Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
بخلاف الكافر؛ لأن نفس الكفر مبيح عنده. ولنا أن الحكم يدار على الدليل وهو الاجتماع والامتناع، وهذا لأنه لو انتظر الإمام حقيقة قتالهم وربما لا يمكنه الدفع، فيدار الحكم على الدليل ضرورة دفع شرهم.
وإذا بلغه أنهم يشترون السلاح، ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويحدثوا توبة دفعا للشر بقدر الإمكان. والمروي عن أبي حنيفة ﵀ من لزوم البيت محمول على حال عدم الإمام.
ــ
[البناية]
سمى البغاة مؤمنين م: (بخلاف الكافر؛ لأن نفس الكفر مبيح عنده) ش: أي عند الشافعي، يعني أن علة إباحة القتال وهي الكفر عنده، وعندنا العلة هو الخراب.
م: (ولنا أن الحكم يدار على الدليل) ش: أي دليل القتال م: (وهو الاجتماع والامتناع) ش: يعني إذا اجتمعوا فصارت لهم منعة دفعهم بالقتال.
م: (وهذا) ش: يعني دوران الحكم على الدليل م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لو انتظر الإمام حقيقة قتالهم، وربما لا يمكنه الدفع) ش: أي دفعهم بحصول الشوكة لهم والقوة على المؤمنين، فإذا كان الأمر كذلك م: (فيدار الحكم على الدليل) ش: أي دليل قتالهم وهو شجرهم واجتماعهم م: (ضرورة) ش: أي لأجل الضرورة م: (دفع شرهم) ش: وفي " المبسوط " و " الإيضاح ": فحالهم في ذلك كحال المرتدين وأهل الحرب الذين بلغتهم الدعوة.
ولهذا يجوز قتالهم بكل ما يجوز قتال أهل الحرب به كالرمي بالنبل والمنجنيق وإرسال الماء والنار عليهم والبيان بالنبل؛ لأن قتالهم حينئذ فرض كقتال أهل الحرب والمرتدين. وعند الأئمة الثلاثة قتالهم بالمنجنيق وإرسال الماء والنار لا يجوز إلا إذا لم يندفعوا بدونه.
[إعانة الإمام الحق على قتال البغاة]
م: (وإذا بلغه) ش: أي الإمام م: (أنهم) ش: أي أن البغاة م: (يشترون السلاح ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم) ش: أي الإمام م: (ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك) ش: أي حتى يمتنعوا عما قصدوه، ويقلعوا بضم الياء من الإقلاع وهو الامتناع، ومنه قوله ﷺ : «أقلعوا عن المعاصي قبل أن يأخذكم الله» م: (ويحدثوا توبة) بضم الياء، أي يحدثوا توبة عما هم فيه م: (دفعاً للشر بقدر الإمكان) ش: أي لأجل دفع شرهم بحسب إمكانهم.
م: (والمروي عن أبي حنيفة ﵀ من لزوم البيت محمول على حال عدم الإمام) ش: بيان ذلك أن الشيخ أبا الحسن الكرخي قال في مختصره: قال الحسن بن زياد وقال أبو حنيفة: إذا وقعت الفتنة بين المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته ولا يخرج في الفتنة، لقوله ﵇: «من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النار» .
وقال المصنف: هذا محمول على حال عدم الإمام الداعي إلى القتال، أما إذا كان المسلمون مجتمعين على إمام كانوا آمنين به وإسلامه، فخرج عليه طائفة من المؤمنين فحينئذ يجب على كل
стр. 3747
أما إعانة الإمام الحق فمن الواجب عند الغناء والقدرة، فإن كانت لهم فئة أجهز على جريحهم واتبع موليهم دفعا لشرهم كي لا يلتحقوا بهم. وإن لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم لاندفاع الشر دونه. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز ذلك في الحالين؛ لأن القتال إذا تركوه لم يبق قتلهم دفعا، وجوابه ما ذكرناه أن المعتبر دليله لا حقيقته، ولا يسبى لهم ذرية ولا يقسم لهم مال؛ لقول علي ﵁ يوم الجمل: ولا يقتل أسير ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال،
ــ
[البناية]
من يقوى على القتال أن يقاتلهم نصرة لإمام المسلمين.
أشار إليه بقوله: م: (أما إعانة الإمام الحق فمن الواجب) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ... الآية (الحجرات: الآية ٩) فإن الأمر للوجوب م: (عند الغناء) ش: بفتح الغين المعجمة وبالمد، وهو الكفاية م: (والقدرة) ش: بالجر عطفاً على ما قبله، ويجوز أن يكون العطف للتفسير.
فإن قلت: روي عن ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ قعودهم وترك الإعانة.
قلت: هو أيضاً محمول، ولكن على عدم قدرتهم على القتال، والعاجز لا يلزمه الحضور.
م: (فإن كانت لهم فئة) ش: أي جماعة غير المصدرين للقتال م: (أجهز) ش: على صيغة المجهول من أجهزت م: (على جريحهم) ش: إذا أسر عن قتله وقد تممت عليه، يعني كان مجروحاً أشرف على الموت قيمة م: (واتبع موليهم) ش: على صيغة المجهول أيضاً وبكسر اللام وسكون الياء.
وهو الذي يولي ويهرب خوفاً بنفسه م: (دفعاً لشرهم) ش: أي لأجل دفع شر البغاة م: (كي لا يلتحقوا) ش: أي الجريح والمولي م: (بهم) ش: أي لبغاة فيميلان إليهم م: (وإن لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم) ش: وكلا اللفظين أيضا على صيغة المجهول م: (لاندفاع الشر دونه) ش: أي دون إجهاز جريحهم واتباع موليهم.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجوز ذلك في الحالين) ش: أي فيما إذا كانت لهم فئة، وإن لم يكن لهم فئة م: (لأن القتال إذا تركوه لم يبق قتلهم دفعاً) ش: للشر؛ لأن شرهم قد اندفع فلا حاجة إلى الامتناع، وهذا لأنه قتال على وجه الدفع، فصار كقتال غير الخوارج.
م: (وجوابه) ش: أي جواب الشافعي م: (ما ذكرناه أن المعتبر دليله) ش: أي دليل القتال وهو الإجماع م: (لا حقيقته) ش: أي لا حقيقة القتال، وبقولنا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي: م: (ولا يسبى لهم ذرية ولا يقسم لهم مال لقول علي ﵁ يوم الجمل: ولا يقتل أسير ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال) ش: يوم الجمل هو اليوم الذي كان فيه وقعة عائشة مع علي ﵄.
стр. 3748
وهو الذي يقتدى به في هذا الباب. وقوله في الأسير: تأويله إذا لم يكن لهم فئة، فإن كانت يقتل الإمام الأسير، وإن شاء حبسه لما ذكرنا، ولأنهم مسلمون والإسلام يعصم النفس والمال، ولا بأس بأن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز، والكراع على هذا الخلاف. له أنه مال مسلم فلا يجوز الانتفاع به إلا برضاه. ولنا أن عليا -
ــ
[البناية]
وذلك أن عثمان ﵁ لما قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين بويع لعلي ﵁ بالمدينة بالخلافة يوم قتل عثمان، بايعه من كان في المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم وفيهم طلحة وزيد.
وذكر أنهما بايعاه كارهين غير طائعين، فخرجا من مكة ومعهما عائشة إلى البصرة يطالبون بدم عثمان، وبلغ علياً ذلك فخرج من المدينة إلى العراق، وبعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة يستنصر أهلها بالمسير معه، فقدموا عليه فأنزلهم البصرة فلقي طلحة والزبير وعائشة ومن معهم من أهل البصرة وغيرهم، فوقع بينهم قتال عظيم، فظنوهم قتل يومئذ طلحة والزبير وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألف قتيل، وإنما سمي يوم الجمل؛ لأن عائشة كانت يومئذ على جمل يسمى عكرا.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا عبدة بن سليمان عن جرير عن الضحاك أن علياً ﵁ لما هزم طلحة والزبير وأصحابهما أمر منادياً فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر، ولا يفتح باب، ولا يقل قرح، ولا مال. قوله: ولا يكشف ستر أي لا يسبى نساؤهم وهو القدوة عن علي ﵁.
م: (وهو الذي يقتدى به في هذا الباب) ش: أي في باب قتال الخوارج م: (وقوله) ش: أي قول علي ﵁ م: (في الأسير) ش: أي: ولا يقتل أسير م: (تأويله) ش: أي تأويل كلامه م: (إذا لم يكن لهم فئة، فإن كانت يقتل الإمام الأسير، وإن شاء حبسه لما ذكرنا) ش: أي عند قوله ويحبسهم إلى قوله دفعاً لشرهم، وعند الأئمة الثلاثة: لا يقتل الأسير بل يحبسه م: (ولأنهم) ش: أي ولأن البغاة م: (مسلمون، والإسلام يعصم النفس والمال) ش: للحديث المشهور.
م: (ولا بأس بأن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه) ش: أي إلى سلاحهم لأجل القتال م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجوز) ش: وبه قال أحمد في رواية م: (والكراع على هذا الخلاف) ش: أي الخلاف الذي بيننا وبين الشافعي، يعني: يجوز استعمال الكراع وهو الجمل عند الحاجة عندنا. وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يجوز، وبقولنا قال مالك وأحمد في رواية.
م: (له) ش: أي للشافعي م: (أنه مال مسلم فلا يجوز الانتفاع به إلا برضاه. ولنا: أن علياً -
стр. 3749
- ﵁ قسم السلاح فيما بين أصحابه بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك ولأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة. ففي مال الباغي أولى. والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى. ويحبس الإمام أموالهم ولا يردها عليهم، ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها عليهم، أما عدم القسمة فلما بينا. وأما الحبس فلدفع شرهم بكسر شوكتهم، ولهذا يحبسها عنهم: وإن كان لا يحتاج إليها إلا أنه يبيع الكراع؛ لأن حبس الثمن أنظر وأيسر. وأما الرد بعد التوبة فلاندفاع الضرورة ولا استغنام فيها.
قال: و ما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانيا. لأن ولاية الأخذ له
ــ
[البناية]
﵁ قسم السلاح فيما بين أصحابه بالبصرة) ش: وروى ابن أبي شيبة في مصنفه، حدثنا وكيع عن مطرف عن مسند عن ابن الحنفية أن علياً قسم يوم الجمل في العسكر ما أجافوا عليه من كراع وسلاح م: (وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك) ش: يعني كانت قسمته قسمة انتفاع لدفع الحاجة، لا قسمة تمليك، ولهذا لما وضعت الحرب أوزارها ردها إليهم.
م: (ولأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى، والمعنى فيه) ش: أي المعنى المبيح في استعمال أسلحة أهل البغي وكراعهم م: (إلحاق الضرر الأدنى) ش: وهو ضرر صاحب السلاح وصاحب الكراع م: (لدفع الضرر الأعلى) ش: وهو الضرر العام الواقع على عامة المسلمين، فيحتمل الأدنى لدفع الأعلى م: (ويحبس الإمام أموالهم ولا يردها عليهم ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها عليهم، أما عدم القسمة فلما بينا) ش: إشارة إلى قول علي ﵁ ولا يؤخذ مال.
قال الأكمل: قلت: ليس بذلك، بل إشارة إلى قوله: لأنه مال مسلم فلا يجوز الانتفاع به م: (وأما الحبس فلدفع شرهم بكسر شوكتهم) ش: كي لا يستعينوا بها علينا م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كسر شوكتهم م: (يحبسها عنهم، وإن كان لا يحتاج إليها إلا أنه) ش: أي أن الإمام م: (يبيع الكراع؛ لأن حبس الثمن أنظر) ش: للمالك م: (وأيسر) ش: للحافظ؛ لأن إبقاءه يحتاج إلى النفقة والخدمة.
م: (وأما الرد بعد التوبة فلاندفاع الضرورة ولا استغنام فيها) ش: يعني أموال أهل البغي لا يبيعها لعصمتها، فلا يقسم لأجل هذا بين أهل العدل، لكنها تجر ضرورة دفع الشر، فإذا اندفعت الضرورة بتوبتهم ردت إليهم.
[ما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر]
م: (قال: وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانياً) ش: وبه قال الشافعي وأحمد وابن الماجشون المالكي وابن القاسم لا يعتبر ذلك. وعلى من أخذ منه الزكاة الإعادة، وبه قال أبو عبيد؛ لأن الأخذ ممن لا ولاية له م: (لأن ولاية الأخذ له) ش: أي
стр. 3750
باعتبار الحماية ولم يحمهم، فإن كانوا صرفوه في حقه أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه. وإن لم يكونوا صرفوه في حقه فعلى أهله فيما بينهم وبين الله - تعالى - أن يعيدوا ذلك؛ لأنه لم يصل إلى مستحقه. قال العبد الضعيف: قالوا لا إعادة عليهم في الخراج؛ لأنهم مقاتلة، فكانوا مصارف، وإن كانوا أغنياء، وفي العشر إن كانوا فقراء فكذلك؛ لأنه حق الفقراء، وقد بيناه في الزكاة. وفي المستقبل يأخذه الإمام؛ لأنه يحميهم فيه لظهور ولايته.
ومن قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغي ثم ظهر عليهم فليس عليهم شيء؛ لأنه لا ولاية لإمام العدل حين القتل. فلم ينعقد موجبا كالقتل في دار الحرب. وإن غلبوا على مصر فقتل رجل من أهل المصر رجلا من أهل المصر عمدا ثم ظهر على المصر، فإنه يقتص منه. وتأويله:
ــ
[البناية]
الإمام م: (باعتبار الحماية ولم يحمهم) ش: ألا ترى إلى قول عمر ﵁ إن كنت لا تحمهم فلا تجبهم.
م: (فإن كانوا) ش: أي أهل البغي إن كانوا م: (صرفوه) ش: الذي أخذوه م: (في حقه) ش: أي في الجهة التي عينها الشارع له م: (أجزأ من أخذ منه، لوصول الحق إلى مستحقه، فإن لم يكونوا صرفوه في حقه فعلى أهله فيما بينهم وبين الله - تعالى - أن يعيدوا ذلك؛ لأنه لم يصل إلى مستحقه) ش: لأن سقوط المطالبة قضاء لا يوجب سقوطها ديانة.
م: (قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀ م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (لا إعادة عليهم في الخراج) ش: ديانة أيضاً؛ لأنهم محل الخراج م: (لأنهم مقاتلة، فكانوا مصارف، وإن كانوا أغنياء، وفي العشر إن كانوا فقراء فكذلك) ش: لا إعادة عليهم م: (لأنه) ش: أي لأن العشر م: (حق الفقراء) ش: من أهل الإسلام وهذا أوجه م: (وقد بيناه في الزكاة) ش: أي وقد بينا الحكم المذكور قبل فصل في الفضة م: (وفي المستقبل يأخذه الإمام) أي في الحول إلا فيء يأخذ الإمام العشر والخراج م: (لأنه) ش: أي لأن الإمام م: (يحميهم فيه) ش: أي في المستقبل من الزمان م: (لظهور ولايته) ش: حينئذ.
[المقتول من عسكر أهل البغي]
م: (ومن قتل رجلاً وهما) ش: أي والحال أنهما م: (من عسكر أهل البغي ثم ظهر عليهم) ش: بضم الظاء، أي غلب عليهم م: (فليس عليهم شيء) ش: أي لا يجب على القاتل دية ولا قصاص. وقالت الأئمة الثلاثة: يؤخذ بموجب الجناية، أي جناية كانت بعموم الآية والأخبار م: (لأنه لا ولاية لإمام العدل حين القتل، فلم ينعقد موجباً كالقتل في دار الحرب) ش: لعدم الولاية م: (وإن غلبوا) ش: أي البغاة م: (على مصر فقتل رجل من أهل المصر رجلاً من أهل المصر عمداً ثم ظهر على المصر) ش: أي غلب عليه بأن رفعت عنها أيدي البغاة م: (فإنه يقتص منه) ش: أي من القاتل م: (وتأويله) ش: أي تأويل قوله: يقتص منه، وإنما قال المصنف: وتأويله؛ لأن المسألة التي ذكرها من مسائل " الجامع الصغير "، ولم يذكر فيه، أي لم يجر على أهله أحكامهم، وإنما ذكر هذا فخر
стр. 3751
إذا لم يجر على أهله أحكامهم وأزعجوا قبل ذلك، وفي ذلك لا تنقطع ولاية الإمام فيجب القصاص.
وإذا قتل رجل من أهل العدل باغيا فإنه يرثه، فإن قتله الباغي وقال: قد كنت على حق، وأنا الآن على حق ورثه، وإن قال: قتلته وأنا أعلم أني على الباطل لم يرثه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ﵀ لا يرث الباغي في الوجهين، وهو قول الشافعي ﵀ وأصله أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم؛ لأنه مأمور بقتالهم دفعا لشرهم، والباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم. وقال الشافعي ﵀ في القديم: إنه يجب، وعلى هذا الخلاف إذا تاب المرتد وقد أتلف نفسا أو مالا. له أنه أتلف مالا معصوما. أو قتل نفسا معصومة فيجب الضمان اعتبارا بما قبل المنعة.
ــ
[البناية]
الإسلام البزدوي في شرحه " للجامع الصغير " ونقله المصنف منه هكذا حيث قال م: (إذا لم يجر على أهله) ش: أي أهل المصر م: (أحكامهم) ش: أي أحكام البغاة الذين غلبوا عليه.
م: (وأزعجوا قبل ذلك) ش: أي أزعج أهل البغي قبل إجراء أحكامهم على أهل المصر وأزعجوا على صيغة المجهول من أزعجه أي قلعه من مكانه م: (وفي ذلك) ش: أي وفيما لم يجر أحكامهم م: (لا تنقطع ولاية الإمام فيجب القصاص) ش: لأن استيلاءهم كان بعارض، وبقاء ولاية الإمام.
[قتل رجل من أهل العدل باغياً]
م: (وإذا قتل رجل من أهل العدل باغياً فإنه يرثه، فإن قتله الباغي) ش: أي وإن قتل الباغي رجلاً من أهل العدل م: (وقال: قد كنت على حق وأنا الآن على حق ورثه، وإن قال: قتلته وأنا أعلم أني على الباطل لم يرثه، وهذا) ش: أي المذكور من الأحكام م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: لا يرث الباغي في الوجهين) ش: أي فيما إذا قال: كنت على حق، وفيما إذا قال: كنت على باطل م: (وهو قول الشافعي ﵀) ش: أي قول أبي يوسف، وهو قول الشافعي في القديم.
م: (وأصله) ش: أي وأصل هذا الخلاف م: (أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم؛ لأنه مأمور بقتالهم دفعاً لشرهم، والباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا) ش: وبه قال أحمد م: (ويأثم) ش: لأنه قتل نفساً.
م: (وقال الشافعي ﵀ في القديم: إنه يجب) ش: الضمان. وبه قال مالك م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي المذكور م: (إذا تاب المرتد وقد أتلف نفساً) ش: أي والحال أنه قد أتلف نفساً م: (أو مالاً) ش: لا يجب الضمان عندنا، وعلى قول الشافعي في القديم يجب م: (له) ش: أي للشافعي م: (أنه أتلف مالاً معصوماً أو قتل نفساً معصومة فيجب الضمان اعتباراً بما قبل المنعة) ش:
стр. 3752
ولنا إجماع الصحابة ﵃ ورواه الزهري ﵁ ولأنه أتلف عن تأويل فاسد، والفاسد منه ملحق بالصحيح إذا ضمت إليه المنعة في حق الدفع، كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم،
ــ
[البناية]
أي قياس ما إذا تلف قبل أن يكون لهم منعة.
م: (ولنا إجماع الصحابة ﵃ ورواه الزهري ﵁) ش: أي روى محمد بن مسلم الزهري إجماع الصحابة على أنه لا يضمن الباغي إذا قتل العادل.
وقال الأترازي: ذكر أصحابنا في كتبهم لفخر الإسلام وغيره عن الزهري أنه قال: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فاتفقوا على أن كل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال استحق بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع. وما كان قائماً يرد. انتهى.
قلت: روى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر عن الزهري أن سليمان بن هشام كتب إليه يسأله عن امرأة خرجت من عند زوجها وشهدت على قومها بالشرك ولحقت بالحرورية فتزوجت، ثم إنها رجعت إلى أهلها ثانية.
قال الزهري: فكتب إليه أما بعد فإن الفتنة الأولى مارت وأصحاب رسول الله ﷺ فمن شهد بدراً كريماً فاجتمع رأيهم على أن لا يقيموا على أحد حداً في فرج استحلوه، بتأويل القرآن ولا قصاص في دم استحلوه بتأويل القرآن. ولا يرد مال استحلوه بتأويل القرآن إلا أن يوجد شيء بعينه فيرد على صاحبه، وإن رأى أن يرد على زوجها وأن يحل من افترى عليها، انتهى.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الباغي م: (أتلف عن تأويل فاسد، والفاسد منه) ش: أي من التأويل م: (ملحق بالصحيح) ش: أي بالتأويل الصحيح م: (إذا ضمت إليه المنعة في حق الدفع) ش: أي إلى التأويل يتعلق بقوله: ملحق بالصحيح، أي في دفع الضمان، بيانه أن الخوارج يستحلون دماء المسلمين بالمعصية صغيرة كانت أو كبيرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣] (الجن: الآية ٢٣) ، وتأويلهم هذا وإن كان فاسداً لكن اعتبر في دفع الضمان لما روي عن الزهري آنفاً.
وقال في " تحفة الفقهاء ": هذا إذا أتلفوا في حال المنعة، فأما إذا أتلفوا مالهم ونفوسهم قبل ظهور المنعة أو بعد الانهزام فإنهم يضمنون لأنهم من أهل دار الإسلام، ثم قال: هذا جواب الحكم، وبمعنى أن يضمن كل واحد من الفريقين للآخر ما أتلف من الأنفس والأموال؛ لكونها معصومة في هذه الحالة إلا بطريق الدفع م: (كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم) ش: يعني بعدما أسلموا.
стр. 3753
وهذا لأن الأحكام لا بد فيها من الإلزام أو الالتزام، ولا التزام لاعتقاد الإباحة عن تأويل، ولا إلزام لعدم الولاية لوجود المنعة، والولاية باقية قبل المنعة، وعند عدم التأويل ثبت الالتزام اعتقادا. بخلاف الإثم لأنه لا منعة في حق الشارع، إذا ثبت هذا فنقول قتل العادل الباغي قتل بحق فلا يمنع الإرث. ولأبي يوسف ﵀ في قتل الباغي العادل أن التأويل الفاسد إنما يعتبر في حق الدفع. والحاجة هاهنا إلى استحقاق الإرث فلا يكون التأويل معتبرا في حق الإرث. ولهما فيه أن الحاجة إلى دفع الحرمان أيضا، إذ القرابة سبب الإرث فيعتبر الفاسد فيه،
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أشار به إلى قوله: والباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم م: (لأن الأحكام) ش: أي أحكام الشرع في حق الدنيا م: (لا بد فيها من الإلزام أو الالتزام) ش: يعني الباغي م: (ولا التزام لاعتقاد الإباحة عن تأويل) ش: أي الالتزام منه لتأويله الفاسد أن يقال: العادل مباح، ويجوز إراقة دمه لأن من عصى الله صغيرة أو كبيرة فقد كفر م: (ولا إلزام لعدم الولاية) ش: أي ولا إلزام على الباغي لعدم ولاية الإمام م: (لوجود المنعة) ش: أي منعة أهل البغي الحرب، بخلاف ما قبل ظهور المنعة.
م: (والولاية) ش: جواب عن قول الثاني اعتباراً بما قبل المنعة، أي ولاية الإمام م: (باقية قبل المنعة) ش: عليهم كما كانت م: (وعند عدم التأويل ثبت الالتزام اعتقاداً) ش: أي من حيث الاعتقاد.
م: (بخلاف الإثم) ش: حيث يثبت سواء كانت لهم منعة أو لم تكن م: (لأنه لا منعة في حق الشارع) ش: ومنعتهم في حق الشارع كالمنعة فلا يكون وجود منعتهم دفعاً للإثم م: (إذا ثبت هذا) ش: أشار به إلى قوله: لأن الأحكام لا بد فيها ... إلى آخره، م: (فنقول: قتل العادل الباغي قتل بحق فلا يمنع الإرث) ش: لأن حرمان الإرث جزاء فعل محظور فلا يعطى بمباح.
م: (ولأبي يوسف ﵀ في قتل الباغي العادل: أن التأويل الفاسد إنما يعتبر في حق الدفع) ش: أي في حق دفع الضمان م: (والحاجة هاهنا إلى استحقاق الإرث فلا يكون التأويل معتبراً في حق الإرث) ش: حاصل هذا الكلام أن التأويل الفاسد يعتبر في حق دفع لا في حق استحقاق الميراث فيحرم الإرث؛ لأنه قتله بغير حق.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (فيه) ش: أي في قتل الباغي العادل م: (أن الحاجة إلى دفع الحرمان أيضاً) ش: أي في دفع الحرمان عن الإرث أيضاً يعني كما أن تأويله يعتبر في حق دفع الضمان يعتبر أيضاً في دفع الحرمان أيضاً م: (إذ القرابة) ش: أي لأن القرابة م: (سبب الإرث فيعتبر الفاسد) ش: أي التأويل الفاسد م: (فيه) ش: أي في دفع الحرمان من شرطه استثناء من قوله: يعتبر الفاسد.
стр. 3754
إلا أن من شرطه بقاؤه على ديانته، فإذ قال: كنت على الباطل لم يوجد الدافع فوجب الضمان. قال ويكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عساكرهم؛ لأنه إعانة على المعصية، وليس ببيعه بالكوفة من أهل الكوفة ومن لم يعرفه من أهل الفتنة بأس؛ لأن الغلبة في الأمصار لأهل السلاح، وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة، ألا ترى أنه يكره بيع المعازف ولا يكره بيع الخشب، وعلى هذا الخمر مع العنب.
ــ
[البناية]
م: (إلا أن من شرطه) ش: أي من شرط الإرث م: (بقاؤه) ش: أي بقاء الباغي م: (على ديانته) ش: يكون مصراً على دعواه، فإذا رجع فقد بطلت ديانته وهو معنى قوله م: (فإذا قال: كنت على الباطل لم يوجد الدافع) ش: أي الضمان م: (فوجب الضمان) ش: لعدم الدافع.
م: (قال: ويكره بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عساكرهم) ش: أي عساكر أهل الفتنة م: (لأنه إعانة على المعصية) ش: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (المائدة: الآية ٢) م: (وليس بيعه) ش: أي بيع السلاح م: (بالكوفة من أهل الكوفة ومن لم يعرفه من أهل الفتنة بأس) ش: بالرفع اسم ليس م: (لأن الغلبة في الأمصار لأهل السلاح) ش: وأهل الفتنة فيها قليل، وتقييده بالكوفة باعتبار أن البغاة خرجوا منها أولاً فالحكم في غيرها كذلك.
م: (وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة) ش: متجددة، فإنه لا بأس من أهل الفتنة.
وأوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أنه يكره بيع المعازف) ش: جمع معزف بكسر الميم وهو ضرب من الطنابير تتخذ به أهل اليمن م: (ولا يكره بيع الخشب) ش: أي الذي يتخذ منه المعزف م: (وعلى هذا) ش: أي الحكم م: (الخمر مع العنب) ش: حيث لا يجوز بيع الخمر ويجوز بيع عصير العنب.
والفرق لأبي حنيفة بين كراهية بيع السلاح من أهل الفتنة وعدم كراهة بيع العصير ممن يتخذه خمراً أن الضرر هنا يرجع إلى العامة وهناك يرجع إلى الخاصة.
فروع: يكره أن يبعث برؤوس البغاة أو الحربي إلى الأماكن إلا إذا كان في ذلك وهن لهم فلا بأس به.
قتلى أهل العدل في الحرب شهداء يفعل بهم ما يفعل بالشهداء، وقتلى أهل البغي لا يصلى عليهم سواء كانت لهم فئة أو لا، هو الصحيح، ولكن يغسلون ويكفنون. وإذا أغاروا مستدلين بنصوص غير متأولين على مدينة وقاتلوا وقتلوا الأنفس وأخذوا أموالاً أخذوا بالجميع، وكذا إذا خرج جماعة لا منعة لهم، ولا خلاف فيه لأهل العلم.
ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب وأودع أهل البغي أهل الحرب فأعانهم أهل الحرب على
стр. 3755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أهل العدل يسبون ويقتلون لأنهم نقضوا العهد.
ولو طلب أهل البغي الموادعة أجيبوا إن كان خيراً لنا، ولا يأخذ الإمام منهم شيئاً.
ولو نصب أهل البغي قاضياً للقضاء إن كان من أهل العدل يجوز بلا خلاف، وإن كان ممن لا يستحل لا يجوز عندنا ويجوز عند الشافعي وأحمد.
ولو كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل كتاباً يقبل بلا خلاف، والأولى أن لا يقبل كسراً لمواليهم. وعندنا كل متسلط إذا تم تسليطه يصير سلطاناً فيصح تقليده القضاء ويصح منه ما يصح من السلطان العادل، وبالله الرحمة، وهو ولي التوفيق.
стр. 3756
كتاب اللقيط اللقيط سمي باعتبار مآله، لما أنه يلقط، والالتقاط مندوب إليه لما فيه من إحيائه. وإن غلب على ظنه ضياعه فواجب. قال: اللقيط حر لأن الأصل في بني آدم إنما هو الحرية،
ــ
[البناية]
[كتاب اللقيط]
[حكم الإ لتقاط]
م: (كتاب اللقيط) ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام اللقيط. والمناسبة بين كتاب اللقيط وكتاب السير من حيث إن فيهما عرضة الفوات للأنفس والأموال. وقدم اللقيط على اللقطة لما أن ذكر النفس مقدم، وهو على وزن فعيل بمعنى مفعول من اللقط، وهو الرفع. معناه لغة: ما يلقط، أي ما يرفع من الأرض، وفي الشرع: اللقيط اسم المولود طرحه أهله خوفاً من العيلة أو فراراً من تهمة الزنا.
قال المصنف ﵀: م: (اللقيط سمي باعتبار مآله لما أنه يلقط) ش: أشار به إلى أنه في باب تسمية الشيء باعتبار ما يئول إليه، كما في قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» وكما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (يوسف: الآية ٣٦) م: (والالتقاط مندوب إليه) ش: أي رفع اللقيط من الأرض مستحب م: (لما فيه من إحيائه) ش: لأنه على شرف الهلاك وإحياء الحي بدفع سبب الهلاك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (المائدة: الآية ٣٢) .
ولهذا كان رفعه أفضل من تركه لما في تركه من ترك الرحمة على الصغار، قال ﷺ : «من لم يرحم صغيرنا....» الحديث، وفي رفعه إظهار الشفقة على الصغار، وهو أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله، والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، كذا في " المبسوط ".
م: (وإن غلب على ظنه ضياعه) ش: أي على ظن الشخص ضياع اللقيط بتركه م: (فواجب) ش: أي التقاطه حينئذ واجب.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: رفعه فرض كفاية إلا إذا خاف هلاكه، فحينئذ فرض عين؛ لإجماع الأمة، كمن رأى أعمى يقع في البئر يفرض عليه حفظه عن الوقوع، وتمسكوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية (المائدة: الآية: ٢) .
م: (قال: اللقيط حر) ش: أي في جميع أحكامه حتى يحد قاذفه، ولا يحد قاذف أمه، ذكره في شرح الطحاوي، ولا خلاف أنه حر إلا ما روي عن النخعي شاذاً أنه قال: إن رفعه حبسه فهو حر.
وإن أراد أن يسترقه فهو له، وهذا مخالف لإجماع العلماء، م: (لأن الأصل في بني آدم إنما هو الحرية) ش: إذ الإنسان أولاد آدم وحواء - صلوات الله عليهما وسلامه - وكانا حرين، ولأن
стр. 3757
وكذا الدار دار الأحرار، ولأن الحكم للغالب، ونفقته في بيت المال هو المروي عن عمر وعلي ﵄، ولأنه مسلم عاجز عن التكسب، ولا مال له ولا قرابة فأشبه المقعد
ــ
[البناية]
الرق بعارض الكفر، والأصل عدم العارض.
م: (وكذا الدار دار الأحرار) ش: أي الدار دار الإسلام، فيمن كان فيها يكون حراً باعتبار الظاهر م: (ولأن الحكم للغالب) ش: أي لأن الغالب فيمن سكن دار الإسلام الأحرار والعبرة للغالب م: (ونفقته في بيت المال) ش: أي إذا لم يكن معه مال م: (هو المروي عن عمر وعلي ﵄) ش: أما الرواية عن عمر ﵁ فأخرجها مالك في " الموطأ " في كتاب الأقضية عن ابن شهاب الزهري عن سنين أبو جميلة - رجل من بني سليم - أنه وجد منبوذاً في زمن عمر ﵁ قال: فجئت إلى عمر وقال: ما حملك على حمل هذه التسمية؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها.
فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، قال: كذلك، قال: نعم، فقال عمر ﵁: اذهب به فهو حر وعلينا نفقته.
ورواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا مالك عن ابن شهاب حدثني أبو جميلة أنه وجد منبوذاً على عهد عمر بن الخطاب فأتاه به فاتهمه عمر، فأثني عليه خيراً، فقال عمر: هو حر وولاؤه لك، ونفقته من بيت المال.
ورواه الطبراني في " معجمه " من طريق عبد الرزاق، ورواه الطبراني في كتاب " العلل " وزاد فيه زيادة حسنته، وهي أبو جميلة أدرك النبي ﷺ وحج حجة الوداع.
قلت: اسمه سنين بضم السين المهملة وفتح النون وسكون الياء قبل آخر الحروف، وفي آخره نون، وكنيته أبو جميلة بفتح الجيم. وقال: ولولا أدرك النبي ﷺ وقال: إنه شهد معه حنيناً، وحدث عن أبي بكر ﵁، وروى عنه ابن شهاب يعني محمد بن مسلم الزهري.
وأما الرواية عن علي بن أبي طالب ﵁ فأخرجها عبد الرزاق، حدثنا سفيان الثوري عن الزهري عن ثابت عن ذهب بن أوس عن تميم أنه وجد لقيطاً فأتي به إلى علي ﵁ فألحقه بأمه انتهى. وذكره الكاكي فقال: عن علي أنه قال: نفقته في بيت المال، وولاؤه للمسلمين.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن اللقيط م: (مسلم عاجز عن التكسب، ولا مال له ولا قرابة فأشبه المقعد
стр. 3758
الذي لا مال له ولا قرابة. ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان، ولهذا كانت جنايته فيه،
والملتقط متبرع في الإنفاق عليه لعدم الولاية إلا أن يأمره القاضي به ليكون دينا عليه لعموم الولاية. قال: فإن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه؛ لأنه ثبت حق الحفظ له ولسبق يده عليه فإن ادعى مدع أنه ابنه فالقول قوله، معناه إذا لم يدع الملتقط نسبه،
ــ
[البناية]
الذي لا مال له ولا قرابة) ش:، والجامع بينهما الإسلام، والعجز عن الاكتساب وعدم المال وعدم من يجب عليه نفقته م: (ولأن ميراثه) ش: أي ميراث اللقيط م: (لبيت المال) ش: لعدم وارثه م: (والخراج بالضمان) ش: الخراج ما يخرج من غلة الأرض أو الغلام، يقال: خراج غلامه إذا اتفقا على ضريبة يؤديها إليه في وقت معلوم، ومعنى الخراج بالضمان أي الغلة سبب إن ضمنته لعين أن ميراث اللقيط لما كان لبيت المال كان مؤنة نفقته في بيت المال؛ لأن الغرم بإزاء الغنم.
وقال الأكمل: قوله: الخراج بالضمان أي له غنيمته وعليه غرمه، أي على العبد المعيب للمشتري قبل ولائه قبل الرد في ضمانه م: (ولهذا كانت جنايته فيه) ش: أي ولأجل كون الخراج بالضمان، وكانت جناية اللقيط في بيت المال.
[الإنفاق علي اللقيط]
م: (والملتقط متبرع في الإنفاق عليه) ش: أي على اللقيط م: (لعدم الولاية) ش: أي لعدم ولايته في تقصير حقه فيكون متبرعاً م: (إلا أن يأمره القاضي به) ش: أي بالإنفاق عليه م: (ليكون) ش: ما أنفقه عليه م: (ديناً عليه لعموم الولاية) ش: أي ولاية القاضي، وإن أمره القاضي بذلك مطلقاً، ولم يقل على أن يكون ديناً عليه. ذكر في " مختصر العصام " أنه يكون ديناً عليه، ويرجع عليه إذا كبر، ذكر في " الكافي " أنه لا يكون ديناً عليه، ولا يرجع عليه. وهذا أصح لأن الأمر المطلق محتمل قد يكون للحث في إتمام ما شرع فيه من التبرع.
وقد يكون للرجوع، وإنما يزول هذا الاحتمال إذا شرط أن يكون ديناً عليه، وإن كان مع اللقيط مال أو دابة لم ينفق عليه من ماله بأمر القاضي؛ لأن اللقيط حر، وما في يده فهو له لظاهر ما ذكره في فتاوي الولوالجي.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه لأنه ثبت حق الحفظ له ولسبق يده عليه) ش: أي على اللقيط، فكان أولى به كما في سائر المباحات م: (فإن ادعى مدع أنه ابنه، فالقول قوله) ش: هذا لفظ القدوري.
وقال المصنف: م: (معناه) ش: أي معنى كلام القدوري م: (إذا لم يدع الملتقط نسبه) ش: أي نسب اللقيط. أما إذا ادعى الملتقط نسبه فهو أولى لأنهما استويا في الدعوى، ولأحدهما يد وصاحب اليد أولى.
وكذا إذا كان الملتقط ذمياً فهو أولى من المسلم الخارج حتى إذا كان في يد ذمي يدعي أنه ابنه،
стр. 3759
وهذا استحسان، والقياس أن لا يقبل قوله؛ لأنه يتضمن إبطال حق الملتقط. وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه، ثم قيل يصح في حقه دون إبطال يد الملتقط، وقيل يبتنى عليه بطلان يده. ولو ادعاه الملتقط قيل يصح قياسا واستحسانا والأصح أنه على القياس والاستحسان،
ــ
[البناية]
وأقام أحد من المسلمين أنه ابنه فهو للذمي بحكم يده.
وأما لو كان مدعيا اللقيط خارجين أحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقاما بينة من المسلمين يقضى للمسلم، فالحاصل أن الترجيح في باب النسب أو على الأمر باليد كذا في " الذخيرة " و " الإيضاح ".
وقال الشافعي وأحمد: الترجيح بقول القافة م: (وهذا استحسان) ش: أي هذا الذي ذكره القدوري استحسان م: (والقياس أن لا يقبل قوله؛ لأنه يتضمن إبطال حق الملتقط) ش: من حق اللقيط وما لعامة المسلمين من الولاء، فلا يقبل من غير بينته م: (وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه) ش: من حيث وجوب المنفعة والحضانة فقبل قوله م: (لأنه) ش: أي لأن اللقيط م: (يتشرف بالنسب ويعير بعدمه) ش: أي بعدم النسب.
م: (ثم قيل: يصح في حقه) ش: هذه إشارة، إلى خلاف المشايخ في ادعاء الخارج أن اللقيط ابنه، فقال بعضهم: يصح ادعاؤه في حق النسب يعني في حق ثبوته في إبطال يد الملتقط، وهذا معنى قوله م: (دون إبطال يد الملتقط) ش: وقال بعضهم: يقبل قوله فيهما جميعاً.
وهو معنى قوله م: (وقيل: يبتنى عليه) ش: أي على ثبوت النسب م: (بطلان يده) ش: أي يد الملتقط؛ لأن الأب أحق بالولد من الأجنبي، ويجوز أن يثبت الشيء ضمناً وإن لم يثبت قصداً، كما يثبت الإرث بشهادة القابلة على الولادة حكماً.
م: (ولو ادعاه الملتقط) ش: أي ولو ادعى نسب الملتقط وهو الذي التقطه، وهذا ذكره المصنف تفريعاً لمسألة القدوري م: (قيل: يصح) ش: أي ادعاؤه م: (قياساً واستحساناً) ش: يعني من حيث القياس ومن حيث الاستحسان؛ لأنه لم تبطل دعواه حق أحد، ولا منازع له في ذلك. م: (والأصح أنه على القياس والاستحسان) ش: أي على اختلاف حكم القياس مع حكم الاستحسان، يعني في القياس لا يصح، وفي الاستحسان يصح كما في دعوى غير الملتقط. ولهذا لم يذكرهما الكرخي.
وإنما ذكرهما الطحاوي فقال: القياس أن لا تصح دعواه إلا ببينته، وفي الاستحسان تصح بغير بينته.
ثم اعلم أن وجه القياس هنا غير وجه القياس في دعوى الأجنبيين، بيانه أن دعوى الأجنبيين
стр. 3760
وقد عرف في الأصل وإن ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة في جسده فهو أولى به؛ لأن الظاهر شاهد له. لموافقة العلامة كلامه وإن لم يصف أحدهما علامة فهو ابنهما لاستوائهما في السبب،
ــ
[البناية]
إنما لا تصح قياساً للزوم بطلان حق الملتقط، ودعوى الملتقط إنما لا تصح قياساً لتناقض كلامه؛ لأنه لما زعم أنه لقيط كان نافياً نسبه لأن ابنه لا يكون لقيطاً في يده، ثم إنه لما ادعى أنه ابنه كان مناقضاً لا محالة، وجه الاستحسان ظاهر وهو أن فيه بقاء الصبي من حيث وجوب النفقة والحضانة وثبوت النسب ويحصل له أسرى بذلك وفاء.
قيل: من التناقض في وجه القياس ليس بمعتبر لاشتباه الحال، فربما يكون الصبي منبوذاً بقبض الحوارث، فيظن الملتقط أنه لقيط، ثم تبين أنه ولده فلا تناقض إذاً، ولئن سلمنا التناقض ظاهراً فالتناقض لا يمنع ثبوت النسب كالملاعن إذا كسب نفسه.
م: (وقد عرف في الأصل) ش: أي قد عرف حكم هذا في " المبسوط "، وهو ما ذكرناه م: (وإن ادعاه اثنان) ش: أى وإن ادعى اللقيط شخصان من خارج م: (ووصف أحدهما علامة في جسده) ش: أي في جسد اللقيط، مثل ثيابه أو سلعته أو أثر لذلك ونحو ذلك م: (فهو أولى به) ش: أي الذي وصف علامة أولى باللقيط م: (لأن الظاهر شاهد له، لموافقة العلامة كلامه) ش: فيجب على اللقيط دفعه إليه.
وقال الشافعي وأحمد وأبو الليث وأبو ثور والأوزاعي: يعتبر قول القافة، وإذا اشتبه على القافة أقرع، وكذا إذا تعارضت بينتاهما لحديث المدلجي. وقال مالك: لا يثبت النسب ببينة، أو يكون لدعوى أحدكم بل عرف أنه لا يعيش له الولد فزعم أنه رماه؛ لأنه سمع إذا طرح نفس عاش، ونحو ذلك مما يدل على صدقه، وقال أشهب: يلحق بمجرد الدعوى إذا ادعاه ملتقطه أو غيره، إلا إن بان كذبه كذا في جواهر المالكية.
م: (وإن لم يصف أحدهما علامة فهو ابنهما لاستوائهما في السب) ش: وهو الدعوة لأنها سبب الاستحقاق في حق اللقيط، وقد مر خلاف الشافعي وأحمد في اعتبارهما قول القافة.
وإن كان المدعي أكثر من اثنين.
روي عن أبي حنيفة أنه جزاء إلى خمسة، ولا يلحق بأكثر من اثنين عند أبي يوسف، وبه قال أحمد في رواية، وقال محمد: يلحق بأكثر من ثلاثة، وبه قال أحمد في رواية. في " الإيضاح ": ولو وافق بعض القافة وخالف البعض سقط الترجيح.
وفي " الذخيرة ": وهذا بخلاف في اللقطة لو تنازعا فيها ووصف أحدهما ووافق من حيث لا يرجح صاحب الوصف، بل إذا انفرد الواصف بحل الملتقط دفعها عليه، ولا يجب وهنا يلزمه
стр. 3761
ولو سبقت دعوى أحدهما فهو ابنه؛ لأنه ثبت حقه في زمان لا منازع له فيه، إلا إذا أقام الآخر البينة؛ لأن البينة أقوى.
وإذا وجد في مصر من أمصار المسلمين، أو في قرية من قراهم فادعى ذمي أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلما، وهذا استحسان؛ لأن دعواه تتضمن النسب، وهو نافع للصغير، وإبطال الإسلام الثابت بالدار وهو يضره
ــ
[البناية]
دفعه، والفرق أن في فصل اللقيط، ألا ترى أنه لو انفرد بدعوى اللقيط قضي له به كما لو أقام البينة فمعتبر الوصف لترجح سبب الاستحقاق.
وأما في اللقيط فالدعوى ليست بسبب الاستحقاق حتى يترجح بالوصف، فلو اعتبر الوصف اعتبر أصل الاستحقاق، والوصف لا يصلح سبباً له فافترقا.
م: (ولو سبقت دعوى أحدهما فهو ابنه؛ لأنه ثبت حقه في زمان لا منازع له فيه إلا إذا أقام الآخر البينة؛ لأن البينة أقوى) ش: لتأكد دعواه بها، وفي " الشامل " ادعته امرأة أنه ابنها لم يقبل إلا ببينة لأن في دعوى المرأة حمل النسب على الزوج، وإذا ادعته امرأتان وأقامتا البينة فهو ابنهما عند أبي حنيفة في رواية أبي حفص.
وعندهما لا يكون ابن واحدة منهما، وهو رواية أبي سليمان عن أبي حنيفة أيضاً، وفي وجيز الشافعية، ولو ازدحم اثنان قدم من سبق فإن استويا قدم الغني على الفقير، والبلدي على القروي والقروي على البدوي، وكل ذلك ينظر للصبي، وظاهر العدالة يقدم على المستور في أحسن الوجهين، فإن تساويا من كل وجه أقرع بينهما، وسلم إلى من خرجت قرعته.
[الرجل يلتقط اللقيط فيدعيه النصراني]
م: (وإذا وجد) ش: أي اللقيط م: (في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم فادعى ذمي أنه ابنه ثبت نسبه منه وكان مسلماً) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره.
وقال المصنف: م: (وهذا استحسان) ش: والقياس أنه لا يثبت نسبه من الذمي؛ لأن المنبوذ في دار الإسلام محكوم عليه بإسلامه، بدليل الصلاة عليه إذا مات ودفنه في مقابر المسلمين، وإذا ثبت إسلامه بحكم دار الإسلام لا يصدق ذمي على دعواه؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، وأشار إلى وجه الاستحسان بقوله م: (لأن دعواه تتضمن النسب وهو نافع للصغير) ش: من حيث وجوب النفقة والحضانة. م: (وإبطال الإسلام) ش: أي يتضمن دعواه أيضاً إبطال الإسلام م: (الثابت بالدار) ش: أي بدار الإسلام م: (وهو يضره) ش: أي وإبطال الإسلام يضر اللقيط. ولا يمنع أن يكون الذمي ولد مسلم، ولهذا يكون ولده مسلماً إذا أسلمت أمه، وقال الكرخي في " مختصره "، وقال ابن سماعة عن محمد في " النوادر " في الرجل يلتقط اللقيط فيدعيه النصراني، قال: فهو ابنه وهو مسلم، وإن كان عليه رأي الإسلام فإني أجعله مسلماً وأثبت نسبته من
стр. 3762
فصحت دعوته فيما ينفعه دون ما يضره، وإن وجد في قرية من قرى أهل الذمة، أو في بيعة أو كنيسة كان ذميا، وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة. وإن كان الواجد مسلما في هذا المكان أو ذميا في مكان المسلمين اختلفت الرواية فيه. ففي رواية كتاب اللقيط اعتبر المكان لسبقه، وفي كتاب الدعوى في بعض النسخ اعتبر الواجد، وهو رواية ابن سماعة عن محمد ﵀ لقوة اليد، ألا ترى أن تبعية الأبوين فوق تبعية الدار حتى إذا سبي مع الصغير أحدهما يعتبر كافرا، وفي بعض نسخه اعتبر الإسلام نظرا للصغير.
ــ
[البناية]
النصراني؛ لأن ذلك لا يضره، وينفق عليه، قال: وإن كان عليه زي الشرك فهو ابنه وهو نصراني على دينه، وذلك أن يكون في رقبته صليب وعليه قميص ديباج ووسط رأسه مجزوز إلى هنا لفظه.
م: (فصحت دعوته) ش: إلى دعوة الذمي م: (فيما ينفعه) ش: أي في الشيء الذي ينفع اللقيط وهو الإسلام م: (دون ما يضره) ش: وهو إبطال الإسلام م: (وإن وجد) ش: أي اللقيط م: (في قرية من قرى أهل الذمة، أو في بيعة) ش: أي وجد في بيعة اليهود م: (أو كنيسة) ش: أي أو وجد في كنيسة النصارى م: (كان) ش: أي الملتقط م: (ذمياً) ش: لأنه لما وجد في مواضع مختصة بهم كان ظاهراً من حاله أنه منهم م: (وهذا جواب فيما إذا كان الواجد ذمياً رواية واحدة) ش: من غير خلاف فيها. م: (وإن كان الواجد مسلماً) ش: في حيز الجواز أن يكون لغيرهم ولهذا يحكم منبوذ وجد في دار الحرب لدلالة الظاهر، وإن جاز أن يكون ولد مسلم تاجر أو أسير وهو الجواب أي الجواب الذي ذكر القدوري.
وهو قوله كان ذمياً؛ لأن لفظه في مختصره م: (في هذا المكان) ش: يعني في البيعة والكنيسة م: (أو ذمياً) ش: الواجد ذمياً م: (في مكان المسلمين اختلفت الرواية فيه) ش: أي في هذا الفصل م: (ففي رواية كتاب اللقيط) ش: يعني ففي رواية كتاب اللقيط من " المبسوط " م: (اعتبر المكان لسبقه) ش: أي لسبق المكان على يد الواجد، والسبق من أسباب الترجيح م: (وفي كتاب الدعوى) ش: من " المبسوط " م: (في بعض النسخ) ش: ويروى في بعض نسخه أي في بعض نسخ الدعوى من " المبسوط " م: (اعتبر الواجد وهو رواية ابن سماعة عن محمد ﵀ لقوة اليد) ش: لأنه كالمباحات التي تستحق سبق اليد، فكان اعتبار الواجد أولى.
ثم أوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أن تبعية الأبوين فوق تبعية الدار حتى إذا سبي مع الصغير أحدهما) ش: أي أحد الأبوين م: (يعتبر كافراً) ش: لا مسلماً م: (وفي بعض نسخه) ش: أي في بعض نسخ الدعوى من " المبسوط م: (اعتبر الإسلام نظراً للصغير) ش: لأنه ينفعه، والكفر يضره، وقال الشافعي إن كان يوجد في بلد المسلمين وفيه مسلمون أو في بلد كان لهم أخذ الكفار
стр. 3763
ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه لأنه حر ظاهرا إلا أن يقيم البينة أنه عبده، فإن ادعى عبد أنه ابنه ثبت نسبه منه؛ لأنه ينفعه. وكان حرا لأن المملوك قد تلد له الحرة فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك. والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو الأنظر في حقه
ــ
[البناية]
فهو مسلم، وإن وجد في بلد فتحه المسلمون، ولا مسلم فيه أو في بلد الكفار ولا مسلم فيه فهو كافر. وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون فهو مسلم، وقيل هو كافر، وبه قال أحمد ومالك اعتبر المكان، وأشهب اعتبر الواجد في مكان أهل الكفر ترجيحاً للإسلام م: (ومن ادعى أن اللقيط عبده لم يقبل منه) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره. وقال الكاكي: يجب أن يقيد هذا بقيدين أي ادعى الحر المسلم، وقيد المسلم؛ لأنه إذا كان المدعي ذمياً ففي قبول نسبه تفصيل إن شهد مسلمان تقبل، ويجعل اللقيط حراً مسلماً، وإن شهد كافران لا يقبل، وقبل الجزية لأن المدعي إذا كان عبداً وأضاف ولادته إلى امرأته الأمة فإن فيه خلافاً بين أبي يوسف ومحمد، فذكر في " الذخيرة " أن الولد حر عند محمد، وعبد عند أبي يوسف.
م: (لأنه حر ظاهراً) ش: لأن الأصل في بني آدم الحرية؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم وحواء صلوات الله عليهما وسلامه، وهما كانا مسلمين حرين فكان أولادهما أحراراً تبعاً لهما، والرق بعارض الكفر، فكأن الحرية هي الظاهر والحكم بالظاهر إلى أن يثبت خلافه بالبينة وهو معنى قوله م: (إلا أن يقيم البينة) ش: أي المدعي الذي ادعى اليتيم م: (أنه عبده) ش: فحينئذ يكون عبده، فإن قيل: البينة لا تقوم إلا على خصم منكر، ولا خصم هنا، أجيب: بأن الملتقط خصم لأنه أحق بحقه، ولا تزول يده إلا بالبينة م: (فإن ادعى عبد أنه ابنه ثبت نسبه منه) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره.
وقال المصنف: م: (لأنه ينفعه) ش: أي لأن النسب ينفعه لأنه تيسر فيه م: (وكان حراً) ش: من تتمة كلام القدوري قال المصنف: م: (لأن المملوك قد تلد له الحرة فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك) ش: حاصل الكلام أن المملوك قد تلد له الحرة، فلا يكون عبداً وقد تلد له الأمة فيكون عبدا، والظاهر في بني آدم الحرية، فلا يبطل بالشك م: (والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد) ش: الحر مرفوع على أنه مبتدأ وقوله: أولى خبره.
وقوله: في دعوته مصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: اللقيط بالنصب مفعول قوله من العبد أي من دعوى العبد م: (والمسلم أولى من الذمي) ش: أي ودعوى المسلم أولى من دعوى الذمي إذا ادعى كل واحد منهما أن اللقيط ابنه م: (ترجيحاً) ش: أي لأجل الترجيح م: (لما هو الأنظر في حقه) ش: أي في حق اللقيط، إنما ذكر المصنف هذا تفريعا لما قاله القدوري، ثم كون المسلم أولى من الذمي مما إذا ادعيا وهما خارجان، أما إذا كان أحدهما ذا اليد كان هو أولى.
стр. 3764
وإن وجد مع اللقيط مال مشدود عليه فهو له اعتبارا للظاهر، وكذا إذا كان مشدودا على دابة وهو عليها لما ذكرنا، ثم يصرفه الواجد إليه بأمر القاضي؛ لأنه مال ضائع، وللقاضي ولاية صرف مثله إليه، وقيل يصرفه بغير أمر القاضي، لأن اللقيط ظاهر وله ولاية الإنفاق، وشراء ما لا بد منه كالطعام والكسوة لأنه من الإنفاق له، ولا يجوز تزويج الملتقط، لانعدام سبب الولاية من القرابة والملك والسلطنة. ولا تصرفه في مال الملتقط اعتبارا بالأم وهذا لأن ولاية التصرف لتثمير المال، وذلك إنما يتحقق بالرأي الكامل والشفقة الوافرة والموجودة في كل واحد منهما أحدهما.
ــ
[البناية]
[وجد مع اللقيط مال مشدود عليه]
م: (وإن وجد مع اللقيط مال مشدود عليه فهو له اعتبارا للظاهر) ش: أي لظاهر يده لكونه من أهل الملك لكونه حرا، فيكون ما في يده له م: (وكذا) ش: أي وكذا يكون اللقيط م: (إذا كان) ش: أي المال م: (مشدودا على دابة وهو عليها) ش: أي اللقيط على الدابة م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله اعتبارا للظاهر م: (ثم يصرفه الواجد إليه) ش: الملتقط، ينفق عليه من ذلك المال.
م: (بأمر القاضي) ش: لعموم ولاية القاضي، لأنه نصب قاضيا لأمور المسلمين، هو ظاهر الرواية م: (لأنه مال ضائع) ش: أي لأن المال الذي وجد مع هذا اللقيط مال ضائع م: (وللقاضي ولاية صرف مثله إليه) ش: أي مثل مال الضائع إلى اللقيط، وكذا لغيره بأمره، وبه قال الشافعي.
وقال ولو أنفقت بغير أمر القاضي ضمنه، وإن لم يكن بحاكم وأنفق بدون الإشهاد ضمن أيضا، وإن أنفق بالإشهاد ففيه قولان، قال في " الشامل " وهو مصدق في نفقة مثله.
م: (وقيل يصرفه) ش: أي يصرف الملتقط إلى اللقيط م: (بغير أمر القاضي، لأن) ش: أي لأن المال م: (اللقيط ظاهر) ش: أي بحسب الظاهر م: (وله) ش: أي ولملتقطه م: (ولاية الإنفاق وشراء ما لا بد منه) ش: عطف على قوله ولاية الإنفاق، أي وله شراء ما لا يستغي عنه م: (كالطعام والكسوة، لأنه من الإنفاق له) ش: أي لأن شراء ما لا بد منه من الإنفاق عليه. وبه قال أحمد م: (ولا يجوز تزويج الملتقط) ش: أي تزويجه اللقيط م: (لانعدام سبب الولاية) ش: للملتقط م: (من القرابة والملك والسلطنة) ش: ولم يوجد واحد منهما، فلا يثبت الولاية لعدم سببها م: (ولا تصرفه) ش: أي تصرف الملتقط م: (في مال الملتقط اعتبارا بالأم) ش: أي قياسا على عدم جواز تصرفها في مال ابنها.
م: (وهذا) ش: أي عدم جواز تصرف الملتقط في مال اللقيط م: (لأن ولاية التصرف لتثمير المال) ش: أي يكره بالفائدة والربح م: (وذلك) ش: أي تثمير المال م: (إنما يتحقق بالرأي الكامل والشفقة الوافرة والموجودة في كل واحد منهما) ش: أي من الأم والملتقط م: (أحدهما) ش: أي من
стр. 3765
قال: ويجوز أن يقبض له الهبة؛ لأنه نفع محض، ولهذا يملكه الصغير بنفسه إذا كان عاقلا وتملكه الأم ووصيها. قال: ويسلمه في صناعة؛ لأنه من باب تثقيفه وحفظ حاله. قال: ويؤاجره، قال العبد الضعيف: وهذا رواية القدوري في مختصره، وفي " الجامع الصغير ": لا يجوز أن يؤاجره، ذكره في الكراهية وهو الأصح، وجه الأول: أنه يرجع إلى تثقيفه، ووجه الثاني: أنه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العم.
ــ
[البناية]
الرأي الكامل والشفقة الوارفة، وفي الأم الشفقة الوافرة دون الرأي الكامل.
وفي الملتقط على العكس فلم يكن لهما ولاية التصرف في المال لعدم المقصود، وهما بخلاف الأب فإن له شفقة وافرة ورأياً كاملاً، فكان له التصرف في النفس والمال جميعاً.
م: (قال: ويجوز أن يقبض له الهبة) ش: أي يجوز للملتقط أن يقبض اللقيطة الهبة م: (لأنه) ش: أي ولأن قبض الهبة له م: (نفع محض) ش: لا شك فيه بلا خلاف م: (ولهذا) ش: أي ولكون الهبة نفعاً محضاً م: (يملكه الصغير بنفسه) ش: أي يملك قبض الهبة بيده م: (إذا كان عاقلا) ش: فلا يفعل ذلك ويميزه م: (وتملكه الأم) ش: أي تملك قبض الهبة لابنها م: (ووصيها) ش: أي ويملك أيضاً وصي الأم؛ لأنه نفع محض للصغير.
م: (قال: ويسلمه) ش: أي يسلم الملتقط اللقيط م: (في صناعة لأنه من باب تثقيفه) ش: التثقيف تقويم المعوج بالثقاف، وهو ما يسوي به الرماح ويستعار للتأديب والتهذيب م: (وحفظ حاله) ش: من الاشتغال باللعب وتعلم الفساد.
م: (قال: ويؤاجره) ش: أي يؤاجر الملتقط اللقيط؛ لأن فيه نفعاً له، ولفظ يؤاجره ليس على قانون اللغة، وإنما هو اصطلاح الفقهاء.
م: (قال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀ م: (وهذا رواية القدوري في مختصره) ش: يعني جواز إجارة الملتقط اللقيط على رواية القدوري في مختصره.
م: (وفي " الجامع الصغير ": لا يجوز أن يؤاجره ذكره في الكراهية) ش: ذكره محمد في باب الكراهية م: (وهو الأصح) ش: أن المذكور في " الجامع الصغير " هو الأصح مما ذكره القدوري.
م: (وجه الأول) ش: أراد به رواية القدوري م: (أنه يرجع إلى تثقيفه) ش: وقد مر معناه آنفاً م: (ووجه الثاني) ش: أراد به رواية الجامع الصغير م: (أنه) ش: أي أن الملتقط م: (لا يملك إتلاف منافعه) ش: أي منافع اللقيط بالاستخدام.
م: (فأشبه العم) ش: أي فأشبه الملتقط العم، أي كما لا يجوز لعم إتلاف منافع الصغير
стр. 3766
بخلاف الأم؛ لأنها تملكه على ما نذكره في الكراهية، إن شاء الله تعالى.
ــ
[البناية]
فكذلك لا يجوز للملتقط م: (بخلاف الأم لأنها تملكه) ش: يعني الأم تملك إتلاف منافع الصغير بالاستخدام بلا عوض.
فلأن يملكه بالإجارة بعوض أولى م: (على ما نذكره في الكراهية إن شاء الله تعالى) ش: أي في آخر كتاب الكراهية في مسائل متفرقة.
стр. 3767
كتاب اللقطة قال: اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها؛ لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعا،
ــ
[البناية]
[كتاب اللقطة]
[تعريف اللقطة]
م: (كتاب اللقطة) ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام اللقطة، اللقطة واللقيط متقاربان لفظاً ومعنى، وخص اللقيط بابن آدم واللقطة لغيره للتمييز بينهما، وقدم الأول لشرف بني آدم، وقيل: خص لفظ اللقطة بالمال؛ لأن الفعلة بضم الفاء وفتح العين نعت للمبالغة في الفاعلية، كالضحكة واللعنة.
واللقيط فعيل بمعنى المفعول، فاللقيط الدال على الفاعلية أولى بالمال، [....] على الإسناد الخبري كناية كحلوب وركوب كأنها تحلب نفسها وتركب عليه نفسها على وجه المبالغة لزيادة رغبة من رآها في الحلب والركوب.
أما الطفل المفقود لا يميل كل من رآه لرفعه لزيادة ضرر حاضر، فإن أمه نبذته قصد ضرر خاص، بخلاف اللقطة، فإن فيها نفعاً حاضراً، وفي " المغرب " اللقطة الشيء تجده ملقى فتأخذه، وقيل: عين المال الضائع عن صاحبه يلتقطه غيره، وعن الخليل اللقطة بفتح القاف للملتقط؛ لأن ما جاء على فعلة فهو اسم للفاعل، وسكون القاف المال الملتقط مثل الضحكة للذي يضحك منه، وعن الأصمعي وابن الأعرابي، والفراء بفتح القاف اسم للحال أيضاً م: (قال اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره، وشرط الإشهاد كما ترى بلا ذكر خلاف، حتى إذا ملك عنده وقد ترك الإشهاد يضمن.
وقال الطحاوي في " مختصره ": إن أبا حنيفة كان يقول: إن كان أشهد على ذلك فلا ضمان عليه فيها، وإن لم يشهد على ذلك كان عليه ضمانها، وقال أبو يوسف: للضمان عليه فيها أشهد على أنه أخذها ليعرف بها، وإن لم يشهد بعد أن يحلف بالله ما أخذها إلا ليعرف بها، ثم قال الطحاوي: وبه يأخذ، ولم يذكر الطحاوي قول محمد، وذكر " المتوسطة " و " المختلف " و " الحصة " و " فتاوى الولوالجي ".
وخلاصة الفتاوى قول محمد مع أبي حنيفة، وذكر في " التحفة " و " شرح الأقطع " قول محمد مع أبي يوسف ثم علل المصنف ما ذكره القدوري بقوله م: (لأن الأخذ) ش: أي أخذ اللقطة م: (على هذا الوجه) ش: أي على وجه الإشهاد عند الأخذ م: (مأذون فيه شرعاً) ش: لأجل الحفظ على صاحبها، وإذن الشارع ليس أقل من إذن المالك، فإذا أذن المالك فلا ضمان، فكذا
стр. 3768
بل هو الأفضل عند عامة العلماء. وهو الواجب إذا خاف الضياع
ــ
[البناية]
إذا أذن الشارع، ألا ترى أن الوديعة لا يجب فيها الضمان لوجود الإذن فكذا هذا، فإن قلت من أين يوجد إذن الشارع فيه.
قلت: من قوله ﷺ : «من أصاب لقطة فليشهد ذا عدل» . رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن عياض بن حمار عنه ﵇، فإنه يدل على أن له أن يأخذها بالإشهاد م: (بل هو الأفضل) ش: أي بل أخذ اللقطة أفضل قال في " الشامل ": أخذ اللقطة مندوب إليه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] (المائدة: الآية ٢) .
وفي " المبسوط " اختلف في رفعها فالمتقشفة يقولون: لا يحل رفعها؛ لأنه أخذ مال الغير بغير إذنه، وهو حرام شرعاً، وهو مخالف للحديث، وإجماع الأئمة، وقال بعض التابعين: تحل رفعها ولكن الترك أفضل، وبه قال أحمد في الأصح، وأشار المصنف إلى أن رفعها أفضل: (عند عامة العلماء) .
ش: إذا وجدها بموضعه فله رفع ذلك وهو رواية عن أحمد واختارها أبو الخطاب الحنبلي، وعن الشافعي في قول إذا لم يأمن عليها رفعها واجب.
وقال مالك: إن كان شيئاً له مال فرفعه أحب إلي؛ لأن فيه حفظ مال المسلم، فكان أولى من وضعه وفي شرح الأقطع مستحب أخذ اللقطة، ولا يجب.
وقال في " النوازل ": أبو نصر محمد بن محمد بن سلام: ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعها ورفع اللقيط أفضل من تركه.
وقال في " خلاصة الفتاوى ": إن خاف ضياعها يعرض الرفع، وإن لم يخف لا يباح رفعها، وأجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب، وقال في فتاوى الولوالجي اختلف العلماء في رفعها.
قال بعضهم: رفعها أفضل من تركها، وقال بعضهم: يحل رفعها وتركها أفضل، وقال الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية.
وقال بعض مشايخنا: هذا إذا أخذ ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضع هناك، فأما إذا ذهب عن مكانه ذلك ثم أعادها ووضعها فإنه يضمن، وقال بعضهم: إذا أخذها ثم أعادها إلى ذلك المكان فهو ضامن ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب، وهذا خلاف ظاهر الرواية.
م: (وهو الواجب) ش: أي رفعها هو الواجب م: (إذا خاف الضياع) ش: أي ضياع اللقطة م:
стр. 3769
على ما قالوا، وإذا كان كذلك لا تكون مضمونة عليه، وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حجة في حقهما، فصار كالبينة، ولو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع؛ لأنه أخذ مال غيره بغير إذنه وبغير إذن الشرع، وإن لم يشهد الشهود عليه، وقال الآخذ: أخذته للمالك وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يضمن، والقول قوله لأن الظاهر شاهد له لاختياره الحسبة دون المعصية.
ــ
[البناية]
(على ما قالوا) ش: أي المشايخ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] : (التوبة: الآية ٧١) ، فإذا كان وليه وجب عليه حفظ ماله، وفي " الذخيرة " يفترض رفعها إذا خاف ضياعها بتركه.
م: (وإذا كان كذلك) ش: وإذا كان أخذ اللقطة مأذونا فيه م: (لا تكون مضمونة عليه) ش: أي على الملتقط لجواز الأخذ له شرعا.
م: (وكذلك) ش: أي وكذا لا تكون اللقطة مضمونة م: (إذا تصادقا) ش: أي المالك والملتقط م: (أنه) ش: أي أن الملتقط م: (أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حجة في حقهما فصار) ش: أي فضل فيهما م: (كالبينة) ش: يعني أن البينة إذا وجدت عند الأخذ لا يجب الضمان، فكذا إذا وجد التصادق.
م: (ولو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع) ش: ذكر هذا تفريعاً لمسألة القدوري. إنما قيد بالإجماع احترازاً عن الضمان الذي يلزم عند عدم الإشهاد عند أبي حنيفة؛ لأن فيه خلاف أبي يوسف م: (لأنه) ش: أي لأن الملتقط م: (أخذ مال غيره بغير إذنه وبغير إذن الشرع) ش: فكان عاصياً، وقال في " شرح الطحاوي ": أخذها ليأكلها لا ليردها على صاحبها ثم هلكت فإنه يضمن ولا يبرأ من ضمانها حتى يدفعها على صاحبها م: (وإن لم يشهد الشهود عليه) ش: أي عند الالتقاط.
م: (وقال الآخذ: أخذته للمالك وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يضمن) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن الإشهاد غير واجب بل هو مستحب، وذكر في شرح الأقطع قول محمد مثل قول أبي يوسف.
م: (والقول قوله) ش: أي قول الملتقط مع يمينه م: (لأن الظاهر) ش: أي ظاهر الحال م: (شاهد له) ش: أي للملتقط م: (لاختياره الحسبة دون المعصية) ش: أي لاختيار الملتقط وجه الله تعالى، والحسبة أي من الاحتساب كالعدة من الإعداد، وإنما قيد الحسبة عملاً لم ينو به وجه الله تعالى؛ لأن له حينئذ أن يعيد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد.... كذا ذكره الزمخشري في " الفائق ".
стр. 3770
ولهما أنه أقر بسبب الضمان وهو أخذ مال الغير وادعى ما يبرئه وهو الأخذ لمالكه، وفيه وقع الشك، فلا يبرأ وما ذكر من الظاهر يعارضه مثله؛ لأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملا لنفسه،
ويكفيه في الإشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي، واحدة كانت اللقطة أو أكثر؛ لأنه اسم جنس.
ــ
[البناية]
وحاصل الكلام أن مطلق فعل المسلم محمود على ما يحل شرعاً، قال ﵇: «لا تظن بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنت تجد لها محملاً من الخير» وإنما كان القول قول صاحبها؛ لأن صاحبها يدعي سبب الضمان وهو ينكر، فالقول له كما في الغصب.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (أنه) ش: أي أن الملتقط م: (أقر بسبب الضمان وهو أخذ مال الغير) ش: بغير إذنه م: (وادعى ما يبرئه) ش: بضم الياء من الإبراء أي ما يبرئه عن الضمان وهو الأخذ أي دعواه ما يبرئه.
م: (وهو الأخذ لمالكه وفيه) ش: أي وفي قوله هذا وقع الشك، وهو أنه يحتمل أنه أخذه لنفسه فيضمن ويحتمل أنه أخذ لمالك فلا يضمن م: (وقع الشك فلا يبرأ) ش: عن الضمان.
م: (وما ذكر) ش: أي والذي ذكر أبو يوسف م: (من الظاهر) ش: وهو قوله لأن الظاهر شاهد له م: (يعارضه مثله) ش: أي مثل هذا الظاهر. وهو أن يقال الأصل م: (لأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملاً لنفسه) ش: أي تصرف الإنسان له لا لغيره وذكروا في نسخ الفتاوى هذا الاختلاف إذا كان متمكناً من الإشهاد، فإن لم يكن لعدم من يشهد على ذلك أو لحقوق أن يأخذ منه ظاهر، فالقول قوله مع اليمين بالإجماع، ولا ضمان عليه في ترك الإشهاد.
[الإشهاد على اللقطة]
م: (ويكفيه) ش: أي ويكفي الملتقط م: (في الإشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة) ش: أي ينادي ويقول من رأى لقطة كذا وكذا م: (فدلوه علي) ش: بضم الدال وتشديد اللام، علي بتشديد الياء، سواء كانت اللقطة م: (واحدة) ش: أو أكثر يعني م: (كانت اللقطة أو أكثر) ش: من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، بأن يكون ذهباً وفضة أو أثواباً يكفيه أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة ولا يحتاج إلى الزيادة م: (لأنه) ش: أي لأن اللقطة م: (اسم جنس) ش: فيتناول، وعند أحمد ينبغي أن يذكر جنسها من ذهب أو فضة، وفي شرح الطحاوي ولو قال التقطت لقطة أو ضالة أو قال عندي شيء، فمن سمعتموه يسأل شيئا: فدلوه علي، فلما جاء صاحبها قال: هلكت لا ضمان عليه، وكذلك لو وجد لقطتين فقال: من سمعتموه يسأل شيئاً فدلوه علي، ولم يقل عندي لقطتان، وكذلك لو قال عندي لقطة برئ من الضمان، وإن كانت عشراً.
وهذا كله إشهاد أنه إنما أخذها ليردها على صاحبها، وقال شمس الأئمة الحلواني: أوفى ما يكون في التعريف أن يشهد عند الأخذ ويقول أخذتها لأردها، فإن فعل ذلك ولم يعد فيها
стр. 3771
قال: فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أياما، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا. قال: وهذه رواية عن أبي حنيفة، وقوله أياما معناه على حسب ما يرى الإمام، وقدره محمد ﵀ في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول مالك والشافعي لقوله ﵇: «من التقط شيئا فليعرفه سنة» من غير فصل.
ــ
[البناية]
بعد ذلك كفى م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن كانت) ش: أي اللقطة م: (أقل من عشرة دراهم عرفها أياماً، وإن كانت عشرة فصاعداً عرفها حولاً) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره ".
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (وهذه رواية عن أبي حنيفة) ش: أي هذه الرواية التي ذكرها القدوري بالترديد رواية عن أبي حنيفة ﵁، وأشار بهذا إلى أنها ليست ظاهر الرواية، وفي ظاهر الرواية مدة التعريف مقدرة بالحول، فإن الطحاوي أيضاً قال: وإذا التقط لقطة أنه يعرفها سنة، سواء كان الشيء نفياً أو حبسا في ظاهر الرواية وفي " فتاوى الولوالجي "، وعن أبي حنيفة إن كانت مائتي درهم فما فوقها يعرفها حولاً، وإن كانت أقل من مائتي درهم إلى عشرة يعرفها شهراً، وإن كانت أقل من عشرة يعرفها على حسب ما يرى.
وعن أبي حنيفة في رواية أخرى وإن كانت مائتي درهم فصاعداً يعرفها حولاً، وإن كانت عشرة فصاعداً يعرفها شهراً وإن كانت ثلاثة فصاعداً يعرفها عشرة أيام، وإن كانت درهماً فصاعداً يعرفها ثلاثة أيام، وإن كانت دانقاً فصاعدا يعرفها يومان وإن كانت دون ذلك ينظر عنه ويسره ثم يصدقه في كف فقير، وقال شمس الأئمة السرخسي: وشيء من هذا ليس بتقدير لازم؛ بل لا يعرف القليل بقدر ما يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، وقال أصحاب الشافعي: التعريف واجب منه وهو قول مالك وأحمد.
م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري م: (أياماً معناه على حسب ما يرى الإمام) ش: أي أن الملتقط يعرفها على أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، وقال أصحاب الشافعي: التعريف واجب منه وهو قول مالك وأحمد.
م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري م: (أياماً معناه على حسب ما يرى الإمام) ش: أي أن الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك م: (وقدره محمد ﵀ في الأصل) ش: أي في " المبسوط " قدر محمد التعريف م: (بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير) ش: وهكذا روي عن محمد وعلي وابن عباس ﵃ ولأن السنة لا تأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي يقصد فيها البلاد من الخبر والبرد والاعتدال فصلحت قدر المدة أجل العين. م: (وهو) ش: أي قول محمد بالحول م: (قول مالك والشافعي) ش: وأحمد أيضاً م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من التقط شيئا فليعرفه سنة» من غير فصل) ش: هذا الحديث رواه إسحاق بن راهويه بإسناده عن عياض، وعن الرسول ﷺ ، وقد ذكرنا بعضه عن قريب له، وفيه وليعرفها سنة، وإن جاء صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه
стр. 3772
وجه الأول: أن التقدير بالحول ورد في لقطة كانت مائة دينار تساوي ألف درهم، والعشرة وما فوقها في معنى الألف في تعلق القطع به في السرقة وتعلق استحلال الفرج به، وليست في معناها في حق تعلق الزكاة، فأوجبنا التعريف بالحول احتياطا، وما دون العشرة ليس في معنى الألف بوجه ما، ففوضنا إلى رأي المبتلى به،
ــ
[البناية]
من يشاء.
وأخرج الدارقطني في " سننه " عن زيد بن خالد الجهني قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: " عرفها سنة» الحديث، من غير فصل يعني بين القليل والكثير م: (وجه الأول) ش: وهو ما روي عن أبي حنيفة أنه عرفها حولاً إذا كانت عشرة فصاعداً م: (أن التقدير بالحول ورد في لقطة كانت مائة دينار تساوي ألف درهم) ش: يشير به إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: «أخذت مرة مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: " عرفها حولاً " فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: " عرفها حولاً " فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثاً فقال: " احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن بان صاحبها وإلا فاستمتع بها» . وجه الاستدلال أنه ﵇ اعتبر الحول في كل كرة يجب التعريف بالحول مطلقاً، وأجاب المصنف عن هذا بقوله: م: (والعشرة وما فوقها، في معنى الألف في تعلق القطع به في السرقة) ش: لأن اليد تقطع بالعشرة كما تقطع بما فوقها، وكذلك في صلاحية العشرة للمهر فما فوقها، وهو معنى قوله م: (وتعلق استحلال الفرج به) ش: أي وكما في تعلق استحلال الفرج في النكاح.
م: (وليست في معناها) ش: أي وليست العشرة في معنى الألف م: (في حق تعلق الزكاة) ش: وهذا ظاهر، وكأن للعشرة جهتين، إحداهما حال كونها في معنى الأول، والأخرى في عدم كونها، فلما كان الأمر كذلك قال المصنف: م: (فأوجبنا التعريف بالحول احتياطاً) ش: نظراً إلى اعتبار الجهة الأولى م: (وما دون العشرة ليس في معنى الألف بوجه ما) ش: أي بوجه من الوجوه.
قال: فإذا كان الأمر كذلك م: (ففوضنا) ش: يعني تقدير المدة م: (إلى رأي المبتلى به) ش: أي بما دون العشرة، وقال الكاكي: وما روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه ﵇ أمره بتعريف مائة دينار غير صحيح، قال أبو داود: شك الراوي في ذلك، وقال الراوي: ثلاثة أعوام أو عام واحد. انتهى.
قلت: الحديث رواه مسلم أيضاً في " صحيحه "، وفي آخره، فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد، وفي لفظ: عامين أو ثلاثة، وفي لفظ: قال: " ثلاثة أحوال ". وفي لفظ: قال عرفها عاماً واحداً، وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": ولا تخلو هذه الروايات عن غلط
стр. 3773
وقيل: الصحيح أن شيئا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها، وإن كانت اللقطة شيئا لا يبقى عرفها حتى إذا خاف أن يفسد تصدق به، وينبغي أن يعرفها في الموضع الذي أصابها، وفي المجامع فإن ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها، وإن كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان.
ــ
[البناية]
بعض بدليل أن شعب قال بالتعريف فيه مستحقة يقول: بعد عشر سنين عرفها عاماً واحداً، ويكون ﵇ علم أنه لم يقع تعريفها كما ينبغي فلم يجب له بالتعريف الأول.
م: (وقيل الصحيح) ش: أشار به إلى قول شمس الأئمة السرخسي، وقد ذكرناه عن قريب، ولهذا قال بعض أصحاب مالك وأصحاب أحمد ﵏ م: (أن شيئاً من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك ثم يتصدق بها) ش: أي باللقطة.
م: (وإن كانت اللقطة شيئا لا يبقى) ش: قالوا في نسخ " الفتاوى ": وإن كانت اللقطة مما لا تبقى إذا مر عليه يوم أو يومان عرفها، فإذا خاف الفساد تصدق بها م: (عرفها حتى إذا خاف أن يفسد تصدق به) ش: كلمة حتى هنا بمعنى إلى، والمعنى عرفها إلى أن خاف فسادها أي تلفها فحينئذ يتصدق به.
والضمير في قوله: عرفها يرجع إلى اللقطة، أو في قوله: به يرجع إلى قوله: شيئاً م: (وينبغي أن يعرفها في الموضع الذي أصابها، وفي المجامع) ش: مجمع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، وفي " الشامل ": والتعريف أن ينادي في الأسواق والمساجد من ضاع له شيء فليطلبه عندي م: (فإن ذلك) ش: أشار به إلى الموضع أصابه فيه م: (أقرب إلى الوصول إلى صاحبها) ش: لأن صاحبها يرجع إلى الموضع الذي نسيه فيه.
م: (وإن كانت اللقطة شيئاً يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان) ش: يعني في مواضع مختلفة، فجمعها حتى صارت بحكم الكثرة لها قيمة فلا اعتبار بقيمتها؛ لأنها ظهرت بصيغة وهي جمعه، وله الانتفاع بذلك، وذكر شيخ الإسلام: ولو كانت متفرقة جمعها للمالك أخذها، لأنه يصير ملكاً للأخذ بالجمع.
وكذا الجواب في التقاط المسائل، وبه كان يفتي الصدر الشهيد كذا في " الذخيرة " وفي " المحيط ": لو وجد النواة والصور في مواضع متفرقة يجوز الانتفاع بها، أما لو كانت مجتمعة في موضع فلا يجوز الانتفاع بها؛ لأن صاحبها لما جمعها فالظاهر أنه ما ألقى بها، بل سقطت منه.... انتهى.
стр. 3774
يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح قال: فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها إيصالا للحق إلى المستحق، وهو واجب بقدر الإمكان، وذلك بإيصال عينها عند الظفر بصاحبها، وإيصال العوض وهو الثواب على اعتبار إجازته التصدق بها، وإن شاء أمسكها رجاء الظفر بصاحبها.
ــ
[البناية]
وكلام المصنف يدل على شيئين أحدهما أنه إذا جمعها يجوز الانتفاع بها؛ لأنه علل بقوله: م: (يكون إلقاؤه إباحة) ش: أي إلقاء الشيء الذي يعلم أن صاحبه لا يطلبه يكون إباحة منه لمن يأخذه م: (حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف) ش: لأنه حينئذ من الإباحات.
والثاني يدل على أنه لا يخرج من ملك مالكها أشار إليه بقوله: م: (ولكنه يبقى على ملك مالكه) ش: لأنه لم يخرج من ملكه فلا يكون ملكاً لمن أخذه م: (لأن التمليك من المجهول لا يصح) ش: فإذا وجده في يده الملتقط أخذ منه إن شاء، وفي " المبسوط " روى بشر عن أبي يوسف لو جز صوف شاة ميتة ملقاة كان له أن ينتفع به، ولو وجده صاحب الشاة في يده كان له أن يأخذه منه، ولو دفع جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعدما يعطيه ما زاد الدباغ فيه؛ لأن ملكه لم يزل بالإلقاء.
وفي " خلاصة الفتاوى ": التفاح والكمثرى والحطب في المال لا بأس أن يأخذها م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن جاء صاحبها) ش: أي صاحب اللقطة إن جاء بعد التعريف، وخبر إن محذوف تقديره دفعها إليه م: (وإلا) ش: أي وإن لم يجئ، يعني إذا لم يظفر الملتقط بصاحبها م: (تصدق بها) ش: والمسألة من القدوري ﵀ وتمامها فيه، فإن جاء صاحبها بعد ذلك فهو بالخيار إن شاء أمضى الصدقة وإن شاء ضمن الملتقط.
وشرح المصنف كلام القدوري بقوله م: (إيصالاً) ش: أي لأجل الإيصال م: (للحق إلى المستحق وهو) ش: أي إيصال الحق إلى المستحق م: (واجب بقدر الإمكان) ش: ليخرج من عهدته، ولما كان الإيصال أعم من أن يكون لصاحب الحق أو لغيره أوضح ذلك بقوله م: (وذلك) ش: أي إيصال الحق.
م: (بإيصال عينها) ش: أي عين اللقطة، م: (عند الظفر بصاحبها وإيصال العوض وهو الثواب على اعتبار إجازته) ش: أي إجازة صاحب اللقطة م: (التصدق بها، وإن شاء أمسكها رجاء الظفر بصاحبها) ش: أي باللقطة أي مستحقة، وإنما قيد به لأنه إذا لم يجز التصدق لا يكون الثواب له.
стр. 3775
قال: فإن جاء صاحبها يعني بعد ما تصدق بها فهو بالخيار إن شاء أمضى الصدقة، ولو ثوابها؛ لأن التصدق وإن حصل بإذن الشرع لم يحصل بإذنه، فيتوقف على إجازته، والملك يثبت للفقير قبل الإجازة فلا يتوقف على قيام المحل بخلاف بيع الفضولي لثبوته بعد الإجازة فيه، وإن شاء ضمن الملتقط؛ لأنه سلم ماله إلى غيره بغير إذنه،
ــ
[البناية]
م: (قال: فإن جاء صاحبها يعني بعدما تصدق بها فهو) ش: أي صاحبها م: (بالخيار إن أمضى الصدقة وله ثوابها؛ لأن التصدق وإن حصل بإذن الشرع) ش: حيث جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البزار «فإن جاء صاحبها فليرده إليه، وإن لم يأت فليتصدق به.....» الحديث.
فهذا التصدق وإن حصل بإذن الشرع م: (لم يحصل بإذنه) ش: أي بإذن صاحبها الذي هو المالك، فإن كان كذلك م: (فيتوقف على إجازته) ش: أي إجازة صاحب الصدقة م: (والملك يثبت للفقير) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال لما توقف فعاد التصدق على إجازته فينبغي أن يشترط وجود المحل عند الإجازة، لكن لا يشترط حتى إذا هلك المال في يد الفقير، ثم أجاز المالك جاز، وتقدير الجواب أن الملك ثبت للفقير م: (قبل الإجازة) ش: لأن الملتقط لما أذن له الشرع في التصدق ملكه الفقير؛ لأن الصدقة من أسباب الملك م: (فلا يتوقف) ش: أي ثبوت الملك م: (على قيام المحل) ش: حتى لو هلك المال في يد الفقير تجوز الإجازة.
فإن قيل: لو ثبت الملك للفقير فالأخذ ينبغي أن لا يأخذه المالك إذا كان قائماً في يده.
قلنا: ثبوت الملك لا يمنع صحة الاسترداد كالواهب يملك الرجوع بعد ثبوت الملك للموهوب له. وكالمرتد لو عاد من دار الحرب مسلماً بعد قسمة ماله بين ورثته، فإنه يأخذ ما وجده قائماً بعد ثبوت الملك لهم م: (بخلاف بيع الفضولي) ش: حيث يشترط فيه الإجازة قيام المحل م: (لثبوته) ش: أي لثبوت الملك م: (بعد الإجازة) ش: أي بعد إجازة المالك م: (فيه) ش: أي في بيع الفضولي، وإذا أجاز المالك بيع الفضولي يشترط لصحة الإجازة قيام الأربعة: المالك والمتعاقدان والمقصود عليه إن كان الثمن ديناً. وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى في باب البيوع. م: (وإن شاء ضمن الملتقط) ش: هذا عطف على قوله إن شاء أمضى الصدقة م: (لأنه) ش: أي لأن الملتقط م: (سلم ماله إلى غيره بغير إذنه) ش: أي سلم مال صاحب اللقطة إلى غيره بغير إذن منه فله أن يضمنه، وبه قال مالك والثوري والحسن بن صالح.
وقال الشافعي وأحمد فإذا لم يجئ بعد التعريف ملكها الملتقط بحكم القاضي، وصارت من ماله كسائر أمواله غنياً كان الملتقط أو فقيراً، وروي مثله عن عمر وابن مسعود وحارث ﵃، وبه قال عطاء والنخعي وابن المنذر واحتج الشافعي وأحمد بحديث زيد بن
стр. 3776
إلا أنه بإباحته من جهة الشرع، وهذا لا ينافي الضمان حقا للعبد كما في تناول مال الغير حال المخمصة وإن شاء ضمن المسكين إذا هلك في يده لأنه قبض ماله بغير إذنه،
ــ
[البناية]
خالد، فإن لم يعرف فاستنفقها، وفي رواية فاستمتع بها، ولنا حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة فقال: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبه فليرده إليه، وإن لم يأت فليتصدق به فإن جاء فليخير بين الأجر وبين العطالة» رواه البزار، ولأنها ملك الغير فلا يملكها لغيرها ويملكها الفقير عنه. فلحديث عياض بن حمار والمجاشعي وقد ذكرناه، وفيه «فإن جاء صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء» . رواه النسائي وغيره. وما يضاف إلى الله تعالى إنما يملكه من يستحق الصدقة، وعن أحمد مثله، وحديث زيد بن خالد يمكن أن يكون في فقير فيحل عليه جمعاً بين الأحاديث.
فإن قلت: قيل إن حديث أبي هريرة غريب.
قلت: ليس كذلك بل نقله القدوري وهو موافق للنصوص في عدم جوازه بملك مال الغير بغير إذنه.
فإن قلت: كيف يضمن الملتقط وقد تصدق بإذن الشرع؟
قلت: الشرع أباح له التصدق وما ألزمه ذلك وهو يعني قول المصنف م: (إلا أنه) ش: أي أن الملتقط م: (بإباحته من جهة الشرع) ش: يعني أن الإذن كان إباحة منه لا إلزاماً ومثل ذلك الإذن يسقط الإثم لا الضمان وهو معنى قوله.
م: (وهذا لا ينافي الضمان حقاً للعبد كما في تناول مال الغير حال المخمصة) ش: فإنه يحل بإباحة شرعية، لكن مع الضمان، وكذا الرمي إلى الصيد مباح، وكذا المشي في الطريق مباح، فإذا هلك بذلك شيء يجب الضمان على الرامي والماشي؛ لأن إسقاط حق محترم لا يجوز.
وفي " خلاصة الفتاوى ": إن تصدق الملتقط بإذن القاضي ليس له أن يضمنه، وقال الكاكي: هذا ليس بصواب إذا تصدق الملتقط بإذن القاضي لا يكون أعلى حالاً من تصدق القاضي بنفسه، ويقال يضمن القاضي وهاهنا أولى، كذا في " الذخيرة " و " فتاوى قاضي خان " م: (وإن شاء ضمن المسكين إذا هلك في يده لأنه قبض ماله بغير إذنه) ش: أي لأن المسكين قبض مال مالك اللقطة بغير إذن منه فصار الملتقط كالغاصب والمسكين كغاصب الغاصب، لكن إن ضمن لا يرجع على صاحبه بشيء.
أما المسكين؛ فلأنه أخذ لنفسه، ومن أخذ لنفسه لا يرجع على أحد كالمعتبر. وأما الملتقط
стр. 3777
وإن كان قائما أخذه؛ لأنه وجد عين ماله.
قال: ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير ، وقال مالك والشافعي: إذا وجد البعير والبقر في الصحراء فالترك أفضل، وعلى هذا الخلاف الفرس لهما، أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة والإباحة مخافة الضياع، وإذا كان معها ما يدفع عن نفسها يقل الضياع ولكنه يتوهم فيقضى بالكراهة والندب إلى الترك، ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها، فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس كما في الشاة،
ــ
[البناية]
فإنه لما ضمن مالك اللقطة وقت التصدق بغير أنه تصدق بملك نفسه م: (وإن كان) ش: أي المال الذي هو لقطة م: (قائماً) ش: في يد الفقير م: (أخذه لأنه وجد عين ماله) ش: وهو حقه فليأخذه إن شاء.
[الالتقاط في الشاة والبقر والبعير]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير) ش: هذا كلام القدوري.
وقال المصنف: م: (وقال مالك والشافعي: إذا وجد البعير والبقر في الصحراء فالترك أفضل) ش: وبه قال أحمد، وعن مالك والليث في ضالة الإبل لو وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يتعرض لها وهو رواية المزني عن الشافعي، وعن مالك أن البقر كالشاة، أما إذا وجدها في مكان يغلب على الظن هلاكها أو في قرية لا مرعى فيها فالأولى أخذها عند الكل، وفي " الوجيز ": لو وجدها في بلدة أو قرية أو قريب منهما فوجهان أحدهما لا يجوز وأصحهما يجوز. هذا إذا كان في وقت أمن، أما في زمن النهب والفساد يجوز في الصحراء والعمران.
وما لا يمنع من صغار المتاع كالبعير والغنم والفحول والفصلان يجوز التقاطه في المفازة والعمران، في الأصح.
وفي " شرح الأقطع ": الخلاف في الجواز، وذكر الكتاب الخلاف في الأفضلية، وروايات كتبهم ومستمسكاتهم تدل على أن الخلاف في الجواز م: (وعلى هذا الخلاف الفرس) ش: وعلى الخلاف المذكور التقاط الفرس م: (لهما) ش: أي للشافعي ومالك م: (أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة والإباحة مخافة الضياع) ش: أي إباحة أخذ مال الغير لأجل الخوف عن ضياعه.
م: (وإذا كان معها) ش: أي مع اللقطة م: (ما يدفع عن نفسها) ش: كالعزل ونحوه م: (يقل الضياع ولكنه يتوهم) ش: أي ولكن الضياع يتوهم م: (فيقضى بالكراهة والندب إلى الترك) ش: أي المستحب أن يتركها، وقد ذكرنا الآن عن الأقطع أنه خلاف الجواز م: (ولنا أنها) ش: أي أن البقر والبعير والفرس م: (لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس كما في الشاة) ش: فإن التقاطها يستحب بالإجماع.
وإذا خيف الضياع على البعير ونحوها يستحب أخذها أيضاً صيانة لأموال الناس.
فإن قلت: ما تقول في حديث رواه البخاري عن زيد بن خالد ﵁ «أن رجلاً
стр. 3778
فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرع لقصور ولايته عن ذمة المالك. وإن أنفق بأمره كان ذلك دينا على صاحبه؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظرا له، وقد يكون النظر في الإنفاق على ما نبين، إن شاء الله تعالى.
ــ
[البناية]
سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: " عرفها سنة " إلى أن قال: فضالة الغنم؟ قال: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " قال فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه واحمر وجهه. ثم قال: " مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها» .
قلت: هو محمول على ما إذا لم يخف عليها، أما إذا خيف عليها فأخذها للصيانة أولى، ويدل عليه ما رواه الطحاوي عند عبد الله بن عمرو بن العاص «أن رجلاً من مدينة أتى رسول الله ﷺ فسأل كيف ترى في ضالة الغنم قال: " طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب أحسن على أخيك ضالته " قال: يا رسول الله ﷺ فكيف ترى في ضالة الإبل؟ قال: " مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ولا تخاف عليها الذئب تأكل الكلأ وترد الماء فدعا حتى يجيء طالبها....» انتهى.
قوله: سقاؤها بكسر السين وأراد بها إذا وردت الماء تشرب ما يكون بها من ظمأ والحذاء بكسر الحاء المهملة بالذال المعجمة وبالألف ممدودة وأراد بها خفافها التي تقوى بها على السير.
فإن قلت: ينبغي أن لا يجوز أخذ اللقطة أصلاً بدليل ما روي في شرح الآثار عن أبي عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ضالة المسلم حرق النار» ..
قلت: معناه إذا أخذها للركوب لا للتعريف، والحرق بفتحتين اسم الإحراق. وعن ثعلب الحرق: اللهب يعني إن تملكها سبب العقاب في النار. وكذا الجواب عن الحديث الآخر، وهو قوله ﵇: «لا يؤوي الضالة إلا الضال» يعني إذا أخذها لنفسه وإن أبرأها إذا كان لنفسه لا للتعريف
م: (فإن أنفق الملتقط عليها) ش: أي على اللقطة م: (بغير إذن الحاكم فهو متبرع لقصور ولايته عن ذمة المالك) ش: فصار لو قضى دين غيره بغير أمره وبغير أمر القاضي م: (وإن أنفق بأمره) ش: أي بأمر القاضي م: (كان ذلك) ش: أي إنفاقه م: (ديناً على صاحبه) ش: أي صاحب اللقطة، وإنما ذكر الضمير باعتبار المال م: (لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظراً له) ش: أي لأجل النظر للغائب؛ لأنه نصب لمصالح المسلمين فتعم ولايته.
م: (وقد يكون النظر في الإنفاق) ش: أي وقد يكون نظر الحاكم في الأمر بالإنفاق على اللقطة، فكل ما رآه القاضي أحوط وأصلح كان له ذلك م: (على ما نبين إن شاء الله تعالى) ش: أي بعد خمسة خطوط عند قوله.
стр. 3779
وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه، فإن كان للبهيمة منفعة أجرها وأنفق عليها من أجرتها؛ لأن فيه إبقاء العين على ملكه من غير إلزام الدين عليه وكذلك يفعل بالعبد الآبق. وإن لم يكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر بحفظ ثمنها إبقاء له معنى عند تعذر إبقائه صورة، وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك، وجعل النفقة دينا على مالكها لأنه نصب ناظرا، وفي هذا نظر من الجانبين، قالوا: وإنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة أيام على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها، فإذا لم يظهر يأمر ببيعها؛ لأن دارة النفقة مستأصلة، فلا ينظر في الإنفاق مدة مديدة، قال في الأصل: شرط إقامة البينة وهو الصحيح
ــ
[البناية]
وإذا كان الأصلح الإنفاق عليها م: (وإذا رفع ذلك) ش: أي أمر اللقطة م: (إلى الحاكم نظر فيه) ش: أي في أمر اللقطة م: (فإذا كان للبهيمة منفعة) ش: وهي صلاحيتها للإجارة كالحيوان التي تركب م: (أجرها وأنفق عليها من أجرتها لأن فيه) ش: أي لأن في أمر الإجارة م: (إبقاء العين) ش: أي عين اللقطة م: (على ملكه) ش: أي على ملك صاحبها م: (من غير إلزام الدين عليه) ش: أي على صاحبها.
م: (وكذلك يفعل) ش: أي الحاكم م: (بالعبد الآبق) ش: فإنه يؤجره وينفق عليه من أجرته؛ لأن فيه إبقاء لملكه م: (وإن لم يكن لها منفعة) ش: كالشاة مثلاً م: (وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر) ش: أي الملتقط م: (بحفظ ثمنها إبقاء له) ش: أي لأجل إبقاء اللقطة للمالك. م: (معنى عند تعذر إبقائه صورة) ش: أي من حيث المعنى بالمالية حيث لم يكن إبقاء الصورة؛ لأنه يخاف عليها أن يستأصل النفقة القيمة م: (وإن كان الأصلح الإنفاق عليها) ش: يعني القاضي لو رأى الإنفاق أصلح م: (أذن في ذلك) ش: أي في الإنفاق.
م: (وجعل النفقة ديناً على مالكها لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (نصب ناظراً) ش: في أمور المسلمين يفعل ما رآه أحوط وأصلح كان له ذلك بعموم ولايته م: (وفي هذا) ش: أي وفي إذن القاضي للملتقط في الإنفاق وجعل النفقة ديناً على المالك م: (نظر من الجانبين) ش: جانب المالك بإبقاء عين ملكه وجانب الملتقط برجوعه على المالك بما أنفق.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ: م: (وإنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة أيام على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها، فإذا لم يظهر يأمر ببيعها) ش: أي يأمر القاضي ببيع اللقطة م: (لأن دارة النفقة) ش: أي استمرارها م: (مستأصلة) ش: للقيمة م: (فلا ينظر في الإنفاق مدة مديدة) ش: أي طويلة.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (في الأصل) ش: أي في " المبسوط " م: (شرط إقامة البينة) ش: حيث قال: فإن رفعها إلى قاض وأقام بينة أنه التقطها أمره بأن ينفق عليها م: (وهو الصحيح) ش: وفي بعض النسخ: وهو الصحيح وهو اختيار المصنف، وقال الولوالجي في " فتاواه ":
стр. 3780
لأنه يحتمل أن يكون غصبا في يده ولا يأمر فيه بالإنفاق بخلاف الوديعة حيث يأمره بالإنفاق فيها، فلا بد من البينة لينكشف الحال، وليست تقام للقضاء، وإن قال: لا بينة لي يقول له القاضي: أنفق عليه إن كنت صادقا فيما قلت حتى يرجع على المالك إن كان صادقا ولا يرجع إن كان غاصبا، وقوله في الكتاب وجعل النفقة دينا على صاحبها إشارة إلى أنه إنما يرجع على المالك بعدما حضر، ولم يبع اللقطة إذا شرط القاضي الرجوع على المالك وهذه رواية وهو الأصح،
ــ
[البناية]
قالوا: هذا إذا كانت اللقطة شيئاً لا يخاف الهلاك عليه لذلك لم ينفقه إلى أن تقوم البينة.
أما إذا كان يخاف أمان القاضي لا يكلفه إقامة البينة لكن يقول له أنفق عليه إن كنت صادقاً م: (لأنه يحتمل أن يكون غصباً في يده ولا يأمر فيه بالإنفاق بخلاف الوديعة حيث يأمره بالإنفاق فيها) ش: خوفاً من ضياعها م: (فلا بد) ش: أي فإذا احتمل في اللقطة الغصب فلا بد م: (من البينة) ش: على أنه التقطها م: (لينكشف الحال) ش: للحاكم حتى يقع أمره على الصواب.
م: (وليست تقام) ش: أي البينة م: (للقضاء) ش: أي لأجل الحكم، وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: كيف شرط في الأصل إقامة البينة، ولا تقوم البينة إلا على مدع منكر، ولم يوجد ذلك هنا؟، وتقدير الجواب: أن البينة هنا ليست لأجل قضاء القاضي، وإنما لكشف الحال يعني تقام حتى ينكشف حال البهيمة أنها لقطة أو غصب، فإن في الأولى يأمر القاضي بالإنفاق دون الثاني.
م: (وإن قال: لا بينة لي) ش: أي وإن قال الملتقط: لا بينة لي على أني التقطها م: (يقول له القاضي أنفق عليه إن كنت صادقاً فيما قلت حتى يرجع على المالك، إن كان صادقاً، ولا يرجع إن كان غاصباً) ش: قوله ولا يرجع بالنصب؛ لأنه عطف على قوله حتى يرجع فإن يرجع فيه منصوب بتقدير أن بعد حتى.
م: (وقوله) ش: أي قول القدوري وهو مبتدأ م: (في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري " م: (وجعل النفقة ديناً على صاحبها) ش: هذا من لفظ القدوري م: (إشارة) ش: بالرفع خبر المبتدأ المذكور م: (إلى أنه إنما يرجع) ش: أي الملتقط م: (على المالك بعد ما حضر، ولم يبع اللقطة) ش: اللقطة، وضبطه بعضهم على صيغة المجهول م: (إذا شرط القاضي الرجوع) ش: هذا متصل بقوله: إنما يرجع الملتقط م: (على المالك) ش: إذا شرط القاضي الرجوع على المالك.
م: (وهذه رواية) ش: أي شرط الرجوع رواية، فعلى هذه الرواية إذا أمر القاضي بالإنفاق على اللقطة ولم يشترط الرجوع على المالك لا يرجع عليه، وفي الرواية الأخرى يرجع.
م: (وهو الأصح) ش: أي الأصح في الرجوع إن شرط القاضي الرجوع، واحترز به عن
стр. 3781
وإذا حضر المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة؛ لأنه يحيى بنفقته، فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع، وأقرب ذلك رد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا، ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعد الحبس؛ لأنه يصير بالحبس شبيه الرهن،
قال: ولقطة الحل والحرم سواء، وقال الشافعي: يجب التعريف إلى أن يجيء صاحبها؛ لقوله ﷺ في الحرم: «لا يحل لقطتها إلا لمنشدها» .
ــ
[البناية]
قول بعض أصحابنا إن مجرد أمر القاضي يكفي للرجوع. م: (وإذا حضر المالك فللملتقط أن يمنعها منه) ش: أي يمنع اللقطة من المالك م: (حتى يحضر النفقة) ش: الذي أنفقها الملتقط على اللقطة م: (لأنه) ش: أي لأن اللقطة، ذكر الضمير باعتبار المذكور.
قاله الكاكي، والأوجه أن يقال: ذكره باعتبار المال، وكذلك الكلام في قوله م: (يحيى بنفقته) ش: أن بنفقة الملتقط م: (فصار، كأنه استفاد الملك من جهته) ش: أي من جهة الملتقط م: (فأشبه المبيع) ش: حيث يجوز للبائع أن يحبس المبيع لاستيفاء الثمن.
م: (وأقرب من ذلك) ش: أي أقرب من البيع إلى اللقطة في السيد م: (رد الآبق) ش: أي العبد الهارب؛ لأن الذي رده لحبسه لأجل أخذ الجعل، وهو معنى قوله م: (فإن له) ش: أي الراد دل عليه قوله، رد الآبق م: (الحبس) ش: أي حبس الآبق م: (لاستيفاء الجعل) ش: وهو أربعون درهماً على ما يأتي م: (لما ذكرنا) ش: هو قوله: حتى ينفقه، فكما أن اللقطة حيث ينفقه الملتقط، فكذلك الآبق حتى يرد من مسك م: (ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه) ش: أي بهلاك اللقطة على تأويل المال م: (في يد الملتقط قبل الحبس، ويسقط إذا هلك بعد الحبس؛ لأنه) ش: أي لأن اللقطة على تأويل المال لما ذكرنا م: (يصير بالحبس شبيه الرهن) ش: إذا هلك بعد حبس الرهن بالنفقة.
وفي " الذخيرة ": إذا أبى الراهن أن ينفق على الرهن فللمرتهن أن يجب الرهن حتى في النفقة، ولو هلك الرهن بعد ذلك لا شيء على الراهن ثم قال قول زفر، وقال أبو يوسف: ليس له أن يحبس بالنفقة، فإذا هلك في يد المشتري، والنفقة دين على الراهن بحاله.
[تعريف لقطة الحرم]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولقطة الحل والحرم سواء) ش: يعني في الحكم م: (وقال الشافعي: يجب التعريف) ش: أي تعريف لقطة الحرم م: (إلى أن يجيء صاحبها) ش: قال أحمد في رواية م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: (في الحرم: «لا يحل لقطتها إلا لمنشدها» ش: هذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ... الحديث بطوله وفيه: «ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها»
الحديث، وفي لفظ لها: يلتقط شيئاً قطعهما إلا منشد، وقال أبو عبيد: المنشد المعرف،
стр. 3782
ولنا قوله ﷺ : «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة» من غير فصل، ولأنها لقطة، وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه فيملكه كما في سائرها، وتأويل ما روي أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف والتخصيص بالحرم لبيان أنه: لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهرا. وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة، فإن أعطى علامتها
ــ
[البناية]
والناشد: الطالب، معناه: لا يحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها.
م: (ولنا قوله ﷺ : «اعرف عفاصها، ووكاءها ثم عرفها سنة» من غير فصل) ش: يعني بين لقطة الحل ولقطة الحرم، والحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل فسأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ... » الحديث، والعفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، والوكاء بكسر الواو بالمد هو الرباط يشد به.
م: (ولأنها) ش: أي ولأن لقطة الحرم م: (لقطة) ش: كسائر اللقطات فأبيح أخذها، وجاز الانتفاع بها بعد الحول كلقطة الحل م: (وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه) ش: يعني من حيث يحصل الثواب له م: (فيملكه) ش: أي الملتقط م: (كما في سائرها) ش: أي كما يملك في سائر اللقطات م: (وتأويل ما روي) ش: أي ما رواه الشافعي م: (أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف) ش: ولهذا ذكر في رواية أخرى: ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها.
م: (والتخصيص بالحرم) ش: هذا جواب عما يقال ما وجه تخصيص الحرم في هذا المعنى، وتقدير الجواب أن تخصيص حل الرفع بالحرم يعني بلقطة الحرم م: (لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه) ش: أي في الحرم م: (لمكان أنه) ش: أي أن الذي يلتقط فيه م: (للغرباء ظاهراً) ش: أي من حيث الظاهر، بيان ذلك أن مكة مكان الغرباء؛ لأن الناس يأتون إليها من الأقطار من كل فج عميق، ثم يتفرقون في شعابها فالغالب: إن لقطها الغريب لا يدرى عوده إلى مكة، فلا فائدة إذاً في التعريف فينبغي أن يسقط التعريف أصلاً لعدم الفائدة، فأزال رسول الله ﷺ ذلك الوهم، فقال: لا يحل رفع لقطتها إلا لمعرف كما هو الحكم في غيرها من البلاد.
وقيل لا يصح عند الشافعي بالحديث المذكور إلا إذا جعل الناشد، وجعل إلا بمعنى ولا، تقديره: لا يحل لقطها لا لغير الملتقط ولا للملتقط.... انتهى.
قلت: قد ذكرنا أن المنشد هو المعرف، والناشد هو الطالب ومذهبه ليس كذلك، قال صاحب الوجيز: معنى الحديث لا يحل لقطها إلا لمنشد على الدوام، وإلا لم تظهر فائدة التخصيص م: (وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة فإن أعطى علامتها
стр. 3783
حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء، وقال مالك والشافعي: يجبر والعلامة مثل أن سمى وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها، لهما أن صاحب اليد ينازعه في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف لوجود المنازعة من وجه، ولا يشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه، ولنا أن اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة، وهي البينة اعتبارا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة؛ لقوله ﵇: «فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه» وهذا للإباحة
ــ
[البناية]
حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك) ش: أي على الدفع م: (في القضاء) ش: بمعنى الحاكم لا يجبره على الدفع م: (وقال مالك والشافعي: يجبر) ش: على الدفع، قال الكاكي: هذا وقع في نسخ أصحابنا، ولكن القائل بوجوب الدفع بالعلامة، مالك وأحمد وداود وابن المنذر فإن في كتب أصحاب الشافعي قوله كقولنا م: (والعلامة مثل أن سمى وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها) ش: ويصف في ذلك كله، وقد مر عن قريب تفسير الوكاء.
م: (لهما) ش: أي لمالك والشافعي م: (أن صاحب اليد) ش: الذي هو الملتقط م: (ينازعه) ش: أن ينازع المدعي؛ لأن اللقطة له م: (في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف) ش: أي وصف اللقطة بذكر العلامة م: (لوجود المنازعة من وجه) ش: وهي المنازعة في اليد م: (ولا يشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه) ش: وهي المنازعة في الملك، وحاصله أن الملتقط لا نزاع له في الملك؛ لأنه لا يدعي الملك، وإنما نزاعه في اليد، فكان نزاعه من وجه دون وجه فاشترط بيان العلامة دون إقامة البينة م: (ولنا أن اليد حق مقصود) ش: للإنسان م: (كالملك) ش: حتى يجب الضمان على الغاصب بإزالة اليد، ألا ترى أن المدبر إذا غصبه غاصب يلزم الضمان لإزالة يد المحرم وإن لم يكن المدبر قابلاً للملك.
فإذا كان كذلك م: (فلا يستحق) ش: أي المدعي م: (إلا بحجة وهي البينة اعتباراً بالملك) ش: إذا ادعاه لقوله ﵇ «البينة على المدعي» م: (إلا أنه) ش: أي غير أن الملتقط م: (يحل له الدفع) ش: أي دفع اللقطة إلى صاحبها م: (عند إصابة العلامة لقوله ﵇: «فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه» ش:.... الحديث رواه مسلم عن أبي كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: «عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووكائها ووعائها فأعطه إياها وإلا فاستمتع بها» ، وفي رواية: «وإلا فهي كسبيل مالك» ، وفي رواية أبي داود: «فإن جاء مالكها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه» .
م: (وهذا) ش: أي قوله ﵇ فادفعها إليه م: (للإباحة) ش: يعني الأمر فيه
стр. 3784
عملا بالمشهور، وهو قوله ﵇: «البينة على المدعي» .... الحديث ويأخذ منه كفيلا إذا كان يدفعها إليه استيثاقا، وهذا بلا خلاف؛ لأنه يأخذ الكفيل لنفسه بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده، وإذا صدقه قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه
ــ
[البناية]
للإباحة؛ لأن الأمر يجيء للإباحة م: (عملاً بالمشهور) ش: أي لأجل العمل بالحديث المشهور م: (وهو قوله ﵇ «البينة على المدعي ... » الحديث) ش: أي أتم الحديث، وتمامه: «واليمين على من أنكر» بيانه أن قوله ﵇ " ادفعها إليه " ون لم يحمل على الإباحة، وحمل على الوجوب لزم التعارض على وجه يلزم التنافي وهو الاستحقاق وعدمه.
والأصل في التعارض الجمع عملاً بالدليلين، فحملنا ما تمسك به الشافعي على إباحة الدفع دفعاً للتعارض بين الحديثين.
وقال الأكمل: ولقائل أن يقول الحمل على الإباحة عملاً بالمشهور يلزم عدم جواز الدفع أيضاً؛ لأن انتفاء الوجوب يلزم انتفاء الجواز وأن الشافعي لم يقل بانتفاء الجواز بانتفاء الوجوب، والمصنف هاهنا في مقام الدفع فجاز أن يدفعه على طريقه فيلزمه الخصم.
م: (ويأخذ منه) ش: أي من مدعي اللقطة م: (كفيلاً إذا كان) ش: أي الملتقط م: (يدفعها إليه) ش: أي يدفع اللقطة إلى المدعي م: (استيثاقاً) ش: أي لأجل الاستيثاق لنفسه حتى إذا ظهر الأمر بخلاف، وتقدر الرجوع إليه يرجع على الكفيل.
هذا إذا دفعها بالعلامة، أما لو دفعها بالبينة، فلأبي حنيفة ﵀ روايتان، والصحيح أنه لا يأخذ كفيلاً، كذا في " جامع قاضي خان " م: (وهذا بلا خلاف) ش: يعني أخذ الكفيل سوماً بلا خلاف م: (لأنه يأخذ الكفيل لنفسه) ش: ولا يأخذه لغيره م: (بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ودل الضمير إليه، وإن لم يسبق ذكره لشهرة حكم تلك المسألة، صورته ميراث قسم بين الغرماء أو الورثة لا يؤخذ من الغريم ولا من الوارث كفيل عند أبي حنيفة.
وعندهما تؤخذ، والفرق عند أبي حنيفة أن حق الحاضر هاهنا غير ثابت، فيمكن أن يكون غيره فيضمنه، ولا يمكن الرجوع على الآخذ؛ لأنه قد يتوارى فيحتاط بأخذ الكفيل.
أما في الميراث فحق الحاضر ثابت ومعلوم، وحق الآخر موهوم، فلا يجوز أن يأخذ حق الحاضر الثابت لموهوم، وقال الأترازي: قوله ويأخذ منه كفيلاً إلى قوله: وهذا بلا خلاف فيه، تناقض من المصنف؛ لأنه قال في فصل المواريث: فيه روايتان، والأصح أنه على الخلاف.
م: (وإذا صدقه) ش: أي إذا صدق الملتقط مدعي اللقطة م: (قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه) ش: أي لا يجبر المودع على الدفع يعني لو جاء رجل إلى المودع وقال أنا
стр. 3785
وقيل يجبر لأن المالك هاهنا غير ظاهر، والمودع مالك ظاهر، ولا يتصدق باللقطة على غني؛ لأن المأمور هو التصدق لقوله ﵇ «فإن لم يأت - يعني صاحبها - فليتصدق به» والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة، وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها، وقال الشافعي: يجوز، لقوله ﵇ في حديث أبي ﵁: «فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها» وكان من المياسير،
ــ
[البناية]
وكيل المودع في استرداد الوديعة منك فصدقه لا يجبر على الدفع إليه؛ لأنه أمر بحق القبض في ملك الغير.
م: (وقيل: يجبر لأن المالك هاهنا غير ظاهر) ش: أي مالك آخر غير هذا المدعي في اللقطة غير ظاهر ولما أقر أنه هو المالك يلزمه إقراره فيجب على الدفع.
م: (والمودع) ش: بكسر الدال م: (مالك ظاهر) ش: فبالإقرار بالوكالة لا يلزمه الدفع إليه؛ لأنه غير مالك بيقين، ثم في الوديعة إذا دفع إليه بعدما صدقه وهلك في يده ثم حضر المودع وأنكر والوكالة وضمن المودع ليس له أن يرجع على الوكيل بشيء.
وهنا للملتقط أن يرجع على القابض؛ لأن هناك في زعم المودع أن الوكيل عامل للمودع في قبضه له لم يأمره، وأنه ليس بضامن بل المودع ظالم في تضمينه إياه، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره وهنا في زعمه أن القابض عامل لنفسه وإنه ضامن بعدما ثبت الملك لغيره بالبينة فكان له أن يرجع عليه بما ضمن لهذا، كذا في " المبسوط ".
م: (ولا يتصدق باللقطة على غني لأن المأمور هو التصدق لقوله - عليه السلم -: فإن لم يأت يعني صاحبها - فليتصدق به) ش: أي ما أمر بالصدقة م: (والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة) ش: حيث لا تصح على غني، والحديث رواه أبو هريرة، أخرجه الدارقطني، وقد تقدم م: (وإن كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع بها) ش: أي باللقطة م: (وقال الشافعي ﵁: يجوز) ش: وبه قال أحمد م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث أبي ﵁ «فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها» ش: حديث أبي بن كعب ﵁ في الصحيحين، وفيه: «فاحفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فانتفع بها ... » الحديث.
م: (وكان) ش: أبي بن كعب ﵁ م: (من المياسير) ش: أي من الأغنياء، وهذا من كلام المصنف وليس من سنن الحديث، والمياسير جمع ميسور ضد المسور، وهما
следующие страницы →