة نفسه لئلا يرد عليه اعتراض الأترازي حيث قال: قوله. م: (فإن النفقة) ش: قوله فلا معنى للزيادة وفيه نظر، لأنه ما بقي بين الدليل والمدلول مطابقة، لأن صاحب " الهداية " أورده دليلًا لقول الخصاف وقول الخصاف اعتبار حال المرأة وحدها، انتهى.
ونحن نقول: اختيار المصنف ما اختاره الخصاف، ولكن دليله من جهة ويرد ما ذكره، ثم بين ذلك بقوله لأن النفقة. م: (تجب بطريق الكفاية، والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة) ش: يعني عن كفايتها نظرا إلى حال الزوج، ثم أجاب عن قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧) ، بقوله. م: (وأما النص فنحن نقول بموجبه) ش: أي بموجب النص وهو. م: (أنه يخاطب بقدر وسعه) ش: لئلا يلزم التكليف بما ليس بالوسع، لكن زاد كفايتها على ما في وسعه يكون دينًا عليه، وهو معنى. م: (والباقي دين في ذمته) ش: عملا بالدليلين، ولا يؤديه مع العجز.
واعترض الأترازي على المصنف بقوله: وهذا لا يكون جوابا لما ذهب إليه الكرخي من ظاهر الرواية، لأن نص القرآن لا يثبت الزيادة على نفقة الإعسار، فمن أين يثبت الزيادة بموجب النص حتى يكون دينًا عليه؟ انتهى.
قلت: المصنف لم يثبت الزيادة بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (الطلاق: الآية ٧) حتى ... ما قال، وإنما أثبت الزيادة بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (البقرة: الآية ٢٣٣) الآية، وفيما قاله عملًا بالدليلين، وهذه الآية تدل على وجوب كفايتهن بكلمة
стр. 2999
ومعنى قوله: "بالمعروف": الوسط، وهو الواجب، وبه يتبين أنه لا معنى للتقدير كما ذهب إليه الشافعي ﵀ أنه على الموسر مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف مد؛
ــ
[البناية]
على غير أنه إذا عجز عن الكفاية لا يكلف في الحال بل الزيادة على الكفاية في ذلك الوقت يكون دينا عليه، والعمل بالنص أولى من ترك أحدهما.
م: (ومعنى قوله «بالمعروف» الوسط) ش: أي قوله ﵇ «بالمعروف في قوله لهند امرأة أبي سفيان: "خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، وكذا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (البقرة: الآية ٢٣٣) الآية الوسطى. م: (وهو الواجب) ش: أي الوسط هو الواجب، وفي " المبسوط ": يجب على القاضي اعتبار الكفاية بالمعروف فيما فرض في كل وقت وزمان.
فكما يفرض لهما قدر الكفاية من الطعام، فكذلك من الإدام لأن الخبز لا يتناول عادة إلا مأدومًا، وجاء في تأويل قوله : ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (المائدة: الآية ٨٩) ، أنه أعلى ما يطعم الرجل امرأته الخبز واللحم وأوسطه الخبز والزيت وأدناه الخبز واللبن، وأما الدهن يُستغنى عنه خصوصًا في زيادة الحر فهو من أهول الحوائج كالخبز.
م: (وبه) ش: أي وبالمعروف المذكور في القرآن والحديث. م: (يتبين أنه لا معنى للتقدير) ش: أي في تقدير النفقة. م: (كما ذهب إليه) ش: أي إلى التقدير. م: (الشافعي أنه) ش: أي التقدير. م: (على الموسر مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف مد) ش: المد بالضم وتشديد الدال رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، ورطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق، وقيل: إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا.
وقال الماوردي في " الحاوي " ما ملخصه: إن الأصل في اعتبار الحب في النفقة الكفارات؛ لأنه طعام يقصد به في الحرمة ويستقر في الذمة وفي النكاح عليه تمليكها حبًا، وعليه طحنه وخبزه في الأصح، ويجوز الاعتياض في الأصح إلا دقيقا وخبزا على المذهب، ولو أكلت معه سقطت نفقتها في الأصح وفي " المغني ": إيجاب الحب تحكم، فإن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير قيد ولا تقدير، فيجب أن يرد إلى العرف والعادة وذلك في الطعام دون الحب.
وما بلغنا عن أحد السلف أنه أطعم زوجته حبًا ولا حكم بذلك الحاكم، وقد تركوا قوله في جميع البلاد الإسلامية على تقدير مد ... على الأكابر.
وعن مالك: يفرض بمد تمر وإن كان كل يوم.
وهو مد وثلث بمد النبي ﷺ ، قال ابن حبيب: أخذه هشام بن إسماعيل بغرض نفقة الزوجات ما استحسنه مالك، وهو ظاهر خلاف مذهبه، ومذهبنا ما ذكره علماؤنا، فقال في مختصر شرح
стр. 3000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
"الكافي " للحاكم الشهيد: إذا كان الرجل صاحب مائدة وطعام كثير، تتمكن من تناول مقدار كفايتها، فليس لها أن تطالب الزوج بفرض النفقة، وإن يكن بهذه الصفة، فخاصمت في النفقة يفرض لها بالمعروف، وهو فوق التقتير، دون الإسراف، رعاية للجانبين.
ولا تقدر النفقة بالدراهم؛ لأن المقصود الكفاية، وقد يرخص السعر ولا يغلو، فلا يحصل المقصود، فكما يفرض لها الطعام بقدر الكفاية كل يوم يفرض الإدام أيضا؛ لأن الخبز لا يتناول إلا مأدوما عادة، وكذلك يفرض الدهن لأنه لا يُستغنى عنه.
وقال في الأقضية: لا إدام إلا على اللحم والأوسط الزيت والأدنى اللبن والحطب والصابون والأشنان، وثمن ماء الاغتسال عليه، كذا في " خلاصة الفتاوى " ويفرض لها من الكسوة ما يصلح للشتاء والصيف.
ففي الشتاء قميص وملحفة وخمار وكساء كأرخص ما يكون كفايتها بما دونها، إن كان الرجل معسرا ولا كساء في الصيف، وإن كان موسرا فأجود من ذلك على قدر اليسار والخادم قميص وإزار وكساء كأرخص ما يكون ولا كساء في الصيف، وإن كان الرجل موسرا فأجود ما يكون من ذلك.
وقال محمد: في الأصل من التقدير بالدراهم بقوله: إن كان معسرًا فرض لها من النفقة كل شهر أربعة دراهم أو خمسة أو ما بين ذلك، ولخادمها ثلاثة دراهم وأقل من ذلك أو أكثر، وإن كان موسرًا، عليه للمرأة ثمانية دراهم أو سبعة أو نحو ذلك، ولخادمها ثلاثة دراهم أو أربعة أو نحو ذلك، فذاك ليس بتقدير لازم، بل هو بناء على ما شاهده محمد في ذلك الوقت من عرف زمانه، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي في شرح "الكافي " وشمس الأئمة البيهقي في " الشامل ".
وقال السرخسي: لم يذكر محمد في الأصل كسوة المرأة الإزار والخف في شيء من المواضع، وذكر الإزار في كسوة الخادم ولم يذكر الخف أيضًا، وإن كانت الخادمة ممن يحتاج أن تخرج إلى الحوائج، فلها الخف والمكعب بحسب ما يكفيها.
وأما المرأة فإنها مأمورة بالقرار في البيت ممنوعة من الخروج، فلا تستوجب الخف والمكعب على الزوج، وكذلك لا تستوجب الإزار لأنها تكون مهيئة نفسها بنشاط الزوج، فليس على الزوج أن يتخذ ما يحول بينه وبين حقه فلهذا لم يذكر الإزار، هذا لفظه في شرح "الكافي ".
وقال في " خلاصة الفتاوى ": هذا في ديارهم بحكم العرف، أما في ديارنا فيفرض الإزار والمكعب، ويفرض ما تنام عليه.
стр. 3001
لأن ما وجب كفاية لا يتقدر شرعا في نفسه.
وإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها، فلها النفقة؛ لأنه منع بحق، فكان فوت الاحتباس لمعنى من قبله، فيجعل كالأموات.
ــ
[البناية]
وقال الخصاف: ويجعل لها ما تنام عليه مثل الفراش والمضربة والمرفقة في الشتاء ولحافا يتغطى به.
قال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب "النفقات ": ذكر لها كتابا على حدة ولم يكتف بفراش واحد، لأنها ربما تنعزل عنه في أيام الحيض أو في زمان مرضها.
وقال الحاكم الشهيد: وقال محمد: لا ينبغي أن يوقت النفقة على الدراهم، لأن السعر يغلو ويرخص، ولكن يجعل النفقة على الكفاية في كل زمان، فينظر قيمته، فيفرض لها عليه دراهم شهرًا بشهر.
قال السرخسي: وهذا بناء على عادتهم، وبعض المتأخرين من مشايخنا، قالوا: يعتبر في ذلك حال الرجل فإنه إن كان محترفا يفرض عليه النفقة يومًا يوما؛ لأنه يتعذر عليه أداء نفقة شهر دفعة واحدة. وإن كان من التجار يفرض عليه الأداء شهرًا، وإن كان من الدهاقين يفرض عليه النفقة دراهم على الكفاية في كل زمان، فينظر قيمة ذلك، فيفرض لها عليه دراهم شهرٍ بشهرٍ لتيسير الأداء عليه.
كذلك عند إدراك الغلة واتخاذ غلة الحوانيت، أما الكسوة فيفرض في السنة مرتين.
م: (لأن ما وجب كفاية لا يتقدر شرعا في نفسه) ش: لأنها مما يختلف فيها أحوال الناس بحسب الشباب والمهرم، وبحسب الأوقات والأماكن، ففي التقدير قد يكون إضرارا بأحدهما وفي " المبسوط ": وكل جواب عرفته من اعتبار حاله أو حالها في فرض النفقة فهو الجواب في كسوة.
[نفقة من امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها ممهرها]
م: (وإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة؛ لأنه منع بحق، فكان فوت الاحتباس لمعنى من قبله فيجعل كالأموات) ش: المراد من المهر هو العاجل، وبه صرح في " شرح الطحاوي " فقال: ولو أنها منعت نفسها لأجل مهرها العاجل، فلها النفقة لأن هذا منع بحق. وقال في " التحفة ": وإن كان الامتناع بغير حق، بأن أوفاها الزوج المهر مؤجلا، فإنه يسقط النفقة لأنه وجد النشوز منها، لكن ينبغي لك أن تعرف أن الامتناع لطلب المهر إذا كان قبل الدخول لا يزيل النفقة اتفاقا لأنه منع بحق وكذلك بعد الدخول إذا كان برضاها عند أبي حنيفة. وقالا: لا نفقة لها، كذا في " المختلف "، وفي " فتاوى قاضي خان ": ولو كان الزوج ساكنا معها في منزلها فمنعت زوجها من الدخول عليها كانت ناشزة إلا إذا منعت لتحولها إلى منزله أو ليكتري لها منزلًا، فحينئذ تكون ناشزة ولو كانت مقيمة في منزله، ولم تمكنه من الوطء لا تكون ناشزة.
стр. 3002
وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله؛ لأن فوت الاحتباس منها، وإذا عادت جاء الاحتباس، فتجب النفقة، بخلاف ما إذا امتنعت من التمكين في بيت الزوج؛ لأن الاحتباس قائم، والزوج يقدر على الوطء كرها. وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها، فلا نفقة لها؛ لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها، والاحتباس الموجب ما يكون وسيلة إلى مقصود مستحق بالنكاح، ولم يوجد، بخلاف المريضة على ما نبين. وقال الشافعي ﵀: لها النفقة؛ لأنها عوض عن الملك عنده؛ كما في المملوكة بملك اليمين. ولنا أن المهر عوض عن الملك،
ــ
[البناية]
م: (وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله؛ لأن فوت الاحتباس منها) ش: تفسير الناشزة والناشصة هي المانعة نفسها عن زوجها بغير حق، وقيل لشريح: هل للناشزة من نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟ فقال: جراب من تراب، معناه: لا نفقة لها، وإذا كان الرجل يسكن في الأرض المغصوبة، فخرجت المرأة لأجل أن لا تسكن في الغصوبة، لا تكون ناشزة لأنها محقة.
ونقل في " خلاصة الفتاوى " عن " فتاوى النسفي ": لو كان الزوج بسمرقند وامرأته بنسف فيبعث إليها أجنبيا ليحملها إلى سمرقند فلم تذهب لعدم المحرم يفرض لها النفقة.
م: (وإذا عادت) ش: أي المرأة إلى منزل الزوج. م: (جاء الاحتباس) ش: فلها. م: (فتجب النفقة) ش: لوجود العلة. م: (بخلاف ما إذا امتنعت) ش: متصل بقوله لأن فوت الاحتباس منها. م: (من التمكين في بيت الزوج؛ لأن الاحتباس قائم والزوج يقدر على الوطء كرهًا) ش: أي من حيث الكره. م: (وإن كانت) ش: أي وإن كانت الزوجة. م: (صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها) ش: المراد من الاستمتاع الجماع لأن الحاكم الشهيد قد صرح به في مختصره " الكافي " وكذلك السرخسي في " شرح الكافي " الذي هو "مبسوطه" وعليه جمهور العلماء.
وعند الثوري والظاهرية والشافعي في قول: لها النفقة؛ لأنها مال تجب بالعقد كالمهر، فتستوي الكبيرة والصغيرة، والأصح عند الشافعية وجوبها لو كانت في المهر لإطلاق النص.
م: (لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها) ش: وهي غير مسلمة نفسها إلى الزوج، فصارت كالناشزة.
م: (والاحتباس الموجب) ش: أي للنفقة. م: (ما يكون وسيلة إلى مقصود مستحق بالنكاح) ش: وهو الجماع أو دواعيه. م: (ولم يوجد) ش: فلا يجب شيء. م: (بخلاف المريضة على ما نبين) ش: أي قريبا من خمسة عشر خطا يعني يجب النفقة في المريضة وإن تعذر الجماع.
م: (وقال الشافعي: لها) ش: أي للصغيرة. م: (النفقة لأنها) ش: أي لأن النفقة. م: (عوض عن الملك عنده) ش: أي عند الشافعي. م: (كما في المملوكة بملك اليمين) ش: حيث تجب نفقتها على المالك. م: (ولنا أن المهر عوض عن الملك) ش: لأن الفرض هو ما يدخل تحت العقد بالتسمية،
стр. 3003
ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد فلها المهر دون النفقة. وإن كان الزوج صغيرا لا يقدر على الوطء وهي كبيرة، فلها النفقة من ماله؛ لأن التسليم قد تحقق منها، وإنما العجز من قبله، فصار كالمجبوب والعنين.
وإذا حبست المرأة في دين، فلا نفقة لها؛ لأن فوت الاحتباس منها بالمماطلة، وإن لم يكن منها بأن كانت عاجزة فليس منه وكذا إذا غصبها رجل كرها فذهب بها. وعن أبي يوسف ﵀ أن لها النفقة، والفتوى على الأول؛ لأن فوت الاحتباس ليس منه، ليجعل باقيا تقديرا،
ــ
[البناية]
والداخل تحته هو المهر دون النفقة، فإن كان المهر عوضا لا تكون النفقة عوضا. م: (ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد) ش: فلا تجب النفقة لأجله بخلاف المهر، وهو معنى قوله. م: (فلها المهر دون النفقة) ش: كما مر.
م: (وإن كان الزوج صغيرا لا يقدر على الوطء وهي كبيرة) ش: أي والحال أن المرأة كبيرة. م: (فلها النفقة من ماله؛ لأن التسليم قد تحقق منها، وإنما العجز من قبله، فصار كالمجبوب والعنين) ش: حيث يجب عليهما النفقة؛ لأن العجز منهما وعليه الجمهور.
وقال مالك: لا نفقة لها، وإن كانا صغيرين لا يطيقان الجماع لا نفقة لها بالإجماع، لأن المنع جاء من جهتها، كذا قال الكاكي، وقال الأترازي: ولو كانا صغيرين جميعا لم يذكر حكم النفقة لا في الأصل، ولا في الجامع، ولكن يفهم من التعليل المذكور فيما إذا كانت صغيرة والرجل كبيرًا، إذ لا نفقة لها في هذه الصورة لأن تلك العلة وهي عدم تسليم النفس موجود هنا، وقد صرح بما قلنا أي بعدم وجوب النفقة في " الذخيرة " أيضًا.
م: (وإذا حبست المرأة في دين فلا نفقة لها لأن فوت الاحتباس منها بالمماطلة) ش: لأنها لما ماطلت صارت كأنها هي التي حبست نفسها فصارت كالناشزة. م: (وإن لم يكن منها) ش: أي وإن لم يكن الاحتباس من المرأة. م: (بأن كانت عاجزة) ش: عن أداء الدين. م: (فليس منه) ش: أي من الزوج أيضًا فلا يطالب بالنفقة. م: (وكذا) ش: أي وكذا لا نفقة لها. م: (إذا غصبها رجل كرهًا فذهب بها) ش: لفوات الاحتباس.
م: (وعن أبي يوسف أن لها النفقة) ش: لأنه لا مانع من جهتها، واختاره السعدي. م: (والفتوى على الأول) ش: أي على ظاهر الرواية، وهو أنه لا نفقة في المغصوبة فيما مضى. م: (لأن فوت الاحتباس ليس منه) ش: يعني من الزوج. م: (ليجعل باقيا تقديرًا) ش: بيانه أن النفقة عوض عن الاحتباس في بيته، فإذا كان الفوات لمعنى من جهة يجعل ذلك الاحتباس باقيًا، فإذا كان الفوات لمعنى من جهة باقيا تقديرًا، فكأنه لم يفت، فتجب النفقة كما إذا منعت نفسها قبل الدخول، لأجل الصداق أو حبس الزوج لأجل دين عليه، أو ارتد وأسلمت هي وأبى الزوج الإسلام، أو طلقها بعد الدخول.
стр. 3004
وكذا إذا حجت مع محرم؛ لأن فوت الاحتباس منها. وعن أبي يوسف ﵀: أن لها النفقة لأن إقامة الفرض عذر، ولكن تجب عليه نفقة الحضر دون السفر؛ لأنها هي المستحقة عليه. ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاتفاق؛ لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها، وتجب نفقة الحضر دون السفر، ولا يجب الكراء لما قلنا. وإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة. والقياس أن لا نفقة لها إذا مرضت مرضا يمنع من الجماع لفوات الاحتباس للاستمتاع. وجه الاستحسان: أن الاحتباس قائم، فإنه يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت، والمانع بعارض فأشبه الحيض. وعن أبي يوسف ﵀ أنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت تجب النفقة لتحقق التسليم، ولو مرضت ثم سلمت، لا تجب لأن التسليم لم يصح بسبب المرض. قالوا: هذا حسن، وفي لفظ الكتاب ما يشير إليه.
ــ
[البناية]
م: (وكذا إذا حجت مع محرم) ش: أي لا نفقة لها. م: (لأن فوت الاحتباس منها) ش: إلا إذا كان الزوج معها على ما يجيء الآن. م: (وعن أبي يوسف: أن لها النفقة لأن إقامة الفرض عذر) ش: فحينئذ تجب النفقة. وقال محمد: لا نفقة لها، لعدم الاحتباس بحقه والتمكين من الاستمتاع بالجماع ودواعيه. م: (ولكن تجب عليه نفقة الحضر) ش: يعني قيمة الطعام في الحضر ولا يجب عليه على السفر. م: (دون السفر) ش: أي دون نفقة السفر؛ لأنها تزيد على نفقة الحضر. كذا في شرح كتاب النفقات. م: (لأنها هي المستحقة عليه) ش: أي لأن نفقة الحضر هي الواجبة على الزوج، لأن المأمور هو النفقة بالمعروف وهو عبادة عما لا إسراف فيه ولا، تعتبر. وفي النفقة السفر إسراف لغلاء السفر، فلا يكون معروفًا، فلا يجب ذلك.
م: (ولو سافر معها الزوج تجب النفقة بالاتفاق) ش: وبه قال الشافعي. م: (لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها) ش: أي لقيام الزوج على المرأة. م: (وتجب نفقة الحضر دون السفر) ش: لما مر. م: (ولا يجب الكراء لما قلنا) ش: أي في قوله لأنها هي المستحقة. م: (وإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة) ش: هذا الموعود من المصنف بقوله قبل هذا، بخلاف المريضة على ما نبين، اعلم أن المريضة مطلقا لها النفقة في ظاهر الرواية، سواء كان مرضا يمنع من الجماع كما في الحيض. م: (والقياس أن لا نفقة لها إذا مرضت مرضا يمنع من الجماع لفوات الاحتباس للاستمتاع. وجه الاستحسان: أن الاحتباس قائم، فإنه) ش: أي فإن الزوج. م: (يستأنس بها ويمسها وتحفظ البيت، والمانع) ش: أي من الجماع. م: (بعارض) ش: أي بسبب عارض وهو المرض. م: (فأشبه الحيض) ش: في كونه مانعا وتجب النفقة.
م: (وعن أبي يوسف: أنها إذا سلمت نفسها ثم مرضت تجب النفقة لتحقق التسليم، ولو مرضت ثم سلمت لا تجب؛ لأن التسليم لم يصح بسبب المرض. قالوا) ش: أي قال مشايخنا. م: (هذا حسن) ش: أي هذا التفصيل حسن. م: (وفي لفظ الكتاب) ش: أي كتاب القدوري. م: (ما يشير إليه) ش: أي إلى ما روي عن أبي يوسف في ظاهر الرواية، لأنه قال: وإن مرضت في منزل الزوج، لأنه يفهم منه
стр. 3005
قال: وتفرض على الزوج النفقة إذا كان موسرا، ونفقة خادمها، والمراد بهذا بيان نفقة الخادم . ولهذا ذكر في بعض النسخ وتفرض على الزوج إذا كان موسرا نفقة خادمها، ووجهه: أن كفايتها واجبة عليه، وهذا من تمامها، إذ لا بد لها منه، ولا تفرض لأكثر من نفقة خادم واحد.
ــ
[البناية]
لأنها سلمت نفسها إلى الزوج في منزله ثم مرضت فيه.
[نفقة الخادم]
م: (وقال: وتفرض على الزوج النفقة إذا كان موسرًا ونفقة خادمها) ش: هذه من مسائل القدوري، ولما كان ظاهر هذا تكرارا؛ لأنه قال في أول الباب: النفقة واجبة للزوجة على زوجها، عذره المصنف بقوله. م: (والمراد بهذا) ش: أي بقوله: ويفرض للزوجة على الزوج النفقة إن كان موسرًا ونفقة خادمها. م: (بيان نفقة الخادم) ش: وهناك لم يذكر نفقة الخادم، وتجب نفقته بإجماع الأئمة الأربعة.
وقالت الظاهرية: لا تجب نفقة الخادم، لأنه ما جاء فيه خبر يعتمد عليه، وإنما قيد بقوله: إن كان موسرًا، وزاد فيه هذا القيد، لأنه إذا كان معسرًا لا تجب عليه نفقة الخادم. وإن كان لها خادم على ما روى الحسن عن أبي حنيفة، كذا في " مختصر الكرخي " وفي " الأسبيجابي " و " اليانبيع ": وإن كان لها خادم متفرغ لخدمتها ليس له شغل غير خدمتها، يفرض له النفقة بالمعروف. وفي " الذخيرة ": إن لم يكن لها خادم لا يفرض له في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة، وبه قال أحمد وأكثر أصحاب الشافعي. وفي " المبسوط " عن زفر: يفرض نفقة خادم واحد، لأن على الزوج أن يقوم بمصالح طعامها وحوائجها، وإذا لم يفعل ذلك أعطاها نفقة خادم، ثم هي تقوم بنفسها، أو تتخذ خادمًا. ثم اختلف المشايخ في الخادم، قيل: المملوك لها حتى لو كانت حرة، أو غير مملوكة لها لا تستحق، وقيل: كل من يخدمها حرة كانت أو مملوكة لها أو لغيرها. وينبغي أن ينقص نفقة لخادمها عن نفقة نفسها في حق الإدام لا الخبز.
م: (ولهذا) ش: أي ولصحة ما قلت والمراد بهذا بيان الخادم. م: (ذكر في بعض النسخ) ش: أي في بعض نسخ القدوري. م: (ولا تفرض على الزوج إذا كان موسرًا نفقة خادمها) ش: وقال الأترازي: وتلك النسخة هي الأصح، لأن الشيخ أبا نصر اعتبرها في نسخته، أعني الشرح المعروف بالأقطع. م: (ووجهه) ش: أي وجه وجوب نفقة الخادم. م: (أن كفايتها) ش: أي كفاية المرأة. م: (واجبة عليه) ش: أي على الزوج. م: (وهذا من تمامها) ش: أي فرض نفقة الخادم من تمام كفاية المرأة. م: (إذا لا بد لها منه) ش: أي لأنه لا بد للمرأة من الخادم.
وهو واحد الخادم، غلامًا كان أو جارية، ثم المرأة إذا لم يكن لها خادم، فهل يجب عليها أن تجبر وتعالج بنفسها؟ فإن قالت: لا أفعل، لا تجبر على ذلك، لأن الواجب عليها تمكين النفس من الزوج لا هذه الأعمال، بخلاف الخادم إذا امتنع من الخدمة لا يستحق النفقة.
م: (ولا تفرض) ش: أي النفقة. م: (لأكثر من نفقة خادم واحد) ش: هذا لفظ القدوري في
стр. 3006
وهذا عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ﵀: تفرض لخادمين، لأنها تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل، وإلى الآخر لمصالح الخارج. ولهما أن الواحد يقوم بالأمرين، فلا ضرورة إلى اثنين، ولأنه لو تولى كفايتها بنفسه، كان كافيا. فكذا إذا أقام الواحد مقام نفسه، وقالوا: إن الزوج الموسر يلزمه من نفقة الخادم ما يلزم المعسر من نفقة امرأته وهو أدنى الكفاية.
ــ
[البناية]
" مختصره " ولم يذكر الخلاف. وكذا لم يذكر الحاكم الشهيد في "مختصره " ولا الكرخي في "مختصره " وذكر الخلاف شمس الأئمة البيهقي والأسبيجابي، وصاحب " المختلف "، ولذلك ذكر المصنف أيضًا مثلهم، قال. م: (وهذا عند أبي حنيفة ومحمد) ش: أي عدم فرض النفقة لأكثر من خادم عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول الجمهور وقول الأئمة الأربعة.
م: (وقال أبو يوسف: تفرض لخادمين لأنها) ش: أي لأن المرأة. م: (تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل) ش: أي داخل البيت. م: (وإلى الآخر) ش: أي وتحتاج إلى خادم آخر. م: (لمصالح الخارج) ش: أي خارج البيت. وفي " التحفة ": وهذا الذي ذكره عن أبي يوسف غير المشهور عنه، لأن المشهور من قوله كقولهما. وبه صرح الطحاوي في "مختصره " وفي " فتاوى أهل سمرقند " إذا كانت المرأة من بنات الأشراف وذوي الأقدار لها خدم كثير، يجبر على نفقة خادمين أحدهما للخدمة والآخر للرسالة. وعن أبي يوسف في رواية أخرى، إذا كانت فائقة الغنى لها خدم كثير زفت إليه كذلك استحقت نفقة الخدم كلهم، وهو رواية هشام عن محمد واختاره الطحاوي. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد.
م: (أن الواحد) ش: أي الخادم الواحد. م: (يقوم بالأمرين) ش: بمصالح الخارج ومصالح الداخل. م: (فلا ضرورة إلى اثنين) ش: لأن ما زاد على ذلك فللزينة والتجمل. م: (ولأنه) ش: أي ولأن الزوج. م: (لو تولى كفايتها بنفسه كان كافيًا، فكذا إذا أقام الواحد) ش: أي الخادم الواحد. م: (مقام نفسه) ش: ولو كانت الزوجة أمة، فلا نفقة لخادمها ولو كان له أولاد لا يكفيها خادم واحد، فرض عليه خادمين أو أكثر. م: (وقالوا) ش: أي المشايخ. م: (إن الزوج الموسر يلزمه من نفقة الخادم ما يلزم المعسر من نفقة امرأته) ش: اليسار هنا مقدر بنصاب حرمان الصدقة لا بنصاب وجوب الزكاة، وهو النصاب من المال النامي الفاضل عن حاجته، والغنى الذي تحرم به الصدقة، وتجب به الفطرة والأضحية هو أن يملك ما يساوي مائتي درهم فاضلًا عن ثيابه ومآربه وخادمه ومسكنه وفرسه وسلاحه، وكتب العلم إن كان من أهله، إذا لم يكن له فضل عن ذلك. م: (وهو أدنى الكفاية) ش: والضمير يرجع إلى قوله ما يلزم. والحاصل أن نفقة الخادم أدنى الكفاية، وهو ما يلزم المعسر من نفقة امرأته.
وفي " النوادر " روى قتادة عن خلاس عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه
стр. 3007
وقوله في الكتاب: "إذا كان موسرا" إشارة إلى أنه لا تجب نفقة الخادم عند إعساره. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وهو الأصح، خلافا لمحمد ﵀ لأن الواجب على المعسر أدنى الكفاية، وهي قد تكتفي بخدمة نفسها. ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما، ويقال لها: استديني عليه، وقال الشافعي ﵀: يفرق،
ــ
[البناية]
فرض لامرأة وخادمها في الشهر اثني عشر درهمًا، أربعة للخادم، وثمانية للمرأة، منها درهمان للقطن والكتاب. وروي عن شريك أنه قال: شهدت ابن أبي ليلى أنه فرض للمرأة ستة دراهم وللخادم ثلاثًا.
م: (وقوله في الكتاب) ش: أي القدوري. م: (إذا كان موسرًا، إشارة إلى أنه لا تجب نفقة الخادم عند إعساره، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة) ش: ابن أبي زياد اللؤلؤي، قال الأترازي: قال شيخنا برهان الدين الخوارزمي: معنى الحسن إذا ذكر في نسخ الفقه لأصحابنا، المراد به الحسن بن زياد، وإذا ذكر مطلقًا في كتب التفسير أن المراد الحسن البصري. م: (وهو الأصح) ش: أي الذي رواه الحسن عن أبي حنيفة، هو الأصح. م: (خلافًا لمحمد) ش: فإنه قال: إلا إذا كان الزوج معسرًا، فإن كان له خادم فرض نفقة الخادم، وإن لم يكن فلا يفرض. م: (لأن الواجب على المعسر أدنى الكفاية، وهي قد تكتفي بخدمة نفسها) ش: هذا تعليل لما رواه الحسن.
م: (ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما) ش: أي بينه وبين امرأته، وهو قال الزهري وعطاء بن يسار، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان، والظاهرية. م: (ويقال لها) ش: أي للمرأة. م: (استديني عليه) ش: أي على الزوج. ومعنى الاستدانة أن تشتري الطعام على أن يؤدي الزوج ثمنه. وقال الخصاف: معنى الاستدانة الشراء بالنسيئة ليقضي الثمن من مال الزوج.
م: (وقال الشافعي: يفرق) ش: وبه قال مالك وأحمد. وعلى هذا الخلاف العجز عن الكسوة والعجز عن المسكن. وفي " المهذب " في العجز عن الكسوة والمسكن وجهان. وقال أبو نصر من أصحابه: في العجز عن الكسوة والمسكن يفسخ قولًا واحدًا، وهذا التفريق فسخ عند الشافعي وأحمد.
وقال مالك: طلاق، وفي مدة حكم القاضي بالتفريق قولان في القديم يوم إعساره وفي الجديد يمهل ثلاثة أيام، ولو غاب عنها ولم يعرف موضعه لم يثبت لها الفسخ.
كذا في " الحلية " وللشافعي في الفسخ من الإعسار عن الصداق الواجب ثلاثة أقوال:
أحدها: له الفسخ قبل الدخول وبعده، والثاني: لا خيار لا قبل الوطء ولا بعده، وهو اختيار المزني، والثالث: لها الفسخ قبل الدخول لا بعده، واختاره المروزي وأكثرهم. لو امتنع من الإنفاق عليها مع اليسر، لم يفرق، ويبيع الحاكم عليه ماله ويصرفه في نفقتها. فإذا لم يجد ماله
стр. 3008
لأنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فينوب القاضي منابه في التفريق كما في الجب والعنة، بل أولى لأن الحاجة إلى النفقة أقوى ولنا أن حقه يبطل وحقها يتأخر. والأول أقوى في الضرر، وهذا لأن النفقة تصير دينا بفرض القاضي، فتستوفى في الزمان الثاني، وفوت المال وهو تابع في النكاح لا يلحق بما هو المقصود وهو التناسل والتوالد. وفائدة الأمر بالاستدانة مع الفرض أن يمكنها إحالة الغريم على الزوج. فأما إذا كانت الاستدانة بغير أمر القاضي، كانت المطالبة عليها دون الزوج.
ــ
[البناية]
يحبسه حتى ينفق عليها، ولا يفرق.
م: (لأنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فينوب القاضي منابه في التفريق كما في الجب والعنة) ش: أي كما يفرق إذا وجد الرجل مجبوبًا أو عنينًا. م: (بل أولى) ش: أي وبل التفريق أولى. م: (لأن الحاجة إلى النفقة أقوى) ش: من الجماع لأن انقطاع الأولى مدة مهلكة دون الثاني. م: (ولنا أن حقه) ش: أي أن حق الزوج. م: (يبطل) ش: أي التفريق. م: (وحقها يتأخر) ش: لأن النفقة تصير دينًا بفرض القاضي، فيستوي في الزمان الثاني. م: (والأول) ش: أي بطلان حق الزوج. م: (أقوى في الضرر) ش: فتحتمل أدنى الضررين فدفع الإعلام. م: (وهذا) ش: إشارة إلى أن تأخير حقها أقل ضررًا من بطلان حقه. م: (لأن النفقة تصير دينًا، بفرض القاضي، فتستوفي في الزمان الثاني) ش: أي في الزمن الثاني.
م: (وفوت المال) ش: مبتدأ وخبره قوله: يلحق على صيغة المجهول، وهو جواب عن قياس الشافعي على الجب والعنة، وتقريره أن فوت المال. م: (وهو تابع) ش: أي والحال أنه تابع. م: (في النكاح لا يلحق بما هو المقصود وهو التناسل والتوالد) ش: توضيحه أن هذا القياس باطل؛ لأنه قياس بالفارق، وذلك لأن العجز عن النفقة إنما يكون عن المال، وهو تابع في باب النكاح، والعجز عن الوصول إلى المرأة بسبب الجب والعنة إنما يكون عن المقصود بالنكاح وهو التوالد والتناسل، ولا يلزم من جواز الفرق بالعجز عن المقصود جواز حله عن التابع.
م: (وفائدة الأمر بالاستدانة) ش: جواب عما يقال لا فائدة في الإذن لها بالاستدانة بعد فرض القاضي بالاستدانة لها، لأنها صارت دينًا بفرضه، فأجاب بأن فائدة الأمر بالاستدانة. م: (مع الفرض أن يمكنها إحالة الغريم على الزوج) ش: يعني من غير رضاه. م: (فأما إذا كانت الاستدانة بغير أمر القاضي، كانت المطالبة عليها دون الزوج) ش: وفي " التحفة ": فائدة الأمر بالاستدانة أن لصاحب الدين أن يأخذ دينه من الزوج أو المرأة، وبدون الأمر بالاستدانة ليس لرب الدين أن يرجع على الزوج، بل يرجع عليها، ثم هي ترجع على الزوج بما فرض لها القاضي، وهذا لأن الاستدانة على الزوج إيجاب الدين عليه، فإذا جعل بأمر القاضي جعل إيجاب الدين عليه منها، وليس لها على الزوج هذه الولاية.
стр. 3009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: استدل الشافعي ومن تابعه بما روي عن ابن المسيب أنه سئل عن ذلك، فقال: يفرق بينهما سنة. قال الشافعي: قوله سنة، أي سنة رسول الله ﷺ ، وبما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أنه ﵇ قال في الرجل، لا يجد ما ينفق على امرأته: " يفرق بينهما» رواه الدارقطني، وبما روي في حديث أبي هريرة «أنه ﵇ قال: " تقول أطعمني وإلا فارقني» رواه البخاري وغيره.
قلت: الجواب عن قول سعيد بن المسيب من وجوه:
الأول: أنه لما روي ذلك عن عبد الرحمن بن أبي زياد، قال ابن حزم: هو لا شيء، فسقط الاحتجاج به.
والثاني: أن قول ابن المسيب أنه سنة لا نسلم أنه سنة الرسول ﵇، لأن السنة كما تطلق على سنة الرسول تطلق على سنة غيره أيضًا. ألا ترى إلى قوله ﵇: «سن بكم معاذ سنة حسنة» وسنة العمرين فاشتبه بين العلماء.
والثالث: أنه مرسل، والشافعي لا يجعل المرسل حجة. فإن قيل: الشافعي استثنى مراسيل سعيد بن المسيب كلها، ولا غيره، والشرط عنه في العمل بالمرسل أن يُروى من طريق آخر مرفوعًا أو عمل به بعض الصحابة.
وقال ابن حزم: وروي عن ابن المسيب قولان مختلفان، فأيهما كان السنة والآخر خلاف السنة، فبطل قوله السنة لاضطرابه ومخالفة بعضه بعضًا. وقال أيضًا: خالف ابن المسيب عمر وعليا وغيرهما. والجواب عن حديثه الآخر أنه قيل لأبي هريرة: سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، فقال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. رواه عنه كذلك البخاري. ولأن ذلك من قول المرأة، وليس فيه أن الرجل يلزم به.
فإن قلت: الشافعي استدل أيضًا بقوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (البقرة الآية ٢٢٩) ، فإن الرجل لما عجز عن الإمساك بالمعروف، تعين التسريح بالإحسان، فلما أبى ذلك ناب القاضي منابه دفعًا للظلم كما ذكرنا.
قلنا: نحن أيضًا استدللنا بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] (البقرة: الآية ٢٨٠) نص الله تعالى وعز وجل على أن المعسر يستحق الإنظار والإمهال، فلو أجلته المرأة في النفقة ما كان لها أن تطالب بالفرقة، فكذا إذا ثبت الأجل شرعًا، وقد ذكرنا بقية دليلنا عن
стр. 3010
وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار، ثم أيسر فخاصمته، تمم لها نفقة الموسر، لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار، وما قضي به تقدير لنفقة لم تجب.
ــ
[البناية]
قريب، ثم اعلم أن العجز عن الإنفاق لا يوجب التفريق عندنا، ولكن مع هذا إذا فرق القاضي بينهما، هل ينفذ قضاؤه أم لا؟
قال الإمام أبو حفص محمد بن محمود الإستروشني في الفصل الثاني في القضاء في المجتهدات من كتاب الفصول: إذا ثبت العجز بشهادة الشهود فإن كان القاضي شافعي المذهب، وفرق بينهما، نفَّذ قضاءَه بالتفريق، وإذا كان حنفيًا لا ينبغي له أن يقضي بخلاف مذهبه إلا أن يكون مجتهدًا، أو وقع اجتهاده على ذلك قضى مخالفًا لرأيه من غير اجتهاد.
فعن أبي حنيفة روايتان في جواز قضائه، ولم يقض، ولكن أمر شافعي المذهب ليقضي بينهما في هذه الحادثة بمقتضى التفريق إذا لم يرتش، الآمر والمأمور بأن كان الزوج غائبًا، فرفعت المرأة الأمر إلى القاضي، وأقامت البينة أن زوجها الغائب عاجز عن النفقة، وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما. قال مشايخ سمرقند: جاز تفريقه لأنه قضاء في فصلين مختلف فيهما التفريق بسبب العجز عن النفقة والقضاء على الغائب. وكل واحد منهما مجتهد فيه.
وقال القاضي ظهير الدين المرغيناني: لا يصح هذا التفريق؛ لأن القضاء إنما يجوز عند الشافعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة إذا ثبت المشهور به عند القاضي، وهو العجز؛ لأن المال غاد ورائح، ومن الجائز أن الغالب هنا صار غنيًا، ولم يعلم به الشاهد لما بينهما من المسافة.
وقال صاحب " الذخيرة ": الصحيح أنه لا ينفذ قضاؤه، لأن العجز لا يعرف حالة الغيبة لجواز أن يكون قادرًا، إن كان هذا ترك الإنفاق لا بالعجز عن الإنفاق، فإن رفع هذا القضاء إلى قاض آخر، فإن جاز قضاؤه فالصحيح أنه لا ينفذ، لأن هذا القضاء ليس في مجتهد فيه لما ذكرنا أن العجز لم يثبت.
م: (وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار، ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر) ش: أي تمم القاضي لها نفقة الرجل الموسر. م: (لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار) ش: لأنها تجب شيئًا فشيئًا فيعتبر حالها في كل وقت. م: (وما قضي به) ش: كلمة ما مبتدأ وقضي مجهول ويجوز أن يكون معلومًا، أي ما قضى به القاضي، والضمير في به يرجع إلى المبتدأ وهو قوله. م: (تقدير) ش: بالرفع خبر المبتدأ، وهو قوله ما وهي موصولة بمعنى الذي فافهم. وهذا جواب عما يقال ينبغي أن لا يتمم لها نفقة اليسار لأن فيه نقض القضاء الأول، فأجاب بأن ما قضى به تقدير. م: (لنفقة لم تجب) ش: لأن النفقة تجب شيئًا فشيئًا، وتقدير ما ليس بواجب لا يكون لازمًا لجواز متبدل السبب الموجب قبل وجوبه، فإذا لم يكن لازمًا فنحكم فيه حكم الحاكم.
стр. 3011
فإذا تبدل حاله، لها المطالبة بتمام حقها.
وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك، فلا شيء لها إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة، أو صالحت الزوج على مقدار منها، فيقضي لها بنفقة ما مضى، لأن النفقة صلة وليست بعوض عندنا على ما مر من قبل، فلا يستحكم الوجوب فيها إلا بالقضاء، كالهبة لا توجب الملك إلا بمؤكد، وهو القبض والصلح
ــ
[البناية]
م: (فإذا تبدل حاله) ش: أي حال الزوج بأن صار موسرًا. م: (لها المطالبة بتمام حقها) ش: والفرض السابق لا يمنع الإتمام، لأنه فرض قبل الوجوب، فلا يتقرر حكمه، وذلك مثل المعسر إذا حنث في يمينه، فشرع في صوم الكفارة، ثم أيسر يجب عليه التكفير بالمال لزوال الإعسار.
م: (وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج عليها) ش: أي على المرأة في هذه المدة م: (وطالبته بذلك) ش: أي وطالبت الزوج بما كان لها من النفقة. م: (فلا شيء لها) ش: يعني عندنا، لأن النفقة لا تصير دينا بمضي المدة، كنفقة الأقارب.
م: (إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة) ش: هذا استثناء من قوله فلا شيء لها، حاصله أن النفقة لا تصير دينا في الذمة إلا بأحد شيئين، أحدهما: بفرض القاضي النفقة لها، والآخر هو قوله. م: (أو صالحت الزوج على مقدار منها) ش: أي من النفقة، وبه قال أحمد في رواية.
وقال الشافعي ومالك وأحمد - في رواية -: تصير دينا بلا قضاء ولا تراض إلا عند مالك لو أقامت عنده سنين، وهو مليء، وادعت عليه أنه لم ينفق عليها، والزوج يدعي الإنفاق، فالقول له مع يمينه، وكذا في غيبته. أما لو أكلت معه، سقطت نفقتها عند مالك والشافعي، في الأصح ذكره في " المنهاج ".
م: (فيقضي لها بنفقة ما مضى) ش: هذه نتيجة قوله إلا أن يكون القاضي فرض لها إلى آخره. م: (لأن النفقة صلة) ش: هذا تعليل لقوله: فلا شيء لها، بيان ذلك أن النفقة صلة. م: (وليست بعوض عندنا) ش: خلافًا للشافعي ومن معه. م: (على ما مر من قبل) ش: أشار به إلى ما ذكره من الدليل في قوله، وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها، فلا نفقة لها، كذا قاله الأترازي.
وقال الأكمل: يريد به قوله: أن المهر عوض عن الملك، ولا يجتمع العوضان عن عوض واحد، فإن قيل ما تقدم يدل على أنها ليس بعوض عن البضع، لكن لا ينافي أن يكون عوضًا عن الاستمتاع بها والقيام عليها تصرفًا في ملكه، وذلك لا يوجب على المالك الملك عوضًا. فإن قيل: لو كانت صلة، لما وجبت على المكاتب، أجيب بأنها صلة من وجهين، وما هذا شأنه يجب على المكاتب كالخراج، وإذا ثبت أنها صلة. م: (فلا يستحكم الوجوب فيها) ش: أي في النفقة. م: (إلا بالقضاء) ش: أي بقضاء القاضي.
م: (كالهبة لا توجب الملك إلا بمؤكد وهو القبض، والصلح) ش: أي صلح المرأة معه على شيء
стр. 3012
بمنزلة القضاء، لأن ولايته على نفسه أقوى من ولاية القاضي، بخلاف المهر، لأنه عوض. وإن مات الزوج بعدما قضي عليه بالنفقة، ومضى شهر، سقطت النفقة. وكذا إذا ماتت زوجته، لأن النفقة صلة، والصلات تسقط بالموت، كالهبة تبطل بالموت قبل القبض. وقال الشافعي ﵀: تصير دينا قبل القضاء، ولا تسقط بالموت؛ لأنه عوض عنده، فصار كسائر الديون، وجوابه قد بيناه. وإن أسلفها نفقة السنة
ــ
[البناية]
م: (بمنزلة القضاء، لأن ولايته على نفسه أقوى من ولاية القاضي) ش: لأن له أن يلتزم بالنفقة فوق ما يلتزمه القاضي بالمعروف، فكان مصلحة بمنزلة القضاء بل أولى. م: (بخلاف المهر) ش: بقوله وليست بعوض حيث يجب بلا قضاء ولا تراض. م: (لأنه) ش: أي لأن وجوبه ... م: (عوض) ش: ألا ترى أنه إذا تزوجها ولم يسم لها مهرًا فدخل بها أو مات عنها يلزمه مهر المثل.
م: (وإن مات الزوج بعدما قضي عليه بالنفقة ومضى شهر سقطت النفقة) ش: خلافًا للأئمة الثلاثة. قال الكاكي: هذا إذا فرض لها النفقة، ولم يؤمر بالاستدانة أنه على الزوج، فاستدانت، ثم مات أحدهما، لا يبطل. ذكره الحاكم الشهيد في " المختصر ". وذكر الخصاف أنه يبطل. والصحيح ما ذكره في " المختصر " لأن استدانتها بأمر القاضي، وللقاضي ولاية عليها، فكانت بمنزلة استدانة الزوج بنفسه. وفيه: لا يسقط بموت أحدهما. كذا هاهنا وكذلك في الطلاق، يعني أن الديون المستدانة هل تسقط بالطلاق. فعلى روايتين. في رواية: لا تسقط وهو الصحيح، كذا في " الذخيرة ".
م: (وكذا إذا ماتت زوجته، لأن النفقة صلة، والصلات تسقط بالموت كالهبة تبطل بالموت) ش: أي بموت الواهب أو بموت الموهوب له. م: (قبل القبض) ش: فإن قيل الهبة متأكدة بالقبض والنفقة متأكدة بعد القضاء، فينبغي أن لا تسقط كالهبة المتأكدة بالقبض. قلنا: قال في " الإيضاح ": وإن صارت النفقة دينا عليه بالقضاء، ولكن معنى الصلة لا تبطل، والصلات تبطل بالموت، انتهى.
قلت: قال الكاكي: الدليل على أن معنى الصلة لا يبطل فيها أنه لم ينقل أحد من السلف والخلف الوصية بنفقة فيما إذا مضت مدة، ولا بإخراجها عن تركته كسائر الديون، وقد حكمت الشافعية بنفقة ستين سنة أو أكثر إذا أنكرت إنفاقه عليها، وجعلوها كسائر الديون، وبعد هذا لا يخفى ما فيه، وجماعة من أصحاب الشافعي لا يرضون بهذا الحكم.
م: (وقال الشافعي: تصير دينا قبل القضاء، ولا تسقط بالموت، لأنه عوض عنده، فصار كسائر الديون) ش: قال في " شرح الأقطع ": قال الشافعي: إنها تؤخذ من تركة الزوج، وقال " الشامل ": وعن محمد أن يؤدي من ماله. م: (وجوابه قد بيناه) ش: أي جواب الشافعي على قوله إن النفقة عوض قد بيناه في مسألة، وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها لا نفقة لها. وهو ما ذكره بقوله: ولنا في المهر عوض عن الملك، لا يجتمع العوضان عن عوض واحد. م: (وإن أسلفها نفقة السنة)
стр. 3013
أي عجلها ثم مات، لم يسترجع منها بشيء. وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج. وهو قول الشافعي ﵀ وعلى هذا الخلاف الكسوة، لأنها استعجلت عوضا عما تستحقه عليه بالاحتباس، وقد بطل الاستحقاق بالموت، فيبطل العوض بقدره، كرزق القاضي، وعطاء المقاتلة. ولهما أنه صلة، وقد اتصل به القبض، ولا رجوع في الصلات بعد الموت لانتهاء حكمها كما في الهبة. ولهذا لو هلكت من غير استهلاك لا يسترد شيء منها بالإجماع. وعن محمد ﵀ أنها إذا قبضت نفقة الشهر أو ما
ــ
[البناية]
ش: هذا لفظ القدوري، وفسره المصنف بقوله. م: (أي عجلها ثم مات) ش: أي الزوج. م: (لم يسترجع منها بشيء) ش: أي لم يرجع على المرأة بشيء.
م: (وهذا) ش: أي عدم الاسترجاع. م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-) ش: ولم يذكر هذا القدوري، فلذلك قال المصنف وهذا باسم الإشارة، وذكر الخصاف في كتاب النفقات الخلاف بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -، ولم يذكر خلاف أبي حنيفة، وكذلك ذكر الولوالجي في " فتاواه "، وكذا الخلاف لو ماتت المرأة، فالكسوة كالنفقة، وسواء كانت قائمة أو هالكة.. م: (وقال محمد: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج وهو قول الشافعي) ش: وبه قال أحمد. وفي " البدائع " وترد الباقي والمستهلك، وفي الهالك لا يرد بالاتفاق، وكذا في " الينابيع "، و " أدب القاضي "، و " الذخيرة "، وفيه الموت والطلاق قبل الدخول سواء. وفي نفقة المطلقة إذا مات الزوج، فالجواب كذلك، وفي شرح الأقضية اختلفوا، فقيل: لا يسترد بالاتفاق، لأن العدة قائمة في موته.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه. م: (الكسوة) ش: إذا أعجلها سنة ثم مات. م: (لأنها استعجلت عوضًا عما تستحقه عليه بالاحتباس) ش: أي لسبب الاحتباس. م: (وقد بطل الاستحقاق بالموت، فيبطل العوض) ش: وهو الذي كانت تستحقه عليه بالاحتباس. م: (بقدره) ش: أي بقدر كما إذا أعطي النفقة ليتزوجها، فمات قبل التزوج. م: (كرزق القاضي) ش: أي أخذ القاضي رزق مدة، ثم مات قبل تمام المدة ويرد فيما بقي بحساب ذلك. م: (وعطاء المقاتلة) ش: إذا أخروا أرزاقهم مدة ثم ماتوا، قبل تمام المدة يسترد منهم فيما بقي من المدة.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد. م: (أنه صلة، وقد اتصل به القبض، ولا رجوع في الصلات بعد الموت لانتهاء حكمها، كما في الهبة، ولهذا لو هلكت) ش: أي النفقة. م: (من غير استهلاك لا يسترد شيء منها) ش: أي من النفقة. م: (بالإجماع) ش: بين أئمتنا وغيرهم.
م: (وعن محمد) ش: أي وعن محمد رواها ابن رستم عنه. م: (أنها إذا قبضت نفقة الشهر أو ما
стр. 3014
دونه، لا يسترجع منها بشيء، لأنه يسير، فصار في حكم الحال.
وإذا تزوج العبد حرة، فنفقتها دين عليه يباع فيها، ومعناه إذا تزوج بإذن مولاه، لأنه دين وجب في ذمته لوجود سببه، وقد ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته، كدين التجارة في العبد التاجر. وله أن يفدي، لأن حقها في النفقة لا في عين الرقبة،
ــ
[البناية]
دونه، لا يسترجع منها بشيء؛ لأنه) ش: أي لأن الشهر أو ما دونه. م: (يسير، فصار في حكم الحال) ش: أي صار الشهر وما دونه في حكم القاضي، يعني أن نفقة الحال لا تسترد، فكذلك نفقة الشهر، وفي بعض النسخ: في حكم الحال. وإن كان أكثر من شهر ترك منها مقدار نفقة شهر استحسانًا ويسترد من تركتها ما زاد على ذلك.
م: (وإذا تزوج العبد حرة، فنفقتها دين عليه يباع فيها) ش: أي يباع العبد في نفقة الحرة، وهذه من مسائل القدوري، وقال المصنف. م: (ومعناه) ش: أي معنى هذا الكلام. م: (إذا تزوج) ش: أي العبد. م: (بإذن مولاه) ش: وإنما فسره بهذا التفسير، لأنه إذا تزوج بغير إذن مولاه، لا يصح العقد، وإنما قيد بالحرة، لأن المرأة إذا كانت أمة لا تستحق النفقة قبل البينونة على ما يجيء إن شاء الله تعالى. م: (لأنه) ش: أي لأن النفقة، ذكره باعتبار الاتفاق. م: (دين وجب في ذمته) ش: لأن النفقة من أحكام العقد، فيستوي فيها الحر والمملوك كالدين. م: (لوجود سببه) ش: وهو العقد. م: (وقد ظهر وجوبه في حق المولى) ش: لأن السبب كان بإذنه، وكان راضيًا بوجوب النفقة عليه. م: (فيتعلق برقبته) ش: أي برقبة العبد. م: (كدين التجارة في العبد التاجر) ش: المأذون، تتعلق الديون برقبته.
م: (وله) ش: أي للمولى. م: (أن يفدي) ش: أي أن يفديه المولى. م: (لأن حقها) ش: أي حق المرأة. م: (في النفقة لا في عين الرقبة) ش: أي رقبة العبد. فإذا أوفاها المولى نفقتها لا يبقى حقها في النفقة بعد ذلك، فلا يباع العبد، وكذا الحاكم في المدبر والمكاتب، إذا تزوجها بإذن المولى بحرة أو أمة بعد البينونة، حيث تجب النفقة عليهما، ولكنهما لا يباعان في النفقة والمهر، لأنهما لا يجتمعان النقل من ملك إلى ملك، بل يؤمران بالسعاية. ثم إذا بيع العبد في النفقة، واجتمع عليه النفقة مرة أخرى يباع أيضًا.
قال شمس الأئمة السرخسي: وليس في شيء من ديون العبد ما يباع فيه مرة بعد مرة، إلا النفقة يتجدد وجوبها بمضي الزمان، فذلك في حكم دين حادث، وقال الولوالجي في فتاواه: إذا بيع في المهر مرة أو بقي شيء من المهر، فإن لم يف الثمن بكل المهر، لا يباع مرة أخرى، بل يتأخر إلى ما بعد العتق.
وفي " الكافي" للحاكم الشهيد وشرحه للسرخسي: إذا كان للعبد أو المدبر ولد من أمة، إنه لم يكن عليه نفقة الولد؛ لأنها إن كانت أمة، فالولد ملك لمولاها، وإن كانت حرة، فولدها يكون حرًا، ولا تجب نفقة مملوكة على حر ولا على مولاه، لأن ولده أجنبي منه، وكذلك المكاتب لا
стр. 3015
ولو مات العبد سقطت، وكذا إذا قتل في الصحيح لأنها صلة.
وإن تزوج الحر أمة فبوأها مولاها معه منزلا، فعليه النفقة، لأنه تحقق الاحتباس، وإن لم يبوئها فلا نفقة لها لعدم الاحتباس، والتبوئة أن يخلي بينها وبينه في منزله، ولا يستخدمها.
ــ
[البناية]
تجب عليه نفقة ولده، سواء كانت المرأة حرة أو أمة، لهذا المعنى.
واتفقت الأئمة الأربعة في وجوب النفقة على العبد، لكن لا يباع العبد في النفقة عند الشافعي وأحمد، وثبت لها الخيار في الفرقة عند الشافعي وعند أحمد على سيده، وفي رواية: في كسبه.
وفي " التنبيه ": وفي تميز المكتسب على سيده في قول، وفي قول على العبد، يتبع بعد العتق، وفي المكتسب في كسبه، وفي المأذون له في التجارة فيما في يده، ولها أن تفسخ إن شاءت.
م: (ولو مات العبد سقطت) ش: أي لو مات العبد سقطت، أي لو مات الذي تزوج بإذن المولى سقطت النفقة، ولا يؤاخذ المولى بشيء من ذلك لفوات محل الاستيفاء. م: (وكذا) ش: أي وكذا تسقط النفقة. م: (إذا قتل) ش: أي العبد لأن المقتول ميت بأجله ولا أجل أو سوى هذا وقد عرف في موضعه.
م: (في الصحيح) ش: قيد به احترازًا عن قول الكرخي، لأنه قال: ينتقل إلى قيمته. قال القدوري: هذا ليس بصحيح، والصحيح السقوط بالموت. م: (لأنها) ش: أي لأن النفقة. م: (صلة) ش: فتبطل بالموت.
م: (وإن تزوج الحر أمة فبوأها مولاها معه منزلًا، فعليه النفقة) ش: وفي بعض النسخ: وإن تزوج الرجل أمة. وهذا أولى لعمومه، لأن الحكم لا يختلف بين أن تكون الأمة تحت حر، أو عبد، نص عليه الحاكم الشهيد في مختصر "الكافي ". م: (لأنه تحقق الاحتباس) ش: فتجب النفقة. م: (وإن لم يبوئها فلا نفقة لها لعدم الاحتباس) ش: أي من قبل الزوج.
فإن قيل: احتباس المولى يحق له شرعًا، فكان كاحتباس الحرة نفسها لصداقها، فينبغي أن لا يسقط.
قلنا: ليس كذلك، لأن في احتباس الحرة لصداقها فوت الاحتباس عن الزوج حين امتنع عن أداء صداقها، وهنا التفويت ليس من قبل الزوج.
م: (والتبوئة أن يخلي بينها وبينه في منزله ولا يستخدمها) ش: هذا تفسير لقوله: فبوأها، وهي أن يخلي المولى بين أمته وبين العبد في منزله، ولا يستخدمها، أي الأمة، وهو بالنصب عطفًا على
следующие страницы →