Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
فالإيمان لكونه شرطا للعبادة والجهاد عبادة، والامتناع لتحقق إزالة الخوف به والتأثير إعزاز الدين وإقامة المصلحة في حق جماعة المسلمين، إذ الكلام في مثل هذه الحالة، وإنما لا يملك المسابقة لما فيها من تعطيل منافع المولى ولا تعطيل في مجرد القول. ولأبي حنيفة ﵀ أنه محجور عن القتال فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه فلم يلاق الأمانة محله، بخلاف المأذون له في القتال، لأن الخوف منه متحقق، ولأنه إنما لا يملك المسابقة لما أنه تصرف في
ــ
[البناية]
م: (فالإيمان) ش: مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، أي شرطه يعني شرط الإيمان في قولنا، ولأنه مؤمن يصح أمانه م: (لكونه) ش: أي لكون الإيمان م: (شرطاً للعبادة والجهاد عبادة والامتناع) ش: أي الامتناع شرط أيضاً م: (لتحقق إزالة الخوف به) ش: أي بالامتناع م: (والتأثير) ش: يعني في صحة قياس المحجور على المأذون له، وقيل: معنى العلة الجامعة في قياس العبد المحجور على المأذون له م: (إعزاز الدين وإقامة المصلحة في حق جماعة المسلمين، إذ الكلام في مثل هذه الحالة) ش: أي حالة المصلحة وهو الأمان في الحر.
فإذا وجد في المحجور عليه صح تعديته إليه كما في سائر الأقيسة م: (وإنما لا يملك المسابقة) ش: جواب عما يقال: الأصل في الجهاد هو المسابقة، وهي المضاربة بالسوء وهؤلاء يملكه، فكذا لا يملك الأمان أيضاً. وتقرير الجواب أنه لا يملك المسابقة م: (لما فيها) ش: أي في المسابقة م: (من تعطيل منافع المولى) ش: وهو لا يملك ذلك م: (ولا تعطيل) ش: أي لمنافعه م: (في مجرد القول) ش: وهو ظاهر.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أنه) ش: أي أن العبد م: (محجور عن القتال، فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه) ش: أي لأن أهل الحرب سراي العبد م: (فلم يلاق الأمان محله) ش: ومحله الخوف. وقال الأكمل: قوله ولأبي حنيفة أنه محجور عن القتال يصح أن يكون ممانعة.
وتقريره لا نسلم وجود الامتناع، لأن الامتناع إنما يكون لإزالة الخوف وهم لا يخافونه وأن يكون معاوضة وهو الظاهر من كلام المصنف. تقريره أنه محجور عن القتال لا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه، وفيه نظر، فإن الخوف أمر باطني لا دليل على وجوده ولا على عدمه، فإن الكفار من أين يعلمون أنه عبد محجور عليه حتى لا يخافونه.
والجواب: أن ذلك يعلم بترك المسابقة، فإنهم لما أرادوا شيئاً مقتدراً على القتال مع المقاتلين ولا يحمل سلاحاً ولا يقاتلهم علموا أنه ممنوع من ذلك ممن له المنع. ولو قال المصنف: إنه ممنوع عن القتال والأمان نوع قتال لكان أسهل إثباتاً لمذهب أبي حنيفة فتأمل. م: (بخلاف المأذون له في القتال، لأن الخوف منه متحقق) ش: فصح أمانه م: (ولأنه) ش: أي ولأن العبد المحجور وهو عطف على قوله لأنهم لا يخافونه م: (إنما لا يملك المسابقة لما أنه تصرف في
стр. 3572
حق المولى على وجه لا يعرى عن احتمال الضرر في حقه، والأمان نوع قتال، وفيه ما ذكرناه لأنه قد يخطئ، بل هو الظاهر، وفيه سد باب الاستغنام، بخلاف المأذون لأنه رضي به والخطأ نادر لمباشرته القتال، وبخلاف المؤبد لأنه خلف عن الإسلام فهو بمنزلة الدعوة إليه، ولأنه مقابل بالجزية، ولأنه مفروض عند مسألتهم ذلك، وإسقاط الفرض يقع فافترقا.
ــ
[البناية]
حق المولى على وجه لا يعرى عن احتمال الضرر في حقه) ش: أي في حق المولى م: (والأمان نوع قتال، وفيه ما ذكرناه لأنه قد يخطئ) ش: أي لأن العبد قد يخطئ في القتال لعدم ممارسته بأمر الحرب م: (بل هو الظاهر) ش: لأن اشتغاله بخدمة المولى يمنعه عن التعلم بأدب الحرب.
م: (وفيه) ش: أي وفي الأمان م: (سد باب الاستغنام) ش: أي على المسلمين وذلك ضرر في حقهم، فإذا كان ممنوعاً الضرر للمولى، فكيف يصح منه ما يضر المولى والمسلمين، توضيحه أن أمانه لو صح يحرم القتال بالاستغنام بعد ذلك، والاستغنام الكتاب مال مباح فيعد صحة الأمان لا يبقي للمولى استعمال عبده في الاستغنام وهو ضرر للمولى لا محالة.
م: (بخلاف المأذون لأنه رضي به) ش: أي بخلاف أمان المأذون، لأن المولى رضي له أي بأمانه م: (والخطأ نادر) ش: أي الخطأ من المأذون نادر م: (لمباشرته) ش: أي لمباشرة المأذون م: (القتال) ش: لأنه لما باشره عرف مصلحة الأمان فكان الخطأ نادراً. م: (وبخلاف المؤبد) ش: أي الأمان المؤبد وهو عقد الذمة، وهو جواب قول محمد وبالمؤبد بالأمان م: (لأنه) ش: أي لأن الأمان المؤبد م: (خلف عن الإسلام) ش: أي من حيث إنه ينتهي به القتال المطلوب به السلام الحربي م: (فهو بمنزلة الدعوة إليه) ش: أي إلى الإسلام، وهي نفع للمسلمين لا ضرر فصح ذلك الأمان كذلك.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الأمان المؤبد م: (مقابل بالجزية) ش: وفيه نفع للمسلمين م: (ولأنه) ش: أي ولأن الأمان المؤبد م: (مفروض) ش: أي فرض م: (عند مسألتهم) ش: أي مسألة أهل الحرب م: (ذلك) ش: أي الأمان. وقال الأترازي: هنا يعني إذا طلب الحربي الإسلام عليه من المحجور يفترض عليه الفرض.
وقال الأكمل: ولأنه مفروض عند مسألتهم ذلك، يعني أن الكفار إذا طلبوا عقد الذمة يفترض عليه - على الإمام - إجابتهم إليه م: (وإسقاط الفرض يقع) ش: وقال تاج الشريعة: إذا طلبوا يفترض على الإمام إجابتهم، فيكون العبد مسقطاً لفرض، وإسقاط الفرض يقع لكونه منجياً من العذاب ولا كذلك الأمان. لأنه ليس فيه إسقاط الفرض م: (فافترقا) ش: أي افترق أمان العبد المحجور عليه عن القتال، وأمان المأذون له بالقتال أو افترق الأمان المؤقت من المحجور عليه عن القتال الأمان والمؤبد منه.
стр. 3573
ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح كالمجنون،
وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال، فعلى الخلاف، وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق.
ــ
[البناية]
[أمان الصبي]
م: (ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح) ش: أي أمانه م: (كالمجنون) ش: في عدم صحة أمانه، وبه قالت الثلاثة. وقال الناطقي في " الأجناس " ناقلاً عن " السير الكبير " قال محمد: الغلام الذي راهق وهو يقبل الإسلام ويضمن جاز أمانه، ثم قال: وهذا قوله. وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلا يجوز.
وقال في كتابه " النهي ": لا يجوز أمان الصبي المراهق ما لم يبلغ، عند أبي حنيفة، وعند محمد يجوز إذا كان يقبل الإسلام وصفاته.
م: (وإن كان) ش: أي الصبي م: (يعقل وهو محجور عن القتال، فعلى الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور في العبد المحجور، فعند أبي حنيفة لا يصح أمانه، وعند محمد يصح، وبه قال مالك وأحمد في وجه، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد في وجه.
م: (وإن كان) ش: أي الصبي م: (مأذوناً له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق) ش: أي باتفاق أصحابنا وليس على الخلاف، لأنه تصرف دائر بين النفع والضرر كالبيع، فيملكه الصبي بعد الإذن.
فائدة: وألفاظ الأمان للحربي: لا تخف ولا توجل " أو مترس " بالفارسية يعني: لا تخف، ولكم عهد الله وذمة الله، أو يقال فاسمع الكلام، ذكره في " السير الكبير ".
стр. 3574
باب الغنائم وقسمتها
وإذا فتح الإمام بلدة عنوة أي قهرا، فهو بالخيار، إن شاء قسمها بين الغانمين كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليه ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق بموافقة من الصحابة ﵃
ــ
[البناية]
[باب الغنائم وقسمتها]
م: (باب الغنائم وقسمتها) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الغنائم: وهي جمع غنيمة، والغنيمة اسم لمال مأخوذ من الكفرة بالقهر والغلبة والحرب قائمة. والفيء: اسم المال يؤخذ منهم بغير قتال كالخراج والجزية ويخمس الغنيمة وأربعة أخماسه للغانمين، والفيء لا يخمس، بل هو لكافة المسلمين، والعقل: ما يخص الإمام الغازي زيادة على سهمه.
[إذا فتح الإمام بلدة عنوة كيف يقسمها]
م: (وإذا فتح الإمام بلدة عنوة أي قهراً، فهو بالخيار، إن شاء قسمها بين الغانمين) ش: أي فهذا ليس بتفسير للعنوة لغة، لأن عنا يعنو بمعنى ذل وخضع، وهو لازم، وقهر متعد، بل يكون هو تفسيره من طريق شعور الذهن، لأن من الذلة يلزم القهر، أو أن الفتح بالمذلة ملتزم للقهر. قوله قسمة أي قسم البلدة بتأويل البلد، وإلا كان ينبغي أن يقال قسمها م: (كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر) ش: أخرجه أبو داود في مسنده عن يحيى بن زكريا عن يحيى بن سعيد عن بشير بن بشار عن سهل بن خيثمة قال: «قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفاً لنوائبه ونصفاً بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً» .
م: (وإن شاء أقر أهله عليه ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق) ش: أخرج ابن سعد في " الطبقات " بإسناده أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه بعث عثمان بن حنيف على خراج السواد ... الحديث، وفيه أنه أفرض الخراج على كل حربي، إلى أن قال: وأفرض على رقابهم على الموسر ثمانية وأربعين درهماً، وعلى من دون ذلك أربعة وعشرين درهماً، وعلى من لم يجد شيئاً اثني عشر درهماً
الحديث.
ورواه ابن زنجويه في كتاب " الأموال " كذلك، وسمي سواد العرق لخضرة أشجاره وزروعه. حده طولاً من مدينة الموصل إلى عبادان، وعرضاً من العذيب إلى حلوان، وهو الذي على عهد عمر ﵁ وهو أطول من العراق وثلاثين فرسخاً.
م: (بموافقة من الصحابة ﵃) ش: ما خالفه في ذلك إلا بلال وأصحابه.
стр. 3575
ولم يحمد من خالفه، وفي كل من ذلك قدوة فيتخير.
ــ
[البناية]
وفي " المبسوط " من صحابة سلمان، وأبا بردة فقالوا: اقسم بيننا، فإن الغنيمة حقنا، وكان عمر ﵁ يقول: ما فعلت هو الحق، ولم يدركوا الحكمة فيما فعل عمر ﵁ وتمسكوا بالظاهر فيما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، ولم يكن فعله ذلك بأهل خيبر بطريق الحتم، إذ لو كان بطريق الحتم لما خالفه عمر ﵁ وقد روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولما لم يرجع بلال وأصحابه عما قالوا ولم يتركوا المنازعة مع عمر ﵁ دعا عمر عليهم.
وقال القاضي أبو زيد: روي أن عمر قال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه، فحال الحول وما فيهم عين تطرف ماتوا كلهم. وقال تاج الشريعة: فدعا عليهم عمر ﵁ على المنبر وقال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه، فماتوا جميعاً قبل تمام السنة، وأشار المصنف إلى ذلك بقوله م: (ولم يحمد من خالفه) ش: أي من خالف عمر ﵁ م: (وفي كل من ذلك قدوة) ش: أي من القسمة بين الغانمين وإقرار أهلها قدوة، أي اتباع لما فعله عمر ومن وافقه من الصحابة، فإذا كان كذلك م: (فيتخير) ش: الإمام بين القسمة وإقرار أهلها عليها. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن أحداً من الصحابة بل أكثرهم يصير قدوة على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ ، إذا لم يصل إلى حد الإجماع. والجواب عنه من وجهين، أحدهما أن فعل النبي ﷺ إذا لم يصل إلى حد الإجماع يعلم أنه ﵇ على أي جهة فعله يحمل على أدنى منازل فعاله وهي الإباحة، وحينئذ لا يستوجب لا محالة، فإذا ظهر دليل صحابي جاز أن يعمل بخلافه.
قلت: فيه تأمل. والآخر أن يقال فيه: إن عمر ﵁ قد علم من النبي ﷺ أن ما فعله بأهل خيبر لم يكن على وجه الحتم، كما ذكرناه الآن.
الوجه الثاني: أنه على تقدير أنه ﵇ فعل ذلك وجوباً، فإن عمر ﵁ فعل ما فعل مستنبطاً من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: الآية ٧) .
فيكون ثابتاً بإشارة النص وهي تفيد القطع، فيكون الواجب أحدهما يتعين بفعل الإمام كالواجب المخير في خصال الكفارة فعل النبي ﷺ أحدهما وفعل عمر ﵁ الآخر، هذا الذي ذكره الأكمل.
وقال صاحب " النهاية ": روي [أن] عمر ﵁ استشار الصحابة مراراً ثم
стр. 3576
وقيل: الأولى هو الأول عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم الحاجة؛ ليكون عدة في الزمان الثاني، وهذا في العقار، وأما في المنقول المجرد لا يجوز المن بالرد عليهم؛ لأنه لم يرد به الشرع فيه،
وفي العقار خلاف الشافعي ﵀ لأن في المن إبطال حق الغانمين أو ملكهم، فلا يجوز من غير بدل يعادله، والخراج غير معادل لقلته.
ــ
[البناية]
جمعهم فقال: أما إني تلوت آية من كتاب الله استغنيت بها عنكم، ثم تلا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩] وهكذا قرأ عمر ﵁ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ثم قال: أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيباً ولو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم نصيب.
قسمها عليهم وجعل الجزية على رؤوسهم والخراج على أراضيهم ليكون لهم ولمن يأتي من بعدهم من المسلمين، ولم يخالفه على ذلك إلا نفر منهم بلال، ولم يحمدوا على خلافه.
م: (وقيل) ش: في التوفيق بينهما م: (الأولى) ش: أي القسمة كما فعل رسول الله ﷺ م: (وهو الأول عند حاجة الغانمين) ش: أي عند احتياجهم إليها، وفي بعض النسخ: وقيل: الأول هو الأولى.
م: (والثاني) ش: أي إقرار أهل البلد عليه بالمن، ووضع الجزية والخراج، كما فعل عمر ﵁ م: (عند عدم الحاجة) ش: أي حاجة الغانمين إليها م: (ليكون عدة في الزمان الثاني) ش: أي في الذي يأتي بعدهم م: (وهذا) ش: أي إقرار أهل البلد على بلدهم بالمن م: (في العقار، أما في المنقول المجرد لا يجوز المن بالرد عليهم لأنه لم يرد به الشرع فيه) ش: بأن يدفع إليهم مجاناً ويقسم به عليهم، وإنما قيد المنقول بالمجرد لأنه يجوز المن عليهم في المنقول بطريق التبعية بالعقار على ما يأتي عن قريب.
م: (وفي العقار خلاف الشافعي ﵀) ش: فإن عنده لا يجوز إقرار أهل البلد على بلدتهم بالمن في العقار، بل يقسم الأرض أيضاً ولا يتركها في أيديهم، وبه قال أحمد، وعن مالك يقسمها، وعنه كقولنا: م: (لأن في المن إبطال حق الغانمين) ش: أي عندنا لأنه لا يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإسلام م: (أو ملكهم) ش: أي أو إبطال ملكهم عند الشافعي، لأن الغنيمة تملك عنده قبل الإحراز بالدار م: (فلا يجوز) ش: أي المن م: (من غير بدل يعادله) ش: أي يعادل حق الغانمين فإن قيل الخراج معادله.
أجاب بقوله: م: (والخراج غير معادل) ش: أي يعادل حق الغانمين، فإن قيل: الخراج يعادله، أجاب بقوله: والخراج غير معادل م: (لقلته) ش: فإن قيل: فالحق إذ الملك ثبت في رقابهم أيضاً وجاز أن يقسمها.
стр. 3577
بخلاف الرقاب، لأن للإمام أن يبطل حقهم رأسا بالقتل والحجة عليه ما رويناه، ولأن فيه نظرا لهم لأنهم كالأكرة العاملة للمسلمين العالمة بوجوه الزراعة والمؤن مرتفعة، مع ما أنه يحظى به الذين يأتون من بعد، والخراج وإن قل حالا فقد جل مآلا لدوامه. وإن من عليهم بالرقاب والأراضي يدفع إليهم من المنقولات بقدر ما يتهيأ لهم العمل ليخرج عن حد الكراهة.
ــ
[البناية]
فأجاب بقوله: م: (بخلاف الرقاب) ش: يعني أن حقهم لم يتعلق بها م: (لأن للإمام أن يبطل حقهم رأساً) ش: يعني بالكلية م: (بالقتل) ش: فكذا له أن يبطل بالخلف وهو الجزية، وهذا لأنها خلقت في الأصل حراً، والملك يثبت معارضاً، فالإمام إذا استرقهم فقد بدل حكم الأصل، فإذا جعلهم أحراراً فقد بقي حكم الأصل فكان جائزاً.
م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي م: (ما رويناه) ش: أي من فعل عمر ﵁ بموافقة الصحابة م: (ولأن فيه) ش: أي في إقرار أهله عليه م: (نظراً لهم) ش: أي للمسلمين م: (لأنهم) ش: أي لأن الكفار يكونون م: (كالأكرة) ش: بفتح الهمزة والكاف والراء، أي كالمزارعين م: (العاملة للمسلمين العالمة بوجوه الزراعة) ش: حاصل الكلام أن تصرف الإمام وقع على وجه النظر في إقرار أهلها عليها، لأنه لو قسمها بين الغانمين اشتغلوا بالزراعة وقعدوا عن الجهاد.
وكان يكره العدو، وربما لا يهتدون لذلك العمل أيضاً، فإذا تركها في أيديهم وهم عارفون بالعمل صاروا كالأكرة المزارعين للمسلمين القائمة بوجوه الزراعة م: (والمؤن) ش: أي مؤن الزراعة م: (مرتفعة) ش: عن الإمام وعن المسلمين م: (مع أنه يحظى) ش: بالظاء المعجمة م: (به الذين يأتون من بعد) ش: قال شيخنا: هذا إشارة إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] .
م: (والخراج وإن قل) ش: هذا جواب عن قول الشافعي، والخراج غير معادل لعلته، تقدير الجواب أن الخراج وإن قل م: (حالاً) ش: لكونه بعض ما يمكن أن يخرج في سنته م: (فقد جل) ش: بالجيم م: (مآلاً) ش: أي في المستقبل م: (لدوامه) ش: في وجوبه كل سنة.
م: (وإن من) ش: أي الإمام م: (عليهم) ش: أي على الكفار م: (بالرقاب والأراضي يدفع إليهم من المنقولات بقدر ما يتهيأ لهم العمل) ش: لأنهم لا يتمكنون من الانتفاع بالأراضي إلا بأسباب الزراعة، فلا بد من أن يدع لهم ما به يتقوون على ذلك م: (ليخرج عن حد الكراهة) ش: معناه ما قال الإمام التمرتاشي فإن من عليهم برقابهم وأراضيهم وقسم النساء والذراري وسائر الأموال جاز.
ولكن يكره لأنهم لا ينتفعون بالأراضي بدون الأموال ولا يقالهم بدون ما يمكن به مرجئة العمر إلا أن يدع لهم ما يمكنهم به العمل في الأرض، لأن عمر ﵁ لم يفعل ذلك
стр. 3578
قال: وهو في الأسارى بالخيار، إن شاء قتلهم لأنه ﵇ قد قتل، ولأن فيه حسم مادة الفساد، وإن شاء استرقهم، لأن فيه دفع شرهم مع وفور المنفعة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين لما بينا. إلا في مشركي العرب والمرتدين على ما نبين إن شاء الله تعالى،
ــ
[البناية]
وهو الإمام في هذا الكتاب وفيه تعذيب الحيوان بلا فائدة.
م: (قال) ش: أي الإمام، وفي بعض النسخ: قال القدوري: م: (وهو في الأسارى بالخيار إن شاء قتلهم لأنه ﵇) ش: أي لأن النبي ﷺ قتلهم، أخرج البخاري ومسلم عن الزهري عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: يا رسول الله من جعل متعلقاً بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه» زاد البخاري: وقال مالك: «ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى والله أعلم يومئذ محرماً» . وأخرج أبو داود في المراسيل عن سعيد بن جبير «أن رسول الله ﷺ م: (قد قتل) ش: يوم بدر ثلاثة من قريش صبراً» : مطعم بن عدي، والنفس بن عدي وهو غلط، وإنما هو طعمة بن عدي وهو أخو مطعم، وأهل المغازي ينكرون قتل مطعم بن عدي يومئذ ويقولون مات بمكة قبل بدر، والذي قتل يوم بدر هو أخوه طعمة ولم يقتل صبراً وإنما قتل في المعركة، والله أعلم.
م: (ولأن فيه) ش: أي في قتل الأسارى م: (حسم مادة الفساد) ش: أي قطع مادته م: (وإن شاء) ش: أي الإمام م: (استرقهم لأن فيه) ش: أي في استرقاقهم م: (دفع شرهم مع وفور المنفعة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم أحراراً ذمة للمسلمين لما بينا) ش: أي فعل عمر ﵁.
فإن قيل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ينافي ترك قتلهم، فلا يجوز.
أجيب: بأنه ترك العمل به في حق أهل الذمة والمستأمن، هكذا في المتنازع فيه بفعل عمر ﵁.
وقال الأترازي: وأما جعلهم أهل ذمة على الجزية، توضع الجزية والخراج، فلما روي عن عمر ﵁ أنه فعل كذلك بأرض السواد. وهو معنى قوله لما بينا، لكن هذا الحكم في غير المشركين من العرب وغير المرتدين لأنه لا يجوز استرقاقهم، ولا وضع الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأشار إليه المصنف بقوله: م: (إلا في مشركي العرب والمرتدين على ما نبين) ش: أي في باب الجزية م: (إن شاء الله تعالى) .
стр. 3579
ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب، لأن فيه تقويتهم على المسلمين، فإن أسلموا لا يقتلهم لاندفاع الشر بدونه، وله أن يسترقهم توفيرا للمنفعة بعد انعقاد سبب الملك، بخلاف إسلامهم قبل الأخذ، لأنه لم ينعقد السبب بعد. ولا يفادى بالأسارى عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يفادى بهم أسارى المسلمين، وهو قول الشافعي ﵀ لأن فيه تخليص المسلم وهو أولى من قتل الكافر والانتفاع به، وله أن فيه معونة للكفرة لأنه يعود حربا علينا، ودفع شره وشر حرابه خير من استنقاذ الأسير المسلم، لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء من الله
ــ
[البناية]
[إذا أسلم الأسارى بعد الأسر]
م: (ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب لأن فيه تقويتهم على المسلمين، فإن أسلموا) ش: أي فإن أسلم الأسارى بعد الأسر م: (لا يقتلهم لاندفاع الشر بدونه) ش: أي بدون القتل، لأن الغرض من قتلهم دفع شرهم وقد حصل ذلك بالإسلام بدون القتل، فلا حاجة إليه، لكن يجوز استرقاقهم وهو معنى قوله: م: (وله) ش: أي للإمام م: (أن يسترقهم توفيراً للمنفعة) ش: للمسلمين م: (بعد انعقاد سبب الملك) ش: وهو أخذهم وهم كفار م: (بخلاف إسلامهم قبل الأخذ) ش: حيث لا يجوز استرقاقهم م: (لأنه لم ينعقد السبب بعد) ش: أي سبب الملك وهو الاستيلاء الأخذ بعد الإسلام. م: (ولا يفادى بالأسارى عند أبي حنيفة ﵀) ش: المفاداة تكون بين اثنين، لأنه من باب المفاعلة، يقال: فاداه: إذا أطلقه وأخذ فديته، كذا قال المطرزي، وقيد الأسير استنقاذه بنفس أو مال، والفدية اسم ذلك المال، وجمعها فدى، وفديات، وعن المبرد المفاداة: أن يدفع رجلاً ويأخذ رجلاً، والفداء أن يشتريه، وقيل هما بمعنى.
وقال ابن الأثير: الفداء بالكسر والمد والفتح مع القصر: فكاك الأسير، يقال: فداه يفديه فداء وفدى، وفاداه يفاديه مفاداة: إذا أعطى فداءه وأنقذه، وفاداه بنفسه وفداه: إذا قال له: جعلت فداك، وقيل: المفاداة أن يفتدى الأسير بأسير مثله، علم أن أخذ الفدية بمقابلة إطلاق أسارى المشركين لا يجوز عند أبي حنيفة وهو المشهور عنه.
م: (وقالا: يفادى بهم) ش: أي الأسارى التي في أيدينا م: (أسارى المسلمين، وهو قول الشافعي ﵀) ش: وقول مالك وأحمد إلا بالنساء، فإنه لا يجوز المفاداة بالنساء عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم م: (لأن فيه تخليص المسلم وهو أولى من قتل الكافر والانتفاع به) ش: أي أولى من قتل الكافر الأسير في أيدينا والانتفاع بالكفرة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن فيه) ش: أي في فداء أسارى المسلمين م: (معونة للكفرة) ش: وفي بعض النسخ تقوية م: (لأنه) ش: أي الأسير الذي يدفع إليهم م: (يعود حرباً علينا ودفع شره وشر حرابه خير من استنقاذ الأسير المسلم، لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء من الله
стр. 3580
تعالى في حقه غير مضاف إلينا، والإعانة بدفع أسيرهم إليهم مضافة إلينا
أما المفاداة بمال يؤخذ منهم لا يجوز في المشهور من المذهب لما بينا، وفي " السير الكبير " أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، استدلالا بأسارى بدر،
ولو كان أسلم أسير في أيدينا لا يفادى بمسلم أسير في أيديهم لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه به وهو مأمون على إسلامه. قال: ولا يجوز المن عليهم، أي على الأسارى خلافا للشافعي ﵀
ــ
[البناية]
تعالى في حقه) ش: حال كونه م: (غير مضاف إلينا) ش: أي إلى فعلنا م: (والإعانة بدفع أسيرهم إليهم مضافة إلينا) ش: بطريق التسبب فلا يجوز.
فإن قلت: حديث الطحاوي في " شرح الآثار " عن عمران بن حصين «أن رسول الله ﷺ فادى برجل من العدو رجلين من المسلمين» .
قلت: هو منسوخ بدليل ما أخبر عمران بن حصين في " شرح الآثار " أيضاً، تفسيره «أن النبي ﷺ فدى بذلك المأسور بعد أن أقر بالإسلام» وقد نسخ أن يرد أحد من أهل الإسلام إلى الكفار، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (الممتحنة: الآية ١٠) .
[مفاداة الأسرى بمال يؤخذ منهم]
م: (أما المفاداة بمال يؤخذ منهم) ش: أي يأخذه الإمام من الكفار م: (لا يجوز في المشهور من المذهب لما بينا) ش: أي بقوله: إن فيه معونة للكفرة م: (وفي " السير الكبير ") ش: عن محمد م: (أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالاً بأسارى بدر) ش: «فإنه ﵇ فادى أسارى بدر بالمال والفداء، وكان أربعة آلاف درهم» وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال الأترازي: وهذا الاستدلال عجيب مع نزول الآية بالإنكار على المفاداة.
قلت: وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] (الأنفال: الآية ٦٨) ، فقال ﷺ : «لو نزل العذاب ما نجي منه إلا عمر» ، لأن عمر ﵁ كان يشير بالقتل.
[إذا أسلم أسير في أيدينا هل يفادى بمسلم أسير في أيديهم]
م: (ولو كان أسلم أسير في أيدينا لا يفادى بمسلم أسير في أيديهم لأنه لا يفيد) ش: لأنه لا فائدة في تخليص المسلم بالمسلم م: (إلا إذا طابت نفسه به) ش: أي إلا إذا رضي بذلك نفس الأسير المسلم م: (وهو مأمون على إسلامه) ش: لا بخلاف عليه بالردة، وينبغي أن يكون هذا على قوله لأن في المشهور عند أبي حنيفة ﵀ لأنها لا يفادى الأسير بالنفس ولا بالمال.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يجوز المن عليهم) ش: هذا قول القدوري، وقوله م: (أي على الأسارى) ش: من كلام المصنف ﵀ والمن هو الإنعام عليهم بأن يتركهم مجاناً بدون إجراء الأحكام عليهم من القتل أو الاسترقاق أو تركهم ذمة المسلمين م: (خلافاً للشافعي ﵀) ش: ومالك وأحمد، وقال الشافعي: حكمهم أحد الأمور الأربعة:
стр. 3581
فإنه يقول: من رسول الله ﵇ على بعض الأسارى يوم بدر. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (النساء: الآية ٦٦) ، ولأنه بالأسر والقسر ثبت حق الاسترقاق فيه، فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة وعوض، وما رواه منسوخ بما تلونا.
وإذا أراد الإمام العود ومعه المواشي فلم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحها وحرقها ولا يعقرها ولا يتركها. وقال الشافعي ﵀: يتركها لأنه ﵇ نهى عن ذبح الشاة إلا لمأكلة.
ــ
[البناية]
القتل والاسترقاق والفداء بالأسارى أو بالمال أو المن، وعندهما أحد الأمور الثلاثة، ولا يجوز المن، وعند أبي حنيفة أحد الأمرين: القتل أو الاسترقاق، ولا يجوز الفداء أو المن.
م: (فإنه) ش: أي فإن الشافعي م: (يقول: «من رسول الله ﵇ على بعض الأسارى يوم بدر» ش: وروي «أنه ﵇ من على أبي عزة الجمحي يوم بدر» .
م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (النساء: الآية ٦٦) ، ولأنه) ش: أي: ولأن المأسور، كذا قاله الكاكي، والأولى أن يقال ولأن الشأن م: (بالأسر والقسر) ش: أي القهر م: (ثبت حق الاسترقاق فيه) ش: أي في المأسور م: (فلا يجوز إسقاطه) ش: أي إسقاط الحق م: (بغير منفعة وعوض) ش: كسائر الأموال المقسومة، ولأن في ذلك تقوية لهم على المسلمين فلا يجوز كرد السلاح إليهم.
م: (وما رواه) ش: أي الشافعي م: (منسوخ بما تلونا) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لأنه متأخر نزل بعد ذلك، لأن سورة براءة آخر ما نزلت وقد تضمنت وجوب القتل على كل حال بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فكان ناسخاً لما تقدم كله.
ولقائل أن يقول قد أجمعوا على أنه مخصوص خص منه الذمي والمستأمن فجاز أن يخص منه الأسير قياساً عليهم، أو لحديث أبي عزة أو غيرهما، والجواب أن قياس الأسير على الذمي فاسد لوجود الذمة فيه دون الأسير، وهي المناط، وكذا المستأمن لعدم استحقاق رقبته، وحديث أبي عزة متقدم على الأئمة وغيرها غير موجود أو غير معلوم فلا يصح التخصيص بشيء من ذلك.
[أراد الإمام العود إلى دار الإسلام ومعه المواشي]
م: (وإذا أراد الإمام العود) ش: أي إلى دار الإسلام م: (ومعه المواشي) ش: جمع ماشية وهي الإبل والبقر والغنم م: (فلم يقدر على نقلها) ش: أي على نقل الماشية م: (إلى دار الإسلام ذبحها وحرقها ولا يعقرها ولا يتركها، وقال الشافعي ﵀ يتركها) ش: وبه قال أحمد ﵀ وقال مالك: يجوز عقرها لا حرقها م: (لأنه ﵇) ش: أي أن النبي ﷺ م: «نهى عن ذبح الشاة إلا لمأكلة» ش: هذا غريب.
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا محمد بن فضل عن يحيى بن سعيد قال: «حدث أن أبا بكر ﵁ بعث جيوشاً..... الحديث، وفيه: لا يعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة» .
стр. 3582
ولنا أن ذبح الحيوان يجوز بغرض صحيح، ولا غرض أصح من كسر شوكة الأعداء، ثم يحرق بالنار لينقطع منفعته عن الكفار، وصار كتخريب البنيان، بخلاف التحريق قبل الذبح لأنه منهي عنه، وبخلاف العقر لأنه مثلة، وتحرق الأسلحة أيضا وما لا يحترق منها يدفن في موضع لا يقدر عليه الكفار إبطالا للمنفعة عليهم.
ولا يقسم غنيمة في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام. وقال الشافعي ﵀: لا بأس بذلك، وأصله أن الملك للغانمين لا يثبت قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا، وعنده يثبت، ويبنى على هذا الأصل عدة من المسائل،
ــ
[البناية]
بفتح الكاف وضمها مصدر الأكل.
[ذبح الحيوان لكسر شوكة الأعداء]
م: (ولنا أن ذبح الحيوان يجوز بغرض صحيح، ولا غرض أصح من كسر شوكة الأعداء) ش: وإلحاق الغيظ فتذبح م: (ثم يحرق بالنار لينقطع منفعته عن الكفار، وصار كتخريب البنيان) ش: والجامع قطع المنفعة عنهم م: (بخلاف التحريق قبل الذبح) ش: حيث لا يجوز م: (لأنه منهي عنه) ش: أي لأن الحرق بالنار منهي عنه.
وفيه أحاديث منها ما رواه البخاري عن سليمان بن يسار «عن أبي هريرة: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: " إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما "، فلما خرجنا دعانا رسول الله ﷺ فقال: " إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاقتلوهما ولا تحرقوهما، فإنه لا يعذب بها إلا الله» وأخرجه الترمذي في " سننه "، «وسمى الرجلين فقال فيه: إن وجدتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد القيس» .
م: (وبخلاف العقر) ش: حيث لا يجوز م: (لأنه مثلة) ش: وهو حرام م: (وتحرق الأسلحة أيضاً) ش: لقطع قوتهم، هذا إذا كان الإمام لا يقطع من إخراجها إلى دار الإسلام، وكانت مما يحرق بالنار م: (وما لا يحترق منها) ش: بأن كان من الحديد م: (يدفن في موضع لا يقدر عليه الكفار إبطالا للمنفعة عليهم) ش: لأن قطع قوتهم بهذا السلاح يكون بالدفن.
[قسمة الغنائم في دار الحرب]
م: (ولا يقسم غنيمة في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام، وقال الشافعي ﵀: لا بأس بذلك) ش: أي بالقسم في دار الحرب بعدما انهزم المشركون، وبه قال أحمد، وقال مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب ويؤخر قسمة السبي إلى دار الإسلام م: (وأصله) ش: أي أصل الخلاف م: (أن الملك للغانمين لا يثبت قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا، وعنده) ش: أي وعند الشافعي م: (يثبت ويبتنى على هذا الأصل عدة من المسائل) ش: منها أن أحداً من الغانمين إذا وطئ أمة من السبي فولدت فادعاه ثبت نسبه عنده وصارت الأمة أمة ولد.
وعندنا لا يثبت النسب لعدم الملك، ويجب العقر ويقسم الأمة والولد والعقر بين الغانمين، ومنها، البيع لو باع الإمام أو واحد من الغزاة شيئاً من الغنيمة لا يجوز عندنا خلافاً لهم، ومنها الإرث، إذا مات أحد الغزاة بدار الحرب لا يورث منه عندنا خلافاً لهم.
стр. 3583
ذكرناها في كفاية المنتهى، له أن سبب الملك الاستيلاء إذا ورد على مال مباح كما في الصيد، ولا معنى للاستيلاء سوى إثبات اليد، وقد تحقق. ولنا أنه ﵇ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب، والخلاف ثابت فيه، والقسمة بيع معنى فتدخل تحته، ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة، والثاني منعدم لقدرتهم على الاستنقاذ ووجوده ظاهرا.
ــ
[البناية]
ومنها لو لحق المدد قبل القسمة لا يشاركه عندهم ويشارك عندنا، ومنها لو أتلف واحد شيئاً من المغنم قبل الإحراز، لا يضمن عندنا، خلافاً لهم م: (ذكرناها في كفاية) ش: بتوفيق الله، أراد بالكفاية كفاية م: (المنتهى) ش: وهو كتاب معدوم لم يقع في ديار العراق والشام ومصر.
م: (له) ش: أي للشافعي م: (أن سبب الملك الاستيلاء إذا ورد على مال مباح كما في الصيد) ش: والاحتطاب م: (ولا معنى للاستيلاء سوى إثبات اليد وقد تحقق) ش: أي الاستيلاء.
م: (ولنا أنه ﵇) ش: أي أن النبي ﷺ م: «نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب» ش: هذا غريب ليس له أصل م: (والخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بيننا وبين الشافعي م: (ثابت فيه) ش: أي في البيع، فمن حرم البيع القسمة م: (والقسمة بيع معنى) ش: أي من حيث المعنى لاشتمالها على الأفراد والمبادلة لا محالة: (فتدخل تحته) ش: أي فتدخل القسمة تحت البيع، فكما لا يجوز البيع لا تجوز القسمة.
م: (ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة) ش: وهي اليد التي يثبت بها حفظ العين م: (والناقلة) ش: أي وإثبات اليد الناقلة، وهي التي تنقل العين من شخص إلى شخص، قاله الأترازي، وقال الكاكي: والناقلة بأن ينقله كيف شاء يتصرف فيه، وقيل: الناقلة بالإحراز الناقل إلى دار الإسلام.
م: (والثاني) ش: أي إثبات اليد الناقلة م: (منعدم لقدرتهم) ش: أي لقدرة الكفرة م: (على الاستنقاذ) ش: أي الاستخلاص لأنهم قاهرون بالدار معنى لأنها في أيديهم م: (ووجوده) ش: بالجر عطف على قوله: لقدرتهم، أي لوجود الاستنقاذ م: (ظاهراً) ش: لكون الدار في أيديهم، لأن الدار إنما تضاف إلينا أو إليهم باعتبار القوة والاستيلاء، وما بقيت هذه البقعة منسوبة إليهم عرف أن القوة لهم.
ألا ترى أنه يحل للإمام أن يرجع إلى دار الإسلام ويترك هذه البقعة في أيديهم، والقوة على الاسترداد ظاهر، يمنع ثبوت يد المسلمين، بخلاف ما إذا فتحت البلدة، لأنها صارت دار إسلام لفتحها وإجراء الأحكام فيها.
فكان فتح البلدة كالإحراز بدارنا، إليه أشار في " المبسوط " وفي " السير الكبير ": دار الحرب الأرض التي يخاف فيها المسلمون من أرض العدو، ودار الإسلام ما غلب عليها المسلمون
стр. 3584
ثم قيل: موضع الخلاف ترتب الأحكام على القسمة إذا قسم الإمام لا عن اجتهاد، لأن حكم الملك لا يثبت بدونه، وقيل: الكراهة
ــ
[البناية]
وكانوا فيه آمنين.
م: (ثم قيل موضع الخلاف) ش: قال الأكمل: أي أن موضع الخلاف فيما إذا صدرت القسمة من الإمام بدون الاجتهاد، هل ثبت الملك لمن وقعت القسمة في نصيبه، من الأكل والوطء وسائر الانتفاع أو لا، فعنده يثبت، وعندنا لا يثبت، وقال الأترازي: قوله: ثم قيل: موضع الخلاف، يعني اختلفوا في المراد بقوله: ولا يقسم غنيمة في دار الحرب.
قال بعض المشائخ: المراد عدم جواز القسمة حتى لا تثبت الأحكام المترتبة على القسمة كامتياز الملك عن ملك الغير أو مبادلة الملك بملكه على وجه يظهر أثره في حق الوطء ونفاذاً كالبيع والهبة وغير ذلك، وقال بعضهم: المراد منه الكراهة بدونه، أي بدون الملك، انتهى.
قلت: تفسير الأكمل يشعر بأن مضي قوله: ثم قيل: موضع الخلاف، أي الخلاف الذي بيننا وبين الشافعي، وتفسير الأترازي يشعر بأن المراد من موضع الخلاف اختلاف المشائخ للنظر عن خلاف الشافعي، والذي قاله الأكمل أوجه على ما لا يخفى لأنه لا خلاف بيننا وبينه فيما إذا قسم الإمام عن اجتهاد أنه يجوز.
والخلاف فيما إذا قسم الإمام لا عن اجتهاد كما صرح به المصنف بقوله م: (ترتب الأحكام على القسمة) ش: ارتفاع ترتب الأحكام على أنه خبر لقوله مع منع الخلاف، وأراد بالأحكام أحكام الملك، وهي سائر الانتفاعات بالملك م: (إذا قسم الإمام لا عن اجتهاد) ش: قيد به لأنه إذا قسمها عن اجتهاد، جاز بالاتفاق، وإنما قيد بهذا ليظهر موضع الخلاف.
م: (لأن حكم الملك لا يثبت بدونه) ش: أي بدون الملك، معناه أن ترتب هذه الأحكام دليل ثبوت الملك المستلزم لجواز القسمة وقصده مترتبة بهذه القسمة الصادرة لا عن اجتهاد، فيلزم منه ثبوت الملك، وعندنا ليست بمترتبة، فدل على أن الملك لم يكن ثابتاً.
وهذا لأن الملك عليه لترتب الأحكام، وقد وجد المعلول فيلزم وجود العلة لئلا يلزم تخلف العلة عن المعلول، وعندنا لم يوجد المعلول فيلزم منه عدم وجود العلة لئلا يلزم تخلف العلة عن المعلول.
م: (وقيل الكراهة) ش: أي قيل: حكم قسم الغنائم في دار الحرب على مذهبنا الكراهة، لا عدم الجواز، لما أن القسمة من قطع شركة المراد فنقل بها عقبهم في اللحوق بالجيش، ولأنه إذا قسم تفرقوا، فربما يكون العدو على بعضهم، وهذا أمر وراء ما يتم به القسمة، فلا يمنع جوازها.
стр. 3585
وهي كراهة تنزيه عند محمد ﵀ فإنه قال على قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀: لا يجوز القسمة في دار الحرب. وعند محمد ﵀ الأفضل أن يقسم في دار الإسلام. وجه الكراهة أن دليل البطلان راجح، إلا أنه تقاعد عن سلب الجواز، فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة. قال: والردء والمقاتل في العسكر سواء؛
ــ
[البناية]
ثم أشار المصنف إلى الخلاف في الكراهة، هل هي كراهة تنزيه أو كراهة تحريم، فقال: م: (وهي كراهة تنزيه عند محمد ﵀ فإنه قال) ش: فإن محمداً قال في " السير الكبير " م: (على قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀: لا يجوز القسمة في دار الحرب، وعند محمد ﵀ الأفضل أن يقسم في دار الإسلام) ش: وفيه نظر لأن هذا يشير إلى أن قول محمد على خلاف قول أبي حنيفة في القسمة في دار الحرب وليس بمشهور، فإنه لا خلاف بينهم في ظاهر الرواية من أصحابنا.
وفي غير ظاهر الرواية الأفضلية منقولة عن أبي يوسف، وأيضاً قوله على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تجوز القسمة، يدل على خلاف ما يدل عليه قوله وقيل الكراهة.
وفي الجملة هذا الموضع لا يخلو من تسامح، المخلص عنه أنهم اختلفوا في المراد بقوله: ولا يقسم غنيمة في دار الحرب، فقال بعض المشايخ: المراد به عدم جواز القسمة حتى لا تثبت الأحكام المترتبة على القسمة، وقال بعضهم: المراد به الكراهة، وعلى قوله على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تجوز القسمة، إنما يصح على قول الأولين فافهم.
م: (وجه الكراهة أن دليل البطلان) ش: أي دليل بطلان القسمة م: (راجح) ش: على دليل جوازها لعدم تمام الاستيلاء م: (إلا أنه) ش: أي أنه دليل البطلان م: (تقاعد عن سلب الجواز) ش: إذ القسمة تجوز بالإجماع، أما عنده فظاهر، وأما عندنا إذا كانت عن اجتهاد، نظيره قوله ﵇: " الهرة سبع "، فإنه لما تقاعد عن سلب الطهارة قلنا بعدم الكراهة، وقوله ﵇: «الهرة ليست نجسة» قلنا بالكراهة ثمة.
كذا هنا م: (فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة) ش: لأنه لما ثبت نفي الجواز بالاتفاق يثبت الكراهة - بمذكر هنا - فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة، لأن الدليل المرجوح لما لم يبطل أصلاً حصل من معارضة الراجح والمرجوح احتاج القراءة إلى الانتفاع بالمتاع والثياب والدواب قسمها بينهم في دار الحرب لتتحقق الحاجة.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (والردء) ش: بكسر الراء وسكون الدال المهملة، وفي آخره همزة، وهو العون، رداه: أعانه، والراء بالفتح مصدر، والردء مرفوع بالابتداء، وقوله م: (والمقاتل) ش: عطف عليه، وقوله م: (في العسكر) ش: ظرف الاثنتين، وقوله م: (سواء) ش:
стр. 3586
لاستوائهم في السبب وهو المجاوزة، أو شهود الواقعة على ما عرف، وكذلك إذا لم يقاتل لمرض أو لغيره لما ذكرنا،
وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها، خلافا للشافعي ﵀ بعد انقضاء القتال، وهو بناء على ما مهدنا من الأصل. وإنما ينقطع حق المشاركة عندنا بالإحراز، أو بقسمة الإمام في دار الحرب أو ببيعه الغنائم فيها. لأن بكل واحد منها يتم الملك فينقطع حق شركة المدد. قال: ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا.
ــ
[البناية]
بالرفع خبر المبتدأ، والقياس أن يقال: سواءان، ولكن جاء في الاستعمال بالإفراد أيضاً.
قال الجوهري: وهما في هذا الأمر سواء، وإن شئت سواءان وهم سواء للجميع هم أسواء هم سواسية، أي أثبتاه مثل ثمانية قياسها م: (لاستوائهم في السبب) ش: أي سبب الاستحقاق م: (وهو المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب بنية القتال عندنا م: (أو بشهود الواقعة) ش: عند الشافعي، والواقعة صدمة الحرب، كذا في مجمل اللغة، م: (على ما عرف) ش: أي في طريق الخلاف.
م: (وكذلك) ش: أي وكذلك مستوٍ مع المقاتل في الحرب م: (إذا لم يقاتل) ش: أحد منهم م: (لمرض) ش: أي لأجل كونه مريضاً م: (أو لغيره) ش: أي أو غير المريض بأن بعثه الإمام إلى حاجة ولم يحضر الواقعة م: (لما ذكرنا) ش: من الاستواء في السبب.
[مشاركة المدد العسكر في الغنيمة]
م: (وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها) ش: أي شارك المدد العسكر في الغنيمة، وإنما أسند الفعل إلى ضمير الجماعة لأن المدد يقع على الجماعة م: (خلافاً للشافعي ﵀ بعد انقضاء القتال) ش: فعنده إذا لحقوا بعد مضي الحرب وجمع الغنائم لم يشركوهم، وإذا لحقوا بعد مضي الحرب، وقبل إحراز الغنائم ففيه قولان.
م: (وهو) ش: أي المذكور من الخلاف م: (بناء على ما مهدنا من الأصل) ش: أن سبب ملك الغانمين تمام القهر، وذلك بالإحراز بدار الإسلام عندنا وعنده بتمام الانهزام.
م: (وإنما ينقطع حق المشاركة عندنا بالإحراز) ش: بدار الإسلام م: (أو بقسمة الإمام في دار الحرب) ش: قيل إلحاق المدد م: (أو ببيعه الغنائم فيها) ش: أي أو بيع الإمام الغنيمة في دار الحرب قبل إلحاق المدد م: (لأن بكل واحد منها) ش: أي ملك واحد من هذه الأشياء الثلاثة م: (يتم الملك) ش: أي ملك الغزاة م: (فينقطع حق شركة المدد) ش: فلا يستحقون شيئاً.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا) ش: أي ولا رضخ، وبه صرح في " المبسوط "، فإذا قاتلوا استحقوا السهم، وبه قال مالك وأحمد
стр. 3587
وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: يسهم لهم لقوله ﵇: الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأنه وجد الجهاد معنى بتكثير السواد. ولنا أنه لم توجد المجاوزة على قصد القتال فانعدم السبب الظاهر، فيعتبر السبب الحقيقي وهو القتال، فيفيد الاستحقاق على حسب حاله، فارسا أو راجلا عند القتال، وما رواه موقوف على عمر ﵁ وتأويله أن يشهدها على قصد القتال
ــ
[البناية]
والشافعي في قول، وقال أشهب المالكي: لا يستحق أحد منهم شيئاً وإن قاتل؛ لعدم قصده الجهاد.
م: (وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: يسهم لهم لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» ش: الصحيح أن هذا ليس بحديث مرفوع، وإنما هو موقوف على عمر ﵁ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه مطولاً، حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب «أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر ﵁ ... الحديث.
وفيه: كتب عمر ﵁: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة» ورواه الطبراني في " معجمه " والبيهقي في " سننه " وقال: هو صحيح من قول عمر ﵁ م: (ولأنه وجد الجهاد معنى بتكثير السواد) ش: أي سواد العسكر.
م: (ولنا أنه لم توجد المجاوزة) ش: أي عن الدرب م: (على قصد القتال) ش: لأن قصدهم التجارة لا إعزاز الدين ولا إرهاب العدو م: (فانعدم السبب الظاهر) ش: وهو مجاوزة الدرب بنية القتال، كما هو مذهبنا، أو شهود الواقعة بنية القتال كما هو مذهب الشافعي، وإذا كان كذلك م: (فيعتبر السبب الحقيقي وهو القتال فيفيد الاستحقاق) ش: أي يفيد القتال استحقاق السهم م: (على حسب حاله) ش: أي حال السوق حالة كونه م: (فارساً أو راجلاً عند القتال) ش: إن قاتل فارساً فله سهم الفرسان، وإن قاتل راجلاً فله سهم الرجالة.
م: (وما رواه) ش: أي الشافعي م: (موقوف على عمر ﵁) ش: وقد ذكرناه، فإذا كان موقوفاً عليه يكون كلام الصحابي وقول الصحابي ليس بحجة عنده، فكيف يحتج بما ليس بحجة عنده علينا.
م: (وتأويله) ش: أي وتأويل هذا الذي احتج به الشافعي إن صح م: (أن يشهدها على قصد القتال) ش: أي لم يشهد الوقعة على نية القتال.
стр. 3588
فإن لم يكن للإمام حمولة يحمل عليها الغنائم قسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيقسمها. قال العبد الضعيف: هكذا ذكر في المختصر ولم يشترط رضاهم، وهو رواية " السير الكبير "، والجملة في هذا أن الإمام إذا وجد في المغنم حمولة يحمل الغنائم عليها، لأن الحمولة والمحمول مالهم، وكذا إذا كان في بيت المال فضل حمولة، لأنه مال المسلمين، ولو كان للغانمين أو لبعضهم لا يجبرهم في رواية السير الصغير، لأنه ابتداء إجارة، وصار كما إذا نفقت دابة في مفازة ومع رفيقه
ــ
[البناية]
م: (فإن لم يكن للإمام حمولة) ش: بفتح الحاء يحمل عليها من بعير أو فرس أو بغل أو حمار م: (يحمل عليها) ش: أي على حمولة م: (الغنائم) ش: جمع غنيمة م: (قسمها) ش: أي الغنائم م: (بين الغانمين قسمة إيداع) ش: أي على وجه الوديعة لا قسمة تمليك م: (ليحملوها إلى دار الإسلام ثم يرتجعها منهم) ش: أي من الغانمين م: (فيقسمها) ش: بينهم بعد ذلك.
م: (قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀: م: (هكذا ذكر في المختصر) ش: أي هكذا ذكر القدوري في مختصره حيث قال: وإن لم يكن للإمام حمولة ... إلى آخر ما ذكرنا من كلام المصنف م: (ولم يشترط) ش: أي القدوري م: (رضاهم) ش: أي رضاء الغانمين، بل ذكره مطلقاً م: (وهو) ش: أي القدوري، ذكره مطلقاً م: (رواية " السير الكبير ") ش: حيث قال فيه: يكرههم على ذلك، لكن إجارة.
وهي رواية القدوري في مختصره لأنه فيه دفع الضرر العام بالخاص، ولأن منفعته عائدة إليهم فله أن يفعل ذلك لحقهم، فصار كمأكول، فصار إلى تأول طعام الغير حيث يتناولها بالغنيمة.
م: (والجملة في هذا) ش: أي جملة الكلام في هذا الموضع م: (أن الإمام إذا وجد في المغنم حمولة يحمل الغنائم عليها، لأن الحمولة والمحمول مالهم) ش: من نظر حمل مالهم على مالهم م: (وكذا) ش: أي حكم م: (إذا كان في بيت المال فضل حمولة، لأنه) ش: أي لأن بيت المال م: (مال المسلمين) ش: فتحمل مالهم بمالهم. م: (ولو كان) ش: أي ما يحمل عليه م: (للغانمين أو لبعضهم لا يجبرهم في رواية " السير الصغير ") ش: لا يكرههم عليه لعدم حل الانتفاع بمال الغير إلا بطيبة من نفسه، فيكون هذا جبراً على الإجارة ابتداء وهو معنى قوله م: (لأنه ابتداء إجارة) ش: فلا يجوز قوله: ابتداء إجارة، احترازاً عن إجارة في حالة البقاء حيث تجوز الحرمة باتفاق الروايات، كمن استأجر سفينة شهراً فمضت المدة وسط البحر، فإنه ينعقد عليها إجارة أخرى بغير رضى المالك بأجر المثل، ذكره في " المحيط ".
م: (وصار كما إذا نفقت دابة) ش: أي كما إذا هلكت دابة إنسان م: (في مفازة ومع رفيقه
стр. 3589
فضل حمولة ويجبرهم في رواية السير الكبير، لأنه دفع الضرر العام بتحصيل ضرر خاص.
ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب ؛ لأنه لا ملك قبلها، وفيه خلاف الشافعي ﵀ وقد بينا الأصل.
ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة. ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام فنصيبه لورثته، لأن الإرث يجري في الملك ولا ملك قبل الإحراز وإنما الملك بعده، وقال الشافعي ﵀: من مات منهم بعد استقرار الهزيمة يورث نصيبه لقيام الملك فيه عنده وقد بيناه. قال: ولا بأس بأن يعلف
ــ
[البناية]
فضل حمولة) ش: حيث لا يجبر على الحمل بأجر المثل بلا رضاه، فكذا هذا، م: (ويجبرهم) ش: أي الإمام م: (في رواية السير الكبير، لأنه دفع الضرر العام بتحصيل ضرر خاص) ش: أي لأن الإجبار على الإجارة دفع الضرر العام بتحصيل الضرر الخاص آلة السفينة في وسط البحر، والدابة في وسط المفازة عند مضي مدة الإجارة أو مات صاحب الدابة أو السفينة، فلأنه تبقى الإجارة والأجر من الغنيمة.
[بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب]
م: (ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب؛ لأنه لا ملك قبلها) ش: أي قبل القسمة، ومع هذا إذا باع الإمام صح، لأنه مجتهد فيه، ذكره في شرح الطحاوي، فعلم بهذا أن المراد بقوله: لا يجوز بيع الغنائم، الكراهة لا نفي ترتب الأحكام، والكراهة أيضاً فيما إذا باع لا لحاجة الغزاة.
وإذا باع لدفع حاجتهم فينبغي أن لا تكره، لأن مال أهل الحرب مباح، وبالضرورة يستباح المحظور، فلأن يستباح المباح وللكراهة مع الإباحة م: (وفيه) ش: أي وفي بيع الغنائم قبل القسمة م: (خلافاً للشافعي ﵀) ش: فعنده يجوز، لأن سبب الملك عنده الاستيلاء م: (وقد بينا الأصل) ش: أن الملك للغانمين قبل الإحراز بدار الإسلام لا يثبت عندنا، خلافاً له.
[حق من مات من الغانمين في دار الحرب من الغنيمة]
م: (ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة. ومن مات منهم بعد إخراجها) ش: أي بعد إخراج الغنيمة م: (إلى دار الإسلام، فنصيبه لورثته) ش: لورثة الذي مات من الغانمين م: (لأن الإرث يجري في الملك ولا ملك قبل الإحراز) ش: بدار الإسلام م: (وإنما الملك) ش: يثبت م: (بعده) ش: أي بعد الإحراز بدار الإسلام.
م: (وقال الشافعي ﵀: من مات منهم بعد استقرار الهزيمة يورث نصيبه لقيام الملك فيه عنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ م: (وقد بيناه) ش: أي في مسألة قسمة الغنيمة في دار الحرب.
م: (قال: ولا بأس بأن يعلف) ش: يقال علف الدابة يعلف علفاً من باب ضرب يضرب: إذا أطعمها العلف، وقال ابن دريد: لا يقال: أعلفها، والدابة معلوفة وعليف، والعلف بفتح اللام
стр. 3590
العسكر في دار الحرب ويأكلوا مما وجدوه من الطعام. قال العبد الضعيف: أرسله ولم يقيد بالحاجة. وقد شرطها في رواية ولم يشترطها في الأخرى. وجه الأولى أنه مشترك بين الغانمين فلا يباح الانتفاع به إلا للحاجة كما في الثياب والدواب. وجه الأخرى قوله ﵇ في طعام خيبر: «كلوها واعلفوها ولا تحملوها» ولأن الحكم يدار على دليل الحاجة، وهو كونه في دار الحرب، لأن الغازي لا يستصحب قوت نفسه وعلف ظهره مدة مقامه فيها، والميرة منقطعة، فبقي على أصل الإباحة للحاجة بخلاف السلاح لأنه يستصحبه
ــ
[البناية]
كل ما أعلفه الدابة.
والعلف بسكون اللام مصدر كما ذكرناه، وقوله م: (العسكر) ش: بالرفع فاعل يعلف، المفعول محذوف وهو الدابة، ولفظ يعلف يدل عليه، لأن العلف يكون للدابة م: (في دار الحرب ويأكلوا مما وجدوه من الطعام. قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀: م: (أرسله) ش: أي القدوري يعني أطلقه م: (ولم يقيده بالحاجة وقد شرطها) ش: أي شرط الحاجة محمد ﵀ م: (في رواية) ش: وهي رواية " السير الصغير " م: (ولم يشترطها في الأخرى) ش: أي في الرواية الأخرى وهي رواية " السير الكبير "، واختارها الكرخي في مختصره وتبعه القدوري حيث أطلقها.
م: (وجه الأولى) ش: أي وجه الرواية الأولى، وهي رواية " السير الصغير " م: (أنه) ش: أي أن ما وجدوه من العلف والطعام م: (مشترك بين الغانمين فلا يباح الانتفاع به إلا للحاجة كما في الثياب والدواب) ش: أي كما لا يباح الاستعمال في الثياب والدواب والسلاح إلا لحاجة.
م: (وجه الأخرى) ش: أي وجه الرواية الأخرى وهي رواية " السير الكبير " م: (قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ : م: (في طعام خيبر: «كلوها واعلفوها ولا تحملوها» ش: هذا رواه البيهقي في كتاب المعرفة بإسناده عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: " كلوا واعلفوا ولا تحملوا» .
م: (ولأن الحكم يدار على دليل الحاجة، وهو كونه في دار الحرب، لأن الغازي لا يستصحب قوت نفسه، وعلف ظهره) ش: أي دابته.
قال في " الفائق ": الظهر: الراحلة، وقال في " المغرب ": لفظ الظهر مستعار للدابة م: (مدة مقامه فيها) ش: أي في دار الحرب م: (والميزة) ش: أي الطعام م: (منقطعة فبقي على أصل الإباحة للحاجة) ش: أي للاحتياج.
م: (بخلاف السلاح) ش: حيث لا يستعمله م: (لأنه) ش: أي لأن الغازي م: (يستصحبه)
стр. 3591
فانعدم دليل الحاجة، وقد تمس إليه الحاجة فيعتبر حقيقتها فيستعمله ثم يرده إلى المغنم إذا استغنى عنه، والدابة مثل السلاح والطعام كالخبز واللحم وما يستعمل فيه كالسمن والزيت.
قال: ويستعملوا الحطب. وفي بعض النسخ الطيب ويدهنوا بالدهن ويوقحوا به بالدابة؛
ــ
[البناية]
ش: أي مستصحب السلاح م: (فانعدم دليل الحاجة وقد تمس إليه) ش: أي وقد تمس م: (الحاجة) ش: إلى السلاح بأن سقط السيف من يده أو انكسر أو نهب أو نحو ذلك م: (فيعتبر حقيقتها) ش: أي حقيقة الحاجة لا دليل الحاجة م: (فيستعمله) ش: أي فيستعمل السلاح م: (ثم يرده إلى المغنم إذا استغنى عنه) ش: أي عن السلاح م: (والدابة مثل السلاح) ش: أي يعتبر فيها حقيقة الحاجة وهذا إذا اعتبر فيها الركوب.
أما إذا اعتبر فيها الأكل فهي كالطعام، حتى يجوز ذبح الإبل والبقر والغنم للأكل، ذكره في " المحيط " و " الإيضاح " م: (والطعام) ش: أي المراد من الطعام المذكور فيما مضى من قوله: ويأكلوا ما وجدوه من الطعام م: (كالخبز واللحم وما يستعمل فيه) ش: أي في الخبز م: (كالسمن والزيت) ش:.
[تناول شيء من الأدوية والطيب ودهن البنفسج ودهن الخيري قبل القسمة للغنائم]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويستعملوا الحطب) ش: لتعذر نقله من دار الإسلام م: (وفي بعض النسخ) ش: أي في بعض نسخ القدوري م: (الطيب) ش: أي ويستعملوا الطيب.
وهذا ليس بصحيح، لأن القدوري نفسه قال في شرح مختصر الكرخي بعدم جواز الانتفاع بالطيب م: (ويدهنوا بالدهن) ش: هذا أيضاً لفظ القدوري المراد به الدهن المأكول كالزيت، لأنه لما صار مأكولا كان صرفه إلى بدنه كصرفه إلى أكله، وإذا لم يكن مأكولا لا ينتفع به، بل يرده إلى الغنيمة، كذا ذكره القدوري في شرحه.
وفي " المحيط ": لو أصابوا سمسماً أو زيتاً أو دهن سمسم أو فاكهة يابسة أو رطبة أو سكراً أو بصلاً أو غير ذلك من الأشياء التي تؤكل عادة، لا بأس بالتناول منها قبل القسمة، ولا يجوز تناول شيء من الأدوية والطيب ودهن البنفسج ودهن الخيري لأن هذه الأدهان لا تؤكل ولا تستعمل للحاجة الأصلية.
بل يستعمله للزينة وكل ما لا يؤكل ولا يشرب، فلا ينبغي أن ينتفع منه بشيء قل أو كثر، لقوله ﵇: «ردوا الخيط والمخيط» ، وقال فيه وما استهلكه في دار الحرب مما له قيمة أو ليس له قيمة فذلك هدر.
م: (ويوقحوا به الدابة) ش: هذا أيضاً لفظ القدوري ويوقحوا من التوقيح، وتوقيح الدابة تصليب حافزها بالشحم المذاب إذا حفي، أي رق من كثرة المشي، وفي المجمل السفرقع الحافر، أي أصلب.
стр. 3592
لمساس الحاجة إلى جميع ذلك، ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح، كل ذلك بلا قسمة، وتأويله إذا احتاج إليه بأن لم يكن له سلاح وقد بيناه. ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا ولا يتمولونه؛ لأن البيع يترتب على الملك ولا ملك على ما قدمناه، وإنما هو إباحة
ــ
[البناية]
قال الأترازي: وهذا خطأ، كذا في " المغرب " ونسخة الإمام حافظ الدين الكبير ﵀ بخط يده بالراء من الترقيح، وهو المنقول عن المصنف، قال: هكذا قرأناه على المشايخ، قال في " الجمهرة " رقح فلان عيشه ترقيحاً: إذا أصلحه.
وقال الكاكي: قال شيخي العلامة صاحب النهاية: ولكن صححه شيخي مولانا حافظ الدين بالراء من الترقيح وهو الإصلاح، وهو أصح لأنه أعم، وقال الأترازي: رأيت في نسخة من نسخ مختصر الكرخي مكتوبة في تاريخ سنة إحدى وأربعمائة بالواو كما قال صاحب المغرب لا بالراء. انتهى.
وكذا رأيت بخط شيخي العلاء أنه بالواو أولى م: (لمساس الحاجة إلى جميع ذلك) ش: أشار به إلى جميع ما ذكره من قوله، والطعام كالخبز، إلى هنا.
م: (ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح) ش: هذا لفظ القدوري معطوف على قوله: بأن يعلق العسكر م: (كل ذلك بلا قسمة) ش: هذا أيضاً لفظ القدوري؛ أي كل ما قلنا من علف الدابة وأكل طعام الغنيمة واستعمال الحطب والادهان بالدهن.
والقتال بسلاح الغنيمة قبل مسها م: (وتأويله) ش: أي تأويل قول القدوري: ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح م: (إذا احتاج إليه بأن لم يكن له سلاح) ش: وإنما احتاج إلى هذا التأويل لأنه إذا احتاج الغازي إلى استعمال سلاح الغنيمة بسبب صيانة سلاحه لا يجوز م: (وقد بيناه) ش: إشارة إلى قوله بخلاف السلاح لأنه مستصحبه، إلى آخره.
م: (ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئاً) ش: هذا أيضاً لفظ القدوري، وأشار بذلك إلى ما ذكره من قوله من علف الدواب، وأخذ الطعام للأكل والحطب للاستعمال والدهن بلا ادهان والسلك للقتال م: (ولا يتمولونه) ش: هذا أيضاً قال القدوري من التمول، وهو صيانة ذلك وادخاره إلى وقت الحاجة.
وقال الأترازي: ولا يتمولونه، عطف على قوله: ولا يجوز، لا على قول: أن يبيعه، لأن ذلك عكس الغرض، أي لا يبيعونه ولا يتمولونه، فلو كان عطفاً على أن يبيعوا كان إثبات التمول لأن نفي النفي إثبات م: (لأن البيع يترتب على الملك ولا ملك) ش: أي هنا م: (على ما قدمناه) ش: من قوله: إنه لا ملك قبل الإحرزا م: (وإنما هو إباحة) ش: أي الانتفاع بالأشياء المذكورة إباحة لهم للحاجة وقد زالت الحاجة فلا تبقى الإباحة.
стр. 3593
وصار كالمباح له الطعام، وقوله: ولا يتمولونه، إشارة إلى أنهم لا يبيعونه بالذهب والفضة والعروض، لأنه لا ضرورة إلى ذلك، فإن باعه أحدهم رد الثمن إلى الغنيمة، لأنه بدل عين كانت للجماعة،
وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة للاشتراك، إلا أنه يقسم الإمام بينهم في دار الحرب إذا احتاجوا إلى الثياب والدواب والمتاع، لأن المحرم يستباح للضرورة فالمكروه أولى، وهذا لأن حق المدد محتمل، وحاجة هؤلاء متيقن بها فكان أولى بالرعاية، ولم يذكر القسمة في السلاح، ولا فرق في الحقيقة فإنه إذا احتاج واحد يباح له الانتفاع في الفصلين، وإن احتاج الكل يقسم في الفصلين،
ــ
[البناية]
م: (وصار) ش: هذا م: (كالمباح له الطعام) ش: يعني كما إذا أباح طعامه بغيره لا يجوز له أن يبيع ويتمول.
م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري م: (ولا يتمولونه، إشارة إلى أنهم لا يبيعونه بالذهب والفضة والعروض، لأنه لا ضرورة إلى ذلك) ش: أي إلى البيع بشيء من هذه الأشياء، لأنه في معنى التمول، ولا حاجة لهم إلى ذلك م: (فإن باعه أحدهم) ش: أي فإن باع شيئاً من الأشياء التي لا يجوز بيعها أحدهم، أي أحد الغانمين م: (رد الثمن إلى الغنيمة، لأنه بدل عين كانت للجماعة) ش: أي عوض عين مشتركة بين الغانمين.
[الانتفاع بالثياب والمتاع قبل القسمة]
م: (وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة للاشتراك) ش: أي لأجل اشتراك الغانمين فيهما م: (إلا أنه) ش: أي غير أن الشأن م: (يقسم الإمام بينهم في دار الحرب إذا احتاجوا إلى الثياب والدواب والمتاع، لأن المحرم يستباح للضرورة فالمكروه أولى) ش: بأن يستباح.
م: (وهذا لأن حق المدد) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: كيف جازت القسمة وفيها قطع حق الغير وهو المدد لأن المدد إذا لحقهم بشوكتهم؟ فأجاب بقوله، وهذا، أي جواز القسمة لأن حق المدد الذي يأتي م: (محتمل وحاجة هؤلاء) ش: أي العسكر الموجودين م: (متيقن بها) ش: أي بالحاجة م: (فكان) ش: أي المتيقن بها. م: (أولى بالرعاية) ش: لأنه لا اعتبار للاحتمال مع وجود اليقين م: (ولم يذكر) ش: أي محمد ﵀ في كتاب السير م: (القسمة في السلاح) ش: إذا احتاجوا إليه م: (ولا فرق في الحقيقة) ش: بين السلاح وبين الثياب والمتاع والدواب في جواز القسمة عند الحاجة.
م: (فإنه) ش: أي فإن الثياب م: (إذا احتاج واحد يباح له الانتفاع في الفصلين) ش: أي في فصل السلاح وفصل الثياب والمتاع والدواب م: (وإن احتاج الكل) ش: أي كل الغزاة م: (يقسم في الفصلين) ش: المذكورين.
стр. 3594
بخلاف ما إذا احتاجوا إلى السبي حيث لا يقسم، لأن الحاجة إليه في فضول الحوائج. قال: ومن أسلم منهم معناه في دار الحرب أحرز بإسلامه نفسه، لأن الإسلام ينافي ابتداء الاسترقاق وأولاده الصغار، لأنهم مسلمون بإسلامه تبعا، وكل مال هو في يده؛ لقوله ﵇: «من أسلم على مال فهو له»
ــ
[البناية]
م: (بخلاف ما إذا احتاجوا إلى السبي حيث لا يقسم، لأن الحاجة إليه) ش: أي إلى السبي م: (في فضول الحوائج) ش: لا من أصولها، وفي " المبسوط ": لا يقسم السبي وإن احتيج إليه قبل الإحراز، لأنه لا يقع حاجة الأحياء ولا يبيعهم، لأنه لا يملكهم قبل الإحراز، فإن أطاعوا المشي يمشيهم، لأن في الإركاب إعزازا وهم أصل الصغار، أي الذل.
فإن لم يطيقوه وليس معه فضل حمولة ولم تطب نفسه من معه فضل حمولة قبل الرجال وترك النساء والصبيان، لأن «النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة ولم يقتل النساء والصبيان» وهل يكره من عنده فضل حمولة على الحمل؟ فيه روايتان.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أسلم منهم) ش: أي من الكفار، هذا لفظ القدوري م: (معناه في دار الحرب) ش: هذا لفظ المصنف ﵀ أي معنى قوله ومن أسلم منهم، أي أسلم في دار الحرب، إنما احتاج إلى هذا التأويل ليقع الاحتراز به عن مستأمن أسلم في دار الإسلام ثم ظهرنا على دار الحرب، كان أولاده وأمواله كلها فيئاً م: (أحرز بإسلامه نفسه، لأن الإسلام ينافي ابتداء الاسترقاق) ش: احترز به عن الاسترقاق بقاء، لأن الإسلام لا ينافيه.
وهذا لأن الرق جزاء الكفر الأصلي فإنهم لما استنكفوا أن يكونوا عبيداً لله جازاهم الله بأن يكونوا عبيد عبيده، بخلاف الرق في حالة آليتها، فإنه صار من الأمور الحكمية م: (وأولاده الصغار) ش: بالنصب؛ عطف على قوله: نفسه، أي وأحرز أيضاً أولاده الصغار، احترز به عن أولاده الكبار على ما يجيء.
م: (لأنهم مسلمون بإسلامه تبعاً) ش: أي بإسلام الأب بطريق التبعية له فصاروا أحراراً م: (وكل مال) ش: بالنصب أي أحرز كل مال م: (هو في يده لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «من أسلم على مال فهو له» ش: هذا الحديث رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث ياسين الزيات عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له» ورواه ابن عدي في " الكامل "، والبيهقي وأعله بياسين الزيات، وأسند تضعيفه عن البخاري والنسائي وابن معين، ورواه البيهقي وقال: إنما يروى عن ابن أبي مليكة،
стр. 3595
ولأنه سبقت يده الحقيقية إليه يد الظاهرين عليه، أو وديعة في يد مسلم أو ذمي، لأنه في يد صحيحة محترمة ويده كيده، فإن ظهرنا على دار الحرب فعقاره فيء، وقال الشافعي ﵀: هو له لأنه في يده فصار كالمنقول.
ولنا أن العقار في يد أهل الدار وسلطانها إذ هو من جملة دار الحرب، فلم يكن في يده حقيقة. وقيل: هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - الآخر، وفي قول عن محمد ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ الأول: هو كغيره من الأموال بناء على أن اليد حقيقة لا يثبت على العقار عندهما،
ــ
[البناية]
وعن عروة مرسلاً.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الذي أسلم م: (سبقت يده الحقيقية إليه يد الظاهرين) ش: أي الغالبين م: (عليه) ش: أي على المال م: (أو وديعة) ش: بالرفع عطفاً على قوله: هو في يده م: (في يد مسلم أو ذمي لأنه) ش: أي لأن الوديعة، ذكر الضمير باعتبار المودع م: (في يد صحيحة) ش: احترز به عن يد الغاصب.
م: (محترمة) ش: احترز به عن الحربي م: (ويده) ش: أي يد كل واحد من المسلم والذمي م: (كيده) ش: لأنهما عاملان له ونائبان في الحفظ، فإن كانت وديعة عند حربي تصير فيئاً على رواية أبي حفص، وعلى رواية أبي سليمان لا يكون فيئاً.
م: (فإن ظهرنا على دار الحرب) ش: أي فإن غلبنا على دار الحرب التي أسلم المذكور منها م: (فعقاره فيء) ش: هذا ذكروه في شرح " الجامع الصغير "، ولم يذكروا فيه خلافاً بين أصحابنا، وليس في الأصل أيضاً ذكر الخلاف إلا أن الفقيه أبا الليث قال في شرح " الجامع الصغير ": قال أبو يوسف ﵀ في " الأمالي ": لا يصير فيئاً، وهو قول الشافعي ﵀، وإليه أشار بقوله م: (وقال الشافعي ﵀: هو له) ش: أي العقار الذي أسلم، وبه قال مالك وأحمد م: (لأنه في يده) ش: أي لأن العقار في يده م: (فصار كالمنقول) ش: حيث يكون له بلا خلاف.
م: (ولنا أن العقار في يد أهل الدار) ش: أي دار الحرب م: (وسلطانها) ش: أي وفي يد سلطانها م: (إذ هو) ش: أي العقار م: (من جملة دار الحرب فلم يكن في يده حقيقة) ش: بخلاف المنقول.
م: (وقيل هذا) ش: أي قول القدوري فعقاره فيء م: (قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - الآخر) ش: أي القول الآخر، وإنما ذكره بقوله قيل هذا لأن الظاهر عن أصحابنا لا اختلاف فيه م: (وفي قول عن محمد ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ الأول، هو) ش: أي العقار م: (كغيره من الأموال بناء على أن اليد حقيقة لا يثبت على العقار عندهما) ش:
стр. 3596
وعند محمد ﵀ يثبت وزوجته فيء، لأنها كافرة حربية لا تتبعه في الإسلام، وكذا حملها فيء خلافا للشافعي ﵀ هو يقول: إنه مسلم تبعا كالمنفصل. ولنا أنه جزؤها فيرق برقها، والمسلم محل للتمليك تبعا لغيره، بخلاف المنفصل لأنه حر لانعدام الجزئية عند ذلك، وأولاده الكبار فيء؛ لأنهم كفار حربيون ولا تبعية.
ومن قاتل من عبيده فيء لأنه تمرد على مولاه، خرج من يده لأهل دارهم وما كان من ماله في يد حربي فهو فيء غصبا كان أو وديعة، لأن يده ليست بمحترمة؛
ــ
[البناية]
أي عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀.
م: (وعند محمد ﵀ يثبت) ش: وفي شرح الطحاوي: ما كان غير منقول في مثل الدار والعقار والزروع إذا كان غير محصور عندهما، وعند محمد ﵀ المنقول وغير المنقول سواء م: (وزوجته فيء لأنها كافرة حربية لا تتبعه) ش: أي لا تتبع زوجها م: (في الإسلام) ش: فتكون فيئاً م: (وكذا حملها) ش: أي حمل المرأة م: (فيء خلافاً للشافعي ﵀ فإنه يقول) ش: أي الشافعي م: (إنه) ش: أي إن الحمل م: (مسلم تبعاً) ش: أي لأبيه م: (كالمنفصل) ش: أي كالولد المنفصل.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن الحمل م: (جزؤها) ش: أي جزء أمه م: (فيرق برقها) ش: أي برق أمه م: (والمسلم محل للتمليك) ش: تقديره مسلماً لأنه مسلم تبعاً، لكن المسلم محل للتمليك، هذا جواب عن قول الشافعي ﵀: إنه مسلم، ليكون ملكاً (تبعاً لغيره) كما إذا تزوج المسلم أمة الغير فيكون الولد رقيقاً بتبعية الأم وإن كان مسلماً بإسلام أبيه.
م: (بخلاف المنفصل) ش: جواب عن قوله: كالمنفصل تقديره م: (لأنه) ش: أي لأن المنفصل م: (حر لانعدام الجزئية عند ذلك) ش: أي عند الانفصال م: (وأولاده الكبار فيء لأنهم كفار حربيون ولا تبعية) ش: لأبيهم.
[من قاتل من عبيد الذمي الذي أسلم هل يعد فيئا]
م: (ومن قاتل من عبيده) ش: أي من عبيد الذمي الذي أسلم م: (فيء لأنه تمرد على مولاه خرج من يده) ش: وصار تبعاً م: (لأهل الدار) ش: أي لأهل دار الحرب م: (وما كان من ماله في يد حربي فهو فيء غصباً كان أو وديعة لأن يده) .
ش: أي يد الحربي م: (ليست بمحترمة) ش: اعترض عليه بأن قام مقام غيره، فإنما يعمل بوصف الأصل كالتراب مع الماء في التيمم، ولما قام الحربي مقام المودع المسلم كان الواجب أن تكون يده كيد المسلم محترمة نظراً إلى نفسه لا نظراً إلى الحربي.
وأجيب: بأن قيام يد المودع على الوديعة حقيقي، وقيام يد المالك عليها حكمي، واعتبار الحكمي إن أوجب عصمتها، فباعتبار الحكمي يمنعها والعصمة لم تكن ثابتة، لأن المال في أصله
стр. 3597
وما كان غصبا في يد مسلم أو ذمي فهو فيء عند أبي حنيفة ﵀ وقال محمد ﵀: لا يكون فيئا، قال العبد الضعيف: كذا ذكر الخلاف في " السير الكبير ". وذكروا في شرح " الجامع الصغير " قول أبي يوسف مع قول محمد - رحمهما الله -.
ــ
[البناية]
على صفة الإباحة.
وعصمته تابعة لعصمة المالك، وإنما تثبت التبعية أن لو ثبتت يد المالك المعصوم له حقيقة وحكماً أو حكماً مع الاحترام، لأنه بدون الاحترام يتعارضها جهة الإباحة الأصلية، فلا يثبت بالشك.
[ما كان غصباً في يد مسلم أو ذمي هل يعد فيئا]
م: (وما كان غصباً في يد مسلم أو ذمي فهو فيء عند أبي حنيفة ﵀ وقال محمد ﵀: لا يكون فيئاً) ش: ثم م: (قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀ م: (كذا ذكر الخلاف في السير الكبير) ش: يعني ذكر الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ في ناحية، وبين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - في ناحية.
م: (وذكروا في شرح " الجامع الصغير " قول أبي يوسف مع قول محمد - رحمهما الله -) ش: حيث جعل الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وبين محمد ﵀ وجعل أبا حنيفة ﵀ وأبا يوسف ﵀ في ناحية، وجعل محمداً ﵀ في ناحية.
وقال الأترازي: وما كان غصباً في يد مسلم أو ذمي فهو فيء عند أبي حنيفة ﵀ وقال محمد ﵀: لا يكون فيئاً، وفي بعض نسخ " الهداية ": وقالا: لا يكون فيئاً، وليس ذلك بصحيح. انتهى.
فهو أراد أن الصحيح ما ذكره أولاً مصدراً له أو هو كون الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وبين محمد ﵀ ولكن قول المصنف ﵀ بعد هذا لهما، وبعده له، يدل على أن الصحيح قول: فهو فيء عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يكون فيئاً.
فإن قلت: يحتمل أن يكون قوله: لهما، أي لأبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ بقرينة ذكره بقوله، وذكر في شرح قول أبي يوسف ﵀.
قلت: قال الأكمل في قوله: وله أنه مال، أي ولأبي حنيفة ﵀ فدل على أن المراد من قوله: لهما، أي لأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ فدل هذا كله أن الذي مال إليه المصنف ﵀ هو الخلاف الذي بين أبي حنيفة ﵀ وبين أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ ودل أيضاً أن الذي قاله الأترازي وفي بعض نسخ " الهداية "،
стр. 3598
لهما أن المال تابع للنفس وقد صارت معصومة بإسلامه فيتبعها ماله فيها. وله أنه مال مباح فيملك بالاستيلاء والنفس لم تصر معصومة بالإسلام، ألا ترى أنها ليست بمتقومة، إلا أنه محرم التعرض في الأصل لكونه مكلفا وإباحة التعرض يعارض شره، وقد اندفع بالإسلام، بخلاف المال، لأنه خلق عرضة للامتهان، فكان محللا للتملك، وليست في يده حكما فلم تثبت العصمة
ــ
[البناية]
وقالا: لا يكون فما تصحيح غير صحيح فتأمل وتدبر.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (أن المال تابع للنفس وقد صارت) ش: أي نفسه م: (معصومة بإسلامه فيتبعها ماله فيها) ش: أي يتبع ماله نفسه في العصمة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أنه مال مباح فيملك بالاستيلاء) ش: يعني الذي غصبه المسلم أو الذمي من الحربي الذي أسلم مال مباح لأنه ليس بمعصوم، والمباح تمليك بالاستيلاء، فكان فيئاً للغزاة م: (والنفس لم تصر معصومة بالإسلام) ش: جواب عن قولهما: إن المال تابع النفس وقد صارت معصومة بالإسلام فيتبعه مالها فيها، أي في العصمة.
وتقرير الجواب أنا لا نسلم أن النفس صارت معصومة بالإسلام، وأوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أنها) ش: أي أن النفس م: (ليست بمتقومة) ش: لأن العصمة المتقومة لا تثبت إلا بدار الإسلام، ولهذا إذا قتله مسلم عمداً أو خطأ لا يجب القصاص ولا الدية عندنا، خلافاً للشافعي ﵀.
ولكنها معصومة بالعصمة إليه أشار إليه بقوله: م: (إلا أنه محرم التعرض في الأصل) ش: هذا في الحقيقة جواب عما يقال لو لم تكن معصومة لما كانت تحرم التعرض كالحربي، وليس كذلك، وتقدير الجواب أنه يحرم التعرض في الأصل يعني في نفس الأمر م: (لكونه مكلفاً) ش: أي لكون الآدمي مخلوقاً لتحمل أعباء التكليف، ولا يتمكن من إقامتها إلا بالبقاء، ولا بقاء إلا بالعصمة وحرمة التعرض.
م: (وإباحة التعرض) ش: إنما هي م: (يعارض شره، وقد اندفع بالإسلام) ش: فعادت إلى أصلها لا باعتبار أنها معصومة.
م: (بخلاف المال، لأنه خلق) ش: في الأصل م: (عرضة للامتهان) ش: بأنواع الانتفاعات م: (فكان محلاً للتمليك) ش: فكان المقتضي موجوداً، والمانع منتف، لأن المانع كونه في يده حقيقة وحكماً م: (وليست في يده حكماً) ش: لأن يد الغاصب ليست بنائية عن يد المالك م: (فلم تثبت العصمة) ش: فيجعل كأنه ليس في يد أحد فكان فيئاً.
стр. 3599
وإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة ولا يأكلوا منها، لأن الضرورة قد ارتفعت والإباحة باعتبارها، ولأن الحق قد تأكد حتى يورث نصيبه، ولا كذلك قبل الإخراج إلى دار الإسلام،
ومن فضل معه علف أو طعام رده إلى الغنيمة، معناه إذا لم تقسم. وعن الشافعي ﵀ مثل قولنا، وعنه أنه لا يرد اعتبارا بالمتلصص. ولنا أن الاختصاص ضرورة الحاجة وقد زالت، بخلاف المتلصص، لأنه كان أحق به قبل الإحراز، فكذا بعده وبعد القسمة تصدقوا به إن كانوا أغنياء وانتفعوا به إن كانوا محاويج،
ــ
[البناية]
[الأكل وعلف الدواب من الغنيمة إذا خرج المسلمون من دار الحرب]
م: (وإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا) ش: أي دوابهم م: (من الغنيمة ولا يأكلوا منها، لأن الضرورة قد ارتفعت، والإباحة باعتبارها) ش: أي باعتبار الضرورة م: (ولأن الحق) ش: أي حق المسلمين م: (قد تأكد) ش: وتقرر م: (حتى يورث نصيبه) ش: يعني إذا مات في هذه الحالة م: (ولا كذلك قبل الإخراج إلى دار الإسلام) ش: للضرورة.
[الرد إلى الغنيمة]
م: (ومن فضل معه علف أو طعام رده إلى الغنيمة) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره، وقال الخضر: م: (معناه) ش: أي معنى قول القدوري: رده إلى الغنيمة م: (إذا لم تقسم) ش: أي الغنيمة لأنها إذا قسمت لا ينافي الرد.
م: (وعن الشافعي ﵀ مثل قولنا، وعنه أنه لا يرد اعتباراً بالمتلصص) ش: كما إذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب بلا إذن الإمام بنية الغارة قالوا شيئاً فلا يكون ذلك مشتركاً بين الغانميين لأنه مباح سبقت يده إليه ولا يخمس لأنه ليس بغنيمة.
م: (ولنا أن الاختصاص) ش: أي اختصاص العلف والطعام، وخبر أن محذوف تقديره أن الاختصاص حاصل أو كائن وقوله م: (ضرورة الحاجة وقد زالت) ش: أي الضرورة، هكذا أفاد شيخي العلاء ﵀ بخطه م: (بخلاف المتلصص) ش: يعني قياسه المتلصص غير صحيح لوجود الفارق م: (لأنه) ش: أي لأن المتلصص م: (كان أحق به) ش: أي بالذي أخذه م: (قبل الإحراز) ش: بدار الإسلام م: (فكذا بعده) ش: أي بعد الإحراز من سائر الغانمين.
م: (وبعد القسمة) ش: ابتداء مسالة مستقلة بذاتها، أي بعد قسمة الإمام يعني إذا جاءوا بما فضل من علف أو طعام أخذوا من القسمة بعد قسمة الإمام الغنيمة في دار الإسلام م: (تصدقوا به) ش: أي بما فضل من ذلك بعينه إن كان قائماً م: (إن كانوا أغنياء وانتفعوا به إن كانوا محاويج) ش: أي إن كانوا محتاجين.
كذا في " المغرب "، يقال: حاج يحوج حوجاً، أي احتاج، والحائجة والحوجاء والحاجة حاجة بمعنى واحد وعلى هذه اللغة قيل حوائج في جمع حائجة.
стр. 3600
لأنه صار في حكم اللقطة لتعذر الرد على الغانمين، وإن كانوا انتفعوا به بعد الإحراز ترد قيمته إلى المغنم إن كان لم يقسم، وإن قسمت الغنيمة فالغني يتصدق بقيمته والفقير لا شيء عليه لقيام القيمة مقام الأصل فأخذ حكمه.
ــ
[البناية]
كذا نقل ابن دريد عن الأصمعي: والحاج جمع حاجة ولم يذكر ابن دريد المحاويج، وكأنها جمع محوج اسم فاعل بإشباع الياء، لأن أحوج يجيء لازماً ومتعدياً، يقال: أحوج الرجل: إذا احتاج، وأحوجه إلى غيره.
م: (لأنه) ش: أي لأن الذي فضل بعد القسمة م: (صار في حكم اللقطة لتعذر الرد على الغانمين) ش: لأنهم تفرقوا فرقين م: (وإن كانوا انتفعوا به بعد الإحراز ترد قيمته إلى المغنم إن كان لم يقسم، وإن قسمت الغنيمة فالغني يتصدق بقيمته، والفقير لا شيء عليه لقيام القيمة مقام الأصل) ش: أي الفقير يحل له التناول من قيمته، لأن القيمة تقوم مقام الأصل م: (فأخذ حكمه) ش: أي أخذت القيمة حكم الأصل، وإنما ذكر ضمير القيمة على تأويل ما تقوم، أو على تأويل المذكور، هكذا قال الأكمل.
قلت: هذا على تقدير أن يكون فأخذ فعلاً ماضياً. وقال الأترازي فأخذ حكمه ولأخذ حكم الأصل فهو جعله مصدراً مجروراً عطف على ما قبله، وضبط شيخي ﵀ في نسخته على ما قاله الأكمل ﵀.
стр. 3601
فصل في كيفية القسمة
قال: ويقسم الإمام الغنيمة فيخرج خمسها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (الأنفال: الآية ٤١) ، استثنى الخمس،
ويقسم أربعة الأخماس بين الغانمين، لأنه ﵇ قسمها بين الغانمين، ثم للفارس سهمان وللراجل سهم عند أبي حنيفة ﵀ وقالا:
ــ
[البناية]
[فصل في كيفية القسمة]
م: (فصل في كيفية القسمة) ش: أي هذا فصل في بيان كيفية قسمة الغنائم، والقسمة عبارة عن جمع النصيب الشائع في مكان معين. وقال بعض أهل الحساب: القسمة تفريق أحد العددين بقدر ما في العدد الآخر من الآحاد، يعني تفريق المال المقسوم على عدة آحاد المقسوم عليه، وهذا لا يتأتى إلا في الصحاح، والصحيح أن يقال: معرفة نصيب الواحد.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويقسم الإمام الغنيمة فيخرج خمسها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (الأنفال: الآية ٤١) استثنى الخمس) ش: أي أخرجه، استعارة الاستثناء للإخراج أجود، معناه فيه فكان استثنى معنى لا لفظاً. وقال الكاكي ويحتمل أن يكون من استثنيت الشيء: إذا زويته لنفسي، من ثنى العود: إذا اختار عطفه، أي استثنى الله الخمس لنفسه بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وقال تاج الشريعة: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] استثني من حيث المعنى لإخراج الخمس مما غنموا، أو لأن حكم المستثنى بخلاف حكم المستثنى منه، وهنا كذلك، لأن حكم الخمس أن يكون لغير الغانمين وحكم أربعة الأخماس أن يكون للغانمين فيكون مخالفاً.
[قسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين]
م: (ويقسم أربعة الأخماس بين الغانمين، لأنه ﵇) ش: أي لأن النبي ﷺ م: (قسمها بين الغانمين) ش: أي قسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين، وأخرجه الطبراني في " معجمه " عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا، خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . الآية (الأنفال: الآية ٤١) .
فجعل سهم الله وسهم الرسول واحداً، ولذي القربى سهم، ثم جعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم، ثم جعل الأربعة أسهم الباقية: للفرس سهمان، وللراكبة سهم، وللراجل سهم.»
م: (ثم للفارس سهمان وللراجل سهم عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال زفر م: (وقالا)
стр. 3602
للفارس ثلاثة أسهم، وقو قول الشافعي ﵀ لما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما» ولأن الاستحقاق بالغناء. وغناؤه على ثلاثة أمثال الراجل، لأنه للكر والفر والثبات، والراجل للثبات لا غير، ولأبي حنيفة ﵀ ما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ أعطى الفارس سهمين، والراجل سهما؛»
ــ
[البناية]
ش: أي أبو يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (للفارس ثلاثة أسهم، وهو قول الشافعي ﵀) ش: ومالك وأحمد والليث وأبو ثور وأكثر أهل العلم م: (لما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً» ش: هذا الحديث رواه الجماعة إلا النسائي عن نافع عن ابن عمر ﵁.
وفي لفظ عن أصحاب السنن عن ابن عمر ﵁ أيضاً «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه» .
م: (ولأن الاستحقاق بالغناء) ش: أي بالكفاية، وهو بالفتح والمد، وهو بالغين المعجمة، يقال: أغنيت عنك، يعني فلاناً، ومعناه إذا أجزأت عنه وينيب منابه، وكفيت كفايته م: (وغناؤه) ش: أي غناء الفارس، أي كفايته م: (على ثلاثة أمثال الراجل لأنه) ش: أي لأن الفارس م: (للكر) ش: الكر بالتشديد الرجوع م: (والفر) ش: بفتح الفاء وتشديد الراء الفرار، قال امرؤ القيس في قصيدته الشهيرة:
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
م: (والثبات) ش: أي للثبات في الحرب م: (والراجل للثبات لا غير)
ش: فإن قلت: الفرار غير محمود، وكيف يوصف به الفارس.
قلت: الفرار في موضعه ممدوح كيلا يرتكب النهي المذكور في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (البقرة: الآية ١٣٥) .
م: (ولأبي حنيفة ﵀ ما روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ أعطى الفارس سهمين والراجل سهماً» ش: هذا غريب من حديث ابن عباس، وفي الباب أحاديث، منها: ما رواه أبو داود في سننه عن مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري. قال: سمعت أبا يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري «عن محمد ﵀ مجمع بن حارثة الأنصاري، وكان أحد القراء الذي قرؤوا القرآن قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ .... إلى أن قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول
стр. 3603
فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله، وقد قال ﵇: «للفارس سهمان وللراجل سهم»
ــ
[البناية]
الله ﷺ على ثمانية عشر سهماً فكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهماً» .
قال أبو داود: وهذا وهم إن كانوا مائتي فارس فأعطى الفرس سهمين، وأعطى صاحبه سهماً قال: وحديث ابن عمر ﵄ «أنه ﵇ أعطى الفارس ثلاثة أسهم» أصح، والعمل عليه.
وقال ابن القطان في كتابه: وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف. ومنها: ما رواه الطبراني بإسناده إلى «مقداد بن عمرو أنه كان يوم بدر على فرس له يقال له سبخة فأسهم له النبي ﷺ لفرسه سهم واحد وله سهم» وفي إسناده محمد بن عمر الواقدي في تفسيره في سورة الأنفال عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «أصاب رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق فأخرج الخمس منها ثم قسم بين المسلمين فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً» .
م: (فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله) ش: أي فتعارض فعلا النبي ﷺ وهما في حديث ابن عمر ﵄ الذي احتج به المصنف ﵀ لأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ المذكور آنفاً، وحديث ابن عباس المذكور لأبي حنيفة ﵁ وليت شعري ما هذه المعارضة، حديث ابن عباس ﵄ ليس له أصل كما ذكرنا عن هذا.
قال الأكمل: وطريقة الاستدلال لأبي حنيفة ﵀ بحديث ابن عباس ﵁ مخالفة لقواعد الأصول، فإن الأصل أن الدليلين إذا تعارضا تعذر الترجيح والتوفيق يصار إلى ما بعده لا إلى ما قبله، وهو قال: فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله، والمسلك المعهود في مثله أن يستدل بقوله لأن القول أقوى.
م: (وقد قال ﵇: «للفارس سهمان وللراجل سهم» ش: هذا لأجل بيان قوله فيرجع إلى قوله وهذا الحديث غريب جداً، وقد أخطأ من عزاه إلى ابن أبي شيبة ولفظ هذا
стр. 3604
كيف وقد روي عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ قسم للفارس سهمين وللراجل سهما» وإذا تعارضت روايتاه ترجحت رواية غيره، ولأن الكر والفر من جنس واحد،
ــ
[البناية]
الحديث في حديث عمر الذي ذكره بعد هذا م: (كيف وقد روي عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ قسم للفارس سهمين» ش: أي وكيف يحتج لأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ بحديث ابن عمر ﵁ «أن النبي ﵇ أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً» .
والحال أنه قد روي عن ابن عمر ﵁ أيضاً «أن النبي ﵇ قسم للفارس سهمين» رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو أسامة وابن نمير قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن أبي وابن عمر ﵃ «أن رسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين» م: «وللراجل سهماً» ش: ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في " سننه " وقال أبو بكر النيسابوري: هذا عندي وهم عند ابن أبي شيبة.
لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير بخلاف هذا، وكذلك رواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا المعنى، يعني أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم.
م: (وإذا تعارضت روايتاه) ش: أي روايتا ابن عمر م: (ترجحت رواية غيره) ش: قال الأترازي: إن سلمت رواية ابن عباس عن المعارض فيعمل بها. وقال صاحب " النهاية ": قوله: وإذا تعارضت روايتاه، أي روايتا ابن عمر، وهي روايتهما عنه على وفق مذهبهما، ورواية أبي حنيفة ﵀ أيضاً على وفق مذهبه.
قوله: ترجحت، أي رواية غيره وهو ابن عباس ﵄ ثم قال: ومعنى قوله: ترجح، أي سلم رواية ابن عباس عن المعارض فيعمل بها، لأن للمرجع لا بد من المرجح، ورواية ابن عمر ﵄ بعد التحافظ بالتعارض لا تصلح مرجحة. انتهى.
قلت: لا معارضة أصلاً في روايتي ابن عمر ﵄ لأن الصحيح هو للرواية التي فيها ثلاثة أسهم للفارس، كيف تعارضها التي فيها سهمان وهي غير ثابتة على الصحة فيما ذكرنا، وكيف يقول صاحب النهاية ومن تبعه من الشراح: إن رواية ابن عباس سلمت عن المعارضة فيعمل بها، والحال أنه لم يصح كما ذكرنا، وهذا كله من آفة التعليل، وعدم رجوعهم إلى مدارك الأحاديث.
م: (ولأن الكر والفر من جنس واحد) ش: لأن الفر إنما يحل للكر لا لذاته، لأنه غير
стр. 3605
فيكون غناؤه مثلي غناء الراجل فيفضل عليه بسهم، ولأنه تعذر اعتبار مقدار الزيادة لتعذر معرفته فيدار الحكم على سبب ظاهر، وللفارس سببان: النفس والفرس، وللراجل سبب واحد فكان استحقاقه على ضعفه. ولا يسهم إلا لفرس واحد.
وقال أبو يوسف ﵀: يسهم لفرسين لما روي «أن النبي ﷺ أسهم لفرسين» ولأن الواحد قد يعيا فيحتاج إلى الآخر.
ــ
[البناية]
مستحسن في نفسه، وإنما المستحسن منه ما كان لأجل الكر، فكانا نوعاً واحداً، ولا يكون الفر نوعاً آخر م: (فيكون غناؤه) ش: أي غناء الفارس م: (مثلي غناء الراجل فيفضل عليه بسهم) ش: لأن سبب الغناء في الفارس نفسه وفرسه فيعطى سهمين، وفي الراجل نفسه فيعطى سهماً، وفيه تأمل، لأن الرأي لا مدخل له في المقدرات الشرعية.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الشأن م: (تعذر اعتبار مقدار الزيادة) ش: لأن مقدار الزيادة أمر خفي، لأن الملك إنما يظهر عند المسابقة والمقاتلة عند التقاء الصفين، وكل منهم مشكوك بشأنه في ذلك الوقت م: (لتعذر معرفته) ش: أي لتعذر معرفة مقدار الزيادة م: (فيدار الحكم على سبب ظاهر) ش: وهو مجرد كونه فارساً وكونه راجلاً، إليه أشار في الأسرار م: (وللفارس سببان النفس والفرس، وللراجل سبب واحد فكان استحقاقه) ش: أي استحقاق الفارس م: (على ضعفه) ش: أي على ضعف استحقاق الراجل، فيعطى الفارس سهمين والراجل سهماً م: (ولا يسهم إلا لفرس واحد) ش: هذا لفظ القدوري ولم يذكر خلاف أحد.
وقال المصنف ﵀ م: (وقال أبو يوسف ﵀: يسهم لفرسين) ش: وقال في شرح الأقطع: هذا الذي ذكره القدوري قول أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ وزفر ﵀ والحسن ﵀ وقال أبو يوسف ﵀: يسهم لفرسين، وبه قال أحمد، وبقول أبي حنيفة ﵀ قال الشافعي ﵀.
وفي شرح الطحاوي: ولا يسهم إلا لفرس واحد في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: يسهم لفرسين م: (لما روي «أن النبي ﷺ أسهم لفرسين» ش: هذا الحديث رواه الدارقطني في " سننه ": حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا علي بن حرب حدثني أبو حرب بن محمد بن الحسن عن محمد بن صالح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر عن أبيه عن جده «أبي عمر بشر بن عمرو بن محصن قال: أسهم رسول الله ﷺ لفرسي أربعة أسهم ولي سهماً، فأخذت خمسة أسهم» .
م: (ولأن الواحد قد يعيا) ش: أي ولأن الفرس الواحد قد يتعب م: (فيحتاج) ش: أي صاحبه م: (إلى الآخر) ش: أي إلى الفرس الآخر.
стр. 3606
ولهما «أن البراء بن أوس قاد فرسين ولم يسهم رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد» ولأن القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة، فلا يكون السبب الظاهر مفضيا إلى القتال عليهما فيسهم لواحد، ولهذا لا يسهم لثلاثة أفراس، وما رواه محمول على التنفيل كما أعطى سلمة بن الأكوع ﵁ سهمين وهو راجل
ــ
[البناية]
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ وهو وجه الظاهر م: (أن «البراء بن أوس قاد فرسين ولم يسهم رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد» ش: هذا الحديث غريب، بل جاء عكسه كما ذكره ابن منذر في كتاب الصحابة في ترجمته فقال: روى علي بن قرين عن محمد بن عمر المدين عن يعقوب بن محمد بن صفصعة عن عبد الرحمن بن أبي صفصعة «عن البراء بن أوس أنه قاد مع النبي ﷺ فرسين وضرب ﵇ له خمسة أسهم» .
فإذا كان كذلك لا يصح الاستدلال لهما بالحديث الذي ذكره المصنف ﵀ على ما لا يخفى ولهذا استدل الأترازي لهما بما روي أن النبي ﷺ قال: «للفارس سهمان وللراجل سهم» . وقال الأكمل: وحاصل الدليلين وقوع التعارض لغواً، يعني بين روايتي فعله ﵇ والرجوع إلى ما بعدهما وهو القياس بقوله:
م: (ولأن القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة) ش: ولا يتحقق إلا على فرس واحد م: (فلا يكون السبب الظاهر) ش: وهو مجاورة الدرب م: (مفضياً إلى القتال عليهما) ش: أي على الفرسين، فإن كان كذلك م: (فيسهم لواحد) ش: أي لفرس واحد م: (ولهذا) ش: أي ولأجل عدم تحقق القتال على فرسين، وعدم كون السبب الظاهر مفضياً إلى القتال على الفرسين م: (لا يسهم لثلاثة أفراس) ش: بالإجماع م: (وما رواه) ش: أي وما رواه أبو يوسف ﵀ م: (محمول على التنفيل) ش: هذا استظهار في تقوية الدليل، لأن ما رواه لما سقط بالمعارضة لا يحتاج إلى جواب عنه أو تأويل له، انتهى.
قلت: قد ذكرنا أن ما تميز هناك معارضة، فمن أين يأتي الاستظهار في قوة الدليل من تأمله يدري.
م: (كما «أعطى سلمة بن الأكوع ﵀ سهمين وهو راجل» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم مطولاً في بيعة الحديبية عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع، وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة "، ثم أعطى له سهمين سهماً للفارس وسهماً للراجل، فجمعهما لي جميعاً» ولكن على قوله محمول على التنفيل ما رواه ابن حبان في " صحيحه ".
وقال: كان سلمة بن الأكوع في تلك الغزاة راجلاً فأعطاه رسول الله ﷺ سهماً للراجل لما
стр. 3607
والبراذين والعتاق سواء، لأن الإرهاب مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (الأنفال: الآية ٦٠) .
ــ
[البناية]
يستحقه، وإنما أعطاه سهم الفارس أيضاً من خمس خمسه ﵇ دون أن يكون أعطاه من سهام المسلمين، وقال أبو عبيد: قال عبد الرحمن بن مهدي: أعطاه من سهمه الذي كان مباحاً به.
قوله: رجالتنا، بتشديد الجيم، جمع راجل، قال الجوهري: الراجل خلاف الفارس، والجمع رجل مثل صاحب وصحب، ورجالة ورجال والرجلان أيضاً، الراجل جمع رجلى ورجال مثل عجلى وعجلان. وقال الفتني: كان سلمة من الرماة المشهورين وروي أنه كان يعدو عدو الفرس.
م: (والبراذين والعتاق سواء) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره وتمامه فيه: ولا يسهم لراجلة ولا بغل، ولم يذكره المصنف ﵀ والبراذين جمع برذون وهو الكوذن وجمعه كواذن، وهي خيل العجم.
قال في " المجمل ": برذون الرجل برذنته: إذا أثقل، واشتقاق البرذون منه. والعتاق بكسر العين وتخفيف التاء المثناة من فوق جمع عتق، أي كريم، والعتاق كرام الخيل العربي. وقال الإمام الأسبيجابي في شرح الطحاوي: ويستوي الفرس العربي والنجيب، والبرذون والهجين وغيرهما مما يقع عليه اسم الخيل. وأما ما كان له جمل أو بغل أو حمار فهو والراجل سواء في شرح الأقطع، ومن الناس من قال: لا يسهم للبراذين.
قلت: قال الأوزاعي: لا يسهم للبرذين ويسهم للمقرف سهم وللهجين سهم واحد، وقال أحمد: يسهم لما عدا العربي سهم واحد. وعن أبي يوسف ﵀ روايتان، في رواية مثل قول العامة، وفي رواية مثل قول أحمد. وروى مكحول أن «النبي ﷺ أعطى للعربي سهمين وللهجين سهماً» ولا يسهم لراجلة وللبغل بالاتفاق، لأن الإرهاب لا يحصل بهم.
ومن غزى على بعير لا يسهم له عند العلماء، عن أحمد يسهم له سهم فرس. وعنه إن عجز عن فرس وغزى عليه يسهم له سهم واحد، والفرس ما يكون أبوه عربياً وأمه من الكواذن.
والهجين ما يكون أبوه من الكواذن وأمه من العربي. وفي الجمهرة: الهجين من الناس الذي أمه أمة.
م: (لأن الإرهاب) ش: المذكور في الآية التي نذكرها م: (مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (الأنفال: الآية ٦٠) ،
стр. 3608
واسم الخيل ينطلق على البراذين والعتاق والهجين والمقرف إطلاقا واحدا. ولأن العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفا، ففي كل واحد منهما منفعة معتبرة فاستويا.
ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان. ومن دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم راجل. وجواب الشافعي ﵀ على عكسه في الفصلين، وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵀ في الفصل الثاني أنه يستحق سهم الفرسان
ــ
[البناية]
واسم الخيل ينطلق على البراذين والعتاق والهجين والمقرف إطلاقاً واحداً) ش: أراد أن لفظ الخيل بحسب اللغة إذا أطلق يشمل هذه الأنواع من غير فرق بينها، ومضى الآن بغير الهجين والمقرف.
م: (ولأن العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفاً) ش: بفتح العين وكسرها، أي انعطافاً، يعني إذا أراد الانعطاف ينعطف من غير بطأ فيه. قال الكاكي: معنى الفتح الإمالة، ومعنى الكسر الجانب.
قلت: العطف من عطف الشيء أعطفه عطفاً: إذا ثنيته ورددته عن جهته، والعطف: الناحية من الإنسان والدواب.
م: (ففي كل واحد منهما) ش: أي من العربي والبرذون م: (منفعة معتبرة) ش: وهي التي ذكرنا م: (فاستويا) ش: أي العربي والبرذون في الاستحقاق من الأسهم على الاختلاف.
[دخل دار الحرب فارساً وهلك فرسه]
م: (ومن دخل دار الحرب فارساً) ش: أي حال كونه فارساً م: (فنفق فرسه) ش: أي هلك م: (استحق سهم الفرسان) ش: إلا إذا باع فرسه أو وهبه وسلم أو أجره أو أعاره، سقط سهم فرسه في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن له سهم فارس.
م: (ومن دخل راجلاً) ش: أي حال كونه رجلاً م: (فاشترى فرساً استحق سهم راجل) ش: وكذا إذا وهب له أو ورث أو استعار أو استأجر بعدما دخل راجلاً وقاتل فارساً، فله سهم راجل، وفي رواية الحسن: له سهم فارس، كذا في التحفة.
م: (وجواب الشافعي ﵀ على عكسه في الفصلين) ش: يعني لا يعتبر عنده دخوله دار الحرب فارساً ولا دخوله راجلاً، والمعتبر عنده كونه فارساً أو راجلاً عند شهود الوقعة، ورواه عنه: عند تقضي الحرب وبعد تمام القتال بالأولى.
قال مالك وأحمد م: (وهكذا) ش: أي مثل جواب الشافعي ﵀ م: (روى ابن المبارك) ش: وهو عبد الله بن المبارك الإمام المشهور المروزي م: (عن أبي حنيفة ﵀ في الفصل الثاني) ش: يعني إذا دخل دار الحرب راجلاً فاشترى فرساً فقاتل فارساً م: (أنه يستحق سهم الفرسان) ش: عند أبي حنيفة ﵀ أيضاً على رواية ابن المبارك عنه، وليس ذلك
стр. 3609
والحاصل أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة، وعنده حال انقضاء الحرب. له أن السبب هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده، والمجاوزة وسيلة إلى السبب كالخروج من البيت، وتعليق الأحكام بالقتال يدل على مكان الوقوف عليه، ولو تعذر أو تعسر يعلق
ــ
[البناية]
بظاهر الرواية عنه.
م: (والحاصل) ش: أي من بيان هذا الخلاف الذي بيننا وبين الشافعي ﵀ م: (أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب، إلا أنه أطلق لشهرة المسألة عند الفقهاء والمتأخرين، قال الخليل: الدرب الباب الواسع على السكة وعلى كل مدخل من مدخل الروم ودرب من ورد بها، كذا في " المغرب ".
قال في " ديوان الأدب ": الدرب المضيق من مضائق من الدرب، وكذلك ما أشبهه، والمراد هنا فيه هو البرزخ الذي بين دار الحرب ودار الإسلام، فإذا جاوزه الغازي دخل دار الحرب، وإذا جاوزه الكافر دخل دار الإسلام.
م: (وعنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ المعتبر م: (حال انقضاء الحرب. له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (أن السبب) ش: أي سبب استحقاق الغنيمة م: (هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده) ش: أي عند القتال فارساً أو راجلاً م: (والمجاوزة) ش: أي مجاوزة حال الحرب.
وأراد به الرد لمذهبنا م: (وسيلة إلى السبب) ش: حاله أنه لا يعتبر المجاوزة لكونها سبباً يعيد إلى القتال م: (كالخروج من البيت) ش: يعني للقتال، فإنه وسيلة إلى السبب، ولا اعتبار به في اعتبار حال الغازي من كونه فارساً أو راجلاً، كذلك في هذه الوسيلة.
م: (وتعليق الأحكام بالقتال) ش: هذا جواب بطريق المنع لما يقال من جهة أصحابنا أن القتال أمر خفي لا يوقف عليه، فيقام السبب الظاهر وهو المجاوزة مقامه، وتقرير هذا الجواب بأن نقول: لا نسلم أنه لا يوقف عليه، وكيف لا يوقف عليه.
وتعليق الأحكام بالقتال كإعطاء الرضخ للصبي إذا قاتل، وكذلك المرأة والعبد والذمي م: (يدل على مكان الوقوف عليه) ش: فلو لم يوقف عليه لم يتعلق به حكم.
م: (ولو تعذر) ش: هذا جواب بطريق التسليم بأن يقول الشافعي ﵀ سلمان أن الوقوف على القتال متعذر ومتعسر مثلما قلتم، وهو معنى قوله ولو تعذر، أي الوقوف على القتال بأن يكون في الليل أو في مطر أو نحو ذلك.
م: (أو تعسر) ش: بأن كان كل واحد مشغولاً بنفسه فحينئذ م: (يعلق) ش: أي الوقوف م:
стр. 3610
بشهود الوقعة، لأنه أقرب إلى القتال. ولنا أن المجاوزة نفسها قتال؛ لأنه يلحقهم الخوف بها، والحال بعدها حالة الدوام ولا معتبر بها، ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر، وكذا على شهود الوقعة لأنه حال التقاء الصفين، فتقام المجاوزة مقامه إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة فارسا كان أو راجلا.
ــ
[البناية]
(بشهود الوقعة) ش: يعني أقيم شهود الوقعة مقام الوقوف م: (لأنه) ش: أي لأن شهود الوقعة م: (أقرب إلى القتال) ش: من المجاوزة، فتعلق كونه فارساً أو راجلاً بشهود الوقعة وهي صورة الحرب.
م: (ولنا أن المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب م: (نفسها قتال لأنه يلحقهم الخوف بها) ش: أي لأن الشأن أنه يلحق الكفار لخوف مجاوزة الدرب، لأن القتال اسم لفعل يقع به للعدو خوف، وبمجاوزة العسكر الدرب يحصل لهم الخوف والرهبة، فكان قتالاً م: (والحال بعدها) ش: أي بعد المجاوزة م: (حالة الدوام) ش: أي دوام القتال.
م: (ولا معتبر بها) ش: أي حالة الدوام بالإجماع، ولا يمكن تعلق الحكم بدوام القتال، لأن الفارس لا يمكنه أن يقاتل فارساً دائماً، لأنه لا بد له أن ينزل في بعض المضائق خصوصاً في الشجرة أو في الحصن أو في البحر.
م: (ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر) ش: لأن الإمام لا يمكنه أن يراقب بنفسه حال كل أحد أنه قاتل أو لم يقاتل، وكذا بنائبه بأن يوكل عدلاً يثق بقوله يخبره من قاتل ومن لم يقاتل، لأن في إقامة العدل على كل واحد حرجاً عظيماً، ولا يعتبر إخبار كل واحد من الجند أيضاً أن صاحبه قاتل، لأن منهم فيه بحر النقع.
م: (وكذا) ش: يتعسر الوقوف م: (على شهود الوقعة، لأنه حال التقاء الصفين) ش: والاشتغال بالحرب فلم يتلفت إلى كونه سبباً قريباً بهذا المعنى، فإذا كان الأمر كذلك م: (فتقام المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب م: (مقامه) ش: أي مقام القتال م: (إذ هو السبب المفضي إليه ظاهراً) ش: أي لأن قيام المجاوزة هو السبب الداعي إلى القتال بحسب الظاهر كما أقيم السفر مقام المشقة، والنوم مقام الحدث، والنكاح مقام الوطء في حرمة المصاهرة، فكان المعتبر حال المجاوزة لا حال القتال لكي م: (إذا كان) ش: تجاوزه م: (على قصد القتال) ش: لأن هذا هو الأصل.
فإذا كان الأمر كذلك م: (فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب حال كونه م: (فارساً كان أو راجلاً) ش: وهاهنا سؤالان: الأول أن استحقاق الشيء بلا وجوده محال، والمستحق وهو الغنيمة حال المجاوزة معدوم، فكيف يثبت الاستحقاق. السؤال الثاني أن
следующие страницы →