Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وكذا محمد في تجويز الزيادة، وأبو يوسف أخذ في الأصل بالأثر، وفي هذا بالقياس وفي هذه المسألة قياس آخر، وإليه مال زفر، وهو أنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط، واشتراط الصحيح منها فيه مفسد للعقد، فاشتراط الفاسد أولى، ووجه الاستحسان ما بينا.
ــ
[البناية]
(وكذا محمد) ش: أي وكذا مر محمد على أصله م: (في تجويز الزيادة) ش: في الأصل والملحق به؛ لأن عنده يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام إذا كانت المدة معلومة فكذا ما كان في معناه.
م: (وأبو يوسف أخذ في الأصل بالأثر) ش: أي أخذ في ثلاثة أيام في قوله: إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا بالأثر، أي بما روي عن ابن عمر ﵄ نقله الفقيه أبو الليث في " شرح الجامع الصغير " عن محمد بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان مولى ابن البرصاء، قال: متى بعت من عبد الله بن عمر جارية على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا، فأجاز ابن عمر هذا البيع، ولم يرد عن أحد من نظرائه خلافه.
م: (وفي هذا بالقياس) ش: أي أخذ في الزائد على ثلاثة أيام في خيار النقد بالقياس، يعني النص مقيد بالثلاث في خيار النقد. وما ورد النص في خيار النقد في الزيادة، وقال الأترازي: أبو يوسف مر على أصله أيضا على قوله المرجوع إليه، ولكنه فرق، وهو بين هذا وبين شرط الخيار على قوله الأول، حيث جوز الزيادة على الثلاثة في شرط الخيار. ولم يجوز هاهنا؛ لأنه اتبع أثر ابن عمر وهو الذي ذكرناه، ولم يتجاوز حد الأثر، وفيما زاد على ذلك أخذ بالقياس؛ لأن القياس أن لا يصح هذا البيع أصلا كما قال زفر: لأنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة، وهي إقالة معلقة بالشرط، والبيع بشرط الإقالة الصحيحة باطل فبشرط الإقالة الفاسدة أولى.
م: (وفي هذه المسألة) ش: المذكورة م: (قياس آخر، وإليه) ش: أي وإلى هذا القياس م: (مال زفر وهو) ش: أي هذا القياس م: (أنه بيع شرط فيه) ش: أي في البيع م: (إقالة فاسدة لتعلقها) ش: أي لتعلق الإقالة م: (بالشرط) ش: وهو عدم النقد م: (واشتراط الصحيح منها) ش: أي من الإقالة بأن قال: بعتك هذا بشرط أن يقبل البيع م: (فيه مفسد للعقد فاشتراط الفاسد) ش: وهو تعليق البيع بالإقالة المعلقة م: (أولى) ش: بأن يفسد البيع.
م: (ووجه الاستحسان ما بينا) ش: يعني أن هذا البيع لا يجوز إلى ثلاثة أيام أيضا قياسا، كما قال زفر ولكنا جوزناه استحسانا، ووجهه ما بينا، وهو أن الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد، كذا قاله الأترازي.
وقال الأكمل: وجه الاستحسان أن هذا في معنى شرط الخيار من حيث الحاجة، إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد؛ تحرزا عن المماطلة في الفسخ، وإذا كان في معناه كان ملحقا به، ورد بأنا لا نسلم أنه في معناه؛ لأن هناك لو سكت حتى مضت المدة تم العقد، وهاهنا لو سكت حتى مضت المدة بطل.
стр. 3957
قال: و خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه ؛ لأن تمام هذا السبب بالمراضاة، ولا تتم مع الخيار؛ ولهذا ينفذ عتقه، ولا يملك المشتري التصرف فيه، وإن قبضه بإذن البائع. فلو قبضه المشتري وهلك في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة؛ لأن البيع ينفسخ بالهلاك؛ لأنه كان موقوفا ولا نفاذ بدون المحل
ــ
[البناية]
وأجيب بأن النظر في الإلحاق إنما هو إلى المعنى المناط للحكم، وهو الحاجة وهي موجودة فيهما، وأما الزائد على ذلك فلا معتبر به. وقال القاضي الإمام ظهير الدين ﵀ في فوائده: هاهنا مسألة لا بد من حفظها، وهي أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام يفسد البيع، ولا تنفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده نفذ عتقه، وإن كان في يد البائع لا ينفذ، ثم لو كان هذا الشرط للبائع بأن اشترى رجل عبدا ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن فلا بيع بينهما جاز البيع بهذا الشرط، ويصير بمنزلة خيار الشرط، حتى إذا قبض المشتري المبيع يكون مضمونا عليه بالقيمة، ولو أعتقه المشتري لا ينفذ عتقه، ولو أعتقه البائع ينفذ.
وفي " المجتبى " لو قال أحدهما في البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح بالإجماع، ولو زاد أو أطلق فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، كالشرط الفاسد الملحق بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يجوز، كما في شرط الخيار، ولو قال البائع: خذه وانظر إليه اليوم فإن رضيته أخذته بعشرة فهو خيار، باع على أنه بالخيار، على أن له أن يغله ويستخدمه جاز وهو على خياره، وعلى أن يأكل من ثمره لا يجوز؛ لأن الثمر له حصة من الثمن.
[خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه]
م: (قال: وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه؛ لأن تمام هذا السبب) ش: أي العلة م: (بالمراضاة) ش: لكون الرضاء داخلا في حقيقته الشرعية.
م: (ولا تتم) ش: أي المراضاة م: (مع الخيار) ش: لأن البيع به يصير به علة اسما ومعنى لا حكما، فمنع ابتداء الحكم به، وهو الملك فبقي على ملك صاحبه.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه على ملك صاحبه م: (ينفذ عتقه) ش: أي عتق البائع م: (ولا يملك المشتري التصرف فيه، وإن قبضه بإذن البائع) ش: لأجل خيار البائع م: (فلو قبضه المشتري، وهلك في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة) ش: وبه قال الشافعي في الوجه المشهور، ومالك، وفي وجه ضمنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد، وقال ابن أبي ليلى لا يضمنه؛ لأنه قبضه بإذن المالك فيكون أمينا فلا ضمان عليه م: (لأن البيع ينفسخ بالهلاك) ش: والمنفسخ به مضمون بالقيمة، وذلك؛ لأن المعقود عليه بالهلاك صار إلى حاله لا يجوز ابتداء العقد عليه فيها، فلا تلحقها الإجارة، وهو معنى قوله م: (لأنه كان موقوفا) ش: أي في حق الحكم م: (ولا نفاذ بدون المحل) ش: كأنه جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: لم صار موقوفا؟ فأجاب أنه لا نفاذ للحكم بدون المحل؛ لأنه فات بالهلاك، فإذا كان
стр. 3958
فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء، وفيه القيمة،
ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالصحيح المطلق.
قال: وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع؛ لأن البيع في جانب الآخر لازم، وهذا؛ لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه شرع نظرا له دون الآخر. قال: إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكه؛ لأنه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا، لا إلى مالك ولا عهد لنا به في الشرع، ولأبي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان
ــ
[البناية]
كذلك م: (فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء) ش: أي على طلب المشتري، م: (وفيه) ش: وفي المقبوض على سوم المشتري يجب م: (القيمة) ش: لأنه مقبوض بالعقد، هذا إذا لم يكن مثليا وإن كان مثليا يجب المثل، كذا في " شرح الأقطع وغيره".
وقال الكاكي: وفي " اليتيمة " أن المقبوض على سوم المشتري إنما يكون مضمونا إذا كان الثمن مسمى، حتى إنه إذا قال: قد أذهب بهذا الثوب، فإن رضيته اشتريته فذهب فهلك لا يضمن. ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به فهلك ضمن قيمته، وعليه الفتوى.
م: (ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالصحيح) ش: أي البيع الصحيح م: (المطلق) ش: أي المطلق عن الخيار، وهو البيع البات، فإن البيع فيه لو هلك في يد البائع ينفسخ البيع، فكذا هذا. وإنما ذكر الصحيح مع أن الحكم في الفاسد كذلك حملا لحال المسلم على الصلاح؛ إذ الصحيح أليق به دون الفاسد.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع) ش: وهذا بالاتفاق م: (لأن البيع في جانب الآخر لازم) ش: الآخر هو البائع. ومعنى لازم: ثابت؛ لتمام المرضي منه حتى لا يتمكن البائع من الفسخ م: (وهذا) ش: أي منع خروج المبيع عن ملك البائع عند خيار المشتري م: (لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه) ش: أي؛ لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه م: (شرع نظرا له دون الآخر) ش: يعنى لم يشرع للآخر الذي ليس له الخيار؛ لأن الخيار مانع للحكم في جانب ثمن الخيار لا في جانب من ليس له الخيار.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا أن المشتري لا يملكه) ش: أي المبيع (عند أبي حنيفة وقالا: يملكه) ش: وبه قال الشافعي ﵁ في قولٍ، ومالك وأحمد م: (لأنه) ش: أي؛ لأن المبيع م: (لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنا به) ش: بعين غير معهود م: (في الشرع) ش: فصار كالسائبة.
م: (ولأبي حنيفة أنه) ش: أي الشأن م: (لما لم يخرج الثمن عن ملكه) ش: أي عن ملك المشتري م: (فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه) ش: أي في ملك المشتري م: (لاجتمع البدلان)
стр. 3959
في ملك رجل واحد، حكما للمعاوضة، ولا أصل له في الشرع؛ لأن المعاوضة تقتضي المساواة، ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري؛ ليتروى فيقف على المصلحة، ولو ثبت الملك ربما يعتق عليه من غير اختياره، بأن يكون قريبه فيفوت النظر. قال: فإن هلك في يده هلك بالثمن
ــ
[البناية]
ش: أي الثمن والمثمن م: (في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة) ش: يعني من حيث حكم المعاوضة، واحترز به عن ضمان غصب المدبر؛ لأن الضمان يجب على الغاصب إذا أبق العبد، ولا يخرج المدبر عن ملك مولاه فيجتمع البدلان؛ لأن ذلك ضمان جناية لا ضمان معاوضة.
فإن قلت: المسلم إليه يملك رأس المال والمسلم فيه في ملكه. قلت: المسلم فيه يملكه رب المسلم في ذمة المسلم إليه؛ لأن له حكم الثمن ولهذا جاز فيه صنوب الأجل وهو كسائر البياعات فإن البائع يملك الثمن في ذمة المشتري فلا يجتمع البدلان فإن قلت: يرد عليكم اجتماع الأجرة والمنافع في ملك المؤجر إذا شرط تعجيل الأجرة. قلت: لا نسلم الاجتماع؛ لأن المنافع معدومة فكيف يكون الاجتماع فإذا حدثت ملكها المستأجر ولا اجتماع إذن.
م: (ولا أصل له في الشرع) ش: أي الأصل لاجتماع البدلين في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة م: (لأن المعاوضة تقتضي المساواة) ش: يعني المساواة المكفية، وهي أن يدخل المبيع في ملك المشتري، والثمن في ملك البائع (ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى) ش: أي ليتأمل ويتفكر م: (فيقف على المصلحة ولو ثبت الملك) ش: أي في ملك المشتري م: (ربما يعتق عليه بغير اختياره) ش: لا له م: (بأن يكون) ش: أي المبيع م: (قريبه) ش: فيعتق عليه من غير اختياره م: (فيفوت النظر) ش: لأن الأمر يتردد على موضوعه بالنقض.
وأما الجواب عن قوله لا نظير له في الشرع، قلنا: يبطل ذلك بما إذا اشترى متولي الكعبة إشارة لها أو عبيدا لسدنتها حيث يزول عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشترى، ويبطل أيضا بالتركة المستغرقة بالدين؛ لأن التركة تزول عن ملك الميت، ولا تدخل في ملك الورثة. فإن قيل: لو لم يثبت الملك للمشتري ينبغي أن لا يكون له حق الشفعة به، كما لا يستحق الشفعة بدار السكنى، وكان له حق الشفعة بالإجماع.
قلنا: إنما تستحق الشفعة؛ لأنه بشرائها صار أحق بها تصرفا؛ لأنه ملكها بمنزلة العبد المأذون إذا بيعت دار بجنبه فإنه يستحق الشفعة بهذا الشراء وإن لم يثبت له الملك، ولهذا لو أعتقه المشتري ينفذ عتقه؛ لأنه صار أحق بالتصرف فيه، وإقدامه على الإعتاق إسقاط الخيار منه، كذا في " المبسوط ". م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإن هلك في يده) ش: أي وإن هلك المبيع في يد المشتري م: (هلك بالثمن) ش: سواء هلك في مدة الخيار أو بعدها فعليه الثمن في الوجهين، كذا قال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ".
стр. 3960
وكذلك إذا دخله عيب، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع، ووجه الفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد، والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب فيهلك، والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن، بخلاف ما تقدم؛ لأن بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما لخيار البائع فيهلك، والعقد موقوف.
ــ
[البناية]
وقال زفر والشافعي ﵄ في قول: يهلك بالقيمة كخيار البائع، ونقل الأترازي عن المختلف أن عند الشافعي ﵁ يجب عليه القيمة إذا هلك في المدة، م: (وكذلك إذا دخله عيب) ش: أي وكذلك يجب الثمن إذا دخل المبيع عيب في مدة الخيار، فتعذر رده يلزمه الثمن لانبرام العقد.
وقال الكرخي في مختصره: وإذا قبض المشتري المبيع فدخله في يده عيب ينقص القيمة من فعل المشتري أو غير فعله تم البيع عليه، ويلزمه الثمن. وفي " الإيضاح " إذا كان الخيار للمشتري فحدث في ملكه عيب يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خياره؛ لأنه إذا زال المرض ارتفع النقص، فصار كأن لم يكن، وليس له أن يفتح إلا أن يرفع في الثلاث، فإذا مضت الثلاث والعيب قائم لزم العقد؛ لتعذر الرد م: (بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع) ش: يعني إذا كان الخيار للبائع وهلك المبيع في يد المشتري في مدة الخيار يجب القيمة.
م: (ووجه الفرق) ش: يعني بين ما إذا كان الخيار للمشتري وهلك في يده حيث يجب الثمن، وبين ما إذا كان الخيار للبائع، وهلك في يد المشتري في مدة الخيار حيث يجب القيمة م: (أنه) ش: أي أن المبيع م: (إذا دخله عيب) ش: في يد المشتري والخيار له م: (يمتنع الرد، والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب) ش: لأنه بناء على سبب مفض إليه.
بيانه أن الهلاك لا يعرى عن عيب يسبق الهلاك، وذلك بسبب عيب فيكون المبيع معيبا حين أشرف على الهلاك، فبالعيب امتنع رده م: (فيهلك والعقد قد انبرم) ش: أي والحال أن العقد قد تم ولزم، ولفظ انبرم مطاوع أبرم الأمر إبراما إذا أحكمه، فإذا كان كذلك م: (فيلزمه الثمن) ش: أي فيلزم المشتري الثمن الذي وقع عليه العقد م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهو ما إذا كان الخيار للبائع فهلك في يد المشتري.
م: (لأن بدخول العيب) ش: قبل الهلاك م: (لا يمتنع الرد حكما) ش: أي من حيث الحكم م: (لخيار البائع) ش: أي لأجل خياره، فلما لم يمتنع الرد لم يكن العقد منبرما م: (فيهلك والعقد موقوف) ش: حينئذ، فيلزمه القيمة؛ لأنه ليس بأدنى حالا من المقبوض على سوم الشراء ولم يلزمه الثمن لعدم انبرام العقد.
وقال الكاكي: ثم هذا في عيب لا يرتفع في مدة الخيار كقطع اليد، وأما لو كان عيبا يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خيار إذا زال في المدة، فله الفسخ بعد ارتفاعه، ولو لم يرتفع بعد مضي المدة لزم العقد لتعذر الرد، كذا في " الإيضاح ".
стр. 3961
قال: ومن اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح؛ لأنه لم يملكها لما له من الخيار. وإن وطئها له أن يردها؛ لأن الوطء بحكم النكاح إلا إذا كانت بكرا؛ لأن الوطء ينقصها
ــ
[البناية]
وعن أبي يوسف: يبطل خيار المشتري في كل عيب بأي وجه كان، إلا في خصلة، وهي أن النقصان إذا حصل في يد المشتري بفعل البائع فلا يبطل خياره، إن شاء رده وإن شاء أجاز البيع وأخذ من البائع الأرش، وفي زيادة متصلة متولدة في المبيع، كالحسن والجمال وغيرهما يبطل خياره، ويفسد البيع عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا يمنع الرد وهو على خياره، ولو كانت الزيادة متصلة غير متولدة منه، كالصبغ والخياطة وغيرهما لا يمنع الرد بالإجماع، ولو كانت الزيادة منفصلة متولدة منه كالولد، والأرش، والعقر، والتمر، واللبن والصوف يمنع الرد، ويبطل الخيار، وينعقد العقد.
ولو كانت الزيادة منفصلة غير متولدة كالكسب، والغلة، والصدقة، والهبة، لا يمنع الرد، وهو على خياره، إلا أنه إذا اختار للبيع فالزوائد له مع الأصل، وإلا اختار الرد؛ يرد الأصل مع الزوائد عند أبي حنيفة. وعندهما الأصل دون الزوائد.
[اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح) ش" هذه مسائل تترتب على الأصل المتقدم ذكره، وهو أن الخيار إذا كان للمشتري يخرج المبيع عن ملك البائع، ولا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، وعندهما يدخل، فعلى هذا إذا اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح م: (لأنه لم يملكها) ش: أي؛ لأن الزوج لم يملك امرأته.
م: (لما له من الخيار، وإن وطئها له أن يردها) ش: وقال أبو يوسف ومحمد: يفسد النكاح، فإن وطئها لم يستطع ردها، وتأويل المسألة فيما إذا كانت المرأة ثيبا؛ لأنها إذا كانت بكرا يأتي حكمها عن قريب، وإنما يجوز له ردها عند أبي حنيفة م: (لأن الوطء بحكم النكاح) ش: وليس بحكم ملك اليمين حتى يسقط الخيار.
م: (إلا إذا كانت بكرا) ش: استثناء من قوله - له أن يردها - أي إذا كانت المرأة بكرا ليس له أن يردها م: (لأن الوطء ينقصها) ش: فصار بمنزلة اختيار جزء منها، فإن قيل: رضي بالنقصان؛ لأنه لما زوجها فقد مكنها على الوطء، وإذا ثبت الخيار فقد تمكن من الرد فيكون راضيا بالنقصان؛ لأنه لما زوجها قلنا: لا نسلم أن الرضاء باق بعدما باعها، بل لا يبقى. وللشافعي ﵁ في حل وطئها وجهان: أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز، وهو نصه، أما لو كان البيع غير امرأته لم يحل للمشتري وطؤها على الأقوال كلها.
стр. 3962
وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: يفسد النكاح؛ لأنه ملكها. وإن وطئها لم يردها؛ لأن وطأها بملك اليمين فيمتنع الرد وإن كانت ثيبا، ولهذه المسألة أخوات كلها تبتنى على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار وعدمه، منها: عتق المشترى على المشتري إذا كان قريبا له في مدة الخيار، ومنها عتقه إذا كان المشتري حلف إن ملكت عبدا فهو حر، بخلاف ما إذا قال: إن اشتريت؛ لأنه يصير كالمنشئ للعتق بعد الشراء فيسقط الخيار
ــ
[البناية]
وقال أحمد: لا يحل للبائع أيضا م: (وهذا) ش: أي المذكور إلى هنا م: (عند أبي حنيفة، وقالا: يفسد النكاح؛ لأنه ملكها) ش: أي؛ لأن المشتري ملك امرأته م: (وإن وطئها لم يردها؛ لأنه وطأها بملك اليمين فيمتنع الرد وإن كانت ثيبا) ش: لأنه كان مختارا لها، سواء كان الوطء ينقصها أو لم ينقصها؛ لأنه وطئها بملك اليمين والنكاح عندهما قد ارتفع وأجمعوا على أنه لو لم تكن امرأته بوطئها يصير مختارا، سواء نقصها الوطء أو لم ينقصها؛ لأنه يحصل وطؤها بملك اليمين.
م: (ولهذه المسألة أخوات) ش: أي نظائر م: (كلها تبتنى على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار) ش: كما هو مذهبهما م: (وعدمه) ش: أي وتبتنى على وقوع الملك للمشتري كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀ م: (منها) ش: أي من الأخوات م: (عتق المشترى) ش: بفتح الراء م: (على المشتري) ش: بكسر الراء م: (إذا كان) ش: أي المشترى م: (قريبا له) ش: أي للمشتري م: (في مدة الخيار) ش: يعني إذا اشترى ذا رحم محرم منه بشرط الخيار لا يعتق عليه في مدة الخيار؛ لأنه لم يملكه، وخياره كما كان، فإن فسخ البيع عاد إلى ملك البائع، وإن أجازه عتق عليه ولزمه الثمن وعندهما يعتق عليه من زمان الشراء؛ لأنه ملكه ويلزمه الثمن ولا يبقى خياره.
م: (ومنها) ش: أي من الأخوات م: (عتقه) ش: أي عتق المشتري بفتح الراء م: (إذا كان المشتري) بكسر الراء م: (حلف إن ملكت عبدا فهو حر) ش: يعني إذا قال إن ملكت عبدا فهو حر ثم اشترى عبدا بشرط الخيار لا يعتق عند أبي حنيفة ﵀ في مدة الخيار؛ لأنه لم يملكه خلافا لهما م: (لخلاف ما إذا قال: إن اشتريت) ش: عبدا فهو حر فاشتراه بالخيار يعتق عليه ويبطل خياره ويلزمه الثمن بالإجماع م: (لأنه يصير كالمنشئ) ش: من الإنشاء وهو إثبات أمر لم يكن م: (للعتق بعد الشراء) ش: لأن المعلق بالشرط كالمرسل عنده، ولو أنشأ العتق بعد الشراء بالخيار عتق.
م: (فيسقط الخيار) ش: فكذا هذا، فإن قيل: لو كان كالمنشئ ينبغي أن ينوب عن الكفارة، إذا اشترى المحلوف عليه بعتقه ناويا عن الكفارة، أجيب بأنه إنما جعل كالمنشئ لتصحيح قوله: فهو حر، وليس من ضرورة تحريره وقوعه عن الكفارة بعد استحقاقه الحرية وقت اليمين؛ لأنه
стр. 3963
ومنها: أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزئ به في الاستبراء عنده، وعندهما يجتزئ، ولو ردت بحكم الخيار إلى البائع لا يجب عليه الاستبراء عنده وعندهما يجب إذا ردت بعد القبض، ومنها إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما.
ــ
[البناية]
كالمدبر في الاستحقاق، وفيه يعمل الإنشاء للعتق لا عن الكفارة فكذلك هذا. م: (ومنها) ش: أي ومن الأخوات م: (أن حيض المشتراة في المدة) ش: أي في مدة الخيار م: (لا يجتزئ به) ش: أي لا يكتفي به يعني إذا اشترى جارية بالخيار ثلاثة أيام، وقبضها فحاضت عنده في مدة الخيار فاختارها، وصارت للمشتري فلا يجتزئ بتلك الحيضة م: (في الاستبراء) ش: وعليه أن يستبرئها بحيضة أخرى م: (عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (وعندهما يجتزئ) ش: بها في الاستبراء.
م: (ولو ردت) ش: أي الجارية يعنى إن اختيار المشتري فسخ العقد وعادت الجارية م: (بحكم الخيار إلى البائع لا يجب عليه) ش: أي على البائع م: (الاستبراء عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ سواء كان الفسخ قبل القبض أو بعده؛ لأنه لم يملكها على البائع غيره عند أبي حنيفة ﵀ م: (وعندهما يجب) ش: أي الاستبراء م: (إذا ردت بعد القبض) ش: بحكم الفسخ؛ لأن المشتري ملكها، وإن كان الفسخ قبل القبض لا يجب عليه شيء، وإن كان الخيار للبائع ففسخ العقد فلا يجب عليه الاستبراء؛ لأنها لم تخرج من ملكه، فإن أجاز البيع فعلى المشتري أن يستبرئها بعد جواز البيع، والقبض بحيضة مستأنفة في قولهم جميعا، كذا في شرح الأقطع م: (ومنها) ش: أي من الأخوات م: (إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (خلافا لهما) ش: قال صاحب النهاية: لا بد من أحد تأويلين: إما أن يكون معناه اشترى منكوحة وولدت في مدة الخيار قبل قبض المشتري أو يكون اشترى الأمة التي كانت منكوحته وولدت منه ولدا قبل الشراء، ثم اشتراها بشرط الخيار لا تصير أم ولد له في مدة الخيار عنده خلافا لهما، وعلى هذا كان قوله في المدة ظرفا لقوله: لا تصير أم ولد له لا ظرف الولادة.
وقال الأكمل ﵀: وتقدير كلامه إذا ولدت المشتراة بالنكاح لا تصير أم ولد له في مدة الخيار، وفيه تعقيد لفظي كما ترى، قال: إنما احتجنا إلى أحد التأويلين؛ لأنه لو أجرينا على ظاهر اللفظ. وقلنا: إنه إذا اشترى منكوحته بشرط الخيار وقبضها، ثم ولدت في مدة الخيار يلزم البيع بالاتفاق ويبطل خيار الشرط؛ لأن الولادة عيب ولا يمكن ردها بعدما تعيبت الجارية في يد المشتري بشرط الخيار.
وقال الأترازي ﵀: ظاهر كلام المصنف مشكل؛ لأن المشتراة بشرط الخيار إذا ولدت في مدة الخيار يبطل الخيار ويلزم الثمن لحدوث العيب؛ لأن الولادة عيب في بني آدم لا في
стр. 3964
ومنها إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أودعه عند البائع، فهلك في يده في المدة هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد، لعدم الملك عنده، وعندهما من مال المشتري لصحة الإيداع باعتبار قيام الملك.
ــ
[البناية]
البهائم إلا أن يوجب نقصانا فينبغي على هذا أن تصير الجارية بالولادة في المدة أم ولد بالاتفاق؛ لأن المبيع إذا تعيب في يد المشتري لا يمكنه أن يرده كما قبض سليما فعلى هذا يقول: إن المشتراة ولدت بالنكاح في مدة الخيار لكن الولادة كانت قبل القبض، فلا تصير أم ولد عنده خلافا لهما، وإنما حملنا على هذا الاحتمال كلامه؛ لأن الولادة إما أن تقع بعد القبض أو قبله.
وللمصنف ﵀ أن يقول: أردت أحد هذين الوجهين، وقال الكاكي ﵀: قوله: إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح هذا إذا ولدت قبل القبض فإنه ذكر في " المبسوط " ولو ولدت عند المشتري ينقطع خياره؛ لأنها تعيبت بالولادة وتصير أم ولده بالإجماع، فهذا دليل على أن ما ذكر في المتن إذا كانت الولادة قبل القبض، وعند الشافعي ﵁ تصير أم ولد له على أحد القولين.
وقال تاج الشريعة ﵀: أيضا هذا إذا كانت الولادة قبل القبض؛ لأنها لو ولدت بعده يسقطه الخيار ويثبت الملك للمشتري بالاتفاق وتصير أم ولد له.
قلت: لو قيل عقيب قوله: لو ولدت المشتراة إلى آخره يعني قبل القبض لحصل المراد واكتفى عن تطويل الكلام.
م: (ومنها) ش: أي ومن الأخوات م: (إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع) ش: يعني اشترى شيئا بعينه على أنه بالخيار ثلاثة أيام فقبضه بإذن البائع م: (ثم أودعه عند البائع) ش: في مدة الخيار م: (فهلك في يده) ش: أي فهلك المبيع في يد البائع م: (في المدة) ش: أي في مدة الخيار أو بعدها م: (هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد لعدم الملك عنده) ش: لأن الوديعة لم تصح لعدم ملك المودع، وإذا ارتفع القبض كان هلاك المبيع قبل القبض وأنه من مال البائع؛ لأن من مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لم يملكه المشتري.
م: (وعندهما من مال المشتري) ش: أي الهلاك يكون من مال المشتري م: (لصحة الإيداع باعتبار قيام الملك) ش: لأن المشتري يملكه فصار مودعا ملك نفسه، فصار هلاكه في يد المودع كهلاكه في يده؛ لأن يد المودع كيده، ولو كان الخيار للبائع فسلمه إلى المشتري، ثم إن المشتري أودعه البائع في مدة الخيار، ثم هلك في يد البائع قبل جواز البيع أو بعده يبطل البيع في قولهم جميعا، ولو كان البيع باتا فقبضه المشتري بإذن البائع، أو بغير إذنه والثمن منقود أو مؤجل وله فيه خيار الرؤية أو خيار العيب فأودعه البائع فهلك في يد البائع هلك على المشتري ولزمه الثمن
стр. 3965
ومنها: لو كان المشتري عبدا مأذونا له فأبرأه البائع عن الثمن في المدة بقي خياره عنده؛ لأن الرد امتناع عن التملك، والمأذون له يليه، وعندهما بطل خياره؛ لأنه لما ملكه كان الرد منه تمليكا بغير عوض وهو ليس من أهله. ومنها إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار، ثم أسلم بطل الخيار عندهما؛ لأنه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم
ــ
[البناية]
بالإجماع؛ لأن خيار الرؤية وخيار العيب لا يمنعان وقوع الملك فصار مودعا ملك نفسه كذا في " شرح الطحاوي ".
م: (ومنها) ش: أي من الأخوات م: (لو كان المشترى عبدا مأذونا له فأبرأه البائع عن الثمن في المدة بقي خياره عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ بيانه: عبد مأذون له في التجارة اشترى من حر سلعة بدراهم معلومة على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم إن البائع أبرأه عن الثمن، فالقياس أن لا يصح إبراؤه؛ لأنه لا يملك الثمن.
وفي " الاستحسان ": صح إبراؤه؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الملك وهو العقد، فإذا صح إبراؤه ففي قول أبي حنيفة ﵀: خياره على حاله إن شاء اختار السلعة، وتكون له بغير ثمن وإن شاء فسخ وعاد إلى البائع بغير ثمن، وعندهما بطل خياره ولا يملك الفسخ والرد؛ لأن مذهبهما أنه ملكها، وفي الفسخ والرد تمليك منه للبائع بغير بدل وهو ليس من أهل ذلك، وعند أبي حنيفة ﵀ لم يملك فيكون في الفسخ والرد امتناع عن التمليك.
م: (لأن) ش: لما ملك م: (الرد) ش: يكون له في الفسخ والرد م: (امتناع عن التملك والمأذون له يليه) ش: أي الامتناع أي له ولاية الامتناع م: (وعندهما بطل خياره؛ لأنه لما ملكه) ش: أي لما ملك البيع م: (كان الرد منه تمليكا بغير عوض) ش: أي بغير ثمن فيكون متبرعا م: (وهو) ش: أي المأذون له م: (ليس من أهله) ش: أي من أهل التمليك، فإذا امتنع الرد بطل الخيار ضرورة، وعند الشافعي ﵁ وإن كان الملك للبائع فكما قاله، وإن كان للمشتري فكما قالا.
م: (ومنها) ش: أي ومن الأخوات م: (إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا) ش: أو خنزيرا م: (على أنه بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما) ش: أي ثم أسلم المشتري بطل الخيار عند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-: م: (لأنه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم، وعنده يبطل البيع؛ لأنه لم يملكها) ش: لأن المسلم لا يملك تمليك الخمر م: (فلا يتملكها بإسقاط الخيار وهو مسلم) ش: أي والحال أنه مسلم، وذكر خيار المشتري وإسلامه؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع وأسلم البائع يبطل البيع بالإجماع.
وذكر الإمام التمرتاشي: مسائل على هذا الأصل منها: إذا اشترى مسلم عصيرا بالخيار
стр. 3966
وعنده يبطل البيع؛ لأنه لم يملكها فلا يتملكها بإسقاط الخيار وهو مسلم. قال: ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في مدة الخيار، وله أن يجيز، فإن أجاز بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضرا عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، وقال أبو يوسف: يجوز، وهو قول الشافعي، والشرط هو العلم، وإنما كنى بالحضرة عنه. له أنه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه فلا يتوقف على علمه كالإجازة ولهذا لا يشترط رضاه، وصار كالوكيل بالبيع،
ــ
[البناية]
فتخمر في المدة فسد البيع عنده وعندهما ثم، ومنها: إذا كان المشترى دارا وهو ساكنها بإجارة أو إعارة فاستدام السكنى بعد الشرط قال الإمام السرخسي ﵀: لا يكون اختيارا وابتداء السكنى اختيار؛ لأن الدار لا تمتحن بالسكنى.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀: استدامة السكنى اختيار عندهما؛ لأنه يملك الثمن، وعنده ليس باختيار؛ لأنه بالإجارة أو الإعارة، ومنها حلال اشترى طيبا بالخيار فقبضه ثم أحرم والطيب في يده ينتقض البيع عنده ويرد إلى البائع وقالا: يلزم المشتري ولو كان الخيار للبائع ينتقض بالإجماع ولو كان الخيار للمشتري فأحرم البائع للمشتري أن يرده.
[من شرط له الخيار له أن يفسخ العقد]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن شرط له الخيار) ش: سواء كان بائعا أو مشتريا أو راضيا م: (فله أن يفسخ) ش: أي العقد م: (في مدة الخيار وله أن يجيز، فإن أجاز بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضرا، عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-) ش: وبه قال مالك ﵀: م: (وقال أبو يوسف: يجوز، وهو قول الشافعي) ش: وأحمد ومالك ﵀ في رواية وزفر ﵀.
م: (والشرط هو العلم) ش: قال القدوري: بغير حضرة صاحبه وقال المصنف ﵀: الشرط العلم أي علم صاحبه بالفسخ م: (وإنما كنى بالحضرة عنه) ش: أي عن العلم يعني ذكر السبب فأراد المسبب؛ لأن الحضور سبب العلم وليس المراد منه الكناية الاصطلاحية لأرباب البلاغة لكن المراد به ما استتر به المراد م: (له) ش: أي لأبي يوسف ﵀: م: (أنه) ش: أي أن من شرط له الخيار م: (مسلط على الفسخ) ش: أي على فسخ العقد م: (من جهة صاحبه) ش: وكل من هو كذلك م: (فلا يتوقف) ش: فعله م: (على علمه كالإجازة) ش: فإن فيها لا يشترط العلم بالإجماع.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل عدم توقف فعله على علم صاحبه م: (لا يشترط رضاه) ش: يعني في الفسخ م: (وصار) ش: أي من له الخيار م: (كالوكيل بالبيع) ش: فإن للوكيل أن يتصرف فيما وكل به، وإن كان الموكل غائبا؛ لأنه مسلط على البيع من جهته فكذا هاهنا.
стр. 3967
ولهما أنه تصرف في حق الغير، وهو العقد بالرفع، ولا يعرى عن المضرة؛ لأنه عساه يعتمد تمام البيع السابق، فيتصرف فيه، فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك، فيما إذا كان الخيار للبائع أو لا يطلب لسلعته مشتريا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا نوع ضرر فيتوقف على علمه، وصار كعزل الوكيل، بخلاف الإجازة؛ لأنه لا إلزام فيه ولا نقول إنه مسلط، وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ ولا تسليط في غير ما يملكه المسلط، ولو كان فسخ في حال غيبة صاحبه وبلغه في المدة تم الفسخ لحصول العلم به، ولو بلغه بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ.
ــ
[البناية]
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- م: (أنه) ش: أي أن الفسخ م: (تصرف في حق الغير) ش: وهو من ليس له الخيار م: (وهو العقد بالرفع) ش: في حق المتعاقدين م: (ولا يعرى عن المضرة) ش: أي لا يخلو عن المضرة م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الذي ليس له الخيار م: (عساه) ش: أي لعله م: (يعتمد تمام البيع السابق فيتصرف فيه) ش: أي في المبيع ثم ليظهر أنه تصرف في مال غيره.
م: (فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك) ش: أي بهلاك، ولا خفاء في كونه ضررا، هذا م: (فيما إذا كان الخيار للبائع أو لا يطلب) ش: أي البائع م: (لسلعته مشتريا) ش: أي مشتريا آخر، وهذا نوع ضرر م: (فيما إذا كان الخيار للمشتري) ش: لأنه قد تكون المدة أيام رواج بيع المبيع م: (وهذا نوع ضرر) ش: لفواتها، فإذا كان كذلك م: (فيتوقف) ش: أي القول م: (على علمه وصار كعزل الوكيل) ش: فإنه موقوف على علمه بعزل الموكل كيلا يتضرر بلزوم الثمن فيما إذا كان وكيلا بالشراء، ويبطلان قوله فيما إذا كان وكيلا بالبيع م: (بخلاف الإجازة؛ لأنه لا إلزام فيه) ش: لأنها إتمام للعقد السابق فلم يحتج إلى حضور صاحبه.
م: (ولا نقول إنه) ش: أي إن من له الخيار م: (مسلط) ش: أي على الفسخ، هذا جواب عن قول أبي يوسف ﵀ أنه مسلط م: (وكيف يقال ذلك وصاحبه) ش: هو الذي لا خيار له م: (لا يملك الفسخ) ش: للزوم العقد من جانبه فكيف تملك تسليط عليه م: (ولا تسليط في غير ما يملكه المسلط) ش: بكسر اللام م: (ولو كان فسخ في حال غيبة صاحبه وبلغه) ش: أي خبر الفسخ م: (في المدة) ش: أي في مدة الخيار م: (تم الفسخ لحصول العلم به، ولو بلغه) ش: أي ولو بلغ صاحبه م: (بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ) ش: لأن تمام المدة دلالة لزوم العقد.
واعلم أن مدار دليلها إلزام ضرر زائد غير مرضي به، فإذا فات المجموع أو بعضه في بعض الصور لا يكون نقضا فلا يرد ما قيل: الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص يلزم منها في حق غير الفاعل إلزام، وهو مسوغ؛ لأن ذلك من الإسقاطات وما هو كذلك ليس فيه شيء من الإلزام كإسقاط الحمل عن الدابة لا يكون إلزاما عليها إنما اللزوم في جانب من أسقط، وكلامنا في
стр. 3968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الحكم الذي يلزم على الغير ولا ما قيل: الزوج ينفرد بالرجعة وحكمها يلزم المرأة، وإن لم تعلم؛ لأنه ليس فيها إلزام؛ لأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح حتى تكون الرجعة إلزاما، وإنما هي استدامة ملك النكاح.
ولا ما قيل: اختيار المجيزة ينفذ على زوجها وإن لم يعلم به؛ لأن اختيارها لا يتصور بغير حضور زوجها كذا في " مختصر الأسرار " ولا ما قيل: اختيار الأمة المعتقة الفرقة يلزم الزوج بدون علمه وفيه إلزام؛ لأن الملك ازداد عليها بالحرية حيث لزمها المقام في منزل الزوج فكان لها أن تدفع تلك الزيادة برفع العقد. ولا ما قيل: اختيار الملك دفع عقد الفضولي يلزم العاقدين بلا علم، وفيه إلزام عليهما؛ لأنه امتناع عن العقد لا إلزام منه. ولا ما قيل: الطلاق يلزم العدة على المرأة، وإن لم تعلم؛ لأنه لا ضرر في العدة، ولكونه بإيجاب الشرع نصا دون الطلاق بخلاف الضرر المذكور في خيار الشرط فإنه زائد على موجب خيار الشرط وهو الرد أو الإجازة وهو غير مرضي به من جانب الآخر ولا يلزمه إلا بعلمه.
ثم اعلم أن شرط الخيار إذا كان للبائع فجواز العقد ونفوذه بأحد معان ثلاثة؛ أما بقوله: أجزت البيع في المدة، ولا يشترط حضرة الآخر، وإما بموت البائع في المدة؛ لأن الخيار لا يورث عندنا، وإما بمضي مدة الخيار من غير فسخ، وأما الفسخ فيثبت بالقول والفعل أما القول فبقوله: فسخت البيع.
فإذا قال ولك انفسخ البيع بلا رضا المشتري ولا يحتاج فيه إلى قضاء القاضي، ولكن يشترط حضوره عندهما خلافا لأبي يوسف ﵀، وأما الفعل فكما إذا تصرف في المبيع في مدة الخيار تصرف الملاك كالإعتاق والبيع والتقبيل ونحو ذلك، فإن العقد ينفسخ حكما حضر المشتري أو لا بالإجماع.
وأما إذا كان الخيار للمشتري فجواز العقد ونفاذه بالمعاني الثلاثة التي ذكرناها وبمعان أخر سواء نحو أن يصير المشترى في يد البائع فالمشترى بحال لا يملك المشتري الفسخ على تلك الحالة كما إذا ملك المعقود عليه أو انتقص في يد المشتري نقصانا يسيرا أو فاحشا بفعل المشتري أو بفعل البائع أو بآفة سماوية أو بفعل الأجنبي أو بفعل المعقود عليه بطل خياره، ونفذ البيع وهذا عند أبي يوسف ﵀ كذلك إلا فيما إذا حصل النقصان بفعل البائع حيث لا يبطل خيار المشتري إن شاء رده عليه وإن شاء اختاره وأخذ من البائع الأرش.
وفي " المحيط " إذا كان الخيار للبائع ينفذ العقد بإجازته وبموته وبمضي المدة قبل الفسخ وبالإغماء والجنون وإن أفاق في المدة.
стр. 3969
قال: وإذا مات من له الخيار بطل خياره ولم ينتقل إلى ورثته. وقال الشافعي: يورث عنه؛ لأنه حق لازم ثابت في البيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب والتعيين
ــ
[البناية]
قال الإسبيجابي: الأصح أنه على خياره، فلو سكر من الخمر لم يبطل خياره بخلاف السكر من البنج، ولو ارتد فعلى خياره، إجماعا، فلو تصرف بحكم خياره يتوقف عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، وأما الفسخ إما بالقول أو بالفعل وهو أن يتصرف البائع تصرف الملاك في مدة الخيار كما إذا أعتقه أو دبره أو كاتبه أو علق بهما فوجد الشرط أو باعه من غيره أو وهبه وسلمه أو رهن أو أجر، وإن لم يسلم على الأصح وهذه التصرفات فسخ بغير علم المشتري إجماعا إلا رواية عن محمد ﵀ وقبض الثمن من البائع ليس بإجازة وكذا هبته وارتهانه، إلا إذا استفيد له بغيره كالدراهم والدنانير.
ولو باع جارية بعبد على أنه بالخيار في الجارية فهبته العبد أو عرضه على البيع إجازة، وعرضها على البيع ليس بفسخ على الأصح ولو أبرأه من الثمن أو اشترى منه به شيئا أو ساومه به فهو إجازة، ولو توارى المشتري في مدة الخيار يبعث إليه القاضي من بعد فإن ظهر وإلا أبطله إلا أن يجيء في المدة، ولو كان الخيار للمشتري فنفاذه بما ذكرناه من الأمور في حق البائع وبالتصرف تصرف الملاك فوطؤه إجازة والاستخدام لا والاستخدام ثانيا إجازة إلا إذا كان في نوع آخر، والركوب امتحانا ليس بإجازة، وكذا لو ركبها لحاجة أو سفر أو حمل عليها إلا علفها عند محمد ﵀.
والركوب للرد والسقي والإعلاف إجازة، وقيل: إن لم يمكن بدون الركوب فلا يكون إجازة كما في خيار العيب ولو أمر الغلام بحمل شيء أو حلق رأسه أو غسله فليس برضا، ولو كان المشتري كتابا ففسخ منه لنفسه أو لغيره لا يبطل خياره، وإن قلبت الأوراق وبالدرس منه يبطل خياره، وقيل: على عكسه وبه أخذ أبو الليث.
[مات من له الخيار]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا مات من له الخيار) ش: وهذا التعبير يتناول البائع والمشتري وغيرهما جميعا، وقيل: بموت من له الخيار؛ لأنه بموت من عليه الخيار لا يبطل بالإجماع م: (بطل خياره ولم ينتقل إلى ورثته، وقال الشافعي: يورث عنه) ش: وبه قال مالك م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الخيار م: (حق لازم) ش: حتى إن صاحبه لا يملك إبطاله، وإنما قال حق؛ لأن حق الإنسان ما يتولى إثباته وإسقاطه، ولازم؛ لأن صاحبه لا يتمكن من إبطاله م: (ثابت في البيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب) ش: والرؤية م: (والتعيين) ش: أي وكخيار التعيين صورته: رجل اشترى عبدين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء بألف ويرد الآخر ثم مات المشتري يقوم وارثه مقامه في اختيار أحدهما.
стр. 3970
ولنا أن الخيار ليس إلا مشيئة وإرادة ولا يتصور انتقاله، والإرث فيما يقبل الانتقال، بخلاف خيار العيب؛ لأن المورث استحق المبيع سليما، فكذا الوارث،
فأما
ــ
[البناية]
م: (ولنا أن الخيار ليس إلا مشيئة وإرادة) ش: وكلاهما منصوبان على أنهما بدلان عن خبر ليس أي ليس الخيار شيئا إلا مشيئة وإرادة.
قال تاج الشريعة ﵀: لأن الشاري هو الفاعل عن ملك واختيار لا عن أمر وإجبار، ومشيئة الإنسان تنقطع بموته كقدرته؛ لأنها صفته ولا تبقى بعد الموصوف م: (ولا يتصور انتقاله) ش: أي انتقال الخيار؛ لأنه ليس إلا مشيئة وإرادة، وهما عرضان والعرض لا يقبل الانتقال م: (والإرث فيما يقبل الانتقال) ش: لأنه خلافة عن المورث بنقل الأعيان إلى الوارث، هذا معقول لا معارض له من المنقول، فيكون معمولا به.
لا يقال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك مالا أو حقا فلورثته» الخيار حق فيكون لورثته؛ لأن المراد به حق قابل للانتقال له بدليل قوله: "فلورثته" الخيار، ليس كذلك فإن قيل: المالكية صفة تنقل من المورث إليه في الأعيان فهل لا يكون الخيار كذلك؟ وأجيب: بأن المنتقل هو العين، فإن قيل: المالكية ضمني فليكن خيار الشرط كذلك بأن ينتقل المبيع من المورث إلى الوارث ثم الخيار يتبعه ضمنا، وأجيب بأن الخيار ليس من لوازم البيع بل الأصل عدمه، وكم من مبيع لا خيار فيه بخلاف المملوك فإنه يستلزم مالكية مالك، وفيه نظر، فإن الكلام في البيع بشرط الخيار لا في مطلقه والخيار يلزمه والصواب أن يقال: الغرض الأصلي من نقل الأعيان ملكيتها وليس الخيار في البيع بشرط الخيار كذلك فلا يلزم من انتقال ما هو الغرض الأصلي انتقال ما ليس كذلك.
فإن قيل: القصاص ينتقل من المورث إلى الوارث بذاته من غير تعيين العين فليكن الخيار كذلك.
أجيب: بأنه ثبت للوارث ابتداء؛ لأنه شرع للتشفي والخيار يثبت بالعقد والشرط والوارث ليس بعاقد ولا شارط لا يقال: البيع بشرط الخيار غير لازم فتورث كذلك لا بطريق النقل فلا يفيد ما ذكرتم؛ لأن كلامنا مع من يقول بالنقل وما ذكرناه يدل على انتفائه، ولو التزم ملتزم ما ذكره قلنا: البيع بشرط الخيار غير لازم في حق العاقد وفي حق الوارث، والأول مسلم ولا كلام فيه، والثاني عين النزاع، هذا كله لخصه الأكمل من كلام السغناقي ﵀ وغيره فنقلناه مثل ما نقله تكثيرا للفائدة.
م: (بخلاف خيار العيب) ش: جواب عما قاس عليه الشافعي ﵁ م: (لأن المورث استحق المبيع سليما، فكذا الوارث) ش: لأنه قائم مقامه فكان ذلك نقلا في الأعيان م: (فأما
стр. 3971
نفس الخيار لا يورث، وخيار التعيين يثبت للوارث ابتداء لاختلاط ملكه بملك الغير، لا أن يورث الخيار. قال: ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره فأيهما أجاز جاز الخيار، وأيهما نقض انتقض
ــ
[البناية]
نفس الخيار لا يورث) ش: لأنه لا يتصور انتقاله كما ذكرناه فلا يجري فيه الإرث م: (وخيار التعيين) ش: هذا جواب عما قاسه الشافعي ﵁.
تقريره أن خيار التعيين م: (يثبت للوارث ابتداء) ش: لا بسبيل الإرث يعني أنه بطل ذلك الخيار الأول، ويجدد للوارث خيار آخر حكما م: (لاختلاط ملكه بملك الغير) ش: لأن ملك أحد العبدين مجهول؛ لأن ملكه أحدهما، وقد اختلف بملك صاحبه فثبت لهما التعيين بعلة مجهولة لملكه، فإما أن يكون ذلك بالإرث فلا م: (لا أن يورث الخيار) ش: كما مر غير مرة.
فإن قلت: المكاتب إذا مات وخلف ولدا ولد في الكتابة ينتقل إليه الكتاب مع الأجل والتنجيم.
قلت: انتقال الكتابة إلى الولد بسبيل السراية لا بسبيل الإرث؛ لأن المكاتب لا يورث ولا يلزم خيار الصفة وهو ما إذا اشترى على أنه له الخيار؛ لأن فيه معنى المال، ولا يلزم الرهن والكفالة والضمان حيث يورث هذه الأشياء؛ لأن فيه وثيقة ومعنى المال وكذلك القصاص يؤول إلى مال.
[اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره) ش: المراد من الغير هاهنا غير العاقدين حتى يأتي خلاف زفر ﵀ م: (فأيهما أجاز) ش: أي من المشتري، ومن الشروط له الخيار م: (جاز الخيار وأيهما) ش: أي الاثنين المذكورين م: (نقض) ش: أي العقد م: (انتقض) ش: أي العقد.
وقال الكاكي: فإن قيل قوله: فأيهما أجاز إلى آخره جملة استفهامية لا تصلح خبرا للمبتدأ وهو قوله: ومن اشترى فيبقى المبتدأ بلا خبر، قلنا: في المبتدأ معنيان أحدهما الابتداء والثاني الشرطية فيقتضي الخبر، والجزاء هنا وقع موقع خبر فيكون الخبر محذوفا وهو قوله أجازه.
ويتحقق هذا المعنى في ضمن الخبر؛ لأنه لما جاز بالإجازة لا بد وأن يكون الاشتراط للغير جائزا كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] (النور: الآية ٢) ، وقوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] لا يصلح خبرا لكونه طلبا، وفي ضمنه خبره وهو وجوب الجلد المستفاد منه تقديره: الزانية والزاني يجب عليهما الحد فاجلدوا.... انتهى.
واعترض عليه بعضهم بقوله: ما جواب هذا العامل زيد من أبوه ونحوه قوله، وقال
стр. 3972
وأصل هذا أن اشتراط الخيار لغيره جائز استحسانا، وفي القياس لا يجوز، وهو قول زفر ﵀؛ لأن الخيار من مواجب العقد وأحكامه فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري. ولنا أن الخيار لغير العاقد قد لا يثبت إلا بطريق النيابة عن العاقد فيقدر الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه،
ــ
[البناية]
الأكمل: ومن اشترى وشرط الخيار لغيره تقدير كلامه من اشترى وشرط الخيار لغيره جاز حذفه لدلالة قوله فأيهما أجاز جاز.
قلت: هذا له وجه وهو أحسن من تطويل الكاكي على أن التقدير في الآية على ما تقتضيه القاعدة الزانية والزاني يقال فيه: فاجلدوا، وكذلك التقدير في قول المعترض بقوله زيد من أبوه؟ زيد يقال فيه: من أبوه؟.
وبقولنا فيه قال الشافعي ﵁ في الأصح ومالك وأحمد ﵄ ولكن للشافعي ﵁ فيه وجهان: أحدهما أنه يصح للغير وحده، والثاني يثبت له مع العاقد وعنه في قول لا يصح وبه قال زفر ﵀ وفي فساد البيع وجهان: في وجه يفسد البيع، وفي وجه البيع صحيح والشرط فاسد.
م: (وأصل هذا) ش: أي أصل هذا المذكور من المسألة م: (أن اشتراط الخيار لغيره جائز استحسانا، وفي القياس لا يجوز، وهو قول زفر ﵀؛ لأن الخيار من مواجب العقد) ش: أي من مقتضياته م: (وأحكامه، فلا يجوز اشتراطه لغيره) ش: لأنه خلاف ما يقتضيه العقد م: (كاشتراط الثمن على غير المشتري) ش: أو اشتراط تسليمه على غيره أو اشتراط الكل لغيره.
م: (ولنا أن الخيار لغير العاقد قد لا يثبت إلا بطريق النيابة عن العاقد) ش: إذ لا وجه لإثباته للغير أصالة م: (فيقدر الخيار له) ش: أي للعاقد م: (اقتضاء) ش: أي من حيث الاقتضاء تصحيحا لعرف العاقد على حسب الإمكان فيجعل كأنه شرط لنفسه.
م: (ثم يجعل هو) ش: أي يجعل من له الخيار م: (نائبا عنه تصحيحا لتصرفه) ش: أي لتصرف العاقد، فكان ثبوت الخيار للعاقد مقتضى صحة ثبوت الخيار للأجنبي وفيه بحث من وجهين: أحدهما: أن شرط الاقتضاء أن يكون المقتضي أو في منزلة من المقتضي ألا ترى أن من قال لعبد له حنث في يمينه كفر عن يمينك بالمال لا يكون ذلك تحريرا اقتضاء؛ لأن التحرير أقوى من تصريف التكفير لكونه أصلا فلا يثبت تبعا لفرعه، ولا خفاء أن العاقد أعلى مرتبة فكيف يثبت الخيار له اقتضاء؟
والثاني: بأن اشتراط الخيار لغيره لو جاز اقتضاء تصحيحا لجاز اشتراط وجوب الثمن
стр. 3973
وعند ذلك يكون لكل واحد منهما الخيار فأيهما أجاز جاز وأيهما نقض انتقض. ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره، ولو خرج الكلامان منهما معا يعتبر تصرف العاقد في رواية وتصرف الفاسخ في أخرى. وجه الأول أن تصرف العاقد أقوى؛ لأن النائب يستفيد الولاية منه، وجه الثاني أن الفسخ أقوى؛ لأن المجاز يلحقه الفسخ، والمفسوخ لا تلحقه الإجازة
ــ
[البناية]
على الغير بطريق الكفالة بأن يجب الثمن على العاقد أولا ثم على الغير كفالة عنه كذلك.
وأجيب عن الأول: بأن الاعتبار للمقاصد والغير هو المقصود باشتراط الخيار فكان هو الأصل بطل إلى الخيار، والعاقد أصل من حيث التمليك لا من حيث الخيار فلا يلزمه ثبوت الأصل تبعية فرعه، وأما الحرية فإنه الأصل في وجوب الكفارة المالية فلا يثبت تبعا لفرعه.
وعن الثاني: بأن الدين لا يجب على الكفيل في الصحيح بدون التزام المطالبة، والمذكور هنا هو الثمن على الأجنبي وثبوت المقتضى لتصحيح المقتضي، ولو صحت الكفالة بطريق الاقتضاء كان مبطلا للمقتضي وعاد على موضوعه بالنقص فإن قيل: فليكن بطريق المحالة فإن عنها المطالبة بالدين فالجواب: أن المشتري أصل في وجوب الثمن عليه فلا يجوز أن يكون تابعا لفرعه وهو المحال عليه.
م: (وعند ذلك) ش: أي عند ثبوت الخيار لهما م: (يكون لكل واحد منهما الخيار) ش: أي للعاقد ولمن شرط له الخيار م: (فأيهما أجاز) ش: أي العقد م: (جاز وأيهما نقض انتقض، ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره، ولو خرج الكلامان منهما معا يعتبر تصرف العقد في رواية) ش: وهي رواية كتاب البيوع.
م: (وتصرف الفاسخ في أخرى) ش: أي ويعتبر تصرف الفاسخ وهو الذي فسخ العقد في رواية أخرى وهي رواية كتاب المأذون م: (وجه الأول) ش: أي وجه اعتبار تصرف العاقد م: (أن تصرف العقد أقوى؛ لأن النائب يستفيد الولاية منه، وجه الثاني) ش: أي وجه اعتبار تصرف الفسخ وهي رواية كتاب المأذون م: (أن الفسخ أقوى؛ لأن المجاز) ش: بضم الميم م: (يلحقه الفسخ) ش: كما لو أجاز البيع هلك عند البائع.
م: (والمفسوخ لا تلحقه الإجازة) ش: فإن العقد إذا انفسخ بهلاك المبيع عند البائع لا تلحقه الإجازة ونوقض بما إذا تراضيا على فسخ الفسخ وعلى إعادة العقد بينهما جاز وفسخ الفسخ ليس إلا هو إجازة البيع في المفسوخ.
وأجيب بأن هذا ليس بإجازة للفسخ بل هو بيع ابتداء.
стр. 3974
ولما ملك كل واحد منهما التصرف رجحنا بحال التصرف، وقيل الأول قول محمد ﵀، والثاني قول: أبي يوسف ﵀ واستخرج ذلك مما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا، فمحمد ﵀ يعتبر فيه تصرف الموكل، وأبو يوسف ﵀ يعتبرهما.
قال: ومن باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام فالبيع فاسد، فإن باع كل واحد منهما بخمسمائة على أنه بالخيار في أحدهما بعينه جاز المبيع، والمسألة على أربعة أوجه: أحدها: أن لا يفصل الثمن ولا يعين الذي فيه الخيار وهو الوجه الأول في الكتاب، وفساده لجهالة الثمن والمبيع؛ لأن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد؛ إذ العقد مع
ــ
[البناية]
م: (ولما ملك كل واحد منهما التصرف) ش: هذا كأنه جواب عما يقال: إن كل واحد من الفاسخ والمخير يملك التصرف فأي تصرف من التصرفين يرجح على الآخر فذاك، ولما ملك كل واحد منهما التصرف من الإجازة والفسخ م: (رجحنا بحال التصرف) ش: لأن كل واحد منهما أصل العاقد من حيث التملك والأجنبي من حيث شرط الخيار، فلم يترجح الأمر إلا من حيث التصرف فرجحنا من حيث حال التصرف وهو فوقه والنقض يفسخ الإجازة، والإجازة لا تفسخ النقض، فكان النقض الأولى، لا يقال: النقض والإجازة من توابع الخيار فكان الخيار ترجيح تصرف من له الخيار؛ لأن جهة تملك العاقد عارضة في ذلك.
م: (وقيل الأول) هو أن تصرف العاقد أقوى م: (قول محمد ﵀ والثاني) هو تصرف الفاسخ م: (قول أبي يوسف ﵀ واستخرج) ش: على صيغة المجهول م: (ذلك) إشارة إلى الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- في ذلك أراد أن المنسوب إليهما ليس بمنقول عنهما وإنما استخرج م: (مما إذا باع الوكيل من رجل والموكل) أي باع الموكل م: (من غيره معا) أي في حالة واحدة م: (فمحمد ﵀ يعتبر فيه تصرف الموكل، وأبو يوسف ﵀ يعتبرهما) ش: أي يعتبر تصرفهما ويجعل البيع مشتركا بينهما بالنصف ويخير كل واحد من المشتركين إن شاء أخذ النصف بنصف الثمن وإن شاء نقض البيع.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ومن باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام فالبيع فاسد، فإن باع كل واحد منهما بخمسمائة على أنه بالخيار في أحدهما بعينه جاز المبيع) ش: أي يختار الشرط في أحد العبدين معينا م: (والمسألة على أربعة أوجه: أحدها:) ش: أي أحد الأوجه م: (أن لا يفصل الثمن ولا يعين الذي فيه الخيار وهو الوجه الأول في الكتاب) ش: أي " الجامع الصغير ".
م: (وفساده) ش: أي فساد هذا الوجه م: (لجهالة الثمن والمبيع؛ لأن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد) ش: لأنه يشبه الاستثناء، إما؛ لأن العقد غير لازم في الذي لا خيار فيه م: (إذ العقد مع
стр. 3975
الخيار لا ينعقد في حق الحكم فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم. والوجه الثاني: أن يفصل الثمن ويعين الذي فيه الخيار وهو المذكور ثانيا في الكتاب، وإنما جاز؛ لأن المبيع معلوم والثمن معلوم، وقبول العقد في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاد العقد في الآخر، ولكن هذا غير مفسد للعقد لكونه محلا للبيع كما إذا جمع بين قن ومدبر. والثالث: أن يفصل ولا يعين. والرابع: أن يعين ولا يفصل، والعقد فاسد في الوجهين، إما لجهالة المبيع أو لجهالة الثمن
ــ
[البناية]
الخيار لا ينعقد في حق الحكم) ش: أي وهو ثبوت الحكم م: (فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم) ش: وما هو كذلك فثمنه مثله فيفسد البيع كما في البيع بثمن بطريق الحصة ابتداء.
م: (والوجه الثاني:) ش: وهو أن يبيع كل واحد منهما بخمسمائة على أنه بالخيار في أحدهما، وهو معنى قوله م: (أن يفصل الثمن ويعين الذي فيه الخيار، وهو المذكور ثانيا في الكتاب) ش: أي " الجامع الصغير " م: (وإنما جاز) ش: أي البيع هنا م: (لأن المبيع معلوم والثمن معلوم) ش: فجاز لارتفاع الجهالة م: (وقبول العقد) ش: هذا جواب شبهة وهي أن يقال: ينبغي أن يفسد العقد في هذا أيضا لوجود المفسد.
وهو قبول العقد في الذي يدخل في العقد؛ لأن العبد الذي فيه الخيار غير داخل حكما، كما إذا جمع بين حر وقن فإنه لا يجوز العقد في القن وإن فصل الثمن لما أنه جعل قبول العقد في الحر شرطا لصحة العقد في القن، فأجاب بقوله وقبول العقد م: (في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاد العقد في الآخر) ش: أي في العبد الآخر.
م: (ولكن هذا غير مفسد للعقد لكونه) ش: أي لكون من فيه الخيار م: (محلا للبيع) ش: فكان داخلا في العقد وإن لم يدخل في الحكم فصار م: (كما إذا جمع بين قن ومدبر) ش: في البيع في أن المدبر محل البيع حتى إن القاضي لو قضى بجواز بيعه نقدا فلم يكن شرط قبول العقد فيه مفسدا للعقد في الآخر بخلاف ما إذا جمع بين حر وقن فإن الحر ليس بمحل للبيع أصلا فلم يكن داخلا لا في العقد ولا في الحكم.
فإن قلت: في الجملة هو شرط لا يقتضيه العقد فكان مفسدا. أجيب: بأنه ليس فيه نفع لأحد المتعاقدين ولا للمعقود عليه فلا يكون مفسدا.
م: (والثالث) ش: أي الوجه الثالث م: (أن يفصل) ش: أي الثمن م: (ولا يعين) ش: أي الذي فيه الخيار م: (والرابع) ش: أي الوجه الرابع م: (أن يعين) ش: أي الذي فيه الخيار م: (ولا يفصل) ش: أي الثمن م: (والعقد فاسد في الوجهين، إما لجهالة المبيع أو لجهالة الثمن) ش: وكل منهما مفسد للبيع.
стр. 3976
قال ومن اشترى ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء بعشرة وهو بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز، وكذلك الثلاثة، فإن كانت أربعة أثواب فالبيع فاسد، والقياس أن يفسد البيع في الكل لجهالة المبيع، وهو قول زفر والشافعي. وجه الاستحسان أن شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ما هو الأرفق والأوفق، والحاجة إلى هذا النوع من البيع متحققة؛ لأنه يحتاج إلى اختيار من يثق به أو اختيار من يشتريه لأجله، ولا يمكنه البائع من الحمل إليه إلا بالبيع، فكان في معنى ما ورد به الشرع غير أن هذه الحاجة تندفع بالثلاث لوجود الجيد والوسط والرديء فيها والجهالة لا تفضي إلى المنازعة في الثلاث لتعيين من له الخيار، وكذا في الأربع إلا أن الحاجة
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن اشترى ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء بعشرة وهو بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز، وكذلك الثلاثة) ش: أي الأثواب الثلاثة م: (فإن كانت أربعة أثواب فالبيع فاسد، والقياس أن يفسد البيع في الكل لجهالة المبيع وهو قول زفر والشافعي. وجه الاستحسان أن شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ما هو الأرفق) ش: أي بالنظر إلى الثمن م: (والأوفق) ش: أي بحاله.
م: (والحاجة إلى هذا النوع من البيع) ش: أراد بهذا النوع أن يشتري أحد الثوبين أو أحد العبدين على أن يأخذ أيهما شاء بثمن معلوم م: (متحققة؛ لأنه) ش: ربما م: (يحتاج إلى اختيار من يثق به) ش: لخبرته م: (أو اختيار من يشتريه لأجله) ش: كامرأته وبنته م: (ولا يمكنه البائع) ش: بتشديد الكاف م: (من الحمل إليه) ش: أي إلى من يثق به أو إلى من يشتريه لأجله م: (إلا بالبيع فكان) ش: باعتبار الحاجة م: (في معنى ما ورد به الشرع) ش: وهو شرط الخيار ثلاثة أيام م: (غير أن هذه الحاجة تندفع بالثلاث) ش: أي بالثياب الثلاث م: (لوجود الجيد والوسط والرديء فيها) ش: أي الحاجة إلى الاختيار بالثلاث لاختلاف الأوصاف في الثياب وهي ثلاثة الجيد والوسط والرديء فيها أي في الثياب.
م: (والجهالة لا تفضي إلى المنازعة) ش: هذا جواب عما قال الإمام الشافعي ﵀ وزفر ﵀، ومن الجهالة في وجه القياس تقريره أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة م: (في الثلاث) ش: أي في الثياب الثلاث م: (لتعيين من له الخيار) ش: لأنه لما شرط الخيار لنفسه استبد بالتعيين فلم يبق له منازع، فكان علة جوازه من الحاجة وعدم كون الجهالة تفضي إلى المنازعة.
فأما عدم المنازعة فإنه ثابت باشتراط الخيار لنفسه سواء كانت الأثواب ثلاثة أو أكثر وأما الحاجة إنما تتحقق في الثلاثة لوجود الجيد والوسط والرديء.
م: (وكذا في الأربع) ش: أي في الثياب الأربع لا يفضي إلى المنازعة م: (إلا أن الحاجة
стр. 3977
إليها غير متحققة، والرخصة ثبوتها بالحاجة، وكون الجهالة غير مفضية إلى المنازعة فلا تثبت بأحدهما، ثم قيل: يشترط أن يكون في هذا العقد خيار الشرط مع خيار التعيين، وهو المذكور في "الجامع الصغير". وقيل: لا يشترط، وهو المذكور في الجامع الكبير، فيكون ذكره على هذا الاعتبار وفاقا لا شرطا. وإذا لم يذكر خيار الشرط لا بد من توقيت خيار التعيين بالثلاث عنده، وبمدة معلومة أيتها كانت عندهما
ــ
[البناية]
إليها) ش: أي الأربع م: (غير متحققة) ش: لوجود جميع الأوصاف المذكورة في الثلاث، ولأن في الأربعة قد يتفق ثوبان على صفة واحدة فيحتاج إلى اختيار آخر فتكثر الجهالة.
م: (والرخصة) ش: مبتدأ وقوله م: (ثبوتها) ش: مبتدأ آخر وقوله م: (بالحاجة) ش: خبره والجملة خبر المبتدأ الأول م: (وكون الجهالة غير مفضية إلى المنازعة فلا تثبت بأحدهما) ش: بالجر عطفا على قوله بالحاجة، حاصل المعنى جواز البيع مع الشرط رخصة وثبوتها مع الحاجة وقد انعدمت في الأربع، ولكن الرخصة إنما تكون بالحاجة وعدم الإفضاء إلى الجهالة م: (ثم قيل: يشترط أن يكون في هذا العقد خيار الشرط مع خيار التعيين) ش: أشار بهذا إلى بيان اختلاف المشايخ في اشتراط خيار الشرط مع خيار التعيين منهم من قال: يشترط وإليه مال الكرخي ﵀ م: (وهو المذكور في الجامع الصغير، وقيل: لا يشترط، وهو المذكور في الجامع الكبير) ش: فإنه ذكر هذه المسألة ولم يذكر فيها خيار الشرط م: (فيكون ذكره) ش: أي ذكر خيار الشرط م: (على هذا الاعتبار) ش: أي على اعتبار " الجامع الكبير " م: (وفاقا لا شرطا) ش: أي على سبيل الاتفاق لا على سبيل الشرط، وقال فخر الإسلام ﵀ في "جامعه ": والصحيح عندنا أنه ليس بشرط وهو قول محمد بن شجاع البلخي ﵀.
م: (وإذا لم يذكر خيار الشرط لا بد من توقيت خيار التعيين بالثلاث) ش: أي بثلاثة أيام م: (عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (وبمدة معلومة) ش: أي لا بد من توقيت خيار التعيين بمدة معلومة م: (أيتها كانت) ش: أي المدة كانت زائدة على الثلاث أو غير زائدة بعد أن كانت معلومة م: (عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد كما في خيار الشرط. وقال شمس الأئمة في "جامعة ": وهو الصحيح، وهو قول الكرخي ﵀، وإن مات المشتري في الأيام الثلاثة يبطل خيار الشرط ويبقى خيار التعيين للوارث فلا يردهما الوارث، وله أن يعين أحدهما ويرد الآخر. وكذا في " جامع قاضي خان "، وفي " الذخيرة " هذا إذا كان الخيار للمشتري، فإن كان للبائع بأن قال: بعتك هذين الثوبين على أني بالخيار لأعين المبيع في أحدهما، لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة في بيوع الأصل ولا في " الجامع الصغير ".
وذكر الكرخي ﵀ في "مختصره ": أنه يجوز استحسانا لا قياسا؛ لأن هذا بيع يجوز مع خيار المشتري فكذا يجوز مع خيار البائع قياسا على خيار الشرط، وذكر في المجرد
стр. 3978
ثم ذكر في بعض النسخ: اشترى ثوبين، وفي بعضها: اشترى أحد الثوبين، وهو الصحيح؛ لأن المبيع في الحقيقة أحدهما والآخر أمانة، والأول تجوز واستعارة، ولو هلك أحدهما أو تعيب لزم البيع فيه بثمنه وتعين الآخر للأمانة؛ لامتناع الرد بالتعيب، ولو هلكا جميعا معا يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما؛ لشيوع البيع والأمانة فيهما، ولو كان فيه خيار الشرط له أنه يردهما جميعا، ولو مات من له الخيار فلوارثه أن يرد أحدهما؛ لأن الباقي خيار التعيين للاختلاط، ولهذا لا يتوقت في حق الوارث
ــ
[البناية]
أنه لا يجوز؛ لأن هذا باعتبار الحاجة والبائع لا يحتاج إليها.
م: (ثم ذكر في بعض النسخ) ش: أي في بعض نسخ " الجامع الصغير " م: (اشترى ثوبين) ش: كما هو المذكور أولا م: (وفي بعضها اشترى أحد الثوبين) ش: فحاصله أن الرواية اختلفت في نسخ الجامع الصغير.
قال المصنف: م: (وهو الصحيح) ش: أي قوله: اشترى أحد الثوبين هو الصحيح م: (لأن المبيع في الحقيقة أحدهما والآخر أمانة، والأول) ش: هو قوله ثوبين م: (تجوز) ش: يعني مجاز؛ لأن المشترى أحد الثوبين فكان من قبيل إطلاق الكل على البعض م: (واستعارة، ولو هلك أحدهما) ش: أي أحد الثوبين م: (أو تعيب لزمه البيع فيه) ش: أي في الهالك أو المتعيب م: (بثمنه) ش: الذي وقع عليه العقد م: (وتعين الآخر) ش: أي الثوب الآخر م: (للأمانة) ش: لأنه إنما اشترى أحدهما لا غير وإنما قبض الآخر؛ ليرد على البائع إذا تعين أحدهما لا ليتملكه ولا على سوم الشراء.
وقد تعين أحدهما هنا فيبقى الآخر أمانة؛ لأنه قبضه بإذن البائع لا على حرمة البيع فلم يلزمه شيء بسببه م: (لامتناع الرد بالتعيب) ش: تعليل بقوله أو تعيب م: (ولو هلكا) ش: أي الثوبان م: (جميعا معا يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما لشيوع البيع والأمانة فيهما) ش: أي في الثوبين، وقيد بقوله: معا لما أنهما لو هلكا على المتعاقب يتعين الأول للبيع إذا علم السابق، وإذا لم يدر السابق لزمه ثمن نصف كل واحد منهما كما لو هلكا معا.
م: (ولو كان فيه) ش: أي في هذا البيع م: (خيار الشرط له أن يردهما جميعا) ش: لأنه أمين في أحدهما فيرده بحكم الأمانة، وفي الآخر مشتر بشرط الخيار فيتمكن من رده، كذا في " المبسوط " م: (ولو مات من له الخيار فلوارثه أن يرد أحدهما؛ لأن الباقي خيار التعيين) ش: لأن خيار الشرط بطل بموت من له الخيار م: (للاختلاط) ش: أي لأجل اختلاط ملكه بملك الغير م: (ولهذا) ش: ولأجل الباقي خيار التعيين م: (لا يتوقف في حق الوارث) ش: لأنه لم يثبت له بسبيل الإرث بل لاختلاط تملكه بملك الغير، فلو كان الباقي خيار الشرط لردهما الوارث جميعا.
стр. 3979
فأما خيار الشرط لا يورث، وقد ذكرناه من قبل. ومن اشترى دارا على أنه بالخيار فبيعت دار أخرى إلى جنبها فأخذها بالشفعة فهو رضا؛ لأن طلب الشفعة يدل على اختياره الملك فيها؛ لأنه ما ثبت إلا لدفع ضرر الجوار وذلك بالاستدامة، فيتضمن ذلك سقوط الخيار سابقا عليه، فيثبت الملك من وقت الشراء، فيتبين أن الجوار كان ثابتا، وهذا التقرير يحتاج إليه لمذهب أبي حنيفة ﵀ خاصة.
قال: وإذا اشترى الرجلان غلاما على أنهما بالخيار فرضي أحدهما فليس للآخر أن يرده، عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: له أن يرده، وعلى هذا الخلاف خيار العيب وخيار الرؤية.
ــ
[البناية]
م: (فأما خيار الشرط لا يورث، وقد ذكرناه من قبل) ش: يعني عند قوله: وإذا مات من له الخيار بطل خياره م: (ومن اشترى دارا على أنه بالخيار فبيعت دار أخرى إلى جنبها فأخذها بالشفعة فهو رضا) ش: أي الأخذ بالشفعة رضا م: (لأن طلب الشفعة يدل على اختياره الملك فيها) ش: أي في الدار التي اشتراها بالخيار م: (لأنه) ش: أي؛ لأن طلب الشفعة م: (ما ثبت إلا لدفع ضرر الجوار وذلك) ش: أي دفع ضرر الجار م: (بالاستدامة) ش: أعني باستدامة الملك في الدار المشتراة بالخيار.
م: (فيتضمن ذلك) ش: أي اختيار الملك م: (سقوط الخيار سابقا عليه) ش: أي على طلب الشفعة م: (فيثبت الملك من وقت الشراء فيتبين أن الجوار كان ثابتا) ش: عند بيع الدار الثانية وهو يوجب الشفعة م: (وهذا التقرير) ش: الذي ذكره من قوله: لأن طلب الشفعة يدل على اختيار الملك إلى آخره م: (يحتاج إليه لمذهب أبي حنيفة ﵀ خاصة) ش: إنما قال: خاصة؛ لأن عندهما يدخل المبيع في ملك المشتري فلا يحتاج إلى التقرير الذي يؤدي إلى اختيار المالك.
قال الإمام السرخسي ﵀: وجوب الشفعة مذهبهما ظاهر، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلأنه صار أحق بالتصرف فيها وذلك يكفيه لاستحقاق الشفعة بها كالمأذون المستغرق بالدين أو المكاتب فإنهما يستحقان الشفعة، وإن لم يملكا رقبة الدار بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع فالمشتري هناك لم يصر أحق بالتصرف فيها.
[اشترى الرجلان غلاما على أنهما بالخيار فرضي أحدهما]
م: (قال) ش: محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا اشترى الرجلان غلاما على أنهما بالخيار فرضي أحدهما فليس للآخر أن يرده عند أبي حنيفة ﵀ وقالا:) ش: أي أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (له أن يرده، وعلى هذا الخلاف خيار العيب وخيار الرؤية) .
ش: وقال صاحب " الخطر والمختلف " إذا اشتريا غلاما ليس لأحدهما أن يرده بخيار الرؤية أو بخيار العيب بدون صاحبه قبل القبض وبعده على الخلاف المذكور.
وقال الفقيه أبو الليث في شرح " الجامع الصغير ": رجلان اشتريا غلاما على أنهما بالخيار
стр. 3980
لهما أن إثبات لهما إثباته لكل واحد منهما، فلا يسقط بإسقاط صاحبه؛ لما فيه من إبطال حقه. وله أن المبيع خرج عن ملكه غير معيب بعيب الشركة، فلو رده أحدهما رده معيبا به وفيه إلزام ضرر زائد، وليس من ضرورة إثبات الخيار لهما الرضا برد أحدهما؛ لتصور اجتماعهما على الرد.
ــ
[البناية]
فرضي أحدهما فليس للآخر أن يرده في قول أبي حنيفة ﵀ وفي قولهما له ذلك.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (أن إثبات الخيار لهما) ش: أي للرجلين المذكورين م: (إثباته) ش: أي إثبات الخيار م: (لكل واحد منهما فلا يسقط بإسقاط صاحبه لما فيه من إبطال حقه) ش: في الخيار.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن المبيع خرج عن ملكه) ش: أي عن ملك البائع م: (غير معيب بعيب الشركة) ش: لأن الشركة في الأعيان المجتمعة عيب فإن البائع قبل البيع كان متمكنا من الارتفاع متى شاء، وبعده إذا أراد البعض لا يتمكن إلا مهاباة، والخيار يثبت نظرا لمن هو له على وجه لا يلحق بالضرر لغيره م: (فلو رده أحدهما رده معيبا به وفيه إلزام ضرر زائد) ش: وقيد الضرر بالزائد؛ لأن في امتناع الرد ضررا أيضا زائدا للرد، ولكن لم يكن من الغير، بل لعجزه عن إيجاد شرط الرد كان دون الأول فإن الضرر الحاصل من الغير أقطع -أنجع- من الحاصل من نفسه.
فإن قيل: بيعه منهما رضا منه يعيب التبعيض. أجيب: بأنه إن سلم به فهو رضا به في ملكها لا في ملك نفسه، فإن قيل: حصل العيب في يد البائع بفعله؛ لأن تفرق الملك إنما هو بالعقد قبل القبض.
قلنا: بل حصل بفعل المشتري برد نصفه، والمشتري إذا عيب المعقود عليه في يد البائع ليس له أن يرده بحكم خياره، لكن هذا العيب لعرض الزوال بمساعدة الآخر على الرد، فإذا امتنع ظهر عمله.
م: (وليس من ضرورة إثبات الخيار لهما) ش: جواب لهما وتقريره أن إثبات الخيار لهما ليس من ضرورته م: (الرضا برد أحدهما لتصور اجتماعهما على الرد) ش: أي اجتماع الشريكين يعني يتصور الانفكاك بتصور اجتماعهما على الرد فلا يلزم من إثبات الخيار لهما الرضا برد أحدهما.
وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه لو رد أحدها يؤمر الآخر برده؛ لأنه لو امتنع عن الرد كان فيه إبطال حق الآخر، وليس له ذلك؛ لأن الخيار بشرط الرد وقد اشترطا. كذا في " جامع الإسبيجابي ".
стр. 3981
قال: ومن باع عبدا على أنه خباز أو كاتب وكان بخلافه فالمشتري بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه فيستحق في العقد بالشرط، ثم فواته يوجب التخيير؛ لأنه ما رضي به دونه، وهذا يرجع إلى اختلاف النوع لقلة التفاوت في الأغراض، فلا يفسد العقد بعدمه بمنزلة وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، وصار كفوات وصف السلامة.
ــ
[البناية]
[باع عبدا على أنه خباز أو كاتب وكان بخلافه]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن باع عبدا على أنه خباز أو كاتب) ش: أي عبد حرفته الخبز أو الكتابة م: (وكان بخلافه) ش: أي ظهر أنه ليس بخباز أو ليس بكاتب م: (فالمشتري بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك) ش:.
وبه قال الشافعي ﵁ في قول م: (لأن هذا وصف مرغوب فيه) ش: وهو ظاهر وهو احتراز عما ليس بمرغوب فيه كما إذا باع على أنه أعور فإذا هو سليم؛ لأنه لا يوجب الخيار م: (فيستحق) ش: أي الوصف المرغوب فيه م: (في العقد بالشرط ثم فواته) ش: أي فوات الوصف المرغوب فيه م: (يوجب التخيير؛ لأنه ما رضي به دونه) ش: أي ما رضي بالمبيع بدون الوصف المرغوب فيه، وينقض بما إذا باع شاة على أنها حامل أو على أنها تحلب كذا فإن البيع فيه فاسد والوصف مرغوب فيه.
وأجيب: بأن ذلك ليس بوصف بل اشتراط مقدر من البيع مجهول وضم المجهول إلى المعلوم يصير الكل مجهولا، ولهذا إذا شرطا أنها حلوب أو لبون لا تفسد لكونه وصفا مرغوبا فيه ذكره الطحاوي ﵀، سلمناه ولكنه مجهول ليس في وسع البائع تحصيله ولا إلى معرفته سبيل بخلاف ما نحن فيه، فإن له أن يأمره بالخبز والكتابة فيظهر حاله.
م: (وهذا) ش: أي الاختلاف في النوع بكونه خبازا أو غير خباز وبكونه كاتبا أو غير كاتب م: (يرجع إلى اختلاف النوع) ش: يعني بمنزلة الاختلاف في النوع حتى لا يفسد العقد بل يكون للمشتري الخيار م: (لقلة التفاوت في الأغراض فلا يفسد العقد بعدمه بمنزلة وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات) ش: كما إذا اشترى شاة على أنها نعجة فإذا هي حمل وقيد فيه بالحيوان؛ لأن في بني آدم يورث اختلاف الجنس لفحش التفاوت، كما إذا باع عبدا فإذا هي جارية ويفسد به العقد.
م: (وصار كفوات وصف السلامة) ش: أي صار فوات الخبز والكتابة فيما إذا اشترى على أنه خباز أو كاتب فوجده بخلافه كفوات وصف السلامة، فيما إذا اشترى على أنه سليم فوجده معيبا فثمة له ولاية الرد فكذا هاهنا.
والحاصل أن الاختلاف الحاصل بالوصف إن كان مما يوجب التفاوت الفاحش في الأغراض كان راجعا إلى الجنس كما في بيع عبد وظهر جارية فيفسد به العقد، وإن كان مما لا
стр. 3982
وإذا أخذه أخذه بجميع الثمن؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن لكونها تابعة في العقد على ما عرف
ــ
[البناية]
يوجب، كان راجعا إلى النوع كما في شراء نعجة فظهر أنها حمل فلا يفسد العقد لكنه يوجب التخيير لفوات وصف السلامة.
وفي " الذخيرة ": ولو امتنع الرد بسبب من الأسباب رجع المشتري على البائع بحصته من الثمن، فيقوم العبد كاتبا وينظر إلى تفاوت ما بين ذلك، فإن مثل العشر يرجع بعشر الثمن، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يرجع هاهنا بشيء.
ولكن المذكور في ظاهر الرواية أصح وبه قال الشافعي ﵁؛ لأن البائع عجز عن تسليم وصف السلامة كما في المعيب، ولو وقع الاختلاف بين المشتري والبائع في هذه الصور بعد ما مضى حين من وقت البيع، فقال المشتري: لم أجده كاتبا، وقال البائع: إني سلمته إليك كذلك، ولكنه نسي عندك وقد ينسى في تلك المدة فالقول للمشتري؛ لأن الاختلاف وقع في وصف عارض إذ الأصل عدم الكتابة والخبز. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] (النحل: الآية ٧٨) ، ولو اشترى بقرة على أنها حبلى فولدت عنده وشرب اللبن وأنفق عليها فإنه يردها والولد وما شرب من اللبن؛ لأن البيع وقع فاسدا وكانت في ضمانه والنفقة عليه، ولو اشترى شاة على أنها نعجة فإذا هو معز يجوز البيع وله الخيار؛ لأن حكمها واحد في الصدقات.
وكذا لو اشترى بقرة فإذا هي جاموس، ولو اشترى جارية على أنها مولودة الكوفة فإذا هي مولودة بغداد، أو اشترى غلاما على أنه فحل فإذا هو خصي أو على عكسه، أو على أنها بغلة فإذا هو بغل أو على أنها ناقة فإذا هو فحل، أو على أنه لحم ضأن فوجده لحم ماعز أو على عكسه ففيها كلها له الخيار.
م: (وإذا أخذه) ش: أي وإذا أخذ العبد الذي اشتراه على أنه خباز أو كاتب فظهر بخلافه م: (أخذه بجميع الثمن؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن لكونها تابعة في العقد) ش: تدخل فيه من غير ذكر م: (على ما عرف) ش: فيما تقدم.
стр. 3983
باب خيار الرؤية قال: ومن اشترى شيئا لم يره فالبيع جائز وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده. وقال: الشافعي: لا يصح العقد أصلا؛ لأن المبيع مجهول. ولنا قوله ﵊: «من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه» .
ــ
[البناية]
[باب خيار الرؤية]
[اشترى شيئا لم يره]
م: (باب خيار الرؤية) ش: أي هذا باب في بيان خيار الرؤية والإضافة فيه من قبيل إضافة المسمى إلى شرطه، وقال تاج الشريعة: من إضافة الحكم إلى سببه.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ومن اشترى شيئا لم يره فالبيع جائز) ش: صورته أن يقول الرجل لغيره: بعتك الثوب الذي في كمي هذا وصفته كذا، أو الدرة التي في كمي هذا وصفتها كذا ولم يذكر الصفة أو يقول: بعت منك هذه الجارية المتنقبة، أما إذا قال: بعت ما في كمي أو ما في كمي هذه من شيء هل يجوز البيع؟ لم يذكره في المبسوط قال عامة مشايخنا ﵏: إطلاق الجواب يدل على جوازه عندنا وبعضهم قال: لا يجوز لجهالة المبيع.
وفي " المبسوط " الإشارة إليه وإلى مكانه شرط الجواز حتى لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لا يجوز بالإجماع، وفي " الأسرار " صورته عبدا أو أمة متنقبة مشارا إليها حاضرة، له الخيار إذا كشف ثم خيار الرؤية لا يثبت إلا في أربعة أشياء: في الشراء، والإجارة، والقسمة، والصلح في دعوى المال على شيء بعينه.
م: (وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده، وقال الشافعي: لا يصح العقد أصلا؛ لأن المبيع مجهول) ش: لأنه لم يعرف من المعقود عليه إلا الاسم، وفي " الدراية " وعند الشافعي ﵁ إن كان جنس المبيع معلوما بأن قال: بعتك ما في هذه الجواليق من الثياب فله قولان، وإن لم يكن معلوما بأن قال: بعت ما في هذه الجواليق. فالمبيع باطل عنده قولا واحدا.
وفي " شرح الوجيز، والحلية ": بيع ما لم يره البائع والمشتري يصح في القديم وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏ وفي الجديد لا يصح؛ لأن المبيع مجهول، وفي " الحلية " يجوز بيع الغائب في القول المختار، وهو قول عثمان وطلحة ﵄ واختاره القفال وكثير من أصحابنا.
م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه» ش: الحديث روي مرسلا ومسندا، فالمسند أخرجه الدارقطني في سننه، عن داهر
стр. 3984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بن نوح، حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي، حدثنا وهب اليشكري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» .
قال عمر الكردي: وأخبرني فضيل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله، قال عمر أيضا: وأخبرني القاسم بن الحكم عن أبي حنيفة ﵀ عن الهيثم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله.
وأما المرسل فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والدارقطني -رحمهما الله- ثم البيهقي ﵀ في سننيهما، حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول رفعه إلى النبي ﷺ قال: من اشترى.... إلى آخره، وزاد «إن شاء أخذه وإن شاء تركه» . فإن قلت: استدل الشافعي ﵁ بأحاديث صحاح منها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» .
ومنها، ما رواه الأربعة عن حكيم بن حزام قال ﵊: «لا تبع ما ليس عندك» . وقال الترمذي ﵀: هذا حديث حسن.
ومنها: ما رواه الأربعة أيضا عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل سلف وبيع ولا شرط في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقالوا: حديث أبي هريرة ﵁ الذي احتججتم به فيه عمر بن إبراهيم الكردي.
стр. 3985
ولأن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي به إلى المنازعة؛ لأنه لو لم يوافقه يرده فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه
ــ
[البناية]
قال الدارقطني ﵀: هو يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح؛ لأنه لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين ﵀ من قوله، وقال ابن القطان ﵀ في كتابه: والراوي عن الكردي داهر بن نوح، وهو لا يعرف، وفي المرسل أبو بكر بن أبي مريم. قال الدارقطني: ضعيف.
قلت: أما حديث أبي هريرة ﵁ فإن أبا حنيفة ومحمد -رحمهما الله- روياه بإسنادهما ذكره صاحب " المبسوط " وغيره من أصحابنا وهم ثقات، وذكر في " المبسوط ": أيضا أن ابن عباس ﵄ والحسن البصري وسلمة بن الحسين رووه مرسلا وهو حجة عندنا، والحديث الذي رواه العلماء الكبار إذا كان في طريق منها لا يترك مع أن الطعن المبهم لا يقبل، وعمل بهذا الحديث كثير من العلماء، مثل مالك وأحمد وغيرهما.
وفي " نوادر الفقهاء " لابن بنت نعيم: أجمع الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - على جواز بيع الغائب المقدور على تسليمه وأن لمشتريه خيار الرؤية إذا رآه، فإن قيل: بيع الآبق متفق على منعه فكذا الغائب. قلنا: لم يمتنع بيع الآبق لغيبته، بل لتعذر تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، والجواب عن النهي عن بيع الغرر أنه لا يدري أيكون أم لا؟ وعلى ما لا يقدر على تسليمه كذا قال أهل اللغة.
وقال ابن حزم في " المحلى ": إذا وصف الغائب عن رد دينه وخير ملكه المشتري فأين الغرر ولم يزل المسلمون يتبايعون الضياع في البلاد البعيدة بالصفة، باع عثمان لطلحة ﵄ أرضا بالكوفة لم يرياه، فقضى جبير بن مطعم ﵁ أن الخيار لطلحة ﵁ وما نرى للشافعي ﵁ سلفا في منع بيع الغائب الموصوف، ولا خلاف في اللسان ما في ملك بائع ما هو عنده، وما ليس في ملكه فليس عنده، وإن كان في يده، والجواب عن حديث حكيم بن حزام أن المراد من قوله: "ما ليس عندك" عدم الملك؛ لأن تمام الحديث يدل على ذلك، وتمامه قال: «سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك» هكذا رواه الترمذي وغيره، وفي رواية النسائي: أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال «لا تبع ما ليس عندك» .
م: (ولأن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي به إلى المنازعة؛ لأنه لو لم يوافقه يرده) ش: لأنه لو لم يوافقه بعد الرؤية يرده على بائعه بلا نزاع وإنما يفضي إلى المنازعة لو قلنا بانبرام العقد ولم نقل به م: (فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه) ش: بأن اشترى ثوبا مشارا إليه غير معلوم عدد
стр. 3986
وكذا إذا قال: رضيت، ثم رآه، له أن يرده؛ لأن الخيار معلق بالرؤية؛ لما روينا، فلا يثبت قبلها، وحق الفسخ بحكم أنه عقد غير لازم لا بمقتضى الحديث، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه
ــ
[البناية]
وزعاته يجوز لكونه معلوم العين وإن لم يكن ثمة جهالة لا يفضي إلى النزاع.
م: (وكذا إذا قال: رضيت) ش: وفي بعض النسخ قال: وكذا إذا رضيت ذكر هذا تفريعا على مسألة القدوري، يعني قال المشتري بعد تمام البيع: رضيت بذلك البيع على أي وصف كان م: (ثم رآه، له أن يرده) ش: وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁، وحكي في تتمتهم وجها آخر أنه ينفذ كما إذا اشترى على أن لا خيار م: (لأن الخيار معلق بالرؤية لما روينا) ش: والحديث الذي ذكره م: (فلا يثبت قبلها) ش: أي فلا يثبت الخيار قبل الرؤية على تأويل المذكور؛ لأن المعلق بالشيء لا يثبت قبله؛ لئلا يلزم وجود المشروط بدون الشرط، فإن قيل: المذهب عندنا أن المعلق بالشرط يوجد عند وجوده.
ولا يلزم عدمه عند عدمه لجواز أن يوجد بعلة أخرى فكيف يصح قوله: فلا يثبت قبله؛ لأنه دعوى بلا دليل؟ قلنا: هذه وصية متلقاة من جهة صاحب الشرع فتنتهي إلى ما نهانا إليه، والشرع أثبت الخيار بالرؤية فلا يثبت قبلها، ولو يثبت إنما يثبت بدليل آخر، فمن ادعاه فعليه البيان كذا قيل، فإن قيل: يشكل بخيار العيب فإنه إذا قال رضيت به، قيل: إذا أراده فلا خيار له. قلنا: سبب الخيار هناك العيب وهو موجود قبل العلم فيكون الخيار ثابتا، ولا كذلك هاهنا كما بينا فافترقا.
م: (وحق الفسخ) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر يرد على قوله: لأن الخيار معلق بالرؤية فلا يثبت قبله بأن يقال: لما لم يثبت قبل الرؤية لما كان له حق الفسخ قبل الرؤية؛ لأنه من نتائج ثبوت الخيار له كالقبول فكان معلقا بها فلا يوجد قبلها.
فأجاب بقوله: وحق الفسخ يعني يمكنه من الفسخ م: (بحكم أنه) ش: أي أن العقد بخيار الرؤية م: (عقد غير لازم) ش: لأنه لم يقع منبرما فجاز فسخه لهؤلاء فيه، ألا ترى أن كل واحد من العاقدين في عقد الوديعة والعارية والوكالة يملك الفسخ باعتبار عدم لزوم العقد وإن لم يكن له خيار لا شرطا ولا شرعا.
م: (لا بمقتضى الحديث) ش: أي لا للبناء على الخيار الذي اقتضاه الحديث.
قال الأكمل: وفيه نظر؛ لأن عدم لزوم هذا العقد باعتبار الخيار ملزوم للخيار، والخيار معلق بالرؤية لا يوجد بدونها فكذا ملزومه؛ لأن ما هو شرط اللازم فهو شرط الملزوم م: (ولأن الرضا بشيء) ش: جواب آخر وتحقيقه أن رضا الشخص بالشيء م: (قبل العلم بأوصافه) ش:
стр. 3987
لا يتحقق فلا يعتبر قوله: رضيت قبل الرؤية، بخلاف قوله: رددت.
قال: ومن باع ما لم يره فلا خيار له، وكان أبو حنيفة يقول أولا له الخيار اعتبارا بخيار العيب وخيار الشرط، وهذا؛ لأن لزوم العقد بتمام الرضا زوالا وثبوتا، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم بأوصاف المبيع وذلك بالرؤية فلم يكن البائع راضيا بالزوال، ووجه القول المرجوع إليه أنه معلق بالشراء لما روينا فلا يثبت دونه
ــ
[البناية]
أي قبل أن يعلم بأوصاف ذلك الشيء م: (لا يتحقق) ش: لأن الرضا استحسان الشيء واستحسان ما لم يعلم ما يحسنه غير متصور م: (فلا يعتبر قوله: رضيت قبل الرؤية بخلاف قوله: رددت) ش: لأنه فسخ لعدم الرضا وهو لا يحتاج إلى معرفة المحسنات لا يقال عدم الرضاء لاستقباح الشيء، واستقباح ما لم يعلم ما يقبحه غير متصور؛ لأن عدم الرضا قد يكون باعتبار ما بدا له من انتفاء حاجته إلى المبيع أو ضاع ثمنه أو استغلاه فلا يستلزم الاستقباح.
وذكر في " التحفة " أن جواز الفسخ قبل الرؤية لا رواية فيه لكن المشايخ اختلفوا فقال بعضهم: لا يصح قياسا علي الإجارة، وقال بعضهم يصح: دون الإجارة وهو مختار المصنف ﵀.
[باع ما لم يره]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن باع ما لم يره فلا خيار له) ش: صورته ورث شيئا فباعه قبل الرؤية فلا خيار له وبه قال الشافعي ﵁ م: (وكان أبو حنيفة يقول أولا له الخيار) ش: وبه قال الشافعي ﵁ في وجه وقال في وجه: لا ينعقد بيعه قولا واحدا م: (اعتبارا) ش: أي قياسا م: (بخيار العيب وخيار الشرط) ش: أما خيار العيب فإنه لا يختص بجانب المشتري بل إذا وجد البائع الثمن زيفا فهو بالخيار إن شاء جوز وإن شاء رد، كالمشيئة إذا وجد المبيع معيبا، لكن لا ينفسخ رد الثمن وينفسخ برد المبيع؛ لأنه أصل دون الثمن، وأما خيار الشرط فإنه يصح من الجانبين كما تقدم.
م: (وهذا) ش: أي ثبوت الخيار للبائع م: (لأن لزوم العقد بتمام الرضا زوالا) ش: أي من حيث الزوال من جهة المبيع في حق البائع م: (وثبوتا) ش: أي من حيث الثبوت من جهة الشراء في حق المشتري م: (ولا يتحقق ذلك) ش: أي الرضا م: (إلا بالعلم بأوصاف المبيع وذلك) ش: أي العلم بأوصاف المبيع م: (بالرؤية) ش: فإن بالرؤية يحصل الاطلاع على دقائق لا تحصل بالعبارة م: (فلم يكن البائع راضيا بالزوال) ش: أي قبل الرؤية لعدم تمام الرضا.
م: (ووجه القول المرجوع إليه) ش: وهو عدم الخيار م: (أنه) ش: أي أن الخيار م: (معلق بالشراء لما روينا) ش: وهو الحديث المذكور م: (فلا يثبت دونه) ش: أي دون الشراء، ورؤية المشتري، فإن قيل: البائع مثل المشتري في الاحتياج إلى تمام الرضا فيلحق به دلالة. أجيب: بأنهما ليسا سيان فيه؛ لأن الرد من جانب المشتري باعتبار أنه كان يظنه خيرا مما اشترى فيرده
стр. 3988
وروي أن عثمان ﵁ باع أرضا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله فقيل لطلحة: إنك قد غبنت فقال: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكما بينهما جبير بن مطعم ﵁ فقضى بالخيار لطلحة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃.
ثم خيار الرؤية غير مؤقت بل يبقى إلى أن يوجد ما يبطله، وما يبطل خيار الشرط
ــ
[البناية]
لفوات الوصف المرغوب؛ لأن الرد من جانب المشتري باعتبار أن المبيع أزيد مما ظن فصار كما لو باع عبدا بشرط أنه معيب فإذا هو صحيح لم يثبت للبائع خيار، وإذا لم يكن في معناه لم يلحق به فإن قيل: المعلق بالشرط يوجد قبل وجود الشرط لسبب آخر، وهاهنا وجد القياس. أجيب: بأنه ثابت بالنص غير معقول المعنى فلا يجوز فيه القياس سلمناه.
ولكن القياس على مخالفة الإجماع باطل، والإجماع في قضية عثمان وطلحة ﵄ على ما ذكره بقوله م: (وروي أن عثمان ﵁) ش: وهو عثمان بن عفان م: (باع أرضا بالبصرة) ش: أي كانت الأرض بالبصرة وعثمان ﵁ بالمدينة م: (من طلحة بن عبيد الله) ش: التميمي أحد العشرة المبشرين بالجنة م: (فقيل لطلحة: إنك قد غبنت) ش: على صيغة المجهول من " الغبن " بالغين المعجمة وسكون الباء يقال: غبنته في البيع أي خدعته م: (فقال: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان: إنك قد غبنت فقال: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره فحكما بينهما) ش: بتشديد الكاف من التحكيم م: (جبير بن مطعم) ش: بن عدي الصحابي المشهور م: (فقضى بالخيار لطلحة ﵁) ش: وهذا أخرجه الطحاوي ثم البيهقي عن علقمة بن أبي وقاص ﵁ أن طلحة ﵁ اشترى من عثمان ﵁ ما لم يره فقيل لعثمان: إنك قد غبنت.... الحديث.
م: (وكان ذلك) ش: أي حكم جبير بن مطعم ﵁ كان بين عثمان وطلحة ﵄ م: (بمحضر من الصحابة ﵃) ش: ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فكان إجماعا بينهم؛ ولهذا رجع أبو حنيفة ﵀ حين بلغه الخبر.
[خيار الرؤية غير مؤقت]
م: (ثم خيار الرؤية غير مؤقت) ش: قيل: إنه مؤقت بوقت إمكان الفسخ بعد الرؤية وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵁ حتى إذا وقع بصره عليه ولم يفسخه سقط حقه.
والأصح ما قاله المصنف ﵀ بقوله: م: (بل يبقى) ش: أي خياره م: (إلى أن يوجد ما يبطله) ش: لأنه ثبت حكما لانعدام الرضا فيبقى إلى أن يوجد ما يبطل عدم الرضا م: (وما يبطل خيار الشرط) ش: كلمة ما موصولة مبتدأ، ويبطل بضم الياء من الإبطال صلة
стр. 3989
من تعيب أو تصرف يبطل خيار الرؤية، ثم إن كان تصرفا لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير، أو تصرفا يوجب حقا للغير كالبيع المطلق والرهن والإجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها؛ لأنه لما لزم تعذر الفسخ فبطل الخيار. وإن كان تصرفا لا يوجب حقا للغير كالبيع بشرط الخيار، والمساومة، والهبة من غير تسليم لا يبطله إذا كان قبل الرؤية؛
ــ
[البناية]
الموصول وخيار الشرط بالنصب مفعوله، وكلمة من في قوله م: (من تعيب) ش: للبيان أي من تعيب في البيع الذي اشتراه بخيار الشرط م: (أو تصرف) ش: أي أو تصرف في خيار الشرط، وقوله: م: (يبطل خيار الرؤية) ش: خبر المبتدأ وصورة التعيب في خيار الشرط قد مضت هناك، وأما التصرف في خيار الرؤية فعلى ضربين أشار إلى الأول بقوله: م: (ثم إن كان) ش: أي التصرف م: (تصرفا لا يمكن رفعه) ش: يعني بعد وقوعه م: (كالإعتاق) ش: بأن أعتق عبده الذي اشتراه ولم يره.
م: (والتدبير) ش: بأن دبره قبل رؤيته م: (أو تصرفا) ش: أي أو تصرف تصرفا م: (يوجب حقا للغير) ش: وهذا هو الضرب الثاني م: (كالبيع المطلق) ش: بأن باع الذي اشتراه ولم يره مطلقا يعني بدون شرط الخيار م: (والرهن) ش: بأن رهن الذي اشتراه قبل الرؤية م: (والإجارة) ش: بأن أجره لأحد قبل رؤيته م: (يبطله) ش: جواب قوله: ثم إن كان، وجواب ما عطف عليه وهو الضرب الثاني من الضربين، أي يبطل خياره للرؤية في الضرب الأول.
والضرب الثاني وسواء في البطلان م: (قبل الرؤية وبعدها؛ لأنه لما لزم) ش: أي هذا التصرف إما لعدم إمكان رفعه أو لكونه موجبا حقا للغير م: (تعذر الفسخ فبطل الخيار) ش: ضرورة عدم إمكان العمل بالنص وفي " شرح الأقطع ": لو عاد إلى ملكه بسبب الرد بقضاء أو بفك الرهن، أو فسخ الإجارة لم يرد بخيار الرؤية؛ لأنه يبطل بعقده فلا يعود بسبب ملكه.
فإن قيل: بطلان الخيار قبل الرد مخالف لحكم النص؛ لأنه أثبت الخيار إذا رآه.
قلنا: ذلك فيما إذا أمكن العمل بحكم النص، وهذه التصرفات مبنية على الملك وصحة هذه التصرفات بناء على قيام الملك وبعد صحتها لا يمكن دفعها فيسقط الخيار ضرورة بطلان العقد، وخيار الرؤية بالنص فيما إذا بقي حكم العقد كذا في " الذخيرة ".
م: (وإن كان) ش: أي التصرف م: (تصرفا لا يوجب حقا للغير كالبيع بشرط الخيار) ش: بأن باع ما اشتراه قبل الرؤية بشرط الخيار م: (والمساومة) ش: بأن عرضه على البيع م: (والهبة من غير تسليم) ش: بأن وهبة لشخص ولكن لم يسلمه للموهوب له م: (لا يبطله) ش: جواب قوله: وإن كان تصرفا لا يوجب حقا للغير أي لا يبطل خيار الرؤية لكن ليس على الإطلاق بل إنما لا يبطله م: (إذا كان قبل الرؤية) ش: أي رؤية الشيء الذي اشتراه.
стр. 3990
لأنه لا يربو على صريح الرضا، ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا.
قال: ومن نظر إلى وجه الصبرة، أو إلى وجه الجارية، أو إلى ظاهر الثوب مطويا، أو إلى وجه الدابة وكفلها فلا خيار له، والأصل في هذا أن رؤية جميع المبيع غير مشروط لتعذره، فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود ولو دخل في البيع أشياء، فإن كان لا تتفاوت آحادها، كالمكيل، والموزون، وعلامته أن يعرض بالنموذج يكتفي
ــ
[البناية]
م: (لأنه) ش: أي؛ لأن هذا التصرف م: (لا يربو) ش: أي لا يزيد م: (على صريح الرضا) ش: وصريح الرضا لا يبطله قبل الرؤية، وبدليل الرضا أولى أن لا يبطل؛ لأنه دونه م: (ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا) ش: وفي " المجتبى ": لا يطالب المشتري بالثمن قبل الرؤية، ولا يتوقف الفسخ على الفضاء والرضاء، بل ينفسخ بمجرد قوله: رددت، سواء كان قبل المشتري أو بعده، لكنه لا يصح إلا بمحضر من البائع عند أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ خلافا لأبي يوسف ﵀.
والخلاف فيه كالخلاف في خيار الشرط والإجازة فصح بدونه، وليس في الدراهم والدنانير والديون خيار الرؤية، ولو كان أيضا من النقدين أو تبرا وحلي مصوغ فله الخيار، ولو تبايعا عينا بعين فلهما الخيار، ولو تبايعا عينا بدين فلمشتري العين خياره.
[نظر إلى وجه الصبرة أو إلى وجه الجارية فلا خيار له]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن نظر إلى وجه الصبرة أو إلى وجه الجارية) ش: ذكر الجارية وقع اتفاقا، فإن الحكم في الغلام كذلك في " الإيضاح ": المعتبر في العبد والأمة النظر إلى الوجه؛ لأن سائر الأعضاء في العبيد والجواري تبع للوجه.
ألا ترى أن القيمة تتفاوت بتفاوت الوجه مع التساوي في سائر الأعضاء م: (أو إلى ظاهر الثوب مطويا) ش: أي أو نظر إلى ظاهر الثوب حال كونه مطويا م: (أو إلى وجه الدابة) ش: أي أو نظر إلى وجه الدابة م: (وكفلها) ش: أي وإلى كفلها م: (فلا خيار له) ش: جواب من وما بعدها.
م: (والأصل في هذا) ش: أي في إسقاط خيار الرؤية م: (أن رؤية جميع المبيع غير مشروط لتعذره) ش: أي لتعذر رؤية الجميع على تأويل المذكور، وفي بعض النسخ لتعذرها فلا يحتاج إلى التأويل م: (فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود) ش: لحصول المقصود م: (ولو دخل في البيع أشياء) ش: يعني متعددة من جنس واحد.
م: (فإن كان لا تتفاوت آحادها كالمكيل والموزون) ش: والعددي المتقارب، وقيد بقوله: لا تتفاوت آحادها؛ لأنه إذا كان المكيل أو الموزون من أنواع مختلفة فخياره باق م: (وعلامته) ش: أي علامة الشيء الواحد الذي لا تتفاوت آحاده م: (أن يعرض بالنموذج) ش: بفتح النون وبيان
стр. 3991
برؤية واحد منها، إلا إذا كان الباقي أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار، وإن كان تتفاوت آحادها كالدواب والثياب لا بد من رؤية كل واحد منها، والجوز والبيض من هذا القبيل، فيما ذكره الكرخي ﵀، وكان ينبغي أن يكون مثل الحنطة والشعير لكونها متقاربة، إذا ثبت هذا فنقول: النظر إلى وجه الصبرة كاف؛ لأنه يعرف وصف البقية؛ لأنه مكيل يعرض بالنموذج، وكذا النظر إلى ظاهر الثوب مما يعلم به البقية إلا إذا كان في طيه ما يكون مقصودا كموضع
ــ
[البناية]
الأنموذج أيضا بضم الهمزة، وهو تعريب نموذجه كذا في المغرب م: (يكتفي برؤية واحد منها) ش: أي من هذه الأشياء المتعددة.
م: (إلا إذا كان الباقي) ش: من الذي ما رآه م: (أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار) ش: أطلق المصنف ﵀ الخيار، وفي " الينابيع " يثبت له خيار المعيب لا خيار الرؤية سواء كان في وعاء واحد أو أوعية مختلفة بعد أن يتحد الكيل في الجنس والصفة.
وفي " جامع قاضي خان " قال مشايخ بلخ ﵏: برؤية أحد الوعاءين لا يبطل خياره، والصحيح أنه يبطل؛ لأن رؤية البعض تعرف حال الباقي، فإن تغير الباقي له أن يرده.
وفي " الذخيرة " المكيل والموزون يكتفي برؤية البعض إذا كان في وعاء واحد، وإن كانا في وعاءين فرأى ما في أحدهما، اختلف المشايخ فيه قال مشايخ العراق ﵏: إذا رضي عما رأى يبطل خياره في الكيل إذا وجد ما في الوعاء الآخر مثل ما رأى أو فوقه، أما إذا وجد دونه فهو على خياره، ولكن إذا أراد الرد يرد الكل.
م: (وإن كان تتفاوت آحادها كالدواب والثياب لا بد من رؤية كل واحد منها) ش: لأن رؤية البعض لا تعرف الباقي لتفاوت في آحاده م: (والجوز والبيض من هذا القبيل) ش: أي من قبيل ما تتفاوت آحاده؛ لأنه يختلف بالصغر والكبر وهو اختيار قاضي خان ﵀ م: (فيما ذكره الكرخي ﵀) ش: ومال المصنف إلى أنه يكتفي برؤية واحد منها ولهذا قال: م: (وكان ينبغي أن يكون) ش: أي الجوز واللوز م: (مثل الحنطة والشعير لكونها) ش: أي لكون آحادهما أي آحاد الجوز واللوز م: (متقاربة) ش: فيكتفي برؤية البعض عن الباقي، وفي " المجرد " وهو الأصح وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵀.
م: (إذا ثبت هذا) ش: أي ما ذكرنا من التفصيل والتقرير م: (فنقول: النظر إلى وجه الصبرة كاف؛ لأنه يعرف وصف البقية؛ لأنه مكيل يعرض بالنموذج) ش: وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁، وحكي عنه أنه لا يكفي رؤية ظاهر الصبرة بل لا بد من تقلبها ليعرف حال باطنها، والمذهب المشهور هو الأول عنده.
م: (وكذا النظر إلى ظاهر الثوب مما يعلم به البقية إلا إذا كان في طيه ما يكون مقصودا كموضع
стр. 3992
العلم، والوجه هو المقصود في الآدمي، وهو والكفل في الدواب فيعتبر رؤية المقصود، ولا يعتبر رؤية غيره. وشرط بعضهم رؤية القوائم. والأول هو المروي عن أبي يوسف ﵀، وفي شاة اللحم لا بد من الجس لأن المقصود وهو اللحم يعرف به، وفي شاة القنية لا بد من رؤية الضرع
ــ
[البناية]
العلم) ش: وفي " شرح المجمع " المسألة معروفة في الثوب الذي لا يتفاوت ظاهره وباطنه حتى لو خالف لا بد من رؤية ظاهره وباطنه م: (والوجه هو المقصود في الآدمي) ش: أي العبد والأمة حتى لو نظر إلى غيره لا يبطل خياره، وعند الشافعي ﵁ لا بد في العبد من رؤية الوجه والأطراف، ولا يجوز رؤية العورة، وفي باقي البدن ذكره في التهذيب أنه لا بد من رؤية أظهر الوجهين، وفي الأمة له وجوه؛ أحدها: يعتبر رؤية ما يرى من العبد، والثاني: رؤية ما يبدو من الزينة، والثالث: يكفي رؤية الوجه والكفين، وفي رؤية الشعر وجهان، وفي " التهذيب ": أصحهما يشترط، ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أصح الوجهين كذا في " شرح الوجيز " وفي الغاية: الأولى تحكيم العرف.
م: (وهو) ش: أي الوجه م: (والكفل في الدواب فيعتبر رؤية المقصود ولا يعتبر رؤية غيره) ش: أي غير المقصود حتى لو رأى سائر أعضائه دون الوجه يبقى على خياره، وفي بعض النسخ دون غيرها أي غير الثلاثة، وهي الوجه في الآدمي، والوجه والكفل في الدواب، والأول أصح.
م: (وشرط بعضهم رؤية القوائم) ش: أي شرط بعض المشايخ ﵏ رؤية قوائم الدابة م: (والأول) ش: وهو رؤية الوجه والكفل م: (هو المروي عن أبي يوسف ﵀) ش: رواها بشر عنه، وعن أبي يوسف ﵀ يعتبر في الدواب عرف التجار وهو رواية المعلى عنه، وعن محمد ﵀ يكفي رؤية الوجه اعتبارا بالعبد والأمة، وعند الشافعي ﵁: لا بد من رؤية الوجه والكفل والقوائم ويجب رفع السرج والإكاف والحبل، وعند بعض أصحابه أنه لا بد من أن يجري الفرس بين يديه ليعرف سيره. كذا في " شرح الوجيز " م: (وفي شاة اللحم) ش: وهي الشاة التي تشترى للذبح لأجل اللحم م: (لا بد من الجس؛ لأن المقصود وهو اللحم يعرف به) ش: أي بالجس ليعرف أنها سمينة أو مهزولة.
م: (وفي شاة القنية) ش: وهي الشاة التي تحبس في البيت لأجل النتاج، وفي " المغرب " قنوت المال حميته قنوا وقنوة وقنية، اتخذته لنفسي قنية أي للنسل لا للتجارة، وقال الجوهري ﵀: قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنوه، وقنيت أيضا قنية وقنية إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة م: (لا بد من رؤية الضرع) ش: وفي " الذخيرة " لا بد من النظر إلى ضرعها وسائر جسدها.
стр. 3993
وفيما يطعم لا بد من الذوق؛ لأن ذلك هو المعرف للمقصود.
قال: وإن رأى صحن الدار فلا خيار له، وإن لم يشاهد بيوتها، وكذلك إذا رأى خارج الدار، أو رأى أشجار البستان من خارج، وعند زفر ﵀ لا بد من دخول داخل البيوت، والأصح أن جواب الكتاب على وفاق عادتهم في الأبنية، فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ، فأما اليوم فلا بد من الدخول في داخل الدار للتفاوت، والنظر إلى الظاهر لا يوقع العلم بالداخل.
ــ
[البناية]
م: (وفيما يطعم لا بد من الذوق؛ لأن ذلك) ش: أي الذوق م: (هو المعرف للمقصود) ش: وفي بعض النسخ؛ لأن ذلك أي الذوق.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن رأى صحن الدار) ش: قال الجوهري: صحن الدار وسطها م: (فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها، وكذلك) ش: أي لا خيار له م: (إذا رأى خارج الدار أو رأى أشجار البستان من خارج) ش: لأن كل جزء من أجزائها متعذر الرؤية، كما تحت السور وبين الحيطان من الجذوع والأسطوانات، ولا يشترط رؤية المطبخ والمزبلة والعلو إلا أن يكون العلو مقصودا كما في سمرقند.
م: (وعند زفر ﵀ لا بد من دخول داخل البيوت) ش: وبه قال ابن أبي ليلى، وعند الشافعي ﵁: لا بد مع ذلك من رؤية السقوف والمطبخ والسطوح والجدران خارجا وداخلا، ورؤية المستحم والبالوعة، وبه قال الحسن بن زياد ﵀ وقال في شرح الأقطع: والصحيح ما قاله زفر ﵀.
م: (والأصح أن جواب الكتاب) ش: أي القدوري ﵀ م: (على وفاق عادتهم) ش: أي عادة أهل الكوفة وأهل بغداد في زمن أبي حنيفة ﵀ م: (في الأبنية، فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ، فأما اليوم) ش: أي في ديارنا م: (فلا بد من الدخول) ش: كما قال زفر ﵀ م: (في داخل الدار للتفاوت) ش: لقلة المرافق وكثرتها.
م: (والنظر إلى الظاهر لا يوقع العلم بالداخل) ش: وهو الصحيح اليوم، وفي " المحيط " و" الذخيرة ": بعض مشايخنا قال: في الدار يعتبر ما هو المقصود حتى لو كان في الدار بيتان شتويان وبيتان صيفيان يشترط رؤية صحن الدار، وفي البستان يسقط الخيار برؤية خارجه أو رؤوس الأشجار في ظاهر الرواية، وأنكر بعض المشايخ ﵏ هذه الرواية، وقال: بأن المقصود من البستان باطنه فلا يبطل برؤية خارجه كذا في شرح المجمع.
وفي " جامع قاضي خان " ﵀ في الكرم لا يكتفي برؤية الخارج ورؤوس الأشجار، وفي " المحيط " هذا عندهم، أما في بلادنا لا بد من رؤية داخل الكرم، وفي عنب الكرم لا بد أن يرى من كل نوع بيتا، وفي النخل كذلك.
وفي الرمان من الحلو والحامض، وعند الشافعي ﵁ في البستان لا بد من رؤية
стр. 3994
قال: ونظر الوكيل كنظر المشتري حتى لا يرده إلا من عيب ولا يكون نظر الرسول كنظر المشتري، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: هما سواء وله أن يرده. قال: معناه الوكيل بالقبض؛ فأما الوكيل بالشراء فرؤيته تسقط الخيار بالإجماع. لهما أنه توكل بالقبض دون إسقاط الخيار
ــ
[البناية]
الأشجار والجدران ومسائل الماء لا رؤية أساس البستان وعروق الأشجار ونحوها، وفي رؤية ظهر الدار ومجرى الماء الذي يدور به المرحاض طريقان كذا في " شرح الوجيز " إذا اشترى دهنا في زجاج فنظر إلى الزجاج لا يكفي ذلك حتى يصبه على الكف عند أبي حنيفة ﵀، وبه قال أصحاب الشافعي ﵁، وعن محمد ﵀ أنه يكفي؛ لأن الزجاج لا يخفي صورة الدهن.
[نظر الوكيل كنظر المشتري في خيار الرؤية]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ونظر الوكيل كنظر المشتري) ش: صورة التوكيل أن يقول المشتري لغيره: كن وكيلي في قبض المبيع أي وكلتك بقبضه م: (حتى لا يرده إلا من عيب) ش: إذا ظهر فيه أي من عيب لم يعلمه الوكيل.
فإن كان قد علم يجب أن يبطل خيار المعيب، كذا ذكره الفقيه أبو جعفر ﵀، والصحيح أن لا يملك الوكيل بالقبض إبطال خيار العيب فيكون معناه علم أو لم يعلم، هكذا في " الجامع الصغير " لفخر الإسلام البزدوي ﵀.
م: (ولا يكون نظر الرسول كنظر المشتري) ش: صورته أن يقول: كن رسولي بقبضه أو قال: أرسلتك لقبضه أو قال: قل لفلان أن يدفع المبيع إليك، والفرق بين الوكيل والرسول أن الوكيل لا يضيف العقد إلى موكله بل يعقد بالاستبداد، والرسول لا يستغني عن الإضافة إلى المرسل، وقيل: لا فرق بين الرسول والوكيل في فصل الأمر بأن قال: اقبض المبيع ولا يسقط الخيار.
م: (وهذا) ش: أي عدم كون نظر الرسول كنظره م: (عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: هما سواء) ش: أي الوكيل والرسول سواء م: (وله) ش: أي وللمشتري م: (أن يرده) ش: أي المبيع إذا رآه فإن شاء أخذه وإن شاء تركه م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (معناه) ش: أي معنى قوله في " الجامع الصغير " ونظر الوكيل كنظر المشتري م: (الوكيل بالقبض) ش: أي معنى قوله م: (فأما الوكيل بالشراء فرؤيته تسقط الخيار بالإجماع) ش: وليس للموكل إذا رأى أن يرده؛ لأن حقوق العقد راجعة إلى الوكيل بالشراء م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (أنه توكل بالقبض) ش: أي أن الوكيل بالقبض توكل أي قبل الوكالة للقبض م: (دون إسقاط الخيار) ش: فلا يتعدى الحكم من القبض إلى إبطال الخيار.
стр. 3995
فلا يملك ما لم يتوكل به، كخيار العيب والشرط والإسقاط قصدا. وله أن القبض نوعان: تام وهو أن يقبضه وهو يراه؛ وناقص وهو أن يقبضه مستورا، وهذا؛ لأن تمامه بتمام الصفقة، ولا تتم مع بقاء خيار الرؤية، والموكل يملكه بنوعيه، فكذا الوكيل. ومتى قبض الموكل وهو يراه سقط الخيار، فكذا الوكيل لإطلاق التوكيل، وإذا قبضه مستورا انتهى التوكيل بالناقص منه، فلا يملك إسقاطه قصدا بعد ذلك بخلاف خيار العيب؛ لأنه لا يمنع تمام الصفقة
ــ
[البناية]
م: (فلا يملك ما لم يتوكل به) ش: لأن إبطال الخيار ليس من القبض م: (وصار كخيار العيب) ش: أي صار هذا كمن اشترى شيئا ثم وكل بقبضه فقبض الوكيل معيبا رائيا عيبه لم يسقط خيار العيب للموكل م: (والشرط) ش: أي وصار كخيار الشرط كمن اشترى بخيار الشرط ووكل بقبضه لم يسقط خيار الموكل.
م: (والإسقاط قصدا) ش: صورته: أن الوكيل بالقبض إذا قبضه مستورا ثم رآه وأسقط عنه الخيار قصدا لا يسقط الخيار عن الموكل، وقوله: قصدا احترازا عن الإسقاط الضمني فإنه لا يملك بقبض المبيع.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن القبض نوعان: تام وهو أن يقبضه) ش: أي الوكيل م: (وهو يراه، وناقص) ش: أي وقبض ناقص م: (وهو أن يقبضه مستورا) ش: وهو لا يسقط الخيار لعدم الرضا.
م: (وهذا) ش: إشارة إلى تنوعه بالنوعين م: (لأن تمامه) ش: أي تمام القبض م: (بتمام الصفقة، ولا تتم) ش: أي الصفقة م: (مع بقاء خيار الرؤية) ش: لأن تمامها بتناهيها واللزوم بحيث لا يرقد إلا برضا أو قضاء وخيار الرؤية والشرط يمنعان عن ذلك م: (والموكل يملكه) ش: أي يملك القبض م: (بنوعيه) ش: أي بنوعي القبض م: (فكذا الوكيل، ومتى قبض الموكل وهو يراه سقط الخيار فكذا الوكيل) ش: أي فكذا وكيله يملكه بنوعيه م: (لإطلاق التوكيل) ش: عملا بإطلاقه.
م: (وإذا قبضه مستورا) ش: جواب عما يقال: لا نسلم ذلك فإن الوكيل إذا قبضه قبضا ناقصا ثم رآه فأسقط الخيار قصدا لم يسقط، والموكل لو فعل ذلك سقط الخيار فليس الوكيل كالموكل في القبض الناقص لا محالة، فأجاب بقوله: وإذا قبضه أي الوكيل مستورا م: (انتهى التوكيل بالناقص) ش: أي بالقبض الناقص م: (منه) ش: أي من القبض م: (فلا يملك إسقاطه قصدا بعد ذلك) ش: لأنه لم يفوض إليه الإبطال قصدا وإنما يثبت له الإبطال مقتضى تتميمهم القبض، وهنا لما حصل القبض الناقص، انتهى الوكيل به فليس له بعد ذلك إبطال الخيار م: (بخلاف خيار العيب) ش: جواب عن قولهما: فصار كخيار العيب م: (لأنه لا يمنع تمام الصفقة) ش: لأنه لم يشرع تتميما للقبض بل لتسليم الجزء الفائت.
следующие страницы →