← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وإذا حضر المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة؛ لأنه يحيى بنفقته، فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع، وأقرب ذلك رد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا، ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعد الحبس؛ لأنه يصير بالحبس شبيه الرهن، قال: ولقطة الحل والحرم سواء، وقال الشافعي: يجب التعريف إلى أن يجيء صاحبها؛ لقوله ﷺ في الحرم: «لا يحل لقطتها إلا لمنشدها» . ــ [البناية] قول بعض أصحابنا إن مجرد أمر القاضي يكفي للرجوع. م: (وإذا حضر المالك فللملتقط أن يمنعها منه) ش: أي يمنع اللقطة من المالك م: (حتى يحضر النفقة) ش: الذي أنفقها الملتقط على اللقطة م: (لأنه) ش: أي لأن اللقطة، ذكر الضمير باعتبار المذكور. قاله الكاكي، والأوجه أن يقال: ذكره باعتبار المال، وكذلك الكلام في قوله م: (يحيى بنفقته) ش: أن بنفقة الملتقط م: (فصار، كأنه استفاد الملك من جهته) ش: أي من جهة الملتقط م: (فأشبه المبيع) ش: حيث يجوز للبائع أن يحبس المبيع لاستيفاء الثمن. م: (وأقرب من ذلك) ش: أي أقرب من البيع إلى اللقطة في السيد م: (رد الآبق) ش: أي العبد الهارب؛ لأن الذي رده لحبسه لأجل أخذ الجعل، وهو معنى قوله م: (فإن له) ش: أي الراد دل عليه قوله، رد الآبق م: (الحبس) ش: أي حبس الآبق م: (لاستيفاء الجعل) ش: وهو أربعون درهماً على ما يأتي م: (لما ذكرنا) ش: هو قوله: حتى ينفقه، فكما أن اللقطة حيث ينفقه الملتقط، فكذلك الآبق حتى يرد من مسك م: (ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه) ش: أي بهلاك اللقطة على تأويل المال م: (في يد الملتقط قبل الحبس، ويسقط إذا هلك بعد الحبس؛ لأنه) ش: أي لأن اللقطة على تأويل المال لما ذكرنا م: (يصير بالحبس شبيه الرهن) ش: إذا هلك بعد حبس الرهن بالنفقة. وفي " الذخيرة ": إذا أبى الراهن أن ينفق على الرهن فللمرتهن أن يجب الرهن حتى في النفقة، ولو هلك الرهن بعد ذلك لا شيء على الراهن ثم قال قول زفر، وقال أبو يوسف: ليس له أن يحبس بالنفقة، فإذا هلك في يد المشتري، والنفقة دين على الراهن بحاله. [تعريف لقطة الحرم] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولقطة الحل والحرم سواء) ش: يعني في الحكم م: (وقال الشافعي: يجب التعريف) ش: أي تعريف لقطة الحرم م: (إلى أن يجيء صاحبها) ش: قال أحمد في رواية م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: (في الحرم: «لا يحل لقطتها إلا لمنشدها» ش: هذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ... الحديث بطوله وفيه: «ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها» الحديث، وفي لفظ لها: يلتقط شيئاً قطعهما إلا منشد، وقال أبو عبيد: المنشد المعرف،

стр. 3782

ولنا قوله ﷺ : «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة» من غير فصل، ولأنها لقطة، وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه فيملكه كما في سائرها، وتأويل ما روي أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف والتخصيص بالحرم لبيان أنه: لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهرا. وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة، فإن أعطى علامتها ــ [البناية] والناشد: الطالب، معناه: لا يحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها. م: (ولنا قوله ﷺ : «اعرف عفاصها، ووكاءها ثم عرفها سنة» من غير فصل) ش: يعني بين لقطة الحل ولقطة الحرم، والحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل فسأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ... » الحديث، والعفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، والوكاء بكسر الواو بالمد هو الرباط يشد به. م: (ولأنها) ش: أي ولأن لقطة الحرم م: (لقطة) ش: كسائر اللقطات فأبيح أخذها، وجاز الانتفاع بها بعد الحول كلقطة الحل م: (وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه) ش: يعني من حيث يحصل الثواب له م: (فيملكه) ش: أي الملتقط م: (كما في سائرها) ش: أي كما يملك في سائر اللقطات م: (وتأويل ما روي) ش: أي ما رواه الشافعي م: (أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف) ش: ولهذا ذكر في رواية أخرى: ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها. م: (والتخصيص بالحرم) ش: هذا جواب عما يقال ما وجه تخصيص الحرم في هذا المعنى، وتقدير الجواب أن تخصيص حل الرفع بالحرم يعني بلقطة الحرم م: (لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه) ش: أي في الحرم م: (لمكان أنه) ش: أي أن الذي يلتقط فيه م: (للغرباء ظاهراً) ش: أي من حيث الظاهر، بيان ذلك أن مكة مكان الغرباء؛ لأن الناس يأتون إليها من الأقطار من كل فج عميق، ثم يتفرقون في شعابها فالغالب: إن لقطها الغريب لا يدرى عوده إلى مكة، فلا فائدة إذاً في التعريف فينبغي أن يسقط التعريف أصلاً لعدم الفائدة، فأزال رسول الله ﷺ ذلك الوهم، فقال: لا يحل رفع لقطتها إلا لمعرف كما هو الحكم في غيرها من البلاد. وقيل لا يصح عند الشافعي بالحديث المذكور إلا إذا جعل الناشد، وجعل إلا بمعنى ولا، تقديره: لا يحل لقطها لا لغير الملتقط ولا للملتقط.... انتهى. قلت: قد ذكرنا أن المنشد هو المعرف، والناشد هو الطالب ومذهبه ليس كذلك، قال صاحب الوجيز: معنى الحديث لا يحل لقطها إلا لمنشد على الدوام، وإلا لم تظهر فائدة التخصيص م: (وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة فإن أعطى علامتها

стр. 3783

حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء، وقال مالك والشافعي: يجبر والعلامة مثل أن سمى وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها، لهما أن صاحب اليد ينازعه في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف لوجود المنازعة من وجه، ولا يشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه، ولنا أن اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة، وهي البينة اعتبارا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة؛ لقوله ﵇: «فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه» وهذا للإباحة ــ [البناية] حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك) ش: أي على الدفع م: (في القضاء) ش: بمعنى الحاكم لا يجبره على الدفع م: (وقال مالك والشافعي: يجبر) ش: على الدفع، قال الكاكي: هذا وقع في نسخ أصحابنا، ولكن القائل بوجوب الدفع بالعلامة، مالك وأحمد وداود وابن المنذر فإن في كتب أصحاب الشافعي قوله كقولنا م: (والعلامة مثل أن سمى وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها) ش: ويصف في ذلك كله، وقد مر عن قريب تفسير الوكاء. م: (لهما) ش: أي لمالك والشافعي م: (أن صاحب اليد) ش: الذي هو الملتقط م: (ينازعه) ش: أن ينازع المدعي؛ لأن اللقطة له م: (في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف) ش: أي وصف اللقطة بذكر العلامة م: (لوجود المنازعة من وجه) ش: وهي المنازعة في اليد م: (ولا يشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه) ش: وهي المنازعة في الملك، وحاصله أن الملتقط لا نزاع له في الملك؛ لأنه لا يدعي الملك، وإنما نزاعه في اليد، فكان نزاعه من وجه دون وجه فاشترط بيان العلامة دون إقامة البينة م: (ولنا أن اليد حق مقصود) ش: للإنسان م: (كالملك) ش: حتى يجب الضمان على الغاصب بإزالة اليد، ألا ترى أن المدبر إذا غصبه غاصب يلزم الضمان لإزالة يد المحرم وإن لم يكن المدبر قابلاً للملك. فإذا كان كذلك م: (فلا يستحق) ش: أي المدعي م: (إلا بحجة وهي البينة اعتباراً بالملك) ش: إذا ادعاه لقوله ﵇ «البينة على المدعي» م: (إلا أنه) ش: أي غير أن الملتقط م: (يحل له الدفع) ش: أي دفع اللقطة إلى صاحبها م: (عند إصابة العلامة لقوله ﵇: «فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه» ش:.... الحديث رواه مسلم عن أبي كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: «عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووكائها ووعائها فأعطه إياها وإلا فاستمتع بها» ، وفي رواية: «وإلا فهي كسبيل مالك» ، وفي رواية أبي داود: «فإن جاء مالكها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه» . م: (وهذا) ش: أي قوله ﵇ فادفعها إليه م: (للإباحة) ش: يعني الأمر فيه

стр. 3784

عملا بالمشهور، وهو قوله ﵇: «البينة على المدعي» .... الحديث ويأخذ منه كفيلا إذا كان يدفعها إليه استيثاقا، وهذا بلا خلاف؛ لأنه يأخذ الكفيل لنفسه بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده، وإذا صدقه قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه ــ [البناية] للإباحة؛ لأن الأمر يجيء للإباحة م: (عملاً بالمشهور) ش: أي لأجل العمل بالحديث المشهور م: (وهو قوله ﵇ «البينة على المدعي ... » الحديث) ش: أي أتم الحديث، وتمامه: «واليمين على من أنكر» بيانه أن قوله ﵇ " ادفعها إليه " ون لم يحمل على الإباحة، وحمل على الوجوب لزم التعارض على وجه يلزم التنافي وهو الاستحقاق وعدمه. والأصل في التعارض الجمع عملاً بالدليلين، فحملنا ما تمسك به الشافعي على إباحة الدفع دفعاً للتعارض بين الحديثين. وقال الأكمل: ولقائل أن يقول الحمل على الإباحة عملاً بالمشهور يلزم عدم جواز الدفع أيضاً؛ لأن انتفاء الوجوب يلزم انتفاء الجواز وأن الشافعي لم يقل بانتفاء الجواز بانتفاء الوجوب، والمصنف هاهنا في مقام الدفع فجاز أن يدفعه على طريقه فيلزمه الخصم. م: (ويأخذ منه) ش: أي من مدعي اللقطة م: (كفيلاً إذا كان) ش: أي الملتقط م: (يدفعها إليه) ش: أي يدفع اللقطة إلى المدعي م: (استيثاقاً) ش: أي لأجل الاستيثاق لنفسه حتى إذا ظهر الأمر بخلاف، وتقدر الرجوع إليه يرجع على الكفيل. هذا إذا دفعها بالعلامة، أما لو دفعها بالبينة، فلأبي حنيفة ﵀ روايتان، والصحيح أنه لا يأخذ كفيلاً، كذا في " جامع قاضي خان " م: (وهذا بلا خلاف) ش: يعني أخذ الكفيل سوماً بلا خلاف م: (لأنه يأخذ الكفيل لنفسه) ش: ولا يأخذه لغيره م: (بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ودل الضمير إليه، وإن لم يسبق ذكره لشهرة حكم تلك المسألة، صورته ميراث قسم بين الغرماء أو الورثة لا يؤخذ من الغريم ولا من الوارث كفيل عند أبي حنيفة. وعندهما تؤخذ، والفرق عند أبي حنيفة أن حق الحاضر هاهنا غير ثابت، فيمكن أن يكون غيره فيضمنه، ولا يمكن الرجوع على الآخذ؛ لأنه قد يتوارى فيحتاط بأخذ الكفيل. أما في الميراث فحق الحاضر ثابت ومعلوم، وحق الآخر موهوم، فلا يجوز أن يأخذ حق الحاضر الثابت لموهوم، وقال الأترازي: قوله ويأخذ منه كفيلاً إلى قوله: وهذا بلا خلاف فيه، تناقض من المصنف؛ لأنه قال في فصل المواريث: فيه روايتان، والأصح أنه على الخلاف. م: (وإذا صدقه) ش: أي إذا صدق الملتقط مدعي اللقطة م: (قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه) ش: أي لا يجبر المودع على الدفع يعني لو جاء رجل إلى المودع وقال أنا

стр. 3785

وقيل يجبر لأن المالك هاهنا غير ظاهر، والمودع مالك ظاهر، ولا يتصدق باللقطة على غني؛ لأن المأمور هو التصدق لقوله ﵇ «فإن لم يأت - يعني صاحبها - فليتصدق به» والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة، وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها، وقال الشافعي: يجوز، لقوله ﵇ في حديث أبي ﵁: «فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها» وكان من المياسير، ــ [البناية] وكيل المودع في استرداد الوديعة منك فصدقه لا يجبر على الدفع إليه؛ لأنه أمر بحق القبض في ملك الغير. م: (وقيل: يجبر لأن المالك هاهنا غير ظاهر) ش: أي مالك آخر غير هذا المدعي في اللقطة غير ظاهر ولما أقر أنه هو المالك يلزمه إقراره فيجب على الدفع. م: (والمودع) ش: بكسر الدال م: (مالك ظاهر) ش: فبالإقرار بالوكالة لا يلزمه الدفع إليه؛ لأنه غير مالك بيقين، ثم في الوديعة إذا دفع إليه بعدما صدقه وهلك في يده ثم حضر المودع وأنكر والوكالة وضمن المودع ليس له أن يرجع على الوكيل بشيء. وهنا للملتقط أن يرجع على القابض؛ لأن هناك في زعم المودع أن الوكيل عامل للمودع في قبضه له لم يأمره، وأنه ليس بضامن بل المودع ظالم في تضمينه إياه، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره وهنا في زعمه أن القابض عامل لنفسه وإنه ضامن بعدما ثبت الملك لغيره بالبينة فكان له أن يرجع عليه بما ضمن لهذا، كذا في " المبسوط ". م: (ولا يتصدق باللقطة على غني لأن المأمور هو التصدق لقوله - عليه السلم -: فإن لم يأت يعني صاحبها - فليتصدق به) ش: أي ما أمر بالصدقة م: (والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة) ش: حيث لا تصح على غني، والحديث رواه أبو هريرة، أخرجه الدارقطني، وقد تقدم م: (وإن كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع بها) ش: أي باللقطة م: (وقال الشافعي ﵁: يجوز) ش: وبه قال أحمد م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث أبي ﵁ «فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها» ش: حديث أبي بن كعب ﵁ في الصحيحين، وفيه: «فاحفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فانتفع بها ... » الحديث. م: (وكان) ش: أبي بن كعب ﵁ م: (من المياسير) ش: أي من الأغنياء، وهذا من كلام المصنف وليس من سنن الحديث، والمياسير جمع ميسور ضد المسور، وهما

стр. 3786

ولأنه إنما يباح للفقير حملا له على رفعها صيانة لها والغني يشاركه فيه، ولنا أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه لإطلاق النصوص والإباحة للفقير لما رويناه أو بالإجماع فيبقى ما رواه على الأصل، والغني محمول على الأخذ؛ ــ [البناية] وجهان عند سيبويه، ومصدران عند غيره. قيل: يرد كلام المصنف ما رواه البخاري ومسلم «عن أبي طلحة. قلت: يا رسول الله: إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (آل عمران، الآية: ٩٢) ، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها فما ترى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : " اجعلها في فقراء قرابتك " فجعلها أبو طلحة في أبي، وحسان،» فهذا صريح أن أبياً كان فقيراً. قلت: يحتمل أنه أيسر بعد ذلك، وقضايا الأحوال متى تطرق إليها الاحتمال سقط منها الاستدلال. م: (ولأنه) ش: أي لأن الانتفاع باللقطة م: (إنما يباح للفقير حملاً له على رفعها) ش: أي لكونه حاملاً وباعثاً على رفعها أي على رفع اللقطة م: (صيانة لها) ش: أي حفظاً للقطة، يعني حفظاً لها عن الضياع م: (والغني يشاركه فيه) ش: أي يشارك الفقير في الانتفاع بها. حاصله أن حل الانتفاع باللقطة بعد التعريف للفقير لا للتصدق فيصير ذلك سبباً للالتقاط، فيصير المال محفوظاً على المالك. فإنه متى علم أنه يحل له الانتفاع به بعد التعريف يرغب في الالتقاط والغني يشارك الفقير في هذا المعنى، فيشاركه في الانتفاع. م: (ولنا أنه) ش: أي أن اللقطة، ذكر الضمير باعتبار المال م: (مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه لإطلاق النصوص) ش: الحرية للتعرض لملك مال الغير فلا يباح، قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . م: (والإباحة للفقير لما رويناه) ش: وهو قوله ﵇: " فليتصدق به " فعلم أن الإباحة بطريق التصدق. م: (أو بالإجماع) ش: على جواز تعادل الصدقة للفقير دون الغني م: (فيبقى ما رواه على الأصل) ش: أي بقي ما رواه جواز الانتفاع الفقير على الأصل وهو حرمة الانتفاع بمال الغير بغير إذنه. م: (والغني محمول على الأخذ) ش: هذا جواب عما قال الشافعي: يجوز الانتفاع للغني بعد مدة التعريف حتى يكون حاملاً على رفع اللقطة وصيانتها؛ لأنه إذا عرف أن اللقطة يجوز له

стр. 3787

لاحتمال افتقاره في مدة التعريف، والفقير قد يتوانى لاحتمال استغنائه فيها، وانتفاع أبي ﵁ كان بإذن الإمام وهو جائز بإذنه، ــ [البناية] الانتفاع بها بعد التعريف يرفعها رجاء أن يؤول إليه، وتقرير الجواب أن الغني محمول على الأخذ، يعني كونه حاملاً لرفعها م: (لاحتمال افتقاره في مدة التعريف) ش: يعني يحتمل أن يكون فقيراً في مدة التعريف. م: (والفقير قد يتوانى) ش: أي قد يتكاسل في الأخذ م: (لاحتمال استغنائه فيها) ش: أي في مدة التعريف، فيكون الحاصل في كل منهما رفع اللقطة والحاجة إليها، وكذلك في كل منهما مال عدم رفعها، إلا أن الحامل في الغني لا يوجب الانتفاع بها بخلاف الفقير وتطرق الاحتمال في المال لا يؤثر في الحال. فإن قلت: في صحيح البخاري عن زيد بن خالد الجهني: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك» فدل على الانتفاع للملتقط غنياً كان أو فقيراً. قلت: معنى شأنك الزم شأنك بها في الحفظ لصاحبها م: (وانتفاع أبي ﵁ كان بإذن الإمام) ش: هذا جواب عن استدلال الشافعي بحديث أبي بن كعب ﵁ بيانه أن انتفاع أبي ابن كعب ﵁ كان بإذن الإمام تخصيصاً له، كما في شهادة خزيمة ﵁ م: (وهو جائز بإذنه) ش: أي الانتفاع باللقطة بعد مدة التعريف جائز للغني بإذن الإمام على وجه يكون قرضاً. وهذا الجواب الذي أجاب به المصنف عن حديث أبي بن كعب ﵁ إنما يمشي على كون أبي غنياً؛ لأنه قال فيما مضى وكان من المياسير، وقد قلنا فيما مضى أنه كان فقيراً وبينا ذلك، قال الأترازي في جوابه عن حديث أبي، قال أصحابنا: إنه كان فقيراً وذكر حديث أبي طلحة، وقد ذكرناه. فإن قلت: قال الترمذي عقيب حديث أبي ﵁ والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا لصاحب اللقطة أن ينتفع بها إذا كان غنياً. ولو كانت اللقطة لا تحل إلا لمن تحل له الصدقة لم يحل لعلي بن أبي طالب ﵁ وقد أمره رسول الله ﷺ بأكل الدينار حين وجده، ومن لم يعرفه. قلت: أجيب عن هذا بما أجيب عن حديث أبي ﵁ فرواه أبو داود في سننه عن سهل بن سعد «أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة وحسين ﵄ وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: الجوع، فخرج علي ﵁ فوجد ديناراً بالسوق، فجاء فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا دقيقاً، فجاء اليهودي

стр. 3788

وإن كان الملتقط فقيرا فلا بأس بأن ينتفع بها لما فيه من تحقيق النظر من الجانبين، ولهذا جاز الدفع إلى فقير غيره، وكذا إذا كان الفقير أباه ــ [البناية] واشترى به دقيقاً. فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله؟ قال: نعم، قال: فخذ ثم جاء فاطمة ﵂ فأخبرها، فقالت: اذهب به إلى فلان الجزار فخذ لنا بدرهم لحماً فذهب فرهن الدينار بدرهم، فطبخت وخبزت وأرسلت إلى أبيها، فجاء فقالت: يا رسول الله أذكر لك فإن كان لنا حلالاً أكلناه، من شأنه كذا وكذا، فقال: " كلوا باسم الله " فأكلوا فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد الله والإسلام الدينار. فأمر النبي ﷺ فدعي، فسأله فقال: سقط مني في السوق، فقال النبي ﷺ : " يا علي اذهب إلى الجزار فقل له إن رسول الله ﷺ أرسل إلي بالدينار، ودرهمك علي " فأرسل به فدفعه النبي ﷺ إليه ... » انتهى. واستشكل هذا من جهة أن علياً ﵁ أنفق الدينار قبل التعريف، وأجاب المنذري بأن مراجعة علي ﵁ رسول الله ﷺ على ملأ الخلق إعلان به، ثم قال: بهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة. قلت: هذا رواه عبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «إن علي بن أبي طالب ﵁ وجد ديناراً في السوق فأتى النبي ﷺ فقال: " عرفه ثلاثة أيام " قال: فعرفه ثلاثة أيام فلم يجد من يعرف، فرجع إلى النبي ﷺ ، فأخبره فقال: " شأنك ... » الحديث. م: (وإن كان الملتقط فقيراً فلا بأس بأن ينتفع بها لما فيه) ش: أي من الانتفاع م: (من تحقيق النظر من الجانبين) ش: جانب الملتقط بالانتفاع، وجانب المالك بحصول الثواب له. م: (ولهذا) ش: أي ولكون النظر فيه من الجانبين م: (جاز الدفع) ش: أي دفع اللقيط م: (إلى فقير غيره) ش: من الفقراء أو هو وسائر الفقراء سواء في الفقر، فجاز الانتفاع له أيضاً، م: (وكذا) ش: أي وكذا يجوز م: (إذا كان الفقير أباه) ش: أي أب الملتقط.

стр. 3789

أو ابنه أو زوجته، وإن كان هو غنيا لما ذكرنا، والله أعلم. ــ [البناية] م: (أو ابنه أو زوجته، وإن كان هو) ش: أي الملتقط م: (غنياً) ش: وصرفها إلى هؤلاء، وكلمة إن واصلة بما قبلها م: (لما ذكرنا) ش: أي لما فيه من تحقيق النظر من الجانبين، ولو التقط العبد شيئاً بغير إذن مولاه يجوز عندنا ومالك وأحمد والشافعي في قول، فإذا أتوه طولب ربه بقضاء الدين أو البيع فيه سواء أتوه قبل التعريف أو بعده. وبه قال أحمد والشافعي في وجه؛ لأنه ضمان خيانة فتعلق برقبته، ويظهر في حق المولى، وعند مالك إن أتلفه قبل التعريف يؤمر الولي بالدفع أو القدر، وإن أتلف بعد التعريف يطالب العبد بعد العتق؛ لأن الشرع أذن له في الانتفاع فكان ضمان بحصته فلا يظهر في حق المولى م: (والله أعلم) .

стр. 3790

كتاب الإباق الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه لما فيه من إحيائه، وأما الضال فقد قيل كذلك، وقد قيل تركه أفضل؛ لأنه لا يبرح مكانه فيجده المالك ولا كذلك الآبق، ثم آخذ الآبق يأتي به إلى السلطان؛ لأنه لا يقدر على حفظه بنفسه بخلاف اللقطة، ثم إذا رفع الآبق إليه يحبسه، ولو رفع الضال لا يحبسه؛ لأنه لا يؤمن على الآبق الإباق ثانيا ــ [البناية] [كتاب الإباق] م: (كتاب الإباق) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الإباق وهو الهرب من أبق من باب ضرب يضرب، وفي " المبسوط " الإباق التمرد في الانطلاق وهو من سوء الأخلاق، ورواة الأعراق يطهر العبد عن نفسه فراراً ليصير ماله ضماناً أو رده إلى مولاه إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. والآبق هو الذي يهرب عن مولاه قصداً، والضال هو الذي ضل الطريق إلى منزله، وفي النهاية هذا الكسب أعني اللقيط واللقطة والإباق والعتق ركيت يجانس بعضها بعضاً من حيث إن في كل منها عرضة الزوال والهلاك. م: (الآبق) ش: على وزن فاعل مرفوع بالابتداء، وقوله م: (أخذه) ش: مبتدأ ثان وخبره هو قوله م: (أفضل) ش: والجملة خبر المبتدأ الأول م: (في حق من يقوى عليه) ش: أي من يقدر على أخذه ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم م: (لما فيه) ش: أي لما في أخذه م: (من إحيائه) ش: لأنه هالك في حق المولى، فيكون الرد إحياءه. م: (وأما الضال فقد قيل كذلك) ش: أي حكم الآبق أخذه أفضل، لما فيه من إحياء النفس ومن التعاون على البر كالآبق م: (وقد قيل تركه أفضل لأنه لا يبرح مكانه) ش: يعني الضال يطلب مالكه فلا يبرح عن مكانه م: (فيجده المالك ولا كذلك الآبق) ش: بخلاف الآبق؛ لأنه يخفى عن مولاه، وإذا لم يؤخذ يضيع حقه م: (ثم آخذ الآبق) ش: الآخذ على صيغة اسم الفاعل م: (يأتي به) ش: أي بالآبق م: (إلى السلطان) ش: أو نائبه أو القاضي م: (لأنه) ش: أي لأن آخذه م: (لا يقدر على حفظه) ش: أي حفظ الآبق م: (بنفسه) ش: لتمرده أو عجز آخذه، ثم هذا الذي ذكر من الإتيان بالعبد الآبق إلى السلطان اختيار شمس الأئمة السرخسي، وأما اختيار شمس الأئمة الحلواني فالآخذ بالخيار إن شاء حفظه لنفسه وإن شاء دفعه إلى الإمام. وكذلك الضال والضالة الواجد فيهما بالخيار كذا في الذخيرة م: (بخلاف اللقطة) ش: حيث لا يرفعها إلا السلطان؛ لأنه قادر على حفظها بنفسه م: (ثم إذا رفع الآبق إليه) ش: أي إلى السلطان م: (يحبسه، ولو رفع الضال لا يحبسه لأنه لا يؤمن على الآبق الإباق ثانياً) ش: فيكون ترك

стр. 3791

بخلاف الضال، قال: ومن رد آبقا على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فله عليه جعله أربعون درهما، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط وهو قول الشافعي ﵀ لأنه متبرع بمنافعه فأشبه العبد الضال. ولنا أن الصحابة ﵃ اتفقوا على وجوب أصل الجعل، إلا أن منهم من ــ [البناية] حبسه تعريضاً على الإباق م: (بخلاف الضال) ش: لأن الظاهر أنه لا يروح إذا لم يحبس. وقال الحاكم الشهيد في " الكافي ": وإذا أتى الرجل بالعبد فأخذه السلطان فحبسه فادعاه رجل وأقام البينة أنه عبده قال: يستحلفه ما بعته ولا رهنته، ثم يدفعه إليه ولا أحب أن يأخذ منه كفيلاً. وإن أخذ منه القاضي كفيلاً لم يكن ليأخذه ولكن لا يأخذه أحب إلي، قال الحاكم: هذه رواية أبي حفص ورأيت في بعض روايات سليمان قال: أحب إلي أن يأخذ منه كفيلاً. وإن لم يأخذ منه كفيلاً وسعه ذلك وإن لم يكن للمدعي بينة، وأقر العبد أنه عبده قال: يدفعه إليه ويأخذ منه كفيلاً، وإن لم يجئ للعبد طالب. قال: إذا طال بعد ذلك باعه الإمام وأمسك ثمنه حتى يجيء له طالب ويقيم البينة بأن العبد عبده فيدفع الثمن ولا ينقض بيع الإمام، وينفق عليه الإمام في مدة حبسه من بيت المال ثم يأخذ من صاحبه إن حضر ومن ثمنه إن باعه. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن رد آبقاً على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً فله عليه جعله أربعون درهماً، وإن رده لأقل من ذلك) ش: أي من مسيرة السفر م: (فبحسابه) ش: أي فيحسب الجعل بحساب ما دون السفر، والجعل بالضم ما يجعل للعامل على عمله. م: (وهذا استحسان) ش: أي وجوب الجعل استحسان المشايخ لاتفاق الصحابة على ذلك م: (والقياس أن لا يكون له) ش: أي للمسير م: (شيء إلا بالشرط وهو قول الشافعي ﵀) ش: وبه قال ابن المنذر وبعض أصحاب أحمد، وهو قول إبراهيم النخعي أيضاً. ولكن ما أنفق عليه إنما يجب بالشرط، بأن قال: من رد عبدي علي فله كذا م: (لأنه) ش: أي لأن المراد م: (متبرع بمنافعه) ش: في رده م: (فأشبه العبد الضال) . ش: حيث لا يجب شيء فيه، ولو تبرع عليه يعني من أعيان ماله فلا يرجع عليه، فكذا إذا تبرع بمنافعه، ولا يستوجب الآبق نهياً له عن المنكر، والنهي عن المنكر فرض، فإذاً لا يستوجب فاعل الفرض جعلاً. م: (ولنا أن الصحابة ﵃ اتفقوا على وجوب أصل الجعل، إلا أن منهم من أوجب أربعين درهماً، ومنهم من أوجب ما دونها) ش: أي ما دون الأربعين، فمن الصحابة الذين أوجبوا الأربعين درهماً، عن عمر ﵁ رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا

стр. 3792

أوجب أربعين درهما، ومنهم من أوجب ما دونها فأوجبنا الأربعين في مسيرة السفر وما دونها فيما دونه، توفيقا وتلفيقا بينهما؛ ولأن إيجاب الجعل أصله حامل على الرد، ــ [البناية] محمد بن يزيد عن أيوب عن أبي العلاء عن قتادة وأبي هاشم أن عمر ﵁ " قضى في جعل الآبق أربعين درهماً " ومنهم معاوية ﵁ رواه ابن أبي شيبة أيضاً، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: أعطيت الجعل في زمن معاوية ﵁ أربعين درهماً، ومنهم عبد الله بن مسعود ﵄ رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا سفيان الثوري عن أبي رباح عن عبد الله بن رباح عن أبي عمرو الشيباني ﵁ قال: أصبت غلماناً أباقاً بالغين، فذكرت ذلك لابن مسعود ﵁ فقال: الأجر والغنيمة، قلت: هذا الأجر، فما الغنيمة؟ قال: أربعون درهماً من كل رأس. ومن الصحابة الذين أوجبوا أقل من أربعين درهماً علي بن أبي طالب ﵁ رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا محمد بن يزيد ويزيد بن هارون عن حجاج عن حصين عن الشعبي عن الحارث عن علي ﵁ أنه جعل في جعل الآبق ديناراً، أو اثني عشر درهماً، وفيه حديث مرفوع مرسل: أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في " مصنفيهما " عن عمرو بن دينار «أن رسول الله ﷺ قضى في العبد الآبق يؤخذ خارج الحرم بدينار أو عشرة دراهم» . م: (فأوجبنا الأربعين في مسيرة السفر وما دونها) ش: أي أوجبنا ما دون الأربعين م: (فيما دونه) ش: أي فيما دون السفر م: (توفيقاً) ش: بين الآثار المذكورة م: (وتلفيقاً بينهما) ش: أي جمعاً بين الروايات المتعارضة، والتلفيق الضم يقال: لفقت الثوب ألفقه وهو أن يضم شفة إلى أخرى كذا في " الصحاح ". فإن قلت: كان الواجب أن يؤخذ بأقل المقادير تيقنة. قلت: لم يؤخذ بالأقل لإمكان التوفيق بين أقاويلهم وأشار إليه المصنف بقوله: فأوجبنا الأربعين إلى آخره، وعن أحمد: إن رده من المصر فله عشرة دراهم أو دينار، وإن رده من خارج المصر سواء كان مدة السفر أو لا فله أربعون، وقال مالك: له أجر مثله في قدر تعبه وسفره، وتكلف طلبه ممن شأنه وعادته طلب الإباق، وإن لم يكن ممن نصب نفسه كذلك فله نفقته عليه؛ لأنه اختلف فيه الصحابة، فعلم أنه غير مقدر بشيء معين فيجب أجر المثل م: (ولأن إيجاب الجعل أصله حامل على الرد) ش: هذا دليل عقلي لوجوب الجعل، بيانه أن الأصل في إيجاب الجعل هو أنه يحمل على رد الآبق.

стр. 3793

إذ الحسبة نادرة فتحصل صيانة أموال الناس، والتقدير بالسمع ولا سمع في الضال فامتنع، ولأن الحاجة إلى صيانة الضال دونها إلى صيانة الآبق؛ لأنه لا يتوارى، والآبق يختفي، ويقدر الرضخ في الرد عما دون السفر باصطلاحهما، أو يفوض إلى رأي القاضي، وقيل: يقسم الأربعون. ــ [البناية] م: (إذ الحسبة) ش: أي العمل فيه لأجل اعتقاد الأجر م: (نادرة) ش: فإذا كان كذلك م: (فتحصل) ش: بوجوب الجعل م: (صيانة أموال الناس) ش: من الضياع فيرغب كل واحد عن تحصيل الآبق ليرده إلى صاحبه، فيأخذ الجعل. والرد يحتاج إلى عناء فقلما يرغب الناس في التزام ذلك حسبة، ففي إيجاب الجعل يحصل صيانة الأموال م: (والتقدير بالسمع) ش: جواب عن قياس الشافعي الآبق على الضال في عدم وجوب الجعل أي تقدير الجعل في الآبق بدليل سمعي أو هو إجماع الصحابة الذي ورد في حكم الآبق من وجوب الجعل على حسب الاختلاف في كمية المقدار فيه، ولا اختلاف في أصل الوجوب؛ لأنه وقع مجمعاً عليه من غير نكير منهم. م: (ولا سمع في الضال) ش: أي لم يرد شيء في وجوب شيء في رد الضال م: (فامتنع) ش: قياس الآبق على الضال، وكان القياس في رد الآبق عدم الوجوب أيضاً، إلا أنا تركنا القياس فيه لوجود السمع. ولا سمع في الضال، فبقي على أصل القياس م: (ولأن الحاجة) ش: إشارة إلى بقاء إلحاق الآبق بالضال، بيانه أن الحاجة م: (إلى صيانة الضال دونها) ش: أي دون الحاجة م: (إلى صيانة الآبق لأنه) ش: أي لأن الضال م: (لا يتوارى) ش: أي لا يختفي م: (والآبق يختفي) ش: لأنه هارب، والهارب يخفي نفسه. م: (ويقدر الرضخ) ش: تفصيل لقوله: وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه بأن عملوا بالقسمة كان لكل يوم ثلاثة عشر درهماً، وثلاثة دراهم، ورد هذا قول من قال: إن قوله رضخ إلى آخره تكرار لما ذكره قبله، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، بيانه أن هذه الأوجه الثلاثة أعني قوله: الرضخ إلى قوله: وإن كانت تفصيل لما ذكره أولاً. فإن التقدير الشرعي إذا ثبت على خلاف القياس يمنع أن يكون لما دون القدر حكم القدر فقال: لأجل ذلك ويقدر الرضخ بالمعجمتين من قولهم، أرضخ فلان بفلان ماله إذا أعطاه قليلاً من كثير، والاسم الرضيخة يقال: أعطاه رضيخة من ماله ورضاخة كذا ذكره ابن دريد. م: (في الرد عما دون السفر باصطلاحهما) ش: أي باصطلاح الراد والمالك يجب ما يقع عليه اتفاقهما، وهذا أحد الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها م: (أو يفوض إلى رأي القاضي) ش: هذا هو الوجه الثاني أو يفوض أمر الرضخ إلى رأي القاضي على حسب ما يرى. قالوا: هذا هو الأشبه بالاعتبار م: (وقيل: يقسم الأربعون) ش: هذا هو الوجه الثالث أي

стр. 3794

على الأيام الثلاثة، إذ هي أقل مدة السفر قال: وإن كانت قيمته أقل من أربعين يقضى له بقيمته إلا درهما، قال: وهذا قول محمد، وقال أبو يوسف: له أربعون درهما؛ لأن التقدير بها ثبت بالنص فلا ينقص عنها، ولهذا لا يجوز الصلح على الزيادة بخلاف الصلح على الأقل؛ لأنه حط منه. ولمحمد أن المقصود حمل الغير على الرد ليحيي مال المالك فينقص درهم ليسلم له شيء تحقيقا للفائدة، ــ [البناية] يقسم الأربعون التي هي الجعل م: (على الأيام الثلاثة) ش: فيجب بإزاء كل يوم ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم م: (إذ هي) ش: أي الأيام الثلاثة م: (أقل مدة السفر) ش: في القصر في الصلاة وغيرها. وفي " فتاوى الولوالجي ": وإذا كان العبد الآبق بين رجلين أو ثلاثة فالجعل عليها على قدر الأنصباء؛ لأن منفعة الرد حصلت لهما ثلاثاً، فكذلك الجعل عليها يكون، وفي " الذخيرة ": ولو كان أحدهما غائباً فليس للحاضر أن يأخذه حتى يعطي الجعل كله أو لا يكون معتبراً في نصيب الغائب بل يرجع عليه. [رد الآبق على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن كانت قيمته) ش: أي قيمة الآبق م: (أقل من أربعين يقضى له) ش: أي للراد م: (بقيمته) ش: أي بقيمة العبد الآبق م: (إلا درهماً) ش: ينقص من الأربعين لأن ما دون الدرهم كسور، ولا يجوز اعتباره شرعاً للنص. م: (قال) ش: أي المصنف: م: (وهذا قول محمد، وقال أبو يوسف: له أربعون درهماً) ش: وبه قال أحمد م: (لأن التقدير بها) ش: أي بالأربعين م: (ثبت بالنص) ش: أي بالأثر م: (فلا ينقص عنها) ش: أي عن الأربعين. م: (ولهذا) ش: أي ولكون الأربعين منصوصاً عليها م: (لا يجوز الصلح على الزيادة) ش: أي على الأربعين يعني إذا صالح المالك مع الراد على أكثر من الأربعين درهماً لا يجوز الصلح لتعيين الأربعين بالنص م: (بخلاف الصلح على الأقل) ش: حيث يجوز م: (لأنه حط منه) ش: أي من الأربعين. م: (ولمحمد أن المقصود) ش: يعني من الجعل م: (حمل الغير على الرد) ش: أي رد الآبق م: (ليحيي مال المالك) ش: لأن الآبق كالهالك م: (فينقص درهم ليسلم له شيء) ش: من مالية العبد م: (تحقيقاً للفائدة) ش: وهي حياة مال المالك نظراً له، ولا نظر في إيجاب أربعين كلها في رد ما لا يساوي أربعين. ثم اعلم أن قول أبي يوسف كان أولاً مثل قول محمد، ولهذا لم يذكر الخلاف شيخ الإسلام خواهر زاده في " مبسوطه " أو شمس الأئمة البيهقي في " الشامل " وكذلك في عامة نسخ الفقه، ولم يذكروا قول أبي حنيفة.

стр. 3795

وأما أم الولد والمدبر في هذا بمنزلة القن إذا كان الرد في حياة المولى، لما فيه من إحياء ملكه، ولو رد بعد مماته لا جعل فيهما؛ لأنهما يعتقان بالموت بخلاف القن، ولو كان الراد أبا المولى أو ابنه وهو في عيال الأب ــ [البناية] وذكر في " شرح الطحاوي " قوله مع محمد، فقال: لو كان العبد يساوي أربعين أو دونها فإنه ينقص من قيمته درهم واحد عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف ﵀ أولاً، ثم رجع وقال: يجب الجعل درهماً وإن كانت قيمته درهماً. م: (وأما أم الولد والمدبر في هذا) ش: أي في وجوب الجعل م: (بمنزلة القن إذا كان الرد في حياة المولى) ش: لأنهما مملوكان له، ولهذا هو أحق بكسبها، وهما بمنزلة القن، ووجب الجعل لإحياء ما بينهما بالرد، وتعليل المصنف بقوله م: (لما فيه من إحياء ملكه) ش: أولى بتعليل غيره لما فيه إحياء المالية؛ لأن أم الولد لا مالية فيها عند أبي حنيفة. وقال الكاكي: فإن قيل: الجعل يجب لإحياء المالكية، ولا مالية لأم الولد خصوصاً عند أبي حنيفة. قلنا: المالك أحق بكسبها، ولها مالية باعتبار كسبها، وقد أحياها بالرد إليه فيستوجب الجعل بخلاف المكاتب، فإنه أحق بمكاسبه فلا يكون رده إحياء لمالية المولى لا باعتبار الرقبة، ولا باعتبار المكسبة كذا في " المبسوط ". م: (ولو رد بعد مماته) ش: أي ولو رد أم الولد والمدبر بعد موت المولى م: (لا جعل فيهما لأنهما يعتقان بالموت) ش: أي بموت المولى م: (بخلاف القن) ش: حيث يجب الجعل برده بعد موت مولاه، وقوله: يعتقان بموته ظاهر في حق أم الولد. وفي حق المدبر الذي لا سعاية عليه، أما الذي عليه السعاية بأن لم يكن للمولى مال سواه فكذلك لا يستوجب الجعل على الورثة لأن السعي كالمكاتبة عنده، وهو مديون عندهما، ولا جعل لرد المكاتب أو الحر. م: (ولو كان الراد أبا المولى أو ابنه) ش: أو ابن المولى م: (وهو) ش: أي والحال أن الراد م: (في عيال الأب) ش: قيد به إذا لم يكن في عياله يجب الجعل، وحمله ذلك أن الراد إذا كان في عياله مالك العبد أي في مؤنته ونفقته لا جعل له سواء كان الراد أبا المالك أو ابناً له. وأما إذا لم يكن في عياله لا جعل له سواء كان الرد فعل التفضيل إن كان الراد ابن المالك فليس له جعل، وإن كان أباه فله الجعل المشار إليه في " الذخيرة ". وفي " شرح الطحاوي ": ولو كان الراد ذا رحم محرم من المردود عليه فإنه ينظر إن وجد الرجل عبد أبيه، فلا جعل له سواء كان في عياله أو لم يكن، وكذا المرأة والزوج.

стр. 3796

أو أحد الزوجين على الآخر فلا جعل؛ لأن هؤلاء يتبرعون بالرد عادة ولا يتناولهم إطلاق الكتاب. قال: وإن أبق من الذي رده فلا شيء عليه؛ لأنه أمانة في يده، لكن هذا إذا أشهد، وقد ذكرناه في اللقطة. قال: وذكر في بعض النسخ أنه لا شيء له، وهو صحيح أيضا لأنه في معنى البائع من المالك، ولهذا كان له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل بمنزلة البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وكذلك إذا مات في يده لا شيء عليه لما قلنا. قال: ولو أعتقه المولى كما لقيه صار قابضا بالإعتاق ــ [البناية] وإن وجد الأب عند أبيه إن لم يكن في عياله فله الجعل، وإن كان في عياله فلا جعل له، وكذلك الأخ وسائر ذوي الأرحام إذا وجد عبد أخيه إن كان في عياله، فلا جعل له، وإن لم يكن في عياله فله الجعل. م: (أو أحد الزوجين على الآخر) ش: أي ورد الآبق أحد الزوجين على الآخر م: (فلا جعل) ش: لهؤلاء م: (لأن هؤلاء يتبرعون بالرد عادة ولا يتناولهم إطلاق الكتاب) ش: أي القدوري، وأراد بإطلاق ما ذكره القدوري بقوله: ومن رد الآبق على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام، فصاعداً فله عليه جعل أربعون درهماً. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن أبق) ش: أي العبد م: (من الذي رده فلا شيء عليه) ش: أي لا ضمان عليه م: (لأنه أمانة في يده، لكن هذا) ش: أي عدم وجوب الضمان م: (إذا أشهد) ش: عند الأخذ. م: (وقد ذكرناه في اللقطة) ش: أي وقد ذكرناه في كتاب اللقطة أن الأخذ على هذا الوجه ما دون فيه شرعاً. م: (قال) ش: أي المصنف: م: (وذكر في بعض النسخ) ش: من " المختصر " للقدوري م: (أنه لا شيء له) ش: أي لأجل الراد إذا أبق الآبق منه م: (وهو صحيح أيضاً لأنه) ش: أي لأن الراد م: (في معنى البائع من المالك) ش: لأن عامة منافع العبد زالت بالإباق وإنما سيعيدها المولى والرد بما يجب عليه، والبائع إذا هلك في يده المبيع سقط الثمن. فكذلك هنا سقط الجعل ثم استوضح المصنف ذلك بقوله: م: (ولهذا كان له) ش: أي للراد م: (أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل) ش: أي حتى يأخذ الجعل، وهذا م: (بمنزلة البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن) ش: أي يأخذ جميع الثمن. م: (وكذلك إذا مات) ش: أي الآبق م: (في يده) ش: أي في يد الراد م: (لا شيء عيه) ش: أي لا ضمان عليه م: (لما قلنا) ش: أنه أمانة عنده م: (قال: ولو أعتقه المولى كما لقيه) ش: أي أعتقه قبل أن يقبضه وقت لقائه م: (صار قابضاً بالإعتاق) ش: فيجب عليه الجعل، وأشار بقوله

стр. 3797

كما في العبد المشترى، وكذا إذا باعه من الراد لسلامة البدل له، والرد وإن كان له حكم البيع لكنه بيع من وجه، فلا يدخل تحت النهي الوارد عن بيع ما لم يقبض فجاز. قال: وينبغي إذا أخذه أن يشهد أنه يأخذه ليرده، فالإشهاد حتم فيه عليه على قول أبي حنيفة ومحمد، حتى لو رده من لم يشهد وقت الأخذ لا جعل له عندهما. لأن ترك الإشهاد أمارة أنه أخذه لنفسه، فصار كما إذا اشتراه من الآخذ أو بهبة ــ [البناية] بالإعتاق إلى أنه لو دبره فكان الإعتاق لم يصر قابضاً. والفرق بينهما أن الإعتاق إتلاف للمالية فيصير به قابضاً بالإعتاق، وأما التدبير فليس بإتلاف المال، فلا يصير به المولى قابضاً إلا أن يصل إلى يده م: (كما في العبد المشترى، وكذا إذا باعه) ش: أي وكذا يصير قابضاً إذا باع العبد الآبق م: (من الراد لسلامة البدل له) ش: وهو بالثمن لسلامة العين فيجب عليه الجعل. م: (والرد وإن كان له حكم البيع) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر يرد على قوله: لأنه في معنى البائع من المالك، وهو أن يقال لما كان الراد في معنى البائع كان المالك في معنى المشتري، فعلى هذا ينبغي أن يجوز بيعه من الراد قبل القبض لورود النهي عن بيع المشتري قبل القبض. فأجاب بقوله: والراد وإن كان له حكم البيع لكن ليس من كل وجه، وهو معنى قوله م: (لكنه بيع من وجه) ش: عن إعادة ملك التصرف إليه، وهذا لأن ملك الرقبة ليس بزائل على المولى، فلما كان كذلك جاز بيع المالك م: (فلا يدخل تحت النهي الوارد عن بيع ما لم يقبض فجاز) ش: أي البيع لأن النهي ورد مطلقاً، والمطلق يتناول الكامل، وامتناع جواز البيع قبل القبض، وليس من خصائص البيع، أي ليس من لوازمه لا محالة، فإن بيع العقار قبل القبض جائز على قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وينبغي إذا أخذه) ش: أي إذا أخذ الآبق م: (أن يشهد أنه يأخذه ليرده) ش: هذا كلام القدوري في " مختصره "، وقال المصنف: م: (فالإشهاد حتم) ش: أي واجب م: (فيه) ش: أي في الآبق م: (عليه) ش: أي على الآخذ م: (على قول أبي حنيفة ومحمد حتى لو رده من لم يشهد وقت الأخذ لا جعل له عندهما) . ) ش: وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة ليس الإشهاد بشرط، وقد مر في اللقطة م: (لأن ترك الإشهاد أمارة) ش: بفتح الهمزة أي علامة م: (أنه أخذه لنفسه فصار كما إذا اشتراه من الآخذ) ش: إذا رده على مولاه لا جعل له لأنه أخذه لنفسه إلا إذا لم يشهد حين اشتراه أنه إنما اشتراه على صاحبه؛ لأنه لا يقدر عليه إلا بشراء، فله الجعل لأن هذا الشراء لا يعد ملكاً، فكان الآخذ بدون الشراء، وإن لم يشهد لا يستحق الجعل، وإن أشهد استحق، فكذا هذا م: (أو بهبة) ش: أي قبل هبته إن

стр. 3798

أو ورثه فرده على مولاه لا جعل له؛ لأنه رده لنفسه إلا إذا أشهد أنه اشتراه ليرده فيكون له الجعل، وهو متبرع في أداء الثمن، فإن كان الآبق رهنا فالجعل على المرتهن؛ لأنه أحيا ماليته بالرد، وهي حقه إذ الاستيفاء منها والجعل بمقابلة إحياء المالية، فيكون عليه، والرد في حياة الراهن وبعده سواء؛ لأن الرهن لا يبطل بالموت وهذا إذا كانت قيمته مثل الدين أو أقل منه، فإن كانت أكثر فبقدر الدين عليه؛ والباقي على الراهن؛ لأن حقه بالقدر المضمون، فصار كثمن الدواء، وتخليصه عن الجناية بالفداء. وإن كان ــ [البناية] وهبه الآخذ، صورته وهبه الآخذ لرجل فرد الموهوب له على مولاه م: (أو ورثه فرده على مولاه) ش: أي أو ورث الآبق من الآخذ فرده الوارث عن مولاه ففي هذه الصور كلها. م: (لا جعل له لأنه رده لنفسه) ش: لأنه لم يأخذه ليرده بل أخذه لنفسه، مسألة الوصية ذكرها الحاكم، وفي " المبسوط " عبد آبق فأخذه رجل فاشتراه منه رجل آخر فرده على مولاه فلا جعل له، وكذا لو وهب له أو أوصى أو ورثه؛ لأنه ضمنه بالأخذ على هذا الوجه فيكون رده لإسقاط الضمان. م: (إلا إذا أشهد أنه اشتراه ليرده) ش: على مولاه، لأنه لا يقدر على رده إلا بشراء م: (فيكون له الجعل وهو متبرع في أداء الثمن) ش: يعني لا يرجع على سيده قل أو كثر كما لو أنفق عليه بغير أمر القاضي م: (فإن كان الآبق رهناً) ش: فرده، آخذه م: (فالجعل على المرتهن؛ لأنه أحيا ماليته بالرد، وهي حقه) ش: أي مالية العبد حق المرتهن م: (إذ الاستيفاء منها) ش: أي لأن الاستيفاء حقه من مالية العبد م: (والجعل بمقابلة إحياء المالية فيكون عليه) ش: أي فيكون الجعل على المرتهن. وقال الأكمل: والجعل بمقابلة إحياء المالية فيه نظر لأنه يلزمه إذا رد أم الولد، وليس ثم إحياء المالية عند أبي حنيفة واجب بأنه لا مالية فيها باعتبار الرقبة، ولها مالية باعتبار كسبها لأنه أحق بكسبها وقد أحيا الراد ذلك برده. م: (والرد في حياة الراهن وبعده سواء لأن الرهن لا يبطل بالموت) ش: فكان الرد بعد موته وقبله سواء م: (وهذا) ش: أي كون الجعل على الراهن م: (إذا كانت قيمته) ش: أي قيمة الآبق م: (مثل الدين أو أقل منه، فإن كانت أكثر فبقدر الدين عليه) ش: أي فيقدر حصة الدين على المرتهن م: (والباقي على الراهن لأن حقه) ش: أي حق الرهن م: (بالقدر المضمون) ش: لا غير فيجب عليه الجعل بقدره م: (فصار كثمن الدواء) ش: حيث يجب ذلك على المرتهن بقدر دينه والباقي على الراهن. م: (وتخليصه) ش: أي تخليص العبد المرهون م: (عن الجناية بالفداء) ش: فإن البقاء يجب على المرتهن بقدر دينه وحصته على الراهن، فكذلك الجعل م: (وإن كان) ش: أي العبد الآبق

стр. 3799

مديونا فعلى المولى إن اختار قضاء الدين وإن بيع بدئ بالجعل، والباقي للغرماء؛ لأنه مؤنة الملك، والملك فيه كالموقوف فيجب على من يستقر له، وإن كان جانيا فعلى المولى إن اختار الفداء لعود المنفعة إليه، وعلى الأولياء إن اختار الدفع لعودها إليهم، وإن كان موهوبا فعلى الموهوب له، وإن رجع الواهب في هبته بعد الرد ــ [البناية] مأذوناً م: (مديوناً فعلى المولى) ش: أي فالجعل على المولى م: (إن اختار قضاء الدين) ش: لأجل انتفاء العبد على ملكه. م: (وإن بيع) ش: أي العبد بالدين م: (بدئ بالجعل) ش: يعني يستوفي من الجعل أولاً م: (والباقي) ش: من الثمن م: (للغرماء لأنه) ش: أي لأن الجعل م: (مؤنة الملك والملك فيه) ش: أي ملك المولى في العبد لحقوق الدين م: (كالموقوف) ش: بين أن يسد على المولى متى اختار قضاء الدين، وبين أن يصير للغرماء متى اختار البيع. م: (فيجب على من يستقر له) ش: أي فيجب الجعل على من يستقر له الملك، فإن اختار المولى قضاء الدين استقر الملك له فيجب الجعل عليه، وإن بيع العبد المستقر الملك فيه للغرماء فيجب الجعل عليهم. م: (وإن كان) ش: أي الآبق م: (جانياً) ش: بأن أخطأ م: (فعلى المولى) ش: أي فالجعل على المولى م: (إن اختار الفداء لعود المنفعة إليه) ش: أي منفعة الرد إلى المولى م: (وعلى الأولياء) ش: أي والجعل على الأولياء م: (إن اختار) ش: أي المولى م: (الدفع) ش: أي دفع العبد م: (لعودها إليهم) ش: أي إلى الأولياء لأن منفعة الرد سلمت لهم م: (وإن كان موهوباً) ش: أي وإن كان العبد الآبق موهوباً م: (فعلى الموهوب له) ش: أي فالجعل على الموهوب له. م: (وإن رجع الواهب في هبته) ش: كلمة إن للوصل لما قبله م: (بعد الرد) ش: أي بعد رد الآبق، وإنما ذكر أن الواصلة لدفع شبهة ترد على قوله فيجب من يستقر له الملك وعلى قوله فعلى المولى إن اختار الفداء لعود المنفعة إليه، فعلى هذا ينبغي أن يجب الجعل على الواهب لهذين المعنيين. فأجاب بقوله م: (لأن المنفعة للواهب ما حصلت بالرد) ش: أي برد الآبق م: (بل بترك الموهوب له التصرف) ش: من الهبة والبيع وغيرهما من التصرف الذي يمنع الواهب من الرجوع في هبته، وزوال الملك بالرجوع كزواله بموت العبد فلم يبطل الجعل عليه برجوع الواهب كما في الموت. فإن قيل: المنفعة حصلت للواهب بالرد وترك التصرف في الموهوب له فيه قلنا: نعم، لكن ترك الموهوب له التصرف آخرهما وجوداً، فيضاف الحكم إليه كما في القرابة مع الملك يضاف التصرف إلى آخرهما وجوداً كذا هذا م: (فيه) ش: أي في الآبق م: (بعد الرد) ش: أي بعد رد الآبق

стр. 3800

لأن المنفعة للواهب ما حصلت بالرد بل بترك الموهوب له التصرف فيه بعد الرد، وإن كان للصبي فالجعل يجب في ماله لأنه مؤنة ملكه، وإن رده وصيه فلا جعل له؛ لأنه هو الذي يتولى الرد فيه. ــ [البناية] من إباقه م: (وإن كان) ش: أي العبد الآبق م: (للصبي فالجعل يجب في ماله لأنه) ش: أي لأن الجعل م: (مؤنة ملكه) ش: أي ملك الصبي. م: (وإن رده) ش: أي الآبق م: (وصيه) ش: أي وصي الصبي م: (فلا جعل له لأنه هو الذي يتولى الرد فيه) ش: أي في الآبق إذ هو الطالب لآبق اليتيم عادة، وشرعاً يتحقق الرد فيه على نفسه، وكذا لو كان اليتيم في حجر رجل يعوله فيرده الرجل لا جعل له لأنه هو الطالب عادة، وكذا لا جعل للسلطان أو الشحنة أو الظفير لا جعل لهم في رد الآبق، والمال من أيدي قطاع الطريق لوجوب الفعل عليهم. كذا في " المبسوط " و " الذخيرة ". وفي " المحيط " لو أخذ رجل آبقاً فغصبه من الآخذ رجل، وجاء إلى مولاه وأخذ جعله ثم جاء للآخر وأقام بينة أنه أخذ من مسيرة سفر يأخذ الجعل من سيده ثانياً ويرجع السيد على الغاصب بما وقع إليه، ولو جاء رجل بالآبق من مسيرة سفر فلما دخل مصر سيده هرب من الآخذ فوجده آخر وجاء به إلى سيده فلا جعل لواحد منهما، ولو خرج من المصر بعد الهرب وجاء به الآخر مدة سفر فالجعل للثاني. وذكر الحاكم في " الكافي " إذا أبقت الأمة ولها صبي مرضعاً فردهما رجل كان له جعل واحد، فإن كان ابنها غلاماً قد قارب الحلم فله جعل ثمانون درهماً، وعلل في " الشامل " وقال: لأن من لم يراهق لم يقر آبقاً.

стр. 3801

كتاب المفقود إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقه؛ لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه، والمفقود بهذه الصفة، وصار كالصبي والمجنون، وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له، وقوله: ليستوفي حقه لإخفاء أنه يقبض غلاته، والدين الذي أقر به غريم من غرمائه لأنه من باب الحفظ، ويخاصم في دين وجب بعقده لأنه أصيل في حقوقه، ــ [البناية] [كتاب المفقود] [حفظ مال من غاب فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت] م: (كتاب المفقود) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام المفقود، ووجه مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله قد ذكرناه، يقال فقدت الشيء أي غاب عني فقداً وفقوداً وفقداناً فهو مفقود أي غائب، وهو من الأضداد. يقال فقدت الشيء أي ضللته، وفقدته أي طلبته وكلا المعنيين موجود في المفقود وقد ضل عن أهله وهو في طلبه، إذ هو اسم لحر غائب لم يرد موضعه ولا حياته ولا مماته وأهله في طلبه. وفي " المبسوط " هو حي غائب عن بلده أو أسر وأهله في طلبه، وقد انقطع خبره واستتر عليهم أثره ففي مستقره في الحد قد يصلون إلى المراد وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد. وفي ذكر المصنف في الكتاب ما ينفر مرامه الشرعي وهو قوله م: (إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه) ش: أي على حفظ ماله م: (ويستوفي حقه لأن القاضي نصب ناظراً لكل عاجز عن النظر لنفسه، والمفقود بهذه الصفة) ش: أي الصفة المذكورة وهي قوله إذا غاب الرجل إلى آخره م: (وصار) ش: أي المفقود م: (كالصبي والمجنون) ش: حيث يحتاجان إلى من ينظر في أمرهما م: (وفي نصب الحافظ لماله) ش: أي وفي نصب القاضي الحافظ المقصود م: (والقائم عليه) ش: أي على مال المفقود م: (نظر له) ش: أي للمفقود وارتفاع نظر على أنه مبتدأ وله خبره. م: (وقوله) ش: أي قول القدوري ﵀: م: (ليستوفي حقه) ش: وهذا من لفظه في " مختصره " أي يستوفي الذي نصب له لحفظ ماله، والقيام عليه حق المفقود، ولما كان هذا محتاجاً إلى إيضاحه أوضحه المصنف بقوله م: (لإخفاء أنه يقبض غلاته) ش: لأنها من جملة حقه. م: (والدين) ش: أي ويقبض الدين م: (الذي أقر به غريم من غرمائه) ش: أي من غرماء المفقود م: (لأنه) ش: أي لأن قبض كل واحد من غرمائه الدين المذكور م: (من باب الحفظ ويخاصم) ش: أي الذي نصب له م: (في دين وجب بعقده) ش: أي بعقد الذي له. م: (لأنه) ش: أي لأن الذي نصب له م: (أصيل في حقوقه) ش: أي في حقوق العقد الذي

стр. 3802

ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود. ولا في نصيب له عقار أو عروض في يد رجل؛ لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف. وإنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين، وإذا كان كذلك يتضمن الحكم به قضاء على الغائب، وأنه لا يجوز إلا إذا رآه القاضي وقضى به؛ لأنه مجتهد فيه، ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته فينظر له ــ [البناية] تولاه المفقود، وفائدته أن لا يقبل البينة عليه لأنه ليس من باب النظر للمفقود، وأنه قضاء على الغائب ولا في نصب له. م: (ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له) ش: في نصيب للمفقود كائناً م: (في عقار أو عروض في يد رجل لأنه) ش: أي لأن الذي نصب م: (ليس بمالك ولا نائب عنه) ش: أي عن المفقود م: (إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي، وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف، وإنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين) ش: يعني الوكيل يقبض الدين من جهة المالك ويملك الخصومة عند أبي حنيفة خلافاً لهما. م: (وإذا كان كذلك) ش: أي وإذا كان الوكيل بالقبض من جهة القاضي لا يملك الخصومة م: (يتضمن الحكم به) ش: أي حكم القاضي بثبوت ذلك م: (قضاء على الغائب وأنه) ش: أي وأن قضاء القبض على الغائب م: (لا يجوز إلا إذا رآه القاضي) ش: إلا إذا رأى القاضي ذلك مصلحة. م: (وقضى به) ش: أي بما رآه جاز ذلك م: (لأنه مجتهد فيه) ش: أي في الحكم على الغائب، وعند الشافعي يجوز لأن القضاء إذا لاقى فضلاً مجتهداً فيه بعد. وفي " الخلاصة " ذكر الإمام السرخسي ﵀ هذا بناء على أن القاضي هل يقضي على الغائب وهل ينصب وكيلاً على الغائب، فعندنا لا وهي معروفة، أما لو فعل وقضى على الغائب فقد جاز بالإجماع. وهكذا ذكر في الزيادات، فإن قيل المجتهد نفس القضاء فينبغي أن يتوقف على إمضاء قاض آخر. قلنا: لا بل المجتهد سبب القضاء وهو أن البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر للقضاء أم لا، فإذا رآها القاضي حجة وقضى بها بقذف كما لو قضى بشهادة المحدود في القذف ثم قال في " الخلاصة " و " الفتوى " على هذا. ونقل الأستروبشتي في فصوله عن فتاوى ظهير الدين أن نفس القضاء مختلف فيه فيتوقف على إمضاء قاض آخر كما لو كان القاضي محدوداً في القذف م: (ثم ما كان يخاف عليه الفساد) ش: (مثل الثمار ونحوها م: (يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه) ش: أي على القاضي م: (حفظ صورته) ش: ومعناه وهو ما ينساه أراد أن حفظ صورته وحفظ ماله كليهما متعذر م: (فينظر له) ش: أي

стр. 3803

بحفظ المعنى. ولا يبيع ما لا يخاف عليه الفساد في نفقته ولا في غيرها؛ لأنه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله. فلا يسوغ له ترك حفظ الصورة وهو ممكن. قال: وينفق على زوجته وأولاده من ماله، وليس هذا الحكم مقصورا على الأولاد بل يعم جميع قرابة الولاد، والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته؛ لأن القضاء حينئذ يكون إعانة، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله ــ [البناية] للمفقود م: (بحفظ المعنى) ش: وهو المالية وهي تبقى بحفظ الثمن والحفظ من وجه أولى من ترك الحفظ من كل وجه. م: (ولا يبيع) ش: أي القاضي م: (ما لا يخاف عليه الفساد في نفقته) ش: أي لأجل نفقته، وهو يتعلق بقوله ولا يبيع م: (ولا في غيرها) ش: أي ولا في غير النفقة وما لا يخاف عليه الفساد، وسواء كان منقولاً أو عقاراً، وبه صرح خواهر زادة في مبسوطه م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له) ش: أي فلا يجوز له م: (ترك حفظ الصورة، وهو ممكن) ش: الواو فيه للحال قيد بالإمكان لأن عند عدمه له أن يبيعه م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وينفق على زوجته) ش: أي زوجة المفقود. م: (وأولاده من ماله) ش: أي من مال المفقود، أي هذا لفظ القدوري ﵀ م: (وليس هذا الحكم مقصوراً على الأولاد بل يعم) ش: أي الحكم م: (جميع قرابة الولاد) ش: كالآباء والأجداد وإن علوا والأولاد وإن سفلوا والجدات وإن علون. م: (والأصل) ش: أي في هذا الباب الذي يبنى عليه أحكام هذا الباب م: (أن كل من يستحق النفقة في ماله) ش: أي مال المفقود م: (حال حضرته بغير قضاء القاضي) ش: كالأبوين والأولاد الصغار ذكوراً كانوا أو إناثاً، والأولاد الكبار من النساء، والزمنى الذكور الكبار، م: (ينفق) ش: أي القاضي. م: (عليه) ش: أي على من يستحق النفقة م: (من ماله عند غيبته؛ لأن القضاء حينئذ) ش: أي حين إنفاق القاضي عليهم م: (يكون إعانة) ش: أي تمكيناً للمستحق من الأخذ، ولهذا لو تمكنوا من ذلك لهم الأخذ فيعينهم القاضي على ذلك إلزاماً إذ اللزوم ثابت قبل القضاء، ولأن للقاضي إن يعين صاحب الحق على إيفاء حقه حال غيبته كما لو علم بوجوب الدين فإنه يعطيه الدين من مال الغائب. م: (وكل من لا يستحقها) ش: أي النفقة م: (في حضرته) ش: أي في حضرة المفقود م: (إلا بالقضاء) ش: كما في الأخ والأخت والخال والخالة م: (لا ينفق عليه من ماله) ش: أي لا ينفق

стр. 3804

في غيبته؛ لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء، والقضاء على الغائب ممتنع، فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمنى من الذكور الكبار، ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة. وقوله: من ماله مراده الدراهم والدنانير؛ لأن حقهم في المطعوم والملبوس، فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر. ــ [البناية] القاضي عليه من مال المفقود م: (في غيبته لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء، والقضاء على الغائب ممتنع) ش: خلافاً للشافعي. م: (فمن الأول) ش: أي فمن يستحق النفقة بغير قضاء القاضي م: (الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمنى من الذكور الكبار ومن الثاني) ش: أي وممن لا يستحق النفقة بغير قضاء القاضي م: (الأخ والأخت والخال والخالة) ش: والعم والعمة. وإنما كان هذا من الثاني؛ لأنها نفقة ذي الرحم المحرم وهي مجتهد فيها، فلا تجب إلا بالقضاء والرضاء، ولهذا لم يكن لهم الأخذ بدون القضاء. والعرف بين قرابة الأولاد وغيرهم من سائر المحارم وحيث استحق الأولون النفقة بلا قضاء ولم يستحق الآخرون إلا بالقضاء فإن حق ولاية الأولاد في النفقة مثل الدين من حق غيرهم؛ لأنهم يستحقون النفقة بالقرابة المحرمة للنكاح وبالولاد، وغيرهم بالقرابة المحرمة لا بالولاد. فلما ظهر لهم فضل مزية ثبت استحقاق النفقة بلا قضاء بخلاف قرابة الإخوة والأخوات وسائر المحارم. وممن لا يستحق النفقة بغير قضاء القاضي الأخ والأخت والخال والخالة والعم والعمة. وأما الزوجة فحقها في النفقة آكد أيضاً من قرابة الولاد، ولهذا تستحق النفقة، وإن كانت غنية، وإن كان الورثة كباراً ليس لهم زمانة ولا فيهم امرأة، وكانوا إخوة من الرضاع أو بني عم لم ينفق عليهم القاضي من مال المفقود لأنهم لا يستحقون النفقة حال حضرة المفقود. وكذا حال غيبته، وقال خواهر زاده في " مبسوطه ": وإن استوثق منهم بكفيل فحسن لجواز أنهم أخذوا نفقة هذه المدة من المفقود، ومرة فيأخذ منهم كفيلاً حتى إذا حضر المفقود وأثبت أنه دفع إليهم نفقة هذه المدة مرة وإن لم يقدر عليهم أخذ من الكفيل وإن شاء ضمنهم. م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري ﵀: م: (من ماله) ش: يعني في قوله وينفق على زوجته وأولاده من ماله م: (مراده) ش: أي القدوري ﵀ م: (الدراهم والدنانير؛ لأن حقهم) ش: أي حق قرابة الولاد والزوجة م: (في المطعوم والملبوس) ش: لا في غيرها م: (فإذا لم يكن ذلك) ش: أي المطعوم والملبوس م: (في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي) ش: أي القيمة م: (النقدان) ش: وهما الدراهم والدنانير فكانت من جنس حقهم م: (والتبر) ش: وهو ما كان غير

стр. 3805

بمنزلتهما في هذا الحكم لأنه يصلح قيمة كالمضروب، وهذا إذا كانت في يد القاضي، فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع والمديون مقرين بالوديعة والدين والنكاح والنسب، وهذا إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي، فإن كانا ظاهرين فلا حاجة إلى الإقرار، وإن كان أحدهما ظاهرا يشترط الإقرار بما ليس بظاهر، هذا هو الصحيح. ــ [البناية] مضروب من الفضة والذهب كما قاله في " المغرب " م: (بمنزلتهما) ش: أي بمنزلة النقدين م: (في هذا الحكم) ش: أي في القضاء بالقيمة م: (لأنه يصلح قيمة كالمضروب) ش: أي كالدراهم والدنانير فلهم أخذ جنس حقهم، وللقاضي إعانته في ذلك. م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه من إنفاق القاضي عليهم من الدراهم والدنانير م: (إذا كانت في يد القاضي، فإن كانت وديعة) ش: عند رجل م: (أو دينا ينفق) ش: أي القاضي م: (عليهم منهما) ش: أي من الوديعة والدين م: (إذا كان المودع) ش: بفتح الدال م: (والمديون مقرين بالوديعة والدين والنكاح) ش: بين المفقود دون وجه م: (والنسب) ش: بينه وبين من يستحق عليه النفقة م: (وهذا) ش: أي الاحتياج إلى الإقرار إنما هو م: (إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي) ش: أي الدين والوديعة والنكاح وبعد النسب جعل الدين والوديعة شيئاً واحداً، والنكاح والنسب كذلك، فكذلك ذكرهما بلفظ التنبيه بدليل قوله بعد م: (فإن كانا ظاهرين) ش: أي الوديعة والدين والنكاح والنسب ظاهرين عند القاضي م: (فلا حاجة إلى الإقرار) ش: أي إقرار المودع أو المديون. م: (وإن كان أحدهما ظاهراً) ش: أي أحد الشيئين اللذين أحدهما الوديعة والدين، وقد ذكرناه أنه جعلهما واحداً، والآخر من الشيئين هو قوله أو النكاح والكسب، أي أو كان الظاهر عند القاضي النكاح والكسب م: (يشترط الإقرار بما ليس بظاهر) ش: مثلها إن لم تكن الزوجية ظاهرة عند القاضي يشترط إقرار المودع والمديون، كأن يقول: هذه زوجة فلان المفقود أو يقول هذا ابن فلان المفقود. وكذا إذا لم يكن الدين أو الوديعة ظاهراً عند القاضي يقول من في يده المال هذه وديعة فلان المفقود أو دين فلان المفقود، وقال خواهر زاده في " مبسوطه ": ولم يذكر في الكتاب يعني في " المبسوط " أنه إذا كان للمفقود ديناً ووديعة ينفق أولاً من الوديعة أو من الدين ثم قال: وذكر في " السير الكبير ": ينفق من الوديعة أولاً؛ لأن النظر للغائب في هذا لأنه إذا أنفق أولاً من الدين ربما تهلك الوديعة في يد المودع في مدة الإنفاق. فإذا حضر الغائب لا يلقى إلا الدين ولا يجد الوديعة، والدين لا ينوى م: (هذا هو الصحيح) ش: أي الإنفاق من الوديعة والدين على الزوجة وقرابة الولاد، هو الصحيح وهو وجه الاستحسان، واحترز بقوله هو الصحيح عن وجه القياس، وهو قول زفر؛ لأنه قضاء على الغائب

стр. 3806

فإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون؛ لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه، بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي؛ لأن القاضي نائب عنه. وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب، لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك؛ لأن ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه، وهو النفقة لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود. قال: ولا يفرق بينه وبين امرأته، وقال مالك: إذا مضى أربع سنين يفرق القاضي بينه وبين امرأته وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من شاءت؛ لأن عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهواه الجن بالمدينة ــ [البناية] فلا يجوز. وجه الاستحسان: أن الوديعة والدين مال المفقود وهو جنس حقهم، فكان للقاضي أن ينفق عليهم من ذلك كما ينفق من المال الذي في يده أو في بيته. م: (فإن دفع المودع) ش: بفتح الدال م: (بنفسه أو من عليه الدين) ش: أي أو أعطى من عليه الدين م: (بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي؛ لأن القاضي نائب عنه) ش: أي عن المفقود. م: (وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلاً) ش: يعني منكرين بالكمية ولا يعتبران لا بالوديعة ولا بالدين ولا بالنكاح والنسب م: (أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصماً في ذلك) ش: لأن الخصومة إما دفع من المالك أو نائب المالك، ولم يوجد لا هذا ولا ذاك م: (لأن ما يدعيه) ش: أي الآخذ من المتحققين. م: (للغائب) ش: أي لأجله م: (لم يتعين سبباً لثبوت حقه وهو النفقة؛ لأنها) ش: أي لأن النفقة م: (كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود) ش: فلم يكن خصماً عن المفقود حكماً، وقال شيخي العلاء ﵀: حاصله أن ما يدعيه الزوجة والأولاد أن هذا المال هو الدين والوديعة مال للغائب لم يتعين لنفقتهم؛ لأنه كما تجوز النفقة في الدين والوديعة تجوز في مال آخر أيضاً للمفقود فلم ينتصب خصماً. وقوله: لم يتعين سبباً لثبوت حقه أي لم يتعين محلاً لثبوت حق آخذ مستحق النفقة، وإنما ذكر السبب مقام ذكر المحل لمناسبة بينهما، لما أن السبب يعمل في المحل. [حق امرأة المفقود] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا يفرق بينه وبين امرأته، وقال مالك: إذا مضى أربع سنين يفرق القاضي بينه وبين امرأته وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من شاءت؛ لأن عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهواه الجن بالمدينة) ش: هذا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه) في

стр. 3807

وكفى به إماما، ولأنه منع حقها بالغيبة فيفرق القاضي بينهما بعد مضي المدة اعتبارا بالإيلاء والعنة، وبعد هذا الاعتبار أخذ المقدار منهما: الأربع من الإيلاء والسنين من العنة عملا بالشبهين، ــ [البناية] كتاب " النكاح ". حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة أن رجلاً استهواه الجن على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فأتت امرأته عمر ﵁ فأمرها أن تتربص أربع سنين ثم أمر وليه بعد أربع سنين أن يطلقها، ثم أمرها أن تعتد، فإذا انقضت عدتها تزوجت، فإن جاء زوجها خير بين امرأته والصداق. ورواه عبد الرزاق أيضاً في " مصنفه "، وفي آخره فخير عمر ﵁ بينها وبين الصداق الذي أصدقها، ورواه من طريق آخر، وفي آخره فقال له عمر ﵁: إن شئت رددنا إليك امرأتك وإن شئت زوجناك غيرها، قال: بل زوجني غيرها، ثم جعل عمر ﵁ يسأله عن الجن، وهو يخبره. قوله: استهواه الجن، قال الكاكي: أي جرته الجن وتهمته. قلت: يقال استهواه أي جره إلى المهاوي وهي المساقط والمهالك. م: (وكفى به) ش: أي بعمر ﵁ م: (إماماً) ش: أي من حيث الإمامية م: (ولأنه) ش: أي ولأن المفقود م: (منع حقها) ش: أي حق امرأته م: (بالغيبة فيفرق القاضي بينهما بعد مضي المدة اعتباراً بالإيلاء والعنة) ش: يعني يفرق بينه وبين امرأته كما يفرق بين العنين والمولى دفعاً للضرر عنها كي لا تبقى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة. م: (وبعد هذا الاعتبار) ش: أي بالإيلاء والعنة م: (أخذ) ش: أي مالك م: (المقدار) ش: أي المقدار الذي يفرق م: (منهما) ش: أي من الإيلاء والعنة م: (الأربع) ش: أي أخذ الأربع م: (من الإيلاء) ش: لأن مقداره أربعة أشهر م: (والسنين) ش: أي أخذ السنين م: (من العنة) ش: لأن المقدار فيها سنة م: (عملاً بالشبهين) ش: أي شبه الإيلاء وشبه العنة. حاصله أن امرأة المفقود تشبه امرأة المولى من حيث إن حقها في الجماع فات بالسفر كفوات حق امرأة المفقود وشبهه امرأة المولى فالجماع بصفته وهو الإيلاء. وتشبه امرأة العنين من حيث إن حقها في الجماع فات من جهة الزوج بسبب هو فيه معذور؛ لأن العنة مباح كما أن حق امرأة العنين فات في الجماع، ونفقة الزوج وهو فيها معذور فضربناها مدة الخلاص متصل إلى حقها في الجماع أربع سنين اعتباراً بالشبهين.

стр. 3808

ولنا قوله ﵇ في امرأة المفقود: «إنها امرأته حتى يأتيها البيان» وقول علي ﵁ فيها هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يتبين موت أو طلاق. ــ [البناية] م: (ولنا قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ : م: (في امرأة المفقود إنها «امرأته حتى يأتيها البيان» ش: هذا أخرجه الدارقطني في " سننه " عن سوار بن مصعب حدثنا محمد بن شرحبيل الهمداني عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان» ويروى: «حتى يأتيها الخبر» . وهذا حديث ضعيف. قال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": سألت أبي عن حديث رواه سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة، قال أبي: هذا حديث منكر، ومحمد بن شرحبيل: متروك الحديث، يروي عن المغيرة مناكير وأباطيل، وذكره عبد الحق في " أحكامه " من جهة الدارقطني، وأعله بمحمد بن شرحبيل وقال: إنه متروك. وقال ابن القطان في " كتابه ": سوار بن مصعب أشهر المتروكين منه، ودونه صالح بن مالك، ولا يعرف، ودونه محمد بن الفضل ولا يعرف حاله. وقال الأترازي: ولنا ما روى علماؤنا في " المبسوط " عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: " في امرأة المفقود إنها «امرأته حتى يأتيها البيان» ... انتهى قلت: كأنه لم يقف على رواية الدارقطني فلهذا نسب روايته إلى أصحابنا من غير إسناد، قلت: الأول: مسلم، والثاني: ممنوع على ما لا يخفى. م: (وقول علي ﵁) ش: مرفوع بالابتداء وخبره قوله خرج بياناً، والجملة عطف على قوله: ولنا قوله ﵇ م: (فيها) ش: أي في امرأة المفقود م: (هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يتبين موت أو طلاق) ش: هذا رواه عبد الرزاق في " مصنفه " في كتاب الطلاق أخبرنا محمد بن عبد الله العرزمي عن الحكم بن عتيبة أن علياً ﵁ قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتليت، فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق. وأخبرنا معمر عن ابن أبي ليلى عن الحكم أن علياً قال، فذكره سواء، أخبرنا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن علي ﵁، قال تتربص حتى تعلم أحي هو أم ميت.

стр. 3809

خرج بيانا للبيان المذكور في المرفوع، ولأن النكاح عرف ثبوته، والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال، فلا يزال النكاح بالشك، وعمر ﵁ رجع إلى قول علي ﵁، ولا معتبر بالإيلاء؛ لأنه كان طلاقا معجلا، فاعتبر في الشرع مؤجلا، فكان موجبا للفرقة ولا بالعنة؛ لأن الغيبة تعقب الأوبة، والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة. ــ [البناية] م: (خرج بياناً) ش: خبر المبتدأ أعني قول علي ﵁ كما ذكرنا، أي خرج مظهراً م: (للبيان المذكور في المرفوع) ش: أي لمعنى البيان المذكور في الحديث المرفوع، وهو قوله ﵇ في المفقود: إنها «امرأته حتى يأتيها البيان؛» لأن قوله البيان مجمل في أن إتيان البيان من أي طريق يكون فبين علي ﵁ ذلك المجمل بقوله: حتى يتبين موت أو طلاق، وفي هذا المكان تأمل لا يخفى. م: (ولأن النكاح عرف ثبوته) ش: عمن يعرف المفقود وامرأته م: (والغيبة) ش: أي غيبة المفقود م: (لا توجب الفرقة) ش: كما في غيبة غير المفقود م: (والموت في حيز الاحتمال) ش: أي في جهة الاحتمال، يقال هذا الكلام في حيز التواتر أي في جهته ومكانه وهو مجاز. م: (فلا يزال النكاح) ش: أي الذي بين المفقود وامرأته م: (بالشك) ش: لأن الشك لا يزيل الثابت م: (وعمر ﵁ رجع إلى قول علي ﵁) ش: هذا جواب عن استدلال مالك بقوله: لأن عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهوته الجن، ولم يبين وجه الرجوع. وقال الكاكي: وذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر ﵁ رجع عن ثلاث قضيات إلى قول علي ﵁ أحدها مال المفقود وغيرها مذكور في " المبسوط ". وقال الأترازي فلما ثبت أن عمر ﵁ رجع إلى قول علي ﵁، كان ذلك إجماعاً على قول علي ﵁ وفيه تأمل لا يخفى. م: (ولا معتبر بالإيلاء) ش: هذا جواب عن قياس مالك صورة النزاع على الإيلاء، بيانه ما ذكره من قوله م: (لأنه) ش: أي لأن الإيلاء م: (كان طلاقاً معجلاً) ش: في الابتداء م: (فاعتبر في الشرع مؤجلاً) ش: أي طلاقاً مؤجلاً م: (فكان) ش: أي الطلاق م: (موجباً للفرقة) ش: أي مزيلاً لملك النكاح، وليس كذلك امرأة المفقود؛ لأنه لم يوجد من الزوج طلاق أصلاً، لا طلاق معجل ولا مؤجل. م: (ولا بالعنة) ش: أي ولا معتبر أيضاً بالعنة م: (لأن الغيبة) ش: وفي بعض النسخ لأن الغربة م: (تعقب الأوبة) ش: أي الرجوع إذ الظاهر حال الغائب أنه يؤوب م: (والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة) ش: أي بعد استحكامها سنة، إيضاح ذلك أنه ثبت في باب العنة حق الفرقة

стр. 3810

قال: وإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته. قال: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وفي ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران، وفي المروي عن أبي يوسف بمائة سنة، وقدره بعضهم بتسعين، والأقيس أن لا يقدر بشيء، ــ [البناية] لفوات حق المرأة في الجماع على التأبيد. لأن أمر العنة متردد بين أن يكون خلقة وبين أن يكون عارضاً، فجعل الشارع العامل الفاصل بينهما مضي سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة المشتملة على الطبائع، فإذا مضت منه ولم تزل العنة علم أنها كانت خلقة، وما كان خلقة لا يزول أبداً، وهو الظاهر، ولا يزول غالباً بخلاف امرأة المفقود فإن حقها في الجماع لم يفت على التأبيد؛ لأنه يرجى مجيئه بعد أربع سنين، كما قيل ذلك بعد القياس هذا حاصل ما ذكره خواهر زاده في " مبسوطه ". [إذا تم للمفقود من عمره مائة وعشرون منذ ولدته أمه] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته) ش: أي إذا تم للمفقود من عمره مائة وعشرون منذ ولدته أمه حكمنا بموته قبل هذا يرجع إلى أهل قول الطبائع والنجوم، فإنهم يقولون: لا يجوز أن يعيش أحد أكثر من هذه المدة، وقولهم باطل بالنصوص الواردة في طول عمر من كان قبلنا لنوح وغيره ﵈. م: (قال) ش: أي المصنف م: (وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وفي ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران) ش: كذا اعتبر محمد في الأصل، ولم يذكر محمد أنه يعتبر موت أقرانه من أهل بلده، وقال خواهر زاده في " مبسوطه ": قال بعضهم: يعتبر أقرانه في السن في جميع البلدان؛ لأنه ذكر الأقران مطلقاً، فيتناول أقرانه في السن في جميع البلدان لا بلده خاصة. وقال بعضهم: يعتبر أقرانه في السن من أهل بلده؛ لأن الأعمار تتفاوت وتختلف باختلاف الأقاليم والبلدان، حتى قالوا: الصقالبة أطول أعماراً من أهل الروم، فإذا كان كذلك يعتبر أقرانه في السن من أهل بلده لا من جميع البلدان، ثم قال خواهر زاده: وهذا القول أصح وأرفق بالناس. م: (وفي المروي عن أبي يوسف بمائة سنة) ش: كذا في " الشامل " وشرح الطحاوي، وفي رواية عنه بثمانية وخمسين سنة م: (وقدره بعضهم بتسعين) ش: لأنه متوسط ليس بغالب ولا نادر، وقال الصدر الشهيد: عليه الفتوى، كذا قال في الخلاصة، وقال المتأخرون من مشايخنا ستين سنة رفقاً بالناس هاهنا لرفع الحرج عنهم. وفي " فتاوى الولوالجي " قال بعضهم: هو مفوض إلى رأي القاضي، يعني أي وقت رأى المصلحة حكم بموته. م: (والأقيس أن لا يقدر بشيء) ش: الأقيس أفعل التفضيل للمفضول كالأشهر في تفضيل

стр. 3811

والأرفق أن يقدر بتسعين، وإذا حكم بموته اعتدت امرأته عدة الوفاة من ذلك الوقت، وقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت كأنه مات في ذلك الوقت معاينة، إذ الحكمي معتبر بالحقيقي، ومن مات قبل ذلك لم يرث منه لأنه لم يحكم بموته فيها فصار كما إذا كانت حياته معلومة، ولا يرث المفقود أحد مات في حال فقده، لأن إبقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو لا يصلح حجة في الاستحقاق، وكذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي ثم الأصل أنه لو كان مع المفقود وارث لا يحجب به، ــ [البناية] المشهور، ولا تفضيل للمفعول إلا شاذاً كما في قولهم اشتعل من ذات الختين كفى من المقادير المذكورة كالمائة والتسعين ونحو ذلك، بل يعتبر بموت الأقران؛ لأن حياة الإنسان بعد موت جميع أقرانه نادر ولا عبرة بالنادر. م: (والأرفق أن يقدر بتسعين) ش: لأن الحياة بعده نادر. وفي " الكافي " وعليه الفتوى م: (وإن حكم بموته اعتدت امرأته عدة الوفاة من ذلك الوقت) ش: أي من وقت الحكم بالموت م: (وقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت) ش: أي وقت الحكم بالموت م: (كأنه) ش: أي كأن المفقود م: (مات في ذلك الوقت معاينة) ش: أي عياناً م: (إذ الحكمي) ش: أي الموت الحكمي م: (معتبر بالحقيقي) ش: فلو ثبت موته حقيقة تعتد امرأته، وقسم ماله بين ورثته، فكذلك في الموت الحكمي. م: (ومن مات قبل ذلك) ش: أي من مات من ورثة المفقود م: (لم يرث منه لأنه لم يحكم بموته فيها) ش: أي في مدة الفقد م: (فصار كما إذا كانت حياته معلومة ولا يرث المفقود أحد مات في حال فقده؛ لأن إبقاءه حياً في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو) ش: أي استصحاب الحال م: (لا يصلح حجة في الاستحقاق) ش: واستصحاب الحال عبارة عن بقاء ما كان على ما كان لعدم الدليل المزيل فيصلح الاستصحاب عندنا حجة للدفع لا للاستحقاق. فلهذا اعتبر المقصود حياً في مال غيره حتى لا يرث من المفقود في حال فقده، ولا يرث المفقود عن أحد بل يوقف نصيبه من حال مورثه، فإذا مضت المدة أو علم موته يرد الموقوف لأجله إلى وارث مورثه الذي ورث من ماله. [أوصى للمفقود ومات الموصي] م: (وكذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي) ش: أي لا يقضى للمفقود بالوصية إذا مات الموصي في حال فقده، بل تكون الوصية موقوفة كالميراث إلى أن يظهر حاله، وفي " الذخيرة ": لا يقضى بصحتها. ولا تبطل حتى يظهر حال المفقود، ولأن الوصية أخت الميراث، وفي الميراث يحبس حصة المفقود إلى أن يظهر حاله من الميراث، فكذا في الوصية. م: (ثم الأصل) ش: أي في مال المفقود م: (أنه لو كان مع المفقود وارث لا يحجب به) ش: أي

стр. 3812

ولكنه ينتقص حقه به ويعطى أقل النصيبين ويوقف الباقي. وإن كان معه وارث يحجب به لا يعطى أصلا، بيانه: رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن والمال في يد الأجنبي، وتصادقوا على فقد الابن. ــ [البناية] لا يكون محروماً، وما ليست المفقود م: (ولكنه) ش: أي ولكن الوارث م: (ينتقص حقه به) ش: أي بالمفقود م: (ويعطى) ش: على صيغة المجهول أي يعطى الوارث م: (أقل النصيبين ويوقف الباقي) ش: صورته تركت امرأة زوجاً وأماً وأختاً لأم وأخاً كذلك مفقوداً فللأم السدس على تقدير حياته وعلى تقدير موته الربع. وللزوج النصف على تقدير حياته وعلى تقدير موته ربع الثمن، وكذلك الأخت على تقدير مماته وعلى تقدير حياته لها التسع، فيعطى كل واحد منهم الأقل ويوقف الباقي من نصيبه. وهذه المسألة تصح من ثمانية عشر على تقدير الحياة، وعلى تقدير الوفاة من ثمانية بينهما موافقة بالنصف، فإذا ضربت نصف أحدهما في جميع الآخر تصير اثنين وسبعين، فمنه تصح للزوج سبعة وعشرون، وتسعة موقوفة من نصيبه. وللأم اثني عشر وستة موقوفة من نصيبها، وللأخت ثمانية وعشرة موقوفة من نصيبها، فإذا ظهرت حياته كان مستحقاً على ذلك التقدير، فيكون للزوج ستة وثلاثون ويبقى الذي أصاب الأم والأخت بحال. لأن الحاصل لهما على تقدير حياته هو الأقل، والباقي للأخ وهو ستة عشر سهماً، وإن حكم بموته بقي الزوج بحاله، وكمل للأم والأخت ما كان موقوفاً من نصيبهما. م: (وإن كان معه) . أي مع المفقود م: (وارث يحجب به لا يعطى أصلاً، بيانه رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن والمال في يد الأجنبي وتصادقوا) ش: أي الورثة المذكورون والأجنبيون م: (على فقد الابن) ش: قبل التصادق؛ لأن الأجنبي الذي في يده المال إذا قال قد مات المفقود قبل ابنه فإنه يجبر على دفع الثلثين إلى البنتين؛ لأن إقرار ذي اليد فيما في يده معتبر. وقد أقر أن ثلثي ما في يده لهما فيجبر على تسليم ذلك إليهما، وقول أولاد الابن: أبونا مفقود لا يمنع إقرار ذي اليد؛ لأنهم لا يدعون لأنفسهم شيئاً بهذا القول ويوقف الباقي على يد ذي اليد، حتى يظهر مستحقه هذا إذ أقر من في يده المال. أما لو جحد أن يكون المال في يده للميت فأقامت البنتان البينة أن أباهما مات، وترك هذا المال ميراثاً لهما ولأخيهما المفقود، فإن كان حياً فهو الوارث معهما وإن كان ميتاً فولده الوارث معهما، فإنه يدفع إلى البنتين النصف لأنهما بهذه البينة ثبت أن الملك لأبيهما في هذا المكان،

стр. 3813

وطلبت الابنتان الميراث تعطيان النصف؛ لأنه متيقن به، ويوقف النصف الآخر، ولا يعطى ولد الابن لأنهم يحجبون بالمفقود، ولو كان حيا فلا يستحقون الميراث بالشك، ولا ينزع من يد الأجنبي إلا إذا ظهرت منه خيانة ونظير هذا الحمل، فإنه يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى، ــ [البناية] والأب ميت وأحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت في إثبات الملك له بالبينة. وإذا ثبت ذلك يدفع إليهما النصيب وهو النصف ويوقف الباقي على عدل لأن الذي في يده حجة فهو غير مؤتمن عليه، وإنما قيد بقوله والمال في يد أجنبي؛ لأنه إذا كان في يد الابنتين والمسألة بحالها. فإن القاضي لا ينبغي له أن يحول المال من موضعه، ولا يوقِف منه شيئاً للمفقود، ومراده بهذا اللفظ أنه لا يخرج المال من أيديهما؛ لأن النصف صار بينهما بتصرف النصف الباقي للمفقود من وجه، ويريد بقوله: ولا يوقف منه شيئاً للمفقود، أن لا يجعل شيئاً مما في يد الاثنين ما كان للمفقود على الحقيقة. وكذلك لو كان المال في يد ولدي الابن المفقود تطلب النساء ميراثهما، وإن وافقوا أن الابن مفقود فإنه يعطى البنتان النصف، وهو أدنى ما يصيبهما ويترك الباقي في يد ولدي الابن المفقود من غير أن يقضى به لهما ولا لأبيهما لأنا لو قدرنا الابن المفقود كان نصيبهما الثلثين، فكان النصف منقضياً به، وقوله: تصادقوا، قد ذكرنا معناه وذكرنا وجه قيد التصادق. م: (وطلبت الابنتان الميراث تعطيان النصف لأنه) ش: أي لأن النصف م: (متيقن به) ش: لأنا لو قدرنا المفقود ميتاً كان نصيبهما الثلثين، ولو قدرناه حياً كان نصيبهما النصف، فالنصف متيقن به م: (ويوقف النصف الآخر) ش: إلى أن يظهر حال المفقود م: (ولا يعطى ولد الابن لأنهم يحجبون بالمفقود، ولو كان حياً) ش: لأن المفقود لو كان حياً كان ابنه يحجب أولاده، ولما لم يعلم حياة المفقود ولا مماته حصل الشك. م: (فلا يستحقون الميراث بالشك ولا ينزع) ش: أي النصف الموقوف م: (من يد الأجنبي) ش: لأن المال لا يخرج من يد ذي اليد إلا بالخصم م: (إلا إذا ظهرت منه) ش: أي من الأجنبي م: (خيانة) ش: بأن يكون جحده، بأن قال: ليس للميت مال في يدي؛ لأنه لما جحد ظهرت خيانته، فلا يترك مال الغير في يد الخائن، ويوضع على يد عدل إلى أن يظهر المستحق. م: (ونظير هذا) ش: أي نظير المفقود م: (الحمل) ش: في حق وقف النصف م: (فإنه) ش: أي فإن الحمل م: (يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى) ش: احترز به عما روي أنه يوقف له نصيب أكثر من واحد، وروى ليث بن سعد عن محمد أنه يوقف نصيب ثلاثة. وفي رواية هشام نصيب ابنتين، وهي إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى ابن المبارك

стр. 3814

ولو كان معه وارث آخر إن كان لا يسقط بحال، ولا يتغير بالحمل يعطى كل نصيبه، فإن كان ممن يسقط بالحمل لا يعطى، وإن كان ممن يتغير به يعطى الأقل للتيقن به كما في المفقود، وقد شرحناه في كفاية المنتهي بأتم من هذا. ــ [البناية] عن أبي حنيفة أنه يوقف نصيب أربعة بنين ويوقف ثلث ماله، وبه أخذ ابن المبارك وإبراهيم النخعي ومالك وشريك. م: (ولو كان معه) ش: أي مع الحمل م: (وارث آخر) ش: فلا يخلو م: (إن كان) ش: هذا الوارث م: (لا يسقط بحال) ش: كالابن والجدة مثلاً م: (ولا يتغير بالحمل) ش: ولا شك أن الابن يتغير بالحمل فإذا كان كذلك م: (يعطى كل نصيبه) ش: لعدم فائدة تأخيره عما يستحقه من الإرث، وأما إن كان سقط وهو معنى قوله م: (فإن كان) ش: أي الوارث م: (ممن يسقط بالحمل) ش: كابن الابن والأخ والعم م: (لا يعطى، وإن كان ممن يتغير به) ش: أي بالحمل ولكن لا يسقط كالأم والزوجة م: (يعطى الأقل للتيقن به) ش: أي بالأقل م: (كما في المفقود) ش: فإنه إذا مات وترك ابنا مفقودا أو جدة معه أو أخا أو أما فللجدة السدس والباقي موقوف لأن الجدة لا تسقط، ولا يغير نصيبها ولا يعطى الأخ شيئاً لأنه يسقط بالابن. وتعطى الأم السدس لكونه نصيباً؛ لأنه أقل من الثلث؛ لأن المفقود وإن كان حياً استحقت الأم السدس، وإن كان ميتاً استحقت الثلث فيعطى السدس والباقي يوقف إلى أن يظهر حال المفقود م: (وقد شرحناه في كفاية المنتهى بأتم من هذا) ش: أي شرحنا حكم مسألة المفقود في الشرح المسمى " بكفاية المنتهي " ببيان أتم من هذا البيان. وبالله التوفيق وعليه التكلان.

стр. 3815

كتاب الشركة ــ [البناية] [كتاب الشركة] [تعريف الشركة] م: (كتاب الشركة) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الشركة، والشرك بمعنى واحد، قال ابن دريد: الشرك مصدر شركته رجلان الشركة شركاه في المال، وشريك الرجل وشاركه سواء، وقال تاج الشريعة: شركته في كذا شركاء، وشركته وهو شريك، وهم شركاء، والتركيب دال على الخليط ومنه الشركة تشابكها واختلاط بعضها ببعض. ولهذا سمي النصيب الشائع شركاء. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠] (الأحقاف: الآية ٤) ، أي نصيب شائع، فسمي هذا العقد بها؛ لأنه سبب لإجماع النصيبين وعشر في المال وتركها في شريك الحال اجتماع النصيبين، وفي شركة العقد الإيجاب والقبول. وقال الكاكي: للشركة مناسبة بالمفقود والإباق واللقطة من حيث إن المال أمانة في يد الشريك، كما أن الآبق واللقطة ومال المفقود في يد من كان في يده أمانة، وللشركة مناسبة خاصة بالمفقود من حيث إن قريب المفقود لو مات كان فيه اختلاط مال المفقود الحاصل من الإرث بمال غيره من الوارث على تقدير الحياة. وفي الشركة اختلاط المالين، فكذلك ذكرها عقيب المفقود وقدم المفقود لمناسبة خاصة له بالإباق، وقال الأترازي ﵀ مناسبة الشركة بالمفقود من حيث إن المال في يد الشريك أمانة كما أن نصيب المفقود أمانة في يد من كان المال في يده. وأيضاً نصيب المفقود من مال مورثه مختلط بنصيب غيره كاختلاط المالين في الشركة، وقال الأكمل ﵀: مثله أو قريباً منه. قلت: إذا كان الذي ذكره الشراح وجهاً معتبراً في وجه المناسبة يمكن أن يذكر أحد عقب الصلاة أو الزكاة ما بأس أي من كان من أبواب الفقه؛ لأنه يمكن ذكر مناسبة بينهما مثلما ذكر. لأنه لا بد من وجه يوجد ولو كان بعيداً فيعتبر الواضع وجه المناسبة، وهذا كله بعيد وتركه أحسن. ثم اعلم أن شرعية الشركة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أما الكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] (النساء: الآية ١٢) ، وقوله ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] (ص: الآية ٢٤) ، والخلطاء هم الشركاء، وأما السنة فما رواه أبو داود عن محمد بن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانا خرجت

стр. 3816

الشركة جائزة؛ لأنه ﷺ بعث والناس يتعاملون بها فقرهم عليه. ــ [البناية] من بينهما» . ورواه الحاكم في " مستدركه " وصححه. وقال الأترازي: قال أصحابنا في كتبهم روي «أن أسامة بن شريك جاء إلى النبي ﷺ فقال: أتعرفني؟ فقال: " وكيف لا أعرفك وكنت شريكي في الجاهلية. فكنت خير شريك لا تداري ولا تماري ... » انتهى. قلت: هذا أخرجه أبو داود وابن ماجه عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن قائد السائب عن السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي ﷺ : «كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لا تداري ولا تماري» ورواه الحاكم وصححه، ورواه أحمد في " مسنده " من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن السائب «أن النبي ﷺ شاركه قبل الإسلام في التجارة فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي ﷺ : مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري، يا سائب قد كنت تعمل أعمالاً في الجاهلية لا تقبل منك، وهي اليوم تقبل منك، وإن كان ذا سلف وصدقة» . وقال السهيلي في " الروض ": حديث السائب كثير الاضطراب فروي عن السائب ابن أبي السائب، وروي عن قيس بن السائب، وروي عن عبد الله، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء ولا تقوم به حجة، والسائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم واضطرب في متنه أيضاً، فمنهم من يجعله من قول النبي ﷺ في أبي السائب، ومنهم من يجعله من قول أبي السائب في النبي ﷺ ، انتهى. وقد عرفت أن قول الأترازي: إن أصحابنا قالوا: روي أن أسامة بن شريك جاء إلى النبي ﷺ إلى آخره ليس مستقيم؛ لأن أحداً من أصحاب الحديث لم يذكر أن هذا الحديث لأسامة بن شريك، وذكره الكاكي وقال: السائب بن شريك ثم قال: وفي " شرح الوجيز ": السائب بن يزيد وهذا أيضاً فيه ما فيه، وذكر " إبراهيم الحربي " في كتابه " غريب الحديث " أن يدارئ مهموز من المدارأة وهي الموافقة، وتمارى غير مهموز من المماراة وهي المجادلة، وأما الإجماع فإن الأئمة أجمعوا على جوازها، وأما المعقول فهي طريق لانتفاء الفضل وهو مشروع بالكتاب. م: (الشركة جائزة لأنه ﵇ بعث والناس يتعاملون بها فقرهم عليه) ش: يعني لما كان الناس يعقدون

стр. 3817

قال: الشركة ضربان: شركة أملاك، وشركة عقود، فشركة الأملاك العين يرثها الرجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه وكل واحد منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي، وهذه الشركة تتحقق في غير المذكور في الكتاب كما إذا اتهب الرجلان عينا أو ملكاها بالاستيلاء لو اختلط مالهما من غير صنع أحدهما أو بخلطهما خلطا يمنع التمييز رأسا أو لا يخرج، ويجوز بيع أحدهما نصيبه من شريكه في جميع الصور، ومن غير شريكه بغير إذنه إلا في صورة الخلط والاختلاط فإنه لا يجوز إلا بإذنه، وقد بينا الفرق في " كفاية المنتهي ". ــ [البناية] عقد الشركة والنبي ﵇ لم ينكرها دل ذلك على جوازها، فلو لم تكن جائزة لأنكرها؛ لأنه مبعوث لبيان الحق. [أنواع الشركة] م: (قال) ش: أي القدوري: م: (الشركة ضربان، شركة أملاك وشركة عقود، فشركة الأملاك العين يرثها الرجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه وكل واحد منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي) ش: إلى هنا كلام القدوري. وقال المصنف: م: (وهذه الشركة) ش: أي الشركة التي ذكرها القدوري ﵀ بقوله: فشركة الأملاك إلى آخره م: (تتحقق في غير المذكور في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري "، والمذكور في الكتاب شيئان الإرث والشراء فقط، ثم أوضح بتحقق غير المذكور من الكتاب بقوله م: (كما إذا اتهب الرجلان عيناً) ش: أي بما وهبت لهما م: (أو ملكاها بالاستيلاء) ش: أي أو ملك العين رجلان بالاستيلاء على مال من أموال أهل الحرب م: (أو اختلط مالهما) ش: أي اختلط مال الرجلين م: (من غير صنع أحدهما) ش: نحوها إذا أشبق الكيسان فاختلط ما فيهما من الدراهم. م: (أو بخلطهما) ش: أي أو اختلط مالهما بخليطهما العماء بأنفسهما م: (خلطاً يمنع التمييز رأساً) ش: يعني بالكلية كخلط الحنطة بالحنطة ونحوها م: (أو لا يخرج) ش: أي أو اختلط خلطاً لا يمكن التمييز كخلط الحنطة بالشعير، فهذه الأنواع أيضاً من شركة الأملاك، وكذا من شركة الأملاك الذي يملك الإنسان بصدقة أو [....] م: (ويجوز بيع أحدهما) ش: أي أحد الشريكين م: (نصيبه من شريكه في جميع الصور) ش: المذكورة. م: (ومن غير شريكه بغير إذنه إلا في صورة الخلط، والاختلاط فإنه) ش: أي فإن بيع أحدهما نصيبه من غير شريكه م: (لا يجوز إلا بإذنه وقد بينا الفرق) ش: أي بين الجواز في الصورة المذكورة مطلقاً وبين عدم الجواز في صورة الخلط والاختلاط إلا بإذن شريكه. وبينه في الكتاب الموسوم ب م: (" كفاية المنتهي ") ش: وإنما أحال بيانه عليه إما طلباً للاختصار، وإما بأن له مصنفاً آخر سمي بكفاية المنتهي، قيل: إن الفرق أن خلط الجنس بالجنس على سبيل التعدي سبب لزوال الملك عن المخلوط الخالط، فإن حصل بغير نقد كان سبب الزوال

стр. 3818

والضرب الثاني شركة العقود وركنها الإيجاب والقبول، وهو أن يقول أحدهما شاركتك في كذا وكذا. ويقول الآخر قبلت، وشرطه أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلا للوكالة ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما فيتحقق حكم المطلوب من الشركة، ثم هي على أربعة أوجه: مفاوضة وعنان وشركة الصناع وشركة الوجوه ــ [البناية] ماشياً من وجه دون وجه، فاعتبر نصيب كل واحد زائلاً إلى الشريك من حق البيع من الأجنبي غير زائل في حق البيع من الشريك، كأنه بيع ملك نفسه عملاً بالشبهين. م: (والضرب الثاني شركة العقود) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ أي النوع الثاني من نوع الشركة شركة العقود م: (وركنها الإيجاب والقبول) ش: أي ركن شركة العقود الإيجاب من أحدهما، والقبول من الآخر. وفسر ذلك بقوله م: (وهو أن يقول أحدهما) ش: أي أحد المتعاقدين م: (شاركتك في كذا وكذا) ش: في المال في البر ونحوه ... أو في عموم التجارات م: (ويقول الآخر قبلت) ش: هذه الشركة على هذا الوجه. م: (وشرطه) ش: أي شرط الضرب الثاني وهو شركة العقود م: (أن يكون التصرف المعقود عليه) ش: أي أن يكون التصرف الذي وقع عليه العقد، وقوله: التصرف اسم يكون، وقوله: المعقود عليه بالدفع صفة التصرف. وقوله م: (عقد الشركة) ش: منصوب على المصدر، وقوله م: (قابلاً) ش: نصب على أنه خبر يكون م: (للوكالة) ش: احترز به عن الشركة في التكري والأخشاش والاحتطاب والاصطياد بأن المسألة في هذه الصورة يقع عمن باشر منه خاصة لا على وجه الاشتراك. وعقد الشركة يتضمن الوكالة؛ لأن المقصود من الشركة يحصل بالربح بالتجارة والتصرف في مال الغير لا يجوز إلا بولاية أو وكالة من طريق أو الحكم، ولم يوجد الولاية والمنطق بالتوكيل، فشراء من الثالث لتحقق الحكم المطلوب من الشركة وهو الربح. وهذا معنى قوله م: (ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركاً بينهما) ش: أي بين الشريكين، م: (فيتحقق حكم المطلوب من الشركة) ش: وهو الربح، وهذا معنى قوله ليكون ما يستفاد بالتصرف شركاً بينهما، أي بين الشريكين فتحقق حكم المطلوب منه. أي حكم عقد الشركة المطلوب من عقد الشركة. م: (ثم هي) ش: أي الشركة م: (على أربعة أوجه: مفاوضة وعنان وشركة الصناع وشركة الوجوه) ش: المفاوضة يجوز فيها الرفع والنصب والجر، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدها مفاوضة. وأما النصب فعلى تقدير أعني مفاوضة، وأما الجر فعلى أنه عطف بيان وما بعد مفاوضة

стр. 3819

فأما شركة المفاوضة فهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما؛ لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق إذ هي من المساواة. قال قائلهم: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا ــ [البناية] داخل في الوجوه المذكورة بحيث العطف ثم شرع بين هذه الأربعة بالفاء التفصيلية بقوله م: (فأما شركة المفاوضة فهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما) ش: المراد من التساوي في المال التساوي في مال يصح فيه الشركة على ما يجيء عن قريب. م: (وتصرفهما ودينهما لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق) ش: يعني بغير قيد بشيء. م: (إذ هي) ش: أن لأن المعاوضة م: (من المساواة) ش: يعني من حيث المعنى لا من حيث الاشتقاق، ولهذا قال صاحب " المبسوط ": اشتقاق المعاوضة من التعويض، إذ كل واحد منهما مفوض التصرف إلى صاحبه.. انتهى. وليست هي منفعة من المساواة لعدم شرط الاشتقاق بل من جهة المعنى لأن معنى المعاوضة المساواة المشاركة والمفوضة الشركة والناس فوضى في هذا الأمر أي سواء لا تباين بينهم، كذا ذكره الزمخشري في " الفائق " واستدل المصنف على هذا بقوله م: (قال قائلهم) ش: وهو الأفوه الأدوي الشاعر: م: (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا) ش: وقبله: يهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالجهال تنقاد ومعنى البيت إذا لم يكن للناس أمير وسيد كان كل واحدا مستقلاً بنفسه فتتحقق المنازعة والفساد، والاستشهاد في قوله فوضى أي لا يصلح الناس المأذون في الأمر. قوله لا سراة لهم حال، والسراة جمع سري قال في " الصحاح ": هو جمع عزيز لا يعرف غيره جمع فعيل على فعلة، وفي المفصل المسراة اسم جمع السري كركب في الراكب، والسري السيد من سرى فهو سري وهم سرات وسروات أي سارات. كذا في " المغرب "، وفي " الصحاح " [.....] مروة يقال سرى يسرو ويسري بالكسر يسري سرواً فيهما ويسروا سراوة أي سار سرياً.

стр. 3820

أي متساويين، فلا بد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء، وذلك في المال والمراد به ما تصح الشركة فيه، ولا يعتبر التفاضل فيما لا يصلح الشركة فيه . وكذا في التصرف لأنه لو ملك أحدهما تصرفا لا يملكه الآخر لفات التساوي، وكذلك في الدين لما سنبين إن شاء الله تعالى. وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانا وفي القياس لا يجوز وهو قول الشافعي، وقال مالك لا أعرف ما المفاوضة، ــ [البناية] وقصر المصنف فوضى بقوله م: (أي متساويين) ش: أي لا يصلح الناس إذا كانوا متساويين في الأمور، فكل منهم يريد مضي أمره فيقع الاختلاف، ولا يصلح الائتلاف. م: (فلا بد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء) ش: أما ابتداء فظاهر بناء على ما ذكر من مأخذ استقامة، وأما انتهاء فلأن المعاوضة من المفقود الجائزة فإن كان لكل واحد منهما الامتناع بعد عقد الشركة فكان لدوامهما حكم الابتداء في ابتداء المتفاوضة بشرط المساواة، فكذا في الانتهاء، حتى إذا زاد مال أحدهما بعد العقد لا تكون المساواة، فلا يبقى المعاوضة. م: (وذلك) ش: أي تحقق المساواة م: (في المال، والمراد به ما تصح الشركة فيه) ش: أي المراد بالمال الذي اشترط فيه المساواة هو المال الذي تصلح الشركة فيه كالدراهم والدنانير والفلوس أيضاً على قولهما، لا ما لا يصلح فيه الشركة كالعروض والعقار التفاضل فيه يبطل المعاوضة، وهو معنى قوله: [التفاضل فيما لا يصلح الشركة فيه] م: (ولا يعتبر التفاضل فيما لا يصلح الشركة فيه) ش: كالنبات ونحوها، وكذا الديون لا تصلح فيها الشركة حتى لو كان لأحدهما ديون على الناس لا يبطل المعاوضة ما لم ينفر ذكره في " الإيضاح " و " الذخيرة ". م: (وكذا في التصرف) ش: عطف على قوله وذلك في المال، أي وكذا تحقيق المساواة في التصرف م: (لأنه لو ملك أحدهما تصرفاً لا يملكه الآخر لفات التساوي) ش: بأن كان الآخر عبداً أو صبياً أو ذمياً، فلا يصلح المفاوضة بين الحر والعبد والصبي والبالغ والمسلم والذمي م: (وكذا في الدين) ش: عطف على قوله وذلك م: (لما سنبين إن شاء الله تعالى) ش: عن قريب سنبين اشتراط التساوي في هذه الأشياء المذكورة م: (وهذه الشركة) ش: أي شركة المفاوضة م: (جائزة عندنا استحساناً، وفي القياس لا يجوز وهو قول الشافعي) ش: وبه قال أحمد. م: (وقال مالك لا أعرف ما المفاوضة) ش: وفي " الكافي " وهذا تناقض لأنه إذا لم يعرفها كيف يحكم بالفساد إذ لا تصديق بلا تصور، ورد هذا بأن قوله لا أدري ما يكون حكماً بالفساد ولا بالجواز حتى يلزم التناقض. وفي " الحلية ": والمعنى وحكي عن أصحاب مالك أن المفاوضة تجوز في الجملة وصفها عنده أن يفوض كل واحد إلى آخر التصرف مع حضوره وغيبته، وتكون يده كيده، ولا يشترط فيه
следующие страницы →