Полный текст (7 019 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وينفض يديه
ــ
[البناية]
م: (وينفض يديه) ش: النفض تحريك الشيء ليسقط ما عليه من غبار وغيره وفيه خلاف، قيل ينفض مرة، وقيل مرتين. وفي " الزاد ": الأحوط أن يضرب بيديه على الأرض وينفضهما حتى يتناثر التراب فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى فينفضهما ويمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى ظاهر ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمر بإبهام يده اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك.
قال صاحب " الدراية ": هكذا حكى ابن عمر وجابر ﵄ تيمم رسول الله ﷺ وعلمه ﷺ الأسلع كذلك.
قلت: حديث ابن عمر رواه أبو داود، وفيه: «ضرب يديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب أخرى فمسح ذراعيه» .. الحديث، وسنده ضعيف، ولابن عمر أحاديث غير هذا وقد ذكرناها عن قريب، وله حديث آخر أخرجه الحاكم والدارقطني من حديث سالم عن أبيه قال: «تيممنا مع رسول الله ﷺ فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى الصعيد ثم مسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن» وفيه سليمان بن أبي داود وهو ضعيف.
وحديث جابر ﵁ ذكرناه أيضاً.
وحديث الأسلع أخرجه الطبراني في كتابه الكبير بإسناده «عن الأسلع - رجل من بني الأعرج بن كعب - قال: كنت أخدم النبي ﵇، فقال: يا أسلع، قم فأرني كيف كذا وكذا، قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل ﵇ بالصعيد الطيب، قال: قم يا أسلع، قال الراوي: ثم رأى الأسلع كيف علمه رسول الله ﷺ التيمم قال: " ضرب رسول الله ﷺ بكفيه الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه حتى أمر على اللحية، ثم عادهما إلى الأرض فمسح بكفيه الأرض، فدلك إحداهما بالأخرى ثم نفضهما، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما» .
وأخرجه الطحاوي، والدارقطني، والبيهقي وأبو بكر الرقي في " معرفة الصحابة " والحافظ في كتاب الرجال، وابن الأثير في كتاب الصحابة، وابن حزم في " المحلى " وضعف هذا الحديث.
ثم العجب من صاحب " الدراية " يقال: هكذا حكى ابن عمر.. إلخ، فانظر! هل يناسب ما في هذه الأحاديث ما ذكره صاحب " الدراية " الذي نقله في الرواية غاية ما في الباب موافقة في
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الضربتين والنفض، وأعجب منه ما قال الأكمل، وقد حكى ابن عمر وجابر ﵃ تيمم رسول الله ﷺ وكيفيته أن يضرب بيديه الأرض إلى آخر ما ذكره في " الزاد "، وذكر صاحب " الينابيع " كيفية التيمم مثل ما ذكره صاحب " الدراية ".
وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن يضع بطن أصابع يده اليسرى على كفه اليمنى ويمسح بثلاثة أصابع أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يسح باطنها بالإبهام، والمسحة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل في اليد اليسرى كذلك.
وفي: " المحيط " يضرب يديه على الأرض ثم ينفضهما ويمسح بهما وجهه بحيث لا يبقى شيء وإن قل، وأن يمسح الوترة التي بين المنخرين، ثم يضرب يديه على الأرض ثانياً وينفضهما، ويمسح بهما وجه كفيه وذراعيه، ولا يجوز المسح بأقل من ثلاثة أصابع كمسح الرأس والخفين.
وقال في " الذخيرة ": لم يذكر ها هنا أنه يضرب ظاهر كفيه وباطنهما، وأشار إلى أنه يضرب باطنهما، فإنه قال: لو ترك المسح على ظاهر كفه لا يجوز، فدل على أن الضرب بباطن كفه، والأصح أنه يضرب بباطن كفه وظاهرها على الأرض، ولو تيمم بالكف والأصابع جاز من غير أن يراعى ذلك.
قال أبو يوسف: - سلمه الله - سألت الإمام عن كيفية التيمم فيضرب يديه على الصعيد. قال في " البدائع: " أقبل بهما وأدبر فمسح بهما وجهه، ثم أعاد على الصحيح إلى الصعيد، ثم أقبل بهما وأدبر، ثم رفعهما ونفضهما، ثم مسح بكل كف الذراع الأخرى، قيل: يفعل ذلك حتى لا يلصق التراب بيديه فيصير مثله، وفي صلاة الأصل النفض كلما رفع يديه مرة واحدة في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف في صلاة الوتر: ينفضهما مرتين، وفي صلاة النوادر: أن الغبار إذا لم يدخل بين أصابعه يجب تخليلهما، وهذه تحتاج إلى ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للتخلل على ما روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، يحتاج إلى أربع ضربات، وضرب اليدين من وضعهما حتى يدخل التراب بين أصابعه يقبل بهما ويدبر عند الضرب حتى يلتصق التراب بيديه.
وذكر في " المبسوط " ويستحب تسمية الله تعالى في أوله كما في الوضوء، وفي " قاضي خان " هل يمسح الكف؟ اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يمسح، وضربه على الأرض يكفي. وقال النووي: قال جماعة من الخراسانيين: لا يشترط في التيمم ضربتان، بل الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين بضربة أو ضربتين أو ضربات، وعندنا لو ضرب يديه مرة واحدة ومسح بهما وجهه ويديه لا يجوز، فإن التراب الذي كان على يديه يصير مستعملاً بالمسح على الوجه، واقتداء
стр. 423
بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة،
ولا بد من الاستيعاب في ظاهر الرواية
ــ
[البناية]
برسول الله ﷺ .
وعن محمد في " النوادر " رجل يرى التيمم إلى الرسغ والوتر ركعة، ثم رأى التيمم إلى المرفقين والوتر ثلاثاً لا يعيد ما صلى؛ لأنه مجتهد فيه، وإن كان فعل ذلك من غير أن يسأل أحداً ثم سأل فأمر بالثلاث في الوتر وإلى المرفقين في التيمم يعيد ما صلى؛ لأنه غير مجتهد فيه.
م: (بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة) ش: الباء في " بقدر " متعلق بقوله ينفض، وأشار بذلك إلى أن النفض لا يقدر بمرة كما روي عن محمد، بل إن احتاج إلى الثاني فعل، وإلا بمرتين كما روي عن أبي يوسف، بل إن تناثر بمرة لا يحتاج إلى الثاني؛ لأن المقصود هو أن لا يصير مثلة وهو يحصل بالنفض سواء كان مرة أو مرتين، و " المثلة " بضم الميم ما يتمثل منه في تبديل خلقه وبتغير هيئته، سواء كان بقطع عضو أو تسويد وجه وتغيره، هكذا فسره الأكمل أخذه من " الدراية ". وقال تاج الشريعة: المثلة ما يتمثل فيه في القبح. قال الأترازي نحوه، وزاد: وأصلها قطع الأعضاء ويريد الوجه.
قلت: المثلة: اسم لمصدر المثل بفتح الميم وسكون الثاء، يقال مثلت بالحيوان أمثل مثلاً: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالعبد إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، وهو من باب نصر ينصر، والعجب من صاحب " الهداية " أنه جعل ترك النفض مثلة، وهذا من حيث اللغة لا من حيث الشرع، لعدم وروده هكذا، ولا يصير مثلة إذا ترك النفض.
غاية ما في الباب تلوث وجهه بالتراب إن أخذه بيديه كثيراً وكان التراب رطباً، وتلوث عضو من الأعضاء بالتراب لا يسمى مثلة. قال الأترازي: تسويد الوجه ليس له فضل في المعنى اللغوي، نعم إذا سود الوجه يكون تشويها ربما يشابه المثلة، ولو قال صاحب " الهداية ": وينفض يديه اتباعاً للسنة لكان أولى، لو أراد أن يذكر الحكمة فيه لكان يمكن أن يقال: إنه ﵇ فعل ذلك حتى لا ينقل أثر التراب المستعمل في يديه في الضربة الأولى.
م: (ولا بد من الاستيعاب) ش: أشار به يستوعب وجهه ويديه إلى المرفقين، وأصله استوعاب، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأصل الاستيعاب شرط في التيمم حتى إذا ترك شيئاً قليلاً لم يجزه كما في الوضوء، والاستيعاب أن يستوعب وجهه ويديه إلى المرفقين، وأصل الاستيعاب الإيصال في كل شيء، وكذلك الإيعاب من أوعب، والثلاثي وعب، وفي الحديث عن عائشة ﵂ «كان المسلمون يوعبون في السفر مع رسول الله ﷺ » أي يخرجون أجمعهم في الغزو.
م: (في ظاهر الرواية) ش: واحترز به عما رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵁ قال:
стр. 424
لقيامه مقام الوضوء،
ــ
[البناية]
الأكثر يقوم مقام الكل؛ لأن في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الرأس والخف. وجه الظاهر أن التيمم قائم مقام الوضوء وهو شرط فيه، فكذا ما قام مقامه، وقال الحلواني: ينبغي أن يحفظ رواية الحسن لكثرة البلوى. قال النووي ﵀: مذهب الشافعي ﵀ أنه يجب إيصال التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه والشعر الظاهر عليه.
قال وعن أبي حنيفة: روايات أحدها كمذهبنا، قال: وهي التي ذكرها الكرخي في " مختصره " قلت له: إن أراد أنه كمذهبهم في الاستيعاب فصحيح، وإن أراد به إيصال التراب فليس ذلك مذهباً له ولا رواية عنه. وقال الثانية إن ترك قدر درهم لم يجزئه ودونه يجزئه، وهذه ليس لها أصل في الكتب الأمهات لأصحابنا مثل " المبسوط " و " المحيط " و " الذخيرة " و " شرح مختصر الكرخي " و " البدائع " و " المفيد " ونحوها. وقال [ ... ] الرابع ما مع الرابع: مسح الأكثر يجزئه، ثم إنه يجب على الظاهر نزح الخاتم والسوار في حق المرأة.
وقال الأكمل: فإن قيل: قد دل الدليل على أن حقيقة اليد ليست بمرادة، فإن الباء إذا دخلت لمحل تعدى الفعل إلى الآلة، فلا يقتضي استيعاب المحل، بأن أجيب الباء صلة كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (سورة البقرة: الآية ١٩٥) فلا يقتضي تبعيض المحل وفيه بحث. قلت: أصل السؤال والجواب لتاج الشريعة، ولكنه قال في الجواب أحسن منه، وهو أنه قال: إن الاستيعاب ها هنا ثابت بالسنة المشهورة، فجعلت الباء صلة كما في قوله يضرب بالسيف ويرجو بالفرح، أي يرجوه، أو بدلالة الكتاب؛ لأنه مجموع خلفاً، قلت: الباء في قوله يضرب بالسيف ليست بصلة، وإنما هي للتبعيض، وكأنه ذكر مثالين أحدهما قوله يضرب بالسيف إشارة إلى أن الباء فيه للتبعيض، كما في آية الوضوء، والباء في قوله ويرجو بالقدح إشارة أن الباء فيه صلة كما في آية التيمم، فإذا كان كذلك يكون الاستيعاب شرطاً.
وقال الأكمل: وفيه بحث، كأنه أشار به إلى أن جعل الباء في آية التيمم ليس فيه وجه؛ لأن التيمم خلف عن الوضوء، فالباء في آية الوضوء للتبعيض، فلا يقتضي استيعاب الرأس بالمسح فذلك ينبغي أن تكون في التيمم؛ لأن الخلف لا يخالف الأصل.
م: (لقيامه مقام الوضوء) ش: أي لقيام التيمم مقام الوضوء، لا يقال إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن التيمم ذكر في أول الباب. قال الأكمل: الاستيعاب في الوضوء شرط فكذا فيما قام مقامه، ولولا الخلفية لكان المسح إلى المناكب واجبا عملا بالمقتضى، وهو ذكر الأيدي في الكتاب والسنة، ولا يلزم آية السرقة؛ لأن النبي ﷺ بين محل القطع وهو الزند بالقول والفعل بخلاف ما نحن فيه.
قلت: خلفية التيمم عن الوضوء تظهر في المسح فقط، ألا ترى أنه سقط فيه عضوان وبقي
стр. 425
ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح،
والحدث والجنابة فيه سواء،
ــ
[البناية]
عضوان فصار التيمم خلفاً عن البعض والاستيعاب في المسح الذي في الوضوء ليس بشرط، فكذا في خلفه وهو التيمم.
فإن قلت: لما سقط عضوان بقي عضوان من اشتراط الاستيعاب فيهما.
قلت: نعم، لولا الباء في آية التيمم، فإنهم وقوله عملاً بالمقتضى، وهو ذكر الأيدي في الكتاب والسنة.
قلت: إنما يتوجه ما ذكره لو كانت الباء فيهما صلة والغرض أنها للتبعيض فيهما، أما في آية الوضوء فقد تقرر فيما مضى كونها للتبعيض، وأما ها هنا فلأن التيمم خلف عنه فلا يخالف أصله.
قوله: ولا يلزم آية السرقة ... إلخ.
قلت: إنما يلزم ذلك إذا قلنا إن الباء صلة، وآية السرقة ليست فيها باء فاقتضى قطع اليد من المناكب، ولكن الشارع بينه بخلاف ما نحن فيه.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون الاستيعاب شرطاً م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح) ش: وكذا المرأة تنزع السوار. قوله: " ليتم المسح للوجه واليدين " فإنه اسم للكل، ويؤيد هذا ما ذكره محمد في " النوادر " أن الغبار إذا لم يدخل بين أصابعه يجب تخليلهما، وفي " المحيط " لو لم يمسح تحت الحاجبين وفوق العينين، أو لم يحرك خاتمه وهو ضيق لا يجوز به.
[تيمم الجنب]
م: (والحدث والجنابة فيه سواء) ش: أي في التيمم من حيث الجواز والكيفية والآلة، أما الجواز فكما يجوز التيمم للمحدث فكذلك يجوز للجنب، وأما الكيفية فكما ذكرنا في حق المحدث فكذلك في حق الجنب. وأما الآلة فكما يجوز للمحدث بكل ما كان من جنس الأرض فكذلك يجوز للجنب.
قال: السغناقي: قال شيخ الإسلام في " المبسوط ": وهو وقول أصحابنا وعليه العلماء. وقال بعض الناس بأنه لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء.
قلت: عن النخعي أن الجنب يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. وقال السغناقي: المسألة مختلفة بين الصحابة، روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵄ وعبد الله بن عمر ﵄ أنهم كانوا لا يجوزون التيمم للجنب.
قلت: لم يبين من أخرج عنهم هذا، وكذا غيره من الشراح، فالمروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " بسنده عنه أنه قال " لا يتيم الجنب وإن لم يجد
стр. 426
وكذا الحيض والنفاس، لما روي «أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال ولا نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء، فقال: عليكم بأرضكم» .
ــ
[البناية]
الماء شهرا " وروى أيضاً بسنده عن ابن مسعود أنه قال: إذا كنت في سفر فأجنبت فلا تصل حتى تجد الماء.
قال النووي في " شرح المهذب ": وغيره إجماع الصحابة ومن بعدهم على جواز التيمم للحدث الأصغر والأكبر الذي هو الجنابة، وقد ذكروا رجوع عمر وابن مسعود وهو المروي عن علي، وابن عباس، وعائشة ﵃ ومنشأ الاختلاف فيما بينهم أن قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، محمول على المس باليد أو على الجماع، فذهب أصحابنا وعامة العلماء إلى الثاني، وذهب النافون للجنابة إلى الأول، فقالوا: القياس ألا يكون التيمم طهورا، وإنما أباحه الله تعالى للمحدث، فلا يباح للجنب؛ لأنه ليس معقول المعنى حتى يصح القياس، وليس في معناه حتى يلحق به، بل هو فوقه.
قلنا: أريد بالملامسة الجماع مجازا لسياق الآية، فإن الله تعالى بين حكم الحدث والجنابة في آية الوضوء، ثم نقل الحكم بالتراب حال عدم الماء، وذكر الحدث الأصغر بقوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، فيحمل ﴿لَامَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣] على الحدث الأكبر لتصير الطهارتان والحدثان مذكوران في آية البدل كما ذكرنا في آية الوضوء، ولكن سلمنا أن الله تعالى شرع التيمم للمحدث، فرسول الله ﷺ شرعه للجنب أيضاً، وهو الحديث الذي ذكره المصنف على ما نبينه إن شاء الله تعالى، والشافعي أباح التيمم للجنب ومع ذلك حمل الملامسة في الآية على المس باليد، فيكون قولاً ثالثاً مخالفاً للطائفتين من الصحابة ﵃.
[تيمم الحائض والنفساء]
م: (وكذا الحيض والنفاس) ش: أي وكذا التيمم في الحيض والنفاس سواء، يعني يجوز للحائض والنفساء كما يجوز للجنب والحائض م: (لما روي «أن قوماً جاءوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال ولا نجد الماء شهراً أو شهرين، وفينا الجنب والحائض والنفساء، فقال ﷺ عليكم بأرضكم» ش: هذا الحديث رواه أحمد في " مسنده "، والبيهقي في " سننه "، وإسحاق بن راهويه في " مسنده " وأبو يعلى الموصلي في " مسنده "، والطبراني في " معجمه الأوسط "، من حديث أبي هريرة، «أن ناساً من أهل البادية أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة ويكون فينا الجنب والحائض والنفساء ولا نجد الماء، فقال ﷺ عليكم بالأرض...... الحديث» وفي سنده المثنى بن الصباح.
стр. 427
ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ.
ــ
[البناية]
قال الإمام أحمد والدارمي: لا يساوي شيئاً، وقال النسائي متروك الحديث، وفي إسناد أبي يعلى ابن لهيعة وهو ضعيف، وذكره الأترازي بلفظ «أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: إنا نكون بالرمال الأشهر وفينا الجنب والحائض والنفساء، ولا نجد الماء فكيف نصنع؟ فقال: " عليكم بالصعيد.»
قلت: ما وقعت على لفظه في كتب الأمهات.
فإن قلت: هذا الحديث ضعيف فلا يتم به الاستدلال.
قلت: قد ورد في حديث عمران بن الحصين ﵁ أخرجه البخاري وغيره «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلاً لم يصل في القوم فقال: أفلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال يا رسول الله ﷺ أصابتني جنابة ولا ماء، قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك» .
قوله: " ولا ماء " أي ولا ماء موجود، أو أجد، أو عندي ونحو ذلك، وفي حذف الخبر نظر لعذره لما فيه من عموم النفي، فكأنه نفى وجود الماء بالكلية، بحيث لو وجد بسبب أو سقي أو غيره لحصله.
قوله: " عليكم بأرضكم " أي افعلوا التيمم بأرضكم، ولفظ عليكم هاهنا اسم للفعل بمعنى خذوا، ويقال: عليك زيداً وزيد. وقال الأترازي: " عليكم بأرضكم " أي باستعمال أرضكم.
قلت: التيمم لا يضاف إلى الأرض بل إلى الفعل.
[ما يتيمم به]
م: (ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب، والرمل والحجر والجص) ش: بفتح الجيم وتشديد الصاد، ويقال: بكسر الجيم أيضاً. وقال الجوهري: هو ما يبنى به وهو معرب، وقال في فصل القاف القصة الجص لغة حجازية، وفي لغة المصريين الجص يسمى " الجير " بكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف، وفي لغة غيرهم يسمى " كلثا "، وبالفارسي يسمى كج. م: (والنورة) ش: قال الجوهري: النورة ما يطلى به، وفي " المغرب " همز النورة خطأ، م: (والكحل والزرنيخ) ش: بكسر الزاء الكبريت والتوتياء والزاجات والطين الأحمر والأبيض والأسود والحائط المطين والمجصص، والمراد سبخ والملحي الجبلي. وفي " قاضي خان ": لا يصح على الأصح؛ لأنه يذوب وبالماء لا يجوز اتفاقا، ويجوز أيضاً بالياقوت، والزبرجد، والزمرد،
стр. 428
وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا بالتراب المنبت، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي ترابا منبتا، قاله ابن عباس ﵄.
ــ
[البناية]
والبلخش والفيروز، والمرجان، والأرض الهندية والطين الرطب. ولا يجوز بالطين المغلوب بالماء، ويجوز بالآجر في ظاهر الرواية من غير فصل، وشرط الكرخي أن يكون مدقوقاً. وقد منع أبو يوسف في غير المدقوق ذكره في " الذخيرة "، وفي رواية لا يجوز.
وفي " المحيط ": والخزاف إذا كان من طين خالص يجوز وإن كان خالطه شيء آخر ليس من جنس الأرض لا يجوز، فالزجاج المتخذ من الأرض وشيء آخر ليس من جنس الأرض. قال الثعلبي: وأجاز أبو حنيفة التيمم بالجوهر المسحوق، والجوهر عندهم هو اللؤلؤ الكبير وهو غلط منه؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض، بل هو متولد من حيوان في البحر. ونقل القرطبي الإجماع على منع التيمم بالياقوت والزمرد، وهو وهم منه، وهما من الأجزاء النفيسة، فيجوز التيمم بهما عند أبي حنيفة، وفي " المحيط " لا يجوز بمسبوك الذهب والفضة، ويجوز بالمختلط بالتراب إذا كانت الغلبة للتراب. وقال المرغيناني: يجوز بالذهب والفضة والحديد، والنحاس وما أشبهها ما دامت على الأرض ولم يصنع منه شيء. وقال أبو عمر: وجميع العلماء على أن التيمم بالتراب دون الغبار جائز. وعند مالك يجوز بالتراب، والرمل، والجين والحر والسانح والمطبوخ بالجص والآجر. وقال الثوري والأوزاعي: يجوز كل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجمد. ونقال النقاش عن ابن علية، وابن كيسان جوازه بالمسك والزعفران، وإن إسحاق منعه بالسباخ.
م: (وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل) ش: هذا قوله المرجوع عنه، كان يقول أولاً هكذا ثم رجع فقال: لا يجوز إلا بالتراب الخالص، رواه المعلى عنه وهو آخر قوله.
م: (وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالترب المنبت) ش: الذي له غبار، وبه قال أحمد، وعن أحمد في رواية في السبخة والرمل أنه يجوز التيمم به، فإن دق الخزف والطين المحرق لم يجز التيمم به.
وعن الشافعي في القديم: يجوز بالرمل، ومن أصحابه من قال: لا يجوز به قولاً واحداً، وما قاله في القديم محمول على رمل يخالطه تراب، ومنهم من قال: على قولين؛ أحدهما: الجواز، والآخر: عدمه، والمعروف من مذهبه الذي قطع به أصحاب النصوص عليه في " الإمام " لا يجوز إلا التراب، وفي " الحلية ": لا يصح التيمم عندنا إلا بتراب طاهر له غبار تعلق بالوجه واليدين، وبه قال أحمد وداود عن بعض أصحاب الشافعي: لا يصح إلا بتراب غبار تراب الحرث، وبه قال إسحاق.
م: (وهو رواية عن أبي يوسف) ش: أي قول الشافعي رواية عن أبي يوسف، وهو قوله المرجوع إليه كما ذكرنا، م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي تراباً منبتاً، قاله ابن عباس ﵄) ش: الذي قاله عبد الله بن عباس، رواه البيهقي من جهة قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عن ابن عباس قال: الصعيد الطيب حرث الأرض، ورواه من جهة جرير عن قابوس عن أبيه، عن ابن عباس قال: أطيب الصعيد حرث الأرض، وسئل عنه أي الصعيد أطيب؟ قال: الحرث؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] (الأعراف: الآية ٥٨) . قلت: الاستدلال للشافعي في هذا غير موجه؛ لأنه غير قائل باشتراط الإنبات في التراب الذي يجوز به التيمم، وقال في التيمم: الإنبات ليس بشرط في الأصح.
فإن قلت: قوله في الأصح يدل على أن الإنبات شرط في غير الأصح، ويكون الاستدلال بما روي عن ابن عباس موجهاً، قيل: يخدش ذلك كون الاستدلال لأبي يوسف والشافعي، ولم يرو عن أبي يوسف كما هو شرط عند الشافعي، قال: كذا ذكره في التأويلات.
وذكر صاحب " الدراية " الاستدلال الصحيح لهما قوله ﷺ «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» . رواه البخاري ومسلم، وقوله ﷺ «التراب طهور المسلم» .
قلت: هذا الذي ذكره في الحقيقة استدلال لأبي حنيفة ومحمد على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ لأن اللام فيها للجنس، فلا يخرج شيء منها، ولأن الأرض كلها جعلت مسجداً، وما جعل مسجداً هو الذي جعل طهورا، وعورض بالرواية الأخرى، وهي «وجعلت تربتها لنا طهوراً» .
وأجيب بأن الأصل قد انفرد أبو مالك بها، وجميع طرقه «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» ، ولا اعتداد بمن خالف الناس، ويمنع كون التربة يراد بها التراب، بل كل مكان تراباً ما يكون فيه من التراب أو الرمل أو غير ذلك من جنس تلك الأرض بما يقابل التربة، وبأنه مفهوم اللقب، وهو ضعيف عند جميع الأصوليين، قالوا: لم يقل به إلا الدقاق، وهو يدل بمنطوقه على جميع أجزاء الأرض، وطهوراً عطف على قوله مسجداً، ومعناه: وجعلت لي الأرض طهوراً، وهو أقوى من مفهوم اللقب.
وقال ابن القطان في شرح البخاري: قوله ﷺ «أيما رجل أدركته الصلاة فليصل» دليل على أن المراد الأرض كلها، فإنه قد تدركه في أرض رمل أو جص أو غير ذلك كما تدركه في أرض عليها تراب، ويجوز أن يكون ذكر التربة خرج مخرج الغالب، لا أنه يجوز غيره.
فإن قلت: قوله " فليصل " لا يدل على أنه يتيمم ويصلي، بل إذا لم يجد تراباً يصلي بغير وضوء على حسب حاله عنده فلا حجة فيه.
قلت: المنع أولاً، فإنه لا يصلي بغير طهور عند أبي حنيفة ﵁ رواية عن محمد، وبأنه تلزمه الإعادة عند من يأمره بالصلاة بغير طهور، ولا إعادة ها هنا لوجهين: أحدهما لم
стр. 430
غير أن أبا يوسف زاد عليه الرمل بالحديث الذي رويناه، ولهما أن الصعيد اسم لوجه الأرض، سمي به لصعوده،
والطيب يحتمل الطاهر
ــ
[البناية]
يذكرها النبي ﷺ فلو وجبت إعادتها لبينها ﷺ . الثاني: وجوب الإعادة، حكم الطهارة بغير طهور، وها هنا الطهور موجود. وجواب آخر أنه قد جاء، فعنده طهوره ومسجد، والحديث يفسر بعضه بعضها.
م: (غير أن أبا يوسف زاد عليه الرمل) ش: أي على التراب الرمل، فإنه يجوز عندهما بهما لا غير، والضمير في عليه ترجع إلى التراب كما قلنا، ويجوز أن يرجع إلى الشافعي، أي: زاد أبو يوسف الرمل على ما ذهب إليه الشافعي وهو التراب الذي اتفقا فيه م: (بالحديث الذي رويناه) ش: الباء تعلق بقوله زاد، وأراد " بالحديث " هو الذي مضى ذكره، وهو أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وكان ينبغي للمصنف أن يقول بالحديث الذي ذكرناه أو نحو ذلك وهو لم يروه، فكيف يقول رويناه.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، م: (أن الصعيد اسم لوجه الأرض) ش: قد ذكرنا عند قوله " تيمم بالصعيد " ما قاله أهل اللغة في معنى الصعيد، والذي قاله المصنف منقول عن الأصمعي، والخليل، وثعلب، وابن الأعرابي، والزجاج. وقال في " معاني القرآن " الصعيد وجه الأرض، ولا ينافي كان في الوضع تراب أو لم يكن؛ لأن الصعيد ليس التراب، إنما هو وجه الأرض تراباً كان أو صخراً لا تراب عليه أو غيره، قال الله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (الكهف: الآية ٤٠) ، فعلم أن الصعيد يكون زلقاً. وقال الزجاج: لا أعلم فيه خلاف أهل اللغة.
وقال قتادة: الصعيد الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر.
م: (سمي به) ش: أي سمي وجه الأرض بالصعيد م: (لصعوده) ش: أي لكونه ما يصعد إليه من باطن الأرض. وقال الأكمل: قال المصنف: سمي به لصعوده، وهو إشارة إلى أنه فعيل بمعنى فاعل، فإذا كان كذلك، فتقييده بالتراب المنبت تقييد للمطلق بلا دليل.
قلت: ليس كذلك، بل يكون بمعنى مفعول يعني مصعود، وإذا كان بمعنى فاعل على ما قاله فيكون بمعنى صاعد، وليس المراد ذلك ها هنا، وإن كانوا قالوا إنه يجيء بمعنى فاعل أيضاً، فالذي قلنا أشار إليه الخليل، وابن الأعرابي، وثعلب، وهم الذين يرجع إليهم في هذا الباب، ثم قوله فتقييده بالتراب المنبت تقييد للمطلق بلا دليل ليس كذلك؛ لأن الصعيد وإن كان مطلقاً فقد قيده بالصفة، وهي قوله طَيّباً ولكن اختلف في أن معناه طاهراً ومنبتا على ما نذكره عن قريب.
م: (والطيب يحتمل الطاهر) ش: هذا جواب عما قاله الشافعي أن معنى طيباً في قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] تراباً منبتا، ثم استدل بنفي الطاهر على ذلك بقول ابن عباس، حيث فسر
стр. 431
فحمل عليه؛ لأنه أليق بموضع الطهارة، أو هو مراد بالإجماع،
ــ
[البناية]
الطيب بالمنبت، تقرير الجواب أن الطيب مشترك بين الطاهر، والنظيف والحلال، والمنبت والطيب بمعنى الطاهر، فإن الطيب في اللغة خلاف الخبيث، أما بمعنى النظيف، فقال أبو إسحاق: الطيب النظيف، وأما بمعنى الحلال فقوله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] (البقرة: الآية ١٧٢) ، وأما بمعنى المنبت فقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] (الأعراف: الآية ٥٨) ، والأكثر على أنه بمعنى الطاهر، وقد أريد به الطاهر بالإجماع؛ لأن الطهارة شرط فيه؛ لأن النجس لا يكون طهوراً، فإذا أريد به المعنى لا يراد غيره؛ لأن المشترك لا عموم له.
م: (فحمل عليه) ش: أي على معنى الطاهر م: (لأنه) ش: أي؛ لأن معنى الطاهر ها هنا م: (أليق بموضع الطهارة) ش: لأنه قال في آخر الآية ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ألا ترى أنه لو كان التراب المنبت نجسا لم يجز التيمم به إجماعاً، فعلم أن الإنبات ليس له أثر في هذا الباب.
فإن قلت: الطيب في الآية مقرون بالأرض، فيكون الإنبات أليق، إذ القرآن يفسر بعضه بعضاً.
قلت: آخر الآية يدل على أن المراد الطاهر؛ لأنه لو كان المراد منبتاً لكان قال موضع قوله ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لتزرعوا؛ لأن الإنبات يناسب الزرع.
م: (أو هو مراد بالإجماع) ش: هذا دليل آخر على أن المراد من طَيّباً أن يكون طاهراً، تقريره أنه يحتمل المعاني المذكورة، والطاهر مراد بالإجماع كما ذكرنا آنفا، فإذا تعين أحد معاني المشترك للإرادة بطل الباقي؛ لأن المشترك لا عموم له.
فإن قلت: الشافعي قائل بعموم المشترك.
قلت: شرط فيه أن لا يمنع الجمع، وأن يتجرد اللفظ عن القرينة الصارفة إلى أحد المعاني، وها هنا لم يتجرد عن القرينة، على أن المراد الطاهر، ثم إن المصنف لم يجب عن قول ابن عباس ﵁.
فالجواب: عنه أن المطلق لا يقيد بخبر الواحد فكيف الأثر؟ وأيضاً المنقول عن ابن عباس أطيب الصعيد أرض الحرث، فهو يدل على جواز التيمم بغير الحرث؛ لأنه إذا كان أطيب الصعيد دل على أنه غير طيب، وهو المأمور به، ثم الاستدلال بهذا الأثر يدل.. أن لا يجوز التيمم بالسبخية. وذكر النووي أن السبخية هي التراب الذي فيه ملوحة ولا ينبت، والتيمم به جائز.
وحديث أبي جهم الأنصاري يرد أيضاً على الشافعي، وهو أنه قال: «أقبل رسول الله ﷺ من بئر جمل - موضع بالمدينة - فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل إلى الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇» رواه البخاري مسنداً ومسلم تعليقاً. قال الطحاوي: حيطان المدينة مبنية
стр. 432
ثم لا يشترط أن يكون عليه غبار عند أبي حنيفة ﵀ لإطلاق ما تلونا
ــ
[البناية]
من حجارة سودة من غير تراب، أو لم تثبت الطهارة بهذا التيمم لما فعله ﷺ وقال ابن القصار المالكي: تيمم النبي ﷺ بالجدار [ ... ] على الشافعي في اشتراط التراب، وقال الماذري: قال الشافعي قول شاذ، وقال الذهبي في أبي جهم: الصواب أبو جهيم بالتصغير.
م: (ثم لا يشترط أن يكون عليه) ش: أي على الصعيد م: (غبار عند أبي حنيفة ﵁) ش: أي الغبار الذي يلتزق باليد ليس بشرط عنده، فحينئذ لو تيمم بالحجر الأملس والصخرة الملساء يجوز. قال الولوالجي: إذا ضرب يده على صخرة لا غبار عليها أو على أرض يده ولم يتعلق بيده شيء يجوز عند أبي حنيفة، وبه قال مالك.
وعن محمد روايتان لا يجوز بدون الغبار، وهو قول أبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وداود، وعند عدم الغبار عند أبي يوسف، روايتان. وفي " البدائع " قول أبي يوسف الثاني: الغبار ليس من الصعيد. وفي " قاضي خان " وعنه يتيمم به ويعيد، ثم إنه رجع وقال: الغبار ليس من الصعيد، وكذا رجع عن جواز التيمم بالرمل ولو لم يكن بثوبه غبار فليتلطخ جسده بالطين حتى جف جاز التيمم عليه، وكذا لو تيمم بالطين جاز، إلا أن فيه مثله.
وفي " الدراية " والتيمم جائز عند أبي حنيفة بالطين، وعن محمد روايتان، إلا إذا كان مغلوباً بالماء، ولو أصابه غبار فمسح به وجهه وذراعيه ناوياً التيمم جاز عند أبي حنيفة، فذكره في " الوجيز " وفي " صلاة الأصل " لو أصاب وجهه وذراعيه غبار لم يجزئه عن التيمم، قالوا: تأويله أنه يمسح به وجهه وذراعيه حتى نص على هذا في كتاب " الصلاة " للمعلى فقال: هدم حائط أو كال حنطة فأصابه غبار لم يجزئه عن التيمم حتى يمر يديه عليه، وقال الشافعي: يجوز التيمم بتراب على فخذه أو ثوب أو حصير أو جدار أو إداوة أو نحوها، ذكره النووي في " شرح المهذب ".
وقال العبدري وغيره: كذا لو ضرب يده على حنطة أو شعير للتيمم وفيه غبار، وكذا لو تيمم على ظهر كلب أو خنزير وشعره يابس جاز عند أبي حنيفة. وفي " البحر " لا يجوز بغبار الثوب النجس، إلا إذا وقع التراب بعدما جف الثوب، وعن أصحابنا: يجوز التيمم بتراب غالب على رماد، وبالعكس لا يجوز، وكذا إذا خالط التراب غير الرماد، ولا بشيء من أجزاء الأرض كالدقيق تعتبر فيه الغلبة، والشافعي فرق بين مخالطة الدقيق ونحوه ومخالطة الرمل؛ حيث جاز في الرمل دون الدقيق، ولو ضرب يده على بشرة أجنبية عليها تراب إن كان كثيراً يمنع التقاء البشرتين صح تيممه، وإلا فلا، قاله القاضي حسين. م: (لإطلاق ما تلونا) ش: وهو قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، ودليل أبي يوسف في رواية، قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) أي من التراب، وهو كما تراه يوجب المسح بشيء من الأرض؛ لأن كلمة " من " للتبعيض، والجواب أن الضمير في منه يرجع إلى الحدث، ولئن سلمنا أنه يرجع إلى
стр. 433
وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -
ــ
[البناية]
التراب فهي لابتداء الغاية، كقولك خرجت من البصرة، يعني ابتداء المسح من الصعيد، بدليل قَوْله تَعَالَى في موضع آخر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) وقال صاحب " الدراية " قيل: لا يستقيم هذا الاستدلال؛ لأن المطلق والمقيد إذا وردت في حادثة واحدة في حكم واحد فيجب حمل المطلق على المقيد بالاتفاق، وكذا قوله " من لابتداء الغاية " عدول عن حقيقة هذه الكلمة؛ لأنها حقيقة للتبعيض مجاز لغيره، وفيه تأمل.
قلت: وجه التأمل أن هذا ليس ورود المطلق والمقيد في الآيتين المذكورتين في " النساء " و " المائدة " من قبيل ورودهما في حكم واحد، بل في سبب الطهارة ولا تزاحم في الأسباب، فجرى مجرى المطلق على إطلاقه، ولا يحمل على المقيد. وقوله: " لأنها حقيقة للتبعيض مجاز في غيره " غير صحيح؛ لأن الغالب على كلمة من أن تكون لابتداء الغاية، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه. قال الأترازي: وليس قول أبي يوسف والشافعي، قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) ، وهذا يدل على أن غير التراب لا يجوز به التيمم، فنقول: لا نسلم أنه يدل على ذلك إلا فيما إذا أريد به التبعيض من قوله " منه " أو فيما إذا أريد منه الابتداء فلا، فإن قلتم بالثاني فلا نسلم الدلالة على ما قلتم؛ لأنه معنى يحصل في كل جزء من أجزاء الأرض، إن قلتم بالأول فنعم يلزم ما قلتم إذا سلم، لكن لا نسلم أن التبعيض هو المراد.
قلت: هو الذي ذكره لا يوافق دليلاً إلا في الخلاف يجوز فيه التيمم بغير التراب أو لا يجوز، والدليل الموافق هو الذي ذكرناه الآن، وهو الخلاف في اشتراط التصاق الغبار وعدمه.
وقوله " لا نسلم أن التبعيض هو المراد " منع مجرد، ويمكن أن يكون للتبعيض؛ لأنه أحد معاني كلمة من.
فإن قلت: علامة كلمة التبعيض أن يسد " بعض " مسدها كقراءة عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (آل عمران: الآية ٩٢) .
قلت: لا يتصور ها هنا هذا التقدير فافهم.
[التيمم بالغبار مع وجود الصعيد]
م: (وكذا يجوز) ش: أي التيمم، م: بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد) ش: بأن نفض ثوبه أو لبده وارتفع فتيمم منه يجوز عندهما، وبه قال الشافعي. وعند أبي يوسف لا يجوز، وحكي عن مالك أيضاً، وفي " الإيضاح " أن أبا يوسف رجع عن ذلك.
وقال صاحب " الدراية ": قوله مع القدرة على الصعيد نفي لقول أبي يوسف. قلت: ليس الأمر كذلك، وخلاف أبي يوسف معهم من الاقتصار على ذكر أبي حنيفة ومحمد، وإنما هذا قيد قيد به؛ لأنه إذا لم يقدر على الصعيد جاز التيمم بالغبار حينئذ اتفاقاً.
стр. 434
لأنه تراب رقيق.
والنية فرض في التيمم . وقال زفر ﵀: ليست بفرض؛ لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالفه في وصفه، ولنا أنه ينبئ عن القصد فلا يتحقق دونه، أو جعل طهورا في حالة مخصوصة.
ــ
[البناية]
م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الغبار م: (تراب رقيق) ش: ألا ترى أن من نقض ثوبه يتأذى جاره بالتراب، فكل ما يجوز بالخشن منه فكذا في الرقيق. وقال أبو يوسف: الغبار ليس بتراب خالص، ولكنه تراب من وجه، والمأمور منه التيمم بالصعيد، وحالة العجوز مستثناة. قلنا: هو تراب حقيقة، ولكنه امتزج بالهواء، وفي " المبسوط " واحتج أبو حنيفة ومحمد بحديث عمر ﵁ فإنه كان مع أصحابه في سفر فمطروا بالجنابة، فأمرهم أن ينفضوا لبودهم وسروجهم فتيمموا بغبارها.
[والنية فرض في التيمم]
م: (والنية فرض في التيمم) ش: النية شرط جواز التيمم عند عامة العلماء، حتى لو تيمم بلا نية لا يجوز.
م: (وقال زفر: ليست بفرض؛ لأنه خلف عن الوضوء، فلا يخالفه في وصفه) ش: أي في وصف الوضوء الذي هو الصحة، فإن الوضوء بدون النية صحيح، فلو لم يصح التيمم بلا نية كان الخلف مخالفاً للأصل في وصفه، فلا يجوز ذلك لخروجه عن الخلف حينئذ.
م: (ولنا أنه) ش: أي التيمم م: (ينبئ عن القصد فلا يتحقق دونه) ش: أي دون القصد.
فإن قلت: لما كان التيمم القصد لغة فلا حاجة إلى النية.
قلت: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد القصد الشرعي، وهذا لا يكون إلا بالنية، قال الأكمل: قيل التيمم يدل على القصد، والقصد هو النية، وأمرنا بالتيمم والأمر للوجوب فتشترط النية. بخلاف الوضوء، فإن الأمر فيه ورد بالغسل والمسح، ولا دلالة لهما على النية.
قلت: قائل هذا هو الأترازي. ثم قال الأكمل: وفيه نظر؛ لأن القصد المأمور به هو قصد استعمال التراب، وتفسير النية في التيمم أن ينوي الطهارة أو رفع الحدث أو الجنابة أو استباحة الصلاة، وهذا غير ذلك لا محالة، فلا يلزم من كون أحدهما مأموراً به أن يكون الآخر شرطاً.
قلت: وفيه نظر أيضا؛ لأن قصد استعمال التراب هو عين النية؛ لأنه لا يقصد إلا لأحد الأمور الأربعة، وإلا يلزم أن يكون ها هنا نيتان، أحدهما: القصد المأمور به وهو قصد استعمال التراب، والآخر: نية أحد الأمور الأربعة، ولم يقل أحد أن التيمم يحتاج إلى نيتين.
م: (أو جعل طهوراً) ش: هذا دليل آخر على فرضية النية في التيمم، أي وجعل التراب طهوراً م: (في حالة مخصوصة) ش: وهي حالة إرادة الصلاة، والنية هي الإرادة أيضاً، فاشترطت النية فيه
стр. 435
والماء طهور بنفسه على ما مر،
ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه،
ولا يشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة، وهو الصحيح من المذهب.
ــ
[البناية]
وليس كذلك الماء، فإنه بالطبع مطهر فلم تشترط فيه النية، وأشار إلى هذا بقوله: م: (والماء طهور بنفسه على ما مر) ش: أي بطبعه فلا يحتاج إلى النية، بخلاف التراب فإنه ملوث بطبعه فافترقا، وقال الأكمل: قوله: والماء طهور بنفسه جواب سؤال تقديره أن الماء أيضاً في الآية جعل طهورا في حالة مخصوصة كما ذكرتم، فكان الواجب أن تكون النية فيه شرطاً، وتقدير الجواب أن الماء طهور بنفسه أي عامل بطبعه، فلا يحتاج إلى النية كما في إزالة النجاسة العينية.
قلت: السؤال غير موجه؛ لأنا نقول فيه أن الماء أيضاً في الآية جعل طهوراً في حالة مخصوصة وليس كذلك، بل الماء مطهر في جميع الحالات، وليست طهارته مقتصرة على إرادة الصلاة بخلاف التراب، فإن طهارته مقتصرة على وقت إرادة الصلاة كما ذكرنا، وفي الجواب أيضاً نظر؛ لأن قياس الوضوء على إزالة النجاسة المعينة غير صحيح؛ لأن الوضوء من باب المأمورات، وإزالة النجاسة من باب المتروك كترك الزنا واللواطة ورد المغصوب قبل الطهارة ترك الحدث.
وعورض بأن الوضوء ليس ترك الحدث، بدليل الوضوء على الوضوء، أجيب بأنه ليس طهارة ترك الحدث على الحقيقة لتحصيل الحاصل، وإنما جعل طهارة مجازاً في حق الآخر، ولهذا لم يجعل الغسل على الغسل مثله عندنا، وعند الخصم على المذهب الصحيح المشهور على ما مر في باب أحكام المياه.
م: (ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه) ش: لأن التيمم طهارة لا يلزمه نية أسبابها كما في الوضوء، فلا يشترط التعيين، ألا ترى أنه لو توضأ للظهر يجوز أداء العصر به، وكذا على العكس.
[نية التيمم للحدث أو الجنابة]
م: (ولا يشترط نية التيمم للحدث أو الجنابة) ش: لأن الشرط يراعى وجوده لا غير، فلا يشترط التعيين م: (وهو الصحيح من المذهب) ش: أي عدم اشتراط التعيين هو الصحيح من المذهب احترازاً عما روي عن الإمام أبي بكر الرازي ﵀ فإنه كان يقول: يحتاج إلى نية للحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة، فلا يتميز أحدهما عن الآخر كصلاة الفرض عن النافلة وهو صحيح، فإن محمد بن سماعة روى عن محمد أن الجنب لو تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة، والحاجة إلى النية لتقع طهارة واستباحة الصلاة مثلها، وفي الجنابة ينوي استباحة الصلاة، ولو نوى رفع الحدث لم يصح تيممه في أصح الوجهين.
وعن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يرفع الحدث، ولا بد في استباحة الصلاة في التيمم للفرض عند أصحاب الشافعي، وهو قول مالك وأحمد، وهل يفترق إلى تعيين الفرض من ظهر وعصر؟
стр. 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فيه وجهان، ففي قول: يباح الفرض بنية صلاة مطلقة أو نافلة، ولو تيمم للفرض استباح به النفل قبل الفرض وبعده، وفي قول: لا يجوز به النفل، وبعده يجوز وبه قال مالك وأحمد.
ولو تيمم لمس المصحف أو لقراءة القرآن أو للطواف استباح ما نواه، وهل يبيح به النفل؟ فيه وجهان، ثم اعلم أن المصنف ﵀ لم يجب عن قول زفر؛ لأن الخلف لا يجوز أن يكون مخالفاً لأصله.
والجواب عنه أن الخلف قد فارق الأصل لاختلاف حالهما، ألا ترى أن الوضوء يجعل بأربعة أعضاء بخلاف التيمم، ومن التكرار في الوضوء دون التيمم.
فإن قلت: لا شك أن التيمم خلف عن الوضوء، فلا ينبغي أن يخالف الأصل قطعاً.
قلت: قد بينت لك أنه يخالف الأصل باختلاف الحال، على أنا لا نسلم أن التيمم خلف عن الوضوء عند الكل: فإن عند محمد خلف عن الوضوء، وعندهما خلف عن الماء في حصول الطهارة، حتى جازت إمامة المتيمم للمتوضئ عندهما خلافاً لما قاله، وسيجيء تحقيقه في باب الإمامة إن شاء الله تعالى.
واعلم أيضاً أن التيمم رافع للحدث أو مبيح، فعندنا رافع للحدث إلى وقت وجود الماء، وقال أبو بكر الرازي: لا يرفع، وبه قال الشافعي كالمسح على الخفين يرفع الحدث عن الرجل، والأول المذهب للحديث الذي في " الصحيحين «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» وحديث أنس «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج» .
فإن قلت: معنى الحديثين: فإن التراب قائم مقام الطهور في إباحة الصلاة، إذ لو كان طهوراً حقيقة لما احتاج الجنب بعد التيمم أن يغتسل، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمران بن الحصين ﵁ قال: «كنا في سفر مع رسول الله ﷺ فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: " ما منعك أن تصلي " قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: " يكفيك الصعيد» ، «واشتكى إليه الناس العطش فدعا علياً وآخر، فقال: "اذهبا فابتغيا الماء " فذهبا فجاءا بامرأة معها مزادتان، فأفرغ من أفواه المزادتين ونودي في الناس، فسقى واستقى، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، فقال: " اذهب فأفرغه عليك» .
قلت: ليس في الحديث أنه تيمم، ويحتمل أنه ﵇ عاجله بالماء قبل التيمم، أو أنه ﵇ أمره بالاغتسال استحباباً لا وجوبا، وقد روى أبو داود من «حديث عمرو بن العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت
стр. 437
فإن تيمم نصراني يريد به الإسلام ثم أسلم لم يكن متيمما عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: فهو متيمم؛ لأنه نوى قربة مقصودة، بخلاف التيمم لدخول المسجد ومس المصحف؛ لأنه ليس بقربة مقصودة،
ــ
[البناية]
فثم صليت بأصحابي الصبح، ثم أخبرت النبي ﵇ فضحك ولم يقل شيئاً» ورواه الحاكم [وقال] على شرط الشيخين.
فلو كان الاغتسال بعد التيمم واجباً لأمره به، وفيه حجة على من أمر بإعادة الصلاة التي تصلى بالتيمم؛ لأن ﵇ لم يأمره بالإعادة لا صريحاً ولا دلالة، وغزوة [ذات] السلاسل كانت في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وذات السلاسل واد من وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام. فقوله: " فأشفقت ": أي خفت.
م: (فإن تيمم نصراني يريد به) ش: أي بالتيمم م: (الإسلام ثم أسلم لم يكن متيمما) ش: يعني لا تجوز الصلاة بذلك التيمم م: (عند أبي حنيفة ومحمد) ش: وهذه من مسائل " الجامع "، وشرط فيه كون التيمم للإسلام، فلذلك قال المصنف: يريد به الإسلام، وهو معتبر به، ولم يشترط في الأصل، وما في " الجامع " هو الصحيح، إذا الاختلاف ثابت فيما إذا أراد الإسلام، وهو بقربه، وفيما إذا لم يرده أولى أن تصح.
م: (وقال أبو يوسف: فهو متيمم) ش: يعنى إذا أرد به الصلاة فصلى به.
فإن قلت ها هنا: فإن الأولى في قوله: فإن تيمم نصراني، والثاني في قوله: فهو متيمم. قلنا: ذكرها في الأولى لكون المسألة متفرعة على ما قبلها، وفي الثاني: كأنها جواب شرط محذوف تقديره قال أبو يوسف: إن تيمم النصراني يريد الإسلام باق على تيممه م: (لأنه) ش: أي؛ لأن النصراني م: (نوى قربة مقصودة) ش: مع كونها قربة؛ لأن الإسلام أعظم القرب، وأما مقصودة فلأنها ليست في ضمن شيء آخر كالشرط، فإذا كان كذلك صح تيممه كالمسلم تيمم للصلاة. م: (بخلاف التيمم لدخول المسجد ومس المصحف) ش: أي بخلاف تيمم المسلم لدخول المسجد أو لمس المصحف، م: (لأنه) ش: أي؛ لأن تيممه لدخول المسجد أو مس المصحف م: (ليس بقربة مقصودة) ش: لحصوله في ضمن شيء آخر، وكذا لو تيمم لخروج المسجد بأن دخل متوضئاً ثم أحدث، أو تيمم للسلام، أو رده، أو للتعليم على الأصح، خلافاً لما رواه الحسن عن أبي حنيفة: تيمم لقراءة القرآن على ظهر القلب أو لزيارة القبور أو لدفن الميت أو للأذان، فإنه لا يجوز الصلاة
стр. 438
ولهما أن التراب ما جعل طهورا إلا في حال إرادة قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة، والإسلام قربة مقصودة تصح بدونها، بخلاف سجدة التلاوة؛ لأنها قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة. وإن توضأ لا يريد به الإسلام ثم أسلم، فهو متوضئ عندنا، خلافا للشافعي ﵀ بناء على اشتراط النية،
ــ
[البناية]
به عند عامة العلماء؛ لأنه ليس بقربة مقصودة، وفيه خلاف أبي سعيد البلخي، حيث قال: تجوز الصلاة به عنده.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (أن التراب ما جعل طهوراً إلا في حال إرادة قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة، والإسلام قربة مقصودة تصح بدونها) ش: أي بدون الطهارة. قال السغناقي: في هذا اللفظ إشارة إلى أن الكافر إذا تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم، نص على هذا شيخ الإسلام في " مبسوطه "، بل المقبول في التعليل أن يقال: الكافر إذا تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم؛ لأنه ليس من أهل النية، والتيمم لا يصح بدونها، فلذلك قال: لا يصح منه التيمم، وعن هذا فرق أبو يوسف بين نية الإسلام ونية الصلاة فقال: يكون في الأول دون الثاني، وقال: لأن الإسلام يصح منه، فتصح نية التيمم منه للإسلام، بخلاف ما لو تيمم بنية الصلاة؛ لأن الصلاة قربة لا تصح من الكافر، ولا تصح نية الصلاة، فجعل وجود هذه النية وعدمها بمنزلته، فبقي التيمم من غير نية فلا يصح.
م: (بخلاف سجدة التلاوة؛ لأنها قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة) ش: قيل: هذا مخالف لما ذكر في الأصول حيث قال فيها: إنها قربة غير مقصودة.
قلنا: المراد بكونها مقصودة ها هنا أن لا يجب في ضمن شيء آخر بخلاف التبعية، بل شرعت ابتداء من غير أن يكون تبعاً لآخر، والمراد بما ذكر في الأصول أن هيئة السجدة ليست بمقصودة لذاتها عند التلاوة، بل لاشتمالها على التواضع المحقق لموافقة المؤمنين أو مخالفة المشركين، فلهذا لا يخص إقامة الواجب بهذه الهيئة، بل ينوب الركوع منابها، وحاصل هذا أن المعترض ادعى التناقض، والمجيب نفاه لاختلاف الجهتين على ما ذكرنا.
فإن قلت: يصح التيمم بنية الطهارة وهي ليست بمقصودة.
قلت: الطهارة شرعت للصلاة، فكانت نيتها نية إباحة للصلاة، حتى لو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة في الأصح على ما ذكرنا.
م: (وإن توضأ) ش: أي النصراني والحال م: (لا يريد به الإسلام) ش: أي المتوضئ الإسلام م: (ثم أسلم فهو متوضئ عندنا) ش: حتى لو صلى به يجوز م: (خلافاً للشافعي ﵀) ش: فإنه عنده ليس بمتوضئ، وأشار إلى دليل الشافعي بقوله م: (بناء على اشتراط النية) ش: فإن النية شرط
стр. 439
فإن تيمم مسلما ثم ارتد - والعياذ بالله - ثم أسلم فهو على تيممه. وقال زفر ﵀: يبطل تيممه؛ لأن الكفر ينافيه فيستوي فيه الابتداء والبقاء
ــ
[البناية]
عنده وهو ليس من أهلها، ويفهم منه أيضاً دليلنا؛ لأنه إذا لم تكن النية شرطاً عندنا صح وضوءه، وإن لم تعتبر نيته.
م: (فإن تيمم مسلم ثم ارتد - والعياذ بالله - ثم أسلم فهو على تيممه) ش: يعني له أن يصلي بهذا التيمم.
م: (وقال زفر: يبطل تيممه) ش: باعتراض الارتداد م: (لأن الكفر ينافيه) ش: أي ينافي التيمم ابتداء فكذا انتهاء م: (فيستوي فيه الابتداء والبقاء) ش: أي إذا كان الكفر ينافيه ابتداء فيستوي في هذا الحكم الابتداء والبقاء.
فإن قلت: الضمير في قوله: " فيه " يرجع إلى ماذا.
قلت: قد أشرت إليه بقولي: " فيستوي في هذا الحكم "، وقال بعضهم: أي يستوي في هذا الأمر المنافي حالة الابتداء وحالة البقاء، وهذا مثل الأول في المعنى. وذكر في " الجامع الصغير " للحسامي أن المنافاة بينهما باعتبار معنى العبادة، فإنه شرع مطهر غير معقول المعنى تعبداً فينافيه الكفر كسائر العبادات. وفي " المختلف " أنه عبادة فلا يجامع الكفر، فعلى هذا لا يتصور الخلاف المذكور إلا في التيمم المنوي؛ لأن غيره وإن كان مفتاحاً للصلاة عنده ليس بعبادة كالوضوء بلا نية فلا ينافيه الكفر، فبقي بعد الارتداد على أصله، والصحيح أن المنافاة بينهما باعتبار عدم الأهلية، فإن كافراً لو تيمم لا يصح التيمم مشروعاً في حقه، ويكون فعله كفعل البهيمة، فثبت أن الكفر مناف للتيمم يستوي فيه الابتداء والبقاء. فعلى هذا بطل تيممه عنده نوى أو لم ينو. وفي " الكافي ": ويبطل عنده؛ لأنه عبادة فينافيه الكفر، ثم سيق الكلام إلى أن قيل: فإنه إنما يصير عبادة بالنية وهي ليست بشرط عنده. قلنا: الكلام في المنوي أو في غيره لا خلاف. وقال عبد العزيز: يبعد ما ذكره.
قلت: إن أراد به أنه لا خلاف في بقائه على الصحة بعد الكفر فهو غير مستقيم؛ لأن هذا لا يصح أصلاً عندنا لعدم شرطه، فكيف بقي على الصحة، وإن أراد به لا خلاف في بطلانه وهو الظاهر فهو كما قال، إلا أن ما قال زفر على كونه عبادة فينافيه الكفر غير مستقيم لما بينا أن غير المنوي ليس بعبادة، فكيف يصح بناء بطلانه على الكفر المنافي للعبادة مع انتفاء صفة العبادة عنه.
فإن قلت: كان من حقه أن ينعكس الحكم لانعكاس العلة، فإنه من حقه أن لا يبطل تيمم المسلم بارتداده على قوله لعدم احتياجه إلى النية وهذه كالوضوء في ذلك.
قلت: قال شيخ الإسلام: هذه المسألة من زفر رواية منه أن التيمم لا يصح إلا بالنية، وروي
стр. 440
كالمحرمية في النكاح. ولنا أن الباقي بعد التيمم صفة كونه طاهرا فاعتراض الكفر عليه لا ينافيه كما لو اعترض على الوضوء، وإنما لا يصح من الكافر ابتداء لعدم النية منه، وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء؛ لأنه خلف عنه فأخذ حكمه،
ــ
[البناية]
عنه أنه يصح بغير النية، فعلى هذا لا يبطل على مذهبه بالردة كالوضوء، فكان عنه روايتان أن التيمم من غير نية يتأدى أم لا.
وجواب آخر: أنه تكلم فيه على قول من يرى فيه وجوب النية كما تكلم أبو حنيفة في المزارعة على رأي من يرى صحتها وإن كان هو لا يرى بجوازها.
م: (كالمحرمية في النكاح) ش: بأن كان الزوجان رضيعين وقد زوج كلاً منهما أبوهما ثم أرضعتهما امرأة، أو كانا كبيرين وقد مكنت المرأة ابن زوجها بعد النكاح حيث قال: يرتفع النكاح بينهم بعد الثبوت كما لا ينعقد فيهما ابتداء. والأصل أن كل صفة منافية الحكم يستوي فيها الابتداء والبقاء م: (كالردة والمحرمية في النكاح) ش: والحدث العمد في الصلاة.
فإن قلت: لو سبقه الحدث في الصلاة لا يعيدها فينبغي أن يفسدها؛ لأنها لا تنعقد به ابتداء.
قلت: ذلك مخصوص بالنص وهو قوله ﵇: «من قاء أو رعف في صلاة فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂. م: (ولنا أن الباقي بعد التيمم صفة كونه طاهراً) ش: يعني الباقي بعد التيمم صفة كون المرتد طاهراً بذلك التيمم م: (فاعتراض الكفر عليه) ش: أي على التيمم م: (لا ينافيه) ش: أي لا ينافي كونه طاهراً؛ لأن التيمم عند الكفر لا يكون موجودا حتى بطل لوجود ما ينافيه م: (كما لو اعترض على الوضوء) ش: أي كاعتراض الكفر على الوضوء، فإنه لا يبطله للبقاء فيه فكذا التيمم م: (لأنه) ش: أي لأن التيمم م: (خلف عنه) ش: أي عن الوضوء، ولا شك أن حال الخلف دون حال الأصل، فكان مبطلاً للأعلى فأولى أن يكون مبطلاً للأدنى، بخلاف الصوم والصلاة؛ لأن حكمهما بعد الفراغ عنهما الثواب، وهو لا يجامع الكفر، والتيمم له حكم آخر وراء الثواب وهو الطهارة والكفر يجامعها، فجاز أن ينفي التيمم بعد هذا الحكم، فإن السبب يبقى بعد بقاء أحد الحكمين وإن بطل الآخر، كما في الثواب والطهارة في الوضوء بعد الارتداد.
م: (فأخذ حكمه) ش: أي فأخذ الخلف حكم الأصل، فالخلف هو التيمم والأصل هو الوضوء، وقد ذكرنا أن كون التيمم خلفاً عن الوضوء مذهب محمد ﵀.
فإن قلت: الردة تحبط العمل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة: الآية ٥) ووضوءه وتيممه من عمله، فكيف يبقيان بعد الردة.
قلت: الردة تحبط ثواب العمل، وذلك لا يمنع زوال الحدث كمن توضأ رياء، فإن الحدث يزول
стр. 441
وينقضه أيضا رؤية المادة إذا قدر على استعماله؛ لأن القدرة هي المرادة بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب،
ــ
[البناية]
به وإن كان لا يثاب على عمل الوضوء.
(وإنما لا يصح التيمم من الكافر ابتداء) ش: أي ابتداء الأمر، يعني قبل أن يسلم م: (لعدم النية منه) ش: أي من الكافر، قوله: وإنما لا يصح.. إلخ كأنه جواب سؤال مقدر تقديره أن يقال: أنتم قلتم يبقى تيمم المسلم الذي ارتد، وقلتم: إن اعتراض الكفر لا ينافيه فما له لا يصح منه ابتداء، وتقدير الجواب أن يقال: إنما لا يحص من الكافر ابتداء لانعدام النية، وليس انتهاء كذلك لوجودها، قوله: "لانعدام " مصدر من انعدم، ولكنهم قالوا: أعدمه فانعدم وهو خطأ، فلا يقال ذلك كما لا يقال علمه فانعلم؛ لأن هذا البناء يختص بالفلاح والعدم ليس بفلاح.
[مبطلات التيمم]
م: (وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) ش: النقض عبارة عن خروجه عن حكمه الأصلي، وهو كونه مبيح الصلاة م: (لأنه) ش: أي لأن التيمم م: (خلف عنه) ش: أي عن الوضوء م: (فأخذ حكمه) ش: أي حكم الوضوء في النقض، ولا شك أن الأصل أقوى من الخلف، فما كان ناقضاً للأقوى كان ناقضاً للأضعف بطريق الأولى.
م: (وينقضه) ش: أي ينقض التيمم أيضاً م: (رؤية الماء) ش: الكافي حتى لو كان لم يكفه لا يلزم استعماله عندنا، وهو قول الحسن، والزهري، وحماد، وابن المنذر، وبه قال مالك. وقال الشافعية في أحد قولي الشافعي: أنه يلزم استعماله ويتيمم به للباقي، وبه قال أحمد في الجنابة، وفي الوضوء له وجهان، وإسناد النقض إلى روية الماء إسناد مجازي؛ لأن الناقض في الحقيقة هو الحدث السابق، لكن يظهر عند الرؤية فأضيف إليه مجازاً م: (إذا قدر) ش: أي المتيمم م: (على استعماله) ش: أي على استعمال الماء م: (لأن القدرة هي المرادة بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب) ش: أراد بالوجود هو المذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] وفي قوله ﷺ : «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» ، وإنما سماه غاية من حيث المعنى لا من حيث الصفة؛ لأنه لم يرد فيه كلمة الغاية، أما في الآية فظاهر.
وأما في الحديث فإن قوله ﷺ : «ما لم يجد الماء» ليس غاية للتيمم، حيث لم يقل: إلى وجود الماء، بل فيه بيان مدة التيمم كما في قوله: اجلس ما دمت جالساً، لكن معناهما يتفقان في أن الحكم في ذلك الوقت يخالف ما قبله فسمي باسم الغاية.
وقال الأكمل: بل لا يلزم من انتهاء طهورية التراب انتهاء الطهارة الحاصلة به كالماء، فإنه يصير نجساً بالاستعمال أو تنتهي طهوريته وتبقى الطهارة به.
قلت: هذا القائل هو الخبازي، ذكره في حواشيه، والجواب أن التراب مطهر مؤقت حكماً لا
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
حقيقة، على معنى أنه لا تزول طهوريته بدون شيء يتصل به، فثبتت به الطهارة المؤقتة على صفة التطهير، كالماء لما كان مطهراً حقيقة على معنى أنه لا تزول طهوريته دون شيء يتصل به، فثبتت الطهارة على المائية على أن ما كان ضعيفاً لبقاء ما يشترط لابتدائه وعدم الماء شرط لابتداء التيمم، فكذا لبقائه، هذا جواب الخبازي.
وقال صاحب " الدراية ": وفيه تأمل؛ لأن كون التراب مطهراً مؤقتاً مسلم، لكن الطهارة الحاصلة به مؤقت غير مسلم، وفي زيادات القدرة على الماء تمنع الطهارة بالتيمم ابتداء وبقاء؛ لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكم الخلف.
وقال حافظ الدين في " المستصفى ": العمل بالحديث مشكل؛ لأنه لم يتعرض لانتقاض التيمم السابق، بل فيه بيان أن التيمم لا يجوز بعد رؤية الماء، وجاز أن تكون رؤية الماء منافية للابتداء لا للبقاء، كعدم الشهود في النكاح فإنه يمنع ابتداء النكاح لا البقاء.
تعديل الجواب أن يقول: الطهورية صفة راجعة إلى المحل، فالابتداء والبقاء فيه سواء كالمحرمية في باب النكاح، وهذا الجواب هو الذي ذكره الأكمل عن سؤال الخبازي أخذا من كلام حافظ الدين. وقال صاحب " الدراية ": مع أن هذا بعض الحديث، وتمامه «فإذا وجدت الماء فلتمسه بشرتك» ، وكذا في " المصابيح " و " المبسوط " قيل قوله: «فلتمسه بشرتك» وهذا لفظ " المصابيح " لا يدل على انتقاض الوضوء؛ لأن هذا بطريق الاستحباب، بدليل أنه ﷺ قال في آخره: " فإن ذلك خير ".
قلت: قد ذكرنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والدارقطني من حديث أبي ذر ﵁ ولفظ أبي داود: «الصعيد الطيب وضوء لكم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» . وبهذا اللفظ أخرجه النسائي، وابن حبان.
وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: «الصعيد وضوء لكم وإن لم يجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته فإن ذلك خير» ، ومن أعجب العجائب أن هؤلاء الشراح أئمة كبار، فإذا وقع حديث لا يشبعون الكلام فيه من جهة الترجيح، ومن جهة الألفاظ، ومن جهة الصحة، فغالبهم يحيلونه على كتاب من كتب الفقه، وليس هذا من شأن المحققين.
وقوله قبل: فلتمسه بشرتك ... إلخ كلام غير صحيح؛ لأن قوله ﵇: «وليمسه بشرته» للوجوب لا للاستحباب، فاستدلال هذا القائل على الاستحباب بقوله: " فإن ذلك خير "
стр. 443
وخائف السبع والعدو
والعطش عاجز حكما
ــ
[البناية]
غير صحيح؛ لأنه ليس معناه أن الوضوء والتيمم كلاهما جائزان عند وجود الماء، لكن الوضوء خير، بل المراد به أن الوضوء واجب عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم، وهذا نظير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] (الفرقان: الآية ٢٤) مع أنه لا خير ولا حسن لمستقر أصحاب النار ومقيلهم.
ثم اعلم أن وجود الماء الفاضلة عن حاجة المقدور على استعماله ينقض الوضوء وإن كان في الصلاة عندنا، وإليه ذهب الثوري، وأحمد في مختار قوله، واختاره المزني وبان شريح، ونقله البغوي عن أكثر العلماء. وقال مالك والشافعي: لا ينقض وضوءه ويتم صلاته ولا يعيدها في صلاة السفر، وهو رواية عن أحمد وقول داود، وقيل: يجوز الخروج منها فيه وجهان للشافعي أظهرهما أنه أفضل، والثاني: أنه لا يجوز، وعن بعض أصحابه الخروج منها مكروه. وقال الأوزاعي: تصير صلاته نفلاً.
وفي " الحلية ": لو تيمم لشدة البرد في الحضر وجب عليه الإعادة عند وجود الماء الحار وإن كان في السفر ففي وجوبها قولان. وفي " شرح المجمع " صلى بالتيمم في الحضر لإعواز الماء ففي بطلان صلاته عند الشافعي قولان، أحدهما: لا تبطل صلاته، والثاني: تبطل، وفي " المجتبى ": رأى في صلاته سؤر الحمار لا تبطل صلاته فيتمها ثم يتوضأ به فيعيد، ولو رأى فيها سراباً فظنه ماء فمشى إليه بطلت صلاته، جاوز مكان الصلاة أو لا، ولو رأى ماء فظنه سراباً فصلى ثم علم بعدها يعيدها، ولو رأى فيها رجلاً في يده ماء فأتم صلاته ثم سأله فأعطاه لا يعيدها. وفي " جامع أبي الحسن " رأى فيها رجلاً معه ماء كثير لا يدري أيعطيه أم لا يتم صلاته ثم يسأله، فإن أعطاه أعادها وإلا فلا، وإن أبى ثم أعطي لا يعيد، وكذا العاري لو رأى فيها ثوباًً.
م: (وخائف السبع) ش: كلام إضافي مبتدأ، وهو الحيوان المفترس كالأسد، والنمر، والفهد، والدب، والذئب، ونحوها م: (والعدو) ش: سواء كان مسلماً أو كافراً، أو قاطع طريق أو لصاً، ونحوه الحريق والحية
م: (والعطش) ش: أي وخائف العطش على نفسه أو على رفيقه أو على حيوان معه نحو دابته، ولكبه، وسنوره، وطيره م: (عاجز) ش: مرفوع؛ لأنه خبر المبتدأ، أعني قوله: " وخائف السبع " م: (حكما) ش: أي من حيث الحكم، لا من حيث الحقيقة، لأنه واجد ظاهراً ولكنه عاجز، والقدرة شرط كما مر. وفي " التنجيس " و " فتاوى الولوالجي " رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عنه يعيد. قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة عند زوال ذلك عنه؛ لأن هذا جاء من قبل العباد، فلا يسقط الفرض عنه كالمحبوس إذا صلى بالتراب في الحبس، فإذا خرج يعيد، فكذا هذا.
وفي " شرح الطحاوي ": إذا خاف على نفسه أو ماله يجوز التيمم، وذكر الولوالجي: متيمم
стр. 444
والنائم عند أبي حنيفة ﵀ قادر تقديرا حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه
ــ
[البناية]
مر على الماء في موضع لا يستطيع النزول عنه لخوف على نفسه أو ماله لا ينقض تيممه؛ لأنه غير قادر. وفي " شرح الوجيز ": لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم، ولو احتاج إلى الماء لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم، وفي " المغني " لابن قدامة: أو كان الماء عند جمع فساق فخافت المرأة على نفسها الزنا جاز لها التيمم.
م: (والنائم) ش: مرفوع على الابتداء، والمراد النائم الذي ليس بمضطجع ولا مستند في المحل؛ لأنه إذا كان كذلك ينقض تيممه بالنوم فلا تتأتى هذه المسألة، وكذا المراد النائم سواء كان راكباً أو ماشياً وقدموا على الماء وهو متيمم م: (عند أبي حنيفة قادر تقديراً حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده) ش: أي حكما؛ لأنه واجد للماء ظاهراً، فإذا كان قادراً ينقض تيممه عنده؛ لأنه عاجز عن الاستعمال لعذر جاء من قبله فلا يكون معذوراً، وقيل: ينبغي أن لا ينقض عند الكل؛ لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل. وقال التمرتاشي: في " زيادات الحلواني " في انتقاض تيمم النائم المار بالماء روايتان من غير ذكر اختلاف. وفي " فتاوى قاضي خان ": لا ينتقض تيمم النائم المار على الماء بالاتفاق. وفي " المجتبى " الأصح أنه لا ينتقض تيممه عند الكل.
قلت: فلذلك لم ينبه المصنف على خلافهما؛ لأن المختار في الفتاوى عدم الانتقاض اتفاقاً. وقيل: في ستة وعشرين موضوعاً للنوم حكم اليقظة، هذا المسألة، وصائم نائم على قفاه فوقع المطر في فيه أو قطرت ماء في فيه فوصل إلى جوفه فسد صومه، ونائمة جامعها زوجها فسد صومها. ومحرم كذلك، ومحرم نائم حلق إنسان رأسه فعلية الجزاء، ومحرم نائم انقلب على صيد فقتله كذلك، ونائم مر بعرفات أجزأه. هو قائم وقع صيد عنده كما لو وقع عند يقظان وهو قادر على زكاته. ونائم انقلب على مال فأتلفه يضمن، ونائم وقع على مورثه فقتله على قول البعض أو وقع قائماً فوضعه تحت جدار واه فسقط عليه فمات فلا ضمان، ونائم مكثت امرأته عنده في بيت ساعة صحت خلوته، ونائمة رضع صغير من ثديها ثبتت الحرمة. ونائم في صلاته تكلم فسدت. ونائم قرأ فيها أجزأته. ونائم تلا آية السجدة تلزم صاحبه، ونائم أخبر بالتلاوة عنده يجب عليه السجدة في قول.
وقال شمس الأئمة: يفتي بعدم الوجوب فيها، ونائم يكلم من حلف أنه لا يكلمه ولم يستيقظ حنث في الأصح، ونائمة مسها مطلقها صار مراجعاً، ونائم قبلته بشهوة يثبت حرمة المصاهرة إذا علم بفعلها، ونائم يومين وليلتين يجب القضاء. ونائم احتلم في صلاته وجب الغسل ولا يمكن البناء، ونائمان عقد بينهما يصح على قول، ونائم أخبر أنك تلوت آية السجدة وجب على السامع وعليه السجدة في قول، والأصح أنها لا تجب.
стр. 445
عنده، والمراد ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء،
ــ
[البناية]
م: (والمراد) ش: أي المراد من قوله " وينقضه أيضاً رؤية الماء "، م: (ماء يكفي للوضوء) ش: لأن الذي لا يكفي في حكم العدم، وفي هذه العبارة يجوز وجهان أحدهما: أن يكون كلمة ما في قوله " ما يكفي " موصولة. والمعنى: والمراد الماء الذي يكفي الوضوء.
والثاني: أن يكون التقدير والمراد ماء بالمد والهمزة.
وقوله: " يكفي " في الوجه الأول: صلة وفي الثاني صفة، وقال الأكمل: قوله: والمراد ما يكفي يعني الماء الذي يمر عليه النائم، قلت: تقييده بهذا غير صحيح، بل المراد ما فيه كفاية الوضوء، سواء كان ماراً نائما أو يقظان ماراً أو مقيماً أو مسافراً، سائراً أو نازلاً في موضع، وذلك لأن المصنف بين المراد من قوله: وينقضه أيضاً رؤية الماء الذي في أي حال كان إذا قدر على استعماله، وكان فيه كفاية للوضوء، فظن الأكمل أن قوله: " والمراد ما يكفي " يرجع إلى قوله " والنائم " عند أبي حنفية قادر تقديراً وليس كذلك، بل المراد ما قلنا يشمل الكل.
م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الشأن م: (لا معتبر بما دونه) ش: أي لا اعتبار بما دون ما يكفي للوضوء م: (ابتداء) ش: أي في ابتداء الأمر، أراد أنه إذا أراد أن يصلي فلم يجد ماء يكفي للوضوء يتيمم؛ لأنه لا اعتبار له لذلك م: (فكذا انتهاء) ش: أي فكذا المراد ما يكفي للوضوء في حالة الانتهاء، أراد أنه إذا كان متيمماً فرأي ماء لا يكفي للوضوء فإنه على تيممه؛ لأنه في حكم العدم، وأراد بالانتهاء السبق والبقاء معتبراً بالابتداء، وهذا بناء على الخلاف.
وفي أن المحدث والجنب إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته هل يجب عليه استعماله؟ فالأصح عند الشافعي وجوب استعماله بالتيمم بعده، وهو أقوي الروايتين عن أحمد وداود، وحكاه ابن الصباغ عن عطاء والحسن البصري، ومعمر بن راشد. وفي القول الآخر للشافعي: عدم وجوب الاستعمال وهو مذهبنا، ومذهب مالك والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، والزهري، وحماد. وقال البغوى: وهو قول أكثر العلماء.
ودليل الشافعي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «وما أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم، وقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) ، وهو نكرة في موضع النفي، فيعم الماء اليسير والكثير، كالعاري إذا وجد ثوباً يستر بعض عورته فإنه يلزمه ستر ذلك القدر، وكذا إذا كانت به نجاسة حقيقية يجب استعماله في ذلك القدر، فينبغي أن يجب في النجاسة الحكمية أيضاً.
قلنا: نحن نقول لموجب الآية أيضاً، إذ المراد منه ما يكفي للوضوء، وذلك لأن الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية، وكان قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) أي طهوراً محللاً للصلاة
стр. 446
ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر؛ لأن الطيب أريد به الطاهر في النص، ولأنه آلة التطهير، فلا بد من طهارته في نفسه كالماء،
ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى
ــ
[البناية]
باستعماله في هذه الأعضاء، وبوجود ما لا يكفي للوضوء لم يوجد ما يحلل الصلاة باستعمال هذه الماء لم يثبت شيء من الحل، فإنه موقوف على الكمال، فإن الحكم والعلة غسل جميع الأعضاء، وشيء من الحكم لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة، بخلاف النجاسة الحقيقية وستر العورة؛ لأن المزال أمر حسي فاعتبر الزوال حسا لا حكماً، فثبت بقدر الماء الذي معه والثوب الذي معه، وأما ها هنا فالطهارة حكمية، فلا يثبت شيء من الحكم ببعض العلة؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو الكافي للوضوء أو الغسل، ولأن استعمال قطرة أو قطرتين في الماء في بدن الجنب بعدها عبث، والنكرة وإن كانت تعم في النفي لكن لا يمكن إجراؤه على العموم، إذ وجود ما يحتاج إليه العطش غير مراد، فيراد به أخص الخصوص، ولأنه عجز عن بعض الأصل فيسقط الاعتداد به مع البدل في حالة واحدة، كمن عجز عن بعض الرقبة في الكفارة فصار بمنزلة من لم يستطع شيئاً، وهو الجواب عن قوله ﵇: «فأتوا منه ما استطعتم» ولا يلزم إذا غسل لبعض الأعضاء ثم انصب الماء، ومن اعتدت بحيضة ثم ارتفع حيضها؛ لأن ما تقدم يسقط عندنا ويصير مؤدياً للفرض بالتيمم خاصة، والعدة إن بلغت المرأة الإياس بالشهور خاصة.
م: (ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر؛ لأن الطيب) ش: المذكور في قَوْله تَعَالَى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) م: (أريد به الطاهر في النص) ش: بالإجماع، إذ طهارة التراب شرط عند الأئمة الأربعة، وعن داود: والتراب إذا تغير بالنجاسة لا يجوز التيمم به، وإن لم يتغير جاز، ويجوز التيمم بالتراب المستعمل عندنا، وفي قول للشافعي وظاهر مذهبه لا يجوز، والمستعمل ما يقام في العضو. وقال بعض أصحابه: ما بقي في العضو مستعمل دون ما يتناثر عنه، كذا في " الحلية "، ولو تيمم جماعة بحجر واحد أو لبنة واحدة أو أرض جاز.
فإن قلت: لا يلزم من شرط الطهارة أن يكون المراد من الطيب الطاهر في الآية، لجواز أن تثبت شرطية الطهارة بدليل آخر.
قلت: لو لم ترد بالآية لاقتضى مطلق الآية جواز التيمم بدون طهارة، فكان الدليل الآخر معارضاً لمطلق النص، وذا لا يجوز.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الصعيد م: (آلة التطهير، فلا بد من طهارته في نفسه كالماء) ش: حيث شرط طهارته عند الاستعمال.
م: (ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه) ش: أي والحال أنه يرجو الماء، والمراد بالرجاء غلبة الظن، أي يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت، كذا في " الإيضاح " م: (أن يؤخر الصلاة إلى
стр. 447
آخر الوقت،
ــ
[البناية]
آخر الوقت) ش: كلمة " أن " مصدرية في تأويل: ويستحب تأخير الصلاة لمن يرجو الماء، وفي " الذخيرة " عن محمد: المسافر الذي لا يجد الماء ينتظره إلى آخر الوقت، فإن خاف فوته تيمم. وفي " القدوري ": يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان على طمع ورجاء من وجوده وهو الصحيح، وألا يؤخر عن الوقت المستحب.
وفي " البدائع ": هذا لا يوجب اختلاف الرواية، بل يجعل تفسير الماء ما أطلقه في الأصل، وعن علي ﵁: يتلو إلى آخر الوقت. وقال القدوري: التأخير مستحب لا حتم، وروي عن أبي حنفية، وأبي يوسف: أنه حتم هذا إذا كان الماء بعيداً، وإن كان قريباً لا يتيمم وإن خاف خروج الوقت، قال الفقيه أبو جعفر: أجمع أصحابنا الثلاثة على هذا.
وقيل: إذا كان بينه وبين موضع الماء الذي يرجوه ميل أو أكثر، فإن كان أقل منه لا يجزئه التيمم وإن خاف فوت وقت الصلاة. وفي " الحلية ": فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت ولا على إياس من وجوده، فالأصل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت في أصح القولين، وهو اختيار المزني.
والثاني: التأخير أفضل، وعن أبي حنيفة روايتان كالقولين.
وقال النووي: التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد، وقال مالك: يتيمم المريض والمسافر في وسط الوقت لا يؤخره جداً ولا يعجله، وفي الأصل أحب إلي أن يؤخره ولم يفعل.
ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أول وقته، وقيل: يؤخره إلى ما قبيل غيبوبة الشفق، وعن حماد والشافعي: لا يؤخر، روي أن هذا أول واقعة خالف أبو حنيفة فيها أستاذه حماد بالتيمم في أول الوقت، ووجد أبو حنيفة الماء في آخر الوقت وصلاها، وكان ذلك عن اجتهاده ﵁ وصوابه فيه، وقال الأكمل: قيل: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت أفضل عندنا أيضاً، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة والصلاة بأكمل الطهارتين.
قلت: قائل هذا السغناقي ناقلاً عن شيخه تاج الشريعة، والشيخ عبد العزيز في حواشيهما، وقال الأترازي: قال الشارحون: هذه المسألة تدل إلى آخر ما ذكرناه، ثم قال: أقول هذا سهو من الشارحين، وليس مذهب أصحابنا كذلك، ألا تري ما صرح به صاحب " الهداية " وغيره من المتقدمين في كتبهم بقوله: ويستحب الإسفار بالفجر والإبراد بالظهر في الصيف بتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وأجاب الأكمل بما قاله الأترازي بقوله: ورد بأن هذا ليس مذهب أصحابنا إلى آخره، والعجب من الأكمل كيف رضي بنسبة الأترازي
стр. 448
فإن وجد الماء يتوضأ ويصلي به، وإلا تيمم وصلى ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، فصار كالطامع في الجماعة،
ــ
[البناية]
السهو إلى الشارحين، وأورد في شرحه ما قاله، بل الحق أن السهو منه لا منهم؛ لأنه فهم كلامهم على خلاف مقصودهم.
بيان ذلك: أنه فهم من قولهم بأن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل لغي المترجي بأن المراد بأول الوقت حقيقة كما هو مذهب الشافعي، وهو خلاف المذهب، فلزم من ذلك ما ذكره، لكن ليس هذا بمراد، بل مرادهم بأن العبادات في أول الوقت المستحب المعهود في حقهم المقيم أفضل لغير راجي الماء، يعني التأخير عن أول الوقت المستحب إنما يكون مستحباً لعدم الماء إذا كان راجياً لوجدانه، وإلا فالمستحب الأداء في أول وقت الاستحباب لا التأخير.
والذي يدل على ما ذكرنا ما ذكره في " البدائع " بقوله: وإن لم يكن على طمع لا يؤخر ويتيمم ويصلي في الوقت المستحب، وكذا يدل عليه كلام الشيخ عبد العزيز عن شمس الأئمة في " الإمام "، وهو قوله: فإن كان لا يرجو ذلك لا يؤخر الصلاة عن وقتها المعهود، وأراد بذلك المعهود في حق غيره، وهو أول الوقت المستحب المعهود في المذهب، لا أول الوقت المعهود على مذهب الشافعي، ويدل عليه ما نقله الأترازي المعترض على صاحب " التحفة ": روى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف: الطامع في الماء يؤخر إلى آخر الوقت، وغير الطامع يؤخر إلى آخر الوقت المستحب، فظهر من هذا أن المراد بأول الوقت في هذا الموضع أول الوقت المستحب، وآخر الوقت المستحب، لا كما فهمه الأترازي، فإنه احترز بقوله: العادم الماء عن قول الشافعي لا غير العادم؛ لأن مذهب الشافعي: إن عادم الماء وإن رجى أن يجده في آخر الوقت قدم الصلاة، وهو غير صحيح على ما نص عليه الشافعي في " الإملاء "، فإنه موافق لمذهبنا.
وقال الأكمل: وقوله العادم الماء ليس احترازاً عن غير عادمه، بل هو احتراز عن قول الشافعي، فإن عنده أن عادم الماء آخر ما ذكرناه الآن.
قلت: هذا بعينه كلام الأترازي، وقد بينا فساده الآن.
م: (فإن وجد الماء) ش: " الفاء " فيه للتفصيل، أي: فإن وجد عادم الماء بعد تأخير الصلاة إلى آخر الوقت م: (يتوضأ ويصلي به) ش: وقوله: يتوضأ هذا جواب الشرط، وهو محذوف مقدر، م: (وإلا) ش: أي: وإن لم يجد الماء، م: (تيمم) ش: لأنه عادم الماء حقيقة م: (وصلى) ش: صلاته التي أخرها م: (ليقع الأداء) ش: أي أداء الصلاة التي أخرها إلى آخر الوقت م: (بأكمل الطهارتين) ش: وهو الوضوء، وصيغة أفعل تدل على أن التيمم طهارة كاملة، ولكن الوضوء أكمل منها م: (فصار) ش: هذا الشخص في هذه الحالة م: (كالطامع في الجماعة) ش: أي كالشخص الذي يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت طمعاً في كثرة الجماعة.
стр. 449
وعن أبي حنفية، وأبي يوسف - رحمهما الله - في غير رواية الأصول أن التأخير حتم؛ لأن غالب الرأي كالمتحقق.
ــ
[البناية]
وقال الأكمل: قوله كالطامع في الجماعة ليس احترازاً عن غير الطامع، بل إلزام على الشافعي؛ لأن مذهبه أن التأخير مستحب إذا كان طامعا في الجماعة.
قلت: هذا بعينه كلام الأترازي، وهو ليس بصحيح، بل هو احتراز عن غير الطامع، وليس بإلزام على الشافعي؛ لأن مذهبه المنصوص عليه كمذهبنا على ما ذكرنا، والطامع في الجماعة على قسمين، أحدهما: الطامع المسافر، فإن كان واجداً للماء أو غير راج فإن المستحب فيه أداء الصلاة أول الوقت؛ لأن الأصل هو المسارعة إلى أداء العبادات على ما نطق به التنزيل والرفقة كلهم حاضرون، فلا يثبت التأخير في حقه للأصل، ولهذا يستحب الأداء في أول الوقت في الشتاء لهذا المعنى، ويدل على ما قلنا قول المصنف " ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه " لأن تخصيص الاستحباب به يدل على أن الاستحباب أداء الصلاة أول الوقت للمسافر الواجد ولغير الراجي.
والقسم الثاني: للطامع المقيم، فإن المستحب في حقه تأخيرها للطمع في كثرة الجماعة.
م: (وعن أبي حنيفة وأبي يوسف في غير رواية الأصول) ش: وهي رواية " النوادر " و " الأمالي " و " الرقيات " و " الكيسانيات " و " الهارونيات "، ورواية " الأصول " رواية " الجامعين " و " الزيادات " " والمبسوطات ". قلت: الرقيات جمع رقية نسبة إلى رقية بفتح الراء وتشديد القاف، وهي واسطة ديار ربيعة، وهي مدينة خراب كبيرة مورده على الجانب الغربي من الجانب الشمالي الشرقي.
وقال ابن حوقل: " الرقة " أكبر مدن ديار بكر ويقال لها: الراقية، وقال سعيد: واسمها البيضاء و " الرقيات " مسائل جمعها محمد حين كان قاضياً بالرقية المذكورة. و " الكيسانيات " جمع كيسانية نسبة إلى " كيسان " وكان من أصحاب محمد أبي عمرو، وسليمان بن شعيب الكيساني من قولهم ذكر محمد في " الكيسانيات " أو في " إملاء الكيساني "، وكيسان: أحمد جدار سليمان بن شعيب ونسبته إليها. والهارونيات جمع هارونية.
م: (أن التأخير) ش: أي تأخير الصلاة لعادم الماء الراجي م: (حتم) ش: أي واجب، يعني إذا كان ذلك الموضع بعيداً، نص عليه في " المبسوط "، وفي " المحيط " و " الذخيرة "؛ لأن شرع التيمم لدفع الحرج وصيانة للوقت عن الفوات فإذا تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت فقد أمن من الفوات حقيقة أو ظاهراً، فلا يجزئه التيمم ويجب التأخير، م: (لأن غالب الرأي كالمتحقق) ش: ولهذا وجب العمل بخبر الواحد، والقياس يؤيده، قال الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (الممتحنة: الآية ١٠) علق عدم الرد إليهم بالعلم
стр. 450
وجه الظاهر أن العجز ثابت حقيقة، فلا يزول حكمه إلا بقين مثله
ــ
[البناية]
بكونهن مؤمنات، والعلم بذلك لا يكون إلا لغالب الرأي وهو كالثابت حقيقة، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير عنه مع بعد المسافة، ويجزئه التيمم مع غلبة الظن بوجدان الماء في آخر الوقت أو التيقن.
وأشار إلى وجه الظاهر بقوله م: (وجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن العجز ثابت حقيقة فلا يزول حكمه) ش: أي حكم العجز وهو جواز التيمم م: (إلا بيقين مثله) ش: قيل: هذا ليس بوجه، فإن زوال العجز لا يتوقف على اليقين، ألا ترى أن وجود الماء لو كان مظنوناً بأن كان في العمران، ورأى من بعيد أشجاراً أو سراباً ظنه ماء لا يتيمم، فقد زال عذره بغير تغير.
ونقل الأكمل ها هنا عن الشيخ عبد العزيز إشكالاً ملخصه أن قوله: " لأن غالب الرأي كالمتحقق " يقتضي أن يجب التأخير عند التحقق في آخر الوقت مع بعد المسافة في ظاهر الروايات ليصلح مقيسا عليه، ويمكن إلحاق غالب الرأي وليس كذلك، فإنه ذكر في أول الباب أن من كان خارج المصر يجوز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل أو أكثر، وإن كان أقل لا يجوز، وإن خاف فوت الصلاة، وإن جعل هذا يعني التعليل على أن المراد منه أن التيمم لا يجوز في التحقق في غير رواية " الأصول " فألحق غالب الظن به في هذه الرواية لا يستقيم أيضاً؛ لأنه علل وجه ظاهر الرواية بأن العجز ثابت (حقيقة فلا يزول حكمه إلا بيقين مثله) وذلك يقتضي أن حكم العجز يزول عند اليقين بوجود الماء في ظاهر الرواية، وليس كذلك على ما بينا، وإن حمل على أن هذا فيما إذا كان بينه وبين ذلك الموضع أقل من ميل لا يستقيم أيضاً؛ لأنه لا فرق في تعليل ظاهر الرواية بين غلبة الظن واليقين فيما إذا كانت المسافة أقل من ميل في عدم جواز التيمم، كما أنه لا فرق بينهما إذا كانت المسافة أكثر من ميل في جواز التيمم.
وقد صرح في آخر هذا الباب أنه إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء لا يجزئه التيمم كما لو تيقن بذلك فعلم أنه مشكل. بقي وجه آخر وهو أن يحمل هذا على ما إذا لم يعلم أن المسافة قريبة أو بعيدة، فلو ثبت أنه تيقن بوجود الماء في آخر الوقت فقد أمن من الفوات، ولما لم يثبت بعد المسافة للشك فيه لم يثبت جواز التيمم فيجب التأخير. أما لو غلب على ظنه عدم بعد المسافة، وكذلك عندهما في غير رواية " الأصول "؛ لأن الغالب كالمتحقق، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير؛ لأن العجز ثابت لعدم الماء حقيقة، وحكم هذا العجز وهو جواز التيمم لا يزول إلا بيقين مثله، وهو اليقين في وجود الماء في آخر الوقت، ولم يوجد فلا يجب التأخير، ولكن هذا الوجه لا يخلو عن تمحل، ويلزم عليه أنه فرق ها هنا بين غلبة الظن واليقين في ظاهر الرواية، ولم يفرق بينهما فيما إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء في عدم جواز التيمم، ولا فيما إذا كانت المسافة بعيدة في جواز التيمم كما بينا.
стр. 451
ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، وعند الشافعي ﵀ يتيمم لكل فرض؛ لأنه طهارة ضرورية،
ــ
[البناية]
قال الشيخ: فالأظهر بقاء الإشكال، وقد ذكر هذا كله صاحب " الدراية " أيضاً ناقلاً عن شيخه، والعجب من الشيخ حيث لم يذكر وجه التخلص منه مع كونه من المحققين الكبار، وكذا صاحب " الدراية "، والأكمل ذكر هذا وسكتا عليه، فنقول وبالله التوفيق: نذكر وجهاً ينحل منه هذا الإشكال وهو: أنه يعتبر رجاء الماء وعدم رجائه بأسباب أخر غير بعد المسافة أو قربها، وهو أن يكون في السماء غيم رطب وغلب على ظنه أن يمطر ويقدر على الماء في آخر الوقت، فإنه يستحب له التأخير في ظاهر الرواية، ويجب عليه في غير رواية " الأصول " كما لو تحقق بوجود الماء أو يكون الماء بعيداً لكن أرسل من يسقي له، وغلب على ظنه حضور من أرسله للماء في آخر الوقت بأمارات ظهرت له، أو كان الماء في بئر ولم تكن له آله الاستسقاء من الدلو والحبل، لكن غلب على ظنه وجدانه في آخر الوقت، أو كان الماء بقرب منه ولم يعلم مكانه وجود ثمن يشتري به الماء، وعنده ما يعد للعطش وغلب على ظنه وجود ماء آخر غير مشغول بالحاجة الأصلية، أو كان الماء عند اللصوص أو السباع أو الأفاعي أو الحيات أو من يخاف منه على نفسه أو ماله، وغلب على ظنه زوال المانع آخر الوقت، وقس على هذا أسباب أخر.
والمصنف ﵀ لم يقيد الرجاء وعدمه ببعد المسافة أو قربها، بل أطلق فوجب حمله على وجه لا يرد عليه الإشكال، وليس في كلامه إشعار بما قيد الشيخ حتى يرد عليه من الإشكال ما لا مخلص له.
[ما يباح بالتيمم]
م: (ويصلي) ش: أي المتيمم الذي يريد الصلاة م: (بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل) ش: وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والحسن البصري عنه على ما ذكره النووي عنه، وداود والمزني وقول الروياني وهو الاختيار. وقال شريك ببن عبد الله: يتيمم لكل صلاة فريضة ونافلة. وقال مالك: لكن فريضة، ومذهبه مضطرب فيه، فإنه لو صلى فرضين روى ابن القاسم أنه يعيد الثانية ما دام في الوقت، فدل على صحتها. قال أبو الفرج من أصحابه: إن من قضى صلوات كثيرة بتيمم واحد فلا شيء عليه، وذلك جائز، فقد تناقض مذهبه أن قد تركوه فجعلوا ذلك مذهباً لهم. م: (وعند الشافعي يتيمم لكل فرض) ش: أي لكل فرض مع ما شاء من النوافل، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور، واختلف أصحاب الشافعي في الجمع بين الفوائت بتيمم واحد، وبقول الشافعي قال علي، وابن عمر، والشعبي، وقتادة، وربيعة الأنصاري وإسحاق م: (لأنه) ش: أي؛ لأن التيمم م: (طهارة ضرورية) ش: لأن جعل حالة الضرورة بالعجز عن الماء، إذ التراب يلوث في نفسه، ولهذا يعود حكم الحدث السابق إذا رأى الماء فلم يرتفع الحدث السابق، إذ لو ارتفع لا يعود إلا بحدث جديد، ولكن أبيحت الصلاة للضرورة، فإذا صلى الفرض
стр. 452
ولنا أنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما بقي شرطه
ــ
[البناية]
انتفت الضرورة.
وقال الأترازي: ثم نقول للشافعي: هل انتقض تيممه بعد أداء فرضه أم لا، فإن قال: انتقض فليقل لا يصلي نفلاً بعد ذلك؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة وهو خلاف مذهبه، وإن قال: لم ينقض فليقل يصلي فرضاً آخر كما يصلي نقلاً؛ لأن الطهارة تعتبر كما كانت، ولم يوجد الحدث ولا الماء حتى يبطل تيممه. ولئن قال: لا يجوز الجمع بين الفرضين لأنه طهارة ضرورية كما في طهارة المستحاضة فنقول: لا نسلم أن المستحاضة لا يجوز لها أن تجمع بين فرضين، ولا نسلم أن هذا القياس صحيح أصلاً؛ لأن طهارة المستحاضة في غاية الضعف لمقاربة الحدث لها، والتيمم لم يقارنه الحدث، وقياس ما جعلت طهارة بدون المنافاة على ما جعل طهارة مع المنافاة.
فائدة: واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: من السنة أن لا يصلي بالتيمم أكثر من صلاة واحدة، وبما رواه البيهقي من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: يتيمم لكل صلاة.
م: (ولنا أنه) ش: أي التراب م: (طهور حال عدم الماء) ش: بالنص وهو قوله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد مر بيانه مستوفى. وقال النووي: التراب عندنا يطهر وإن لم يرفع الحدث، وهذا لا معنى له؛ لأن المطهر المثبت للطهارة، وبقاء الحدث مع ثبوت الطهارة متنافيان، والأصل فيه أن التيمم عندنا رافع، وعنده مبيح، وبه قال أبو بكر الرازي، وقد مر الكلام فيه.
م: (فيعمل عمله) ش: أي فيعمل التراب عمل الماء م: (ما بقي شرطه) ش: أي شرط التراب في كون التراب طهوراً، والمراد بالشرط عدم الماء وعدم الحدث، وتوضيحه أن التراب بدل عن الماء بالنص، فثبت له حكم يكون للماء، وحكمه أنه يثبت به طهارة مطلقة غير ضرورية، فكذا حكم بدله، لا يقال هذه العبارة تقتضي أن يكون وجود الشرط مستلزماً لوجود المشروط وهو غير صحيح؛ لأنا نقول بصحة ذلك عند مساواتهما، فإن كل واحد من عدم الماء، وجواز التيمم مساو للآخر بلا محالة، فجاز أن يستلزمه، وعلى الأصل المذكور قال أصحابنا: يجوز التيمم للفرض قبل دخول وقته كالنافلة وافقنا الليث، وأهل الظاهر، وابن شعبان من المالكية، والمزني من أصحاب الشافعي. وقال ابن رشد المالكي في " القواعد ": اشتراط دخول الوقت للتيمم ضعيف، فإن التأقيت في العبادات لا يجوز إلا بالسمع، ويلزم من ذلك أن لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت.
وفي " المغني " عن أحمد: القياس أن التيمم كالوضوء حتى يجد الماء أو يحدث، قال: فعلى
стр. 453
ويتيمم الصحيح في المصر
ــ
[البناية]
هذا يجوز قبل الوقت. وقال الشافعي: لا يجوز تقديمه على الوقت؛ لأنه مستغنى عنه. وقال النووي: ولأنه طهارة ضرورية فلا يجوز قبل الوقت كطهارة المستحاضة. قال: وهم وافقونا عليه. وقال أبو سعيد الإصطخري: لا نناظر الحنفية في جواز تقديم التيمم على الوقت، فإنهم خرقوا الإجماع فيه. وقال إمام الحرمين: يثبت جوازه بعد الوقت، فمن جوزه قبله فقد حاول إثبات التيمم المستثنى عن القاعدة بالقياس، وليس ما قبله في معنى ما بعده، ولأن القياس إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها.
والجواب عن ذلك كله: أما احتجاج الشافعي بما رواه الدارقطني عن ابن عباس فإن في إسناده الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ورواه عنه ابن يحيى الحماني وهو متروك، مع أن السنة لا تمنع الجواز وهو متروك الظاهر، فإن الشافعية يجوزون أكثر من صلاة واحدة من النوافل مع الفرض وليس في حديثهم ذلك.
وأما احتجاجه بما رواه البيهقي من أثر ابن عمر ففي إسناده عامر الأحول عن نافع وعامر ضعفه أحمد، وفي سماعه عن نافع نظر، وقال ابن حزم: الرواية فيه عن ابن عمر لا تصح.
وأما قوله: لأنه يستغنى عنه، فإنه ممنوع، فإن الحاجة ماسة إلى تقديمه على الوقت ليشتغل أول الوقت بأداء الفرائض والسنن الراتبة قبلها.
وأما قول النووي: وهم وافقونا عليها أي على طهارة المستحاضة، وكذا قال ابن قدامة، فإنه غلط منهما، فإن طهارة المستحاضة تصح قبل الوقت عند أبي حنيفة ومحمد، حتى إن المستحاضة لو توضأت حين طلعت الشمس يجوز لها أن تصلي به ما شاءت من الفرائض والنوافل حتى يذهب وقت الظهر، وإنما ينتقض بخروج الوقت للاستغناء عنه، وكذا أصحاب الأعذار.
وأما قول الإصطخري فإنه باطل؛ لأن جماعة من أهل العلم قالوا بقولنا وقد ذكرناهم عن قريب.
وقول إمام الحرمين فإنه وهم لا شك فيه، فإن من أثبت جوازه قبل الوقت وبعده أثبته بالنصوص الواردة في التيمم لا بالقياس، فإنها لم تفصل بين وقت ووقت، والمطلق يجري على إطلاقه.
وقال ابن الحداد من الشافعية: لو تيمم لفائتة ضحوة النهار فلم يؤد حتى زالت الشمس جاز أداء الظهر به، فقد جوز تقديمه على الوقت.
[التيمم لصلاة الجنازة والعيدين ونحوها]
م: (ويتيمم الصحيح في المصر) ش: وغيره لصلاة الجنازة وغيرها، ولياً كان أو غير ولي لعدم
стр. 454
إذا حضرت جنازة والولي غيره، فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة؛ لأنها لا تقضى فيتحقق العجز،
وكذا من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن يفوته العيد يتيمم؛ لأنها لا تعاد. وقوله: والولي غيره إشارة إلى أنه لا يجوز للولي، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وهو الصحيح؛
ــ
[البناية]
الماء فيها غالباً
م (إذا حضرت جنازة) ش: قيد بها؛ لأن الوجوب بحضورها م: (والولي غيره) ش: والحال أن الولي غير الصحيح الذي تيمم، قيد به لأن المتيمم إذا كان وليا لا يجوز له التيمم؛ لأنه ينتظر. وفي " المحيط ": لا يجوز للسلطان أيضاً؛ لأنه ينتظر م: (فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة) ش: قيد به؛ لأنه إذا لم تخف الفوت لا يجوز له التيمم، فكلمة " أن " من الأولى مكسورة والثانية مفتوحة؛ لأنها مصدرية في محل النصب على أنها مفعول خاف.
م: (لأنها) ش: أي؛ لأن الصلاة على الجنازة م: (إذا فاتت لا تقضى فيتحقق العجز) ش: أي عن الأداء، وبقولنا قال الزهري، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، ورواية عن أحمد.
وقال الشافعي ومالك: لا يجوز التيمم لصلاة العيد، والجنازة مع القدرة على الماء لخوف فوتهما، ومبنى هذا على الخلاف على صلاة الجنازة هل تقضى أم لا، فعنده لا تقضى إلا إلى بدل، فلا يتحقق العجز، وعندنا تفوت فيتحقق العجز.
م: (وكذلك من حضر العيد) ش: أي كحكم من حضر الجنازة بالتيمم عند خوف الفوات حكم من حضر صلاة العيد م: فخاف إن اشتغل بالطهارة أن يفوته العيد) ش: أي صلاة العيد م: (يتيمم لأنها) ش: أي؛ لأن صلاة العيد م: (لا تعاد) ش: لأنها تفوت لا إلى خلف. وقال النووي: قاس الشافعي صلاة الجنازة والعيد على الجمعة وقال: تفوت الجمعة بخروج الوقت بالإجماع، والجنازة لا تفوت، بل تصلى على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، ويجوز بعدها عندنا، قلنا: فوات الجمعة إلى شيء هو أصل، وهو الظهر، بخلاف صلاة الجنازة والعيد، فإنهما يفوتان لا إلى خلف.
وقوله: الجنازة لا تفوت، بل تصلى على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، صادر عن عدم تحقق موضع الخلاف، بيانه أنا قلنا: لو تيمم هذا الشخص فصلى عليها غيره فتفوته الصلاة عليها في حقه، والصلاة لا تعاد عندنا، فلا ينال أجر الصلاة على الميت، إذ الفرض قد سقط بالأولى، والنفل فيها غير مشروع.
م: (وقوله) ش: أي قول القدوري في مختصره م: (والولي غيره) ش: إشارة إلى أنه م: (لا يجوز للولي) ش: لأنه ينتظر كما ذكرنا م: (وهو) ش: أي عدم الجواز للولي م: (رواية الحسن عن أبي حنيفة وهو الصحيح) ش: أي عدم جواز التيمم للولي هو الصحيح. وفي " المجتبى ": وكذا الولي والإمام؛ لأنه ينتظر بها.
стр. 455
لأن للولي حق الإعادة فلا فوات في حقه.
وإن أحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد تيمم، وبنى عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا يتيمم؛ لأن اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام فلا يخاف الفوت، وله أن الخوف باق؛ لأنه يوم زحمة فيعتريه عارض يفسد عليه صلاته،
ــ
[البناية]
م: (لأن للولي حق الإعادة) ش: أي إعادة الصلاة على الميت إذا صلى غيره م: (فلا فوات في حقه) ش: أي في حق الولي. وفي ظاهر الرواية يجوز للولي أيضاً لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا جاءت الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم» . رواه ابن عدي في " الكامل " ثم قال: هذا مرفوع غير محفوظ، بل هو موقوف. وفي " التحقيق " قال أحمد في " مسنده ": فعبره بابن زياد وهو ضعيف، وكذا قال البيهقي في " المعرفة " مغيرة ضعيف ويرويه غيره عن عطاء موقوفاً.
قلت: رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " بسنده عن ابن عباس قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصل، ورواه الطحاوي في " الإرشاد " والنسائي عن المعافى بن عمران به موقوفاً، وخرج ابن أبي شيبة نحوه عن عكرمة، وعن إبراهيم النخعى عن الحسن، وأخرج عن الشعبي فقال: " فصل عيها على غير وضوء ".
وروى البيهقي من طريق الدارقطني أن ابن عمر ﵄ أتي بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم وصلى عليها، والحديث إذا كثرت طرقه وتعاضدت قويت فلا يضره الوقف، فإن الصحابة ﵃ كانوا يقفون بالحديث تارة فلا يرفعونه، وتارة يرفعونه فلا يقفونه.
م: (وإن أحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد تيمم وبنى عند أبي حنيفة ﵁) ش: هذا بعد شروعه بالوضوء، ولو كان شروعه بالتيمم تيمم للبناء اتفاقاً، وفي " البدائع " إن كان يدرك بعضها مع الإمام لا يتيمم، هذا عند الشروع في أول الصلاة وبعد الحدث فيها إن كان لا يخاف زوال الشمس ويمكنه أن يدرك شيئاً منها مع الإمام لو توضأ لا يتيمم؛ لأنه إذا أرك البعض معه تيمم الباقي وحده، ولو كان لا يدرك شيئاً منهما مع الإمام تيمم عنده.
م: (وقالا: لا يتيمم؛ لأن اللاحق) ش: وهو الذي أدرك الإمام في الأول قام ثم أشبه بعد فراغ الإمام فإنه م: (يصلي بعد فراغ الإمام) ش: من صلاته م: (فلا يخاف الفوات) ش: لأنه في حكم الصلاة بالجماعة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الخوف) ش: أي خوف الفوات م: (باق لأنه) ش: أي؛ لأن يوم العيد م: (يوم زحمة) ش: أي ازدحام الناس (فيعتريه عارض) ش: مثل أن يسلم عليه أحد فيرد السلام، أو يهنئه بالعيد، أو ما أشبه ذلك، فلا يسلم عما م: (يفسد عليه صلاته) ش: فيتيمم.
стр. 456
والخلاف فيما إذا شرع بالوضوء، ولو شرع بالتيمم تيمم وبنى بالاتفاق؛ لأنا أوجبنا عليه الوضوء يكون واجدا للماء في صلاته فتفسد صلاته.
ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت لو توضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر أربعا،
ــ
[البناية]
م: (والخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (فيما إذا شرع بالوضوء) ش: يعني إذا شرع في صلاة العيد مع الإمام وهو متوضئ فعنده يتمم ويبني خلافاً لهما كما ذكرنا.
م: (ولو شرع بالتيمم) ش: أي ولو شرع في صلاة العيد مع الإمام وهو متيمم م: (تيمم وبنى بالاتفاق؛ لأنا لو أوجبنا عليه الوضوء يكون واجداً للماء في صلاته فتفسد صلاته) ش: المتيمم وجد الماء في خلال صلاته فإنه يستأنف الصلاة. وقال الأكمل: قيل: هذا اختيار بعض المتأخرين، ومنهم من قال: يتوضأ ويبني لقدرته على الماء والأداء.
قلت: قائله صاحب " الفوائد الظهيرية "، فإنه قال: فإن كان شروعه بالتيمم فسبقه الحدث تيمم وبنى عند أبي حنفية بلا إشكال. وأما على قولهما: فاختلف المتأخرون، قال بعضهم: تيمم وبنى كما هو قول أبي حنيفة، وقال بعضهم: لا، بل يتوضأ ويبني، وفرق بين هذا وبين متيمم يجد الماء في خلال الصلاة، فإن التيمم ينتقض هناك بصفة الاستناد إلى ابتداء وجود الحدث، عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثاً بالحدث السابق، إذ الإصابة ليست بحدث، وفيما نحن فيه لم ينتقض التيمم عند إصابة الماء لصفة الاستناد، بل بالحدث الطارئ على التيمم.
[التيمم لصلاة الجمعة]
م: (ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت لو توضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها) ش: الفاء للتفصيل، يعني إذا توضأ بعدما سبقه الحدث وهو في الجمعة، فإن أدرك الجمعة صلاها م: (وإلا) ش: وإن لم يدرك الجمعة م: (صلى الظهر في الوقت) ش: أي وقت الظهر، وفي بعض النسخ: صلى الظهر أربعاً، قاله الأكمل. قيل: هو تأكيد وقطع لإرادة الجمعة بالظهر مجازاً لكونها خلفه.
قلت: قائله الأترازي: وأخذه الأترازي من " الكافي " قال فيه: وإنما يكون أربعاً؛ لأن الجمعة تسمى ظهراً باعتبار أنها خلف عن الظهر عندنا، فقال: أربعاً قطعا لذلك المجاز، وقال صاحب " الدراية ": إنما قال: أربعاً، كيلا يظن أنه يكفيه ركعتان قضاء الجمعة، أخذه صاحب " الدراية " من " البدرية ".
فإن قلت: قوله: فإن " أدرك الجمعة صلاها " ينفي هذا الاحتمال.
قلت: قوله: إن " أرك الجمعة "، أي الجمعة التي مع الإمام لا يبقى أن يصليها بدون الإمام إن لم يدرك الجمعة، فيكون احتمال إطلاق اسم الظهر عليها باقياً، ولكن على وجه الانفراد، وذكر الإمام التمرتاشي التيمم لصلاة العيد قبل الشروع فيها لا يجوز للإمام؛ لأنه ينتظر. وأما المقتدي
стр. 457
لأنها تفوت إلى خلف وهو الظهر بخلاف العيد، وكذا إذا خاف فوت الوقت لو توضأ لم يتيمم ويتوضأ ويقضي ما فاته؛ لأن الفوات إلى الخلف وهو القضاء.
ــ
[البناية]
فإن كان الماء قريباً لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم تيمم وبنى، وإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما.
وفي " المحيط " إن أحدث المؤتم في صلاة العيد في الجبانة فإن كان قبل الشروع ويرجو إدراك شيء مع الإمام لو توضأ لا يتيمم وإلا فتيمم، وإن كان الحدث بعد الشروع وهو متيمم تيمم وبنى بلا خلاف، وإن كان بالوضوء وخاف زوال الشمس لو توضأ تيمم بالإجماع، وإلا فإن كان يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يتيمم بالإجماع. وإلا تيمم وبنى عند أبي حنيفة، وقالا: يتوضأ ولا يتيمم، فمن المشايخ من قال هذا اختلاف عصر وزمان أبي حنيفة كانت الجبانة بعيدة من الكوفة، وفي زمنهما كانوا يصلون في جبانة قريبة. وكان شمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي يقولان في ديارنا: لا يجوز التيمم لصلاة العيد لا ابتداء ولا بقاء؛ لأن الماء محيط لمصلي العيد، فلا يخاف الفوت حتى لو خاف تيمم، ومنهم من قال: هذا اختلاف حجة وبرهان، قال أبو بكر الإسكاف: هذه المسألة بناء على أن من شرع في صلاة العيد ثم أفسدها لا قضاء عليه عند أبي حنيفة، فكان تفوته الصلاة لا إلى بدل فكذلك جاز التيمم.
وعندهما: يلزمه القضاء، فلا تفوته لا إلى بدل فلا يجوز التيمم، وقبل الشروع إذا فاته الأداء لا يمكنه القضاء بالإجماع، فكان الفوات إلى بدل، فلا يجوز التيمم، وغيره من المشايخ جعل هذا اختلافاً مبتدأ.
م: (لأنها) ش: أي؛ لأن الجمعة م: (تفوت إلى خلف وهو) ش: أي الخلف عن الجمعة م: ش (الظهر) ش: اختلف المشايخ في فرض الوقت، فقيل فرض الوقت الجمعة، والظهر خلف عنها، وهو المروي عن زفر ﵀. وقيل: الفرض أحدهما، وراية عن محمد، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف فرض الوقت الظهر، لكنه مأمور بإسقاطه بالجمعة، وفكان قول المصنف وهو الظهر إشارة إلى القول الأول، وعلى المذهب المختار الظهر أصل لا خلف، ولكنه تصور بصورة الخلف باعتبار أن المأمور في هذا يوم الجمعة، ولهذا سقط بالأعذار وهو يقوم مقامها عند فوتها.
م: (بخلاف العيد) ش: أي بخلاف صلاة العيد فإنها تفوت لا إلى خلف، بحيث لا تقضى فيتيمم عند خوف الفوت م: (وكذا إذا خاف فوت الوقت) ش: أي وكذا لا يتيمم إذا خاف فوت وقت صلاة من المكتوبات؛ لأنها تقضى م: (لو توضأ) ش: أي لو اشتغل بالوضوء لما عرف أن التيمم شرع رخصة لدفع حرج كثرة الفوات، لا لخوف فوت الوقت م: (لم يتيمم ويتوضأ ويقضي ما فاته) ش: لأن الفوات إلى الخلف م: (وهو القضاء) ش: لأن الفوات إلى خلف [ ... ] فوات. وقال
стр. 458
والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء لم يعدها عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -
ــ
[البناية]
الأكمل: لا يقال هذا وقع مكررا لما أن هذا الحكم عرف في أول الباب من قوله: والمعتبر المسافة دون فوت الوقت؛ لأن ذلك كان قول صاحب " الهداية "، وهذا قول القدوري.
قلت: قال الأترازي: هذا وقع تكراراً من صاحب " الهداية " فأخذه الأكمل ونقله بهذه الصورة، وأجاب الأترازي عن هذا بجوابين:
أحدهما: أخذه الأكمل، وهو الذي قاله ورضي به.
والثاني: نظر فيه وهو قوله: وقيل؛ لأنه علل بتعليل غير التعليل السابق ولا وجه لقوله: وفيه نظر؛ لأن الفرق بين التعليلين ظاهر.
فإن قلت: فضيلة الجمعة وفضيلة الوقت تفوت لا إلى خلف، فينبغي أن تيممه له كصلاة الجنازة والعيدين، ولهذا جوز للمسافر التيمم لخوف فوت الوقت، ولهذا جازت صلاة الخوف مع ترك التوجه إلى القبلة وراكباً بالإيماء. قلت: فضيلة الوقت والأداء وصف المؤدى تابع له غير مقصودة لذاتها، بخلاف صلاة الجنازة والعيدين، فإنهما أصل، فيكون فواتهما أصل مقصودة، وجوازه للمسافر بالنص، لا لخوف الوقت؛ لئلا يتضاعف عليه الفوت ويقع في الحرج في القضاء، وكذا صلاة الخوف للخوف دون خوف الوقت.
م: (والمسافر إذا نسي الماء في رحله) ش: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال الأزهري: رحل الرجل منزله من حجر أو مدر وشعر ودير قالوا: ويقع أيضاً على متاعه وأثاثه، ومنه قول الشاعر:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
وفي " المغرب " يقال: المنزل للأفاقي وماؤه رحل وجمعه أرحل ورحال، ومنه: نسي الماء في رحله.
فإن قلت: لم قيد بالمسافر والحكم فيه، وفي خارج المصر سواء، ولهذا قال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير " بأن المسافر وغيره سواء استدلالاً بعدم ذكر المسافر رجل في رحله ماء نسيه فتيمم وصلى ثم ذكر في الوقت فقد تمت صلاته. وقال السغناقي. قيد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز بالإجماع يعيد الصلاة.
م: (فتيمم وصلى ثم ذكر الماء لم يعدها) ش: أي الصلاة التي صلاها بالتيمم م: (عند أبي حنيفة ومحمد) ش: وبه قال الثوري، وأبو ثور، وداود، والشافعي في القديم، ومالك في رواية،
стр. 459
وقال أبو يوسف ﵀: يعيدها، والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره
ــ
[البناية]
وتوقف أحمد فيه.
م: (وقال أبو يوسف: يعيدها) ش: أي الصلاة، وبه قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية م: (والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره) ش: أي الخلاف المذكور فيما إذا وضع الماء في رحله بنفسه أو وضعه غيره بأمره أي بأمر صاحب الرحل أو بغير أمره، أو وضعه غيره بغير أمره بلا علم منه.
وقال الأترازي: قال بعض الشارحين: قيد بقوله: " أو وضعه غيره بأمره " فإنه لو وضعه غيره وهو لا يعلم به يجزئه بالإجماع؛ لأن المرء قط لا يخاطب بفعل الغير. أقول: دعوى الإجماع ليست بصحيحة، ألا ترى ما أورد فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير " قال في كتاب الصلاة: في مسافر تيمم وفي رحله ماء وهو لا يعلم به، والذي لا يعلم به إن وضعه غيره في الرحل بغير علمه، قال: ومسألة هذا الكتاب أي " الجامع الصغير " فيما إذا وضع الماء في الرحل بنفسه أو غيره بأمره ثم نسيه، ثم قال: فثبت أن الخلاف في الفصلين واحد، وكذا أن سائر نسخ " الجامع الصغير " فعلم أن دعوى الإجماع هو أشهر كلامه.
قلت: أراد بقوله: قال بعض الشارحين السغناقي، فإنه قال في شرحه: قيل بقوله أو وضعه غيره بأمره، فإنه لو وضعه غيره بغير علم اتفاقاً. وقال في " الينابيع ": والمسألة على الخلاف، وذكر المراغي أن المسألة على ثلاثة أوجه، أما إن وضعه بنفسه ولم يطلبه، أو وضعه خلافه أو جيرانه وهو لا يعلم، أو وضعه بنفسه ولكنه نسي، ففي الأول لم يجزئه التيمم بالإجماع؛ لأن التقصير جاء من قبله، وفي الثاني: يجوز بالإجماع، وفي الثالث: خلاف، وعن محمد في غير رواية " الأصول " أن الفصول الثلاثة على الاختلاف، ولو كان الإناء معلقاً على إكاف، فإن كان راكبا والماء في مؤخرة الرحل يجزئه عندهما، وإن كان ماشياً، فإن كان الماء في مقدم الرحل يجزئه عندهما، وإن كان في مؤخره لا يجزئه بالإجماع، وإن كان قائداً يجزئه كيف ما كان، ولو كان في إناء على ظهره أو معلقاً في عنقه، أو موضوعاً بين يديه لا يجزئه بالإجماع.
ولو كان على شاطئ النهر فعن أبي يوسف في الإعادة روايتان، ولو مر بالماء وهو متيمم لكنه نسي أنه تيمم ينتقض تيممه، ولو ضرب الفسطاط على رأس النهر فقد غطى رأسها لم يعلم بالماء فتيمم وصلى ثم علم بالماء أمر بالإعادة، ولو وجد بئرا في الطريق فيها ماء وهو لا يستطيع أخذه منها ولا يجد ماء غيره تيمم، ولو كان معه منديل طاهر لا يجزئه التيمم به.
وهذا قول يوافق بما ذكره الشافعية، وهو أنه لو وجد بئراً فيها ماء لا يمكنه النزول إليه وليس معه ما يدليه إلا ثوبه أو عمامته لزمه إدلاؤه ثم يعصره إن لم ينقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء،
стр. 460
وذكره في الوقت وبعده سواء. له أنه واجد للماء فصار كما إذا كان في رحله ثوب فنسيه، ولأن رحل المسافر معدن للماء عادة فيفترض الطلب عليه، ولهما: أنه لا قدرة بدون العلم وهو المراد بالوجود،
ــ
[البناية]
فإن زاد النقص على ثمن الماء يتيمم ولا إعادة، وإن قدر على استئجارها ينزل إليها بأجر المثل لزمه ولم يجز التيمم، وإلا جاز بلا إعادة.
ولو كان معه ثوب إن شقه نصفين وصل الماء، وإلا لم يصل، فإن كان نقصه بالشق لا يزد على الأكثر من ثمن الماء أو ثمن آلة الاستيقاء لزمه شقه ولم يجز التيمم، وإلا جاز بلا إعادة، وهذا موافق لقواعدنا.
م: (وذكره في الوقت وبعده سواء) ش: أي ذكر المتيمم الماء في وقت الصلاة أو بعد وقتها سواء، وهذا من تتمة قول أبي يوسف، ولو ظن أن ماءه قد فني ثم تبين أنه لم يفن عليه الإعادة - اتفاقاً - به.
م: (له) ش: أي لأبي يوسف م: (أنه) ش: أي أن المتيمم م: (واجد للماء) ش: لأنه في رحله، ورحله في يده، والنسيان لا يعادل الوجوه من قبله م: (فصار) ش: أي حكم الشخص المذكور م: (كما إذا كان في رحله ثوب فنسيه) ش: فصلى عاريا فإنه يعيد ما صلى، وكذا الرجل لو صلى في ثوب نجس وفي رحله ثوب طاهر قد نسيه، أو صلى مع النجاسة ونسي ما يزيلها، أو محدثا نسي غسل بعض الأعضاء أو ستر العورة، أو صلى مع النجاسة ناسياً، تجب الإعادة، أو حكم بالقياس ونسي النص، أو كفر بالصوم وفي ملكه رقبة نسيها، أو كان الماء في ركوة معلقة على رأسه أو قربة على ظهره، أو كانت معلقة بعنقه قد نسيه.
م: (ولأن رحل المسافر) ش: دليل آخر، أي: ولأن منزلة المسافة م: (معدن للماء عادة فيفترض الطلب عليه) ش: لأن كل ما كان معدنا كالماء عادة يفترض على المتيمم طلب الماء فيه كما [لو] كان في العمران، فإنه يفترض عليه طلب الماء لكونه في معدنه، فإن لم يطلب وتيمم لم تجز، فصار كمن جاء قوماً ولم ير عندهم ماء فتيمم قبل طلبه منهم ثم علم بأنه قد كان.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (أنه) ش: أن الشأن م: (لا قدرة بدون العلم) ش: فلا يكون واجداً، والنص شرط عدم الوجود وهو القدرة أشار إليه بقوله: م: (وهو المراد بالوجود) ش: أي القدرة هي التي أريدت بالوجود في القرآن والحديث؛ لأنه لم يرد بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [المائدة: ٦] عدم الماء حقيقة، وإنما المراد به لم تقدروا على استعمال الماء فتيمموا، إلا ترى أن المريض يتيمم مع وجود الماء حقيقة؛ لأنه غير قادر على استعماله.
فإن قلت: كيف لا قدرة بدون العلم، والمكفر بالصوم إذا نسي الرقبة في ملكه لا يجزئه
следующие страницы →