← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لأنه لو كان طاهرا لكان طهورا ما لم يغلب اللعاب على الماء. وقيل: الشك في طهوريته لأنه لو وجد الماء المطلق لا يجب عليه غسل رأسه، وكذا لبنه طاهر، ولا يؤكل وعرقه لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش ــ [البناية] قلت: لا فساد في العطف، وكيف ينفي العطف بكونه أول القولين حتى يدعى الأجودية. م: (لأنه) ش: أي لأن سؤر الحمار والبغل م: (لو كان طاهرا لكان طهورا ما لم يغلب اللعاب على الماء) ش: لأن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه عن الطهورية ما لم يغلب كما إذا اختلط ماء الورد بالماء لكن ينبغي أن يمنع من شربه؛ لأن لعاب ما لا يؤكل لحمه موجود فيه كلبن الأتان. وقال الوتري: الشك في حكم الطهارة، وفي حق الشرب وغيره طاهر وكذا لو شرب الحمار من لبن أو عصر. م: (وقيل الشك في طهوريته) ش: في كونه طاهرا لغيره م: (لأنه) ش: أي لأن الذي يراد الوضوء م: (لو وجد الماء) ش: المطلق م: (لا يجب عليه غسل رأسه) ش: يعني بعد ما مسح رأسه بسؤر الحمار وجد ماء مطلقا لا يجب عليه غسل رأسه، فلو كان الشك في طهارته لو جب وإنما عين الرأس دون غيره من الأعضاء؛ لأن غيره من الأعضاء يطهر بصب الماء عليه حقيقة وحكما. فإن قلت: هذا غير لازم لأن الرأس قبل المسح عليه بالماء المشكوك في طهارته فلا يدفع بالشك. قلت: مراده بعد ما توضأ به، فإن الحدث قد حل بالرأس فإذا مسح عليه بالمطلق يكون حكم البلة حكم الماء المشكوك في كونه طاهرا وعلى تقدير كونه نجسا يتنجس البلة فلا يرتفع به الحدث فلا يرفع الشك فيجب غسل رأسه لهذا المعنى، فلما لم يجب دل على أن الشك في طهوريته لا في طهارته. م: (وكذا لبنه طاهر) ش: قال السروجي كان ينبغي أن يقول وكذا لبنها؛ لأن اللبن من الأتان دون الحمار. قلت: الحمار يتناول الذكر والأنثى ويقال: الأنثى خاصة حمارة، وقيل: هذا ليس بظاهر الرواية. وظاهر الرواية أنه نجس والذي ذكره هو رواية عن محمد ﵀، وفي " المحيط " لبنة نجس في ظاهر الرواية، واعتبر التمرتاشي والبزدوي فيه الكثير الفاحش هو الصحيح، وعن شمس الأئمة أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع وفي " فتاوى قاضي خان " في طهارته روايتان. م: (ولا يؤكل) ش: أي اللبن، وقال السروجي: والأحسن أن يقول: لا يشرب قلت: اللبن يؤكل ويشرب، وإنما اختار لفظ الأكل؛ لأنه إذا كان حراما فالشرب بطريق الأولى والأكل في الألبان أكثر من الشرب عادة، ثم الطهارة على قول محمد لا تستلزم جواز الأكل كالتراب ونحوه. م: (وعرقه) ش: أي عرق الحمار طاهر م: (لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش) ش: هذه إحدى الروايات عن أبي حنيفة وفي أخرى نجس مخفف، وفي أخرى مغلظ قال القدوري: إن عرق الحمار طاهر في الروايات المشهورة، كذا في " المحيط "، وفي " المنتقى " عن محمد لبن الأتان

стр. 387

فكذا سؤره وهو الأصح ويروى نص عن محمد ﵀ طهارته. وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته ــ [البناية] كلعابها وعرقها يفسدان الماء دون الثوب. وفي المغني لابن قدامة كل حيوان حكم الحيوان حكم جلده وشعره وعرقة ودمعه ولعابه حكم سؤره في الطهارة والنجاسة. م: (فكذا سؤره) ش: أي كذا سؤره طاهر؛ لأن العرق لا يتولد منه، وكذا لبنه فإذا كانا طاهرين فالسؤر كذلك م: (وهو الأصح) ش: أي القول بأن الشك في طهوريته هو الأصح، فإذا كان الشك في طهوريته على الأصح كان بقاؤه على الطهارة بلا شك. م: (ويروى نص عن محمد ﵀ على طهارته) ش: أي على طهارة سؤره وقال الأترازي: أي على طهارة عرقه والأول أوجه؛ لأن الذي نص عن محمد ليس فيه ذكر العرق على ما يجيء الآن وكان العرق كالسؤر. وقال السغناقي: وهو ما روي عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيهن الثوب لم ينجس وهو سؤر الحمار والماء المستعمل ولبن الأتان وبول ما أكل لحمه كذا في " المبسوط " لشيخ الإسلام، وذكر قاضي خان وغيره في " شرح الجامع الصغير "، قال: لو غمس الثوب فيه يجوز الصلاة مع الماء المستعمل وسؤر الحمار وبول ما يؤكل لحمه. قلت: كان ينبغي أن يقال: ثلاثة لو غمس الثوب فيها لأن الماء والسؤر والبول كل منها مذكور فتحت تأويلات لا يعود الضمير إليها مفردا مذكورا، وكذا الكلام في قوله أربعا. م: (وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته) ش: لم يتعرض أحد من الشراح إلى بيان عود الضمير في إباحته وحرمته وبيانه. فإن قلت: يرجع إلى السؤر كما هو الظاهر فالأدلة لم تتعارض فيه وإنما تعارضها في لحم الحمار، وإن قلت: إلى اللحم فهو غير المذكور، فأقول إنه يرجع إلى الحمار لأن الاختلاف فيه فيكون المعنى تعارض الأدلة في إباحة لحم الحمار وحرمته، وأراد بالأدلة الأخبار والآثار. واختلف المشايخ فيه فمنهم من قال: سبب الشك في سؤر الحمار تعارض الأدلة الواردة في الأحاديث، ومنهم من قال: اختلاف الصحابة في طهارته فالقسم الأول الأحاديث الواردة، أما الحرمة ففي " الصحيحين " عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وأذن في لحم الخيل» أخرجه البخاري. وعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمر» وأخرجه

стр. 388

أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته. ــ [البناية] أبو داود والنسائي وابن ماجه. أما الإباحة ففي " سنن أبي داود " من «حديث غالب بن أبجر أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان النبي ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلى إلا سمان حمر وإنك حرمت الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» . وأشار إلى القسم الثاني بقوله م: (أو اختلاف الصحابة في نجاسته وطهارته) ش: أي في نجاسة سؤر الحمار وطهارته وعطف اختلاف الصحابة على تعارض الأدلة يوهم أن اختلاف الصحابة غير الأدلة وليس كذلك فإن أقوال الصحابة من جملة الأدلة واختلافهم في سؤره هو ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول: تعلف القت والطين فسؤره طاهر. وروي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: إنه رجس تعارض القولان فصار سؤر الحمار مشكوكا فيه؛ لأن التوفيق عند تعارض الأدلة واجب، والتعارض يقابل الدليلين والمعارضة المقابلة على سبيل الممانعة وذلك أن يوجب أحد الدليلين الحل والآخر الحرمة أو غير ذلك، ولما كان الأمر في سؤر الحمار وقع كذلك أو وقع الشك فقلنا: إنه لا يطهر النجس ولا ينجس الطاهر. فإن قلت: ينبغي أن يرجح دليل الحرمة. قلت: الأصل في التعارض الجمع، وقد أمكن كما قلنا، كذا قاله تاج الشريعة، وقال شيخ الإسلام في " مبسوطه ": هذا لا يقوى، لأن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنه اجتمع المحرم والمبيح فغلب المحرم عليه كما لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي والآخر أنه ذبيحة مسلم فإنه لا يحل أكله لعلة الحرمة فكان لحمه حراما بلا إشكال ولعابه مولد منه فيكون نجسا بلا إشكال. وقال الأكمل: وفيه نظر؛ لأنه مستلزم نجاسة لبنه وقد تقدم من قول المصنف أنه طاهر. والجواب بالإلزام فإنه في ظاهر الرواية نجس كما تقدم. قلت: ما تعرض شيخ الإسلام إلى لبنه حتى يستلزم ما يقوله بنجاسته فالنظر ضعيف فكذلك أجاب بالالتزام. والجواب الواضح ما قاله شيخ الإسلام أن الأصل في التعارض الجمع إلا إن لم يكن ولم يمكن في اللحم للتضاد وفي السؤر ممكنة بأن يكون واجب الاستعمال عملا بدليل الطهارة، ووجب التيمم عملا بدليل النجاسة.

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإن قلت: المرجح هنا المحرم. قلت: يقوى المبيح بقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (الحج: الآية ٧٨) ولأن المحرم لا يرجح عند تعارض الحاجة والضرورة كما في الهرة. فإن قلت: لا يصير الماء مشكوكا بتعارض الخبرين كما في مسألة خبر العدلين أحدهما: أخبر بطهارة الماء، والآخر بنجاسته. قلت: لا تعارض ثمة لأنه أمكن ترجيح أحدهما، فإن المخبر عن طهارته لو استقصى ذلك وقال: أخذته من البئر وسددت فم الماء ولم يخالطه شيء ورجحنا خبره لفائدة بالأصل وإن كان مبنى خبره على الاستصحاب رجحنا خبر النجاسة؛ لأنه أخبر عن محسوس مشاهد، فأما في سؤر الحمار فالتعارض قائم؛ لأن لحمه نجس وعرقه طاهر، والبلوى فيه من وجه دون وجه فلا يمكن إلحاقه بأحدهما فوجب المصير إلى ما كان ثابتا فلا يطهر به نجس ولا ينجس به طاهر، فإن عرف الماء طاهرا فوجب أن يبقى كذلك، فإن اليقين لا يزول بالشك. قلت: وجب أن يكون مشكوكا فيه كلعاب الحمار؛ لأن الماء إذا أصابه شيء يوصف بصفة بصنعة ذلك الشيء، والأصح في التمسك أن دليل الشك هو تردد في الضرورة، فإن الحمار يربط في الدور والأبنية ويشرب من الأواني وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة إلا أن الضرورة دون الضرورة فيهما لدخولهما تضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلا كما في الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا إشكال، ولو كانت الضرورة فيهما لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه واستوى موجب النجاسة والطهارة تساقطا للتعارض فوجب المصير إلى الأصل، والأصل هاهنا بيان الطهارة في جانب الماء والنجاسة في جانب اللعاب؛ لأن لعابه نجس كما بينا وليس أحدهما بأولى من الآخر فبقي الأمر مشكلا نجسا من وجه طاهرا من وجه، فكان الإشكال عند علمائنا بهذا الطريق لا للإشكال في لحمه ولا لاختلاف الصحابة في سؤره، وبهذا التقدير يندفع كثير من الأسئلة. وقال الأكمل: وهاهنا نكتة لا بأس بالتنبيه عليها وبناءها على كون المراد بالنجاسة إما قبل الذبح أو بعده ثم بعد التطويل، قال: نعلم من هذا أن اللعاب المتولد من اللحم مأكول بعد الذبح طاهر بلا كراهة دون غيره إضافة الحكم إلى الفأر في صيانة حكم الشرع عن المناقضة ظاهرا هذا ما سنح لي والله أعلم. قلت: لا دخل في الذبح وتفصيله هاهنا، والكلام في حكم السؤر وهو لا يتصور بعد الذبح والأصل في هذا الباب اللعاب، فإن كان من حيوان مأكول كان طاهرا فسؤره طاهر، وإن كان من حيوان غير مأكول كان نجسا فسؤره نجس إلا أنه خولف فيه في سؤر الحمار مع كونه غير مأكول وسؤره طاهر كما ذكرنا من الوجوه فيه.

стр. 390

وعن أبي حنيفة ﵀ أنه نجس ترجيحا للحرمة والنجاسة، والبغل من نسل الحمار فيكون بمنزلته ــ [البناية] م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه نجس) ش: أي روي عن أبي حنيفة ﵀ أن سؤر الحمار نجس رواه عنه وقد ذكرناه مرة م: (ترجيحا للحرمة والنجاسة) ش: ترجيحا نصب على المصدرية تقديره رجح أبو حنيفة ﵀ ترجيحا، ويجوز أن يكون حالا أي حكم أبو حنيفة ﵀ بنجاسة سؤر الحمار حال كونه مرجحا للحرمة لتعارض الأدلة [ ... ] لاختلاف الصحابة ﵃، ويجوز أن يكون المعنى ترجيحا للحرمة؛ لأن المحرم مرجح للنجاسة، لأنه إذا ترجح المحرم تترجح النجاسة أيضا لامتناع الطهارة مع الحرمة قاله الأكمل، وفيه نظر؛ لأن الطهارة لا تمتنع بالحرمة وكم من طاهر حرام. وقال الأكمل أيضا في هذا الموضع واستشكل بما إذا أخبر عدل بحل طعام وآخر بحرمته فإنه يترجح خبر الحل كما إذا أخبر عدل بطهارة الماء وآخر بنجاسته ترجح الطهارة. قلت: هاهنا إشكالان أحدهما: لحافظ الدين ذكره في " الكافي " عند قوله والنجاسة، والآخر لصاحب " الدراية " عن شيخه عند قوله للحرمة. والجواب عن الأول أن تعارض الخبرين في الطعام يوجب التهاتر والعمل بالأصل وهو الحل، ولا يجوز ترجيح الحرمة بالاحتياط لاستلزامه تكذيب الخبر بالحل عن غير دليل، وأما تعارض أدلة الشرع في حل الطعام وحرمته فيوجب الترجيح بدليل وهو تعليل النسخ الذي هو خلاف الأصل. والجواب عن الثاني: أن تعارض الخبرين في الماء يوجب التهاتر والعمل بالأصل لوقوع الشك في اختلاط النجاسة، والأصل عدمه فبقي الماء على أصلة وهو الطهارة. أم هاهنا فقد اختلط اللعاب المتولد من اللحم بالماء بيقين. وقد ترجح الحرمة فيه باتفاق الروايات عن أصحابنا وهي مبنية على النجاسة على ما بينا فيجب ترجيح النجاسة بهذا الدليل. م: (والبغل من نسل الحمار) ش: هذا جواب عما يقال قد يثبت حكم سؤر الحمار وما فيه من الأمور المذكورة وما حكم البغل وحكم سؤره في ذلك مع أنك قلت: وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه؟ فأجاب بقوله: والبغل من نسل الحمار م: (فيكون بمنزلته) ش: بمنزلة الحمار في أحكامه. وقال السروجي: فيه نظر، فإن البغل متولد بين الحمار والفرس فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يحتاج إلى جعله من نسل الحمار بل نسل أيهما كان يحرم، وأما على قوليهما فمشكل، فإن المنظور إليه الأم فإن كانت الأم مأكولة اللحم حل أكل ما تولد منهما، وإن كان الأب غير مأكول اللحم ويدل عليه أن الذئب إذا نزى على شاة فولدت ذئبا حل أكله ويجزئ في الأضحية ذكره صاحب " الكافي " في الأضحية.

стр. 391

فإن لم يجد غيرهما يتوضأ بهما ويتيمم، ويجوز أيهما قدم. وقال زفر: لا يجوز إلا أن يقدم الوضوء؛ لأنه ماء واجب الاستعمال فأشبه الماء المطلق، ولنا أن المطهر أحدهما فيفيد الجمع دون الترتيب. ــ [البناية] قلت: في قوله فإن البغل متولد بين الحمار والفرس؛ لأن البغل قد يتولد بين الحمار والبقر فإنه يؤكل بلا خلاف وإن كان متولدا بين الحمار والفرس فيجري فيه الخلاف. م: (فإن لم يجد غيرهما) ش: هذا تفريع على ما قبله فكذلك ذكر بالفاء أي فإن لم يوجد غير سؤر الحمار وسؤر البغل م: (يتوضأ بهما) ش: أي سؤر الحمار والبغل وينبغي أن يقول. . فإن لم تجد غيره أي غير سؤر الحمار والبغل م: (يتوضأ بهما ويتيمم ويجوز أيهما) ش: أي الاثنين أعني التوضؤ بالسؤر والتيمم م: (قدم) ش: وكلمة أي هنا شرطية كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] (القصص: الآية ٢٨) . م: (وقال زفر ﵀ لا يجوز إلا أن يقدم الوضوء) ش: فيجب أن يؤخر التيمم وبه قال أحمد في رواية م: (لأنه) ش: أي لأن سؤر الحمار والبغل م: (ماء واجب الاستعمال) ش: وهذا قول ابن تيمية ووافقنا زفر عليه، ووجهه أن التيمم إنما يجوز عند عدم الماء نتيجة الواجب الاستعمال، وهذا ما وجب استعماله بالإجماع، فصار كالماء المطلق به وهو معنى قوله م: (فأشبه الماء المطلق) ش: هذه نتيجة قوله: ماء واجب الاستعمال، فإذا كان واجب الاستعمال شبه الماء المطلق فوجب استعماله حتى إنه إذا تيمم ولم يتوضأ به لا يجوز. فإن قلت: هل الجمع بينهما واجب أم لا؟ قلت: قال قاضي خان وقال في كتاب الصلاة رجل لم يجد إلا سؤر الحمار فإنه يتوضأ به والأفضل أن يتيمم معه، فإن تيمم ولم يتوضأ به لا يجوز، وقال: وهذا اللفظ لا يوجب الجمع بينهما، وجه الجمع بينهما أنه مشكوك في طهوريته على الصحيح فلا بد من التيمم لاحتمال أنه لا يرفع الحدث وحده. م: (ولنا أن المطهر أحدهما) ش: أي أحد سؤر الحمار والتيمم م: (فيفيد الجمع دون الترتيب) ش: الضمير في - فيفيد - يرجع إلى قوله مطهر أحدهما، وقوله: - الجمع - منصوب به، وقال الأكمل: الضمير في - فيفيد - راجع إلى قوله: يتوضأ بهما ويتيمم. قلت: كان ينبغي على قوله أن يقول: - فيفيدان الجمع -، لأن المذكور اثنان سؤر الحمار والتيمم، وهذا على تقدير أن يكون قوله الجمع منصوبا، وأما إذا قرئ مرفوعا بأن يكون فاعل - فيفيد - فلا حاجة إلى هذا التكلف بل الأولى الرفع؛ لأن المفيد هو الجمع بين سؤر الحمار والتيمم والترتيب غير مفيد؛ لأن الماء إن كان طهورا فلا معنى للتيمم تقدم أو تأخر وإن لم يكن طهورا فالمطهر هو التيمم تقدم أو تأخر وجود

стр. 392

وسؤر الفرس طاهر عندهما، لأن لحمه مأكول، وكذا عنده في الصحيح؛ لأن الكراهة لإظهار شرفه فإن لم يجد إلا نبيذ التمر. ــ [البناية] هذا الماء وعدمه سواء، وإنما يجمع بينهما لعدم العلم بالمطهر بهما عينا، وفي " النهاية " المراد بالجمع أن لا تخلو صلاة واحدة عنهما حتى لو توضأ بالسؤر وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة جاز، لأنه جمعهما في صلاة واحدة. فإن قيل: هذا الطريق مستلزم أداء الصلاة بغير طهارة في أحد المرتين لا محالة وهو مستلزم الكفر لتأديته إلى الاستخفاف بالدين فينبغي أن لا يجوز، ويجب الجمع في أداء واحد، قلت: إذا كان فيما أدى بغير طهارة بيقين، فأما إذا كان أداؤه بطهارة من وجه فلا استخفاف؛ لأنه عمل بالشرع من وجه وهاهنا كذلك لأن واحدا من السؤر والتراب مطهر من وجه دون وجه فلا يكون الأداء بغير طهارة من كل وجه، فلا يلزم منه الكفر كما لو صلى حنفي بعد الفصد والحجامة لا تجوز صلاته ولا يكون كافرا لمكان الاختلاف وهذا أولى بخلاف ما لو صلى بعد البول في " جامع المستوفى " عن نصير في رجل لم يجد إلا سؤر حمار يهرق ذلك حتى يصير عادما للماء ثم يتيمم، واختار الصفار ذلك وعن محمد "في النوادر ": توضأ بسؤر الحمار وتيمم ثم أصاب ماء نظيفا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار أعاد التيمم دون الوضوء؛ لأنه إذا كان مطهرا فقد توضأ به، وإن كان نجسا فليس عليه الوضوء في المرة الأولى ولا في المرة الثانية. م: (وسؤر الفرس طاهر عندهما) ش: أي عند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - م: (لأن لحمه مأكول) ش: عندهما، وذكر في الأصل لا بأس بسؤر الفرس من غير ذكر خلاف. وفي " المبسوط " سؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية م: (وكذا عنده في الصحيح) ش: أي وكقولهما طاهر عند أبي حنيفة ﵀ في المروي الصحيح وهو ورواية كتاب الصلاة. وفي " المحيط ": وفي سؤر الفرس عن أبي حنيفة ﵀ أربع روايات، روى البلخي عنه: أحب إلي أن يتوضأ بغيره. وروى الحسن عنه: أنه مكروه كلحمه، وروي أنه: مشكوك كسؤر الحمار، وفي رواية: طاهر كقولهما. م: (لأن الكراهة) ش: أي كراهة لحمه م: (لإظهار شرفه) ش: لأنه يرهب به عدو الله فيقع إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله كما يقع بالآدمي لهذا اختص من بين الحيوانات بإفراد السهم كالآدمي فلا يؤثر تحريمه في سؤره كما في الآدمي. [حكم الطهارة بنبيذ التمر] م: (فإن لم يجد إلا نبيذ التمر) ش: أي فإن لم يجد من يريد الصلاة وهو محدث إلا نبيذ

стр. 393

قال أبو حنيفة ﵀: يتوضأ به ولا يتيمم، ــ [البناية] التمر، وجه المناسبة في ذكره هذه المسألة هاهنا هو أن له شبها خاصا بسؤر البغل والحمار على قول محمد، فإنه يقول بضم التيمم إلى الوضوء به احتياطا كما يجيء عن قريب، فلذلك قال: فإن لم يجد بالفاء فإن فيه بيان الجمع بين التيمم والسؤر وهذا أحسن من ذكره بالواو؛ لأنه لمجرد العطف بخلاف الفاء، فإنه يدل على معان مختلفة مع العطف كما ذكر في موضعه. ثم إن النبيذ فعيل بمعنى مفعول في نبذت الشيء إذا طرحته وهو الماء الذي نبذ فيه تمرات لتخرج حلاوتها إلى الماء، وفي " النهاية" لابن الأثير: النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا نزلت عليه الماء ليصير نبيذا مصرف من مفعول إلى فعيل، وأنبذته إذا اتخذته نبيذا وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر، وقال ابن فارس في " المجمل ": نبذت الشيء أنبذه إذا ألقيته من يدك، ونبيذ التمر يلقى في الآنية ويصب عليه الماء. قلت: هو من باب فعل بالفتح في الماضي والكسر في المضارع كضرب يضرب وكذا ذكره صاحب " الدستور "، وقال ابن سيده: النبيذ طرحك الشيء وكل طرح نبيذ، والنبيذ التمر المطروح، والنبيذ ما نبذته من عصير ونحوه، وقد نبذ وانتبذ ونبذ، وفي " الصحاح " العامة تقول: أنبذت وكذا ذكره في كتاب " الشرح " لابن درستويه، وذكر الخيالي في " نوادره " ومن خط الحافظ أنبذت لغة لكنها قليلة وذكره أيضا في كتاب فعلت وأفعلت، وفي " الجامع " للفراء وكثرة الناس يقولون: نبذت النبيذ بغير ألف. وحكى الفراء عن الرازي: أنبذت النبيذ قال: ولم أسمعها أنا من العرب، وفي " الكافي " أنبذت النبيذ لغة عامة ونبذت الشيء نبذا شدة للمبالغة. م: (قال أبو حنيفة ﵀ يتوضأ به) ش: أي نبيذ التمر م: (ولا يتيمم) ش: لتعيين نبيذ التمر، وقال أبو بكر الرازي في كتابه " أحكام القرآن " عن أبي حنيفة ﵀ فيه ثلاث روايات، وهذه هي المشهورة، قال قاضي خان: وهي قوله الأول وهو قول زفر ﵁. قال الرضي وقاضي خان: ذكر في كتاب الصلاة إن تيمم معه أحب إلي وروي عنه الجمع بين سؤر الحمار وبه قال محمد ﵀، وروى عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمر والحسن أنه يتيمم ولا يتوضأ، قال قاضي خان: هو الصحيح وهو قوله الأخير، وقد رجع إليه وبه قال أبو يوسف ومالك والشافعي وأحمد ﵏ وغيرهم من العلماء وهو اختيار الطحاوي. وروى الحسن والمعلى عن أبي يوسف الجمع بينهما وذكر قاضي خان ولو وجد نبيذ التمر

стр. 394

(لحديث ليلة الجن) ــ [البناية] والماء المشكوك فيه والتراب يتوضأ بالنبيذ لا غير، وعن أبي يوسف ﵀ يجمع بين المشكوك والتيمم. وعند محمد يجمع بين الثلاث، ولو ترك واحدا منهما لا تجوز ذكر ذلك المرغيناني والأسبيحابي والتقديم والتأخير في ذلك سواء. وحكي عن ابن طاهر الدباس ﵀ أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة ﵀ لاختلاف الأسئلة فإنه سئل عن التوضؤ إذا كانت الغلبة للحلاوة، قال: يتيمم ولا يتوضأ، وسئل عنه أيضا إذا كان الماء والحلاوة سواء ولم يغلب أحدهما على الآخر، قال: يجمع بينهما، وقال السغناقي: وعلى هذه الطريقة لا يختلف الحكم بين نبيذ التمر وسائر الأنبذة، وسئل عنه أيضا إذا كانت الغلبة للماء فقيل يتوضأ به ولا يتيمم. وذكر القدوري في شرحه عن أصحابنا التوضؤ بنبيذ التمر لا يجوز إلا بالنية كالتيمم؛ لأنه بدل عن الماء كالتيمم حتى لا يجوز التوضؤ به حال وجود الماء، ولو توضأ بالنبيذ ثم وجد ماء مطلقا ينتقض وضوءه كما ينتقض التيمم بوجود الماء. قلت: وبقول أبي حنيفة قال عكرمة والأوزاعي وحميد بن حبيب والحسن بن جني وإسحاق فإنهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر عند عدم الماء المطلق، وقال ابن قدامة في " المغني " وروي عن علي ﵁ أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر وبه قال الحسن. وفي " الحلية " النبيذ نجس عندنا. وفي " شرح الوجيز " والجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر والنبيذ، والمسكر، والحيوانات كلها على الطهارة إلا الكلب والخنزير وفروعهما. م: (لحديث ليلة الجن) ش: قال السغناقي: حديث الجن هو ما روى أبو رافع وابن المغيرة عن ابن عباس «أن النبي ﷺ خطب ذات ليلة ثم قال: "ليقم معي من لم يكن في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقام ابن مسعود ﵁ فحمله رسول الله ﷺ مع» نفسه، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «خرجنا من مكة فخط رسول الله حولي خطا وقال لا تخرج عن هذا الخط فإنك إن خرجت لم تلقني إلى يوم القيامة ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ عليهم القرآن حتى طلع الفجر ثم رجع بعد طلوع الفجر» .

стр. 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقال تاج الشريعة في شرحه: حديث ليلة الجن هو ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال ذات ليلة إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني قالها ثلاثا وأطرقوا إلا أنا قال فانطلقنا حتى إذا كنا على مكة في شعب الحجون خط لي خطا وقال لا» . وقال صاحب " البدائع ": حديث ليلة الجن ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا أصحاب النبي جلوسا في بيته فدخل علينا رسول الله ﷺ : «ليقم منكم من ليس في قبله مثقال ذرة من كبر» فقمت، وفي رواية: «فلم يقم منا أحد فأشار إلي بالقيام فقمت ودخلت البيت فتزودت إداوة من بيته فخرجت فخط لي خطا فقال إن خرجت من هذا لم ترني إلى يوم القيامة فقمت قائما حتى انفجر الصبح فإذا أنا برسول الله صلى» فأخذ ذلك وتوضأ وصلى الفجر. قلت: روي حديث ابن مسعود هذا من أربعة عشر طريقا وليس فيها ما يوافق ما ذكر هؤلاء لا متنا ولا إسنادا [كما] يلي: روى ابن ماجه في "سننه" من طريق ابن لهيعة حدثنا قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن عبد الله بن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ﵁ ليلة الجن: "أمعك ماء؟ " قال: لا إلا نبيذ التمر في سطيحة، فقال رسول الله ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور صب علي" فصب عليه فتوضأ به» . وأخرجه الطحاوي: حدثنا ربيع بن المؤذن قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: أخبرنا قيس بن الحجاج عن حابس الصبابي عن ابن عباس «عن ابن مسعود ﵃ خرج مع النبي ﵊ ليلة الجن، فسأله رسول الله ﷺ ، فقال: "اصبب علي" فتوضأ به وقال: "شراب طهور» ورجاله ثقات غير أن عبد الله بن لهيعة فيه مقال على ما نذكره، وظاهر هذا الفظ يقتضي أنه من سند ابن عباس ﵄ لكن الطبراني في معجمه جعله من سند ابن مسعود.

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وكذا البزار في مسنده ولفظهما بالإسناد المذكور عن ابن عباس عن ابن مسعود ﵄ أنه خرجنا مع النبي ﷺ ليلة الجنب بنبيذ فتوضأ وقال: "ماء طهور" قال البزار: هذا حديث لا يثبت؛ لأن ابن لهيعة كان كتبه قد احترقت وبقي يروي من كتب غيره نصا في أحاديثه مناكير. ورواه الدارقطني في "سننه " وقال: تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف. ورواه أبو داود: حدثنا هناد وسليمان بن داود العبكي قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن «عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: "ماذا في إداوتك؟ " فقال: نبيذ، فقال: "تمرة طيبة وماء طهور".» وقال أبو داود: قال سليمان بن داود عن أبي زيد قال: كذا قال شريك ولم يذكر هناد ليلة الجن. وأخرجه الترمذي من حديث أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن «عبد الله بن مسعود قال: سألني رسول الله ﷺ : "ما في إداوتك؟ " قلت: نبيذ التمر، فقال: "تمرة طيبة، وماء طهور" قال: فتوضأ منه» . ووهم الشيخ علاء الدين في عزوه هذا الحديث إلى النسائي أيضا فإنه لم يخرجه، وقد ضعفوا هذا الحديث بثلاث علل: أحدها: جهالة أبي زيد، والثاني: التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره. والثالث: أن ابن مسعود ﵁ لم يكن مع النبي ﵊ ليلة الجن. بيان الأول: قال الترمذي أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث، وقال ابن حبان في "كتاب الضعفاء ": أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود ﵁ ليس يدرى من هو، ولا يعرف له أبوه ولا بلده ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه. وقال ابن أبي حاتم في "كتاب العلل ": سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح وأبو زيد مجهول، وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبته عبد الله ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ وهو خلاف القرآن. وبيان الثاني: وهو التردد في أبي فزارة فقيل: هو راشد بن كيسان وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وأن هذا ليس براشد بن كيسان وإنما هو رجل مجهول.

стр. 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وبيان الثالث: وهو إنكار كون ابن مسعود مع النبي ﷺ ليلة الجن، وروى مسلم من حديث الشعبي عن «علقمة قال: سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع رسول الله ﷺ ؟ قال: لا ولكن كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا: استطير أو اغتيل قال: فبتنا ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلت: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة قال: أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليها القرآن وانطلق بنا فأرانا آثارهم وأثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: "لكم كل عظم، ولكم كل بعرة علقا لدوابكم، ثم قال: لا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم"، وفي لفظ مسلم، قال: لم أكن مع النبي ﷺ ليلة الجن ووددت أني كنت معه. وفي لفظ: وكانوا من جن الجزيرة» . ورواه أبو داود مختصرا لم يذكر القصة ولفظه عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مع النبي ﵇ قال: ما كان معه منا أحد. ورواه الترمذي بتمامه في " الجامع " في تفسير سورة الأحقاف. وقال البيقهي في دلائل النبوة وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ابن مسعود ﵁ لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلقوا به وبغيره يريه آثارهم وآثار نيرانهم. والجواب عن العلة الأولى أن أبا بكر بن العربي ذكر في شرحه للترمذي وأبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان العبسي الكوفي وأبو روق وبهذا يخرج عن حد الجهالة ولا يعرف إلا بكنيته، فيجوز أن يكون الترمذي أراد به أنه مجهول الاسم، ولا يضر ذلك، فإن جماعة من الرواة لا تعرف أسماؤهم وإنما عرفوا بالكنى. وعن العلة الثانية: أن صاحب " الإمام " قال أبو فزارة روى عنه جماعة من أهل العلم مثل سفيان الثوري وشريك بن عبد الله والجراح بن مليح الرؤاسي، ووكيع وقيس بن الربيع، وزاد ابن العربي جعفر بن برقان وجرير بن حازم وعلي ابن عائشة، فإين الجهالة بعد هذا فبطل دعوى الجهالة، وقال أبو أحمد بن عدي: أبو فزارة ثقة ثقة، وقال ابن عبد البر: أبو فزارة مشهور ثقة عندهم، وقال أبو حاتم: صالح روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. فإن قلت: قيل هو فيها، فهما رجلان وأن هذا ليس براشد بن كيسان وإنما هو رجل مجهول، وذكر البخاري أن أبا فزارة العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين، وقالوا: إن أبا فزارة كان نباذا بالكوفة، وروى هذا الحديث لنفق سلعته. قلت: روى هذا الحديث عن أبي فزارة جماعة فرواه عنه شريك كما أخرجه أبو داود والترمذي وكما رواه عنه الجراح كما أخرجه ابن ماجه ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه البيهقي

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق فأين الجهالة بعد ذلك؟ وقد جزم ابن عدي بأنه راشد بن كيسان وحكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد بن كيسان، وقولهم: كان نباذا بالكوفة باطل وهم لا يجوزون الرواية عن المستور فكيف يروي هؤلاء الأعلام عن الخمار وفساده ظاهر لا يخفى على أحد. وعن الثالثة: بأن أربعة عشر رجلا رووه عن عبد الله بن مسعود ﵁ كما رواه أبو زيد عنه مصرح فيها أن ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلة وله سبع طرق مصرح فيها أن ابن مسعود كان معه ﵇. الأول: عن أحمد في " مسنده " والدارقطني في " سننه " من حديث يونس عن أبي رافع عن ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: "أمعك ماء؟ " قال: لا، قال: "أمعك نبيذ؟ " قال: أحسبه قال: نعم فتوضأ به» . الثاني: عن الدارقطني من حديث أبي عبيدة وابن الأحوص «عن ابن مسعود قال: مر بي رسول الله ﷺ فقال: "خذ معك إداوة من ماء" ثم انطلق وأنا معه. فذكر حديث ليلة الجن، ثم قال: فلما أفرغت عليه من الإداوة إذ هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال: "ثمرة حلوة وماء عذب» . الثالث: عن الدارقطني أيضا من حديث ابن غيلان الثقفي أنه سمع «عبد الله بن مسعود يقول دعاني رسول الله ﷺ ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ فتوضأ رسول الله ﷺ ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن فقال لي رسول» . الرابع: عنه أيضا من حديث أبي وائل قال: سمعت ابن مسعود ﵁ يقول: كنت مع النبي ﷺ . الخامس: عن الطحاوي من حديث قابوس عن أبيه قال: «انطلق رسول الله ﷺ إلى برار فخط خطا وأدخلني فيه وقال لا تبرح حتى أرجع إليك ثم انطلق فما جاء حتى السحر وجعلت أسمع أصواتا ثم جاء فقلت أين كنت يا رسول الله قال أرسلت إلى» قال الطحاوي: ما علمنا لأهل الكوفة حديثا أثبت أن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أمعك ماء؟ " قال: لا، إلا النبيذ في إداوة قال: "تمرة طيبة وماء طهور» . السابع: عن أبي داود من حديث أبي زيد عن عبد الله بن مسعود وقد ذكرناه.

стр. 399

فإن النبي ﵇: توضأ به حين لم يجد الماء. وقال أبو يوسف ﵀: يتيمم ولا يتوضأ به، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀، وبه قال الشافعي ﵀ عملا بآية التيمم لأنها أقوى، أو هو منسوخ بها لأنها مدنية، وليلة الجن كانت مكية. ــ [البناية] فإن قلت: هذه الطرق كلها مخالفة لما في " صحيح مسلم " أنه لم يكن معه كما ذكرناه عن قريب. قلت: التوفيق بينها أنه لم يكن معه ﵇ حين المخاطبة وإنما كان بعيدا عنه، وقد قال بعضهم إن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم ولم يكن مع النبي ﵇ ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره في أول سورة الجن من حديث ابن جريح قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فمن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فهم من نصيبين. قال القدوري في " شرح مختصر الكرخي ": وروي كونه يعني ابن مسعود مع النبي ﷺ في خبر أجمع العلماء على العمل به وهو أنه طلب منه ثلاثة أحجار فأتاه بحجرين وروثة، الحديث، وقال ابن العربي صحته في البعض استوقفه وبعد عنه ﵇ ثم عاد إليه فصح أنه لم يكن معه عند الجن لا نفس الخروج، وروى ابن شاهين بسنده عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن، والإثبات مقدم على النفي. م: (فإن النبي ﵇ توضأ به) ش: أي بنبيذ التمر م: (حين لم يجد الماء) ش: أي الماء المطلق. م: (وقال أبو يوسف ﵀ يتيمم ولا يتوضأ به) ش: أي بالنبيذ م: (وهو) ش: أي قول أبي يوسف ﵀ م: (رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: وقد ذكرنا أنه روي عنه ثلاث روايات م: (وبه) ش: أي وبقول أبي يوسف ﵀ م: (قال الشافعي ﵀) ش: ومالك وأحمد والطحاوي ﵏ م: (عملا بآية التيمم) ش: أي عمل أبو يوسف عملا بآية التيمم فإنها تنقل التطهير من الماء ونبيذ التمر من وجه فيرد الحديث بها م: (لأنها أقوى) ش: أي لأنها أقوى من هذا الحديث م: (أو هو منسوخ بها) ش: أي أو هو هذا الحديث منسوخ بآية التيمم م: (لأنها مدنية) ش: لأن آية التيمم نزلت بالمدينة م: (وليلة الجن كانت مكية) ش: يعني قضية ليلة الجن التي ورد فيها الحديث المذكور كانت وقعت بمكة. فإن قلت: نسخ السنة بالكتاب لا يجوز عند الشافعي فكيف يستقيم قوله: أو هو منسوخ بآية التيمم قلت: على هذا رواية رويت عنه أنه يجوز ذلك.

стр. 400

وقال محمد ﵀ يتوضأ به ويتيمم، لأن في الحديث اضطرابا وفي التاريخ جهالة، فوجب الجمع احتياطا، قلنا: ليلة الجن كانت غير واحدة فلا يصح دعوى النسخ، ــ [البناية] وقال الأكمل: ذلك جواب أبي يوسف ﵀ خاصة والمشترك بينهما هو قوله: عملا بآية التيمم. قلت: هذا جواب عن سؤال لصاحب " الدراية " فالأكمل أخذهما منه. م: (وقال محمد يتوضأ به) ش: أي بالنبيذ م: (ويتيمم) ش: يعني يجمع بينهما احتياطا م: (لأن في الحديث اضطربا) ش: أي مقالا في ثبوته. قال الأترازي في معنى الاضطراب: بعضهم قالوا بتنجسه وبعضهم قالوا: بعدم تنجسه، وبعضهم قالوا: كان ابن مسعود ﵁ ليلة الجن، وبعضهم قالوا: لم يكن، فوقع الشك، فوجب الضم احتياطا. وقال السغناقي: معنى الاضطراب وذلك لأن مداره على أبي زيد مولى عمرو بن الحريث روى أنه كان نباذا روى هذا الحديث ليهون على الناس أمر النبيذ وتبعه على هذا المعنى الشنيع صاحب " الدراية " و" الأكمل "، وقد قلنا: إنه روى عنه الأعلام الأثبات والأئمة الثقات، فكيف يستحسن هذا الكلام فيه طعن على الذين ردوا منهم. م: (وفي التاريخ جهالة) ش: فيه نظر لأن أهل السير ذكروا أن قدوم وفد جن نصيبين كان قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وفي " جامع قاضي خان ": تمسكوا في انتساخ هذا الحديث بجهالة التاريخ. قال بعضهم: نسخ ذلك بآية التيمم. وقال بعضهم: لم ينسخ؛ لأنها نزلت في شأن الأسفار والنبيذ يستعمل في المفازات فيما قرب من الأمصار فيجب الجمع احتياطا. ويحتمل أن تكون ليلة الجن بعد آية التيمم. قلت: فيه نظر لأن الآية مدنية وليلة الجن مكية اللهم إلا إذا كانت غير واحدة كما ذكره المصنف م: (فوجب الجمع) ش: أي بين السور والنبيذ م: (احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط في أمر الدين، قلنا إشارة إلى الجواب عما قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -. م: (قلنا: ليلة الجن كانت غير واحدة) ش: يعني تكررت، وذكر النسفي في تفسيره أن الجن أتوا رسول الله ﷺ دفعتين فيجوز أن تكون الدفعة الثانية في المدينة بعد آية التيمم م: (فلا يصح دعوى النسخ) ش: قال السروجي: قوله قلنا: ليلة الجن كانت غير واحدة يوهم أنها كانت بالمدينة أيضا، ولم ينقل ذلك في كتب الحديث فيما علمته. قلت: حفظ شيئا وغابت عنه شيئا، وقد روى أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " بإسناده إلى عمرو بن غيلان الثقفي قال: «أتيت ابن مسعود ﵁ فقلت حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن فقال أجل قلت حدثني كيف كان قال إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجلا يعشيه إلا أنا فإنه لم

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] يأخذني أحد، فمر بي رسول الله ﷺ م، فقال: "من هذا" قلت: أنا ابن مسعود، فقال: "ما أجدك أحد يعشيك" قلت: لا يا رسول الله، قال: "فانطلق لعلي أجد لك شيئا" فانطلقنا حتى أتى حجرة أم سلمة ﵂ فتركني ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية، فقالت: يا ابن مسعود إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء، فارجع إلى مضجعك، فرجعت إلى المسجد فجمعت حصى المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية وقالت: أجب رسول الله ﵇، فاتبعتها حتى بلغت مقامي فخرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب نخل، فعرض به على صدري، فقال: "انطلق أنت معي حيث أنطلقت" فانطلقنا حتى أتينا بقيع الغرقد، فخط بعصاه خطة، ثم قال: "اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك" ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت مثل العجاجة السوداء، ففزعت وقلت في نفسي هذه هوازن مكروا برسول الله ﵇ ليقتلوه فهممت أن أسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا أبرح وسمعت رسول الله ﷺ يفزعهم بعصاه، ويقول "اجلسوا" فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: "أنمت بعدي"؟ قلت: لا والله، ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى هممت أن آتي البيوت فأستغيث الناس، حتى سمعتك تفزعهم بعصاك، فقال: "لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يخطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم"؟ قلت: رأيت رجالا سودا مستفزين عليهم ثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك وفد جن نصيبين، فسألوني المتاع الزاد والمتاع، فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة" فقلت: وما يغني عنهم ذلك؟ قال: "إنهم لا يجدون عظما، إلا وجدوا لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبة الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا روثة» . وأخرج أبو نعيم أيضا عن بقية بن الوليد: حدثني نمير بن يزيد القيني حدثنا أبي حدثنا قحافة بن ربيعة حدثني الزبير بن العوام ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة فأمسك القوم ثلاثا، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستنفرين ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة» ، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود، فلا يصح دعواه النسخ يعني وإذا كانت ليلة الجن غير واحدة فلا

стр. 402

والحديث مشهور عملت به الصحابة وبمثله يزاد على الكتاب وتمسكه ــ [البناية] يصح دعواه النسخ. م: (والحديث مشهور) ش: أي الحديث المذكور مشهور ثبت بطرق مختلفة شتى م: (عملت به الصحابة) ش: مثل علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأما الذي روي عن علي ﵁ أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ وضوء من لم يجد الماء. وأما الذي روي عن ابن مسعود فظاهر، وعن عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: حلو أحب إلي من التيمم وجمعهما أحب إلي، ولهذا الذي ذكرنا، غير أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حتى عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول. فصار موجبا علما استدلاليا كخبر المعراج والقدر خيره وشره من الله تعالى وأخبار الرواية والشفاعة وغير ذلك مما كان الراوي في الأصل واحدا ثم اشتهر وتلقاه العلماء بالقبول وهذا معنى قول المصنف والحديث مشهور. وقال صاحب " الدراية ": وفي كون الحديث مشهورا تأمل. قلت: ليس التأمل إلا في قول من يقول: إنه غير مشهور، أفلا يكفي شهرته عمل هؤلاء الكبار من الصحابة، وهم أئمة كبار ونبلاء الصحابة فكان قولهم معمولا به؟ م: (وبمثله) ش: أي بمثل هذا الحديث (يزاد على الكتاب وتمسكه) ش: أي وتمسك هذا الحديث مبني على الكتاب كما في المطلقة ثلاثا فإنه يراد الدخول عليه بالحديث المشهور، وقال السروجي: فيه نظر كبير؛ لأن المشهور عندنا ما تلقته الأئمة بالقبول وعملت به. وقال البزدوي: ما كان من الآحاد ثم انتشر بنقل قوم لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وهذا الحديث إن عمل به واحد واثنان من الصحابة لم يعمل به الباقون فكيف يكون مشهورا. قلت: قال شيخ الإسلام: شرط كون الخبر مشهورا أن يكون آحادا في الأصل بأن يكون الراوي عن النبي ﷺ من مرتبة الآحاد متواتر النقل بأن ينقله في القرن الثاني وما بعده قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب. وهذا الحديث كذلك ويعرف بالتأمل ويؤيد ذلك ما روي من فتاوى نجباء الصحابة في زمان أشد فيه باب الوحي. وقال أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن ": يستدل بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) على جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين: أحدهما: بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عموم في جميع المائعات؛ لأنه يسمى غاسلا بها إلا ما قام الدليل فيه، ونبيذ التمر ما شمله العموم. الثاني: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] (المائدة: الآية ٦) ، فإن ما أباح إلا عند عدم كل جزء من الماء لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطا بغيره أو منفردا بنفسه ولا يمنع

стр. 403

وأما الاغتسال به فقد قيل: يجوز عنده اعتبارا بالوضوء استحسانا، وقيل: لا يجوز لأنه فوقه، والنبيذ المختلف فيه الذي يجوز الوضوء به أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منها صار حراما لا يجوز التوضؤ به وإن غيرته النار فما دام حلوا فهو على الخلاف، وإن اشتد فعند أبي حنيفة ﵀: يجوز التوضؤ به لأنه يحل شربه عنده، وعند محمد ﵀ لا يتوضأ به لحرمة شربه عنده، ــ [البناية] أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ توضأ بمكة قبل نزول الآية في التيمم م: (وأما الاغتسال به) ش: أي بنبيذ التمر فكأن هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: قد ذكرت عن أبي حنيفة ﵀ جواز الوضوء بالنبيذ فهل حكم الاغتسال به مثل الوضوء أم لا فقال: وأما الاغتسال ... إلخ، ولا نص عن أبي حنيفة في الاغتسال به ولكنهم اختلفوا م: (فقد قيل: يجوز عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (اعتبارا بالوضوء) ش: وهو الأصح؛ لأن الخصوص عن القياس بالنص ملحق به ما هو في معناه من كل وجه وأشار إلى ذلك م: (استحسانا) ش: أي استحسنه استحسانا. م: (وقد قيل: لا يجوز) ش: أي الاغتسال به م: (لأنه فوقه) ش: أي لأن الاغتسال فوق الوضوء؛ لأن الحديث ورد في الوضوء والاغتسال فوقه فلا يلحق به، لأن الجنابة أغلظ الحدثين والضرورة فيه دون الوضوء. وقال في " المبسوط ": الأصح فيه أنه يجوز الاغتسال به، وقال في المفيد: لا يجوز به وهو الأصح. م: (والنبيذ المختلف فيه) ش: أشار به إلى بيان نبيذ م: (الذي يجوز الوضوء به) ش: الذي اختلفنا فيه م: (أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الأعضاء كالماء) ش: قد بينا في أول المسألة حقيقة النبيذ وحاصله أنه لا يجوز الوضوء به إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون رقيقا، والآخر: أن يكون سائلا كالماء ولا يكون مشتدا. وشرط آخر: أن لا يكون مسكرا أشار إليه بقول: (وما اشتد منه صار حراما لا يجوز التوضؤ به) ش: أي لا يجوز الوضوء به إجماعا لأنه صار مسكرا حراما. م: (وإن غيرته النار) ش: وإن غيرت النبيذ النار بأن طبخوه فيها م: (فما دام حلوا فهو على هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور وهو جواز الوضوء إجماعا عن أبي حنيفة ﵀ لأنه لم يخرج عن كونه طهورا كالماء، وعند أبي يوسف يتيمم، وعند محمد: يجمع بينهما م: (وإن اشتد) ش: أي وإن اشتد النبيذ الذي غيرته النار وصار مسكرا م: (فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز التوضؤ به لأنه يحل شربه عنده وعند محمد لا يتوضأ به لحرمة شربه عنده) ش: يعني شربه حرام عند محمد. وفي " المفيد " " والمزيد ": الماء الذي ألقي فيه تمرات فصار حلوا ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق يجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، وإن طبخ أدنى طبخة لا يجوز الوضوء به حلوا

стр. 404

ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة جريا على قضية القياس. ــ [البناية] كان أو مرا أو مسكرا، قال: وهو الأصح لأن المتنازع فيه المطبوخ الذي زال عنه اسم الماء بالحديث. وقال الكرخي: وهو المطبوخ وأدنى طبخه يجوز الوضوء به حلوا كان أو مسكرا إلا عند محمد في المسكر. وقال أبو طاهر الدباس: لا يجوز، قال في " المحيط ": وهو الأصح كمرق الباقلاء، وقال المرغيناني والأسبيجابي: منع محمد على أبي يوسف في الزيادات فقال: يجوز التوضؤ به بسؤر الحمار، ولم يرو فيه أثرا ويمنع بنبيذ التمر، وقد ورد فيه الأثر. قلت: ناقض المصنف كلامه الذي في باب الماء الذي يجوز به الوضوء فإنه قال هناك: وإن تغير بالطبخ بعدما خلط به غيره لا يجوز التوضؤ به لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته. م: (ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة) ش: أي بما سوى نبيذ التمر كنبيذ الزبيب والتين والحنطة والذرة ونحوها هذا عند عامة العلماء. وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بالأنبذة كلها حلوا كان أو غير حلو، مسكرا أو غير مسكر، نيئا كان أو مطبوخا إلا الخمر خاصة. وقال ابن أبي ليلى: يجوز التوضؤ بماء العنب إذا لم يكن مشتدا كما في التمر. م: (جريا على قضية القياس) ش: لأن القياس كان يقتضي أن لا يجوز استعمال النبيذ في إزالة الأحداث ولكنه خص بالأثر على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص ويبقى الباقي على موجبه؛ ولأنه في الحديث علل باسمه وصفته فقال: «تمرة طيبة» وهو من العلل القاصرة، فلما لم يوجد في غيره لم يجز غيره. قلت: ينبغي أن يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة كما قاله الأوزاعي إما بدلالة الأنبذة بالنص، وإما أنه ﷺ نبه على العلة حيث قال: «تمرة طيبة» وهذا المعنى موجود في نبيذ الزبيب وغيره، فصار كالهرة الطائفة على العلة فيها بقوله: «فإنها من الطوافين والطوافات» قيس عليها سائر سواكن البيوت لوجود المعنى. فإن قلت: جريا منصوب بماذا. قلت: الجري مصدر من جرى الماء وغيره لازم والمتعدي أجري وانتصابه على التعليل أي لأجل الجري على قضية القياس، ويجوز أن جريا بمعنى جاريا ويكون منصوبا على الحال والتقدير في الأول: عدم جواز التوضؤ بما سواه من الأنبذة لأجل الجري على قضية القياس، وفي الثاني: حالة كونه جاريا على قصية القياس.

стр. 405

باب التيمم ــ [البناية] [باب التيمم] [تعريف التيمم] م: (باب التيمم) ش: أي هذا باب في بيان أحكام التيمم فيكون ارتفاع باب على الخبرية، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: هذا باب التيمم لما يأتي، ويجوز انتصابه على المفعولية والتقدير: خذ أو هاك باب التيمم، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول في أحكام المياه، التي هي الأصل في باب الطهارة، وهذا الباب في بيان الخلف وحقه أن يكون عقيب الأصل، أو تقول: إنه ابتدأ بالوضوء الذي هو طهارة صغرى ثم ثنى بالغسل الذي هو طهارة كبرى، ثم ثلث بالتيمم لكونه خلفا وظيفته التعقيب. وقال صاحب " الدراية ": ابتدأ بالتيمم تأسيا بكتاب الله، وابتدأ بالوضوء؛ لأنه الأعم الأغلب، ثم بالغسل لأنه الأندر، ثم بالآية التي يحصلان بها وهو الماء المطلق، ثم بالعوارض التي تعرض عليه من المخالطة طاهر أو نجس، ثم الخلف وهو التيمم. قلت: قوله: ابتدأ بالتيمم لا وجه له أصلا إن أراد بالابتداء الابتداء في أول الكتاب فليس كذلك، وإن أراد به هاهنا فلا وجه له؛ لأنه ليس بابتداء به بل هو ذكر بالتعقيب والصواب ما ذكرنا. وقوله أيضا: تأسيا بكتاب الله، ليس كذلك لأن المذكور في كتاب الله الوضوء ثم الغسل ثم التيمم، والتأسي لا يكون إلا بذكره هكذا ولا يقال كيف يترك التأسي في تقديم المسافر وخارج المصر على المريض، مع أن الله تعالى قدم المريض على المسافر؛ لأنا نقول: التيمم مرتب على عدم الماء وهو في المسافر وخارج المصر حقيقي، وفي المريض حكمي. ثم اعلم أن أصل التيمم من الأم وهو القصد، يقال: أمه يؤمه أما إذا قصده، ويقال: أم وتأيم وتيمم بمعنى واحد ذكره أبو محمد في " كتاب الراعي " وفي " المحكم "، وأتيمه والتيمم أصله من ذلك؛ لأنه يقصد التراب فيمسح به، وفي " الجامع " عن الخليل: التيمم يجري مجرى التوضؤ بقوله: تيمم أطيب ما عذب وأسقانا منه، أي توضأت. وقال الفراء: ولم أسمع يممت بالتخفيف. وفي " المهذب " لأبي منصور: التيمم التعمم، وفي الصحاح: يممت فلانا أي قصدته. قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أي الخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشيء الذي هو يبتغيني قلت: اسم الشاعر اللقب العبسي، وقال الشيباني: رجل يمهم يظفر بكلامنا يطلب.

стр. 406

ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر ــ [البناية] وفي الشرع: التيمم هو القصد إلى استعمال الصعيد في أعضاء مخصوصة على قصدر الطهارة بشرائط مخصوصة، فالاسم الشرعي فيه معنى اللغوي. [شرائط التيمم] [عدم وجود الماء] م: (ومن لم يجد الماء وهو مسافر) ش: الواو في مثل هذه المواضع تسمى واو الاستفتاح كذا سمعت من مشايخي، ويجوز أن يكون العطف على ما قبله من الأحكام المتعلقة بالوضوء، وكلمة من موصولة بمعنى الذي، وقال بعض من لا خبرة له: إن كلمة من هنا تتضمن معنى الشرط، فكان ينبغي إدخال الفاء في جوابها، ولكن المصنف تركه. قلت: هذا كلام من لا يصرف له، ولأنه إن من المتضمن معنى الشرط يكون الجزاء مجزوما نحو من يلزمني ألزمه إلا إذا كان الجزاء ماضيا فحينئذ لا يظهر فيه الجزم، وأما إذا كان الجزاء جملة فلا بد من الفاء فيه، وقد تحذف في ضرورة الشعر. وقال ابن مالك ﵀: يجوز في النثر نادرا. قوله: وهو المسافر، جملة اسمية وقعت حالا، وقد علم أن الجملة الاسمية إذا وقعت حالا فلا بد فيها من الواو، وقد تحذف كما في قوله: كلمته فوه إلى في. فإن قلت: لم قدم المسافر على المريض هنا وفي كتاب الله ذكر المريض مقدم. قلت: قدم ذكره في كتاب الله تطييبا لقلبه، ولأن المرض عارض جاء من الله تعالى من غير اختيار العبد، والسفر عارض باختياره وقد ذكرناه عن قريب. م: (أو خارج المصر) ش: يجوز فيه النصب والرفع، أما النصب على وجوه: أحدها: أن يكون نصبا على الحال، عطفا على الجملة الحالية التي قبله. قال السغناقي في الآية: لما جاز عطف الجملة الحالية على المفرد من الحال في قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] (آل عمران: الآية ١٩١) أي مضطجعين على جنوبهم جاز عليه أيضا، قلت: قياما بمعنى قائمين، وقعودا بمعنى قاعدين، فحينئذ لا يكون عطف الجملة على المفرد اللهم إذا قلنا بذلك نظرا إلى اللفظ. الوجه الثاني: أن يكون مفعولا فيه تقديره أو في مكان خارج المصر، كذا قال السغناقي وغيره، ولكن تحدثه شيء وهو أن لفظة خارج عارض هنا اسم لظاهر البلد وفيما قالوا: اسم لفعل الخروج والأول هو الأولى والأوجه. وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أو هو خارج المصر فتكون الجملة عطفا على الجملة السابقة فيكون محلها النصب على الحال، ثم إن قوله: أو خارج المصر، ولقول من يقول: إنه لا يجوز إلا للمسافر.

стр. 407

وبينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر ــ [البناية] ذكر في " المحيط "، وقال في الناس: من قال: لا يجوز التيمم لمن خرج من المصر إلا إذا قصد سفرا صحيحا، والمعنى: ويجوز لمن هو خارج المصر وإن لم يكن مسافرا وفيه أيضا نفي لجواز التيمم في الأمصار سوى المواضع المستثناة وهذا موافق لما ذكره في " شرح الطحاوي " حيث قال: إن التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاث: أحدها: إذا خاف من فوت صلاة الجنازة إن توضأ. والثانية: عند خوف فوت صلاة العيد. والثالثة: عند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال. وقال الإمام التمرتاشي: من عدم الماء في الحضر لا يجوز له التيمم لأنه نادر، وذكر في " الأسرار " جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار. فإن قلت: فعلى هذا لا يكون قوله: أو خارج المصر مبينا لجواز التيمم في الأمصار، والأقل جواز التيمم لعدم الماء سواء كان في المصر أو خارجه. م: (وبينه وبين المصر نحو ميل) ش: وفي بعض النسخ الميل بالألف واللام ولا وجه له، أي والحال أن بين خارج المصر وبين المصر ميل يعني قدر ميل. وقال الأترازي: ولو قال: بينه وبين الماء مكان وبين المصر لكان أحسن ليشمل الشخص جميعا المسافر والخارج عن المصر، وهذا لأن المعتبر هو الأبعد بين المتيمم وبين الماء سواء كان في المصر أو غيره. قلت: إنما يكون ما قاله أحسن لو قال: وبينهما أي وبين المسافر والخارج عن المصر ولما رد الضمير إلى الخارج عن المصر وقال: وبين المصر؛ لأن الخارج من المصر إذا عدم الماء فالضرورة غالبا لا يجد الماء إلا في المصر فذكر المصر ليستلزم الخارج من المصر من غير عكس، ثم الميل ثلث فرسخ أربعة آلاف ذراع، قال محمد بن قدح الشامي: طولها أربعة وعشرون أصبعا، بعدد حروف لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعرض الأصبع ست حبات شعير ملصقة ظهر البطن، وزنة الحبة من الشعيرة ستون حبة خردل وهو الذراعي الملكي وبه ذرع هارون الرشيد الرق وجعل الفرسخ ثلاثة أميال، والبريد اثني عشر ميلا. وفسر ابن شجاع الميل: بثلاثة آلاف ذراع، وفسر الغلوة بثلاثمائة ذراع أي أربعمائة ذراع كذا في " الذخيرة "، وفي " الينابيع ": الميل ثلث الفرسخ أربعة آلاف خطوة ذراع ونصف بذراع العامة وهو أربعون وعشرون أصبعا. م: (أو أكثر) ش: بالرفع عطف على قوله: ميل وارتفاع ميل بالابتداء وخبره قوله: وبينه وبين المصر، ويجوز بالنصب على أن يكون لفظ كان مقدرا فيه والتقدير أو كان أكثر من الميل.

стр. 408

يتيمم بالصعيد ــ [البناية] فإن قلت: أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد الأشياء الثلاثة بالإضافة والألف واللام وكلمة من وليس شيء من ذلك هاهنا. قلت: قد يستعمل مجردا عنها كما في قولك: الله أكبر. فإن قلت: قوله: أو أكثر مستغنى عنه لا فائدة تحته. قلت: أجيب عنه بأجوبة: الأول: أنه للتأكيد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] (الحاقة: الآية ١٣) ، لأن معنى التأكيد هو أن يستفاد من الثاني ما استفيد من الأول وهذا كذلك قال الأكمل: ورد بأن تخلل العاطف يأباه. قلت: الذي رد هو صاحب " الكافي ". والوجه الثاني: أن المسافة تعرف بالحرز والظن، فلو كان في ظنه أن بينه وبين الماء نحو ميل أو أقل لا يجوز حتى يتبين أنه ميل. قال الأكمل: وفيه نظر لأنه مبني على أنه حرزا أو ظنا فمن أين يتحقق ذلك؟ قلت: معرفة المسافة بالحرز والظن يكون مبني عليه. الثالث: قال الأترازي: الأصل في الدلالات المطابقة لا الالتزام فذكره بفهم الحكم بالمطابقة. قلت: هذا عجيب والحكم بالمطابقة فهم من قوله: ميل؛ لأن هذا معناه المطابق ويفهم منه جواز التيمم في هذا المقدار ففي أكثر منه بالطريق الأولى. الرابع: أنه ذكر رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن الماء إن كان قدامه فالمسافة ميلان، وإن لم يكن فميل وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكون أربعة أميال ذهابا وإيابا. الخامس: قال السروجي: يحتمل أن يكون ذلك شكا من الراوي في قوله: فإن صلت وربع ساقها أو ثلثه مكشوف، وفيه نظر لأنه إنما قيل: ربع ساقها أو ثلثه إشارة إلى أن كل واحد منهما رواية. والسادس: أن قوله: ميل في الجهات الثلاث، وقوله: أو أكثر فيما أمامه أو أكثر على قول من شرط ميلين ورد بما رد به الوجه الرابع. السابع: أن الذي قدره الشرع أربعة أنواع: الأول: أن يمنع الأقل والأكثر كالحدود والصلوات المفروضة والمواريث. الثاني: أن يمنعها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] (النساء: الآية ٤٠) . الثالث: أن يمنع الأقل لا الأكثر كنصاب الشهادة والسرقة والزكاة. الرابع: أن يمنع الأكثر لا الأقل كمدة إمهال المرتد ومدة جواز الصلاة على الميت المدفون من غير صلاة، وما في الكتاب من قبل النوع الثالث ذكره تنبيها للناظرين. م: (يتيمم بالصعيد) ش: خبر المبتدأ عن قوله: من لم يجد، وجواب المسألة: والصعيد

стр. 409

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) وقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» ــ [البناية] التراب، قال الجوهري: وقال ثعلب الصعيد وجه الأرض لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (الكهف: الآية ٤٠) ، والجمع: صعد وصعدات مثل طريق وطرق وطرقات سمي به لصعوده وهو فعيل بمعنى مفعول أو مصعود عليه. حكاه ابن الأعرابي والخليل وثعلب، وفي " معاني الزجاج ": الصعيد: وجه الأرض، كان موضع تراب أو لم يكن؛ لأن الصعيد ليس وجه التراب، وإنما وجه الأرض تراباً كان أو صخراً لا تراب عليه، وقال: لا أعلم خلافاً بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض. وقال قتادة: الصعيد الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر، وقال ابن دريد: المستوي، وسيأتي الخلاف في هذا الباب. م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) أشار بهذا إلى أن ثبوت التيمم بالكتاب والسنة. أما الكتاب فهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] كان نزولها في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق حين أقام رسول الله ﷺ والناس معه على التماس عقد عائشة ﵂ حين أنقطع فأصبحوا على غير ماء. فأنزل الله تعالى آية التيمم، بحديث العقد رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، والمريسيع بضم الميم وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وكسر السين المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة. وفي آخره عين مهملة وهو اسم ماء بناحية قديد بين مكة والمدينة. وكانت غزوة بني المصطلق في شعبان من السنة الثالثة من الهجرة، وقيل: سنة أربع. قوله ﴿طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] أي طاهراً عند الأكثرين، وقيل: حلالاً. وقال الشافعي: الطيب المنبت الخالص ولهذا لا يجوز التيمم بغير التراب، وسيجيء الكلام فيه مستوفى إن شاء الله تعالى. وأما السنة فقد أشار إليها بقوله: م: (وقوله ﷺ : «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» ش: وقوله: مجرور؛ لأنه معطوف على قَوْله تَعَالَى، والحديث روي عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄. أما حديث أبي هريرة فرواه البزار في " مسنده "، حدثنا مقدم بن محمد المقدمي، حدثنا القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه

стр. 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] بشرته» . وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمعه إلا من مقدم وكان ثقة. ورواه الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة، حدثنا مقدم بن محمد المقدمي به، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: «كان أبو ذر في غنيمة بالمدينة، فلما جاء قال له النبي ﷺ : " يا أبا ذر " فسكت فرددها عليه فسكت، فقال: " يا أبا ذر ثكلتك أمك " قال: إني جنب، فدعا له الجارية بماء فجاءته به فاستتر براحلته ثم اغتسل، فقال له النبي ﷺ : " يجزئك الصعيد ولو لم تجد الماء عشرين سنة، فإذا وجدته فأمسه جلدك» وقال: لم يروه عن ابن سيرين إلا هشام، ولا عن هشام إلا قاسم، تفرد به مقدم، وذكر ابن القطان في كتابه من جهة البزار وقال: إسناده صحيح وهو غريب من حديث أبي هريرة. وأما حديث أبي ذر ﵁ فرواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال: قال رسول ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير» رواه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لأبي داود والترمذي: «طهور المسلم» ، ورواه ابن حبان في صحيحه، ورواه الحاكم في " مستدركه "، وقال: حديث حسن صحيح، ولم يخرجاه، إذ لم يجدا لعمرو راويا غير أبي قلابة، وضعف هذا الحديث ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام "؛ لأن فيه عمرو بن بجدان وهو لا يعرف حاله. قلت: العجب منه لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تعريفه بالحديث، وبجدان بضم الباء الموحدة وسكون الجيم. وقول المصنف: «التراب طهور المسلم» ، لم يقع بهذا اللفظ إلا في رواية للترمذي، وفي

стр. 411

والميل هو المختار في المقدار ــ [البناية] رواية لأبي داود: «الصعيد طهور» . قوله: (ولو إلى عشر حجج) : أي عشر سنين، وكذا لفظ حديث أبي هريرة، والمراد نفس الكثرة لا عشرة بعينها. وتخصيص العشرة لأجل الكثرة؛ لأنه منتهى عدد الآحاد، والمعنى: له أن يفعل التيمم مرة بعد مرة أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء إلى عشر سنين، وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة يكفيه عشر سنين. قوله: (ما لم يجد الماء) المراد به الماء الذي يكفي لرفع الحدث؛ لأن ما دونه يستوي فيه وجوده وعدمه، إذ لا تثبت به استباحة الصلاة فكان كالمعدوم. فإن قلت: " ماء " في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) نكرة في سياق النفي فتناول ما يسمى به ماء قليلا كان أو كثيرا. قلت الآية سبقت لبيان الطهارة الحكمية فكان معنى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] طهورا محللاً للصلاة وبوجود ما لا يكفي للوضوء لم يوجد ما يحلل الصلاة. واعلم أن المراد من الوجود القدرة، ومعنى الآية: فلم تقدروا على استعماله، ولفظ الوجود كما يستعمل للظفر بالشيء يستعمل للقدرة عليه. يقال: الشيء ظفر به ووجده إذا قدر عليه، فحملناه على القدرة هاهنا لاعتماد التكليف عليها إلا على الوجوب مطلقاً، ألا ترى أن [ ... ] الذي إذا تعذر عليه الوضوء منه ولا يجد من يوضئه يباح له التيمم، والماء أما وضوء على الطريق لا يمنع التيمم، إلا إذا كان كثيرا يعلم أنه وضع للوضوء والشرب، والغني والفقير سواء، وما وضع للتوضؤ يجوز الشرب منه. وفي المرغيناني: الماء الذي يحتاج إليه للعطش والخبز وكذا الثمن يحتاج إليه للعطش أو العجين تيمم معه، ولاتخاذ المرقة لا يتيمم؛ لأن حاجة الطبخ دون حاجة العطش والخبز، وكذا الثمن الذي يحتاج إليه للزاد يتيمم معه بمنزلة ماء العطش، وعطش رفيقه كعطش نفسه، وعطش دابته وكلبه كذلك. م: (والميل هو المختار في المقدار) ش: أي في مقدار بعد الماء وجه كونه مختاراً أن المسافة القريبة جداً مانعة من جواز التيمم والبعد يجوزه له، فقدر البعيد بالميل لإلحاق الحرج إلى وصول الماء، وفيه احتراز عن غيره من الأقوال، وعند محمد: شرطه أن يكون بينه وبين المصر ميلان. وعن أبي يوسف: لو ذهب إليه وتوضأ به وتذهب القافلة وتغيب عن بصره يجوز التيمم، وهذا أحسن جداً. وقيل: إذا كان نائياً عن بصره.

стр. 412

لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم حقيقة، والمعتبر المسافة دون خوف الفوت؛ لأن التفريط يأتي من قبله، ولو كان يجد الماء إلا أنه مريض فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه يتيمم لما تلونا، ولأن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء ــ [البناية] واختلفوا في النائي، قيل: قطع ميل، وعن محمد: قطع ميلين، وقيل: فرسخ، وقيل: جواز قصر الصلاة، وقيل: عدم سماع الأذان. وقيل: عدم سماع أصوات الناس، وقيل: لو نودي من أقصى المصر لا يسمع. وفي " البدائع " إن ذهب إليه لا ينقطع عند جلبة الغير ويحسن أصواتهم وأصوات دراء فهو قريب. وقيل: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء فهو قريب. قال قاضي خان: وأكثر المشايخ عليه. وكذا ذكره الكرخي. وأقرب الأقوال اعتبار الميل ولا يبلغ ميلاً، وعن محمد: يبلغ، وقال زفر: إن خشي فوت الوقت يجوز، وإن كان قريباً. فإن قلت: النص مطلق عن اشتراط المسافة فلا يجوز تقييدها بالرأي. قلت: المسافة القريبة غير مانعة بالإجماع، والبعيدة غير مانعة بالإجماع، فجعلنا الفاصل بينهما الميل، أشار إليها بقوله م: (لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم حقيقة) ش: أي؛ لأن المكلف يلحقه الحرج وهو مدفوع شرعاً. وقال الأترازي: فلو قال بإبانة الماء لكان أولى، وتكلمنا فيه عند قوله: " بينه وبين المصر ". م: (والمعتبر المسافة) ش: أي الاعتبار في جواز التيمم كون الماء إلى الماء م: (دون خوف الفوت) ش: أي وقت الصلاة. وقال الأترازي: هذا يحتاج إلى قيد آخر بأن يقال: دون خوف الفوت إذا كان إلى خلف؛ لأنه إذا خاف الفوت لا إلى خلف يكون خوف الفوت معتبراً كما في صلاة العيد والجنازة حتى يحتاج إلى التيمم. قلت: لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه عن قريب يذكر هذا الحكم مفصلاً وفيه احتراز عن قول زفر، فإن عنده يجوز التيمم إذا خاف لفوت الوقت، وإن كان الماء قريباً أقل من ميل هو يقول لإطلاق الآية. وأشار المصنف إلى دليلنا بقوله: م: (لأن التفريط) ش: أي التقصير م: (يأتي من قبله) ش: أي من تأخيره الصلاة، فليس له أن يتيمم إذا كان الماء قريباً منه. [العجز عن استعمال الماء لمرض ونحوه] م: (ولو كان يجد الماء إلا أنه مريض) ش: إلا ها هنا بمعنى لكن، وفي كل موضع شأنه هذا م: (فيخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه يتيمم) ش: واشتداد المرض تارة يكون بالتحريك كالمبطون ومن به العرق المديني، وتارة يكون باستعمال الماء بالجدري والحصبة م: (لما تلونا) ش: أراد به قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) م: (ولأن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء) ش: أي؛ لأن الضرر الحاصل له عندي خوفه من زيادة المرض إذا استعمل الماء فوق ضرره في زيادة ثمن الماء الذي يباع بأكثر من ثمنه، فإذا كان الحرج مدفوعاً عند زيادة الثمن في الماء فاندفاعه

стр. 413

وذلك يبيح التيمم فهذا أولى، ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك أو بالاستعمال، واعتبر الشافعي ﵀ خوف التلف، وهو مردود بظاهر النص. ــ [البناية] عند الخوف من زيادة المرض أولى وأجدر؛ لأن النفس أعز من المال. م: (وذلك) ش: إشارة لما ذكرنا من زيادة ثمن الماء م: (يبيح التيمم فهذا أولى) ش: هذا إشارة لما ذكرنا من زيادة المرض. م: (ولا فرق) ش: في المرض م: (بين أن يشتد مرضه بالتحريك) ش: كالمبطون كما ذكرنا م: (أو بالاستعمال) ش: أي باستعمال الماء كالجدري. م: (واعتبر الشافعي ﵀ خوف التلف) ش: أي تلف نفسه أو عضوه، وهذا الذي ذكره المصنف هو القول الجديد للشافعي ﵀، وقوله القديم مثل قولنا في " شرح الوجيز "، أما مرض يخاف منه زيادة العلة وبطء البرء فقد ذكر فيه ثلاثة طرق: أحدها: أن في جواز التيمم قولان: أحدهما المنع وهو قول أحمد، وأظهرهما الجواز، وهو قول الإصطخري وعامة أصحابه وهو قول مالك وأبي حنيفة. وفي " الحلية " وهو الأصح قال: إن كان مرض لا يلحقه باستعماله ضرراً كالصداع والحمى لا يجوز له التيمم. وقال داود: يجوز، ويحكى عن مالك، وعطاء، والحسن البصري، أنه لا يجوز للمريض إلا عند عدم الماء، ولو خاف من استعمال الماء شيئاً في المحل، قال أبو العباس: لا يجوز له التيمم على مذهب الشافعي. وقال غيرهما: إن كانت الشين كأثر الجدري والحراقة ليس له التيمم، وإن كان يؤمن من خلفه ويؤذي من وجهه كثيراً فيه قولان. والثاني من الطرق أنه لا يجوز قطعاً. والثالث: أنه يجوز قطعاً. وأجمعوا على أنه لو خاف على نفسه الهلاك أو على عضوه ومنفعته يباح له التيمم. وحكى صاحب " الحاوي " في خوف أحدهما فيه قولان كما في زيادة المرض، وأصحهما يقطع بالجواز كما قال الجمهور. وقال إمام الحرمين عن العراقيين أنهم قالوا في جواز التيمم من خاف مرضا مخوفا قولين، وهذا النقل عنهم مشكل، فإن الموجود في كتبهم كلها القطع بجواز التيمم لخوف حدوث مرض مخوف، وقد أشار الشافعي أيضاً إلى الإنكار على إمام الحرمين في هذا النقل. م: (وهو) ش: أي قول الشافعي م: (مردود بظاهر النص) ش: وهو قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) ، فإنه أباح التيمم بكل مرض من غير فصل، وهذا الرد لا يستقيم إلا على أحد قوليه الذي هو غير صحيح وغير مشهور.

стр. 414

ولو خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه يتيمم بالصعيد، وهذا إذا كان خارج المصر لما بينا، ولو كان في المصر فكذلك يتيمم عند أبي حنيفة خلافا لهما، ــ [البناية] فإن قلت: كيف لا يتناول لمن لا يشتد مرضه. قلت: بسياق الآية وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) فإن الحرج إنما يلحق من يشتد مرضه فبقي الباقي على ظاهرها. فإن قلت: لا نسلم إطلاق النص لتقييده بالعدم. قلت: العدم شرط في حق المسافر دون المريض. [خوف الضرر من استعمال الماء] م: (ولو خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البرد) ش: كلمته الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، في محل النصب على أنه مفعول لقوله " خاف " ثم إنه ذكر الجنب ولم يذكر المحدث. قال في " الأسرار ": إنهما سواء على قول أبي حنيفة. وذكر قاضي خان: ثم الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك بالبرد جاز له التيمم على قوله: وأما المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم بالاتفاق، وأما المحدث في المصر فاختلفوا فيه على قول أبي حنيفة في المحدث، اختلاف الرواية يجوزه شيخ الإسلام، ولم يجوزه الحلواني. وقال صاحب " الدراية " عنه أنه قال: مشايخنا في ديارنا لا يجوزون للمقيم أن يتيمم بالاتفاق؛ لأن في عرف ديارنا أجرة الحمام بعد الخروج فيمكنه أن يدخل الحمام ويغتسل ويعتذر بالعسرة. م: (أو يمرضه) ش: عطف على قوله: " أن يقتله البرد " وهو مرفوع؛ لأنه فاعل لقوله: أن " يقتله " وهو من الأمراض أي يمرضه البرد م: (يتيمم بالصعيد) ش: جواب لرد هو جواب المسألة. م: (وهذا) ش: إشارة إلى جواز التيمم م: (إذا كان) ش: أي الذي يريد به التيمم لأجل الخوف من استعمال الماء من الموت أو المرض م: (خارج المصر لما بينا) ش: أراد به قوله؛ لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر. م: (ولو كان) ش: أي لو كان الجنب الخائف من المرض أو القتل م: (في المصر فكذلك يتيمم عند أبي حنيفة خلافاً لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد، وذكر في " قاضي خان " الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم في قولهم جميعاً. وأما المحدث في المصر إذا خاف الهلاك من التوضؤ اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة، والصحيح: أنه لا يباح له التيمم بالاتفاق، وإن كان عنده من يعينه على استعمال الماء المتعين حراً أو امرأة جاز له التيمم في قول أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز وإن كان المعين مملوكاً اختلف المشايخ على قوله، وقيل: إن كان المعين بغير بدل لا يجوز له التيمم بالاتفاق، وبأجر يتيمم عنده قل أو كثر، وقالا بربع درهم.

стр. 415

هما يقولان إن تحقق هذه الحالة نادر في المصر فلا يعتبر، وله أن العجز ثابت حقيقة، فلا بد من اعتباره. ــ [البناية] م: (هما) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (يقولان إن تحقق هذه الحالة) ش: أي العجز م: (نادر في المصر فلا يعتبر) ش: لأن الغالب فيه على القدرة عليه دخول الحمام فلا يعتبر النادر. م: (له) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن العجز ثابت حقيقة) ش: إذ الغرض خوف الهلاك مع وجود الماء ومشروعية التيمم لدفع الحرج وهو شامل لهما م: (فلا بد من اعتباره) ش: ولو كان نادراً في المصر إذا تحقق فلا بد أن يجب الخروج عند عهدته، ولهذا لو عدم الماء في المصر يتيمم ولو كان نادراً كما لو عدم في البرد، ولهما نظائر على هذا الخلاف منها إذا كان لا يقدر على استعمال القيام بنفسه، ومنها إذا كان على فراش نجس، ولا يمكنه التحول إلى مكان طاهر ثم وجد من يحوله. ومنها الأعمى إذا وجد قائداً يقوده إلى الجمعة والحج. واتفقوا على أنه إذا عجز عن القيام بنفسه وثم من يعينه يصلي قاعداً، والمقعد إذا وجد من يحمله إلى الجمعة لا جمعة عليه عند الكل ولا حج ولا حضور الجماعة. وقيل: الكل على الخلاف. فروع: المسافر خارج المصر يجوز له جماع زوجته وأمته عند عدم الماء وعليه عامة العلماء، يروى ذلك عن ابن عباس، وجابر، وزيد، وإسحاق، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وعن على، وابن مسعود: يمنعه لعدم جواز التيمم عند ابن مسعود، ومثله عن ابن عمر، والزهري. وقال مالك: لا أحب له أن يصيب امرأته إلا ومعه ماء، عن عطاء إن كان بينه وبين الماء ثلاثة أميال لم يصبها وإن كان أكثر جاز، وعن أحمد في كراهته وجهان، وحديث «عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: يا رسول الله الرجل يجنب ولا يقدر على الماء أيجامع زوجته؟ قال: " نعم» رواه أحمد، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف. والتيمم عن النجاسة المعينة لا يجوز، ومعناه: إذا كان على جسده نجاسة يتيمم لها وفي وجه بيديه لا يصح، وهو قول الجمهور من أهل العلم، خلافاً لأحمد وأصحابه في إعادة صلاته، ولو كانت على بدنه لا يتيمم بها، لكن ينبغي له أن يمسح موضع النجاسة بتراب تقليداً لها. ولنا: أن الغسل لا يكون في غير موضع النجاسة فكذا التيمم. وفي المرغيناني: المرتد

стр. 416

والتيمم ضربتان ــ [البناية] المسجون تلزمه الإعادة لصلاة التيمم، ولو جاءت قبل خروجه لا يأثم، ولو منع في السفر، وصلى بالتيمم لا يعيد، وفي صلاة الحسن لا يصلي حتى يقدر على الماء، ولو تيمم لقراءة القرآن الصحيح أنه لا تجوز الصلاة به، ولو تيمم لدخول المسجد أو مس المصحف جازت الصلاة به عند أبي بكر البلخي، وعامة المشايخ بخلافه، وعلى هذا التيمم لزيارة القبور وللتعليم لا يصلي به. وفي " التحفة ": لو تيمم لصلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة، أو لقراءة القرآن فجاز له أن يؤدي جميع ما لا يجوز إلا بالطهارة بخلاف التيمم لمس المصحف ودخول المسجد، حيث لا يعتبر إلا في حقهما؛ لأنهما من أجزاء الصلاة. وفي القدروي لا يجوز التيمم لسجدة التلاوة وقيل هو جائز، ولو تيمم لسجدة الشكر لا يصلي به المكتوبة، وعن محمد: يصليها بناء على أنها قربة عنده. جنب، وحائض طهرت، وميت، معهم من الماء ما يكفي أحدهما فصاحب الماء أحق به، وبه قال مالك، وقال بعض الشافعية: يبيعه من الميت، وإن كان الماء لهم لا يجوز استعماله لأجل نصيب الميت. وفي " المحيط ": وينبغي أن يصرفا نصيبهما إلى الميت ويتيمما، وإن كان مباحاً فالجنب أولى به، وتتيمم المرأة ويتيمم الميت، وتقتدي المرأة بالرجل. وقال أحمد: الحائض أولى به لأجل حق زوجها في الوطء، وإن كان معهم محدث فكذلك. وقال المرغيناني وقيل: الميت أولى، والأول أصح. وفي " البدائع ": المحبوس في المصر عنده تراب طاهر يصلي يتيمم ويعيد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصلي، وهو قول زفر، وعن أبي يوسف: يصلي ولا يعيد كالمريض والمحبوس، وإذا لم يجد ماء، ولا تراباً نظيفاً فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وعامة الروايات عن محمد. وقال أصبغ من المالكية: لا يصلي وإن خرج الوقت إلا بوضوء أو تيمم. وقال أبو يوسف: يصلي بالماء ويعيد، وبه قال محمد في رواية أبي سليمان. وقال بعض المشايخ: إنما يصلي بالإيماء إذا كان المكان رطباً، وإن كان يابساً يصلي بالركوع والسجود، والصحيح عنه أنه يؤدي كيف ما كان، ومذهب عمر، وابن مسعود ﵄ أن من لم يجد ماء لا يصلي، ذكره ابن بطال، وفي " المحيط " دل عليه أن الصلاة بغير طهارة، أو إلى غير القبلة، أو في ثوب نجس متعمداً يكفر، والصحيح أنه لا يكفر بغير طهارة ولا يكفر فيها. متيمم يصلي، قال يهودي: خذ هذا الماء يمضي في صلاته؛ لأنه مستهزئ به، فإن أعطاه بعدها أعاد. [أركان التيمم] م: (والتيمم ضربتان) ش: وبه قال الشافعي في الجديد، والثوري، والنخعي، والحسن وابن

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] نافع، والليث، والأوزاعي، وابن الحكم، وإسماعيل القاضي، وهو قول ابن عمر، ومالك في " المدونة " وقال مالك وأحمد: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين، والرسغ مفصل الكف وأحد طرفيه كوع، ويقال: كاع أيضاً كياع وكوع يلي الإيهام، والآخر له كرسوع يلي الخنصر. وقال ابن أبي ليلى، وابن حي: ضربتان يمسح بكل واحدة منهما وجهه ويديه. وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات الثالثة لهما جميعاً، وعنه: ضربة ضربة للوجه وضربة للكف وضربة للذراعين. وعن الزهري إلى المناكب، ويروى عن أبي بكر الصديق ﵁، وروى أبو داود أن رسول الله ﷺ مسح إلى أنصاف ذراعيه، قال ابن عطية: لم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت. وفي قواعد ابن رشد روي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث والفرض اثنان. وفي " شرح الأحكام " لابن بزيزة قالت: طائفة من العلماء: يضرب أربع: ضربتان للوجه وضربتان للذراعين، وقال ابن بزيزة: وليس له أصل في السنة. قال أبو عمر: قال الأوزاعي: التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين، والفرض عند مالك إلى الكوعين والاختيار إلى المرفقين، وروي عن الأوزاعي وهو الأشهر قوله: التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين، والفرض هو قول عطاء والشعبي في رواية، وبه قال أحمد وإسحاق والطوسي، وفي " المغني " لابن قدامة المسنون عن أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم بضربتين، جاز. وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة واحدة، والكمال بضربتين. وقال الأكمل: قيل في قوله ضربتان إشارة إلى أن نفس الضرب داخل في التيمم، فمن ضرب يديه على الأرض للتيمم وأحدث قبل أن يمسح بهما وجه وذراعيه ثم مسحهما بهما لم يجز؛ لأنه أحدث بعد ما أتى ببعض التيمم، وكان كمن أحدث في خلال الوضوء. وذكر الأسبيجابي جوازه كمن ملأ كفيه ماء للوضوء ثم أحدث ثم استعمله. قلت: قيل: قائله السغناقي. وقال الأترازي عند قوله والتيمم ضربتان: والمقصود من الضرب أن يدخل الغبار في خلال الأصابع تحقيقاً بمعنى الاستيعاب كما هو ظاهر الرواية، وإنما قلنا هذا؛ لأن الوضع كاف وإن لم يوجد الضرب، وما قيل إنما اختار لفظ الضرب؛ لأن الآثار جاءت بلفظ الضرب ففيه نظر؛ لأن الله تعالى لم يقيده بالضرب في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وكذا سائر الآثار كقوله: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج» وقوله: «جعلت لي الأرض مسجداً» وقوله:

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] " عليكم بالصعيد " إلا أن بعضها جاء لفظ الضرب ولا يقال بمثله جاءت الآثار بلفظ الضرب. قلت: في نظره نظر؛ لأن استدلاله على ذلك بالآية والأحاديث الثلاثة غير صحيح؛ لأنها تدل على مشروعية التيمم ولا تدل على كيفيته، وكيفيته بأحاديث غيرها وفيها لفظ الضرب، منها في حديث عمار ﵁ أخرجه البخاري ومسلم وفيه: «ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة» وفي رواية أخرى: فقال ﵇: «إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض» . ومنها حديث ابن عمر رواه الحاكم في " مستدركه " والدارقطني في " سننه " قال: قال رسول الله ﷺ : «التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» وله طريقان آخران في أحدهما: «تيممنا مع رسول الله ﵇ فضربنا بيدينا على الصعيد» وفي الآخر أن النبي ﵇ قال: «في التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المفرقين» . ومنها حديث جابر، رواه الحاكم في " المستدرك " عنه، عن النبي ﷺ قال: «ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ومنها حديث عائشة ﵂ رواه البزار في " مسنده " أن النبي ﵇ قال: «في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» . ومنها حديث ابن عباس ﵄ أخرجه أبو داود عنه «عن عمار بن ياسر قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء، فأمرنا فضربنا واحدة.» ومنها: حديث أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وفيه: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بيديه على الأرض» ، ولحديث عمار طرق كثير، وفيها لفظ الضرب، ومن جملة طرقه طريق فيه عمر بن الخطاب ﵁. ومنها حديث أبي أمامة، أخرجه الطبراني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «التيمم

стр. 419

يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين لقوله ﵇: «التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين» ــ [البناية] ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» . ومنها: حديث الأسلع خادم النبي ﷺ وفيه: «ضرب رسول الله ﵇ بكفيه الأرض» . وأخرج الطحاوي من حديث ابن عمر ﵄ بأربع طرق موقوفة صحاح، وفيها لفظ الضرب، وأخرج عن الحسن أنه قال: ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين. وأخرج عن سالم أنه ضرب بيديه على الأرض حين سأله أيوب عن التيمم، وأخرج الشعبي عن النبي ﵇ أنه قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» . فإذا كان الأمر هكذا فكيف يقول الأترازي: وفي بعضها جاء لفظ الضرب، ولا يقال لمثله الآثار جاءت بلفظ الضرب، ولو اطلع على ذلك لم يقل هكذا. وقوله: وما قيل، قائله تاج الشريعة ﵀. [كيفية التيمم] م: (يمسح بإحداهما وجهه) ش: أي يمسح المتيمم بإحدى الضربتين وجهه، م: (وبالأخرى) ش: أي ويمسح بالضربة الأخرى، م: (يديه إلى المرفقين) ش: أي مع المرفقين، وقال الأكمل: فيه نفي لقول الزهري، فإنه يمسح إلى الآباط، وهو رواية عن مالك نفي لرواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه إلى الرسغ وهو مروي عن ابن عباس ﵄. قلت: أخذ هذا من " معراج الدراية "، وهذا ليس قول الزهري وحده، بل هو قوله وقول الأوزاعي، والأعمش، وقول قديم للشافعي، ثم قال: وهو مروي عن ابن عباس ﵄ ولم يبين مخرجه. م: (لقوله ﵇: «التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين» ش: إلى المرفقين، روى هذا الحديث عبد الله بن عمر، وجابر، وعائشة ﵃، وقد ذكرنا جميعها عن قريب. وقال الحاكم في حديث ابن عمر: لا أعلم أحداً أسنده إلا علي بن ظبيان، عن عبد الله وهو صدوق، وقد وقفه يحيى بن سعيد وهشيم وغيرهما، ومالك عن نافع، وقال الدارقطني: هكذا رفعه علي بن ظبيان، وقد وثقه يحيى بن القطان وغيره وهو الصواب، وكذا قال ابن عدي،

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقد ضعف بعضهم هذا الحديث بعلي بن ظبيان، فقال أبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي، وأبو حاتم مثل ذلك. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. قلت: وثقه الحاكم، وقال: صدوق، ووقفه يحيى بن سعيد وهشيم وغيرهما، وحديث جابر صححه الحاكم، وقال الدارقطني رجاله كلهم ثقات، وقال ابن الجوزي: فيه عثمان بن محمد وهو متكلم فيه، وتعقبه صاحب الشيخ وقال: هذا الكلام لا يقبل منه؛ لأنه لم يبين من تكلم فيه، وقد روى عنه أبو داود، وأبو بكر بن أبي عاصم، وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه صرح. وحديث عائشة ﵂ في حديث [الحريش بن الخريت] قال البخاري: فيه نظر، وأنا لا أعرف حاله. قلت: حريش بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره شين معجمه، والخريت بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره تاء مثناة من فوق. قال ابن ماكولا: روى عن ابن أبي مليكة، وروى عنه حرمي بن عمارة، ومسلم بن إبراهيم، وهذه الأحاديث حجة على قول من يقول: التيمم ضربة، وعلى من يقول: ثلاث ضربات، وحجة لمن يقول: إلى المرفقين، وعلى من يقول: إلى المناكب. وقال الخطابي: الاقتصار على الكفين أصح في الرواية، ووجوب الذراعين أشبه بالأصول وأصح في القياس. قلت: لأن الله تعالى أوجب في الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس في صدر الآية، وأسقط منها عضوين في التيمم، فبقي العضوان فيه على ما كانا عليه في الوضوء، وإنما ذكر الوجه واليدين لأجل إسقاط العضوين الآخرين؛ إذ لولا ذلك لم يحتج إلى ذكرهما؛ لأنه كان يؤخذ حكمه من الوضوءِ. فإن قلت: فقد بين النبي ﷺ حكم اليدين في التيمم، ولم يحمله على الوضوء، حيث مسح على الكفين في الحديث الثالث عن عمار ﵁، وإن ثبت مسحه ﷺ إلى المرفقين يحمل على الاستحباب، إذ لو كان واجبا لما تركه. قلت: لعله عبر بالكفين المعهودين في الوضوء. فإن قلت: وفي لفظ الدارقطني «ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» يمنع هذا التأويل. قلت: لم يروه مرفوعاً عن حصين غير إبراهيم بن طهمان، وثقه شعبة وزائدة وغيرهما.

стр. 421

وينفض يديه ــ [البناية] م: (وينفض يديه) ش: النفض تحريك الشيء ليسقط ما عليه من غبار وغيره وفيه خلاف، قيل ينفض مرة، وقيل مرتين. وفي " الزاد ": الأحوط أن يضرب بيديه على الأرض وينفضهما حتى يتناثر التراب فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى فينفضهما ويمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى ظاهر ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمر بإبهام يده اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك. قال صاحب " الدراية ": هكذا حكى ابن عمر وجابر ﵄ تيمم رسول الله ﷺ وعلمه ﷺ الأسلع كذلك. قلت: حديث ابن عمر رواه أبو داود، وفيه: «ضرب يديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب أخرى فمسح ذراعيه» .. الحديث، وسنده ضعيف، ولابن عمر أحاديث غير هذا وقد ذكرناها عن قريب، وله حديث آخر أخرجه الحاكم والدارقطني من حديث سالم عن أبيه قال: «تيممنا مع رسول الله ﷺ فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى الصعيد ثم مسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن» وفيه سليمان بن أبي داود وهو ضعيف. وحديث جابر ﵁ ذكرناه أيضاً. وحديث الأسلع أخرجه الطبراني في كتابه الكبير بإسناده «عن الأسلع - رجل من بني الأعرج بن كعب - قال: كنت أخدم النبي ﵇، فقال: يا أسلع، قم فأرني كيف كذا وكذا، قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل ﵇ بالصعيد الطيب، قال: قم يا أسلع، قال الراوي: ثم رأى الأسلع كيف علمه رسول الله ﷺ التيمم قال: " ضرب رسول الله ﷺ بكفيه الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه حتى أمر على اللحية، ثم عادهما إلى الأرض فمسح بكفيه الأرض، فدلك إحداهما بالأخرى ثم نفضهما، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما» . وأخرجه الطحاوي، والدارقطني، والبيهقي وأبو بكر الرقي في " معرفة الصحابة " والحافظ في كتاب الرجال، وابن الأثير في كتاب الصحابة، وابن حزم في " المحلى " وضعف هذا الحديث. ثم العجب من صاحب " الدراية " يقال: هكذا حكى ابن عمر.. إلخ، فانظر! هل يناسب ما في هذه الأحاديث ما ذكره صاحب " الدراية " الذي نقله في الرواية غاية ما في الباب موافقة في

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الضربتين والنفض، وأعجب منه ما قال الأكمل، وقد حكى ابن عمر وجابر ﵃ تيمم رسول الله ﷺ وكيفيته أن يضرب بيديه الأرض إلى آخر ما ذكره في " الزاد "، وذكر صاحب " الينابيع " كيفية التيمم مثل ما ذكره صاحب " الدراية ". وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن يضع بطن أصابع يده اليسرى على كفه اليمنى ويمسح بثلاثة أصابع أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يسح باطنها بالإبهام، والمسحة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل في اليد اليسرى كذلك. وفي: " المحيط " يضرب يديه على الأرض ثم ينفضهما ويمسح بهما وجهه بحيث لا يبقى شيء وإن قل، وأن يمسح الوترة التي بين المنخرين، ثم يضرب يديه على الأرض ثانياً وينفضهما، ويمسح بهما وجه كفيه وذراعيه، ولا يجوز المسح بأقل من ثلاثة أصابع كمسح الرأس والخفين. وقال في " الذخيرة ": لم يذكر ها هنا أنه يضرب ظاهر كفيه وباطنهما، وأشار إلى أنه يضرب باطنهما، فإنه قال: لو ترك المسح على ظاهر كفه لا يجوز، فدل على أن الضرب بباطن كفه، والأصح أنه يضرب بباطن كفه وظاهرها على الأرض، ولو تيمم بالكف والأصابع جاز من غير أن يراعى ذلك. قال أبو يوسف: - سلمه الله - سألت الإمام عن كيفية التيمم فيضرب يديه على الصعيد. قال في " البدائع: " أقبل بهما وأدبر فمسح بهما وجهه، ثم أعاد على الصحيح إلى الصعيد، ثم أقبل بهما وأدبر، ثم رفعهما ونفضهما، ثم مسح بكل كف الذراع الأخرى، قيل: يفعل ذلك حتى لا يلصق التراب بيديه فيصير مثله، وفي صلاة الأصل النفض كلما رفع يديه مرة واحدة في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف في صلاة الوتر: ينفضهما مرتين، وفي صلاة النوادر: أن الغبار إذا لم يدخل بين أصابعه يجب تخليلهما، وهذه تحتاج إلى ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للتخلل على ما روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، يحتاج إلى أربع ضربات، وضرب اليدين من وضعهما حتى يدخل التراب بين أصابعه يقبل بهما ويدبر عند الضرب حتى يلتصق التراب بيديه. وذكر في " المبسوط " ويستحب تسمية الله تعالى في أوله كما في الوضوء، وفي " قاضي خان " هل يمسح الكف؟ اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يمسح، وضربه على الأرض يكفي. وقال النووي: قال جماعة من الخراسانيين: لا يشترط في التيمم ضربتان، بل الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين بضربة أو ضربتين أو ضربات، وعندنا لو ضرب يديه مرة واحدة ومسح بهما وجهه ويديه لا يجوز، فإن التراب الذي كان على يديه يصير مستعملاً بالمسح على الوجه، واقتداء

стр. 423

بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة، ولا بد من الاستيعاب في ظاهر الرواية ــ [البناية] برسول الله ﷺ . وعن محمد في " النوادر " رجل يرى التيمم إلى الرسغ والوتر ركعة، ثم رأى التيمم إلى المرفقين والوتر ثلاثاً لا يعيد ما صلى؛ لأنه مجتهد فيه، وإن كان فعل ذلك من غير أن يسأل أحداً ثم سأل فأمر بالثلاث في الوتر وإلى المرفقين في التيمم يعيد ما صلى؛ لأنه غير مجتهد فيه. م: (بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة) ش: الباء في " بقدر " متعلق بقوله ينفض، وأشار بذلك إلى أن النفض لا يقدر بمرة كما روي عن محمد، بل إن احتاج إلى الثاني فعل، وإلا بمرتين كما روي عن أبي يوسف، بل إن تناثر بمرة لا يحتاج إلى الثاني؛ لأن المقصود هو أن لا يصير مثلة وهو يحصل بالنفض سواء كان مرة أو مرتين، و " المثلة " بضم الميم ما يتمثل منه في تبديل خلقه وبتغير هيئته، سواء كان بقطع عضو أو تسويد وجه وتغيره، هكذا فسره الأكمل أخذه من " الدراية ". وقال تاج الشريعة: المثلة ما يتمثل فيه في القبح. قال الأترازي نحوه، وزاد: وأصلها قطع الأعضاء ويريد الوجه. قلت: المثلة: اسم لمصدر المثل بفتح الميم وسكون الثاء، يقال مثلت بالحيوان أمثل مثلاً: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالعبد إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، وهو من باب نصر ينصر، والعجب من صاحب " الهداية " أنه جعل ترك النفض مثلة، وهذا من حيث اللغة لا من حيث الشرع، لعدم وروده هكذا، ولا يصير مثلة إذا ترك النفض. غاية ما في الباب تلوث وجهه بالتراب إن أخذه بيديه كثيراً وكان التراب رطباً، وتلوث عضو من الأعضاء بالتراب لا يسمى مثلة. قال الأترازي: تسويد الوجه ليس له فضل في المعنى اللغوي، نعم إذا سود الوجه يكون تشويها ربما يشابه المثلة، ولو قال صاحب " الهداية ": وينفض يديه اتباعاً للسنة لكان أولى، لو أراد أن يذكر الحكمة فيه لكان يمكن أن يقال: إنه ﵇ فعل ذلك حتى لا ينقل أثر التراب المستعمل في يديه في الضربة الأولى. م: (ولا بد من الاستيعاب) ش: أشار به يستوعب وجهه ويديه إلى المرفقين، وأصله استوعاب، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأصل الاستيعاب شرط في التيمم حتى إذا ترك شيئاً قليلاً لم يجزه كما في الوضوء، والاستيعاب أن يستوعب وجهه ويديه إلى المرفقين، وأصل الاستيعاب الإيصال في كل شيء، وكذلك الإيعاب من أوعب، والثلاثي وعب، وفي الحديث عن عائشة ﵂ «كان المسلمون يوعبون في السفر مع رسول الله ﷺ » أي يخرجون أجمعهم في الغزو. م: (في ظاهر الرواية) ش: واحترز به عما رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵁ قال:

стр. 424

لقيامه مقام الوضوء، ــ [البناية] الأكثر يقوم مقام الكل؛ لأن في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الرأس والخف. وجه الظاهر أن التيمم قائم مقام الوضوء وهو شرط فيه، فكذا ما قام مقامه، وقال الحلواني: ينبغي أن يحفظ رواية الحسن لكثرة البلوى. قال النووي ﵀: مذهب الشافعي ﵀ أنه يجب إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه والشعر الظاهر عليه. قال وعن أبي حنيفة: روايات أحدها كمذهبنا، قال: وهي التي ذكرها الكرخي في " مختصره " قلت له: إن أراد أنه كمذهبهم في الاستيعاب فصحيح، وإن أراد به إيصال التراب فليس ذلك مذهباً له ولا رواية عنه. وقال الثانية إن ترك قدر درهم لم يجزئه ودونه يجزئه، وهذه ليس لها أصل في الكتب الأمهات لأصحابنا مثل " المبسوط " و " المحيط " و " الذخيرة " و " شرح مختصر الكرخي " و " البدائع " و " المفيد " ونحوها. وقال [ ... ] الرابع ما مع الرابع: مسح الأكثر يجزئه، ثم إنه يجب على الظاهر نزح الخاتم والسوار في حق المرأة. وقال الأكمل: فإن قيل: قد دل الدليل على أن حقيقة اليد ليست بمرادة، فإن الباء إذا دخلت لمحل تعدى الفعل إلى الآلة، فلا يقتضي استيعاب المحل، بأن أجيب الباء صلة كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (سورة البقرة: الآية ١٩٥) فلا يقتضي تبعيض المحل وفيه بحث. قلت: أصل السؤال والجواب لتاج الشريعة، ولكنه قال في الجواب أحسن منه، وهو أنه قال: إن الاستيعاب ها هنا ثابت بالسنة المشهورة، فجعلت الباء صلة كما في قوله يضرب بالسيف ويرجو بالفرح، أي يرجوه، أو بدلالة الكتاب؛ لأنه مجموع خلفاً، قلت: الباء في قوله يضرب بالسيف ليست بصلة، وإنما هي للتبعيض، وكأنه ذكر مثالين أحدهما قوله يضرب بالسيف إشارة إلى أن الباء فيه للتبعيض، كما في آية الوضوء، والباء في قوله ويرجو بالقدح إشارة أن الباء فيه صلة كما في آية التيمم، فإذا كان كذلك يكون الاستيعاب شرطاً. وقال الأكمل: وفيه بحث، كأنه أشار به إلى أن جعل الباء في آية التيمم ليس فيه وجه؛ لأن التيمم خلف عن الوضوء، فالباء في آية الوضوء للتبعيض، فلا يقتضي استيعاب الرأس بالمسح فذلك ينبغي أن تكون في التيمم؛ لأن الخلف لا يخالف الأصل. م: (لقيامه مقام الوضوء) ش: أي لقيام التيمم مقام الوضوء، لا يقال إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن التيمم ذكر في أول الباب. قال الأكمل: الاستيعاب في الوضوء شرط فكذا فيما قام مقامه، ولولا الخلفية لكان المسح إلى المناكب واجبا عملا بالمقتضى، وهو ذكر الأيدي في الكتاب والسنة، ولا يلزم آية السرقة؛ لأن النبي ﷺ بين محل القطع وهو الزند بالقول والفعل بخلاف ما نحن فيه. قلت: خلفية التيمم عن الوضوء تظهر في المسح فقط، ألا ترى أنه سقط فيه عضوان وبقي

стр. 425

ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح، والحدث والجنابة فيه سواء، ــ [البناية] عضوان فصار التيمم خلفاً عن البعض والاستيعاب في المسح الذي في الوضوء ليس بشرط، فكذا في خلفه وهو التيمم. فإن قلت: لما سقط عضوان بقي عضوان من اشتراط الاستيعاب فيهما. قلت: نعم، لولا الباء في آية التيمم، فإنهم وقوله عملاً بالمقتضى، وهو ذكر الأيدي في الكتاب والسنة. قلت: إنما يتوجه ما ذكره لو كانت الباء فيهما صلة والغرض أنها للتبعيض فيهما، أما في آية الوضوء فقد تقرر فيما مضى كونها للتبعيض، وأما ها هنا فلأن التيمم خلف عنه فلا يخالف أصله. قوله: ولا يلزم آية السرقة ... إلخ. قلت: إنما يلزم ذلك إذا قلنا إن الباء صلة، وآية السرقة ليست فيها باء فاقتضى قطع اليد من المناكب، ولكن الشارع بينه بخلاف ما نحن فيه. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون الاستيعاب شرطاً م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح) ش: وكذا المرأة تنزع السوار. قوله: " ليتم المسح للوجه واليدين " فإنه اسم للكل، ويؤيد هذا ما ذكره محمد في " النوادر " أن الغبار إذا لم يدخل بين أصابعه يجب تخليلهما، وفي " المحيط " لو لم يمسح تحت الحاجبين وفوق العينين، أو لم يحرك خاتمه وهو ضيق لا يجوز به. [تيمم الجنب] م: (والحدث والجنابة فيه سواء) ش: أي في التيمم من حيث الجواز والكيفية والآلة، أما الجواز فكما يجوز التيمم للمحدث فكذلك يجوز للجنب، وأما الكيفية فكما ذكرنا في حق المحدث فكذلك في حق الجنب. وأما الآلة فكما يجوز للمحدث بكل ما كان من جنس الأرض فكذلك يجوز للجنب. قال: السغناقي: قال شيخ الإسلام في " المبسوط ": وهو وقول أصحابنا وعليه العلماء. وقال بعض الناس بأنه لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء. قلت: عن النخعي أن الجنب يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. وقال السغناقي: المسألة مختلفة بين الصحابة، روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵄ وعبد الله بن عمر ﵄ أنهم كانوا لا يجوزون التيمم للجنب. قلت: لم يبين من أخرج عنهم هذا، وكذا غيره من الشراح، فالمروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " بسنده عنه أنه قال " لا يتيم الجنب وإن لم يجد
следующие страницы →