Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
وعلى طريقة الاجتهاد لا يضمن. ولا يقطع السارق إلا أن يحضر المسروق منه فيطالب بالسرقة؛ لأن الخصومة شرط لظهورها.
ولا فرق بين الشهادة والإقرار عندنا خلافا للشافعي ﵀ في الإقرار لأن الجناية في مال الغير لا تظهر إلا بخصومة صاحب المال، وكذا إذا غاب عند القطع لا يقطع عندنا، لأن الاستيفاء من القضاء في باب الحدود. وللمستودع والغاصب وصاحب الربا أن يقطعوا السارق منهم
ــ
[البناية]
(وعلى طريقة الاجتهاد) ش: أي قلنا: في طريقة أبي يوسف ومحمد اليد على الحداد بطل بطريق الاجتهاد م: (لا يضمن) ش: أي السارق لا يضمن المال؛ لوقوع القطع موقع الحد بالاجتهاد والضمان والقطع لا يجتمعان.
م: (ولا يقطع السارق إلا أن يحضر المسروق منه فيطالب بالسرقة؛ لأن الخصومة شرط لظهورها) ش: أي لظهور السرقة، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وابن أبي ليلى، وأبو بكر الحنبلي: لا تشترط المطالبة لظهورها لعموم الآية، كما في حد الزنا.
قلنا: السرقة جناية على مالك بغير إذنه ولم تثبت الجناية إلا بمطالبة ذلك، إذ بالمطالبة يظهر عدم الإباحة إذ لو لم يحضر عليه تمكن فيه شبهة الإباحة، إما بإباحة الملك أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة دفعاً لهذه الشبهة.
أما الزنا لا يباح بالإباحة فلا تتمكن فيه الشبهة، وعلى هذا الخلاف إذا غاب المالك عند القطع لم يقطع حتى يحضر، وبه قال الشافعي وأحمد خلافاً لهم، لأن الإمضاء من باب القضاء في الحدود.
[الشهادة والإقرار في السرقة ومن له يد حافظة سوى المالك إذا سرق منه]
م: (ولا فرق بين الشهادة والإقرار عندنا خلافاً للشافعي ﵀ في الإقرار) ش: وهذا وجه في قوله، والأصح عنده أن الإقرار كالبينة م: (لأن الجناية في مال الغير لا تظهر إلا بخصومة صاحب المال) ش: قيل: إن معنى قوله إن الجناية على مال الغير لا تظهر إلا بخصومة هو معنى قوله لأن الخصومة شرط لظهورها، فيكون فيه توهم التكرار. ورد بأن الأول تعليل لاشتراط الحضور، والثاني لعدم التفرقة بين الإقرار والشهادة وإن كانا بمعنى واحد فافهم.
م: (وكذا إذا غاب عند القطع) ش: أي المسروق منه عند القطع م: (لا يقطع عندنا، لأن الاستيفاء) ش: أي استيفاء القطع م: (من القضاء في باب الحدود) ش: فإذا قطع قبل حضوره يكون باستيفاء الحد مع قيام الشبهة وهو لا يجوز م: (وللمستودع) ش: بفتح الدال، أي الذي عنده الوديعة م: (والغاصب وصاحب الربا) ش: صورته رجل باع عشرة دراهم بعشرين درهماً وقبضه فسرق منه يقطع بخصومته. وكذا المستودع والغاصب، وهو معنى قوله م: (أن يقطعوا السارق منهم) ش: أي من هؤلاء الثلاثة، فيقطع بخصومتهم عند علمائنا الثلاثة، وقال الأكمل: ولم يذكر العاقد الآخر من عاقدي الربا، فكأنه بالتسليم لم يبق له ملك ولاية، فلا
стр. 3502
وكذا الوديعة يقطعه أيضا، وكذا المغصوب منه. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا يقطع بخصومة الغاصب والمستودع. وعلى هذا الخلاف المستعير والمستأجر والمضارب والمستبضع والقابض على سوم الشراء والمرتهن وكل من له يد حافظة سوى المالك،
ويقطع بخصومة المالك في السرقة من هؤلاء المذكورين، إلا أن الراهن إنما يقطع بخصومته حال قيام الرهن قبل قضاء الدين؛ أو بعده
ــ
[البناية]
يكون له ولاية الخصومة بخلاف رب الوديعة والمنسوب منه؛ لأن الملك لهما باق.
م: (وكذا الوديعة يقطعه أيضاً، وكذا المغصوب منه) ش: لأن الملك لهما باق م: (وقال زفر والشافعي - رحمهما الله: لا يقطع بخصومة الغاصب والمستودع) ش: لأن شبهة الإذن بالأخذ والتملك قائمة من المالك، فالقطع لا يجب بالشبهة م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بيننا وبين زفر والشافعي م: (المستعير والمستأجر والمضارب والمستبضع) ش: بفتح الضاد مستعمل، وإن كان الصواب كسر الضاد م: (والقابض على سوم الشراء والمرتهن وكل من له يد حافظة سوى المالك) ش: كمتولي الوقف والأب والصبي فيقطع السراق منهم، لأن هذا سرقة ظهرت بحجة كاملة بخصومة معتبرة لثبوت حق هؤلاء في الانتفاع واليد كالمالك.
[السرقة من المرتهن]
م: (ويقطع بخصومة المالك في السرقة من هؤلاء المذكورين) ش: يعني لو سرق سارق من أحد من هؤلاء وخاصم المالك يقطع لقيام ملكه م: (إلا أن الراهن) ش: استثناء منقطع، وقد اختلف نسخ الهداية فيه، ففي بعضها إلا أن الرهن م: (إنما يقطع بخصومته حال قيام الرهن) ش: أي المرهون في يد السارق م: (قبل قضاء الدين أو بعده) ش: وفي بعض النسخ حال قيام الرهن بعد قضاء الدين.
قال الكاكي: والصحيح من النسخ بعد قضاء الدين بدونه قيل: لما أنه ذكره في " المحيط ".
وفي " الإيضاح " لو سرق من المرتهن له أن يقطعه لا للراهن؛ لأنه لا سبيل للراهن على أخذ الرهن.
ثم قال: وإن قضى الدين فله أن يقطعه؛ لأن له أن يأخذ الرهن حينئذ، وقد نقل عن ابن المصنف أنه قال: كان في نسخة المصنف بعد القضاء. وقال تاج الشريعة: قوله قبل قضاء الدين أو بعده.
قيل: فيه نظر؛ لأنه ذكر في " الإيضاح " وليس للراهن أن يقطع السارق؛ لأن حق القطع القبض من المرتهن. ولو قال الراهن للمرتهن ائت بالرهن لأقضي الدين، فحينئذ له دلالة القطع بحق منه قبل القضاء، هكذا رأيت في بعض المواضع، فلو كان الحكم هكذا يخرج من النظر.
وقال الأكمل ﵀ بعد أن ذكر في بعض النسخ بعد القضاء الشارحون نقلاً
стр. 3503
لأنه لا حق له في المطالبة بالعين بدونه، والشافعي ﵀ بناه على أصله إلا أنه خص منه لهؤلاء في الاسترداد عنده. وزفر ﵀ يقول: ولاية الخصومة في حق الاسترداد ضرورة الحفظ، فلا تظهر في حق القطع؛ لأن فيه تفويت الصيانة.
ولنا أن السرقة موجبة للقطع من نفسها ، وقد ظهرت عند القاضي بحجة شرعية وهي شهادة رجلين عقيب خصومة معتبرة
ــ
[البناية]
وعقلاً، أما نقلاً فإنه موافق رواية الإيضاح وذكرناه، وأما عقلاً فلأن السارق إنما يقطع بخصومة من له ولاية الاسترداد، وليس للراهن ذلك قبل قضاء الدين، انتهى.
قلت: فإنه ما قاله تاج الشريعة.
م: (لأنه لا حق له في المطالبة بالعين دونه) ش: أي لأن الراهن ليس له طلب العين المرهونة بدون قضاء الدين، هذا ذكره شيخي. وقال الأكمل: والضمير في بدونه راجع إلى قضاء الدين، وعلى النسخة الأولى إلى قيام الرهن، فكان شرط جواز القطع بخصومة الراهن أمرين، أحدهما قيام المرهون، حتى لو هلك ولا سبيل للراهن عليه لبطلان دينه عنه، والآخر قضاء الدين لحصول ولاية الاسترداد حينئذ.
م: (والشافعي ﵀ بناه على أصله) ش: أشار بهذا إلى أن الشافعي وزفر بعد أن اتفقا في الحكم المذكور كما مر قد اختلفا في ترجيح المناطة، فالشافعي بناه على أصله م: (إلا أنه خص منه لهؤلاء) ش: أي المذكورين المستودع والمستعير إلى آخر ما ذكر م: (في الاسترداد عنده) ش: إذا جحد من في يده المال ما لم يحضر المالك، وإذا لم يكن الاسترداد لا يلتفت إلى خصومتهم.
ولكن قال في " الوجيز " يقطع بالسرقة من يد المودع والوكيل والمرتهن، وبهذا قال في " شرح المجمع " وتركت الخلاف المذكور في المنظومة في أنه لا يقطع بالسرقة من يد المودع. وقال مالك: قطع من يد المودع والوكيل والمرتهن والمستعير.
م: (وزفر ﵀ يقول: ولاية الخصومة في حق الاسترداد ضرورة الحفظ) ش: يعني ولا يتهم لأجل الحفظ فيظهر في حق الحفظ م: (فلا تظهر في حق القطع، لأن فيه) ش: أي لأن في ظهور حق القطع م: (تفويت الصيانة) ش: لأن المال مضمون على السارق، فلو استوى القطع سقط الضمان، فيكون فيه تضييع لا صيانة، وهو مأذون بالحفظ والصيانة.
[السرقة موجبة للقطع من نفسها]
م: (ولنا أن السرقة موجبة للقطع من نفسها وقد ظهرت) ش: أي السرقة م: (عند القاضي بحجة شرعية وهي شهادة رجلين عقيب خصومة) ش: لأن خصومتهم م: (معتبرة) ش: لحاجتهم إلى الاسترداد، لأن اعتبار خصومة الملك إلى إظهار السارق لإعادته إلى المحل لتحصيل أغراض متعلقة باليد.
стр. 3504
مطلقا، إذ الاعتبار لحاجتهم إلى الاسترداد فيستوفي القطع، والمقصود من الخصوم إحياء حقه وسقوط العصمة ضرورة استيفاء القطع، فلم يعتبر،
ولا معتبر بشبهة موهومة الاعتراض كما إذا حضر المالك وغاب المؤتمن، فإنه يقطع بخصومته في ظاهر الرواية وإن كانت شبهة الإذن في دخول الحرز ثابتة،
ــ
[البناية]
وهو المعنى الموجود في حق هؤلاء، أما المستأجر، والمستعير فلاحتياجهما إلى الانتفاع بالمحل والمرتهن والمودع؛ لأجل الحفظ الملتزم والمتمكن من رده إلى المالك يخرجا عن عهدة الضمان م: (مطلقاً) ش: قاله لنفي قول زفر، فإن خصومة هؤلاء عنده في حق الاسترداد دون القطع م: (إذ الاعتبار لحاجتهم إلى الاسترداد) ش: لإعادة اليد؛ لأن اليد مقصودة في ذلك وهم في ذلك كالمالك، فإذا كان كذلك م: (فيستوفي القطع) ش: لأن الخصومة مطلقة لا لضرورة فقط كما قال زفر.
م: (والمقصود من الخصومة) ش: أي مقصود صاحب اليد من الخصومة م: (إحياء حقه) ش: أي حق المالك م: (وسقوط العصمة) ش: جواب عن قول زفر؛ لأن فيه تفويت الصيانة، تقريره أن سقوط العصمة م: (ضرورة استيفاء القطع) ش: يعني أن الإمام استوفى القطع حقاً لله تعالى، فسقط الضمان ضرورة، فلا يصير المودع مسقطاً للضمان، فإذا كان سقوط الضمان من ضرورة القطع كان ضمناً م: (فلم يعتبر) ش: لأن الضمنيات لا تعتبر.
[استيفاء القطع بحضرة المالك]
م: (ولا معتبر بشبهة موهومة الاعتراض) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: ينبغي أن لا يقطع السارق بدون حضرة المالك كما مر قبل هذا الاحتمال أنه لو حضر وأقر السارق بالمسروق فأجاب بقوله: ولا معتبر أي الاعتبار شبهة موهومة الاعتراض، أي لتوهم اعتراض إقرار من المالك إذا حضر أن المؤثر شبهة يوهم وجودها في الحال ما لا يتوهم اعتراضها في المال.
م: (كما إذا حضر المالك وغاب المؤتمن) ش: وهو المودع بفتح الدال، فإن فيه شبهة موهومة أيضاً، وهو أن يحضر المؤتمن م: (فإنه يقطع بخصومته) ش: أي بخصومة المالك م: (في ظاهر الرواية) ش: احترز به عن رواية ابن سماعة ومحمد أن المالك ليس له أن يقطع حال غيبة المودع؛ لأن السارق لم يسرق من المالك، وإنما سرق من الذي كان عنده فلم يجز أن يطالب بذلك غيره م: (وإن كانت شبهة الإذن في دخول الحرز ثابتة) ش: كلمة إن واصلة بما قبله، أي يقطع وإن كانت شبهة الإذن من المؤتمن في دخول الحرز ثابتة.
فإن قيل: القطع عقوبة يسقط بالشبهة، فلا يثبت بخصومة المودع كالقصاص.
قلنا: القطع عقوبة يجب حقاً لله تعالى إجماعاً، وإنما شرطت الخصومة، بخلاف البيان إذ كما ليس للسارق، لكن يعزه، والمودع يملك هذه الخصومة بخلاف القصاص، فإنه حق العبد.
стр. 3505
وإن قطع سارق بسرقة فسرقت منه، لم يكن له أن يقطع السارق الثاني؛ لأن المال غير متقوم في حق السارق الأول، حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك، فلم تنعقد موجبة في نفسها، وللأول ولاية الخصومة في الاسترداد في رواية، إذ الرد واجب عليه. ولو سرق الثاني قبل أن يقطع الأول أو بعدما درئ الحد بشبهة يقطع بخصومة الأول، لأن سقوط التقوم ضرورة القطع ولم يوجد، فصار كالغاصب. لو سرقت سرقة فردها على المالك قبل الارتفاع إلى الحاكم لم يقطع. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقطع اعتبارا بما إذا رده بعد المرافقة.
ــ
[البناية]
[قطع بسرقة فسرقت منه أو رد المسروق قبل بلوغ الحاكم]
م: (وإن قطع سارق بسرقة فسرقت منه) ش: أي من السارق م: (لم يكن له) ش: أي للسارق م: (ولا لرب السرقة أن يقطع السارق الثاني) ش: وبه قال أحمد والشافعي في قول. وقال الشافعي ومالك في قول: يقطع بدعوى المالك؛ لأنه سرق نصاباً من حرز لا شبهة فيه سواء قطع السارق الأول أو لا. وذكر أصحاب الشافعي الخصم في قطع هذا السارق المالك لا السارق والغاصب.
قال صاحب " الحلية ": وعندي أن كل واحد من المالك والسارق والغاصب خصم م: (لأن المال غير متقوم في حق السارق الأول، حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك فلم تنعقد موجبة في نفسها) ش: أي فلم تنعقد السرقة موجبة للقطع في نفسها، وأيضاً أن يده لم تبق من الأيدي التي ذكرناها من ملك وديعة وخصومة، ومن هذه في صفة لا تعتبر في القطع. م: (وللأول) ش: أي وللسارق الأول م: (ولاية الخصومة في الاسترداد في رواية إذ الرد واجب عليه) ش: وليس له ذلك في رواية أخرى؛ لأن يده ليست بصحيحة؛ لكون اليد الصحيحة عبارة من أن يكون يد ملك أو ضمان أو أمانة ولم يوجد.
م: (ولو سرق الثاني قبل أن يقطع الأول) ش: أي السارق الأول م: (أو بعد ما درئ الأول) ش: أي أو سرق الثاني بعدما درئ القطع بشبهة م: (يقطع بخصومة الأول) ش: أي بسارق الأول م: (لأن سقوط التقوم ضرورة القطع ولم يوجد، فصار كالغاصب) ش: والدرء هنا بالشبهة كعدم القطع، ولا فرق عند أحمد بين القطع وعدمه، لأن يد السارق على المال لا يد أمانة ولا يد ملك، فأشبه ما لو وجد ضائعاً.
م: (ولو سرقت) ش: أي مسروقة، في نسخة ومن سرق م: سرقة فردها على المالك قبل الارتفاع إلى الحاكم لم يقطع) ش: في ظاهر الرواية.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقطع اعتباراً بما إذا رده بعد المرافقة) ش: بجامع أن القطع حق الله تعالى فلا يحتاج فيه إلى الخصومة شرط الظهور، فكذا ما بعد الارتفاع وقبله سواء.
стр. 3506
وجه الظاهر أن الخصومة شرط لظهور السرقة؛ لأن البينة إنما جعلت حجة ضرورة قطع الخصومة، وقد انقطعت الخصومة، بخلاف ما بعد المرافقة لانتهاء الخصومة لحصول مقصودها فتبقى تقديرا.
وإذا قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبت له لم يقطع، معناه
ــ
[البناية]
م: (وجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن الخصومة شرط لظهور السرقة؛ لأن البينة) ش: وفي " النهاية " في بعض النسخ بالواو، أي ولأن البينة.
وقال الكاكي: ولكن نسخة شيخي بلا واو، وقال هو الأصح. قلت: وكذا نسخة شيخي بلا واو.
وقال: هو الأصح. ثم كتب بخطه على حاشية الكتاب؛ لأن البينة م: (إنما جعلت حجة) ش: مع قيام احتمال الكذب م: (ضرورة قطع الخصومة) ش: فخصومة المالك شرط لإقامة البينة م: (وقد انقطعت الخصومة) ش: لزوال الملك قبل الارتفاع إلى الحاكم، فلا تبقى البينة حجة بعد ذلك لانعدام الشرط، وهذا الذي كتب إيضاحاً لما قاله المصنف، لأن البينة إنما جعلت حجة ضرورة قطع المنازعة وقد انقطعت الخصومة فلا تبقى حجة.
م: (بخلاف ما بعد المرافقة) ش: يعني لو ردها بعد سماع البينة والقضاء يقطع، وبعد السماع قبل القضاء يقطع استحساناً لظهور السرقة عند القاضي بالشهادة بعد خصومة معتبرة م: (لانتهاء الخصومة لحصول مقصودها) ش: قال الأترازي: لحصول مقصودها، الضمير راجع إلى الخصومة، أي لحصول المقصود من الخصومة؛ لأن المقصود بالخصومة استرداد المال إلى المالك، والشيء يتقرر بانتهائه لا أنه يبطل كالنكاح ينفرد بالموت، لا أنه يبطل لكن الخصومة تبطل. فأما تقدير الاستيفاء القطع، وهو معنى قوله م: (فتبقى تقديراً) ش: باعتبار قيام يده على المال ولو رده على ولده أو ذي رحم لم يكن في عيال المالك يقطع؛ لعدم الوصول إليه حقيقة وحكماً.
ولهذا يضمن المودع والمستعير بالدفع إليه. وإن كان في عياله لا يقطع؛ لأن يد من في عياله كيده حكماً، ولهذا لا يضمن المودع المستعير بالدفع إليه.
وكذا لو رده على امرأته أو عبده أو أجيره مشاهرة أو مسانهة، ولو دفع إلى والده أو جده أو والدته وليسوا في عياله لا يقطع؛ لأن بهؤلاء شبهة المالك في ماله بالنص، فتثبت شبهة الرد.
ولو دفع إلى عيالها لا يقطع لأنه شبهة، وهي معتبرة. ولو دفع إلى مكاتبه لا يقطع، لأن عبده لو سرق من المكاتب ورده إلى سيده لا يقطع، ولو سرق من العيال ورده إلى من بعولتهم لا يقطع، لأن يده عليهم فوق أيديهم في ماله.
[قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبت له]
م: (وإذا قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبت له لم يقطع) ش: هذه المسألة ذكرت في " الجامع الصغير " بهذه العبارة، وفسرها المصنف بقوله: م: (معناه) ش: أي معنى ما ذكره محمد
стр. 3507
إذا سلمت إليه. وكذلك إذا باعها المالك إياه. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله - يقطع، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ لأن السرقة قد تمت انعقادا وظهورا، وبهذا العارض لم يتبين قيام الملك وقت السرقة فلا شبهة فيقطع. ولنا أن الإمضاء من القضاء في هذا الباب لوقوع الاستغناء عنه بالاستيفاء، إذ القضاء للإظهار،
والقطع، حق الله تعالى وهو ظاهر عنده. وإذا كان كذلك يشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء
ــ
[البناية]
فيها فوهبت له م: (إذا سلمت إليه) ش: يعني إذا سلمت السرقة إلى العين المسروقة، لأن الهبة إذا لم تتصل بالتسليم والقبض لا يثبت الملك.
م: (وكذلك إذا باعها المالك إياه) ش: أي إذا باع العين المسروقة مالك إياه، أي السارق م: (وقال زفر والشافعي - رحمهما الله - يقطع) ش: وبه قال مالك وأحمد م: (وهو رواية) ش: أي ما قاله زفر والشافعي رواية م: (عن أبي يوسف ﵀ لأن السرقة قد تمت انعقاداً) ش: باحتمال الغير على وجه الحقيقة من حرز لا شبهة فيه، إذ وضع المسألة في ذلك م: (وظهوراً) ش: أي من حيث الظهور، لأن الفرض أنه قضي عليه بالقطع، ولا يكون ذلك إلا بعد ظهورها.
م: (وبهذا العارض) ش: وهو ثبوت الملك بالهبة والشراء لا قيام الملك وقت السرقة؛ لأن الهبة والشراء يوجب ملكاً حادثاً فلا يمنع به الاستيفاء، وبهذا احترز به عما أقر به المالك أن المسروق للسارق.
فإن الإقرار يظهر ما كان ثابتاً للمقر له م: (لم يتبين قيام الملك وقت السرقة) ش: لم ينته ثبوت الملك للسارق وقت وجود السرقة، فإذا كان الأمر كذلك م: (فلا شبهة فيقطع) .
م: (ولنا أن الإمضاء من القضاء) ش: يعني أن استيفاء الحد من تتمة قول القاضي حكمت أو قضيت بالقطع أو بالرجم أو بالجلد م: (في هذا الباب) ش: أي في باب الحدود م: (لوقوع الاستغناء عنه) ش: أي عن القضاء م: (بالاستيفاء) ش: يعني أن القضاء في هذا الباب لا يغني عنه إلا بالاستيفاء م: (إذ القضاء) ش: أي لأن القضاء م: (للإظهار) ش: ولا إظهار هاهنا؛ لأن القطع حق الله تعالى.
وهو معنى قوله
[الفسق في الشهود على السرقة ورد المسروق بعد الواقعة قبل الاستيفاء]
م: (والقطع حق الله تعالى، وهو ظاهر عنده) ش: أي عند الله تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فلا حاجة إلى الإظهار.
م: (وإذا كان كذلك) ش: أي إذا كان الإمضاء من القضاء م: (يشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء) ش: كما يشترط وقت ابتداء القضاء وقد انتهى ذلك بالبيع والهبة، لأن ما يكون شرطاً لوجوب القضاء يراعى وجوده إلى وقت الاستيفاء، لأن المعترض قبل الاستيفاء كالمقترن بأصل السبب، بدليل العمى والخرس والردة والفسق في الشهود، فإن الحدود لا تستوفى إذا كان
стр. 3508
وصار كما إذا ملكها منه قبل القضاء. وكذلك إذا نقصت قيمتها من النصاب يعني قبل الاستيفاء بعد القضاء، وعن محمد ﵀ أنه يقطع، وهو قول الشافعي وزفر - رحمهما الله - اعتبارا بالنقصان في العين. ولنا أن كمال النصاب لما كان شرطا يشترط قيامه عند الإمضاء لما ذكرنا. بخلاف النقصان في العين؛ لأنه مضمون عليه فكمل النصاب عينا ودينا، كما إذا استهلك كله، أما نقصان السعر غير مضمون فافترقا.
ــ
[البناية]
الشهود على هذه الأوصاف وقت الاستيفاء بالإجماع، وذكره في " الأسرار ".
م: (وصار) ش: أي الملك الحادث م: (كما إذا ملكها منه قبل القضاء) ش: لأنه بما لم يمض فكأنه لم يقض، ولقائل أن يقول: جعلتم الخصومة باقية تقديراً في صورة رد المسروق بعد الواقعة قبل الاستيفاء لم يكن الاستيفاء من القضاء حتى أوجبتم القطع، وهنا جعلتم الاستيفاء من القضاء وجعلتم البيع والهبة دافعاً لوجود الحد، وما ذلك إلا تناقض.
والجواب: الاستيفاء من القضاء في باب الحدود مطلقاً، لكن في صورة الرد لم يحصل بالرد سوى الواجب عليه بالأخذ، وهاهنا حديث بينهما تصرف موضوع لإفادة الملك، فكان شبهة م: (وكذلك إذا نقصت قيمتها من النصاب يعني قبل الاستيفاء بعد القضاء) ش: أي نقصت من حيث السعر، فإنه ذكر في " المحيط ": لو كان نقصان القيمة لنقصان في المعنى وإن كان لنقصان السعر لا يقطع في ظاهر الرواية.
م: (وعن محمد ﵀ أنه يقطع، وهو قول الشافعي وزفر - رحمهما الله-) ش: وقول مالك وأحمد: م: (اعتباراً بالنقصان في العين) ش: يعني بأن هلك درهم من العشرة، أو استهلكه، وهذا بناء على أن المعتبر في قيمة المسروق أن تكون السرقة الموجبة للقطع عشرة دراهم، فإن نقص عن ذلك قبل القطع في العين لم يمنع من الاستيفاء منه بالاتفاق فيهما.
وإن كان النقصان لتراجع السعر فكذلك عن محمد في غير ظاهر الرواية اعتباراً بالأول بجامع وجود سرقة نصاب فيها إن كان النصاب لما كان شرطاً في الابتداء.
م: (ولنا) ش: وهو وجه ظاهر الرواية م: (أن كمال النصاب لما كان شرطاً) ش: في الابتداء م: (يشترط قيامه عند الإمضاء لما ذكرنا) ش: أراد به قوله: إن الإمضاء من القضاء.
م: (بخلاف النقصان في العين؛ لأنه مضمون عليه) ش: أي على السارق والضمان قائم مقام المضمون م: (فكمل النصاب عيناً) ش: أي من حيث العين وقت الأخذ فيما إذا كان المسروق من ذوات الأمثال م: (وديناً) ش: أي من حيث الدين وقت الاستيفاء فيما إذا كان المسروق من ذوات القيم م: (كما إذا استهلكه كله) ش: أي كما إذا استهلك السارق كل العين م: (أما نقصان السعر غير مضمون) ش: فكان النصاب مناقضاً عند القطع فصار شبهة م: (فافترقا) ش: أي افترق نصاب
стр. 3509
وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينة، معناه بعدما شهد الشاهدان بالسرقة. وقال الشافعي ﵀: لا يسقط بمجرد الدعوى؛ لأنه لا يعجز عنه سارق فيؤدي إلى سد باب الحد. ولنا أن الشبهة دارئة وتتحقق بمجرد الدعوى للاحتمال ولا معتبر بما قال، بدليل صحة الرجوع بعد الإقرار. وإذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما: هو مالي لم يقطعا؛ لأن الرجوع عامل في حق
ــ
[البناية]
السعر ونقصان العين حيث وجب القطع في الثاني دون الأول.
[أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما هو مالي]
م: (وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه) ش: أي عن السارق م: (وإن لم يقم بينة) ش: واصلة بما قبله، وهو رد لقول الشافعي على ما نذكره، وهو لفظ القدوري وفسره المصنف بقوله م: (معناه) ش: أي معنى كلام القدوري م: (بعدما شهد الشاهدان بالسرقة) ش: إنما فسره بذلك احترازاً عما إذا فعل ذلك بعد الإقرار بالسرقة، فإنه يسقط القطع بالاتفاق.
م: (وقول الشافعي ﵀: لا يسقط بمجرد الدعوى) ش: وفي المغني لابن قدامة في كتب أصحاب الشافعي ﵀: يحلف المسروق منه، فإن نكل لا قطع عليه بالإجماع. وإن حلف لا يقطع أيضاً وهو نص الشافعي.
وقال بعض أصحابه: فيه وجهان قيل: لا يقطع، وبه قال أحمد في رواية؛ لأن سقوط القطع بمجرد دعواه يؤدي إلى سد باب القطع، إذ كل سارق لا يعجز عن هذا.
وعن أحمد في رواية أخرى أنه إن كان السارق معروفاً بالسرقة قطع؛ لأنه يعلم كذبه بدلالة الحال وأولى الروايات أنه لا يقطع بكل حال؛ لأن الحد يندرئ بالشبهات، وهي احتمال صدقه م: (لأنه لا يعجز عنه سارق) ش: أي عن قول أنها ملكه م: (فيؤدي إلى سد باب الحد) ش: وسمى الشافعي هذا السارق ظريفا لأن أكثر السراق لا يعلمون هذا.
م: (ولنا أن الشبهة دارئة) ش: للحد م: (وتتحقق) ش: أي الشبهة م: (بمجرد الدعوى للاحتمال) ش: أي لاحتمال دعواه الصدق م: (ولا معتبر بما قال) ش: أي الشافعي أنه لا يعجز عنه سارق م: (بدليل صحة الرجوع بعد الإقرار) ش: أي بالسرقة مع أنه لا يعجز عنه سارق وما من مقر إلا وتمكن من الرجوع، وكان ذلك معتبراًَ في إيراث الشبهة.
فكذا هذا وفيه نظر؛ لأن إقراره حجة قاصرة، والبينة حجة كاملة لما عرف، ولا يلزم أن يكون مورث الشبهة في الحجة القاصرة موروثاً لما في الكاملة. والجواب أن الكمال المقصود بالنسبة إلى التعدي إلى الغير وعدمه، وليس كلامنا فيه، وأما بالنسبة إلى المقر فيهما سواء.
م: (وإذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما هو مالي لم يقطعا) ش: سواء ادعى قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء. وعند الأئمة الثلاثة لم يعتبر دعواه بعد القضاء م: (لأن الرجوع عامل في حق
стр. 3510
الراجع ومورث للشبهة في حق الآخر؛ لأن السرقة تثبت بإقرارهما على الشركة، فإن سرقا ثم غاب أحدهما وشهد الشاهدان على سرقتهما قطع الآخر في قول أبي حنيفة لا في قولهما والآخر وهو قولهما، وكان يقول أولا لا يقطع؛ لأنه لو حضر ربما يدعي الشبهة. وجه قوله الآخر أن الغيبة تمنع ثبوت السرقة على الغائب، فيبقى معدوما، والمعدوم لا يورث الشبهة ولا يعتبر توهم حدوث الشبهة على ما مر،
وإذا أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها فإنه يقطع وترد السرقة إلى المسروق منه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ﵀: يقطع والعشرة للمولى. وقال محمد ﵀: لا يقطع، والعشرة للمولى إذا كذبه المولى. ولو أقر بسرقة مال مستهلك قطعت يده.
ــ
[البناية]
الراجع ومورث للشبهة في حق الآخر؛ لأن السرقة تثبت بإقرارهما على الشركة) ش: فيكون فعلاً واحداً م: (فإن سرقا ثم غاب أحدهما وشهد الشاهدان على سرقتهما قطع الآخر في قول أبي حنيفة لا في قولهما والآخر وهو قولهما، وكان) ش: أي أبو حنيفة م: (يقول أولاً: لا يقطع، لأنه) ش: أي لأن الغائب م: (لو حضر ربما يدعي الشبهة) ش: وهي دارئة للحد عن نفسه، وعن الآخر حد، فلو قطعنا الحاضر قطعناه مع الشبهة، وهو لا يجوز.
م: (وجه قوله الآخر) ش: أي وجه قول أبي حنيفة الآخر م: (أن الغيبة تمنع ثبوت السرقة على الغائب) ش: لأن القضاء على الغائب لا يجوز م: (فيبقى معدوماً) ش: أي يبقى فعل السرقة معدوماً م: (والمعدوم لا يورث الشبهة) ش: في حق الموجود، وهذا لأن الشبهة هي المحققة الموجودة لا الموهومة م: (ولا يعتبر توهم حدوث الشبهة) ش: لأنه لو اعتبر يلزم اعتبار شبهة الشبهة، وهي محطة عن حيز الاعتبار م: (على ما مر) ش: إشارة إلى قوله: ولا معتبر بشبهة موهومة الاعتراض.
[أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها أوأقر بالسرقة ثم رجع]
م: (وإذا أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها) ش: يعني كائنة بعينها م: (فإنه يقطع وترد السرقة إلى المسروق منه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ﵀: يقطع والعشرة للمولى) ش: وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد.
م: (وقال محمد ﵀: لا يقطع، والعشرة للمولى) ش: وحكي عن الطحاوي ﵀ أنه قال: سمعت أستاذي ابن أبي عمران يقول الأقاويل الثلاثة كلها عن أبي حنيفة فقوله الأول أخذ به محمد ثم رجع، وقال كما قال أبو يوسف فأخذ به أبو يوسف ثم رجع إلى القول الثالث واستقر عليه معنا م: (إذا كذبه المولى) ش: أي معنى قول محمد والعشرة للمولى إذا كذبه المولى بأن قال: المال مالي فالعشرة له ولا يقطع العبد.
م: (ولو أقر) ش: أي العبد المحجور م: (بسرقة مال مستهلك قطعت يده) ش: اتفاقاً بين
стр. 3511
ولو كان العبد مأذونا له يقطع في الوجهين. وقال زفر ﵀ لا يقطع في الوجوه كلها؛ لأن الأصل عنده أن إقرار العبد على نفسه بالحدود والقصاص لا يصح؛ لأنه يرد على نفسه وطرفه وكل ذلك مال للمولى والإقرار على الغير غير مقبول، إلا أن المأذون له يؤاخذ بالضمان والمال لصحة إقراره به لكونه مسلطا عليه من جهته، والمحجور عليه لا يصح إقراره بالمال أيضا ونحن نقول: يصح إقراره من حيث إنه آدمي ثم يتعدى إلى المالية فيصح من حيث إنه مال؛ ولأنه لا تهمة في هذا الإقرار لما يشتمل عليه من الأضرار ومثله مقبول على الغير.
ــ
[البناية]
علمائنا الثلاثة.
قال تاج الشريعة: لأن الإقرار بسرقة مال مستهلك إقرار بحد مفرد، والإقرار بحد مفرد صحيح من العبد المحجور عند علمائنا الثلاثة، كما لو اقر بالزنا أو بشرب الخمر م: (ولو كان العبد مأذوناً له يقطع في الوجهين) ش: أي فيما إذا كان المال قائماً أو مستهلكاً.
م: (وقال زفر ﵀: لا يقطع في الوجوه كلها) ش: أي فيما إذا كان العبد محجوزاًَ أو مأذوناً والحال قائم أو هالك م: (لأن الأصل عنده) ش: أي عند زفر م: (أن إقرار العبد على نفسه) ش: مأذوناً كان أو محجوراً م: (بالحدود والقصاص لا يصح، لأنه) ش: أي لأن الإقرار م: (يرد على نفسه) ش: يعني في القصاص.
م: (وطرفه) ش: يعني في الحدود م: (وكل ذلك) ش: أي طرفه ونفسه م: (مال للمولى والإقرار على الغير غير مقبول) ش: ألا ترى أنه لو أقر برقبة الغير كان إقراره باطلاً م: (إلا أن المأذون له يؤاخذ بالضمان) ش: إن كان مستهلكاً.
م: (والمال لصحة إقراره به) ش: أي يؤاخذ بالمال إن كان قائماً بصحة إقراره به م: (لكونه) ش: أي لكون المأذون له م: (مسلطاً عليه من جهته) ش: أي لكونه مسلطاً على إقراره من جهة المولى م: (والمحجور عليه لا يصح إقراره بالمال أيضاً) ش: أي كما لا يصح في النفس أيضاً.
م: (ونحن نقول يصح إقراره من حيث إنه آدمي) ش: مخاطب لا من حيث إنه مال م: (ثم يتعدى إلى المالية فيصح من حيث إنه مال) ش: يعني لما صح إقراره من حيث إنه آدمي صح من حيث أنه مال أيضاً لسراية إليها، لأن آدميته لا تنفك عنه ماليته، فالسراية من حيث إنه مال تبعاً وقد يثبت الشيء تبعاً ولا يثبت قصداً.
م: (ولأنه لا تهمة في هذا الإقرار لما يشتمل عليه من الأضرار) ش: أي على العبد؛ لأن ما يلحقه من الضرر باستيفاء العقوبة منه فوق ما يلحقه المولى م: (ومثله) ش: أي ومثل ما كان ضرراً لإقرار فيه أدى إلى السفر وإلى الغير م: (مقبول على الغير) ش: أي بطريق التبعية لانعدام تهمة الكذب في ذلك الإقرار إذا شهد الواحد عند الإمام برؤية هلال رمضان وفي السماء علة يقبل
стр. 3512
لمحمد ﵀ في المحجور عليه أن إقراره بالمال باطل؛ ولهذا لا يصح منه الإقرار بالغصب فيبقى مال المولى. ولا قطع على عبد في سرقة مال المولى، يؤيده أن المال أصل فيها، والقطع تابع حتى تسمع الخصومة فيه بدون القطع، ويثبت المال دونه. وفي عكسه لا تسمع ولا يثبت. وإذا بطل فيما هو الأصل يبطل في التبع بخلاف المأذون، لأن إقراره بالمال الذي في يده صحيح فيصح في حق القطع تبعا.
ــ
[البناية]
الإمام شهادته.
وإن لم يقبلها في سائر المواضع لعدم التهمة، حيث يلزم الصوم كما يلزم غيره، وكذلك الحر المديون إذا أقر بالقتل العمد فإنه يقتص منه بالإجماع وإن كان فيه إبطال ديون الغرماء.
م: (لمحمد ﵀ في المحجور عليه أن إقراره بالمال باطل، ولهذا) ش: أي ولأجل بطلان إقرار المحجور عليه بالمال م: (لا يصح منه الإقرار بالغصب) ش: فكذا لا يصح إقراره بالسرقة، فإذا لم يصح إقراره بالمالية في حق المالية م: (فيبقى مال المولى) ش: على ملكه م: (ولا قطع على عبد في سرقة مال المولى) ش: أي في سرقة مال حكم به لسيده، لأن كون المال مملوكاً لغير السارق وغير مولاه شرط وجوب القطع م: (يؤيده) ش: أي يؤيده ما ذكره محمد.
وهذا إشارة إلى أن لكل واحد من أصحابنا الثلاثة أصلاً، فأبو حنيفة يقول: القطع أصل والمال تابع بدليل أنه يبطل بالتقادم، وبدليل أنه لو قال: أبقي المال ولا أبقي القطع لم يسقط القطع.
وأبو يوسف يقول: كل منهما أصل، أما أصالة القطع فيما قالوا في الحر إذا أقر وقال: سرقت هذا المال من زيد وهو في يد عمرو وكذبه عمرو يصح إقراره في حق القطع دون المالية. وأما أصالة المال فلأنه إذا سرق ما دون العشرة لا يقطع، والخصومة شرط، ولولا أن المال أصل يوجب القطع بدونها؛ لأنه محض حق الله تعالى، وهو مستوفى بلا طالب.
ومحمد يقول: المال أصل والقطع تبع، وهو معنى قول المصنف م: (أن المال أصل فيها) ش: أي في السرقة م: (والقطع تابع حتى تسمع الخصومة فيه) ش: أي في المال م: (بدون القطع) ش: مثل أن يقول: أطلب المال منه دون القطع م: (ويثبت المال دونه) ش: أي دون القطع، كما إذا شهد رجل وامرأتان أو أقر بالسرقة ثم رجع فإنه يضمن المال ولا يقطع م: (وفي عكسه) ش: بأن قال: أطلب القطع دون المال م: (لا تسمع) ش: أي الخصومة.
م: (ولا يثبت) ش: أي المال م: (وإذا بطل) ش: أي الإقرار م: (فيما هو الأصل) ش: أي المال م: (يبطل في التبع) ش: وهو القطع م: (بخلاف المأذون؛ لأن إقراره بالمال الذي في يده صحيح فيصح في حق القطع تبعاً) ش: لصحة الإقرار به.
стр. 3513
ولأبي يوسف ﵀ أنه أقر بشيئين بالقطع وهو على نفسه فيصح على ما ذكرناه، وبالمال وهو على المولى فلا يصح في حقه فيه والقطع يستحق بدونه. كما إذا قال الحر الثوب الذي في يد زيد سرقته من عمرو، وزيد يقول هو ثوبي تقطع يد المقر، وإن كان لا يصدق في تعيين الثوب حتى لا يؤخذ من زيد ولأبي حنيفة ﵀ أن الإقرار بالقطع قد صح منه لما بينا فيصح بالمال بناء عليه، لأن الإقرار ينافي حالة البقاء، والمال في حالة البقاء تابع للقطع حتى تسقط عصمة المال باعتباره، ويستوفي القطع بعد استهلاكه،
ــ
[البناية]
م: (ولأبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي العبد م: (أقر بشيئين بالقطع وهو) ش: أي القطع م: (على نفسه) ش: صحيح م: (فيصح ما ذكرناه) ش: أي إقراره في حق القطع م: (وبالمال) ش: أي وإقراره بالمال م: (وهو) ش: أي الإقرار بالمال م: (على المولى فلا يصح في حقه فيه) ش: أي فلا يصح إقرار العبد في حق المولى في المال م: (والقطع يستحق بدون) ش: أي بدون المال م: (كما إذا قال الحر: الثوب في يد زيد سرقته من عمرو، وزيد يقول: هو ثوبي تقطع يد المقر) ش: لصحة إقراره.
م: (وإن كان) ش: واصل بما قبله، أي وإن كان العبد م: (لا يصدق في تعيين الثوب حتى لا يؤخذ من زيد) ش:.
وفي " المبسوط ": وكما لو أقر بسرقة مال مستهلك وهذا؛ لأنه لم يقبل إقراره في تعيين هذا المال بقي المسروق مستهلكاً.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن الإقرار بالقطع قد صح منه) ش: أي من العبد م: (لما بينا) ش: إشارة إلى قوله: ونحن نقول يصح إقراره من حيث إنه آدمي م: (فيصح) ش: أي إقراره م: (بالمال بناء عليه) ش: أي على صحة الإقرار بالقطع لما شهدنا من أصله فيما مضى م: (لأن الإقرار ينافي حالة البقاء) ش: أي بقاء السرقة؛ لأن الإقرار بالشيء إظهار أمر قد كان فلا بد من وجود المخبر به قبل الإقرار، ألا ترى أن إقرار أحد الزوجين بالنكاح صحيح من غير شهادة م: (والمال في حالة البقاء تابع للقطع، حتى تسقط) ش: بالرفع؛ لأن حتى بمعنى الفاء م: (عصمة المال باعتباره) ش: أي باعتبار القطع م: (ويستوفي القطع بعد استهلاكه) .
ش: أي استهلاك المال، فلو أبطلنا إقراره في حق القطع باعتبار المال لجعلنا المال في البقاء أصلاً، وهذا باطل، كذا في جامع البرهاني.
وفي بعض الشروح وقوله باعتباره، أي باعتبار القطع لما يجيء من أصلنا أن القطع لا يجتمع من الضمان، ثم سقوط العصمة والتقوم في حق السارق يدل على أن المال تابع به؛ لأنه لو كان أصلاً لما تغير حاله من التقوم إلى غيره؛ لأنه مقصود منه إنما يكون بالتقوم، وكذلك استيفاء
стр. 3514
بخلاف مسألة الحر؛ لأن القطع إنما يجب بالسرقة من المودع، أما لا يجب بسرقة العبد مال المولى فافترقا. ولو صدقه المولى يقطع في الفصول كلها لزوال المانع.
وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت على صاحبها لبقائها على ملكه، وإن كانت مستهلكة لم يضمن، وهذا الإطلاق يشمل الهلاك والاستهلاك، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀ وهو المشهور. وروى الحسن عنه أنه يضمن بالاستهلاك. وقال الشافعي ﵀: يضمن فيهما لأنهما حقان قد اختلف سبباهما فلا يمتنعان،
ــ
[البناية]
القطع بعد استهلاك المال، فيدل على ذلك إذ لا وجود للتابع مع عدم وجود الأصل.
م: (بخلاف مسألة الحر) ش: جواب عما أشهد به أبو يوسف بقوله كما إذا قال الحر: الثوب الذي في يد زيد إلى آخره، بيانه أن هذه المسألة له ليست نظير تلك المسألة؛ لأنه ليس من ضرورة كونه مسروقاً عن شخص كونه مالكاً، لجواز أن يكون مودعاً فيقطع م: (لأن القطع إنما يجب بالسرقة من المودع) ش: بخصومته وإن لم يرد إليه المال، وأما هاهنا. فلو لم يرد المال إلى المسروق منه لزم أن يكون ذلك المال مال المولى، فحينئذ لا يجب القطع، لأن العبد إذا سرق مال المولى لا تقطع يده، وهو معنى قوله م: (أما لا يجب) ش: أي القطع م: (بسرقة العبد مال المولى فافترقا) ش: أي الحكمان المذكوران.
م: (ولو صدقه المولى) ش: أي ولو صدق المولى عبده م: (يقطع في الفصول كلها) ش: وهي أن يكون العبد مأذوناً أو محجوراً عليه، والمال قائم بنفسه أو مستهلك، والمولى يكذبه أو يصدقه، فإذا صدقه المولى يقطع في هذه الفصول كلها م: (لزوال المانع) ش: أي من القطع ووجود المقتضى له.
[قطع السارق والعين قائمة في يده]
م: (وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده) ش: أي والحال أن العين موجودة م: (ردت على صاحبها لبقائها) ش: أي لبقاء العين م: (على ملكه) ش: أي على ملك المسروق منه.
م: (وإن كانت) ش: أي العين م: (مستهلكة لم يضمن، وهذا الإطلاق) ش: أراد به إطلاق القدوري في مختصره بقوله: إن كانت هالكة، يعني قوله: إن كانت هالكة م: (يشمل الهلاك والاستهلاك) ش: لأنه لما لم يجد الضمان في الاستهلاك، ففي الهلاك أولى م: (وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة) ش: يعني شمول الإطلاق الهلاك والاستهلاك، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة.
م: (وروى الحسن عنه أنه) ش: أي أن الضمان يجب بالاستهلاك دون الهلاك م: (وقال الشافعي يضمن فيهما) ش: أي في الهلاك والاستهلاك م: (لأنهما حقان) ش: أي القطع والضمان حقان م: (قد اختلف سبباهما فلا يمتنعان) ش: أي لا يمتنع أحدهما بالآخر، وبين
стр. 3515
فالقطع حق الشرع، وسببه ترك الانتهاء عما نهى عنه، والضمان حق العبد وسببه أخذ المال. فصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم، أو شرب خمرا مملوكا لذمي، ولنا قوله ﵇: «لا غرم على السارق بعدما قطعت يمينه» .
ــ
[البناية]
اختلاف السببين بقوله م: (فالقطع حق الشرع، وسببه ترك الانتهاء عما نهى عنه، والضمان حق العبد، وسببه أخذ المال) ش: لا خلاف لأهل العلم أن المال إذا كان قائماً يرد على مالكه، وكذا لو باعه السارق أو وهبه يأخذه من المشتري والموهوب له، ويبطل البيع والهبة.
واختلفوا في الثالثة، فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: يجب على السارق رد قيمتهما، أو مثلياً إن كان مثلياً، وهو قول إبراهيم النخعي، وحماد، والحسن البصري، وإسحاق، والليث بن سعد. وقال علماؤنا والثوري: لا يجتمع الضمان مع القطع، فلو ضمنه المالك قبل القطع سقط القطع، وإن قطعه سقط الضمان، وهو قول عطاء، ومحمد بن سيرين، وابن شبرمة، وعامر الشعبي، ومكحول. وقال مالك إن كان السارق معسراً فلا ضمان عليه، وإن كان موسراً يضمن لنظر الجانبين.
م: (فصار) ش: أي حكم هذا على الوجه المذكور م: (كاستهلاك صيد مملوك في الحرم) ش: يعني من حيث إنه يجب قيمته للمالك، وقيمة أخرى لجزاء ارتكاب المحظور لله تعالى م: (أو شرب خمراً مملوكاً لذمي) ش: يعني على أصلكم، فإن ضمان الخمر بالاستهلاك لا يجب عند الشافعي وإن كان لذمي، وعندنا يجب قيمته ويحد.
م: (ولنا قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ م: «لا غرم على السارق بعدما قطعت يمينه» ش: هذا الحدث غريب بهذا اللفظ، ومعناه ما أخرجه النسائي في سننه، عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بن فضالة، عن يونس بن يزيد، عن سعيد بن إبراهيم، عن المسعود بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد» ، انتهى.
قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت. وأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: «لا غرم على السارق بعد قطع يمينه» ، وقال المسور بن إبراهيم: لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، فإن صح إسناده فهو مرسل، وسعيد بن إبراهيم مجهول. ورواه البزار في مسنده بلفظ: «لا يضمن السارق سرقة بعد إقامة الحد» . قال المسور بن إبراهيم: لم يلق عبد الرحمن بن عوف ﵁، ورواه الطبراني في " الأوسط ". وقال لا يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا بهذا الإسناد، وهو غير متصل؛ لأن المسور لم يسمع من جده عبد الرحمن بن عوف. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل " سألت أبي عن هذا الحديث، فقال هذا حديث منكر، ومسور لم يلحق عبد الرحمن، وقد طول الأكمل
стр. 3516
ولأن وجوب الضمان ينافي القطع؛ لأنه يتملكه بأداء الضمان مستندا إلى وقت الأخذ، فتبين أنه ورد على ملكه فينتفي القطع للشبهة وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي
ــ
[البناية]
هنا كلاماً ولم يتعرض لبيان حال الحديث.
وقال الكاكي وذكر ابن قدامة في " المغني ": قال ابن المنذر: سعيد بن إبراهيم مجهول، وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بقوي.
قلنا: ليس كذلك، فإن الزهري يروي عن سعيد بن إبراهيم هذا الحديث، نقله عبد الباقي. وقال عبد الباقي هذا صحيح، وقول ابن قدامة ليس أجود القاطع عليه.
قلنا: إطلاق الغرم على أجرة القاطع خلاف الظاهر، مع أنه نكرة في موضع النفي، انتهى.
قلت: رواه ابن جرير الطبري، هذا الحديث في " تهذيب الآثار " موصولاً، فقال حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير، عن الفضل بن فضالة، عن يونس بن يزيد، وسعد بن إبراهيم، حدثني أخو المسور بن إبراهيم، عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه» .
وأخرجه أبو عمر عبد الله عن طريق ابن جرير، وهذا المسور وأبوه على شرط البخاري، وأبوه ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم قال ابن جرير ما ملخصه فيه البيان من صحة قول من لم يضمن السارق بعد الحد وفساد قول من ضمنه، ثم حكي عدم التضمين عن ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وعطاء، والحسن، وقتادة.
وقال: وعلتهم مع الأثر القياس على إجماعهم على أن أهل العدل إذا ظهروا على الخوارج لم يغرموا ما استهلكوه، وكذا قطاع الطريق. ولو كان السارق في التضمين كالغاصب للتعدية لوجب الضمان على هؤلاء لتعديهم وظلمهم، قال: وهذا هو الصواب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: الآية ٣٨) ، فلم يأمر بالتغريم، ولو كان لازماً لعرفهم كما عرفهم بالقطع.
[الضمان في المسروق]
م: (ولأن وجوب الضمان ينافي القطع، أنه يتملكه) ش: أي لأن السارق يتملك المسروق م: (بأداء الضمان) ش: حال كونه م: (مستنداً إلى وقت الأخذ) ش: أي أخذ السرقة م: (فتبين أنه) ش: أي أن الأخذ م: (ورد على ملكه فينتفي القطع للشبهة وما يؤدي) ش: أي والشيء الذي يؤدي م: (إلى انتفائه) ش: أي انتفاء القطع المشروع م: (فهو المنتفي) ش: لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء
стр. 3517
ولأن المحل لا يبقى معصوما حقا للعبد إذ لو بقي لكان مباحا في نفسه فينتفي القطع للشبهة فيصير محرما حقا للشرع كالميتة، ولا ضمان فيه، إلا أن العصمة لا يظهر سقوطها في حق الاستهلاك؛ لأنه فعل آخر غير السرقة ولا ضرورة في حقه، وكذا الشبهة تعتبر فيما هو السبب دون غيره. ووجه المشهور أن الاستهلاك إتمام المقصود فتعتبر الشبهة فيه، وكذا يظهر سقوط العصمة في حق الضمان، لأنه من ضرورات سقوطها في حق الهلاك لانتفاء المماثلة
ــ
[البناية]
م: (ولأن المحل) ش: أي المال م: (لا يبقى معصوماً) ش: قبل القطع حال كونه م: (حقاً للعبد، إذ لو بقي) ش: معصوماً حقاً للعبد م: (لكان مباحاً في نفسه) ش: لأنه عرف بالاستقراء ما هو حرام حقاً للعبد فهو مباح في نفسه، فكان المال للسارق حراماً من وجه دون وجه م: (فينتفي القطع للشبهة) ش: أي لشبهة كونه مباحاً في نفسه، حاصله: أن الشبهة هو أن تكون الحرمة ثابتة من وجه دون وجه، فحينئذ يندرئ الحد.
فإذا لم يبق معصوماً حقاً للعبد م: (فيصير محرماً حقاً للشرع كالميتة ولا ضمان فيه) ش: أي في المحرم حقاً للشرع، لأن العصمة جواب سؤال تقديره العصمة لما انتقلت إلى الله تعالى، فصار المال المسروق كالميتة والخمر وجب أن لا يجب الضمان عند الاستهلاك. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة وجوب الضمان فيه كما مر عن قريب.
وتقدير الجواب أن يقال م: (إلا أن العصمة لا يظهر سقوطها في حق الاستهلاك؛ لأنه) ش: أي لأن الاستهلاك م: (فعل آخر غير السرقة ولا ضرورة في حقه) ش: أي في حق فعل آخر م: (وكذا الشبهة) ش: وهي كونه مباحاً في نفسه م: (تعتبر فيما هو السبب) ش: وهو السرقة م: (دون غيره) ش: وهو الاستهلاك.
م: (ووجه المشهور) ش: وهو عدم وجوب الضمان في الاستهلاك كما في الهلاك م: (أن الاستهلاك إتمام المقصود) ش: بالسرقة، لأنه إنما سرق ليصير إلى بعض حوائجه، فكانت تتمة السبب، لأنه فعل آخر م: (فتعتبر الشبهة فيه) ش: لإسقاط الضمان كاعتبارها في نفس السرقة.
م: (لأنه) ش: أي لأن سقوط العصمة م: (من ضرورات سقوطها في حق الهلاك لانتفاء المماثلة) ش: بين المال المسروق وبين الضمان؛ لأن الضمان مال معصوم حقاً للعبد في حالتي الهلاك والاستهلاك والمال المسروق معصوم حقاً في حال الاستهلاك فقط، فإذا انتفت المماثلة انتهى الضمان، لأن ضمان المقدور شرط بالمماثلة بالنص، ولهذا لا يجب الضمان عندنا بمقابلة استهلاك المنافع بالغصب لانتفاء المماثلة.
стр. 3518
ومن سرق سرقات فقطع في إحداها فهو جميعها ولا يضمن شيئا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يضمن كلها إلا التي قطع لها، ومعنى المسألة إذا حضر أحدهم فإن حضروا جميعا وقطعت يده بخصومتهم لا يضمن شيئا بالاتفاق في السرقات كلها لهما أن الحاضر ليس بنائب عن الغائب، ولا بد من الخصومة لتظهر السرقة فلم تظهر السرقة من الغائبين فلم يقع القطع لها فبقيت أموالهم معصومة. وله أن الواجب بالكل قطع واحد حقا لله تعالى؛ لأن مبنى الحدود على التداخل والخصومة شرط ظهور عند القاضي. أما الوجوب بالجناية فإذا استوفى فالمستوفى كل الواجب، ألا ترى أنه يرجع نفعه إلى الكل
ــ
[البناية]
[سرق سرقات فقطع في إحداها]
م: (ومن سرق سرقات فقطع في إحداها) ش: أي في إحدى السرقات يعني لأجل واحد منها م: (فهو) ش: أي القطع واقع م: (بجميعها) ش: بالاتفاق؛ لأن القطع يتداخل بالإجماع، وبه قالت الثلاثة م: (ولا يضمن شيئاً) ش: أي لأرباب المسروقات م: (عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يضمن كلها) ش: أي كل السرقات م: (إلا التي) ش: أي إلا السرقة التي م: (قطع لها، ومعنى المسألة إذا حضر أحدهم) ش: أي أحد أرباب السرقات وادعى السرقة م: (فإن حضروا جميعاً وقطعت يده بخصومتهم لا يضمن شيئاً بالاتفاق في السرقات كلها. لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن الحاضر ليس بنائب عن الغائب) ش: حتى يجعل خصومته لخصومتهم م: (ولا بد من الخصومة لتظهر السرقة فلم تظهر السرقة من الغائبين فلم يقع القطع لها) ش: أي للسرقات كلها، وإذا لم يقع القطع لها م: (فبقيت أموالهم معصومة) ش: والمال المعصوم مضمون لا محالة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الواجب بالكل) ش: أي بكل السرقات م: (قطع واحد حقاً لله تعالى) ش: وكل ما كان كذلك يتدخل م: (لأن مبنى الحدود على التداخل والخصومة شرط ظهور عند القاضي) ش: قد وجد ذلك أيضاً بالنسبة إلى الجمع.
قال تاج الشريعة: والشروط تراعى وجودها قصداً، ولهذا يصح الاعتكاف بصوم رمضان، والصلاة بالوضوء لدخول المسجد.
م: (أما الوجوب) ش: أي وجوب القطع م: (بالجناية) ش: جزاء لها م: (فإذا استوفى) ش: يعني ذلك القطع الواحد م: (فالمستوفى كل الواجب، ألا ترى أنه يرجع نفعه) ش: وهو الانزجار م: (إلى الكل) ش: فيقطع عن الكل.
فإن قيل: الحكم الثابت هاهنا لا يرد على الثابت والقطع يتضمن البراءة عن ضمان المسروق، ولو أبرأه الواحد عن ضمان الكل نصاً لم يبرأ، فكيف يبرأ إذا ثبت ضمناً؟. أجيب: بأنه كم من شيء ثبت ضمناً ولا يثبت قصداً كبيع الشرب ووقف النقول، ثم هاهنا لما وقع القطع في حق الكل بالإجماع تبعه ما هو ثابت في ضمنه وهو سقوط الضمان.
стр. 3519
وعلى هذا الخلاف إذا كانت النصب كلها لواحد فخاصم في البعض.
ــ
[البناية]
فإن قيل: الخصومة شرط ليصير الخصم باذلاً للمال، إذ لا يصح البدل من واحد عن الكل. قلنا: بذل المال لسقوط عصمته أمر شرعي يثبت بناء على استيفاء القطع لا باختيار العبد، ألا ترى أنه مستوفى بخصومة من يملك البذل، ومن لا يملك، كالأب والوصي.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (إذا كانت النصب) ش: بضم النون والصاد جمع نصاب م: (كلها لواحد فخاصم في البعض) ش: أي في بعض النصب، يعني لو سرق السارق النصب من شخص واحد مراراً فخاصم في البعض فقطع لأجل ذلك، فعند أبي حنيفة لا يضمن النصب الباقي. وعند أبي يوسف ومحمد يضمن فافهم.
стр. 3520
باب ما يحدث السارق في السرقة ومن سرق ثوبا فشقه في الدار نصفين ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم قطع. وعند أبي يوسف ﵀ لا يقطع، لأن له فيه سبب الملك وهو الخرق الفاحش، فإنه يوجب القيمة وتملك المضمون، فصار كالمشتري إذا سرق مبيعا فيه خيار للبائع. ولهما أن الأخذ وضع سببا للضمان لا للملك، وإنما الملك يثبت ضرورة أداء الضمان كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد، ومثله لا يورث الشبهة.
ــ
[البناية]
[باب ما يحدث السارق في السرقة]
م: (باب ما يحدث السارق في السرقة)
ش: أي هذا باب في بيان حكم ما يحدثه السارق في العين التي يسرقها، ويحدث بضم الياء من الإحداث.
م: (ومن سرق ثوباً فشقه في الدار نصفين ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم قطع) ش: قيد بقوله في الدار، لأنه لو شقه خارج الدار يقطع بالإجماع، سواء بلغت قيمته نصاباً أو لا. ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة. وكذا لو بلغت قيمته نصاباً بعد الشق في البيت. وقيد بقوله وهو يساوي، أي الثوب يساوي عشرة بعد الشق؛ لأنه لو لم يساوي عشرة بعد الشق لا يجب القطع بالاتفاق.
م: (وعند أبي يوسف ﵀ لا يقطع، لأنه له فيه سبب الملك وهو الخرق الفاحش) ش: وهذا الخرق طولاً فإنه خرق فاحش م: (فإنه) ش: أي فإن الخرق الفاحش م: (يوجب القيمة وتملك المضمون) .
ش: ولهذا قلنا: المالك بعد الشق بالخيار إن شاء ملك الثوب بالضمان لانعقاد سبب الملك؛ لأنه لو لم ينعقد لما وجب التمليك بكسر من السارق م: (فصار) ش: أي حكم هذا م: (كالمشتري) ش: بكسر الراء م: (إذا سرق مبيعاً فيه خيار للبائع) ش: ثم فسخ البائع فإنه لا يقطع هناك فكذلك هنا. والجامع بينهما أن السرقة فيه تمت على عين غير مملوكة للسارق، ولكن ورد عليه سبب الملك.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (أن الأخذ) ش: أي هذا الأخذ م: (وضع سبباً للضمان لا للملك) ش: يعني لا نسلم أن له فيه سبب الملك؛ لأن الأخذ المعروف ليس بموضع له، وإنما هو موضوع سبباً للضمان، فكان له سبب الضمان، لا أنه سبب الملك م: (وإنما الملك يثبت ضرورة أداء الضمان كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد) ش: وهما البدل والمبدل.
م: (ومثله) ش: أي ومثل هذا الأخذ الذي هو سبب للضمان م: (لا يورث الشبهة) ش: لأنه
стр. 3521
كنفس الأخذ، وكما إذا سرق البائع معيبا باعه، بخلاف ما ذكر، لأن البيع موضوع لإفادة الملك، وهذا الخلاف فيما إذا اختار تضمين النقصان وأخذ الثوب. فإن اختار تضمين القيمة وترك الثوب عليه لا يقطع بالاتفاق، لأنه ملكه مستندا إلى وقت الأخذ، فصار كما إذا ملكه بالهبة فأورث شبهة، وهذا كله إذا كان النقصان فاحشا، فإن كان يسيرا يقطع بالاتفاق لانعدام سبب الملك، إذ ليس له اختيار تضمين كل القيمة، وإن سرق شاة فذبحها
ــ
[البناية]
ليس بموضوع للملك م: (كنفس الأخذ) ش: فإنه يحتمل أن يصير سبباً بعد الضمان، ومع هذا فلم يعتبر شبهة.
م: (وكما إذا سرق البائع معيباً باعه) ش: ولم يعلم المشتري بالعيب، فإنه يقطع وأن العقد سبب الرد وهو العيب، فكذلك هاهنا يقطع وأن القطع سبب الضمان وهو الشق م: (بخلاف ما ذكر) ش: أبو يوسف، وهو قوله كالمشتري إذا سرق بيعاً فيه الخيار للبائع؛ لأن سبب الملك فيه موجود م: (لأن البيع موضوع لإفادة الملك، وهذا الخلاف) ش: أي الذي بين أبي يوسف وصاحبيه م: (فيما إذا اختار) ش: أي الملك م: (تضمين النقصان وأخذ الثوب) ش: لا يقال الأصل عندكم أن القطع والنقصان لا يجتمعان.
فإذا اختار تضمن النقصان كيف يمكن من القطع، لأن القول بضمان النقصان يكون بجناية آخر قبل الاحتياج، وهي ما فات من العين، والقطع بإخراج الباقي كما لو أخذ ثوبين فأحرق أحدهما في البيت وأخرج الأخرى، قيمة أحدهما نصاب. وأورده على هذا الجواب الاستهلاك على ظاهر الرواية، فإنه فعل غير السرقة مع أنه لا يجب الضمان.
ومن هذا ذهب بعضهم إلى أنه إن اختار القطع لا يضمن النقصان. والجواب أن القطع الباقي بعد الحرق وليس فيه ضمان بخلاف المستهلك، فإن القطع كان لأجله لا شيء آخر. م: (فإن اختار تضمين القيمة وترك الثوب عليه لا يقطع بالاتفاق؛ لأنه ملكه مستنداً إلى وقت الأخذ، فصار كما إذا ملكه بالهبة) ش: فإنه إذا وهب له بعد تمام السرقة يسقط القطع، فلأن لا يجب إذا ملكه قبل تمام السرقة أولى م: (فأورث شبهة) ش: وهي دارئة الحد م: (وهذا كله) ش: أي هذا الخلاف مع هذه التفصيلات م: (إذا كان النقصان فاحشاً) ش: والفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة وهو الصحيح. وقال التمرتاشي: روي في حد الإتلاف فإنه لا يكون النقصان أكثر من نصف القيمة، وقبل النقصان الفاحش أن ينقص بالخرق ربع القيمة فصاعداً وما دونه يسير. وقيل ما لا يصح الباقي للثوب فهو فاحش والصلح يسير.
م: (فإن كان) ش: أي النقصان م: (يسيراً يقطع بالاتفاق؛ لانعدام سبب الملك إذ ليس له اختيار تضمين كل القيمة) ش: بل له تضمين قيمة النقصان. م: (وإن سرق شاة فذبحها) ش: في الحرز
стр. 3522
ثم أخرجها لم يقطع؛ لأن السرقة تمت على اللحم، ولا قطع فيه.
ومن سرق ذهبا أو فضة يجب فيه القطع فصنعه دراهم أو دنانير قطع فيه، ويرد الدراهم والدنانير إلى المسروق منه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا سبيل إلى المسروق منه عليهما، وأصله في الغصب، فهذه صنعة متقومة عندهما خلافا له، ثم وجوب الحد لا يشكل على قوله؛ لأنه لم يملكه، وقيل على قولهما لا يجب، لأنه ملكه قبل القطع، ولأنه صار بالصنعة شيئا آخر فلم يملك عينه،
فإن سرق ثوبا فصبغه أحمر قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-. وقال محمد ﵀ يؤخذ منه الثوب ويعطى ما زاد الصبغ فيه اعتبارا بالغصب، والجامع بينهما كون الثوب أصلا قائما وكون الصبغ تابعا.
ــ
[البناية]
م: (ثم أخرجها لم يقطع) ش: وإن كانت قيمة المذبوحة عشرة دراهم م: (لأن السرقة تمت على اللحم، ولا قطع فيه) ش: أي في اللحم.
[سرق ذهباً أو فضة فصنعه دراهم ودنانير]
م: (ومن سرق ذهباً أو فضة يجب فيه القطع) ش: وهو صفة للذهب والفضة؛ لأنها جملة فعلية وقعت صفة للنكرة. وجواب المسألة هو قوله: قطع فيه، أي ما بلغ قيمة عشرة دراهم م: (فصنعه دراهم أو دنانير قطع فيه، ويرد الدراهم والدنانير إلى المسروق منه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي القطع عنده، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (لا سبيل إلى المسروق منه عليهما) ش: أي على الدراهم والدنانير، وفي نسخة شيخي عليها وهو الأحسن م: (وأصله) ش: أي أصل الخلاف م: (في الغصب) ش: أي هذه الصفة لا ينقطع بها حق المالك عنده في الغصب خلافاً لهما، فكذا في السرقة م: (فهذه صنعة متقومة عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد م: (خلافاً له) ش: أي لأبي حنيفة م: (ثم وجوب الحد لا يشكل على قوله؛ لأنه) ش: لأن السارق م: (لم يملكه) ش: أي المسروق م: (وقيل: على قولهما لا يجب، لأنه ملكه قبل القطع، ولأنه صار بالصنعة شيئاً آخر فلم يملك عينه) ش: أي عين المسروق.
وفي بعض النسخ عينهما، أي عين الذهب والفضة، وإنما ملك شيئاً غيرهما، فإن الأعين تتبدل بالصفات، أصله حديث.
[قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن]
م: (وإن سرق ثوباً فصبغه أحمر قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن) ش: أي قيمة الثوب.
م: (وهذا) ش: أي عدم أخذ الثوب وعدم الضمان م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-. وقال محمد ﵀ يؤخذ منه الثوب ويعطى) ش: أي السارق م: (ما زاد الصبغ فيه) ش: أي في الثوب م: (اعتباراً بالغصب) ش: أي قياساً عليه م: (والجامع بينهما) ش: المقيس والمقيس عليه م: (كون الثوب أصلاً قائماً وكون الصبغ تابعاً) ش: وبه قالت الثلاثة.
стр. 3523
ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى، حتى لو أراد أخذه مصبوغا يضمن ما زاد الصبغ فيه، وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى؛ لأنه غير مضمون على السارق بالهلاك والاستهلاك، فرجحنا جانب السارق، بخلاف الغصب؛ لأن حق كل واحد قائم صورة ومعنى فاستويا من هذا الوجه، فرجحنا جانب المالك لما ذكرنا، ولو صبغه أسود أخذ منه في المذهبين، يعني عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-. وعند أبي يوسف ﵀ هذا والأول سواء، لأن السواد زيادة عنده كالحمرة. وعند محمد زيادة أيضا كالحمرة ولكنه لا يقطع حق المالك لما مر، وعند أبي حنيفة ﵀ السواد نقصان فلا يوجد انقطاع حق المالك.
ــ
[البناية]
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن الصبغ قائم صورة ومعنى) ش: أما صورة فظاهر.
وأما معنى فمن حيث القيمة م: (حتى لو أراد) ش: أي المالك م: (أخذه) ش: أي أخذ الثوب حال كونه م: (مصبوغاً يضمن ما زاد الصبغ فيه، وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى؛ لأنه غير مضمون على السارق بالهلاك والاستهلاك، فرجحنا جانب السارق) ش: لأن مراعاة ما هو قائم صورة ومعنى أولى من مراعاة ما هو قائم صورة لا معنى، فرجحنا قول السارق أولاً بالوجود، كالموهوب له إذا صبغ الثوب أحمر القطع حق الواهب.
م: (بخلاف الغصب؛ لأن حق كل واحد) ش: من المالك والغاصب م: (قائم صورة ومعنى فاستويا) ش: أي فاستويا المالك والغاصب م: (من هذا الوجه) ش: أي من حيث إن حق كل منهما قائم صورة ومعنى فلم يكن الترجيح بالوجود، فرجحنا بالبقاء وهو أن الثوب أصل قائم والصبغ تابع وهو معنى قوله: فلم يكن الترجيح بالوجود م: (فرجحنا جانب المالك لما ذكرنا) ش: إشارة إلى قوله والجامع كون الثوب أصلاً قائماً، وكون الصبغ تابعاً.
م: (ولو صبغه أسود) ش: أي ولو صبغ السارق الثوب صبغاً أسود فقطع م: (أخذ) ش: أي الثوب م: (منه) ش: أي من السارق م: (في المذهبين، يعني عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله-، وعند أبي يوسف هذا والأول سواء) ش: أي أن الحكم في الصبغ الأسود والأحمر سواء عنده م: (لأن السواد زيادة عنده كالحمرة) ش: فلا يؤخذ هذا الثوب من السارق م: (وعند محمد زيادة أيضاً كالحمرة، ولكنه لا يقطع حق المالك لما مر) ش: أن الصبغ تابع م: (وعند أبي حنيفة ﵀ السواد نقصان فلا يوجب انقطاع حق المالك) ش: فلم يكن حق السارق فيه قائماً معنى فاستويا، فرجح جانب المالك كما قلنا. قال في المختلف: وهذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، فإن الناس ما كانوا يلبسون السواد في زمنه ويلبسون في زمنهما.
стр. 3524
باب قطع الطريق وإذا خرج جماعة ممتنعين
ــ
[البناية]
[باب قطع الطريق]
م: (باب قطع الطريق)
ش: أي هذا باب في بيان حكم قطع الطريق وقدم السرقة الصغرى على الكبرى؛ لأن السرقة تكون من الأصغر إلى الأكبر؛ ولأن الصغرى أكثر نوعاً من الأكبر يكون قطع سرقة، فلأن قطع الطريق بأخذ المال خفية من عين الإمام الذي على حفظ الطريق والمارة بشركته ومنعه، وأما كونه الكبرى فلأن ضرره يعم عامة المسلمين من حيث يقطع عليهم الطريق بزوال الأمن، ولأن موجبه أغلظ من حيث اليد والرجل من خلاف، ومن حيث القتل والصلب.
وأعلم أن لقطع الطريق شرائط:
الأول: أن يكون لهم شوكة وقوة بحيث لا يمكن للمارة المقاومة معهم وقطعوا الطريق، سواء كانت بالسلاح أو بالعصا الكبيرة أو الحجر وغيرها.
الثاني: أن يكون خارج المصر بعيداً عنه، وفي " شرح الطحاوي ": أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر. وعن أبي يوسف: لو كان أقل من سفر فحكمه حكم مسيرة سفر، أما في المصر أو في قرية أو بين قريتين لا يكون قطع الطريق خلافاً لأبي يوسف والشافعي ومالك. وأحمد توقف في ذلك. وفي " الحلة " عن مالك في المصر روايتان.
والثالث: أن يكون في دار الإسلام.
والرابع: أن يكون المأخوذ قدر النصاب، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا يعتبر النصاب لعموم الآية. ولنا قوله ﵇: «لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو ربع دينا» ولم يفصل.
والخامس: أن يكون القطاع كلهم أجانب في حق أصحاب الأموال حتى إذا كان فيهم ذو رحم محرم أو صبي أو مجنون لا يجب عليهم القطع خلافاً لأبي يوسف. والثالثة إذا كانت فيهم امرأة ففيه روايتان في رواية يقطع، وبه قالت الثلاثة والأصح أنها لا قطع.
والسادس: من إذا أخذوا قبل التوبة، حتى إذا أخذوا بعد التوبة ورد المال سقط عنهم الحد لا خلاف فيه، ولكن يسقط القصاص وضمان المال القائم والهالك.
م: (وإذا خرج جماعة) ش: هذا لفظ القدوري إلى قوله: قتلهم حداً، وأطلق اسم الجماعة لتناول المسلم والذمي والحر والعبد، وقوله م: (ممتنعين) ش: نصب على الحال من الجماعة، والمعنى خرجوا عن طاعة الإمام حال كونهم ممتنعين، والمراد من الامتناع أن يكون لا بحيث يمكن
стр. 3525
أو خرج واحد يقدر على الامتناع فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة. وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدا أو ما تبلغ قيمة ذلك قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا،
والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة: الآية ٣٣) ، والمراد منه والله أعلم التوزيع على الأحوال
ــ
[البناية]
لهم أن يدفعوا عن أنفسهم بقوتهم وشجاعتهم تعرض العين م: (أو خرج واحد يقدر على الامتناع) ش: بنفسه وقوله م: (فقصدوا قطع الطريق) ش: على المارة والمسافرين م: (فأخذوا) ش: على صيغة المجهول، يعني أخذهم الإمام م: (قبل أن يأخذوا) ش: أي قطاع الطريق م: (مالاً ويقتلوا نفساً) ش: أي وقبل أن يقتلوا نفساً من المارة م: (حبسهم الإمام) ش: جواب قوله: وإذا خرج، وهذه حالتهم الأولى، فإن فيها حبسهم الإمام م: (حتى يحدثوا توبة) ش: وهو المراد بالنفي المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة: الآية ٣٣) ، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ... الآية، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
م: (وإن أخذوا مال مسلم) ش: هذه حالتهم الثانية م: (أو ذمي) ش: أي أو مال ذمي م: (والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعداً) ش: أي أكثر من عشرة، وانتصابه على الحال فيهم من لم يدل على الإعراب م: (أو ما تبلغ قيمة ذلك) ش: أي أو أخذوا شيئاً من المتاع يبلغ قيمته عشرة دراهم.
وقال الحسن بن زياد: عشرون؛ لأنه يقطع من قاطع الطريق طرفان فيشترط النصاب بأن م: (قطع الإمام) ش: جواب قوله: وإن أخذوا مال مسلم م: (أيديهم وأرجلهم من خلاف) ش: يقطع اليمين من الأيدي واليسار من الأرجل.
م: (وإن قتلوا) ش: هذه حالتهم الثالثة م: (ولم يأخذوا مالاً قتلهم الإمام حداً) ش: أي قتلهم الإمام من حيث الحد لا قصاصاً، حتى لو عفى الأولياء عنهم لم يلتفت إلى عفوهم، وذلك؛ لأن الحد حق الله تعالى.
ولو آثر العفو العبد في حقه تعالى وليس للإمام أيضاً أن يعفو بما روي عن النبي ﷺ : «تعافوا الحدود فيما بينكم. فإذا رفعت إلى الإمام فلا عفى الله عنه إن عفى» . ذكر الأترازي هذا الحديث ولم ينسبه إلى أحد من الصحابة ولا إلى مخرج معتبر.
[قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن]
م: (والأصل فيه) ش: أي في قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن (قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية (المائدة: الآية ٣٣) ش: أي إلى آخر الآية م: (والمراد منه - والله أعلم - التوزيع) ش: أي من قول الله تعالى لهذا التوزيع م: (على الأحوال) ش: أي التقسيم على أحوال
стр. 3526
وهي أربعة هذه الثلاثة المذكورة، والرابعة نذكرها.
ــ
[البناية]
المحاربين.
وأشار هذا إلى أن كلمة أو في الأئمة للتفصيل أو للتقسيم على اختلاف الجناية لا للتخيير كما قال مالك، فإنه قال الإمام: إذا رأى القاطع جلد إذا رأى قطعه، وإن كان جلد إذا رأى له قطعه، والأكثر على أن أو للتوزيع، وبه قال الشافعي والليث وإسحاق وحماد وقتادة وأبو مجلز لاحق بن حميد وأصحاب أحمد، ومثل هذا روي عن ابن عباس.
وقال سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن البصري والضحاك وإبراهيم النخعي وأبو ثور وداود: الإمام مخير فيه لظاهر النص.
وعن ابن عباس ﵄ ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار، وقوله: يحاربون الله، والمراد من محاربة الله محاربة أوليائه وهم المؤمنين على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو لما كانوا مخالفين أمر الله تعالى ساعين في الأرض بالفساد وكأنهم محاربين الله تعالى، فأطلق اسم المحاربة لله تعالى اتباعاً، وقد ذكرنا أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق. وقيل نزلت في العرنيين ولم يصح؛ لأن النبي ﷺ سمل أعينهم وليس في هؤلاء ذلك.
وقيل: في المرتدين فلم يصح أيضاً، لأن الآية ناطقة بالقتل عند المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وليس شرط ذلك في المرتد، ولأن القتل سقط عنهم بالنص بالتوبة قبل القدرة عليهم، ويسقط عن المرتد بالتوبة مطلقاً.
[أحوال الحرابة]
م: (وهي) ش: أي الأحوال م: (أربعة هذه الثلاثة المذكورة) ش: وعلمت من قبل م: (والرابعة) ش: أي حالة رابعة م: (نذكرها) ش: أي عن أبي يوسف، وهو قوله والرابعة إذا قتلوا ... إلى آخره. والأحوال أربعة والأجزية كذلك. وكذا هذا في " الكافي ". وذكر التمرتاشي والأحوال خمس تخويف لا غير، وهنا عن رد أدنى التقرير وحبسوا حتى يتوبوا.
والثانية: أخذ المال فهنا إذا تابوا قبل الأخذ سقط الحد وضمن المال قائماً هالكاً. ولو أخذوا قبل التوبة قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وردوا المال قائما ولم يضمن الهالك عندنا، خلافاً للثلاثة.
والثالث: خرجوا لا غير، وفيه القصاص فيما يجرى فيه القصاص، والأمر شيء فيما لا يجري. والاستيفاء إلى صاحب الحق.
والرابعة: أخذوا المال وخرجوا بقطع من خلاف وبطل حكم الجراحات عندنا خلافاً للأئمة الثلاثة.
والخامسة: أخذوا المال وقتلوا أو قتل أحد منهم رجلاً بسلاح أو غيره، والإمام مخير على
стр. 3527
ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال، فاللائق تغلظ الحكم بتغلظها، أما الحبس في الأولى فلأنه هو المراد بالنفي المذكور؛ لأنه نفي عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر لإخافة، وشرط القدرة على الامتناع، لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة.
والحالة الثانية كما بيناها
ــ
[البناية]
ما ذكره في المتن. م: (ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال) ش: أي على حسب الأحوال الواقعة في قطع الطريق م: (فاللائق تغلظ الحكم) ش: أي الجزاء م: (بتغلظها) ش: أي بتغلظ الجناية لا بالتخيير؛ لأنه مستلزم مقابلة الجناية الغليظة جزاء خفيف أو بالعكس، وهو خلاف مقتضى الحكمة.
م: (أما الحبس في الأولى) ش: أي في الحالة الأولى م: (فلأنه) ش: أي فلأن الحبس م: (هو المراد بالنفي المذكور؛ لأنه) ش: أي لأن الحبس م: (نفي عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها) ش: وعند الشافعي ينفى من بلد إلى بلد لا يزال يطلب، وهو هارب فزعاً. وقال النخعي وقتادة وعطاء وأحمد: النفي تشريدهم عن الأمصار؛ لأن النفي مستعمل في الطرد والإبعاد.
ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري. وعن ابن عباس ﵄ أنه ينفى من بلده إلى بلد غيره، وبه قالت طائفة من أهل العلم، وما قلناه أولى، لأن تشريدهم بدون الحبس إخراج لهم إلى مكان يقطعون الطريق ويؤذون الناس.
وظاهر الآية تدل على أن النفي من وجه الأرض، ولا يمكن أن ينفى من جميع وجه الأرض؛ لأن ذا لا يتحقق ما دام حياً.
والمراد عن بعضها وهو بلده، وبه لا يحصل المقصود، وهو رفع أذاه عن الناس وإن كان في دار الإسلام إلى دار الحرب ففيه تعريضه على الردة وصيرورته حربياً، فعلم أن المراد نفيه عن جميع وجه الأرض لدفع شره، ولا يمكن هذا إلا بالحبس، لأن المحبوس يسمى خارجاً من الدنيا.
وقال صالح بن عبد القدوس:
خرجنا عن الدنيا ونحن من أهلنا ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا دخل السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
م: (ويعزرون أيضاً لمباشرتهم منكر الإخافة) ش: الإخافة مصدر من أخاف يخيف إخافة، وقال أبو بكر لا حد فيه، فيجب في مثله الحبس والتعزير.
م: (وشرط القدرة على الامتناع) ش: أي شرط القدوري قدرة قطاع الطريق على كونهم ممتنعين م: (لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة) ش: لأنه إذا لم يكن لهم منفعة وقوة على قطع الطريق لا يسمون قطاع الطريق، بل لهم لصوص دائرون يترقبون الغفلة عن الناس ليأخذوا أشياء.
م: (والحالة الثانية كما بيناها) ش: أي كما بينا حكماً من قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف م:
стр. 3528
لما تلوناه، وشرط أن يكون المأخوذ مال مسلم أو ذمي لتكون العصمة مؤبدة، ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع، وشرط كمال النصاب في حق كل واحد كيلا يستباح طرقه إلا بتناوله ما له خطر، والمراد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى كيلا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة. والحالة الثالثة كما بيناها لما تلوناه، ويقتلون حدا، حتى لو عفى الأولياء عنهم لا يلتفت إلى عفوهم؛ لأنه حق الشرع.
ــ
[البناية]
(لما تلوناه) ش: وهي الآية المذكورة م: (وشرط) ش: أي القدوري م: (أن يكون المأخوذ مال مسلم أو ذمي لتكون العصمة مؤبدة) ش: وليس تأبيد العصمة إلا في مال المسلم أو الذمي.
م: (ولهذا) ش: أي ويكون الشرط في المال المأخوذ أن يكون من المسلم أو الذمي م: (لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع) ش: لأن ماله غير معصوم على وجه التأبيد م: (وشرط) ش: أي القدوري م: (كمال النصاب في حق كل واحد) ش: وبه قال الشافعي وأحمد.
وعند مالك ﵀ لا يشترط النصاب كما لا يشترط الحرز، وبه قال ابن المنذر وأبو ثور. وعن الشافعي ﵀ في قول كقول مالك. وفي " شرح الوجيز " والمذهب هو الأول م: (كيلا يستباح طرقه) ش: أي طرق قاطع الطريق م: (إلا بتناوله ماله خطر) ش: أي قدروا قيمته.
م: (والمراد) ش: أي من قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة: الآية ٣٣) م: (قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى) ش: ولا خلاف لأهل العلم فيه، ولأن هذه الجناية لفاحشتها صارت كالسرقتين، والحكم في السرقتين هكذا.
فإن قيل ينبغي أن يكون نصاب كل واحد عشرين، لأنه كالسرقتين. قلنا تغليظ هذا الحد باعتبار تغلظ فعلهم محاربة الله ورسوله لا بكثرة المال.
م: (كيلا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة) ش: ولهذا إذا كانت يده اليمنى شلاء أو مقطوعة لا تقطع يده اليسرى؛ لأن فيه تفويت جنس المنفعة، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي في اليد الشل في قطعها روايتان كما في السارق، ولو كانت يده اليمنى مقطوعة قطعت رجله اليسرى، ولو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يده اليمنى فقط، ولا خلاف فيه.
م: (والحالة الثالثة كما بيناها) ش: بقوله وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً م: (لما تلوناه) ش: من الآية الكريمة م: (ويقتلون حداً) ش: العين في هذه الحالة يقتل قطاع الطريق من حيث الحد م: (حتى لو عفى الأولياء عنهم لا يلتفت إلى عفوهم؛ لأنه حق الشرع) ش: أي لأن الحد حق الشرع فلا يدخل عفو، وعليه جميع أهل العلم.
стр. 3529
والرابعة إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقتلهم وصلبهم وإن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم، وقال محمد ﵀: يقتل ويصلب ولا يقطع، لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم. ولهما أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلظ سببها، وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال، ولهذا كان قطع اليد والرجل معا في الكبرى حدا واحدا، وإن كانا في الصغرى حدين، والتداخل في الحدود لا في حد واحد.
ثم ذكر في الكتاب التخيير بين الصلب وتركه
ــ
[البناية]
م: (والرابعة) ش: أي الحالة الرابعة م: (إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم وإن شاء قتلهم) ش: يعني من غير قطع، وإن شاء صلبهم. وفي " جامع البزدوي " إن شاء صلبهم وإن شاء قتلهم من غير قطع م: (وإن شاء صلبهم) ش: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد في رواية، وهو قول زفر. وقال أبو يوسف: لا بد من الصلب.
م: (وقال محمد ﵀ يقتل أو يصلب ولا يقطع، لأنه) ش: أي لأن قطع الطريق م: (جناية واحدة) ش: وهي قطع الطريق م: (فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم) ش: فإن السارق إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم لا غير، لأن القتل يأتي على ذلك كله، وفي عامة الرواية من المباسط وشروح الجامع أبو يوسف مع محمد.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة، وأبي يوسف م: (أن هذه عقوبة واحدة) ش: من حيث إنها قطع الطريق لكنها م: (تغلظت لتغلظ سببها وهو تفويت الأمن على التناهي) ش: أي على النهاية م: (بالقتل، وأخذ المال، ولهذا) ش: أي لكونها عقوبة واحدة م: (كان قطع اليد والرجل معاً في الكبرى) ش: أي في السرقة الكبرى، وهي قطع الطريق م: (حداً واحداً وإن كانا في الصغرى حدين، والتداخل في الحدود) ش: إنما يكون في الحدود م: (لا في حد واحد) ش: وهو القطع والقتل حد واحد فلا يتداخلان.
فإن قلت: لو كانا حداً واحداً لم يجز للقاضي أن يقتصر على القتل.
قلت: إنما جاز ذلك لأن الترتيب ليس بواجب على ما بين القطع والقتل، فإذا ابتدأ بالقتل سقط القطع لعدم فائدته كالزاني إذا ضرب خمسين جلدة فمات ترك ما بقي، لأنه لا فائدة في إتمامه.
[التخيير بين الصلب وتركه في الحرابة]
م: (ثم ذكر) ش: أي القدوري م: (في الكتاب) ش: أي في مختصره م: (التخيير بين الصلب وتركه) ش: وهو قوله: وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم وهو ظاهر الرواية.
стр. 3530
وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يتركه؛ لأنه منصوص عليه، والمقصود التشهير ليعتبر به غيره. ونحن نقول: أصل التشهير بالقتل والمبالغة في الصلب فيتخير فيه، ثم قال: ويصلب حيا ويبعج بطنه ويطعن حتى يموت، ومثله عن الكرخي ﵀ وعن الطحاوي، ﵀ أنه يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة. وجه الأول وهو الأصح أن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع وهو المقصود به. ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام، لأنه يتغير بعدها فيتأذى الناس به، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يترك على خشبة حتى يتقطع
ــ
[البناية]
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي الإمام م: (لا يتركه) ش: أي لا يترك الصلب م: (لأنه) ش: أي لأن الصلب م: (منصوص عليه) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة: الآية ٣٣) م: (والمقصود التشهير ليعتبر به غيره) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله.
م: (ونحن نقول أصل التشهير بالقتل) ش: أي يحصل بالقتل م: (والمبالغة في الصلب فيتخير فيه) ش: أي فيتخير الإمام في الصلب م: (ثم قال) ش: أي القدوري م: (ويصلب حياً) ش: أي يصلب قاطع الطريق حال كونه حياً م: (ويبعج بطنه) ش: أي تشق من باب فعل يفعل بالفتح فيهما، يقال بعج الأرض شقها، ومنها قول القدوري.
حكى السرخسي عن أبي يوسف: وروي عن أبي يوسف أنه قال يصلبه وهو حي م: (ويطعن) ش: في لبته م: (حتى يموت) ش: ومرة قال تحت ثديه الأيسر ويخضخض حتى يموت.
كذا ذكره أبو الليث في " شرح الجامع الصغير " برمح متعلق بقوله: ويبعج وتلازم المجمع إلى أن يموت م: (ومثله عن الكرخي ﵀) ش: أي ومثل ما روي عن أبي يوسف وروي عن الشيخ أبي الحسن الكرخي.
م: (وعن الطحاوي ﵀ أنه يقتل ثم يصلب توقياً عن المثلة) ش: أي احترازاً عنها، لأن النبي ﷺ «نهى عن المثلة» وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله-.
م: (وجه الأول) ش: أراد به يصلب حياً م: (وهو الأصح) ش: أي الأول هو الأصح م: (أن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع) ش: أي الزجر به م: (وهو المقصود به) ش: أي بالصلب م: (ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام، لأنه يتغير بعدها) ش: أي بعد ثلاثة أيام م: (فيتأذى الناس به) ش: وبه قال الشافعي في الأصح.
وعن أحمد أنه لم يوقت في الصلب، وقال أصحابه: الصحيح أنه يوقت بما يحصل به التشهير، والتوقيت بثلاثة أيام بغير دليل ذكره ابن قدامة في المغنى وليس كذلك، فإن التشهير لا يحصل بالزمان القليل عادة، فمرة بالثلاث كما في مدة الخيار ومهلة المزبة وغيرهما.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي أن المصلوب م: (يترك على خشبة حتى يتقطع
стр. 3531
ويسقط ليعتبر به غيره. قلنا حصل الاعتبار بما ذكرناه، والنهاية غير مطلوبة. قال وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه في مال أخذه اعتبارا بالسرقة الصغرى، وقد بيناه. فإن باشر القتل أحدهم أجرى الحد عليهم بأجمعهم؛ لأنه جزاء المحاربة، وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض، حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم، وإنما الشرط القتل من واحد منهم
والقتل إن كان بعصا أو بحجر أو بسيف فهو سواء، لأنه يقطع قطعا للطريق بقتل المارة
ــ
[البناية]
ويسقط ليعتبر به غيره) ش: وبه قال الشافعي في وجه م: (قلنا حصل الاعتبار بما ذكرناه) ش: أي بالصلب ثلاثة أيام م: (والنهاية غير مطلوبة) ش: لأن المقصود نفي الزجر م: (قال: وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه في مال أخذه اعتباراً بالسرقة الصغرى) ش: لأن الحد لما أقيم سقط عصمة المال كما في السرقة م: (وقد بيناه) ش: أي الضمان مع الخلاف في السرقة الصغرى.
م: (فإن باشر القتل أحدهم) ش: أي أحد قطاع الطريق م: (أجرى الحد عليهم بأجمعهم) ش: وبه قال مالك وأحمد. وقال الشافعي: يحد المباشر لا الردء، ولأنه جرى الفصل كحد الزنا فلا يجب على غير المباشر.
قلنا: يجب على الكل م: (لأنه جزاء المحاربة، وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءاً) ش: أي عوناً م: (للبعض، حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم) ش: أي انضموا إليهم، ولم ترد الشراح هنا شيئاً على قولهم انضموا إليهم.
فقوله: إذا زلت أقدامهم كناية عن أقدامهم، والضمير فيه وفي قوله إليهم راجع إلى المحاربين الذين يباشرون القتال، يدل عليه قوله جزاء المحاربة. والضمير في قوله انحازوا يرجع إلى الردء، لأن الردء يستوي فيه الواحد والجمع.
وحاصل المعنى إذ إن أمر المحاربين إلى - الإنزام سمار الردء إليهم معسونهم وسفرونهم؟ - فكذلك يشركون مع الغانمين في الغنيمة.
م: (وإنما الشرط القتل من واحد منهم) ش: لأن تمكنه من القتل حصل بالكل فيقتلون جميعاً، ولفظ الأصل ومن باشر ولم يباشر في الحكم سواء، وذلك لأن تمكين القتل حصل باليد، والقتل حد قطاع الطريق إذا وجد منهم القتل وقد وجد فيقتلون جميعاً، وهذه لأن قوله وجب حداً عليهم لا قصاصاً فلم يعتبر المساواة، فصار من قتل ومن لم يقتل سواء.
[قتل قطاع الطريق]
م: (والقتل) ش: أي قتل قطاع الطريق م: (إن كان بعصا أو بحجر أو بسيف فهو سواء، لأنه يقع قطعاً للطريق بقتل المارة) ش: يعني بأي شيء قتل قاطع الطريق، قيل: لأنه حد لا قصاص فلا يقتضي المساواة، ولهذا يقتل غير المباشر.
стр. 3532
وإن لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه فيما فيه القصاص وأخذ الأرش منه مما فيه الأرش، وذلك إلى الأولياء؛ لأنه لا حد في هذه الجناية، فظهر حق العبد وهو ما ذكرناه فيستوفيه الولي وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله من خلاف وبطلت الجراحات، لأنه لما وجب الحد حقا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقا للعبد، كما يسقط عصمة المال، وإن أخذ بعدما تاب وقد قتل فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه، لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص، ولأن التوبة تتوقف على رد المال
ــ
[البناية]
م: (وإن لم يقتل القاطع) ش: أي قاطع الطريق م: (ولم يأخذ مالاً وقد جرح اقتص منه فيما فيه القصاص وأخذ الأرش منه مما فيه الأرش، وذلك) ش: أي استيفاء القصاص وأخذ الأرش م: (إلى الأولياء لأنه لا حد في هذه الجناية فظهر حق العبد) ش: أي في النفس والمال م: (وهو ما ذكرناه) ش: أي حق العبد القصاص والأرش م: (فيستوفيه الولي) ش: أي يستوفي القصاص الولي فيما مستطاع منه القصاص.
وبه قالت الأئمة الثلاثة، كما إذا قطعوا اليسار أو الذكر لا قصاص فيه في الظاهر يؤخذ الأرش، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا قطع من الأصل وفي الحقيقة والحشفة قصاص اتفاقاً، لأن موضع القطع معلوم إلا إذا قطع بعض الحشفة حيث لا قصاص، وكذا إذا ضربوا العين وقلعوها لا قصاص فيه ويؤخذ الأرش، إلا إذا كانت العين قائمة فذهب بصرها ففيه القصاص لا بمكان المماثلة، كذلك لا قصاص في عظم إلا في السن إلا إذا اسودت أو احمرت أو اخضرت فحينئذ يجب الأرش. م: (وإن أخذ مالاً ثم جرح قطعت يده ورجله من خلاف وبطلت الجراحات) ش: لأن الحد والضمان لا يجتمعان عندنا م: (لأنه لما وجب الحد حقاً لله تعالى سقطت عصمة النفس حقاً للعبد، كما يسقط عصمة المال) ش: وعند الأئمة الثلاثة لا يبطل عصمة النفس والمال، لأن القطع مع الضمان يجتمعان عندهم. م: (وإن أخذ) ش: أي قاطع الطريق م: (بعدما تاب وقد قتل) ش: أي والحال أنه قد قتل عمداً بحديدة م: (فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه، لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة: الآية ٣٤) ، فلما بطل الحد بالتوبة ظهر حق العبد فيه بلا خلاف.
واعترض بأن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] هاهنا نظيره في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] ، فكيف يكون سياق قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] إذ كل منهما جملتان كاملتان عطفتا على جملتين كاملتين. وأجيب: بأن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] لا يصلح، بخلاف قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
م: (ولأن التوبة تتوقف على رد المال) ش: يعني مما إذا أخذ المال، لأن الظالم إذا غصب مال
стр. 3533
ولا قطع في مثله فظهر حق العبد في النفس والمال، حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلك
ــ
[البناية]
أحد لا يكون ثابتاً وإن تاب ألف مرة بلسانه ما لم يرد المال، لأن تلك العصبة لا ترتفع إلا برد المال.
فلما رد المال قبل الأخذ بطل عنه الحد كالسارق إذا أدى المال قبل الترافع م: (ولا قطع في مثله) ش: لانقطاع الخصومة وهي شرط فيه م: (فظهر حق العبد في النفس والمال، حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلك) ش: وفي " المبسوط " و " المحيط " رد المال من تمام توبتهم لينقطع به خصومة صاحب المال، إذ لا يقام الحد إلا بخصومة صاحب المال وقد انقطعت خصومته برد المال إليه قبل ظهور الجريمة عند الإمام، فيسقط الحد.
أما إذا تابوا ولم يردوا المال لم يذكره في الكتب نصاً، فقد اختلف المتأخرون فيه: قيل: لا يسقط الحد، فإنه على سائر الحدود، فإنها لا تسقط بنفس التوبة. وقيل: يسقط وإليه أشار محمد في الأصل أن الحد يسقط في السرقة الكبرى، الاستثناء في النص والاستثناء في غيره وسائر الحدود، والقذف لا يسقط بالتوبة عندنا ومالك وأحمد في رواية وللشافعي في قول.
وقال أحمد في رواية والشافعي في قول يسقط لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] (النساء: الآية ١٦) .
وقال في حد السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] (التوبة: الآية ٣٩) ، ولأنه حق الله فيسقط بالتوبة كحد المحارب.
قلنا قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] عام في الثابت وغيره، والنبي ﷺ رجم ماعزاً والغامدية وقطع الذي أتى بالسرقة وقد صاروا ما يطلبون النظير وعلم النبي ﷺ توبتهم فأتاه الحد، ولأن الحد لغارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، لأنه يقدر عليه كل أحد بعد باب الحد.
وأما الآية فمنسوخة، هو كان في بدء الإسلام، والآية الثانية تدل على أن الحد لم يصر مستحقاً للمعتوه، وأما حد القطاع فيسقط بالنص ولم يجئ نص في غيره.
وقال الأترازي فإن قلت: اليسر رفض قول صاحب الهداية لا بالتوبة تتوقف على رد المال مع قوله ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلك، لأنه إذا رد المال كيف يهلك في يده.
قلت: يمكن أن يهلك البعض معزور البعض، ورد البعض علامة صحة ثبوته، فإذا هلك الباقي قبل التمكن منه، أو استهلكه بعد وجود علامة صحة ثبوته يكون ذلك شبهة في سقوط الحد، فيجب المال.
стр. 3534
وإن كان في القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين، فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر -رحمهما الله-. وعن أبي يوسف ﵀ أنه لو باشر العقلاء يحد الباقون، وعلى هذا السرقة الصغرى. له أن المباشر أصل والردء تابع، ولا خلل في مباشرة العاقل المكلف، ولا اعتبار بالخلل في التبع، وفي عكسه ينعكس المعنى والحكم. ولهما أنه
ــ
[البناية]
وقال الأكمل: هذا إنما يتم لولا سبب التوبة متوقفة على رد جميع المال فلا يتم، ويجوز أن يقال هذا الموضع إنما هو على قول البعض الآخر من المشايخ.
[كان في القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه]
م: (وإن كان في القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين) ش: هذه مسألة القدوري في مختصره، إلا أن لفظه وإن كان فيهم صبي، وهذا الذي ذكره القدوري ظاهر الرواية عن أصحابنا. وقال المصنف م: (فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله-. وعن أبي يوسف ﵀ أنه لو باشر العقلاء يحد الباقون) ش: أي من الذين لم يباشروا القتل من العقلاء الباقين. وقال الأترازي: والعجب من صاحب الهداية أنه قال وعن أبي يوسف بعد أن قال والمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر. وكان القياس أن يقول أبو يوسف ولم يذكر قول محمد وقوله مع أبي حنيفة. وقد صرح الشيخ أبو نصر بذلك انتهى.
قلت: لعجبه عجب، لأن القدوري ذكر في شرحه لمختصر الكرخي وعند أبي يوسف. وذكر البيهقي في كفاية بلفظه عن أبي يوسف، ويحتمل أن يكون قول أبي يوسف رواية عنه بعد أن كان مع أبي حنيفة.
م: (وعلى هذا السرقة الصغرى) ش: أي وعلى هذا الخلاف حكم السرقة الصغرى إن ولي الصبي أو المجنون إخراج المتاع، وإن ولي غيرهما قطعوا إلا الصبي والمجنون.
م: (له) ش: أي لأبي يوسف ﵀ م: (أن المباشر أصل، والردء تابع) ش: أي المباشر أصل في الفعل، والردء أي المعين تابع م: (ولا خلل في مباشرة العاقل المكلف، ولا اعتبار بالخلل في التبع) ش: وهو الصبي أو المجنون لعدم القصد الصحيح منهما، وسقوط الحد عن التبع لا يوجب سقوطه عن المتبوع.
م: (وفي عكسه) ش: وهو أن يباشر الصبي أو المجنون م: (ينعكس المعنى والحكم) ش: الحكم هو أن لا يجب على الباقين، والمعنى هو العلة وهي أن سقوطه عن الحد يوجب السقوط من التبع.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أنه) ش: أي أن قطع الطريق م:
стр. 3535
جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبا كان فعل الباقين بعض العلة، وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد.
وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل: تأويله إذا كان المال مشتركا بين المقطوع عليهم، والأصح أنه مطلق لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه، فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين، بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن، لأن الامتناع في حقه من وجه خلل في العصمة وهو يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز، والقافلة حرز واحد، وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء؛ لظهور حق العبد على ما ذكرناه
ــ
[البناية]
(جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم تقع فعل بعضهم موجباً) ش: لكان الشبهة م: (كان فعل الباقين بعض العلة، وبه) ش: أي وبعض العلة م: (لا يثبت الحكم، فصار كالخاطئ مع العامد) ش: كما إذا رمى رجل سهاماً إلى إنسان عمداً ورماه آخر خطأ فأصابه السهمان معاً ومات منهما لا يجب القصاص على العامد لما أن الفعل واحد فيكون فعل المخطئ مورث شبهة في حق العامد.
[ذو الرحم المحرم إذا قطع عليه الطريق ذو رحم منه]
م: (وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل تأويله) ش: الذي قاله أبو بكر الرازي الداريسي ﵀ فإنه قال: تأويل المسألة م: (إذا كان المال مشتركاً بين المقطوع عليهم) ش: قطاع الطريق ذو رحم محرم لا يجب الحد باعتبار نصيب ذوي الرحم، فيصير شبهة في نصيب الباقين، فلا يجب الحد عليهم، لأن المأخوذ شيء واحد، فإذا امتنع في حق أحدهم سبب القرابة يمنع في حق الباقين.
فأما إذا لم يكن المال مشتركاً بينهم فإن لم يأخذ المال إلا من ذي الرحم المحرم فكذلك، وإن أخذوا منه ومن غيره يحدون باعتبار المال المأخوذ من الأجنبي م: (والأصح أنه مطلق) ش: أي محرز على إطلاقه، وإنهم لا يحدون بكل حال، لأن مال جميع العاقلة في حق القطاع شيء واحد؛ لأنه محرز واحد وهو العاقلة م: (لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه) ش: أشار به إلى قوله، ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل م: (فالامتناع) ش: بعد، أي امتناع الحد م: (في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين) ش: لأن بعض العلة يترتب عليه الحكم.
م: (بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن) ش: أي في العاقلة، وهذا جواب سؤال مقدر بأن يقال القطع على المستأمن لا يوجب الحد كالقطع على ذي الرحم المحرم، ثم وجود هذا في العاقلة يسقط الحد، فينبغي أن يسقط الحد وجود المستأمن أيضاً، فأجاب عنه قوله بخلاف المستأمن لوجوده في العاقلة م: (لأن الامتناع في حقه) ش: أي امتناع الحد في القطع على المستأمن م: (من وجه خلل في العصمة) ش: أي في عصمة ماله وهو خاص به، وهو معنى قوله م: (وهو يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز) ش: أي الخلل في العصمة يخص المستأمن م: (والقافلة حرز واحد) ش: والشبهة تمكنت فيه.
م: (وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء لظهور حق العبد على ما ذكرناه) ش: أشار به إلى
стр. 3536
فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا. وإذا قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد؛ لأن الحرز واحد، فصارت القافلة كدار واحدة. ومن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة فليس بقاطع الطريق استحسانا، وفي القياس يكون قاطعا للطريق، وهو قول الشافعي ﵀ بوجوده حقيقة. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجب إذا كان خارج المصر وإن كان بقربه لأنه لا يلحقه الغوث. وعنه إن قاتلوا نهارا بالسلاح أو ليلا به فهم قطاع الطريق، لأن السلاح لا يلبث، والغوث يبطئ بالليالي. ونحن نقول: إن قطع الطريق بقطع المارة، ولا يتحقق ذلك في المصر ويقرب منه
ــ
[البناية]
قوله: لأن الجناية واحدة م: (فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا) ش: لأن الحق لهم م: (وإذا قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد، لأن الحرز واحد، فصارت القافلة كدار واحدة) ش: كما لو سرق من دار سكن السارق فيها، فإذا لم يجب الحد وجب القصاص إن قتل عمداً ورد المال إن أخذه وهو قائم والضمان إن هلك أو استهلك.
م: (ومن قطع الطريق ليلاً أو نهاراً في المصر أو بين الكوفة) ش: أي أو قطع الطريق بين الكوفة م: (والحيرة) ش: وهي التي كان يسكنها النعمان بن المنذر وهي أول منازل الكوفة.
وقال تاج الشريعة: الحيرة بكسر الحاء مدينة على رأس ميل من الكوفة م: (فليس بقاطع الطريق استحساناً، وفي القياس يكون قاطعاً للطريق، وهو قول الشافعي ﵀ بوجوده حقيقة) ش: أي بوجود القطع من حيث الحقيقة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجب إذا كان خارج المصر وإن كان بقربه) ش: أي بقرب المصر م: (لأنه لا يلحقه الغوث) ش: وهو اسم من الإغاثة م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف، رواه القدوري م: (إن قاتلوا نهاراً) ش: أي في المصر م: (بالسلاح أو ليلاً به) ش: أي أو قاتلوا ليلا بالسلاح أو بالخشب م: (فهم قطاع الطريق) ش: بضم القاف وتشديد الطاء جمع قاطع م: (لأن السلاح لا يلبث) ش: من الألباب م: (والغوث يبطئ بالليالي) ش: والعرب سمى الليالي مستحق القطع.
وبه قال الشافعي، وقال أكثر أصحابنا: يثبت المحاربة في أي موضع لا يلحقه الغوث، وفي الحلية ذكر في " الحاوي " أن القوى التي فعل أهلها حكمها حكم الصحراء بتحقق المحاربة.
وأما الأمصار الكبار فمن قصد نواحيها جهاراً فكذلك، وأما وسط المصر في المواضع التي يتكاثر الناس فيها في أسواقهم ودورهم إذا كسبوا سوقانها ونهبوها أو دوراً فنهبوها فيه وجهان أصحهما أن حكم المحاربين.
م: (ونحن نقول: إن قطع الطريق بقطع المارة ولا يتحقق ذلك في المصر ويقرب منه) ش: أي في
стр. 3537
لأن الظاهر لحوق الغوث يؤخذون برد المال إيصالا للحق إلى المستحق ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم الجناية. ولو قتلوا فالأمر فيه إلى الأولياء لما بينا،
ومن خنق رجلا حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة ﵀ وهي مسألة القتل بالمثقل، وسنبين في باب الديات إن شاء الله تعالى. وإن خنق في المصر غير مرة قتل به، لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد فيدفع شره بالقتل، والله أعلم.
ــ
[البناية]
المصر م: (لأن الظاهر لحوق الغوث، يؤخذون برد المال إيصالا للحق إلى المستحق، ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم الجناية، ولو قتلوا فالأمر فيه إلى الأولياء) ش: قصاصاً أو صلحاً أو عفواً، لأن ظهر حقهم حيث لم يجب الحد م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله بظهور حق العبد، والفتوى عليه، وقول أبي يوسف لمصلحة الناس، واختاره القفال من أصحاب الشافعي.
[خنق رجلاً حتى قتله]
م: (ومن خنق رجلاً حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة ﵀) ش: لأنه يوجب القصاص بالمثقل، أشار إليه بقوله م: (وهي مسألة القتل بالمثقل، وسنبين في باب الديات إن شاء الله تعالى) ش:.
م: (وإن خنق) ش: أي بمصر خنقه، ومصدره الخنق بكسر النون، ولا يقال بالسكون، كذا من الفار إلى م: (في المصر غير مرة) ش: قال الأترازي: خنق بالتشديد سماعاً وتخفيفاً، لأن التفعيل للشر.
قلت: التكثير استفيد من قوله غير مرة، فلا حاجة إلى التشديد م: (قتل به) ش: أي بسبب الخنق م: (لأنه صار ساعياً في الأرض بالفساد فيدفع شره بالقتل) ش: وفي " الكافي " ثقيل سماعه من، لأنه ذو فتنة.
وفي " المحيط ": عشرون، قوله من الطريق وأخذن المال قتلن وضمن المال وبه قالت الثلاثة، ولو كانت فيهم امرأة قتلت وأخذت ولم يقتل الرجال ويقتل الرجال دون المرأة عند أبي حنيفة، وعند الثلاثة تقتل المرأة أيضاً، وعند محمد يسقط الحد عن الرجال أيضاً، خرج قاطعاً للطريق على أن يسلب أموال الناس فاستقبله الناس فقتلوه لا شيء عليهم، ولو قدم رجل من القطاع إلى موضع لا يقدمه على قطع الطريق ثم قتلوه كانت الدية عليهم م: (والله أعلم) .
стр. 3538
كتاب السير السير: جمع سيرة، وهي الطريقة في الأمور، وفي الشرع تختص بسير النبي ﷺ في مغازيه. قال: الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، أما الفرضية فلقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة﴾ [التوبة: ٣٦] (التوبة: الآية ٣٦)
ــ
[البناية]
[كتاب السير]
م: (كتاب السير) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام م: (السير) ش: وهو م: (جمع سيرة) ش: على ما يذكره المصنف ﵀ م: (وهي الطريقة) ش: سمي بهذا الكتاب لما فيه من بيان سيرة النبي ﷺ والصحابة ﵃ والمسلمين، ويقال السيرة فعلة من السيرة، وقد يراد به السير الذي هو قطع المسافة.
وقد يراد به السير في المعاملات، وسميت المغازي سيراً لأن أول أمرها السير إلى العدو؛ لأن المراد بها سير الإمام إلى العدو، ومع الغزاة في المغز أصل السبق حالة السير، إلا أنها غلبت شرعاً على أمور المغازي كالمناسك على أمر الحج، والمغازي جمع غزاة من غزوت العدو وقصدته للقتال غزواً وغزوة وغزاة ومغزاة، وسمي كتاب الجهاد أيضاً لما فيه من بيان المجاهدة مع الأعداء لإعزاز الدين وهدم قواعد المشركين.
وفي " التحفة ": الجهاد شرعاً هو الدعاء إلى الدين الحق والقتال مع من لا يقبله.
فإن قلت: ما المناسبة بين الكتابين.
قلت: المناسبة بينهما في كون كل منهما إخلاء العالم عن المعاصي، وقدم الحدود لأنها أدنى، والترقي يكون من الأدنى إلى الأعلى، وقيل: قدم الحدود لأنها مقابلة مع المسلمين في الأغلب، والجهاد مع المشركين فقدم ما يخص المسلمين.
السير بكسر السين وفتح الياء جمع سيرة.
م: (في الأمور) ش: خيراً كانت أو شراً، ومنه سيرة العمرين، أي طريقتهما م: (وفي الشرع تختص بسير النبي ﷺ في مغازيه) ش: وقد مر الكلام فيه.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين) ش: إلى هنا كلام القدوري في مختصره، ثم شرع المصنف ﵀ يعبره بقوله م: (أما الفرضية فلقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] (التوبة: الآية ٣٦) ش: كان رسول الله ﷺ مأموراً في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين، قال الله تعالى
стр. 3539
ولقوله ﵇: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» وأراد به فرضا باقيا، وهو فرض على الكفاية
ــ
[البناية]
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] (الحجر: الآية ٨٥) .
وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] الحجر: الآية ٩٤) ، ثم أمر بالدعاء والموعظة والمجادلة بالطريق الأحسن.
قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (النحل: الآية ١٢٥) ثم أمر بالمجادلة إذا كانت البداية منهم.
فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] (الحج: الآية ٣٩) ، أي أذن لهم بالدفع.
وقال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] (البقرة: الآية ١٩١) ، ثم أمر بالبداية بالقتال.
قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (التوبة: الآية ٥) .
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ، (التوبة: الآية ٥) .
ولقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (الأنفال: الآية ٣٩) .
ولقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] (البقرة: الآية ٢١٦) .
معناه فرض عليكم القتال لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (البقرة: الآية ١٨٣) .
ولقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] (التوبة: الآية ٤١) .
م: (ولقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود مطولا في سننه، حدثنا سعيد بن منصور قال أبو معاوية حدثنا جعفر بن برقان عن زيد بن أبي شيبة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان: بالأقدار» وقال المنذري في مختصره: زيد بن أبي شيبة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: زيد بن أبي شيبة وهو رجل من بني سليم لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان.
م: (وأراد به فرضاً باقياً) ش: هذا تفسير من المصنف لقوله ﵇: «الجهاد فرض ماض» يعني فرضاً دائماً إلى يوم القيامة، م: (وهو فرض على الكفاية) ش: أي الجهاد فرض كفاية.
стр. 3540
لأنه ما فرض لعينه، إذ هو إفساد في نفسه، وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الشر عن العباد، فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام، وإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ لأن الوجوب على الكل، ولأن في انشغال الكل به قطع مادة الجهاد من الكراع والسلاح فيجب على الكفاية، إلا أن يكون النفير عاما فحينئذ يصير من فروض الأعيان
ــ
[البناية]
وقال أبو بكر الرازي: في شرحه " مختصر الطحاوي ": الجهاد عند أصحابنا فرض على الكفاية مثل غسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم وطلب علم الدين والقيام به وتعليمه.
ويحكى عن ابن شبرمة والثوري أن الجهاد تطوع وليس بواجب. انتهى.
قلت: كذا روي عن ابن عمر ﵄ سئل عطاء وعمرو بن دينار أن الغزو واجب، قالا: ما علمناه واجباً، وقالوا: قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] للندب كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] (البقرة: الآية ١٨٠) ، وعند أكثر أهل العلم فرض على الكفاية إلا ابن المسيب، فإنه قال فرض عين لعمومات في النصوص.
م: (لأنه) ش: أي لأن الجهاد م: (ما فرض لعينه إذ هو إفساد في نفسه) ش: لأنه تعذيب عباده وتخريب بلاده م: (وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الشر عن العباد) ش: وإليه الإشارة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (الأنفال: الآية ٣٩) م: (فإذا حصل المقصود بالبعض) ش: أي ببعض الناس، والمقصود هو الذي ذكره من إعزاز دين الله ودفع الشر عن عباد الله م: (سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام) ش: فإن البعض إذا قام بها سقط عن الباقين.
م: (وإن لم يقم به أحد) ش: أي بهذا الفرض الذي هو سمي فرض كفاية م: (أثم جميع الناس بتركه، لأن الوجوب على الكل) ش: أي كل الناس م: (ولأن في انشغال الكل به) ش: وفي بعض النسخ في اشتغال الكل به أي اشتغال كل الناس، أي بالجهاد م: (قطع مادة الجهاد من الكراع) ش: والمراد به الخيل هاهنا.
والكراع كراع الشاة والبقرة م: (والسلاح) ش: أي وقطع مادة الجهاد بالسلاح، فإذا انقطعت مادة الجهاد ينقطع الجهاد، فينبغي أن يقوم بعض الناس بالجهاد وبعض بتحصيل أسبابه من التجارة والزراعة والحرف التي يحصل بها آلات الجهاد، فإذا كان الأمر كذلك م: (فيجب على الكفاية) ش: حتى إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
م: (إلا أن يكون النفير عاماً) ش: استثناء من قوله فيجب على الكفاية، أي يجب الجهاد على الكفاية إلا إذا كان النفير عاماً بأن لا يندفع شر الكفارة إذا هجموا ببعض المسلمين م: (فحينئذ يصير من فروض الأعيان) ش: فيفترض على كل واحد.
следующие страницы →