Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
ولهما «أن البراء بن أوس قاد فرسين ولم يسهم رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد» ولأن القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة، فلا يكون السبب الظاهر مفضيا إلى القتال عليهما فيسهم لواحد، ولهذا لا يسهم لثلاثة أفراس، وما رواه محمول على التنفيل كما أعطى سلمة بن الأكوع ﵁ سهمين وهو راجل
ــ
[البناية]
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ وهو وجه الظاهر م: (أن «البراء بن أوس قاد فرسين ولم يسهم رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد» ش: هذا الحديث غريب، بل جاء عكسه كما ذكره ابن منذر في كتاب الصحابة في ترجمته فقال: روى علي بن قرين عن محمد بن عمر المدين عن يعقوب بن محمد بن صفصعة عن عبد الرحمن بن أبي صفصعة «عن البراء بن أوس أنه قاد مع النبي ﷺ فرسين وضرب ﵇ له خمسة أسهم» .
فإذا كان كذلك لا يصح الاستدلال لهما بالحديث الذي ذكره المصنف ﵀ على ما لا يخفى ولهذا استدل الأترازي لهما بما روي أن النبي ﷺ قال: «للفارس سهمان وللراجل سهم» . وقال الأكمل: وحاصل الدليلين وقوع التعارض لغواً، يعني بين روايتي فعله ﵇ والرجوع إلى ما بعدهما وهو القياس بقوله:
م: (ولأن القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة) ش: ولا يتحقق إلا على فرس واحد م: (فلا يكون السبب الظاهر) ش: وهو مجاورة الدرب م: (مفضياً إلى القتال عليهما) ش: أي على الفرسين، فإن كان كذلك م: (فيسهم لواحد) ش: أي لفرس واحد م: (ولهذا) ش: أي ولأجل عدم تحقق القتال على فرسين، وعدم كون السبب الظاهر مفضياً إلى القتال على الفرسين م: (لا يسهم لثلاثة أفراس) ش: بالإجماع م: (وما رواه) ش: أي وما رواه أبو يوسف ﵀ م: (محمول على التنفيل) ش: هذا استظهار في تقوية الدليل، لأن ما رواه لما سقط بالمعارضة لا يحتاج إلى جواب عنه أو تأويل له، انتهى.
قلت: قد ذكرنا أن ما تميز هناك معارضة، فمن أين يأتي الاستظهار في قوة الدليل من تأمله يدري.
م: (كما «أعطى سلمة بن الأكوع ﵀ سهمين وهو راجل» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم مطولاً في بيعة الحديبية عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع، وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة "، ثم أعطى له سهمين سهماً للفارس وسهماً للراجل، فجمعهما لي جميعاً» ولكن على قوله محمول على التنفيل ما رواه ابن حبان في " صحيحه ".
وقال: كان سلمة بن الأكوع في تلك الغزاة راجلاً فأعطاه رسول الله ﷺ سهماً للراجل لما
стр. 3607
والبراذين والعتاق سواء، لأن الإرهاب مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (الأنفال: الآية ٦٠) .
ــ
[البناية]
يستحقه، وإنما أعطاه سهم الفارس أيضاً من خمس خمسه ﵇ دون أن يكون أعطاه من سهام المسلمين، وقال أبو عبيد: قال عبد الرحمن بن مهدي: أعطاه من سهمه الذي كان مباحاً به.
قوله: رجالتنا، بتشديد الجيم، جمع راجل، قال الجوهري: الراجل خلاف الفارس، والجمع رجل مثل صاحب وصحب، ورجالة ورجال والرجلان أيضاً، الراجل جمع رجلى ورجال مثل عجلى وعجلان. وقال الفتني: كان سلمة من الرماة المشهورين وروي أنه كان يعدو عدو الفرس.
م: (والبراذين والعتاق سواء) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره وتمامه فيه: ولا يسهم لراجلة ولا بغل، ولم يذكره المصنف ﵀ والبراذين جمع برذون وهو الكوذن وجمعه كواذن، وهي خيل العجم.
قال في " المجمل ": برذون الرجل برذنته: إذا أثقل، واشتقاق البرذون منه. والعتاق بكسر العين وتخفيف التاء المثناة من فوق جمع عتق، أي كريم، والعتاق كرام الخيل العربي. وقال الإمام الأسبيجابي في شرح الطحاوي: ويستوي الفرس العربي والنجيب، والبرذون والهجين وغيرهما مما يقع عليه اسم الخيل. وأما ما كان له جمل أو بغل أو حمار فهو والراجل سواء في شرح الأقطع، ومن الناس من قال: لا يسهم للبراذين.
قلت: قال الأوزاعي: لا يسهم للبرذين ويسهم للمقرف سهم وللهجين سهم واحد، وقال أحمد: يسهم لما عدا العربي سهم واحد. وعن أبي يوسف ﵀ روايتان، في رواية مثل قول العامة، وفي رواية مثل قول أحمد. وروى مكحول أن «النبي ﷺ أعطى للعربي سهمين وللهجين سهماً» ولا يسهم لراجلة وللبغل بالاتفاق، لأن الإرهاب لا يحصل بهم.
ومن غزى على بعير لا يسهم له عند العلماء، عن أحمد يسهم له سهم فرس. وعنه إن عجز عن فرس وغزى عليه يسهم له سهم واحد، والفرس ما يكون أبوه عربياً وأمه من الكواذن.
والهجين ما يكون أبوه من الكواذن وأمه من العربي. وفي الجمهرة: الهجين من الناس الذي أمه أمة.
م: (لأن الإرهاب) ش: المذكور في الآية التي نذكرها م: (مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (الأنفال: الآية ٦٠) ،
стр. 3608
واسم الخيل ينطلق على البراذين والعتاق والهجين والمقرف إطلاقا واحدا. ولأن العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفا، ففي كل واحد منهما منفعة معتبرة فاستويا.
ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان. ومن دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم راجل. وجواب الشافعي ﵀ على عكسه في الفصلين، وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵀ في الفصل الثاني أنه يستحق سهم الفرسان
ــ
[البناية]
واسم الخيل ينطلق على البراذين والعتاق والهجين والمقرف إطلاقاً واحداً) ش: أراد أن لفظ الخيل بحسب اللغة إذا أطلق يشمل هذه الأنواع من غير فرق بينها، ومضى الآن بغير الهجين والمقرف.
م: (ولأن العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفاً) ش: بفتح العين وكسرها، أي انعطافاً، يعني إذا أراد الانعطاف ينعطف من غير بطأ فيه. قال الكاكي: معنى الفتح الإمالة، ومعنى الكسر الجانب.
قلت: العطف من عطف الشيء أعطفه عطفاً: إذا ثنيته ورددته عن جهته، والعطف: الناحية من الإنسان والدواب.
م: (ففي كل واحد منهما) ش: أي من العربي والبرذون م: (منفعة معتبرة) ش: وهي التي ذكرنا م: (فاستويا) ش: أي العربي والبرذون في الاستحقاق من الأسهم على الاختلاف.
[دخل دار الحرب فارساً وهلك فرسه]
م: (ومن دخل دار الحرب فارساً) ش: أي حال كونه فارساً م: (فنفق فرسه) ش: أي هلك م: (استحق سهم الفرسان) ش: إلا إذا باع فرسه أو وهبه وسلم أو أجره أو أعاره، سقط سهم فرسه في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن له سهم فارس.
م: (ومن دخل راجلاً) ش: أي حال كونه رجلاً م: (فاشترى فرساً استحق سهم راجل) ش: وكذا إذا وهب له أو ورث أو استعار أو استأجر بعدما دخل راجلاً وقاتل فارساً، فله سهم راجل، وفي رواية الحسن: له سهم فارس، كذا في التحفة.
م: (وجواب الشافعي ﵀ على عكسه في الفصلين) ش: يعني لا يعتبر عنده دخوله دار الحرب فارساً ولا دخوله راجلاً، والمعتبر عنده كونه فارساً أو راجلاً عند شهود الوقعة، ورواه عنه: عند تقضي الحرب وبعد تمام القتال بالأولى.
قال مالك وأحمد م: (وهكذا) ش: أي مثل جواب الشافعي ﵀ م: (روى ابن المبارك) ش: وهو عبد الله بن المبارك الإمام المشهور المروزي م: (عن أبي حنيفة ﵀ في الفصل الثاني) ش: يعني إذا دخل دار الحرب راجلاً فاشترى فرساً فقاتل فارساً م: (أنه يستحق سهم الفرسان) ش: عند أبي حنيفة ﵀ أيضاً على رواية ابن المبارك عنه، وليس ذلك
стр. 3609
والحاصل أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة، وعنده حال انقضاء الحرب. له أن السبب هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده، والمجاوزة وسيلة إلى السبب كالخروج من البيت، وتعليق الأحكام بالقتال يدل على مكان الوقوف عليه، ولو تعذر أو تعسر يعلق
ــ
[البناية]
بظاهر الرواية عنه.
م: (والحاصل) ش: أي من بيان هذا الخلاف الذي بيننا وبين الشافعي ﵀ م: (أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب، إلا أنه أطلق لشهرة المسألة عند الفقهاء والمتأخرين، قال الخليل: الدرب الباب الواسع على السكة وعلى كل مدخل من مدخل الروم ودرب من ورد بها، كذا في " المغرب ".
قال في " ديوان الأدب ": الدرب المضيق من مضائق من الدرب، وكذلك ما أشبهه، والمراد هنا فيه هو البرزخ الذي بين دار الحرب ودار الإسلام، فإذا جاوزه الغازي دخل دار الحرب، وإذا جاوزه الكافر دخل دار الإسلام.
م: (وعنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ المعتبر م: (حال انقضاء الحرب. له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (أن السبب) ش: أي سبب استحقاق الغنيمة م: (هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده) ش: أي عند القتال فارساً أو راجلاً م: (والمجاوزة) ش: أي مجاوزة حال الحرب.
وأراد به الرد لمذهبنا م: (وسيلة إلى السبب) ش: حاله أنه لا يعتبر المجاوزة لكونها سبباً يعيد إلى القتال م: (كالخروج من البيت) ش: يعني للقتال، فإنه وسيلة إلى السبب، ولا اعتبار به في اعتبار حال الغازي من كونه فارساً أو راجلاً، كذلك في هذه الوسيلة.
م: (وتعليق الأحكام بالقتال) ش: هذا جواب بطريق المنع لما يقال من جهة أصحابنا أن القتال أمر خفي لا يوقف عليه، فيقام السبب الظاهر وهو المجاوزة مقامه، وتقرير هذا الجواب بأن نقول: لا نسلم أنه لا يوقف عليه، وكيف لا يوقف عليه.
وتعليق الأحكام بالقتال كإعطاء الرضخ للصبي إذا قاتل، وكذلك المرأة والعبد والذمي م: (يدل على مكان الوقوف عليه) ش: فلو لم يوقف عليه لم يتعلق به حكم.
م: (ولو تعذر) ش: هذا جواب بطريق التسليم بأن يقول الشافعي ﵀ سلمان أن الوقوف على القتال متعذر ومتعسر مثلما قلتم، وهو معنى قوله ولو تعذر، أي الوقوف على القتال بأن يكون في الليل أو في مطر أو نحو ذلك.
م: (أو تعسر) ش: بأن كان كل واحد مشغولاً بنفسه فحينئذ م: (يعلق) ش: أي الوقوف م:
стр. 3610
بشهود الوقعة، لأنه أقرب إلى القتال. ولنا أن المجاوزة نفسها قتال؛ لأنه يلحقهم الخوف بها، والحال بعدها حالة الدوام ولا معتبر بها، ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر، وكذا على شهود الوقعة لأنه حال التقاء الصفين، فتقام المجاوزة مقامه إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة فارسا كان أو راجلا.
ــ
[البناية]
(بشهود الوقعة) ش: يعني أقيم شهود الوقعة مقام الوقوف م: (لأنه) ش: أي لأن شهود الوقعة م: (أقرب إلى القتال) ش: من المجاوزة، فتعلق كونه فارساً أو راجلاً بشهود الوقعة وهي صورة الحرب.
م: (ولنا أن المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب م: (نفسها قتال لأنه يلحقهم الخوف بها) ش: أي لأن الشأن أنه يلحق الكفار لخوف مجاوزة الدرب، لأن القتال اسم لفعل يقع به للعدو خوف، وبمجاوزة العسكر الدرب يحصل لهم الخوف والرهبة، فكان قتالاً م: (والحال بعدها) ش: أي بعد المجاوزة م: (حالة الدوام) ش: أي دوام القتال.
م: (ولا معتبر بها) ش: أي حالة الدوام بالإجماع، ولا يمكن تعلق الحكم بدوام القتال، لأن الفارس لا يمكنه أن يقاتل فارساً دائماً، لأنه لا بد له أن ينزل في بعض المضائق خصوصاً في الشجرة أو في الحصن أو في البحر.
م: (ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر) ش: لأن الإمام لا يمكنه أن يراقب بنفسه حال كل أحد أنه قاتل أو لم يقاتل، وكذا بنائبه بأن يوكل عدلاً يثق بقوله يخبره من قاتل ومن لم يقاتل، لأن في إقامة العدل على كل واحد حرجاً عظيماً، ولا يعتبر إخبار كل واحد من الجند أيضاً أن صاحبه قاتل، لأن منهم فيه بحر النقع.
م: (وكذا) ش: يتعسر الوقوف م: (على شهود الوقعة، لأنه حال التقاء الصفين) ش: والاشتغال بالحرب فلم يتلفت إلى كونه سبباً قريباً بهذا المعنى، فإذا كان الأمر كذلك م: (فتقام المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب م: (مقامه) ش: أي مقام القتال م: (إذ هو السبب المفضي إليه ظاهراً) ش: أي لأن قيام المجاوزة هو السبب الداعي إلى القتال بحسب الظاهر كما أقيم السفر مقام المشقة، والنوم مقام الحدث، والنكاح مقام الوطء في حرمة المصاهرة، فكان المعتبر حال المجاوزة لا حال القتال لكي م: (إذا كان) ش: تجاوزه م: (على قصد القتال) ش: لأن هذا هو الأصل.
فإذا كان الأمر كذلك م: (فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة) ش: أي مجاوزة الدرب حال كونه م: (فارساً كان أو راجلاً) ش: وهاهنا سؤالان: الأول أن استحقاق الشيء بلا وجوده محال، والمستحق وهو الغنيمة حال المجاوزة معدوم، فكيف يثبت الاستحقاق. السؤال الثاني أن
стр. 3611
ولو دخل فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان يستحق سهم الفرسان بالاتفاق، ولو دخل فارسا ثم باع فرسه أو وهب أو أجر أو رهن، ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - يستحق سهم الفرسان اعتبارا للمجاوزة، وفي ظاهر الرواية: يستحق سهم الرجالة. لأن الإقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا. ولو باعه بعد الفراغ لم يسقط سهم الفرسان، وكذا إن باع في حالة القتال عند البعض. والأصح أنه يسقط. لأن بيعه يدل على أن غرضه التجارة فيه إلا أن ينتظر غرته،
ولا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا ذمي، ولكن يرضخ لهم
ــ
[البناية]
السبب إنما يقام مقام العلة إذا تصور من العلة وها هنا لا يتصور العلة وهو القتال حال المجاوزة، لأن القتال بدون شهود الوقعة محال.
الجواب عن الأول: أنه ليس المراد من الاستحقاق ثبوت الملك في الغنيمة أو ثبوت الحق فيها للغزاة في الحال، المراد به كون الشخص أخص بالغنيمة من غيره.
والجواب عن الثاني: أن القتال لشهود الوقعة والتقاء الصفين عند المجاوزة متصور، لأنه ليس بثابت، وشرط إقامة الشيء مقام غيره أن لا يكون ذلك الغير ثابتاً في الحال، لأنه إذا كان ثابتاً كيف يقام شيء آخر مقامه.
[دخل دار الحرب فارساً ثم باع فرسه أو وهب أو أجر أو رهن]
م: (ولو دخل فارساً وقاتل راجلاً لضيق المكان يستحق سهم الفرسان بالاتفاق) ش: أي باتفاق بيننا وبين الشافعي ﵀ م: (ولو دخل فارساً ثم باع فرسه أو وهب أو أجر أو رهن، ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - يستحق سهم الفرسان اعتباراً للمجاوزة) ش: أي عن الدرب م: (وفي ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة، لأن الإقدام على هذه التصرفات) ش: وهي البيع والهبة والإجارة والرهن م: (يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارساً ولو باعه بعد الفراغ) ش: أي بعد الفراغ من القتال م: (لم يسقط سهم الفرسان، وكذا) ش: أي وكذا لم يسقط سهم الفرسان م: (إن باع في حالة القتال عند البعض) ش: أي عند بعض مشايخنا، لأن بيعه عند زمان مخاطرة الروح دل على أنه إنما باعه لرأي رآه في الحرب له لتحصيله المال، لأن الروح فوق المال.
م: (والأصح أنه يسقط، لأن بيعه يدل على أن غرضه التجارة فيه إلا أن ينتظر غرته) ش: أي غرة الفرس، قال شيخي ﵀، أي غرة فرسه، وقال الأترازي: فيه نظر، لأن الإنسان المقاتل في سبيل تلك الحالة لا يختار المال على روحه، ولهذا قال الأصح قول البعض.
[هل يسهم للمملوك والمرأة والصبي والمجنون والذمي]
م: (ولا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا ذمي، ولكن يرضخ لهم) ش: بالضاد والخاء المعجمتين، من رضخ فلان لفلان من ماله: إذا أعطاه قليلاً من كثير، والاسم الرضخ م:
стр. 3612
على حسب ما يرى الإمام، لما روي أنه ﵇ كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد، ولكن كان يرضخ لهم
ــ
[البناية]
(على حسب ما يرى الإمام، لما روي أنه ﵇) ش: أي أن النبي ﷺ م: «كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد، ولكن كان يرضخ لهم» .
وقال الأترازي: وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنه كان لا يسهم للعبيد والنساء والصبيان، ويرضخ» انتهى.
ولم يبين من خرج هذا الحديث ولم يبين حاله. وأخرج مسلم عن يزيد عن هرمز قال: كتب بحجدة بن عامر القدوري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ فكتب إليه: أن ليس لهما شيء إلا أن يحذيا. وفي لفظ: فكتب إليه وسأله عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس، فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يحذيا من غنائم القوم.
قوله: يحذيا، أي يعطيا بالحاء المهملة والذال المعجمة، وقد جاءت أحاديث مخالفة لهذا، منها: ما رواه أبو داود والنسائي عن رافع بن سلمة «عن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر.. الحديث، وفيه: أسهم لنا كما أسهم للرجال» . وذكر الخطابي أن الأوزاعي قال: يسهم لهن، وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث، وإسناده ضعيف لا تقوم به الحجة، وقال الترمذي: وقال الأوزاعي: وأسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر، وأسهمت أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب.
وقال الأوزاعي: وأسهم النبي ﷺ للنساء بخيبر وأخذ بذلك المسلمون بعده، حدثنا بذلك علي ابن حزم، قال أبو عيسى بن يونس عن الأوزاعي بهذا.
ومنها ما رواه أبو داود مرسلاً عن محمد بن عبد الله بن مهاجر الشعبي، والبيهقي عن خالد بن معبد «أن رسول الله ﷺ أسهم للنساء والصبيان والخيل» . وأجاب الطحاوي عن مثل هذا وأمثاله أن النبي ﷺ أسهم للنساء والصبيان، واستطاب أهل الغنيمة.
وأجاب غيره بقوله: يشبه أن يكون ﵇ إنما أعطاهم من الخمس الذي هو حقه دون حقوق من شهد الوقعة.
стр. 3613
ولما استعان ﵇ باليهود على اليهود لم يعطهم شيئا من الغنيمة، يعني أنه لم يسهم لهم، ولأن الجهاد عبادة، والذمي ليس من أهلها، والمرأة والصبي عاجزان عنه، ولهذا لم يلحقهما فرضه، والعبد لا يمكنه المولى وله منعه، إلا أنه يرضخ لهم تحريضا
ــ
[البناية]
م: (ولما استعان ﵇ باليهود على اليهود لم يعطهم شيئاً من الغنيمة، يعني أنه لم يسهم لهم) ش: هذا رواه البيهقي في كتاب المعرفة من طريق الشافعي ﵀ عن أبي يوسف ﵀ عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: «استعار رسول الله ﷺ يهود قينقاع فرضخ لهم» . ثم قال: تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك. وروي حديث مخالف لهذا، رواه الترمذي من حديث الزهري قال: «أسهم النبي ﷺ لقوم من اليهود قاتلوا معه» ورواه أبو داود في مراسيله، وزاد في آخره «هاهنا: ومثل سهمان المسلمين» . وقال " صاحب التنقيح ": مراسيل الزهري ضعيفة، وكان يحيى القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاًَ يقول: هي بمنزلة الريح.
واختلفوا هل يستعان بالكافر في القتال عند الحاجة؟ فعندنا - وأحمد - يستعان لما ذكرنا، وبه قال الشافعي ﵀ في قول. وقال ابن المنذر وجماعة من أهل العلم: لا يستعان بالكافر لما روي أنه ﵇ قال: «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» ، ما ذكر أنه استعان بهم غير ثابت.
قال الكاكي: قلنا: بل هو ثابت ذكره الثقات المشهورون، وما رواه غير مشهور وليس بثابت، فهو محمول على زجر قوم متعينين يريد إسلامهم، انتهى.
قلت: الحديث الذي ذكره ابن المنذر رواه إسحاق بن راهويه في مسنده والواقدي في كتاب " المغازي " والكاكي رده من غير وجه، ثم ادعى أن الذي ذكره عن الثقات المشهورين ولم يبين ذلك، والخصم لا يرضى بهذا المقدار، وهاهنا بحث كثير، ذكرناه في شرح للبخاري.
م: (ولأن الجهاد عبادة، والذمي ليس من أهلها) ش: أي من أهل العبادة م: (والمرأة والصبي عاجزان عنه) ش: أي عن الجهاد م: (ولهذا) ش: أي ولأجل عجزهما عن الجهاد م: (لم يلحقهما) ش: أي المرأة والصبي م: (فرضه) ش: أي فرض الجهاد م: (والعبد لا يمكنه المولى) ش: أي من الجهاد م: (وله) ش: أي للمولى م: (منعه) ش: أي عن الجهاد، ولأنه فرض كفاية، إلا إذا هجم العدو، فليس له منعه حينئذ، لأنه يصير فرض عين.
م: (إلا أنه) ش: أي غير أن الإمام م: (يرضخ) ش: أي يعطي م: (لهم تحريضاً) ش: شيئاً
стр. 3614
على القتال مع إظهار انحطاط رتبتهم،
والمكاتب بمنزلة العبد لقيام الرق فيه وتوهم عجزه، فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال، ثم العبد إنما يرضخ له إذا قاتل لأنه دخل لخدمة المولى، فصار كالتاجر، والمرأة يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرض؛ لأنها عاجزة عن حقيقة القتال، فيقام هذا النوع من الإعانة مقام القتال، بخلاف العبد، لأنه قادر على حقيقة القتال،
والذمي إنما يرضخ له إذا قاتل أو دل على الطريق ولم يقاتل، لأن فيه منفعة للمسلمين، إلا أنه يزاد له على السهم في
ــ
[البناية]
بحسب ما يراه، وبه قالت الثلاثة. وعن أحمد في رواية: يرضخ للكافر إن قاتل بإذن الإمام وبغير إذن الإمام، أي لأجل تحريضهم م: (على القتال مع إظهار انحطاط رتبتهم) ش: أي رتبة المرأة والصبي والعبد إن لم ينه متبوعهم، لأن العبد تبع للحر، والصبي تبع للبائع والذمي أيضاً تبع للمسلم، ولهذا لا يمكن أهل الذمة من نصب الراية لأنفسهم.
وقال مالك: يسهم للصبي المراهق إذا أطاق القتال، لأنه من أهل الجهاد، والرضخ من أين يكون؟ قال الشافعي في قول أحمد في رواية من الغنيمة، وبه قال أصحابنا، وقال في قول من أربعة الأخماس، وبه قال أحمد في رواية. وقال في قول: من خمس الخمس، وقال مالك: الرضخ من الخمس.
[متى يرضخ للمرأة]
م: (والمكاتب بمنزلة العبد لقيام الرق فيه وتوهم عجزه) ش: أي إذا أبدل الكتابة، فإذا كان كذلك م: (فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال، ثم العبد إنما يرضخ له إذا قاتل، لأنه دخل) ش: يعني مع العسكر في دار الحرب م: (لخدمة المولى) ش: أي لأجل خدمة مولاه م: (فصار كالتاجر) ش: يدخل للتجارة م: (والمرأة يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى وتقوم على المرضى) ش: يعني إذا مرضتهم م: (لأنها) ش: أي لأن المرأة م: (عاجزة عن حقيقة القتال) ش: قيد به لأنها غير عاجزة عن شبهة القتال وهي الأمان، فإن أمانها يصح بلا خلاف م: (فيقام هذا النوع) ش: وهو مداواتها الجرحى وقيامها على المرضى م: (من الإعانة مقام القتال) ش: فإذا كان كذلك رضخ لها بلا قتال.
م: (بخلاف العبد) ش: يرتبط بقوله: لأنها عاجزة م: (لأنه قادر على حقيقة القتال) ش: حتى لم يرضخ له إذا لم يوجد منه القتال، بخلاف المرأة، فإن خدمتها لمرضى العسكر يقوم مقام القتال وليس كذلك خدمة العبد مولاه.
[متى يرضخ للذمي]
م: (والذمي إنما يرضخ له إذا قاتل أو دل على الطريق) ش: الذي يمشي فيها العسكر م: (ولم يقاتل) ش: أي والحال أنه لم يقاتل م: (لأن فيه) ش: أي في قتاله أو في كونه دالاً على الطريق م: (منفعة للمسلمين، إلا أنه يزاد له على السهم) ش: أي لا يزاد للذمي بالرضخ على السهم م: (في
стр. 3615
الدلالة إذا كانت فيها منفعة عظيمة، ولا يبلغ به السهم إذا قاتل لأنه جهاد، والأول ليس من عمله، فلا يسوى بينه وبين المسلم في حكم الجهاد، وأما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم، سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، يدخل فقراء ذوي القربى فيهم ويقدمون ولا يدفع إلى أغنيائهم. وقال الشافعي ﵀: لهم خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقسم بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين
ــ
[البناية]
الدلالة) ش: على الطريق م: (إذا كانت فيها منفعة عظيمة، ولا يبلغ به السهم إذا قاتل) ش: أي الذمي.
قوله: السهم، مرفوع، كما في قولك: بلغ بعطائك خمسمائة، بالرفع، ولا يجوز النصب. والحاصل أنه إذا قاتل لا يزاد على سهم الراجل إن كان راجلاً ولا سهم الفارس إذا كان فارساً م: (لأنه جهاد) ش: والذمي تبع للمسلمين فيه، فلا يسوى بينه وبين المسلم.
م: (والأول ليس من عمله) ش: أي كونه دالاً على الطريق ليس من عمل الجهاد، فكان كسائر الأعمال م: (فلا يسوى بينه وبين المسلم في حكم الجهاد) ش: ولكن يعطى له من أجل دلالته زيادة على السهم، أي قدر تعبه. ولما فرغ من بيان أحكام الأربعة الأخماس شرع في بيان حكم الخمس فقال: م: (وأما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم، سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل) ش: هذا هو المشهور عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ أنه يقسم على ثلاثة أصناف وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال الطحاوي في " مختصره ": وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقسم في ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل م: (يدخل فقراء ذوي القربى فيهم) ش: (أي في هذه الأصناف الثلاثة، قال العلامة بدر الدين الكردري: معنى هذا القول: أي أيتام ذوي القربى يدخلون في سهم المساكين، وأبناء السبيل يدخلون في سهم ابن السبيل؛ لما أن سبب الاستحقاق في هذه الأصناف الثلاثة الاحتياج، غير أن سببه مختلف في نفسه من اليتم والمسكنة وكونه ابن السبيل.
وفي " التحفة ": هذه الثلاثة الأصناف مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنف واحد جاز كما في الصدقات م: (ويقدمون) ش: أي فقراء ذوي القربى يقدمون على الأصناف الثلاثة م: (ولا يدفع إلى أغنيائهم) ش: أي أغنياء ذوي القربى.
م: (وقال الشافعي ﵀ لهم) ش: أي لذوي القرى م: (خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين) ش: وعن الشافعي: يقسم الخمس على خمسة أسهم، سهم للنبي ﷺ في حياته، وبعد وفاته يصرفه الإمام إلى مصالح الذين يرى؛ وبه قال أحمد. وعن الشافعي أنه يرد سهم النبي ﵇ بعده على بقية الأصناف. وحكى ابن
стр. 3616
ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] من غير فصل بين الغني والفقير. ولنا أن الخلفاء الأربعة الراشدين ﵃ قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه، وكفى بهم قدوة، وقال ﵇: «يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة أيدي الناس وأوساخهم، وعوضكم منها بخمس الخمس»
ــ
[البناية]
المنذر قولاً ثالثاً أنه يكون للأئمة بعده، أي الخليفة. وقال مالك: تفرقة الخمس إلى الإمام، يفرقه فيما شاء، وسهم لليتامى لكل صغير فقير لا أب له.
[تقسيم خمس النبي]
م: (ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم) ش: من عبد شمس وبني نوفل. واعلم أن رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان بنو عبد مناف خمساً؛ هاشم والمطلب ونوفلاً وعبد شمس وأبا عمر، واسمه عبيد ولم يعقب، وعثمان ﵁ من بني عبد شمس لأنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجبير من بني نوفل فإنه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل. وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] من غير فصل بين الغني والفقير) ش: فيشتركان.
م: (ولنا أن الخلفاء الأربعة الراشدين ﵃) ش: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ م: (قسموه) ش: أي الخمس م: (على ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه) ش: يعني به قوله: أما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم، إلى آخره، وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح وابن عباس ﵄: «أن الخمس الذي كان يقسم على عهده ﵇ على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولذي القربى واليتامى سهم، وللمساكين سهم، وابن السبيل سهم» ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، انتهي. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليهم، فحل محل الإجماع م: (وكفى بهم قدوة) ش: أي كفى بالخلفاء الأربعة اقتداء.
م: (وقال ﵇) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «يا معشر بني هاشم: إن الله تعالى كره لكم غسالة أيدي الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس» ش: هذا الحديث غريب وقد تقدم في الزكاة.
وروى الطبراني في " معجمه " من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: «بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله ﷺ فقال لهما-: انطلقا إلى ابن عمكما لعله يستعين بكما على الصدقات لعلكما تصيبان شيئاً فتتزوجان، فلقيا علياً - رضوان الله عليه - فقال: أين تأخذان؟ فحدثاه،
стр. 3617
والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض وهم الفقراء، والنبي ﷺ أعطاهم للنصرة، ألا ترى أنه ﵇ -علل فقال: إنهم لن يزالوا معي هكذا في الجاهلية والإسلام، وشبك بين أصابعه،
ــ
[البناية]
فقال لهما: ارجعا، فلما أمسيا أمرهما أن ينطلقا إلى نبي الله ﷺ ، فلما دفعا الباب استأذنا، فقال رسول الله ﷺ لعائشة: " أرخي الستار عليك سجفك أدخل علي ابن عمي "، فحدثا النبي ﷺ بحاجتهما، فقال نبي الله ﷺ : " لا يحل لكما أهل البيت من الصدقات شيء ولا غسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم ويكفيكم» .
م: (والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض) ش: أراد بالعوض خمس الخمس، وبالمعوض على صيغة اسم المفعول من التعويض الزكاة. تقريره أن العوض وهو الزكاة لا يجوز دفعها إلى الأغنياء، فكذلك يجب أن يكون عوض الزكاة وهو خمس الغنائم لا يدفع إليهم، لأن العوض إنما يثبت في حق من فات عنه المعوض وإلا لا يكون عوضاً لذلك المعوض.
فإن قيل: هذا الحديث إما أن يكون ثابتاً صحيحاً أو لا، فإن كان الأول وجب أن يقسم الخمس على خمسة أسهم، وأنتم تقسمونه على ثلاثة أسهم، وهو مخالفة الحديث الثابت الصحيح وإن كان الثاني لا يصح الاستدلال به. أجيب: بأن لهذا الحديث دلالتين، إحداهما إثبات العوض في المحل الذي فات عنه المعوض على ما ذكرناه والثانية جعله على خمسة أسهم.
ولكن قام الدليل على انتفاء قسمة الخمس على خمسة أسهم، وهو فعل الخلفاء الراشدين ﵃ كما تقدم، ولم يقم الدليل على تغيير العوض ممن فات منه المعوض فقلنا به كما تمسك الخصم على تكرار الصلاة على الجنازة بما روي «أن رسول الله ﷺ صلى على حمزة ﵁ سبعين صلاة، وهو لا يقول بالصلاة على الشهيد» ولكن يقول: للحديث دلالتان، إحداهما ثابتة وإن انتفت الأخرى.
م: (وهم الفقراء) ش: الضمير يرجع إلى كلمة من في قوله: من يثبت م: (والنبي ﷺ أعطاهم للنصرة) ش: هذا جواب عما يقال: لو كان ما ذكرتم صحيحاً، بجميع مقدماته، لما أعطاهم النبي ﷺ ، وقد ثبت أنه أعطى بني هاشم وبني المطلب. وتقرير الجواب أن النبي ﷺ إنما أعطاهم للنصرة.
م: (ألا ترى أنه ﵇) ش: أي أن النبي ﷺ م: (علل فقال: «إنهم لن يزالوا معي هكذا في الجاهلية والإسلام، وشبك بين أصابعه» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
стр. 3618
دل على أن المراد من النص قرب النصرة لا قرب القرابة. فأما ذكر الله تعالى في الخمس فإنه لافتتاح الكلام تبركا باسمه.
وسهم النبي ﷺ سقط بموته
ــ
[البناية]
عن ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب، جئت أنا وعثمان قلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك منهم، إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: " إنهم لم يفارقوني في الجاهلية والإسلام "وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، ثم شبك بين أصابعه» .
م: (دل على أنا المراد من النص قرب النصرة لا قرب القرابة) ش: وذكر أبو بكر الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي أن أصحابنا اختلفوا في هذا فمنهم من قال: إنهم كانوا يستحقون السهم بالمعنيين النصرة والقرابة جميعاً.
واستدلوا بالحديث المذكور. وأخبر ﵇ أنهم استحقوا بالنصرة وبالقرابة جيمعاً، فما لم يجتمعا لم يستحق، فمن جاء بعد ذلك من القرابة فقد عدمت منه النصرة فحينئذ إنما يستحقه بالفقر دون غيره، ولا حق لأغنياء. من أصحابنا من قال: إن سهم ذوي القربى في الأصل لم يجب إلا للفقراء منهم، ولم يكن مستحقا باسم القرابة دون الفقر.
والدليل على ذلك أن النبي ﷺ أعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل، وهما جميعاً في محل واحد من القرابة، ولو كان مستحقاً بالقرب لاستحق الجميع لتساويهم فيه، ومن الدليل عليه أيضاً أن الخلفاء الراشدين لم يعطوا سهم ذوي القربى لأغنياء منهم، وإنما أعطوا الفقراء.
م: (فأما ذكر الله تعالى في الخمس) ش: في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] (الأنفال: الآية ٤١) م: (فإنه لافتتاح الكلام تبركا باسمه) ش: روى أبو جعفر الطحاوي ﵀ في شرح الآثار بإسناده إلى سفيان الثوري عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد بن علي ﵁ عن قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] قال: أما قوله: فأن لله خمسه، فهو مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة.
م: (وسهم النبي ﷺ سقط بموته) ش: لأنه كان يستحق ذلك لكونه رسولاً، فلما مات سقط، لأنه لا رسول بعد وفاته، ولم يكن استحقاقه ذلك لقيامه بأمور أمته، ولهذا لم يرفع الخلفاء الراشدون بعده هذا السهم لأنفسهم.
стр. 3619
كما سقط الصفي، لأنه ﷺ كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده،
والصفي شيء كان ﷺ يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع أو سيف أو جارية.
ــ
[البناية]
وكانت له خصائص شرف الرسالة لم تكن للأئمة، كحل التسع وحرمة نسائه بعده على المؤمنين وإباحة البضع بلا مال، والعصمة عن الكذب م: (كما سقط الصفي) ش: بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء، أي كما سقط الصفي بموته، وكذا سقط خمس الخمس وسهم رجل من الغنيمة.
م: (لأنه) ش: أي لأن النبي ﷺ م: (كان يستحقه) ش: أي السهم م: (برسالته) ش: أي بسبب رسالته م: (ولا رسول بعده) ش: أي بعد موته، ولهذا لا يستحقه الخلفاء، ولأن الأنبياء ﵈ لا يورثون.
م: (والصيفي شيء كان النبي ﷺ يصطفيه لنفسه من الغنيمة) ش: أي يختاره لنفسه م: (مثل درع أو سيف أو جارية) ش: وروى أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن مطرف عن الشعبي قال: «كان النبي ﷺ يدعي الصفي إن شاء عبداً، أو شاء أمة، وإن شاء فرساً يختاره قبل الخمس» هذا مرسل.
وأخرج أيضاً عن ابن عون ﵀ قال: سألت محمد بن سيرين عن سهم النبي ﷺ والصفي، قال: كان يضرب له سهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفي يؤخذ له [من] رأس الخمس، قبل أي شيء، وأخرج أيضاً عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «كانت صفية من الصفي» ورواه الحاكم في " مستدركه " وقال: صحيح على شرط الشيخين - رحمهما الله - ولم يخرجاه.
وقال محمد ﵀ في السير الكبير بإسناده عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: «كان سيف النبي ﷺ الذي تنفل يوم بدر، كان سيف العاص بن المنبه بن الحجاج، يعني اتخذه لنفسه صفياً» . قال الأترازي ﵀: فهذا دليل على أنه لم يحمل من الجنة.
وذكر هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه في كتاب السيوف: «كان سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار، وكان للعاص بن منبه الحجاج السهمي، فقتله علي بن أبي طالب ﵁ يوم بدر وجاء بسيفه إلى النبي ﷺ فصار بعد لعلي ﵁ أعطاه إياه النبي ﷺ . وله يقول القائل: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» . إلى هنا كلام الكلبي ﵀.
стр. 3620
وقال الشافعي ﵀: يصرف سهم الرسول إلى الخليفة، والحجة عليه ما قدمناه. وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي ﷺ بالنصرة لما روينا. قال: وبعده بالفقر، قال العبد الضعيف: هذا الذي ذكره قول الكرخي ﵀ وقال الطحاوي ﵀: سهم الفقير منهم
ــ
[البناية]
وما ذكر الزمخشري في " فائقه ": أن رسول الله ﷺ تنفله في غزوة المصطلق، ليس بصحيح لرواية من هو أقدم وأعلم بخلافه، ولا سيما أمر المغازي، فإن الكلبي آية فيه. وقال الأكمل: «واصطفى صفية من غنائم خيبر» . انتهى، قلت: ذكر البخاري ﵀ وغيره مسنداً إلى أنس بن مالك ﵁ قال: «قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً، فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه» . م: (وقال الشافعي ﵀: يصرف سهم الرسول إلى الخليفة) ش: هذا في رواية عنه وفي رواية: يصرف إلى مصالح المسلمين كسد الثغور، وبه قال أحمد. وعن الشافعي ﵀ أنه يرد سهم النبي ﷺ بعده على بقية الأصناف.
م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي ﵀ م: (ما قدمناه) ش: من أن الخلفاء الراشدين لم يرفعوا بعده هذا السهم لأنفسهم م: (وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي ﷺ بالنصرة لما رويناه) ش: إشارة إلى قوله: والنبي ﷺ أعطاهم للنصرة، إلى آخر ما قال.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وبعده بالفقر) ش: أي وبعد النبي ﷺ مستحقون بالفقر، فلا يعطى شيء لأغنيائهم م: (قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀: م: (هذا الذي ذكره) ش: أي القدوري أن استحقاقهم بالفقر م: (قول الكرخي ﵀) . (وقال الطحاوي ﵀: سهم الفقير منهم ساقط أيضاً لما رويناه من الإجماع) ش: أشار به إلى قوله: ولنا أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة أسهم م: (ولأن فيه) ش: أي في سهم ذوي القربى م: (معنى الصدقة نظراً إلى المصرف) ش: لأن الهاشمي الذي يصرف إليه فقير، إذا لم يكن فقيراً لا يجوز صرفه إليه بعد النبي ﷺ باتفاق الروايات عن أصحابنا، فلما كان فيه معنى الصدقة م: (فيحرم) ش: أي ذوي القربى م: (كما يحرم العمالة) ش: أي كما حرم الهاشمي العامل على الصدقة العمالة بضم العين، وهو ما يعطى على عمله.
م: (وجه الأول) ش: أراد قول الكرخي م: (وقيل هو الأصح) ش: إنما قال: وقيل؛ لأن في كون قول الكرخي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صح اختلاف المشايخ م: (ما روي) ش: خبر لقوله: وجه الأول، وقوله: وقيل هو الأصح، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر [....] م: (أن عمر ﵁ أعطى الفقراء منهم) ش: أي من ذوي القربى. روى أبو داود في " سننه " من حديث سعيد بن المسيب حدثنا جبير بن مطعم «أن رسول الله ﷺ لم يقسم لبني عبد شمس ولا
стр. 3621
ساقط أيضا لما روينا من الإجماع، ولأن فيه معنى الصدقة نظرا إلى المصرف، فيحرم كما يحرم العمالة، وجه الأول وقيل هو الأصح: ما روي أن عمر ﵁ أعطى الفقراء منهم، والإجماع انعقد على سقوط حق الأغنياء، أما فقراؤهم فيدخلون في الأصناف الثلاثة.
و إذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأخذوا شيئا، لم يخمس؛ لأن الغنيمة هي المأخوذة قهرا أو غلبة لا اختلاسا،
ــ
[البناية]
لبني نوفل من الخمس شيئاً، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، قال: وكان أبو بكر ﵁ يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ ، غير أنه لم يعط قربى رسول الله ﷺ كما كان يعطيهم رسول الله ﷺ ، وكان عمر ﵁ يعطيهم ومن كان بعده منه» .
م: (والإجماع) ش: أي إجماع الصحابة م: (انعقد على سقوط حق الأغنياء، أما فقراؤهم) ش: أي فقراء ذوي القربى م: (فيدخلون في الأصناف الثلاثة) ش: أي في اليتامى والمساكين وابن السبيل، فقد تقدم هذا في أول البحث، وكرر هنا لزيادة الإيضاح.
فإن قيل: إن كانت هؤلاء الثلاثة مصارف باعتبار الحاجة فلا يحل للأغنياء، فإذن فلا فائدة في ذكر الفقراء في القرآن، أجيب: بأنه إنما ذكرهم لأن أفهام بعض الناس تذهب إلى أن الفقير منهم لا يستحق لما أنه من قبيل الصدقة، وقد قال ﵇: «لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآله» فإذًا زال ذلك الوهم بتخصيصهم بالذكر.
فإن قيل: ما الفائدة في ذكر اليتيم؟ لأنه يدخل في المساكين، أجيب: بأنه لدفع وهم من يتوهم أن اليتيم لا يستحق الخمس، لأن الخمس عن الغنيمة، والغنيمة بالجهاد تحصل واليتيم ليس بأهل للجهاد فأزال ذلك الوهم بتخصيص ذكر اليتيم.
[إذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين]
م: (وإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين) ش: أي حال كونهم مغيرين من الإغارة، قال الكاكي: إنما ذكر بلفظ الجمع نظراً إلى قوله: أخذوا، فكان نظير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] (النساء: الآية ١٣٥) ، فرد الضمير إلى المعطوف والمعطوف عليه جميعاً في كلمة أو وإن كانت أو لأحد الشيئين م: (بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئاً لم يخمس) ش: وقال الشافعي ومالك وأكثر أهل العلم: يخمس، لأنه مال حربي أخذتهن إن كان غنيمة فيخمس.
وأما ما ذكره المصنف ﵀ بقوله م: (لأن الغنيمة هي المأخوذة قهراً أو غلبة) ش: في بعض النسخ هو المأخوذ قهراً، أي من حيث القهر والغلبة م: (لا اختلاساً) ش: أي ليست الغنيمة هي المأخوذة من حيث الاختلاس.
стр. 3622
وسرقة والخمس وظيفتها.
ولو دخل الواحد أو الاثنان بإذن الإمام ففيه روايتان، والمشهور أنه يخمس، لأنه لما أذن لهم الإمام فقد التزم نصرتهم بالإمداد فصار كالمنعة، وإن دخلت جماعة لها منعة فأخذوا شيئا خمس وإن لم يأذن لهم الإمام، لأنه مأخوذ قهرا وغلبة، فكان غنيمة، ولأنه يجب على الإمام أن ينصرهم إذ لو خذلهم كان فيه وهن المسلمين، بخلاف الواحد والاثنين، لأنه لا يجب عليه نصرتهم.
ــ
[البناية]
م: (وسرقة) ش: أي من حيث السرقة م: (والخمس وظيفتها) ش: أي وظيفة الغنيمة والاختلاس والسرقة في دار الحرب كاكتساب مال مباح مثل الاصطياد والاحتطاب، وإنما ذكر واحد واثنين، وفي المنية: والثلاثة في حكم الاثنين، وفي كل يخمس وتوضع في بيت المال.
[دخول الواحد أو الاثنان دار الحرب بإذن الإمام]
م: (ولو دخل الواحد أو الاثنان بإذن الإمام ففيه روايتان، والمشهور أنه يخمس، لأنه لما أذن لهم الإمام فقد التزم نصرتهم بالإمداد) ش: بكسر الهمزة، أي بالآية م: (فصار كالمنعة) ش: أي فصار الإمام كالمنعة لهم، حيث أذن لهم، والرواية الأخرى وهي غير مشهورة، لأنه لا يخمس وهي رواية البرامكة، ذكرها الناطقي في الأجناس.
م: (وإن دخلت) ش: أي دار الحرب م: (جماعة لها منعة فأخذوا شيئا خمس وإن لم يأذن لهم الإمام) ش: هذا لفظ القدوري ولم ينص على قدر المنعة، وأشار في البرامكة في كتاب الخراج لابن شجاع إلى التسعة.
وفي " المحيط " عن أبي يوسف أنه قدر الجماعة التي لا منعة لها بتسعة تقود التي لها منعة بعشرة م: (لأنه مأخوذ قهراً وغلبة، فكان غنيمة) ش: فيخمس م: (ولأنه يجب على الإمام أن ينصرهم، إذ لو خذلهم) ش: بالخاء والذال المعجمتين، أي لو ترك عونهم ونصرتهم م: (كان فيه) ش: أي في خذلانهم ضعف المسلمين، يقال: خذلت الرجل أخذله خذلا وخذلاناً: إذا ترك معونته م: (وهن المسلمين) ش: أي ضعفهم، والوهن بسكون الهاء مصدر وهن يهن من باب ضرب يضرب، وبالفتح مصدر من باب وهن يهن من باب علم يعلم.
م: (بخلاف الواحد) ش: إذا دخل دار الحرب م: (والاثنين) ش: أي بخلاف الاثنين إذا دخلا دار الحرب م: (لأنه لا يجب عليه) ش: أي على الإمام نصرة الواحد والاثنين م: (نصرتهم) .
стр. 3623
فصل في التنفيل قال: ولا بأس بأن ينفل الإمام في حالة القتال ويحرض به على القتال فيقول: من قتل قتيلا فله سلبه، ويقول للسرية: قد جعلت لكم الربع بعد الخمس، معناه بعدما رفع الخمس، لأن التحريض مندوب إليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (الأنفال: الآية ٦٥) ، وهذا نوع تحريض ثم قد يكون التنفيل بما ذكر،
ــ
[البناية]
[فصل في التنفيل]
م: (فصل في التنفيل) ش: أي هذا فصل في بيان حكم التنفيل، وهو نوع من قسمة الغنيمة، فلذلك ألحقه بها، يقال: نفل الإمام الغازي: إذا أعطاه زائداً على سهمه بقوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» نفله نفلاً بالتخفيف، ونفله تنفيلاً بالتشديد، لغتان فصيحتان، كذا قال ابن دريد، والنفل بفتحتين: الغنيمة، وجمعه أنفال.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا بأس بأن ينفل الإمام في حالة القتال) ش: وفي " المبسوط ": ويستحب للإمام أن ينفل قبل الإصابة، فعلم من هذا ما قالوه أن لفظ لا بأس يستعمل فيما تركه أولى ليس بمجرى على عمومه، ولهذا قال في الكتاب: التحريض مندوب إليه، وإنما قيد بقوله: في حال القتال؛ لأن التنفيل إنما يصح عندنا إذا كان قبل الإصابة.
وعند الأوزاعي ﵀ يصح بعد الإصابة في حق السلب للقاتل، كذا ذكره في الأسرار م: (ويحرض به) ش: أي بالتنفيل م: (على القتال فيقول) ش: أي الإمام [....] لتغير ما قبله م: (من قتل قتيلاً فله سلبه) ش: القتيل لا يقتل، إنما أريد به من يقدر له القتل من الكفار باعتبار المال.
م: (ويقول) ش: أي الإمام م: (للسرية) ش: وهي جيش قليل يسيرون، وقد مر الكلام فيه م: (قد جعلت لكم الربع بعد الخمس) ش: هذا كلام القدوري، وقال المصنف ﵀: م: (معناه) ش: أي معنى قول القدوري ﵀ م: (بعدما رفع الخمس) ش: يعني ربع ما أصبتم بعد رفع خمسه م: (لأن التحريض مندوب إليه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (الأنفال: الآية ٦٥) ، وهذا) ش: أي التنفيل م: (نوع تحريض) ش: لأن المنفل له يجد في القتال لأجل ما يحصل له من الزيادة على سهمه المعين المقدر.
فإن قيل: قوله: حرض، أمر، ومطلقه ينصرف إلى الوجوب.
أجيب: بأنه يعارضه دليل قسمة الغنائم، فانصرف إلى الاستحباب.
م: (ثم قد يكون التنفيل بما ذكر) ش: أي بما ذكر القدوري ﵀ وهو التنفيل بالربع
стр. 3624
وقد يكون بغيره، إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، لأن فيه إبطال حق الكل، فإن فعله مع السرية جاز، لأن التصرف إليه وقد تكون المصلحة فيه،
ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام، لأن حق الغير قد تأكد فيه بالإحراز. قال: إلا من الخمس، لأنه لا حق للغانمين في الخمس.
ــ
[البناية]
بعد الخمس، أو التنفيل بالسلب م: (وقد يكون بغيره) ش: أي بغير ما ذكره ولا ينحصر بما ذكره، بل يجوز بغيره بأن يقول: جعلت لكم النصف بعد الخمس مثلاً، أو يقول: ما أصبتم فلكم، إلا أن الأولى أن لا يجعل بجميع المأخوذ، لأن فيه قطع الباقين من القراة، ومع هذا لو فعل جاز لما فيه من المصلحة على ما يجيء.
وقال الأترازي ﵀: وقال بعض الشارحين: أراد بقوله: وقد يكون بغيره نحو الذهب والفضة، وفيه نظر، لأنه دخل تحت ما ذكره في مختصر القدوري، لأن السلب يشتمل ما في وسط القتيل من الذهب والفضة، فكيف يكون غير ما ذكر المختصر.
قلت: أراد ببعض الشارحين صاحب " النهاية "، فإنه قال: وقد يكون بغيره نحو الذهب والفضة، وتبعه الأكمل على ذلك. وليس هذا محل نظر، لأن الغالب في السلب هو ما يكون على القتيل من سلاحه وثيابه، وكون الذهب والفضة في وسطه نادر، ومع هذا لو صرح الإمام في التنفيل بالذهب والفضة يجوز، وقال صاحب الإيضاح: ويجوز التنفيل بسائر الأموال من الذهب والفضة وغير ذلك.
م: (إلا أنه) ش: أي غير أن الشأن م: (لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، لأن فيه إبطال حق الكل) ش: أي حق كل الغزاة م: (فإن فعله مع السرية جاز) ش: أي فإن فعل الإمام التنفيل مع سرية يبعثها جاز م: (لأن التصرف إليه) ش: أي للإمام م: (وقد تكون المصلحة فيه) ش: أي في تنفيله كذلك.
وذكر في " السير الكبير ": إذا قال الإمام لعسكره جميعاًَ: ما أصبتم فلكم نفلاً بالسوية، لا يجوز، لأن المقصود من التنفيل التحريض على القتال، وإنما يحصل ذلك إذا خص البعض بالتنفيل، وكذلك إذا قال: ما أصبتم فهو لكم، ولم يقل: بعد الخمس، لأن فيه إبطال الخمس الذي أوجبه الله تعالى في الغنيمة وإبطال حق ضعفاء المسلمين، وذلك لا يجوز.
[النفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام]
م: (ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ (لأن حق الغير قد تأكد فيه بالإحراز) ش: أي بدار الإسلام.
فلا يجوز للإمام أن يقطع حق الغير م: (قال: إلا من الخمس) ش: أي قال القدوري: ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس. وقال المصنف: م: (لأنه لا حق للغانمين في الخمس) ش:
стр. 3625
وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة، والقاتل وغيره في ذلك سواء.
وقال الشافعي ﵀: السلب للقاتل إذا كان من أهل أن يسهم له وقد قتله مقبلا لقوله ﵇: «من قتل قتيلا فله سلبه» والظاهر أنه نصب الشرع، لأنه بعث له، ولأن القاتل مقبلا أكثر غناء
ــ
[البناية]
فلا يلزم قطع حقهم، فيتصرف الإمام فيه على ما رأى من مصلحة في أموال المسلمين.
فإن قيل: إن لم يكن فيه إبطال حق الغانمين ففيه إبطال حق الأصناف الثلاثة، وذلك واجب بأن جوازه باعتبار أن المنفل له جعل واحداً من الأصناف الثلاثة.
فلم يكن ثمة إبطال حقهم، إذ يجوز صرف الخمس على أحد الأصناف الثلاثة لما تقدم أنهم مصارف لا يستحقون، لكن ينبغي أن يكون المنفل له فقيراً، لأن الخمس حق المحتاجين لا حق الأغنياء، فجعله للغني إبطال المحتاجين.
[من يستحق السلب من الغنيمة]
م: (وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة، والقاتل وغيره في ذلك سواء. وقال الشافعي ﵀: السلب للقاتل) ش: وبه قال أحمد ﵀ م: (إذا كان من أهل أن يسهم له) ش: أو من أهل أن يرضخ له عند أحمد. وعند الشافعي من أن يكون له الرضخ، فله في سلبه قولان، في قول كقول أحمد ﵀ وفي قول: لا سلب له م: (وقد قتله مقبلاً) ش: وقال الأترازي: قال الشافعي: إذا كان القاتل مقبلاً فالسلب للقاتل، انتهى. هذا مصرح أن مقبلاً حال من الضمير المرفوع في وقد قتله، وهذا سهو منه فإنه حال من الضمير المنصوب فيه كما ذكرنا، وقد كتب شيخي العلاء بيده: مقبلاً حال من المفعول، أي حال كون الكافر مقبلاً لا حال كونه مدبراً بالهزيمة.
وكذا قال تاج الشريعة في شرحه: قوله: مقبلاً حال من المفعول، لأن الشرط عنده، أي عند الشافعي كون القتيل مقبلاً، حتى لو قتل منهزماً أو نائماً أو مشغولاً بشيء لم يستحق السلب. قوله: مقبلاً، الواو فيه للحال، ومقبلاً حال أيضاً من الضمير المنصوب في قتله، احترز به عما إذا قتله مدبراً فإنه لا سلب له.
م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ م: (والظاهر أنه) ش: أي أن هذا الحديث م: (نصب الشرع) ش: كما في قوله ﵇: «من بدل دينه فاقتلوه» ، فيكون السلب للقاتل سواء شرطه الإمام أو لم يشترط م: (لأنه بعث له) ش: أي لأن النبي ﷺ بعث لنصب الشرع.
م: (ولأن القاتل مقبلاً) ش: أي كافراً مقبلاً إليه م: (أكثر غناء) ش: أي كفاية في الجهاد م:
стр. 3626
فيختص بسلبه إظهارا للتفاوت بينه وبين غيره. ولنا أنه مأخوذ بقوة الجيش غنيمة فيقسم قسمة الغنائم كما نطق به النص. وقال ﵇ لحبيب بن أبي سلمة: «ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك»
ــ
[البناية]
(فيختص بسلبه إظهارا للتفاوت بينه وبين غيره) ش: أي بين قاتل الكافر المقبل وبين قاتل الكافر المدبر المعر، وقد شرح الأترازي هذا الموضع بناء على قوله: إن مقبلاً حال من القاتل، وقد ذكرنا أنه سهو منه، والمبني أيضاً سهو.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن السلب م: (مأخوذ بقوة الجيش غنيمة) ش: على وجه القهر م: (فيقسم قسمة الغنائم كما نطق به النص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] .... الآية.
م: «وقال ﵇ لحبيب بن أبي سلمة ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك» ش: قال مخرج أحاديث " الهداية ": هكذا وقع في الهداية حبيب بن أبي سلمة، وصوابه حبيب ابن مسلمة. قلت: هكذا هو في كتب أسماء الصحابة، قال أبو عمرو ﵀: ذكره في باب الحاء المهملة بفتح الحاء. وقال: حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشي الفهري، يكنى أبا عبد الرحمن، يقال له: حبيب الروم، لكثرة دخوله إليهم وسلته منهم.
وولاه عمر بن الخطاب ﵁ أعمال الجزيرة إذ عزل عنها عياض بن غنم، وضم إلى حبيب بن مسلمة أرمينية وأذربيجان وسلمان بن أبي ربيعة أحدهما مدد الصحابة، فتواعد بعضها بعضاً ومات بأرمينية سنة اثنتين وأربعين.
ثم حديثه الذي ذكره المصنف رواه الطبراني في " معجمه " الكبير والأوسط: حدثنا أحمد بن معلا الدمشقي والحسين بن إسحاق التستري وجعفر بن محمد الفريابي قالوا: حدثنا أحمد بن عمار أنا عمرو بن واقد أنا موسى بن سيار عن مكحول «عن جنادة بن أبي أمية قال: نزلنا دابقاً وعلينا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فبلغ حبيب بن مسلمة أن نبيه صاحب قبرص خرج يريد طريق أذربيجان ومعه زمرد وياقوت ولؤلؤ وغيرها فخرج إليه فقتله فجاء بما معه. فأراد أبو عبيدة أن يخمسه فقال له حبيب بن مسلمة: لا تحرمني رزقا رزقنيه الله تعالى، فإن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل، فقال معاذ: يا حبيب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه» انتهى. وفي إسناده عمرو بن واقد الدمشقي البصري مولى قريش. قال
стр. 3627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك.
ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده حدثنا بقية بن الوليد حدثني رجل عن مكحول «عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا معسكرين بدابق فذكر لحبيب بن مسلمة الفهري أن نبيه صاحب قبرص خرج بتجارته متجهاً بها إلى طريق أرمينية، فخرج عليه حبيب بن مسلمة فقاتله فجاء بسلبه يحمله على خمسة أبغال من الديباج والياقوت والزمرد والزبرجد.
فأراد حبيب أن يأخذه كله، وأبو عبيدة ﵁ يقول بعضه، فقال حبيب لأبي عبيدة: قد قال رسول الله ﷺ : " من قتل قتيلاً فله سلبه " فقال أبو عبيدة: لم يكن ذلك أبداً، وسمع معاذ بن جبل ﵁ بذلك فأتى أبا عبيدة وحبيب يخاصمه، فقال معاذ لحبيب: ألا تتقي الله وتأخذ ما طابت به نفس إمامك، فإنما لك ما طابت نفس إمامك.
وحدثهم معاذ عن النبي ﷺ فاجتمع رأيهم على ذلك فأعطوه بعد الخمس» فباعه حبيب بألف دينار، وذكره البيهقي في المعرفة بهذا الإسناد، ثم قال: وهو منقطع بين مكحول ومن فوقه، وراويه عن مكحول مجهول، وهذا الإسناد لا يحتج به، انتهى.
وفي هذا الموضع نظر [......] ثلاثة منها ترجع إلى كلام المصنف:
الأول: أنه ذكر حبيب بن أبي سلمة وليس في الصحابة إلا حبيب بن مسلمة، كما ذكرنا.
والثاني: أن الحديث الذي احتج به لأصحابنا ضعيف كما ذكرنا.
والثالث: أن هذا الحديث ليس لحبيب فإنه ما سمعه من النبي ﷺ وإنما هو لمعاذ بن جبل سمعه من النبي ﷺ ورد على حبيب حين أراد أن يستبد بالسلب الذي أخذه كما ذكرنا.
والنظر الرابع: يرجع إلى الشراح فإنهم كلهم تنكثوا عن التحرير في هذا الموضع ورضوا بما شرحوا فيه بما لا يرضى به من له أدني إلمام بالتصرف في الحديث، وجعلوا هذا حجة على الشافعي، وكيف يكون حجة وفيه ما ذكرنا.
واستدل الأترازي هنا لأصحابنا فقال: وروي في السنن وشرح الآثار مسنداً إلى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : «من فعل كذا فله كذا " فذهبت شبان الرجال وحبست الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم، فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا تحت الرايات، ولو انهزمتم كنا ردأ لكم، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] فقرأ حتى بلغ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] أطيعوني في هذا الأمر كما رأيتم عاقبة أمري حيث خرجتم وأنتم
стр. 3628
وما رواه يحتمل نصب الشرع ويحتمل التنفيل، فنحمله على الثاني لما رويناه، وزيادة الغناء لا يعتبر في جنس واحد كما ذكرناه،
والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما على مركبه من السرج والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو على وسطه،
ــ
[البناية]
كارهون، فقسم بينهم بالسواء» ففي هذا الحديث دليل على أن السلب لا يكون للقاتل، لأنه لو كان له لأعطاه النبي ﵇ خاصة دون غيره. انتهى.
واعترض عليه البيهقي بأن لا حجة لهم فيه، فإن غنيمة بدر كانت للنبي ﷺ بنص الكتاب، فيعطي منها ما شاء. وقد قسم لجماعة لم يشهدوا ثم نزلت الآية في الغنيمة بعد بدر، فقضى ﵇ بالسلب للقاتل، واستقر الأمر على ذلك. انتهى.
قلنا: حاصل هذا الكلام أن قوله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سلبه» على وجه التنفيل، وكذلك قال أبو عبيدة لم يقل ذلك للأبد ولاسيما إذا كان السلب كثيراً، ألا ترى إلى ما رواه الطبراني في " معجمه " عن الشعبي أن جرير بن عبد الله البجلي بارز مهران فقتله فقومت منطقته بثلاثين ألفا، فكتبوا إلى عمر ﵁ فقال عمر: ليس هذا من السلب الذي يخمس، ولم ينفله وجعله مغنماً.
م: (وما رواه) ش: أي الشافعي م: (يحتمل نصب الشرع، ويحتمل التنفيل، فنحمله على الثاني) ش: أي لحمل الحديث الذي رواه الشافعي م: (لما رويناه) ش: أي حديث حبيب وهو قوله ﵇: «ليس لك من سلب القتيل إلا ما طابت به نفس إمامك» دفعاً للتعارض م: (وزيادة الغناء) ش: جواب عن قوله: لأن القاتل مقبلاً أكثر غناء، وهو أن زيادة الغناء في واحد م: (لا يعتبر في جنس واحد) ش:. وهو الكر والفر م: (كما ذكرناه) ش: إشارة إلى ما ذكره في فصل كيفية القسمة، ولأن الكر والفر من جنس واحد، وإلى قوله: تعذر اعتبار مقدار الزيادة، لأنه كم من واحد من الفرسان أو الرجال مثل الألف في الغناء، ولا يعتبر ذلك في استحقاق زيادة السهم، لأنه من جنس واحد.
[المراد بالسلب]
م: (والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه) ش: بالرفع عطفاً على قوله ما على المقتول، أي السلب أيضاً مركبه م: (وكذا) ش: أي وكذا السلب م: (ما على مركبه من السرج والآلة) ش: أي وآلة السرج نحو بشرقه وخدامه وعبائه ولجامه.
م: (وكذا) ش: أي وكذا السلب م: (ما معه على الدابة من ماله في حقيبته) ش: وهو الوعاء الذي يجعل فيه الرجل حوائجه وزوادته فيه، ويجعل في مؤخر القتب. وفي الجمهرة الحقيبة الرقادة في مؤخر القتب م: (أو على وسطه) ش: نحو الهميان.
стр. 3629
وما عدا ذلك فليس بسلب، وما كان مع غلامه على دابة أخرى فليس بسلبه، ثم حكم التنفيل قطع حق الباقين، فأما الملك فإنما يثبت بعد الإحراز بدار الإسلام لما مر من قبل، حتى لو قال الإمام من أصاب جارية فهي له، فأصابها مسلم واستبرأها لم يحل له وطؤها، وكذا لا يبيعها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ وقال محمد ﵀: له أن يطأها ويبيعها، لأن التنفيل يثبت به الملك عنده كما يثبت بالقسمة في دار الحرب وبالشراء من الحربي ووجوب الضمان بالإتلاف قد قيل على هذا الاختلاف.
ــ
[البناية]
م: (وما عدا ذلك) ش: أي المذكور من هذه الأشياء م: (فليس بسلب) ش: وقال الشافعي: السلب ما كان عليه من ساحة الحرب كالثياب التي يقاتل فيها، والسلاح الذي به، والمركوب الذي يقاتل عليه، فأما ما في يده لا يقاتل به كالمنطقة والطوق والسوار والخاتم وما في وسطه من النفقة وحقيبته ففيه قولان:
أحدهما: أنه ليس من السلب وبه قال أحمد في رواية.
والثاني: أنه من السلب وهو قولنا، وعن أحمد في مركبه روايتان.
م: (وما كان مع غلامه على دابة أخرى فليس بسلبه) ش: بل هو من الغنيمة.
م: (ثم حكم التنفيل قطع حق الباقين، فأما الملك فإنما يثبت بعد الإحراز بدار الإسلام لما مر من قبل) ش: إشارة إلى ما ذكر في باب الغنائم بقوله: ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والنافلة، والثانية منعدمة، أي اليد النافلة منعدمة قبل الإحراز فلا يثبت الملك.
م: (حتى لو قال الإمام: من أصاب جارية فهي له، فأصابها مسلم واستبرأها لم يحل له وطؤها، وكذا لا يبيعها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: له أن يطأها ويبيعها) ش: ذكر الخلاف في الزيادات بين محمد وصاحبه، واعتمد عليه صاحب " الأسرار "، وتبعه صاحب " الهداية " ولم يذكر الخلاف في " السير الصغير "، واعتمد عليه الحاكم الشهيد في الكافي، وذكر الكرخي بين أبي حنيفة ومحمد، ولم يذكر قول أبي يوسف فقال: لا يطؤها عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد، واعتمد عليه صاحب المختلف والمنظومة م: (لأن التنفيل يثبت به الملك عنده) ش: أي عند محمد.
وبه قالت الثلاثة: م: (كما يثبت) ش: أي الملك م: (بالقسمة في دار الحرب) ش: أي بقسمة الإمام الغنائم م: (وبالشراء من الحربي) ش: فإن اشترى جارية أو غيرها في دار الحرب من الحربي) م: (ووجوب الضمان بالإتلاف) ش: لفظ وجوب الضمان مرفوع بالابتداء وخبره قوله م: (قد قيل: على هذا الاختلاف) ش: وفي بعض النسخ وقد قيل بالواو، فيكون معطوفاً على قوله الملك، أي يثبت الملك ووجوب الضمان للمنفل له على ما أتلف [.....] سلبه الذي أصابه والأول أولى.
стр. 3630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وإنما ذكره دفعاً لشبهة ترد على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبيان ذلك أن محمداً ﵀ ذكر في الزيادات أن المتلف السلب، نفله الإمام يضمن، لأن الحق متأكد ولم يذكر، فورد الضمان شبهة عليها، لأن الضمان دليل تمام الملك، فينبغي أن يحل الوطء على مذهبهما أيضاً بعد الاستبراء فقال في دفع ذلك: إنه أيضاً على الاختلاف، عند محمد: يضمن، وعندهما: لا يضمن، والله أعلم.
стр. 3631
باب استيلاء الكفار وإذا غلب الترك على الروم فسبوهم وأخذوا أموالهم ملكوها. لأن الاستيلاء قد تحقق في مال مباح وهو السبب على ما نبينه إن شاء الله تعالى، فإن غلبنا على الترك حل لنا ما نجده من ذلك اعتبارا بسائر أملاكهم، وإذا غلبوا على أموالنا - والعياذ بالله - وأحرزوها بدارهم ملكوها. وقال الشافعي ﵀: لا يملكونها، لأن الاستيلاء محظور ابتداء وانتهاء، والمحظور لا ينتهض سببا للملك على ما عرف من قاعدة الخصم
ــ
[البناية]
[باب استيلاء الكفار]
م: (باب استيلاء الكفار) ش: أي هذا باب في بيان استيلاء الكفار، وهذه الإضافة من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل، ولما شرع في استيلائهم بدأ باستيلاء بعضهم بعضاًَ فقال:
م: (وإذا غلب الترك على الروم) ش: الترك جمع تركي، والروم جمع رومي، والمراد كفار الترك ونصارى الروم م: (فسبوهم وأخذوا أموالهم ملكوها، لأن الاستيلاء قد تحقق في مال مباح وهو السبب) ش: أي الاستيلاء على مال مباح هو سبب الملك م: (على ما نبينه إن شاء الله تعالى) ش: أي عند قوله: وإذا غلبوا على أموالنا.
م: (فإن غلبنا على الترك حل لنا ما نجده من ذلك) ش: أي ما نجده في أيدي الترك مما أخذوه من الروم م: (اعتباراً بسائر أملاكهم) ش: أي قياساً على سائر أموال الترك، لأنهم لما ملكوا الذي أخذوه من الروم بالاستيلاء صار هو ومالهم الأصل سواء م: (وإذا غلبوا) ش: أي الكفار م: (على أموالنا والعياذ بالله وأحرزوها بدارهم ملكوها) ش: وبه قال مالك وأحمد إلا عند مالك يملكونها لمجرد الاستيلاء بدون الإحراز، ولأحمد روايتان، في رواية: مع مالك، وفي رواية: معنا.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يملكونها، لأن الاستيلاء محظور) ش: أي ممنوع حرام مطلقاً م: (ابتداء) ش: أي في دار الإسلام م: (وانتهاء) ش: أي بعد الإحراز بدار الحرب م: (والمحظور لا ينتهض سبباً للملك) ش: أي المحظور من وجه لا يكون سبباً للملك لأن المحظور من كل وجه وهو الباطل لا يكون سبباً للملك عندنا أيضاًَ كالبيع بالميتة والدم والخمر م: (على ما عرف من قاعدة الخصم) ش: وهي إراءة إليهم أن النهي بعد المشروعية عنده.
وقال الكاكي: وتقييده بقاعدة الخصم إنما يصح في المحظور من وجه دون وجه، كما في البيع الفاسد، أما المحظور من كل وجه لا يفيد الملك بالاتفاق كما في استيلاء المسلم على مال المسلم.
فإن قلت: يؤيد ما قاله الشافعي ما روي عن عمران بن الحصين «أن المشركين أغاروا على سرح
стр. 3632
ولنا أن الاستيلاء ورد على مال مباح،
ــ
[البناية]
المدينة وذهبوا والعضباء وأسروا امرأة الراعي فانفلتت ذات ليلة فأتت بالعضباء فقعدت في عجزها ونذرت إن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " بئس ما جزتها، لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " وأخذ ناقته» وعلم بهذا أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، فلو كانوا يملكون لملكت المرأة العضباء بالأخذ منهم.
قلت: ما كانوا أحرزوها بدارهم وأخذ المرأة العضباء كان قبله في الطريق. وقيل: الإحراز لا يثبت الملك. ودليلنا من القرآن قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] .... (الحشر: الآية ٨) ، فإنه تعالى سماهم فقراء، والفقير من لا ملك له، فلو لم يملك الكفار أموالهم لما سموا فقراء.
ودليلنا من المعقول هو قوله م: (ولنا أن الاستيلاء) ش: أي استيلاء الكفار م: (ورد على مال مباح) ش: لأن الاستيلاء عبارة عن الاقتدار على محل مطلقاً على وجه يتمكن من الانتفاع في الحال ومن الادخار في المآل، والاقتدار بهذه الصفة لا يكون إلا بعد الإحراز ثم بعد إحرازهم ارتفعت العصمة فورد الاستيلاء حينئذ على مال مباح لا على مال محظور، فصار كالاستيلاء على الصيد والحطب، ولهذا لا يملكون رقابنا.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (النساء: الآية ١٤١) ، فكيف يملكون أموالنا بالاستيلاء والتمليك بالقهر من أقوى جهات السبيل؟.
قلنا: النص يتناول المؤمنين وهم لا يملكونهم بالاستيلاء، بل يملكون مالاً مباحاً كما ذكرنا.
فإن قلت: يرد عليكم الاسترداد بالملك القديم من الغازي الذي وقع في قسمته، أو من الذي اشتراه من أهل دار الحرب بدون رضى الغازي.
قلت: أجيب بأن بقاء حق الاسترداد بحق المالك القديم، لا يدل على قيام الملك للمالك القديم، ألا ترى أن للواهب الرجوع في الهبة والإعادة إلى قديم ملكه بدون رضى الموهوب له مع زوال ملك الواهب في الحال، وكذا الشفيع يأخذ الدار من المشتري بحق الشفعة بدون رضى المشتري مع ثبوت الملك له.
قلت: القياس على الهبة فيه نظر على ما لا يخفى.
فإن قلت: لا نسلم أن المال مباح بأصل الخلقة.
قلت: إنه مباح به لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (البقرة: الآية ٢٩) ، واللام للاختصاص، فيقتضي الاختصاص لجهة الانتفاع مطلقاً دون اختصاص الواحد بشيء من
стр. 3633
فينعقد سببا للملك دفعا لحاجة المكلف، كاستيلائنا على أموالهم، وهذا لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع، فإذا زالت المكنة عاد مباحا كما كان، غير أن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالإحراز بالدار، لأنه عبارة عن الاقتدار على المحل حالا ومآلا، والمحظور لغيره
ــ
[البناية]
ذلك، لأن فيه منع الباقين من الانتفاع، وقد أضيف إليهم جميعاً بحرف الاختصاص.
م: (فينعقد) ش: أي ورود الاستيلاء على مال مباح م: (سبباً للملك دفعاًَ لحاجة المكلف كاستيلائنا على أموالهم) ش: بعد الإحراز، وإنما تثبت العصمة للمال لتمكن المالك من الانتفاع ودفع الحاجة، لأنه إذا لم يكن معصوماً كان كل واحد بسبيل من التعرض، فلا تحصل المصلحة المطلوبة من العصمة، وهي التمكن من الانتفاع ودفع الحاجة بعد إحرازهم، ارتفعت العصمة، فعاد مباحاً فملكوه بالاستيلاء.
م: (وهذا) ش: إشارة إلى أن الاستيلاء ورد على مال مباح، وبينه بقوله م: (لأن العصمة) ش: أي في المال م: (تثبت على منافاة الدليل) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (البقرة: الآية ٢٩) ، يقتضي أن لا يكون مالاً معصوماً لشخص، وإنما تثبت العصمة.
م: (ضرورة) ش: أي لضرورة م: (تمكن المالك من الانتفاع، وإذا زالت المكنة عاد مباحاً كما كان) ش: في الأصل.
وفي " الكافي ": قوله في " الهداية ": لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل، إلى قوله: عاد مباحاً، مشكل، فإنا إذا غلبنا على أموال أهل البغي وأحرزنا بدارنا لم يملكها مع زوال المكنة. إلا أن يقال أراد به زوال المكنة بالإحراز بدار الحرب.
ثم أصل الدار واحدة وهي بحكم الديانة مختلفة. فتثبت العصمة من وجه دون وجه، فلم يثبت الملك بالشك، بخلاف أهل الحرب، لأن الدار مختلفة. والنعت متباينة من كل وجه، فبطلت العصمة لنا في حقهم.
م: (غير أن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالإحراز بالدار، لأنه) ش: أي لأن الاستيلاء م: (عبارة عن الاقتدار على المحل حالاً) ش: أي بالانتفاع بالمال في الحال م: (ومآلاً) ش: أي عاقبة، يعنى بالادخار إلى الزمن الثاني م: (والمحظور لغيره) ش: جواب عن قول الخصم: إن الاستيلاء محظور لا ينتهض سبباً للملك.
стр. 3634
إذا صلح سببا لكرامة تفوق الملك، وهو الثواب الآجل، فما ظنك بالملك العاجل، فإن ظهر عليها المسلمون فوجدها المالكون قبل القسمة فهي لهم بغير شيء، وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا؛ لقوله ﵇ فيه: إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة،
ــ
[البناية]
تقريره أن يقال: سلمنا أنه محظور، لكنه محظور لغيره مباح في نفسه، يعني أن المال مباح لعينه، لكن الحظر فيه لحق الغير وهو المالك، والمحظور لغيره، يعني لا لعينه م: (إذا صلح سبباً لكرامة تفوق الملك) ش: كالصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها تصلح سبباً لاستحقاق إعلاء النعم وهو الثواب في الآخرة، فلأن يصلح للملك سبباً للملك في الدنيا أولى، وهو معنى قوله: م: (وهو الثواب الآجل) ش: يعني في الآخرة م: (فما ظنك بالملك العاجل) ش: يعني في الدنيا على أنا نقول: المحظور قد يصلح أن يكون سبباً للملك، كما في السوم على سوم أخيه، والبيع عند الأذان يوم الجمعة وبيع الحاضر للبادي، وبيع المتلقي للسلعة، فانتقض أصله حينئذ.
وفي " الكافي ": والمحظور بغيره، إلى قوله: بالملك العاجل، مشكل أيضاً، لأن العصمة لا تخلو إما أن زالت بالإحراز بدارهم أو لا، فإن زالت لا يكون الاستيلاء محظورا؛ لما مر أنه على مال مباح، وإن لم يترك لم تصر ملكاً لهم، كما في مسألة البغاة، إلا أن يقال: العصمة المؤثمة باقية، لأنها بالإسلام، وإن زالت بالقوة لأنها بالدار.
م: (فإن ظهر عليها المسلمون) ش: أي فإن غلب المسلمون على الأموال التي أخذها الكفار منا م: (فوجدها المالكون قبل القسمة فهي) ش: أي تلك الأموال م: (لهم) ش: أي للملاك م: (بغير شيء) ش: يعني يأخذونها مجاناً م: (وإن وجدوها بعد القسمة) ش: أي بعد قسمة الإمام الغنائم م: (أخذوها بالقيمة إن أحبوا) ش: يعني إن أرادوا أن يأخذوها يأخذونها بقيمتها.
قال الأترازي ﵀: وعند الشافعي ﵀ يأخذون في الوجهين بغير شيء.
قلت: قال الشافعي ﵀: ولكن الإمام يعوض من وقع في سهمه من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال شيء أعاد القسمة.
م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (فيه) ش: أي هذا الحكم م: (إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة) ش: هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن ابن عباس ﵄ «عن النبي ﷺ قال فيما أحرزه العدو فاستنقذه المسلمون منهم: " إن وجده
стр. 3635
ولأن المالك القديم زال ملكه بغير رضاه، فكان له حق الأخذ نظرا له إلا أن في الأخذ بعد القسمة ضررا بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص فيأخذه
ــ
[البناية]
صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به، وإن وجده قد قسم به فإن شاء أخذه بالثمن» وقال: الحسن بن عمارة متروك.
وروى الطبراني في " معجمه " عن ياسين الزيات عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «أصاب العدو ناقة رجل من بني سليم، ثم اشتراها رجل من المسلمين فعرفها صاحبها. فأتى النبي ﷺ فأخبره فأمره ﵇ بالثمن الذي اشتراها به صاحبها من العدو، وإلا يخلي بينه وبينها» رواه أبو داود في مراسليه عن تميم بن طرفة قال: «وجد رجل مع رجل ناقة له فارتفعا إلى النبي ﷺ فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال النبي ﷺ : " إن شئت أن تأخذها بالثمن الذي اشتراها به فأنت أحق به، وإلا فخل ناقته» وقال عبد الحق: ياسين ضعيف.
وأخرج الدارقطني أيضاًَ في سننه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعدما قسم فليس له شيء» ، قال الدارقطني: إسحاق متروك، وهذا كما رأيت كله لا يرضى به الخصم، ولم يبق إلا أن يحتج بما رواه الدارقطني ﵀ وهذا في " سننه " عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أصاب المشركون من أموال الناس فظهر عليهم فرأى رجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره، فإذا قسم ثم ظهر عليه فلا شيء له، إنما هو رجل منهم.
وكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن خلاس عن علي ﵁ نحوه، قال البيهقي: رواية خلاس عن علي ضعيفة.
قلت: قال ابن حزم: رواية خلاس عن علي ﵁ صحيحة.
م: (ولأن المالك القديم زال ملكه بغير رضاه، فكان له حق الأخذ نظراً له) ش: فيأخذه بغير شيء قبل القسمة، لأن الملك في المغنوم عام بين الغانمين، فقل الضرر عليهم م: (إلا أن في الأخذ) ش:
стр. 3636
بالقيمة ليعتدل النظر من الجانبين، والشركة قبل القسمة عامة فيقل الضرر فيأخذه بغير قيمة.
وإن دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك وأخرجه إلى دار الإسلام، فمالكه الأول بالخيار إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه وإن شاء تركه، لأنه يتضرر بالأخذ مجانا، ألا ترى أنه قد دفع العوض بمقابلته، فكان اعتدال النظر فيما قلناه. ولو اشتراه بعوض يأخذه بقيمة العوض. ولو وهبوه لمسلم يأخذه بقيمته لأنه ثبت له ملك خاص، فلا يزال إلا بالقيمة، ولو كان مغنوما وهو مثلي يأخذه
ــ
[البناية]
أي غير أن في أخذ المالك القديم م: (بعد القسمة ضرراً بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص، فيأخذه بالقيمة ليعتدل النظر من الجانبين) ش: بغير جانب المالك القديم والمالك الجديد م: (والشركة قبل القسمة) ش: أي قبل قسم الإمام الغنيمة م: (عامة) ش: بينهم م: (فيقل الضرر، فيأخذه بغير قيمة) ش: والدليل على عموم الملك بين الغانمين أن واحداً من الغانمين لو استولد جارية من المغنم، لم يثبت النسب لعدم الملك لعموم الشركة، بخلاف ما بعد القسمة حيث يأخذه بالقيمة.
[شراء الذي استولى عليه الحربي]
م: (وإن دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك) ش: أي الذي استولى عليه الحربي م: (وأخرجه) ش: أي أخرج ذلك الشيء م: (إلى دار الإسلام، فمالكه الأول بالخيار، إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه) ش: أي التاجر، والقول في الثمن قول المشتري مع يمينه، كذا ذكره الحاكم الشهيد ﵀ م: (وإن شاء تركه لأنه) ش: أي لأن التاجر م: (يتضرر بالأخذ مجاناً) ش: يعني بغير شيء م: (ألا ترى أنه) ش: أي أن التاجر م: (قد دفع العوض بمقابلته) ش: أي بمقابلة ذلك الشيء الذي اشتراه م: (فكان اعتدال النظر فيما قلناه) ش: وهو قوله: ليعتدل النظر من الجانبين.
م: (ولو اشتراه بعوض) ش: أي الشيء بالشيء م: (يأخذه بقيمة العوض) ش: أي بقيمة ذلك العوض الذي اشتراه.
م: (ولو وهبوه لمسلم) ش: أي ولو وهب أهل الحرب ذلك الشيء لمسلم م: (يأخذه) ش: يعني صاحبه يأخذه م: (بقيمته) ش: أي بقيمة ذلك الشيء م: (لأنه ثبت له) ش: أي للموهوب له م: (ملك خاص) ش: بالهبة م: (فلا يزال إلا بالقيمة) ش: قيل على أن الملك يثبت للموهوب له مجاناً، فلا يتضرر بالأخذ منه مجاناً، بخلاف ما يثبت لأحد الغزاة بالقسمة، لأن هذا الحق إنما تعين له بأداء ما انقطع من حقه عما في أيدي الباقين.
وأجيب: بأن الملك هاهنا أيضاًَ يثبت بالعرض معنى، لأن المكافأة مقصودة في الهبة وإن لم تكن مشروطة، فجعل ذلك معتبراً في إثبات حقه في القيمة.
م: (ولو كان) ش: أي ما أخذه الكفار من المسلمين م: (مغنوماً) ش: أي مأخوذا بالقهر والغلبة م: (وهو مثلي) ش: أي والحال أنه مثلي كالذهب والفضة والحنطة والشعير م: (يأخذه) ش:
стр. 3637
قبل القسمة ولا يأخذه بعدها، لأن الأخذ بالمثل غير مفيد، وكذا إذا كان موهوبا لا يأخذه لما بينا. وكذا إذا كان مشترى بمثله قدرا ووصفا. قال: فإن أسروا عبدا فاشتراه رجل وأخرجه إلى دار الإسلام، ففقئت عينه وأخذ أرشها، فإن المولى يأخذه بالثمن الذي أخذ به من العدو، أما الأخذ بالثمن فلما قلنا، ولا يأخذ الأرش، لأن الملك فيه صحيح، فلو أخذه أخذه بمثله وهو لا يفيد ولا يحط شيء من الثمن، لأن الأوصاف لا يقابلها
ــ
[البناية]
أي صاحبه وهو المالك القديم م: (قبل القسمة) ش: بلا شيء.
م: (ولا يأخذه بعدها) ش: أي بعد القسمة م: (لأن الأخذ بالمثل غير مفيد) ش: لأنه لو أخذه أخذ بالمثل ولا فائدة فيه م: (وكذا) ش: حكم المثلي م: (إذا كان موهوباً لا يأخذه) ش: لا يأخذه المالك القديم بعدم الفائدة م: (لما بينا) ش: إشارة إلى قوله: لأن الأخذ بالمثل غير مفيد.
م: (وكذا إذا كان مشترى بمثله قدراً ووصفاً) ش: أي وكذا لا يأخذه المالك القديم أيضاً إذا كان ما أخذه الكفار منا وأحرزوه بدارهم مشترى بمثله قدراً ووصفاً، لأنه لا فائدة في أن يعطي عشرة مثاقيل جياد، ويأخذ عشرة مثاقيل جياد، أو يعطي عشرة أقفز جيدة، ويأخذ عشرة أقفز جيدة.
وإنما قيد بقوله: قدراً ووصفاً، احترازاً عما لو اشتراه المسلم بأقل قدراً منه أو بجنس آخر أو بجنسه، ولكنه أردأ منه وصفاً، فإن له أن يأخذه بمثل المشترى، ولا يكون ذلك رباً، لأنه إنما قدر ليستخلص ملكه ويعيده إلى قديم ملكه، لا أنه يشتريه ابتداء.
م: (قال) ش: أي محمد - رحمة الله عليه - م: (وإن أسروا عبداً فاشتراه رجل وأخرجه إلى دار الإسلام ففقئت عينه وأخذ) ش: أي المولى م: (أرشها) ش: أي أرش العين م: (فإن المولى) ش: أي المولى الأول م: (يأخذه) ش: أي يأخذ العبد م: (بالثمن الذي أخذ به من العدو، وأما الأخذ بالثمن فلما قلنا) ش: إشارة إلى قوله: لأنه يتضرر بالأخذ مجاناً م: (ولا يأخذ) ش: أي المالك القديم م: (الأرش، لأن الملك فيه صحيح) ش: احتراز عن الشراء الفاسد، فإن الوصف فيه مضمون.
م: (فلو أخذه) ش: أي المالك لو أخذ الأرش م: (أخذه بمثله وهو لا يفيد) ش: لأن الأرش دراهم أو دنانير م: (ولا يحط شيء من الثمن) ش: يعني إذا أخذ الأرش لا يحط شيء من الثمن بسبب فقء العين، لأن العين بمنزلة الوصف لأنه يحصل بها صفة الكمال في الذات فيه، ولا ينحط شيء من الثمن م: (لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن) ش: وفي النهاية في قوله لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن نظر.
قال الكاكي: قال شيخي العلامة: وهو مشكل، وهكذا ذكر في الكافي، لأن الأوصاف إنما لا يقابلها شيء من الثمن إذا لم يصر مقصوداً بالتناول، فأما إذا صار مقصوداً فله حط من الثمن، كما لو اشترى عبداً ففقئت عينه ثم باعه مرابحة، فإنه يحط من الثمن ما يخص العين،
стр. 3638
شيء من الثمن بخلاف الشفعة؛ لأن الصفقة لما تحولت إلى الشفيع صار المشترى في يد المشتري بمنزلة المشترى شراء فاسدا، والأوصاف تضمن فيه كما في الغصب، أما هاهنا الملك صحيح فافترقا. وإن أسروا عبدا فاشتراه رجل بألف
ــ
[البناية]
بخلاف ما إذا عورت، ذكره في " الفوائد الفهيرية ".
وكما في مسألة الشفعة المذكورة في الكتاب، وهنا صارت مقصودة بالتناول، فينبغي أن يكون للمالك القديم حط ما يخص العين من الثمن.
أجيب عنه: بأن الوصف إنما بمقابلة شيء من الثمن عند صيرورته مقصوداً بالتناول في الملك الفاسد، أو في موضع الشبهة، كما في المسائل المذكورة، فإن الملك في المشترى بالنسبة إلى الشفيع كالفاسد.
وفي مسألة المرابحة الشبهة تلحقه بالحقيقة لا لإثبات المرابحة على الأمانة دون الخيانة، وهذا لأن الوصف مضمون في الغضب مراعاة لحق المالك.
وكذا في الشراء الفاسد، أما في الشراء الصحيح الثمن يقابل العين لا الوصف، إذ الوصف تابع، ولهذا لو ظهر للمبيع وصف مرغوب قد نفياه عند العقد، لم يكن للبائع أن يطالب بمقابله شيئاً وقد فات الملك في ملك صحيح، وبذهابه لا يسقط شيء من الثمن، لأنه تابع. ألا ترى أنه لو اشترى عبداً فذهبت يده أو عينه لا يسقط شيء من الثمن.
م: (بخلاف الشفعة) ش: يعني بخلاف الوصف في مسألة الشفعة، حيث يقابله شيء من الثمن. قال الكاكي: قوله: بخلاف الشفعة، إنما يستقيم فيما إذا كان فوات الأوصاف في الشفعة بفعل قصدي، فحينئذ يقابلها شيء من الثمن في الشفعة، بخلاف مسألتنا، أما إذا كان فواتها بآفة سماوية في الشفعة بأن حرق البستان فلا يقابلها شيء من الثمن، فحينئذ لا تخالف مسألة الشفعة مسألتنا.
م: (لأن الصفقة لما تحولت إلى الشفيع صار المشترى) ش: بفتح الراء م: (في يد المشتري) ش: بكسر الراء م: (بمنزلة المشترى) ش: بفتح الراء م: (شراء فاسداً، والأوصاف تضمن فيه) ش: أي في الشراء الفاسد، لأنه واجب الرد.
م: (كما في الغضب) ش: إذ الواجب فيه القيمة باعتبار القبض وهو يرد على المجموع. م: (أما هاهنا) ش: أي فيما إذا اشترى من العدو م: (الملك صحيح فافترقا) ش: أي الملك الصحيح، والمشترى شراء فاسداً.
م: (وإن أسروا عبداً) ش: أي وإن أسر أهل الحرب عبداً من المسلمين م: (فاشتراه رجل بألف
стр. 3639
درهم فأسروه ثانية وأدخلوه دار الحرب فاشتراه رجل آخر بألف درهم، فليس للمولى الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن، لأن الأسر ما ورد على ملكه، وللمشتري الأول أن يأخذ من الثاني بالثمن، لأن الأسر ورد على ملكه، ثم يأخذه المالك القديم بألفين إن شاء، لأنه قام عليه بالثمنين فيأخذه بهما، وكذا إذا كان المأسور منه الثاني غائبا، ليس للأول أن يأخذه اعتبارا بحال حضرته.
ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا وأحرارنا، ونملك عليهم جميع ذلك، لأن السبب إنما يفيد الملك في محله، والمحل المال المباح والحر معصوم بنفسه،
ــ
[البناية]
درهم فأسروه ثانية) ش: أي مرة ثانية م: (وأدخلوه دار الحرب، فاشتراه رجل آخر بألف درهم، فليس للمولى الأول أن يأخذه من الثاني) ش: لأن الأسر ما ورد على ملكه، وللمشتري الأول أن يأخذه من الثاني.
م: (بالثمن لأن الأسر ما ورد على ملكه، وللمشتري الأول أن يأخذ من الثاني بالثمن، لأن الأسر ورد على ملكه ثم يأخذه المالك القديم بألفين إن شاء، لأنه قام عليه) ش: أي على المشتري الأول م: (بالثمنين فيأخذه بهما، وكذا إذا كان المأسور منه الثاني) ش: وهو المشتري الأول م: (غائباً ليس للأول) ش: أي للمولى الأول وهو المالك القديم م: (أن يأخذه اعتبار بحال حضرته) ش: أي بحضرة المأسور منه الثاني وهو المشتري الأول.
قال الأكمل ﵀: واعترض على قوله: وللمشتري الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن، ما قالوا ببقاء حق الآخذ الذي اشتراه من العدو وتضرر المالك، لأنه حينئذ يأخذه بالثمن.
وأجيب: بأن رعاية حق من اشتراه من العدو أولاً أولى، لأن حقه يعود في الألف التي بعدها بلا عوض يقابلها، والمالك القديم يلحقه الضرر، ولكن يعوض بمقابله وهو العبد، فكان ما قلناه أولى.
م: (ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا وأحرارنا، ونملك عليهم) ش: أي على أهل الحرب إذا غلبنا عليهم م: (جميع ذلك) ش: إشارة إلى ذكر من تقدم [ ... ] وغيرهم.
وفائدة ذلك أن المولى يأخذه وهؤلاء بلا شيء قبل القسمة، وبعدها، كذلك إن اشترى رجل واحداً من ما ذكرنا من أهل الحرب بعد استيلائهم بأخذ المولى بلا شيء، والأصل فيه ما ذكرنا في شرح الطحاوي أن كل ما يملك بالميراث يملك بالأسر والاسترقاق والقهر والغلبة.
وكل ما لا يملك بالميراث لا يملك بالأسر والاسترقاق والقهر والغلبة م: (لأن السبب) ش: وهو الاستيلاء م: (إنما يفيد الملك في محله) ش: يعني إذا قصد بالمحل كما في سائر الأسباب م: (والمحل المال المباح، والحر معصوم بنفسه) ش: باعتبار أن الآدمي خلق للحمل لأعباء التكاليف،
стр. 3640
وكذا من سواه لأنه تثبت الحرية فيه من وجه، بخلاف رقابهم، لأن الشرع أسقط عصمتهم جزاء على جنايتهم وجعلهم أرقاء، ولا جناية من هؤلاء.
وإذا أبق عبد مسلم لمسلم فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يملكونه، لأن العصمة لحق المالك لقيام يده، وقد زالت. ولهذا لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه. وله أنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا، لأن سقوط اعتبارها لتحقق يد المولى عليه تمكينا له من الانتفاع وقد زالت يد المولى فظهرت يده
ــ
[البناية]
ولا قدرة على التكليف إلا بواسطة العصمة، فكان التعرض له حراماً. م: (وكذا من سواه) ش: أي من سوى الحر من أم الولد والمدبر والمكاتب، فللمالك أن يأخذهم قبل القسمة بغير شيء، وقال مالك وأحمد: يملكون المدبر والمكاتب بالاستيلاء حتى يأخذهما سيدهما بالقيمة في الهبة وبالثمن بالشراء، أو في أم الولد لا يملكونها عند أحمد ﵀ وقال الزهري: يأخذها سيدها بالقيمة في الهبة. وقال مالك ﵀: يفديها الإمام، فإن لم يفعل يأخذها سيدها بالقيمة ولا يدعها يستحل فرجها من لا يحل له م: (لأنه تثبت الحرية فيه) ش: أي فيمن سوى الحر م: (من وجه) ش: لاستحقاقهم الحرية، ولهذا لا يصح أن يملكهم بالعقود.
م: (بخلاف رقابهم) ش: أي رقاب أهل الحرب م: (لأن الشرع أسقط عصمتهم جزاء على جنايتهم وجعلهم أرقاء) ش: لأنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم بأن جعلهم عبيد عبيده م: (ولا جناية من هؤلاء) ش: أي من أحرارنا ومدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا، لأنه لم يوجد منهم جناية الكفر فلا يستحقون الرق.
[أبق عبد مسلم لمسلم فدخل إلى أهل الحرب فأخذوه]
م: (وإذا أبق عبد مسلم لمسلم فدخل إليهم) ش: أي إلى أهل الحرب م: (فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد في رواية والشافعي. وقيل المسلم اتفاقي والحكم في عبد الذمي كذلك.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد: م: (يملكونه) ش: وبه قال مالك وأحمد في المشهور عنه م: (لأن العصمة) ش: أي العصمة الموجودة في العبد كانت م: (لحق المالك لقيام يده عليه وقد زالت) ش: يده، فزالت العصمة م: (ولهذا) ش: أي زوال يده م: (لو أخذوه) ش: أي العبد م: (من دار الإسلام ملكوه) ش: ولو كانت العصمة بالإسلام لما ملكوه، كذا قال تاج الشريعة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵁ م: (أنه) ش: أي أن العبد م: (ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا، لأن سقوط اعتبارها) ش: أي اعتبار يد العبد م: (لتحقق يد المولى عليه تمكينا له من الانتفاع) ش: أي لأجل تمكن المولى من الانتفاع به م: (وقد زالت يد المولى فظهرت يده
стр. 3641
على نفسه وصار معصوما بنفسه، فلم يبق محلا للملك، بخلاف المتردد، لأن يد المولى باقية لقيام يد أهل الدار، فمنع ظهور يده. وإذا لم يثبت الملك لهم عند أبي حنيفة ﵀ يأخذه المالك بغير شيء موهوبا كان أو مشترى أو مغنوما قبل القسمة، وبعد القسمة يؤدى
ــ
[البناية]
على نفسه) ش: لأنه حين دخل دار الحرب زالت يد المولى فظهرت يده على نفسه عنه لا إلى من صار يخلفه، لأن يد المولى عبارة عن القدرة على التصرف في المحل كيف شاء ولم يبق ذلك م: (وصار) ش: أي العبد م: (معصوماً بنفسه فلم يبق محلاً للملك) ش: لأنه يصير في يد نفسه وهي يد محترمة يمنع الإحراز، فيمنع التملك، لأنه يملك بدون الإحراز.
فإن قيل: لا نسلم أنها زالت لا إلى من يخلفه، فإن يد الكفرة قد خلفت يد المولى، لأن دار الحرب في أيديهم.
أجيب: بأن بين الدارين حداً لا يكون في يد أحد، وعند ذلك تظهر يد العبد على نفسه، ولأن يد الدار يد حكمية، ويد العبد يد حقيقية فلا تندفع بيد الدار، إليه أشار فخر الإسلام، وفيه نظر، لأن حصول اليد الحقيقية في غيره الفراغ. والجواب أن اليد كما ذكرنا عبارة عن القدرة على التصرف كيف شاء وحين دخول العبد في دار الحرب يحصل له ذلك قبل استيلاء الكفرة عليه.
فإن قيل: لو حصل له يد حقيقة لعتق، وليس كذلك.
أجيب: بمنع الملازمة، لأن ظهور يده على نفسه لا يستلزم زوال ملك المولى، فإنه لما ظهرت يده على نفسه صار غاصباً ملك المولى، وجاز أن تؤخذ اليد بلا ملك، كما في المغصوب والمشترى قبل القبض، فإن الملك للمولى واليد لغيره.
م: (بخلاف المتردد) ش: أي خلاف العبد الآبق المتردد في دار الحرب وهو الذي يدور في دار الإسلام م: (لأن يد المولى باقية لقيام يد أهل الدار) ش: لأن الاقتدار على المحل قائم بالطلب، والاستعانة بأهل الدار م: (فمنع ظهر يده) ش: لنفسه، ولهذا لو وهبه لابنه الصغير صار قابضاً له لبقاء يده حكماً.
م: (وإذا لم يثبت الملك لهم) ش: أي لأهل الحرب على العبد م: (عند أبي حنيفة ﵀ يأخذه المالك القديم بغير شيء) ش: سواء كان العبد م: (موهوباً) ش: لأحد من أهل الحرب م: (كان أو مشترى) ش: أي لو كان العبد مشترى بأن اشتراه أحد منهم م: (أو مغنوماً) ش: أي لو كان المولى وحده مغنوماً في يد الغانمين.
هذا كله إذا كان م: (قبل القسمة، وبعد القسمة يؤدى) ش: أي على صيغة المجهول، أي
стр. 3642
عوضه من بيت المال، لأنه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذر اجتماعهم، وليس له على المالك جعل الآبق، لأنه عامل لنفسه إذ في زعمه أنه ملكه. وإن ند بعير إليهم فأخذوه ملكوه لتحقق الاستيلاء، إذ لا يد للعجماء لتظهر عند الخروج من دارنا، بخلاف العبد على ما ذكرنا، وإن اشتراه رجل وأدخله دار الإسلام فصاحبه يأخذه بالثمن إن شاء لما بينا، فإن أبق عبد إليهم وذهب معه بفرس ومتاع فأخذ المشركون ذلك كله، واشترى رجل ذلك كله وأخرجه إلى دار الإسلام، فإن المولى يأخذ العبد بغير شيء، والفرس والمتاع بالثمن، وهذا عند أبي حنيفة ﵀.
ــ
[البناية]
يؤدي للمولى م: (عوضه من بيت المال) ش: ولا يعطي المشتري العوض، لأنه قد يكون ملكه بغير أمره، فكان متبرعاً، حتى لو أمره بذلك رجع على المشتري بالثمن، وأما المولى فإنما يأخذ عوضه من بيت المال م: (لأنه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذر اجتماعهم) ش: وإنما يعوض من بيت المال، لأن هذه من نوائب المسلمين ومال بيت المال معد لذلك.
م: (وليس له على المالك) ش: أي للغازي أو للتاجر أو للموهوب له م: (جعل الآبق لأنه) ش: أي لأن كل واحد من هؤلاء م: (عامل لنفسه) ش: في زعمه م: (إذ في زعمه أنه ملكه) ش: أي أن العبد، فيكون عاملاً لنفسه لا للمولى القديم.
م: (وإن ند بعير إليهم) ش: أي ذهب على وجهه شارداً، يقال: ند يند نداً، أو ندوداً من باب ضرب يضرب م: (فأخذوه ملكوه لتحقق الاستيلاء، إذ لا يد للعجماء) ش: أي البهمية، وإنما سميت عجماء، لأنها لا تتكلم، فكذلك كل من لم يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم.
وقال: «صلاة النهار عجماء» ؛ لأنها لا يجهر فيها بالقراءة م: (لتظهر عند الخروج من دارنا) ش: أي دار الإسلام م: (بخلاف العبد) ش: إذا أبق، لأن له يداً للظهور عند الخروج م: (على ما ذكرنا) ش: إشارة إلى قوله: إنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا.
م: (وإن اشتراه رجل) ش: أي وإن اشترى هذا البعير، رجل منهم م: (وأدخله دار الإسلام فصاحبه يأخذه بالثمن إن شاء لما بينا) .
ش: وإن شاء تركه م: (فإن أبق عبد إليهم وذهب معه بفرس ومتاع فأخذ المشركون ذلك كله، واشترى رجل ذلك كله وأخرجه إلى دار الإسلام، فإن المولى يأخذ العبد بغير شيء والفرس والمتاع بالثمن، وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: لما أن عنده يثبت الملك للغازي في المال دون العبد، واعتراض بأن على قول أبي حنيفة ﵁ ينبغي أن يأخذ المالك المتاع أيضاً بغير شيء، لأنه لما ظهرت يد العبد على نفسه ظهرت على المال أيضاً لانقطاع يد المولى من المال، لأنه في دار الحرب ويد العبد أسبق من يد الكفار عليه، فلا يصير ملكاً لهم.
стр. 3643
وقالا: يأخذ العبد وما معه بالثمن إن شاء اعتبارا لحالة الاجتماع بحالة الانفراد، وقد بينا الحكم في كل فرد.
وإذا دخل الحربي دارنا بأمان واشترى عبدا مسلما وأدخله دار الحرب عتق عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يعتق، لأن الإزالة كانت مستحقة بطريق معين، وهو البيع وقد انقطعت ولاية الجبر عليه، فبقي في يده عبدا،
ولأبي حنيفة ﵀ أن تخليص المسلم عن ذل الكافر واجب، فيقام الشرط وهو تباين الدارين مقام العلة وهو الإعتاق تخليصا له، كما يقام مضي ثلاث حيض مقام التفريق فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب.
ــ
[البناية]
وأجيب: بأن يد العبد ظهرت على نفسه مع المنافي وهو الرق، فكانت ظاهرة من وجه دون وجه، فجعلناها ظاهرة في حق نفسه غير ظاهرة في حق المال، هكذا قاله الأكمل. وفيه تأمل، لأن استيلاء العبد على المال حقيقة وجد وهو مال مباح، فينبغي أن يمنع استيلاء الكفار كما في العبد.
م: (وقالا: يأخذ العبد وما معه بالثمن إن شاء اعتباراً لحالة الاجتماع بحالة الانفراد) ش: يعني إذا أبق العبد وحده كان الحكم فيه كذلك، فكذلك إذا أبق ومعه فرس ومتاع م: (وقد بينا الحكم في كل فرد) ش: أي عند قوله: وإذا غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم يملكونها.
[دخل الحربي دارنا بأمان واشترى عبداً مسلماً وأدخله دار الحرب]
م: (وإذا دخل الحربي دارنا بأمان واشترى عبداً مسلماً وأدخله دار الحرب عتق عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يعتق) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ في قول. واعلم أن الحربي المستأمن إذا اشترى عبداً مسلماً جاز ويجبر على البيع، لأنه لا يجوز أن يبقى المسلم في ذل الكافر، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيعه أصلاً م: (لأن الإزالة) ش: أي إزالة اليد من الحربي م: (كانت مستحقة بطريق معين، وهو البيع، وقد انقطعت ولاية الجبر عليه) ش: بالدخول في دار الحرب م: (فبقي في يده عبداً) ش: فلا يعتق، لأنه ملكه في دار الإسلام وأحرزه بدارهم.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن تخليص المسلم عن ذل الكافر واجب) ش: لقوله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (النساء: الآية ١٤١) ، م: (فيقام الشرط، وهو تباين الدارين مقام العلة وهو الإعتاق) ش: بيان هذا أن الحربي المستأمن في دارنا يزال ملكه بالعوض بحرمة ماله بأمانه.
فإذا دخل دار الحرب انتهت الحرمة بانتهاء الأمان وسقطت عصمة ماله فيعتق العبد م: (تخليصاً له) ش: وقد عجز القاضي عن عتاقه عليه إذ لا ينفذ قضاؤه على من في دار الحرب. فقام شرط زوال عصمة ماله وهو دخوله دار الحرب فقام عليه الزوال، وهو إعتاق القاضي م: (كما يقام مضي ثلاث حيض مقام التفريق) ش: بين الزوجين م: (فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب)
стр. 3644
وإذا أسلم عبد لحربي ثم خرج إلينا أو ظهر على الدار فهو حر، وكذلك إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرار، لما روي أن عبيدا من عبيد الطائف أسلموا وخرجوا إلى رسول الله ﷺ فقضى بعتقهم وقال: هم عتقاء الله. ولأنه أحرز نفسه بالخروج إلينا مراغما لمولاه أو بالالتحاق بمنعة المسلمين إذا ظهر على الدار،
ــ
[البناية]
ش: فانقضاء ثلاث حيض - الذي هو شرط البينونة في الطلاق الرجعي- أقيم مقام علة البينونة وهي عرض القاضي الإسلام وتفريقه بعد الأمانة لعجز القاضي عن حقيقة العلة فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دارهم، ثم يلزمها أن تتقيد بثلاث حيض من بعد ذلك.
[أسلم عبد الحربي ثم خرج إلينا]
م: (وإذا أسلم عبد الحربي ثم خرج إلينا أو ظهر) ش: على صيغة المجهول، أي غلب م: (على الدار) ش: أي دارهم م: (فهو) ش: أي العبد م: (حر، وكذلك إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرار لما روي «أن عبيداً من عبيد الطائف أسلموا وخرجوا إلى رسول الله ﷺ فقضى بعتقهم. وقال: هم عتقاء الله» ش: وروى أحمد ﵀ في مسنده وابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه " والطبراني في معجمه من حديث الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵄ «أن عبدين خرجا من الطائف إلى النبي ﷺ فأسلما فأعتقهما رسول الله ﷺ ، أحدهما أبو بكرة» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مكرم الثقفي قال: «لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم، فمنهم أبو بكرة، وكان عبد الحارث بن كلاء والمنبعث ونجب، وورد أن في رهط من رقيقهم فأسلموا، قالوا: يا رسول الله ﷺ رد علينا رقيقنا الذي أتوك فقال: لا، أولئك عتقاء الله ، ورد على كل رجل ولاء عبده» .
م: (ولأنه) ش: أي ولأن العبد الذي خرج إلينا م: (أحرز نفسه بالخروج علينا مراغماً) ش: أي منابذاً، يقال راغم فلان قومه مراغمة: إذا خرج عنهم ونبذهم، وقيد بقوله: مراغماً، لأنه إذا خرج تابعاً م: (لمولاه) ش: يباع وثمنه للحربي.
وعليه نص الحاكم الشهيد في " الكافي " م: (أو بالالتحاق بمنعة المسلمين إذا ظهر على الدار) ش: متصل بقوله: إذا ظهر على الدار، كما أن قوله: ولأنه أحرز نفسه، متصل بقوله: ثم خرج إلينا.
وعن هذا قال الأترازي: وفيه لف ونشر، أعني أنه أحرز نفسه بالخروج إلينا وبالالتحاق فيما إذا ظهر على الدار.
قلت: هذا كلام مترتب ليس فيه لف ولا نشر.
стр. 3645
واعتبار يده أولى من اعتبار يد المسلمين، لأنها أسبق ثبوتا على نفسه، فالحاجة في حقه إلى زيادة توكيد، وفي حقهم إلى إثبات اليد ابتداء، فكان أولى.
ــ
[البناية]
م: (واعتبار يده) ش: أي يد العبد م: (أولى من اعتبار يد المسلمين، لأنها أسبق ثبوتاً على نفسه، فالحاجة في حقه) ش: أي في حق العبد م: (إلى زيادة توكيد) ش: بمنعة المسلمين.
م: (وفي حقهم) ش: أي والحاجة في حق المسلمين م: (إلى إثبات اليد ابتداء، فكان) ش: أي اعتبار يده م: (أولى) ش: توضيح هذا، لأنه لما التحق بمنعة المسلمين، صار كأنه خرج إلى دار الإسلام، ولا يكون عبداً للغزاة، لأنهم محتاجون أن يملكوه بالإحراز، وهو يحتاج إلى أن يحرز نفسه لتناول شرف الحرمة، وإحرازه أسبق من إحرازهم، فصار أولى، لأنه صاحب يد في نفسه، لكنه يحتاج إلى ما يؤكد يده بمنعة المسلمين وهم محتاجون إلى إثبات اليد ابتداء، فكان اعتبار يده أولى، والله أعلم.
следующие страницы →