Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
بخلاف ما إذا باعه بجنسه مجازفة لما فيه من احتمال الربا. ولأن الجهالة غير مانعة من التسليم والتسلم فشابه جهالة القيمة.
قال: ويجوز بإناء بعينه لا يعرف مقداره وبوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، لما أنه يتعجل فيه التسليم فيندر هلاكه قبله، بخلاف السلم؛ لأن التسليم فيه متأخر، والهلاك ليس بنادر قبله فيتحقق المنازعة
ــ
[البناية]
والتمر التمر، والملح الملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» .
م: (بخلاف ما إذا باعه بجنسه مجازفة) ش: حيث لا يجوز م: (لما فيه من احتمال الربا) ش: لأنه ربما يزيد أحد الجنسين على الآخر فيصير ربا.
وقال الكاكي: قوله: إذا باعه بخلاف جنسه إنما يفيد فيما إذا كان شيئا يدخل تحت الكيل، وأما إذا كان قليلا لا يدخل تحت الكيل، فيجوز بيع بجنسه مجازفة أيضا كذا في " الذخيرة " م: (ولأن الجهالة) ش: عطف على قوله ﵊ أي؛ لأن جهالة بيع الحبوب والطعام مكايلة ومجازفة م: (غير مانعة من التسليم والتسلم فشابه جهالة القيمة) ش: أي شابه المجازفة جهالة القيمة بأن اشترى شيئا بدرهم، ولم يدر قيمته أزيد منه أو أنقص يجوز؛ لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، والمانع هي الجهالة المفضية إلى المنازعة.
م: (قال) ش: أي القدوري في "مختصره " م: (ويجوز) ش: أي البيع م: (بإناء بعينه) ش: بأن قال: بهذا الإناء وأشار إليه، ولكن م: (لا يعرف مقداره) ش: أي مقدار الإناء م: (وبوزن حجر) ش: أي وكذا يجوز البيع بوزن حجر م: (بعينه لا يعرف مقداره؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، لما أنه يتعجل فيه التسليم فيندر هلاكه قبله) ش: أي قبل التسليم؛ لأنه يندر هلاك كل من الإناء والحجر قبل التسليم.
وفي " المبسوط ": لو اشترى بهذا الإناء يدا بيد فلا بأس به؛ لأن في "المعين". البيع مجازفة يجوز.
م: (بخلاف السلم) ش: حيث لا يجوز فيه بإناء بعينه ولا بحجر بعينه م: (لأن التسليم فيه) ش: أي؛ لأن تسليم المعقود عليه في السلم م: (متأخر) ش: إلى مدة م: (والهلاك) ش: أي هلاك الإناء والحجر المعينين م: (ليس بنادر قبله) ش: أي قبل التسليم م: (فيتحقق المنازعة) ش: عند ذلك فلا يجوز.
وقال الكاكي: ويجوز بإناء من حديد أو خشب وما أشبه ذلك، أما إذا جهل كالزنبيل والجوالق والغراير لا يجوز، ولو باعه طعاما على أن يكيله بزنبيل أو بإناء يشبه الزنبيل لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا لو اشترط عليه وزن ثوب أو متاع أو ملء جوالق،
стр. 3922
وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز في البيع أيضا، والأول أصح وأظهر.
قال: ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع في قفيز واحد عند أبي حنيفة
ــ
[البناية]
وفي " جمع التفاريق " عن محمد جواز الشراء بوزن هذا الحجر وفيه الخيار، وعن أبي يوسف لا يجوز، وفي " جميع النوازل ": لو اشترى بوزن هذا الحجر ذهبا ثم علم به، جاز وله الخيار، وكذا لو باع عبده بما باع به فلان عبده جاز، وفي " جمع العلوم ": لو يعلم المشتري جاز وبما يبيع الناس لا يجوز، وهكذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁.
وحكي عنه وجه أنه يجوز، وإن لم يعلم ما باع فلان، وعن أبي جعفر لو قال: بعتك من هذه الحنطة ما يملأ هذا البيت لا يجوز، ومثل ما يملأ هذا الطست يجوز، وعن أبي حنيفة ﵁، لا يحوز شراء قربة من ماء هذا النهر؛ لأن الماء ليس عنده، ولا يعرف قدر القربة، وأطلق جوازه في " البحر "، وكذا قربة بعينها أو إداوة من ماء الفرات يوفيه في منزله.
وجوز أبي يوسف أيضا، وعنه إذا ملأ ثم تراضيا جاز وهذه مجازفة، وقال برهان الدين: باع كل حق له في هذه القربة ولم يعلمها نصيبه لم يجز، ولو علما جاز، ولو علم المشتري دون البائع جاز وبه قال الشافعي ومالك ﵄، وعلى عكسه لا يجوز عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي، وقال مالك: إن بينه البائع يجوز. م: (وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز في البيع أيضا) ش: أي في بيع المساواة أيضا، وهو رواية الحسن عنه، روى ذلك الفقيه أبو الليث في " العيون "، ثم قال: وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع فقال: إذا كان الإناء مما لا يقع إذا حشى فيه فالبيع جائز مثل الطست ونحو ذلك، وأما الزنبيل والجوالق فلا يجوز لاحتمال الزيادة والنقصان م: (والأول) ش: أراد به ما ذكره القدوري بقوله ويجوز بإناء بعينه لا يعرف مقداره م: (أصح) ش: ودليله مذكور في المتن م: (وأظهر) ش: أي بحسب الرواية والتعليل.
[باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع في قفيز واحد عند أبي حنيفة) ش: الصبرة الطعام المجتمع كالكومة وجمعها صبر بضم الصاد وفتح الباء. وقال الجوهري: الصبرة واحدة صبر الطعام، ويقال: اشتريت الشيء صبرة أو بلا وزن ولا كيل والقفيز مكيال، وجمعه قفزان قاله في " المغرب " ولم يبين قدره.
وقال الجوهري: القفيز ثمانية مكاكيك ولم يبين المكوك إلا في باب الكاف، وقال: المكوك مكيال وهو ثلاث كيلجات والكيلجة منان وسبعة أثمان من، والمن رطلان والرطل ثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلثا أستار، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانيق، والدانق: قيراطان، والقيراط: طسوجتان، والطسوج: حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم، والجمع مكاكيك، انتهى كلام الجوهري.
стр. 3923
إلا أن يسمي جملة قفزانها. وقالا: يجوز في الوجهين. له أنه تعذر الصرف إلى الكل؛ لجهالة المبيع والثمن فيصرف إلى الأقل وهو معلوم إلا أن تزول الجهالة بتسمية جميع القفزان، أو بالكيل في المجلس، ولهما أن الجهالة بيدهما إزالتها ومثل ذلك غير مانع، كما إذا باع عبدا من عبدين
ــ
[البناية]
م: (إلا أن يسمي جملة قفزانها) ش: في بعض النسخ جمع قفزانها فحينئذ يصح في الكيل، وكذلك إذا كال الصبرة في المجلس صح البيع، وثبت للمشتري الخيار.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد: م: (يجوز في الوجهين) ش: وهو ما إذا ذكر جملة القفزان، وما إذا لم يذكر وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵃.
م: (له) ش: أي لأبي حنيفة م: (أنه تعذر الصرف إلى الكل لجهالة المبيع والثمن) ش: لأن جملة القفزان غير معلوم، فيكون ما بإزائهما غير معلوم أيضا، فإن قيل: سلمنا جهالتهما ولكن جهالة لا تفضي إلى المنازعة فينبغي أن لا يفسد البيع كما في الأعراض المشار إليها؛ لأن كل قفيز بدرهم فبعد ذلك لا يتفاوت أن يكون الصبرة مائة، أو أقل، أو أكثر، قلنا: قد يفضي إلى المنازعة؛ لأن البائع يطالب المشتري بالثمن أولا، والثمن غير معلوم فيعجز عن تسليم الثمن، وكذا البائع يعجز عن تسليم المبيع لعدم عرفانه قدر المبيع، فيتنازعان م: (فيصرف إلى الأقل) ش: أي يصرف البيع إلى الأقل م: (وهو) ش: أي الأقل م: (معلوم) ش: أي معلوم القدر والثمن وجاز إفراده من الجملة؛ لعدم الضرر لأحد صيانة لكلاميهما عن الإلغاء بقدر الإمكان م: (إلا أن تزول الجهالة بتسمية جميع القفزان) ش: بأن يقول: بعتك هذه الصبرة بمائة درهم كل قفيز بدرهم فيصح حينئذ، ويقع البيع على جميعها م: (أو بالكيل) ش: أي أو تزول الجهالة بكيل الصبرة م: (في المجلس) ش: قيد به؛ لأنه إذا كال بعد الافتراق منه لا يصح؛ لأن ساعات المجلس جعلت كساعة واحدة، فالعلم فيه كالعلم في حالة العقد، أما لو افترقا تقرر الفساد فلا ينقلب جائزا.
فإن قيل: يشكل بما إذا كان الفساد بأجل مجهول أو بشرط خيار أربعة أيام، فإنه ينقلب جائزا برفع المفسد بعد الافتراق عن المجلس. قلنا: الفساد ثمة لم يتمكن في صلب العقد فلا يتقيد رفع المفسد بالمجلس، فإن أثر الفساد هناك لا يظهر في الحال بل يظهر عند دخول اليوم الرابع وامتداد الأجل إليه.
م: (ولهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن الجهالة بيدهما إزالتها) ش: أي إزالة الجهالة بأن يكيلا الصبرة في المجلس فلا يفضي إلى المنازعة م: (ومثل ذلك غير مانع) ش: أي مثل المذكور من الجهالة غير مانع عن صحة العقد، وفي بعض النسخ: ومثلها غير مانع، أي ومثل الجهالة الغير المفضية إلى المنازعة غير مانع، ونظر لذلك بقوله: م: (كما إذا باع عبدا من عبدين
стр. 3924
على أن المشتري بالخيار، ثم إذا جاز في قفيز واحد -عند أبي حنيفة فللمشتري الخيار لتفرق الصفقة عليه، وكذا إذا كيل في المجلس أو سمى جملة قفزانها؛ لأنه علم بذلك الآن فله الخيار. كما إذا رآه ولم يكن رآه وقت البيع. ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم فسد البيع في جميعها- عند أبي حنيفة، وكذلك من باع ثوبا مذارعة كل ذراع بدرهم ولم يسم جملة الذرعان. وكذا كل معدود متفاوت
ــ
[البناية]
على أن المشتري بالخيار) ش: إن شاء أخذ هذا وإن شاء أخذ ذلك، فإذا أخذ أيهما شاء ارتفعت الجهالة فكذا هنا. م: (ثم إذا جاز في قفيز واحد -عند أبي حنيفة فللمشتري الخيار لتفرق الصفقة عليه) ش: أي على المشتري ولا خيار للبائع، وإن تفرقت الصفقة عليه أيضا؛ لأن التفرق جاء منه وهو امتناعه عن تسمية جملة القفزان، أو الكيل في المجلس فيكون راضيا به م: (وكذا إذا كيل في المجلس) ش: أي وكذا الخيار للمشتري إذا كيل المذكور من الصبرة في المجلس م: (أو سمى جملة قفزانها) ش: بأن قال: بعتك هذه الصبرة مائة كل قفيز بدرهم فللمشتري الخيار أيضا.
م: (لأنه علم بذلك الآن فله الخيار) ش: لأنه ربما كان في حدسه أو ظنه أن الصبرة تأتي بمقدار ما يحتاج إليه فزادت، وليس له في الثمن ما يقابله، ولا يمكن أخذ الزائد مجانا، وفي تركه تفريق الصفقة على البائع أو نقصت فيحتاج أن يشتري في مكان آخر، وهل يوافق أم لا؟ فإذا كان كذلك فله الخيار؛ لأنه يصير م: (كما إذا رآه ولم يكن رآه وقت البيع) ش: فيثبت له الخيار. وقال تاج الشريعة: والجواب لأبي حنيفة من بيع عبد من عبدين أن القياس فيه الفساد فيه أيضا إلا أنا جوزناه استحسانا بالنص.
م: (ومن باع قطيع غنم) ش: أي طائفة منه، وكذا من البقر، وفي " المغرب " القطيعة الطائفة م: (كل شاة بدرهم) ش: يجوز في لفظ كل الرفع والنصب، أما الرفع فعلى الابتداء تقديره: كل شاة سميت بدرهم، وأما النصب فيحتمل أن يكون بدلا من القطيع بدل البعض عن الكل.
م: (فسد البيع في جميعها عند أبي حنيفة) ش: وهذه المسألة ذكرها القدوري ولم يذكر فيها الخلاف والمصنف ذكره.
م: (وكذلك من باع ثوبا مذارعة) ش: أي بشرط الذرع، كذا قاله الأترازي والكاكي، ولكن هذا اللفظ من باب المفاعلة، فالمعنى: من باع ثوبا على أنه والمشتري يذارعانه مذارعة م: كل ذراع بدرهم، ولم يسم جملة الذرعان) ش: بضم الذال جمع ذراع م: (وكذا) ش: أي وكذا فسد البيع إذا باع.
م: (كل معدود متفاوت) ش: أي متفاوت في القيمة كالبطيخ والرمان والسفرجل والخشب والأواني، ولم يسم جملة العدد، هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
стр. 3925
وعندهما يجوز في الكل لما قلنا، وعنده ينصرف إلى الواحد لما بينا، غير أن بيع شاة من قطيع، وذراع من ثوب لا يجوز للتفاوت، وبيع قفيز من صبرة يجوز لعدم التفاوت، فلا تفضي الجهالة إلى المنازعة فيه، وتفضي إليها في الأول فوضح الفرق.
قال: ومن ابتاع صبرة طعام على أنها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقل كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع؛ لتفرق الصفقة عليه، فلم يتم رضاه بالموجود. وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع؛ لأن البيع وقع على مقدار معين، والقدر ليس بوصف.
ــ
[البناية]
أحدها: أن يبين جملة الذرعان، وقال بعده: كل ذراع بدرهم ولم يبين جملة الثمن فهو جائز؛ لأن المبيع معلوم وجملة الثمن معلومة لبيان الذرعان.
الثانية: أن يبين جملة الثمن لا المبيع، وقال بعده: كل ذراع بدرهم فهو أيضا جائز؛ لأنه لما بين جملة الثمن، وسمى لكل ذراع درهما صار جميع الذرعان معلوما.
والثالثة: ألا يبين جملة المبيع ولا جملة الثمن، وقال بعده: كل ذراع بدرهم فهي مسألة الكتاب، ذكرها في النهاية، وعندهما؛ أي عند أبي يوسف ومحمد.
م: (وعندهما يجوز في الكل) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏ م: (لما قلنا) ش: وهو أن إزالة الجهالة بيدهما م: (وعنده) ش: أي وعند أبي حنيفة م: (ينصرف إلى الواحد لما بينا) ش: وهو قوله ينصرف إلى الأقل وهو معلوم م: (غير أن بيع شاة من قطيع وذراع من ثوب لا يجوز للتفاوت وبيع قفيز من صبرة طعام يجوز؛ لعدم التفاوت، فلا تفضي الجهالة إلى المنازعة فيه، وتفضي إليها) ش: أي وتفضي الجهالة إلى المنازعة.
م: (في الأول) ش: وهو بيع شاة من قطيع وذراع من ثوب م: (فوضح الفرق) ش: أي ظهر وانكشف وهو أن الأقل هو الشاة الواحدة من قطيع، والذراع من ثوب لم يصرف إليه للتفاوت، والقفيز الواحد من صبرة يصرف إليه لعدم التفاوت، وهو الفرق.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن ابتاع صبرة طعام) ش: أي من اشتراها م: (على أنها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقل) ش: أي من المائة وفي بعض النسخ أقل من ذلك م: (كان المشتري) ش: بكسر الراء م: (بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع؛ لتفرق الصفقة عليه) ش: أي على المشتري م: (فلم يتم رضاه بالموجود) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵃ م: (وإن وجدها أكثر) ش: أي وإن وجد الصبرة أكثر من مائة قفيز م: (فالزيادة للبائع؛ لأن البيع وقع على مقدار معين) ش: وهو مائة قفيز.
م: (والقدر ليس بوصف) ش: أي القدر الزائد على المقدار المعين ليس بوصف، فالبيع لا يتناوله فكان للبائع.
стр. 3926
ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة، أو أرضا على أنها مائة ذراع بمائة فوجدها أقل، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الذرع وصف في الثوب، ألا ترى أنه عبارة عن الطول والعرض
ــ
[البناية]
واعلم أن المشايخ ذكروا في الفرق بين القدر وهو الأصل، والوصف حدودا فقيل: كل ما يتعيب بالتنقيص والتشقيص فهو وصف، وما لا يتعيب بهما فهو أصل. وقيل: ما يكون وجوده جهة في تقوم نفسه وغيره، وعدمه جهة في نقصان نفسه وغيره فهو وصف، وما لا يكون بهذه المثابة فهو أصل فيخرج على هذا المكيلات والموزونات والمذروعات، فإن المكيل لا يتعيب بالتنقيص والمذروع يتعيب، والطول والعرض يزيد في قيمة نفسه وغيره، بخلاف المكيل والموزون، فإن صبرة الأقفزة إذا انتقص منها قفيز يشتري الباقي بالثمن الذي يخصه مع القفيز، والذراع الواحد إذا فات لا يشتري الباقي بالثمن الذي كان يشتري معه.
وقال الكاكي: وثمرة كون الذرع وصفا، والقدر أصلا يظهر في مواضع: منها ما ذكر في الكتاب وهو أنه إذا وجده زائدا فهو للبائع، ومنها: أنه لا يجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل الكيل والوزن إذا اشتراه بشرط الكيل. وفي المذروع يجوز له التصرف في المبيع قبل الذرع سواء اشتراه مجازفة أو على أنه عشرة أذرع؛ لأنه لما كان وصفا لا يكره اختلاط البيع بغيره، فيجوز التصرف له قبل الذرع؛ لأن الكل له سواء نقص أو زاد، بخلاف المكيل والموزون؛ لأن الزائد أصل لا تبع، فيلزم الاختلاف، فلا يجوز التصرف قبل الكيل أو الوزن، ومنها: أن بيع الواحد للاثنين لا يجوز في المكيلات والموزونات.
وفي المذروعات يجوز؛ لأن الزيادة لما كانت أصلا وكانت شيئا يعتد به فلا يجوز بدون المساواة في الأموال الربوية، بخلاف المذروع فلم يعتبر زيادة مانعة لكونه تبعا.
م: (ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة أو أرضا) ش: أي أو اشترى أرضا م: (على أنها مائة ذراع بمائة فوجدها أقل، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الذرع وصف في الثوب) ش: لما بينا من ظهور أمارة الوصفية، والتبعية فيه دون غيره من زيادة القوة بزيادته ونقصانه بنقصانه ولعدم تمكن أفراده من الجملة، حتى لو باع ذراعا من ثوب لم يجز؛ لأن المقصود من الثوب هو التزين واللبس لا يحصل بذراع، بخلاف القفيز من الصبرة.
م: (ألا ترى أنه عبارة عن الطول والعرض) ش: هذا توضيح لكونه بمنزلة الوصف.
فإن قيل: الاستدلال بهذا على أن الذرع وصف غير مستقيم، فإن الطول والعرض كما هو وصف فكذلك القلة والكثرة من حيث الكيل والوزن أيضا وصف، يقال شيء قليل وكثير، فلم يكن القفيز الزائد هنالك وصفا. قلنا: بل إن القلة والكثرة من حيث الكيل والوزن كان أصلا،
стр. 3927
والوصف لا يقابله شيء من الثمن كأطراف الحيوان، فلهذا يأخذه بكل الثمن، بخلاف الفصل الأول؛ لأن المقدار يقابله الثمن، فلهذا يأخذه بحصته إلا أنه يتخير لفوات الوصف المرغوب فيه لتغير المعقود عليه فيختل الرضا. وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري، ولا خيار للبائع؛ لأنه صفة فكان بمنزلة ما إذا باعه معيبا فإذا هو سليم. ولو قال: بعتكها على أنها مائة ذراع بمائة
ــ
[البناية]
ومن حيث الذرع كان وصفا لدخولهما تحت الحدود التي ذكرنا في التفرقة بين الأصل والوصف، فإنه زيادة شبر واحد مثلا على العشرة يوجب زيادة قيمة العشرة، مع أن وصف الكثرة والقلة حصل به؛ لأن الكثرة بكثرة الدخول بخلاف الذرع، فإن زيادته توجب زيادة قيمة لم تكن لها بدون ذلك الذرع، وهذا متعارف بين التجار فكان الذرع وصفا.
م: (والوصف لا يقابله شيء من الثمن) ش: إلا إذا كان مقصودا بالتناول حقيقة، كما إذا قطع البائع يد العبد المبيع قبل القبض يسقط نصف الثمن أو حكما لحق البائع، كما إذا حدث عيب آخر عند المشتري أو لحق الشارع، كما إذا خاط المشتري الثوب المبيع، ثم اطلع على عيب يكون للوصف قسط من الثمن م: (كأطراف الحيوان) ش: يعني إذا اشترى جارية فاعورت عند البائع لا ينتقص شيء من الثمن. وكذا المشتري باعها مرابحة إذا اعورت بعدما قبضها بدون البيان، وسيجيء ذلك في باب المرابحة إن شاء الله تعالى.
م: (فلهذا) ش: إيضاح لقوله: والوصف لا يقابله شيء من الثمن م: (يأخذه بكل الثمن) ش: أي يأخذ ذاك الثوب الذي اشتراه على أنه عشرة أذرع فوجده أقل، فإنه يأخذه بجملة الثمن إن شاء كما مر الآن م: (بخلاف الفصل الأول) ش: وهو فصل الكيل فإنه يأخذ الموجود بحصته من الثمن م: (لأن المقدار يقابله الثمن) ش: لأنه ليس بوصف م: (فلهذا) ش: أي ولكون المقدار لا يقابله شيء من الثمن م: (يأخذه بحصته) ش: من الثمن م: (إلا أنه يتخير) ش: استثناء من قوله: أي إلا أن المشتري خير بين الأخذ والفسخ م: (لفوات الوصف المرغوب فيه) ش: وفي نسخة شيخنا لفوات الوصف المذكور، ثم كتب تحته: أي المذكور في هذه المسألة في الفصل الأول م: (لتغير المعقود عليه فيختل الرضا) ش: أي رضا المشترى.
م: (وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري، ولا خيار للبائع؛ لأنه صفة) ش: أي؛ لأن الذرع صفة، والوصف لا يقابله شيء من الثمن م: (فكان) ش: نظير هذا م: (بمنزلة ما باعه معيبا) ش: بأن باع عبدا على أنه أعمى م: (فإذا هو سليم) ش: أي فإذا العبد وجد سليما أي بصيرا، حيث لا خيار فيه م: (ولو قال: بعتكها) ش: يعني الثياب والمذروعات كذا في " النهاية ". وقال الأكمل: فيه نظر؛ لأن المبيع إذا كان ثيابا لم تكن هذه المسألة، والأولى أن يقال بعني الأرض. وقال الأترازي: أي بعت الأرض والثياب م: (على أنها مائة ذراع بمائة
стр. 3928
درهم كل ذراع بدرهم فوجدها ناقصة فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الوصف وإن كان تابعا لكنه صار أصلا بإفراده بذكر الثمن، فينزل كل ذراع منزلة ثوب، وهذا؛ لأنه لو أخذه بكل الثمن لم يكن آخذا لكل ذراع بدرهم. وإن وجدها زائدة فهو بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع؛ لأنه إن حصل له الزيادة في الذرع يلزمه زيادة الثمن، فكان نفعا يشوبه ضرر فيتخير، وإنما يلزمه الزيادة لما بينا أنه صار أصلا، ولو أخذه بالأقل لم يكن آخذا بالمشروط.
ــ
[البناية]
درهم، كل ذراع بدرهم، فوجدها ناقصة، فالمشتري بالخيار، إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الوصف وإن كان تابعا لكنه صار أصلا بإفراده بذكر الثمن، فينزل كل ذراع منزلة ثوب) ش: وهذا معنى قولهم: إن الوصف يقابله شيء من الثمن، إذا كان مقصودا بالتناول.
فإن قيل: لو صار كل ذراع بمنزلة ثوب ينبغي أن يفسد البيع إذا وجدها زائدة. كما لو قال: بعتك هذه الرزمة على أنها خمسون ثوبا كل ثوب بعشرين درهما فوجدها زائدة فالبيع فاسد، وكذا لو اشترى عدلا على أنه كذا ثوبا ذكر ثمنا أن المشترى بالخيار.
قلنا: الفرق بينهما ما بينا أن في الذرع جهة الوصفية والأصلية، فمن حيث إنه أصل لا نسلم له الزيادة بغير عوض من حيث إنه وصف يكون بعض الذرعان تابعا للبعض، فلا يفسد، وأما بعض الثياب لا يكون تبعا للبعض فيبقى المبيع مجهولا بجهالة تفضي إلى المنازعة؛ لأن الثياب مختلفة كذا في " جامع قاضي خان ".
فإن قيل: لو كان أصلا على تقدير الإفراد بذكر الثمن يجب أن يمتنع دخول الزيادة في العقد كما في الصبرة، وقد جوز أخذ الجميع بحكم البيع في هذه المسألة. قلنا الفرق بينهما هو أن الزيادة لو لم تدخل في العقد يفسد العقد؛ لأنه يصير بعض ما مر الثوب وأنه لا يجوز بخلاف الصبرة؛ لأنها لو لم تدخل لا يفسد العقد، كذا في " الفوائد الظهيرية ". م: (وهذا) ش: أي أخذها بحصتها من الثمن إنما هو م: (لأنه لو أخذه بكل الثمن لم يكن) ش: أي المشتري م: (آخذا لكل ذراع بدرهم) ش: وهو لم يبع إلا بشرط أن يكون كل ذراع بدرهم؛ لأن كلمة على تأتي بمعنى الشرط م: (وإن وجدها زائدة) ش: عطف على قوله: فوجدها ناقصة.
م: (فهو بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع؛ لأنه إن حصل له الزيادة في الذرع يلزمه زيادة الثمن فكان نفعا يشوبه ضرر) ش: لأن الزيادة نفع، ولزوم الثمن بإزائهما ضرر، فإذا كان كذلك م: (فيتخير) ش: بين أخذ الجميع كل ذراع بدرهم وبين الفسخ م: (وإنما يلزمه الزيادة) ش: أي زيادة الثمن م: (لما بينا أنه صار أصلا) ش: مشروطا م: (ولو أخذه بالأقل لم يكن آخذا بالمشروط) ش: وهو أن يكون كل ذراع بدرهم.
стр. 3929
ومن اشترى عشرة أذرع من مائة ذراع من دار أو حمام فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، وقالا: هو جائز، وإن اشترى عشرة أسهم من مائة سهم جاز في قولهم جميعا، لهما أن عشرة أذرع من مائة ذراع عشر الدار فأشبه عشرة أسهم، وله أن الذراع اسم لما يذرع به، واستعير لما يحله الذراع، وهو المعين دون المشاع، وذلك غير معلوم بخلاف السهم. ولا فرق عند أبي حنيفة بين ما إذا علم جملة الذرعان، أو لم يعلم وهو الصحيح، خلافا لما يقوله الخفاف، لبقاء الجهالة.
ــ
[البناية]
م: (ومن اشترى عشرة أذرع من مائة ذراع من دار أو حمام فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، وقالا: هو جائز) ش: وبه قال الشافعي ﵁ ويعني بقوله وقالا: هو جائز إذا كانت الدار كلها مائة ذراع، هكذا ذكر الصدر الشهيد والإمام الزاهد العتابي في شرحيهما للجامع الصغير ولو كانت أقل من مائة لا يجوز بالإجماع.
م: (وإن اشترى عشرة أسهم من مائة سهم جاز في قولهم جميعا، لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن عشرة أذرع من مائة ذراع عشر الدار فأشبه عشرة أسهم) ش: أي في كونهما عشرا فتخصيص الجواز بأحدهما تحكم م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الذراع اسم لما يذرع به) ش: في الحقيقة وإرادة الحقيقة هنا متعذرة فيكون المراد ما يحله الذراع، وتجاوزه مجازا بإطلاق اسم الحال على المحل.
وهو معنى قوله: م: (واستعير لما يحله الذراع) ش: يعني استعير للموضع الذي يحل ذلك الخشب فيه؛ لأن المبيع المحل لا الخشب م: (وهو المعين) ش: أي ما يحله الذراع هو المعين، فكان المسمى في العقد جزءا معينا م: (دون المشاع) ش: يعني المشاع ليس كذلك م: (وذلك غير معلوم) ش: أي ما يحله الذراع غير معلوم موضعه لا يدري من أي جانب هو، فيبطل العقد م: (بخلاف السهم) ش: فإنه أمر عقلي لا يقتضي محلا حسيا، فيجوز أن يكون في المشايع فالجهالة لا تفضي إلى المنازعة.
م: (ولا فرق عند أبي حنيفة بين ما إذا علم جملة الذرعان أو لم يعلم، هو الصحيح) ش: يعني لا فرق بين ما إذا علم جملة الذرعان، كما إذا قال: عشرة أذرع من هذه الدار من غير ذكر ذرعان جميع الدار، وهو الصحيح لبقاء الجهالة المانعة من الجواز م: (خلافا لما يقوله الخفاف) ش: وهو أبو بكر أحمد بن عمرو من كبار العلماء المتقدمين، وله تصانيف كثيرة، وكان معاصرا مع الشيخ أبي جعفر أحمد بن أبي عمران ﵀ أستاذ أبي جعفر الطحاوي ﵏ تعالى -.
والخفاف يقول: إن الفساد إنما هو عند جهالة جملة الذرعان، وأما إذا عرفت مساحتها فإنه يجوز جعل هذه المسألة نظير ما لو باع كل شاة من القطيع بدرهم إذا كان جملة الشياه معلوما، فإنه يجوز عنده م: (لبقاء الجهالة) ش: دليل قوله: ولا فرق عند أبي حنيفة رضي الله
стр. 3930
ولو اشترى عدلا على أنه عشرة أثواب فإذا هو تسعة أو أحد عشر فسد البيع، لجهالة المبيع أو الثمن، ولو بين لكل ثوب ثمنا جاز في فصل النقصان بقدره وله الخيار، ولم يجز في الزيادة لجهالة العشرة المبيعة. وقيل: عند أبي حنيفة لا يجوز في فصل النقصان أيضا، وليس بصحيح
ــ
[البناية]
عنه، يعني أن جملة ذرعان الدار وإن عرفت لا يعلم موضع عشرة أذرع من مائة ذراع منها فبقيت الجهالة.
م: (ولو اشترى عدلا) ش: عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه في مقداره ومنه عدل الحمل، وقال الأترازي: العدل العلم إذا عدل بمثله م: (على أنه عشرة أثواب فإذا هو تسعة) ش: أي فظهرت أنها تسعة أثواب م: (أو أحد عشر) ش: أي أو ظهر أنه أحد عشر ثوبا م: (فسد البيع) ش: أما إذا زاد فهو م: (لجهالة المبيع) ش: لأن الزائد لم يدخل تحت العقد، فيجب رده، والأثواب مختلفة وكان المبيع مجهولا جهالة تفضي إلى المنازعة، وأما إذا نقص فلوجوب حصة الناقص عن ذمة المشتري وهي مجهولة؛ لأنه لا يدري أنه كان جيدا أو وسطا أو رديئا، وحينئذ لا يدري قيمته بيقين، حتى يسقط، فكانت جهالتها توجب جهالة الباقي من الثمن فلا يشك في فساده، وإلى هذا أشار بقوله: م: (أو الثمن) ش: أي فسد البيع لجهالة الثمن في صورة النقصان.
م: (ولو بين لكل ثوب ثمنا) ش: بأن يقول: كل ثوب بدرهم م: (جاز في فصل النقصان بقدره وله الخيار) ش: أي للمشتري الخيار إذا بين لكل ثوب إن شاء أخذ بحصته من الثمن، وإن شاء ترك م: (ولم يجز في الزيادة لجهالة العشرة المبيعة) ش: لأن العقد يتناول العشرة فعليه رد الثوب الزائد وهو مجهول وبجهالته يصير المبيع مجهولا.
م: (وقيل عند أبي حنيفة: لا يجوز في فصل النقصان أيضا) ش: أي قال البعض من مشايخنا: إن البيع فاسد عند أبي حنيفة في فصل النقصان أيضا؛ لأنه جمع بين المعدوم والموجود في صفته فكان قبول البيع في المعدوم شرطا لقبوله في الموجود فيفسد العقد، كما إذا جمع بين حر وعبد في صفقة، وسمى لكل واحد ثمنا، فإنه لا يجوز البيع عنده في القن، خلافا لهما كذلك هنا.
وكما لو اشترى هرويين فإذا أحدهما مروي فإن العقد فاسد عنده قال المصنف: م: (وليس بصحيح) ش: أي عدم الجواز في فصل النقصان غير صحيح.
وقال الأترازي: أي ما قيل: إن عند أبي حنيفة لا يجوز البيع في فصل النقصان ليس بصحيح؛ لأن ثمن كل ثوب معلوم قطعا، فإذا نقصت يكون باقي الثمن معلوما لا محالة.
стр. 3931
بخلاف ما إذا اشترى ثوبين على أنهما هرويان، فإذا أحدهما مروي حيث لا يجوز فيهما، وإن بين ثمن كل واحد منهما؛ لأنه جعل القبول في المروي شرطا لجواز العقد في الهروي، وهو شرط فاسد، ولا قبول يشترط في المعدوم فافترقا.
ولو اشترى ثوبا واحدا على أنه عشرة أذرع كل ذراع بدرهم فإذا هو عشرة ونصف أو تسعة ونصف. قال أبو حنيفة في الوجه الأول: يأخذه بعشرة من غير خيار
ــ
[البناية]
م: (بخلاف ما إذا اشترى ثوبين) ش: هذا جواب عما استدل به بعض المشايخ فيما قالوا بمسألة من اشترى ثوبين هرويين، فإذا أحدهما مروي على ما ذكرنا فقاله المصنف، هذا الذي نحن فيه لا يشبه هذه المسألة، وبين ذلك بقوله: بخلاف ما إذا اشترى ثوبين م: (على أنهما هرويان، فإذا أحدهما مروي حيث لا يجوز فيهما، وإن بين ثمن كل واحد منهما؛ لأنه جعل القبول في المروي شرطا لجواز العقد في الهروي وهو شرط فاسد) ش: لأن المروي غير مذكور في العقد، فشرط قبوله مما لا يقتضيه العقد، فكان فاسدا، بيانه أنه شرط لقبول المبيع قبول ما ليس بمبيع، وإنه مفسد للبيع لكونه مخالفا لمقتضى العقد، وهذا لا يوجد هاهنا، فإنه ما شرط قبول العقد في المعدوم وهو معنى قوله: م: (ولا قبول يشترط في المعدوم) ش: ولا قصد إيراد العقد على المعدوم؛ لعدم تصور ذلك فيه، وإنما قصد إيراده على الموجود فقط، ولكنه غلط في العدد. وهروي: بفتح الراء، ومروي بسكونها، قال الكاكي: منسوب إلى هراة ومرو؛ قريتان بخراسان وتبعه الأكمل على ذلك.
قلت: هذا عجيب منهما، فإن هراة مدينة عظيمة مشهورة بخراسان، قاله في " المشترك "، ومرو: مدينة قديمة يقال: إنها من بناء طحمورث، وقال في " المشترك " أيضا: مدينة عظيمة بينها وبين كل واحد من نيسابور وهراة وبلخ وبخارى اثنا عشر يوما.
م: (فافترقا) ش: أي شراء العدل على أنه عشرة أثواب بمائة كل ثوب بعشرة فإذا هو تسعة، وشراء الثوبين على أنهما هرويان فإذا أحدهما مروي افترقا، حيث جاز البيع في الأول دون الثاني.
وقال الكاكي: حاصل الفرق بينهما هو أن الشيئين الموصوفين بوصف إذا دخلا في عقد واحد كان قبول كل واحد منهما شرطا لصحة العقد في الآخر بذلك الوصف، فإذا انعدم ذلك الوصف كان فاسدا بالنظر إلى انعدام ذلك الوصف، وأما إذا كان أحدهما معدوما بذاته ووصفه لم يكن هذا داخلا في نفس العقد حتى يكون قبوله شرطا لصحة العقد في الآخر.
م: (ولو اشترى ثوبا واحدا على أنه عشرة أذرع كل ذراع بدرهم فإذا هو عشرة ونصف أو تسعة ونصف، قال أبو حنيفة -في الوجه الأول: يأخذه) ش: أي يأخذ الثوب في الأول، وهو فيما إذا ظهر عشرة ونصف م: (بعشرة) ش: ويسلم له النصف مجانا م: (من غير خيار) ش:
стр. 3932
وفي الوجه الثاني: يأخذه بتسعة إن شاء. وقال أبو يوسف: في الوجه الأول يأخذه بأحد عشر إن شاء، وفي الوجه الثاني يأخذه بعشرة إن شاء. وقال محمد في الأول يأخذه بعشرة ونصف إن شاء، وفي الثاني بتسعة ونصف ويخير؛ لأن من ضرورة مقابلة الذراع بالدرهم مقابلة نصفه بنصفه فيجزئ عليه حكمها. ولأبي يوسف أنه لما أفرد كل ذراع ببدل نزل كل ذراع منزلة ثوب على حدة وقد انتقص. ولأبي حنيفة أن الذراع وصف في الأصل، وإنما أخذ حكم المقدار بالشرط وهو مقيد بالذراع فعند عدمه عاد الحكم إلى الأصل، وقيل في الكرباس الذي لا تتفاوت جوانبه: لا يطيب للمشتري ما زاد على المشروط؛ لأنه بمنزلة الموزون حيث لا يضره الفصل
ــ
[البناية]
متعلق بقوله: يأخذه.
م: (وفي الوجه الثاني) ش: وهو فيما إذا ظهر أنه تسعة ونصف م: (يأخذه بتسعة إن شاء) ش: يعني له الخيار م: (وقال أبو يوسف: في الوجه الأول يأخذه بأحد عشر إن شاء) ش: يعني له الخيار م: (وفي الوجه الثاني يأخذه بعشرة إن شاء) ش: يعني له الخيار.
م: (وقال محمد: في الأول يأخذه بعشرة ونصف إن شاء، وفي الثاني بتسعة ونصف ويخير) ش: يعني له الخيار في الوجهين م: (لأن من ضرورة مقابلة الذراع بالدرهم مقابلة نصفه بنصفه فيجزئ عليه حكمها) ش: من التجزية وفي بعض النسخ (فيجري عليه) ، أي على النصف حكم المقابلة ويخير كما لو باع عشرة بعشرة فنقص ذراع.
م: (ولأبي يوسف أنه لما أفرد كل ذراع ببدل نزل كل ذراع منزلة ثوب على حدة وقد انتقص) ش: والثوب إذا بيع على أنه كذا ذراعا فنقص ذراع لا يسقط شيء من الثمن، ولكن يثبت له الخيار.
م: (ولأبي حنيفة أن الذراع وصف في الأصل) ش: لا يقابله شيء من الثمن م: (وإنما أخذ حكم المقدار) ش: وهو الكيل والوزن م: (بالشرط) ش: بأن قال: كل ذراع بدرهم م: (وهو) ش: أي الشرط م: (مقيد بالذراع فعند عدمه) ش: أي عدم الشرط، وهو ما إذا كان أقل من الذراع م: (عاد الحكم إلى الأصل) ش: وهو الوصف وصارت العشرة والنصف بمنزلة العشرة الجيدة، والتسعة والنصف بمنزلة التسعة الجيدة، كذا ذكره فخر الإسلام.
م: (وقيل في الكرباس) ش: أشار بهذا إلى أن هذه الأقوال الثلاثة في الثوب الذي يتفاوت كالقميص، والسراويل، والعمائم، والأقبية، أما في الثوب م: (الذي لا تتفاوت جوانبه) ش: كالكرباس الذي لا تتفاوت جوانبه م: (لا يطيب للمشتري ما زاد على المشروط؛ لأنه) ش: أي؛ لأن الكرباس م: (بمنزلة الموزون حيث لا يضره الفصل) ش: بالصاد المهملة، أي المقطع وإن كان
стр. 3933
وعلى هذا قالوا: يجوز بيع ذراع منه.
ــ
[البناية]
متصلا بعضه ببعض لكن ليس في الفصل ضرر كالموزون، فلا يتمكن فيه الضرب لسبب بمنزل البعض عن البعض، فيصير كل ذراع أصلا كالقفيز والكرباس بكسر الكاف فارسي معرب، والجمع الكرابيس م: (وعلى هذا قالوا) ش: أي المشايخ م: (يجوز بيع ذراع منه) ش: وإن لم يعين موضعه كما في الحنطة إذا باع قفيزا منها حيث يجوز، كذا في " الذخيرة "، وعند الشافعي ﵁: لو قال بعت قفيزا من هذه الحنطة يجوز لقولنا، وعن القفال من أصحابه إذا لم يعلما مبلغ قفزان الصبرة لم يصح، وقد خالف نص الشافعي كذا في " الحلية ".
стр. 3934
فصل ومن باع دارا دخل بناؤها في البيع، وإن لم يسمه؛ لأن اسم الدار يتناول العرصة والبناء في العرف، ولأنه متصل به اتصال قرار فيكون تبعا له. ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وإن لم يسمه؛ لأنه متصل به للقرار فأشبه البناء. ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية؛ لأنه متصل به للفصل فشابه المتاع الذي فيها
ــ
[البناية]
[فصل في بيان ما يدخل تحت البيع من غير ذكره]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان ما يدخل تحت البيع من غير ذكره، وما لا يدخل وما يلحقهما م: (ومن باع دارا دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه؛ لأن اسم الدار يتناول العرصة) ش: كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة م: (والبناء في العرف) ش: قيد به؛ لأنه بحسب اللغة لا يتناول البناء، وقد ورد في الأيمان أن البناء في مسألة اليمين حتى لو دخل العرصة بعد انهدام البناء يحنث، ولكن المطلق من الألفاظ ينصرف إلى المتفاهم في العرف، ولا يفهم في العرف من بيع الدار بيع عرصتها لا بناؤها بل بيعهما جميعا.
م: (ولأنه متصل به) ش: أي ولأن البناء متصل بالعرصة، ذكر الضمير باعتبار المكان م: (اتصال قرار فيكون تبعا له) ش: أي للعرصة باعتبار المكان أيضا وفي نسخة شيخي تابعا لها، وكذلك قوله متصلا بها على الأصل، فلا يحتاج إلى التأويل ويدخل السلم المتصل والفلق المركب والحجر الأسفل من الرحى، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵃.
وكذلك يدخل الحجر الأعلى عندنا وبه قال الشافعي ﵀ في الأظهر، ولا يدخل القفل ومفتاحه والباب الموضوع بالاتفاق.
م: (ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وإن لم يسمه؛ لأنه) ش: أي؛ لأن الشجر م: (متصل به) ش: أي بالأرض على تأويل المكان م: (للقرار فأشبه البناء) ش: فيكون تبعا له م: (ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية؛ لأنه) ش: أي؛ لأن الزرع م: (متصل به) ش: أي بالأرض م: (للفصل) ش: يعني ليس اتصاله للتأبيد، ولرفعه غاية معلومة م: (فشابه المتاع الذي فيها) ش: أي في الأرض فلم يدخل في المبيع إلا بالشرط، ونوقص بالحمل، فإنه متصل بالأم للفصل ويدخل في بيع الأم، والجواب أنه غير وارد على التفسير المذكور، فإن البشر ليس في وسعه فصل الحمل عن الأم.
وفي " الخلاصة " والقطن فاختلف المشايخ ﵏ فيه، والصحيح أنه لا يدخل، وأما الكتان إن كان ظاهرا فلا يدخل، وإن كان معيبا فالصحيح أنه يدخل، ثم قال: أما الأشجار إن كانت بحال تقطع في كل ثلاث سنين، وإن كانت تقلع من الأصل يدخل تحت
стр. 3935
ومن باع نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمرته للبائع، إلا أن يشترط المبتاع
ــ
[البناية]
البيع وهو الشجر الصغير الذي لا يباع في السوق في الربيع، وإن كانت تقطع من وجه الأرض فالصحيح أنها تدخل تحت البيع، أيضا من ذكر مثمرة كانت أو غير مثمرة، صغيرة أو كبيرة، للحطب أو لغيره، وفيه اختلاف المشايخ، واختار الولوالجي في "فتاواه " أنها لا تدخل؛ لأنها بمنزلة الثمر.
وفي " الفتاوى الصغرى ": قال مشايخنا: إن كان شجرا يغرس للقطع لا للبقاء كشجر الحطب وغيره لا تدخل؛ لأنها بمنزلة الزرع، وفي " الخلاصة ": وشجرة الخلاف والمغرب للمشتري، وكذا كل ما كان له ساق ولا يقطع أصله حتى كان شجرا، وأصل الآس والزعفران للبائع والقصب في الأرض كالثمرة والرطبة التي يقال لها سبيت كالثمر، وأما عروقها فتدخل في المبيع وقوام الخلاف يدخل في البيع وقوام الباذنجان كذلك، ذكره الإمام السرخسي، والإمام الفضلي جعل قوائم الخلاف كالتمر بلغ أوان القطع وبه قال وبه يفتي.
وقال الولوالجي في " فتاواه ": رجل اشترى كرما وفيه ورق التوت والورد، لا يدخل ذلك في البيع؛ لأنه بمنزلة التمر، وفي " المجتبى " يدخل في بيع الدار المخرج والمربط والمطبخ والبئر وبكرتها دون الحبل والدلو، إلا إذا قال مرافقها فيدخلان.
وقال الشافعي ﵁: ولا يدخل الشرب والطريق في بيع الأرض والدار إلا بذكر الحقوق ونحوها، وكذا في الإقرار والصلح والوصية وغيرها ويدخلان في الإجارة والقسمة والرهن والوقف وفي جمع البخاري ﵀ أراد بالطريق الذي لا يدخل في بيع الدار بلا ذكر الطريق الخاص في ملك إنسان.
أما الطريق إلى الطريق الأعظم أو إلى سكة غير نافذة يدخل بلا ذكر، وكذا حق مسيل الماء وحق إلقاء الشلخ في ملك خاص لا يدخل بلا ذكر الحقوق والمرافق. وبه قال الشافعي ﵁.
وفي " فتاوى قاضي خان ": والبستان الذي في الدار يدخل، وقيل: إن كان من الدار يدخل وإلا فلا، وفي " جمع البخاري " باع دارا لفنائها لم يصح كما إذا جمع بين حر وعبد في بيع الحانوت يدخل ألواحه، وإن لم يقل بمنافعه.
وفي " جمع البخاري ": قدور القصارين والصباغين والجاحين الغسالين وخوابي الزياتين ودناتهم، وجذع القصار الذي يدق عليه المثبت في الأرض لا يدخل، وإن قال بحقوقها.
[باع نخلا أو شجرا فيه ثمر]
م: (ومن باع نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمرته للبائع، إلا أن يشترط المبتاع) ش: أي المشتري م:
стр. 3936
لقوله ﵊: "من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع"، ولأن الاتصال وإن كان خلقة فهو للقطع لا للبقاء فصار كالزرع، ويقال للبائع: اقطعها وسلم المبيع، وكذا إذا كان فيها زرع؛ لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع، فكان عليه تفريغه وتسليمه، كما إذا كان فيه متاع. وقال الشافعي: يترك حتى يظهر صلاح الثمر ويستحصد الزرع؛ لأن الواجب إنما هو التسليم المعتاد. وفي العادة أن لا يقطع كذلك، وصار كما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع، قلنا هناك التسليم واجب أيضا حتى يترك بأجر، وتسليم العوض
ــ
[البناية]
(لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» ش: هذا الحديث غريب بهذا اللفظ، وأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: «من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلا مؤبرا فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع» .
م: (ولأن الاتصال) ش: أي اتصال الثمر بالشجر م: (وإن كان خلقة فهو للقطع لا للبقاء فصار كالزرع) ش: حيث لا يدخل في بيع الأرض م: (ويقال للبائع) ش: يعني إذا لم تدخل الثمرة تحت بيع النخل والشجر يقال البائع: م: (اقطعها) ش: أي اقطع الثمرة م: (وسلم المبيع) ش: للمشتري.
م: (وكذا) ش: أي وكذا الحكم م: (إذا كان فيها) ش: أي في الأرض م: (زرع) ش: يؤمر البائع بحصاد الزرع وتسليم الأرض للمشتري م: (لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع فكان عليه) ش: أي على البائع م: (تفريغه) ش: أي تفريغ ملك المشتري م: (وتسليمه) ش: إلى البائع م: (كما إذا كان فيه) ش: أي في ملك المشتري م: (متاع) ش: بأنه باع أرضا فيها متاعه أو حملا عليه رحله يجب التفريغ والتسليم.
م: (وقال الشافعي: يترك) ش: أي على الشجر م: (حتى يظهر صلاح الثمر ويستحصد الزرع) ش: يقال: استحصد الزرع، جاز له أن يحصد أي يقطع بالمنجل، وبقوله قال مالك وأحمد هذا إذا أطلق البيع، ولم يشترط القطع في الحال، وفي وجيزهم قال الشافعي ﵁: ليس لمشتري الأشجار أن يكلف البائع بقطع الثمار، بل الإبقاء إلى أوان القطاف للعرف م: (لأن الواجب إنما هو التسليم المعتاد. وفي العادة أن لا يقطع كذلك) ش: أي أن لا تقطع الثمر قبل ظهور صلاحها م: (وصار) ش: أي صار حكم هذا م: (كما إذا انقضت مدة الإجارة، وفي الأرض زرع) ش: حيث يؤخر إلى الحصاد.
م: (قلنا هناك) ش: أي في الزرع م: (التسليم واجب أيضا حتى يترك بأجر وتسليم العوض)
стр. 3937
كتسليم المعوض. ولا فرق بين ما إذا كان الثمر بحال له قيمة أو لم يكن في الصحيح، ويكون في الحالين للبائع؛ لأن بيعه يجوز في أصح الروايتين على ما نبين، فلا يدخل في بيع الشجر من غير ذكر، وأما إذا بيعت الأرض
ــ
[البناية]
ش: وهو الأجر م: (كتسليم المعوض) ش: وهو الأرض.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز أن يستأجر البائع الأرض والشجر من المشتري إلى وقت الإدراك فيكون تسليم الأجرة تسليم الأرض والشجر دفعا للضرر عنه.
قلنا: كان القياس في الإجارة والمبيع القطع والتسليم إلا أن في صورة البيع وجد من البائع دلالة الرضاء بقطع الثمر والزرع قبل الإدراك، وهو إقدامه على بيع الأرض والشجر مع علمه أن المشتري يطالبه بتفريغ ملكه عن ملك البائع وتسليمه إليه فارغا عن حق الغير، فلما وجد منه دلالة الرضا بذلك لم يجب رعاية جانبه بتبقية الأرض والشجر على حكم ملكه بالإجارة.
بخلاف المستأجر فإنه لم يوجد منه بعد انقضاء مدة الإجارة فعل ما يدل على الرضا بقطع الثمر والزرع، فوجب رعاية جانبه بتبقية الأرض على حكم ملكه بالإجازة، وأما العادة فغير مسلم، ولئن سلمنا كان المشترك؛ لأنهم كما يتركون حتى يستحصد الزرع يبيعون بشرط القطع كذا في " تعليقات البرغري ".
م: (ولا فرق) ش: قال الكاكي: كأنه رد لقول الشافعي ﵁ فإن عنده غير المؤبرة للمشتري.
وقال الأترازي: ولا فرق إلى آخره، يتصل بقوله: ومن باع نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمرته للبائع يعني، أن الثمر للبائع في الحالين يعني م: (بين ما إذا كان الثمر بحال له قيمة، أو لم يكن في الصحيح) ش: احترز به عن قول المشعري فإنه قال: إن لم يكن له قيمة يدخل، والصحيح أنه لم يدخل في الحالين؛ لأن بيعه يصح في أصح الروايتين وما يصح بيعه منفردا لا يدخل في بيع غيره. ولا يلزم عليه البقاء فإن بيعه يجوز منفردا، ومع أنه يدخل في بيع الأرض تبعا؛ لأن البناء للقرار فيكون كجزء من أجزاء البيع، بخلاف الثمر، فإنه المفصل فلم يكن كجزء من أجزائه.
م: (ويكون في الحالين) ش: أي في حال يكون له قيمة، وفي حال لا يكون له قيمة يكون م: (للبائع؛ لأن بيعه يجوز في أصح الروايتين على ما نبين) ش: أشار به إلى ما ذكره بعد تسعة خطوط بقوله: ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها في الحال، أو قد بدا جاز م: (فلا يدخل في بيع الشجر من غير ذكر) ش: يعني إذا كان الأمر كذلك لا يدخل الثمر في بيع الشجر بلا ذكر.
م: (وأما إذا بيعت الأرض) ش: قال الأكمل: قوله وإذا بيعت الأرض معطوف على ولا
стр. 3938
وقد بذر فيها صاحبها ولم ينبت بعد لم يدخل فيه؛ لأنه مودع فيها كالمتاع، ولو نبت ولم تصر له قيمة فقد قيل: لا يدخل فيه، وقد قيل: يدخل فيه، وكان هذا بناء على الاختلاف في جواز بيعه قبل أن يناله المشافر والمناجل، ولا يدخل الزرع والثمر بذكر الحقوق والمرافق؛ لأنهما ليسا منهما، ولو قال: بكل قليل وكثير
ــ
[البناية]
فرق، يعني الثمر لا يدخل في البيع وإن لم يكن له قيمة، وأما إذا بيعت الأرض م: (وقد بذر فيها صحابها) ش: أي والحال أن صاحبها قد بذر في الأرض.
م: (ولم ينبت) ش: أي والحال أنه لم ينبت م: (بعد لم يدخل فيه) ش: أي في البيع م: (لأنه) ش: أي؛ لأن البذر م: (مودع فيها) ش: أي في الأرض م: (كالمتاع) ش: الموضوع فيها حيث لا يدخل م: (ولو نبت ولم تصر له قيمة فقد قيل: لا يدخل فيه) ش: أي في البيع وهو قول أبي القاسم الصغار م: (وقد قيل: يدخل فيه) ش: وهو قول أبي بكر الإسكاف.
وفي " الذخيرة ": هذا إذا لم يفسد البذر في الأرض، فلو فسد وعفن فهو للمشتري؛ لأن العفن لا يجوز بيعه على الانفراد فصار بمنزلة جزء من أجزاء الأرض، فيدخل في بيع الأرض، واختار الفقيه أبو الليث أنه لا يدخل بكل حال، إلا إذا بيع مع الأرض نصا أو دلالة، وهو قول الشافعي ﵁.
وفي " فتاوى الفضلي " ولو عفن البذر في الأرض فهو للمشتري وإلا فهو للبائع، ولو سقاه المشتري حتى نبت ولم يكن عفن عند البيع فهو للبائع والمشتري متطوع فيما فعل، وكذا إذا نبت ولم يتقوم بعد م: (وكان) ش: قال الأكمل: وصحح بعض الشارحين بتشديد النون.
قلت: أراد به الأترازي فإنه قال: وكأن هذا بتشديد النون م: (هذا بناء على الاختلاف في جواز بيعه) ش: يعني فمن جوز بيعه م: (قبل أن يناله المشافر) ش: وهو جمع مشفر البعير، شفته م: (والمناجل) ش: جمع منجل بكسر الميم وهو ما يحصد به الزرع.
م: (ولا يدخل الزرع والثمر بذكر الحقوق والمرافق؛ لأنهما) ش: أي؛ لأن الزرع والثمر م: (ليسا منهما) ش: أي من الحقوق والمرافق، الحقوق جمع حق، والمراد به هاهنا ما يثبت له من ذلك، والمرافق: جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء، قال الجوهري: والمرفق من الأمر ما ارتفقت به، ومرافق الدار مسيل الماء أو نحوها.
م: (ولو قال: بكل قليل وكثير) ش: هذا يذكر للمبالغة في إسقاط حق البائع عن المبيع وما يتصل بالبيع.
والألفاظ في بيع الأرض المزروعة والشجرة المثمرة أربعة:
стр. 3939
وهو له فيها ومنها من حقوقها، أو قال: من مرافقها، لم يدخلا فيه لما قلنا. وإن لم يقل: من حقوقها أو من مرافقها دخلا فيه. أما الثمر المجذوذ والزرع المحصود لا يدخل إلا بالتصريح به؛ لأنه بمنزلة المتاع.
قال: ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها
ــ
[البناية]
الأول: أن يقول: بعت الأرض أو الشجر بكل قليل أو كثير م: (وهو له) ش: أي للبائع م: (فيها) ش: أي في الأرض م: (ومنها) ش: أي من الأشجار وقال شيخي ﵀ فيه لف ونشر؛ لأن قوله: فيها يرجع إلى الأرض التي فيها الزرع.
وقوله: منها يرجع إلى الأشجار التي فيها الثمر م: (من حقوقها) ش: أي قال من حقوقها م: (أو قال: من مرافقها لم يدخلا فيه) ش: أي الزرع والثمر م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله؛ لأنهما ليسا منهما.
والثاني: أن يقول: بعت منك قليل أو كثير هو له فيها ولم يقل: من حقوقها وهو معنى قوله م: (وإن لم يقل من حقوقها أو من مرافقها دخلا فيه) ش: أي في البيع لعموم تمام اللفظ.
والثالث: أن يقول: بعت الأرض والشجر ولم يزد على ذلك، وقد تقدم بيان ذلك.
والرابع: أن يقول: بعت بحقوقها ومرافقها لا يدخلان؛ لأن الحق في العادة يذكر لما هو تبع لا بد للمبيع منه كالطريق والشرب والمرافق، فإنه حقوقه وهو مخصوص بالتوابع كمسيل الماء، والزرع والثمار ليسا كذلك فلا يدخلان.
م: (أما الثمر المجذوذ) ش: بذالين معجمتين ويجوز بمهملتين؛ لأن كليهما بمعنى واحد وهو المقطوع، قال الأترازي: الأول بالإهمال لتناسب بينه وبين المحصود، وهو قوله: م: (والزرع المحصود لا يدخل إلا بالتصريح به) ش: أي لا يدخل بمجرد قوله: بكل قليل وكثير هو له فيها، وإن لم يقل من حقوقهما أو من مرافقها م: (لأنه) ش: أي؛ لأن كل واحد من المجذوذ والمحصود م: (بمنزلة المتاع) ش: الموضوع فيها.
[باع ثمرة لم يبد صلاحها]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها) ش: لا خلاف للعلماء في بيع الثمار بعد بدو الصلاح، لكن الخلاف في تفسير بدو الصلاح، فعندنا هو أن يأمن العاهة والفساد ذكره في " المبسوط ".
وعند الشافعي ﵁ ظهور الصلاح بظهور الفتح ومبادئ الحلاوة، أما قبل بدو الصلاح إذا اشتراها مطلقا يجوز عندنا، وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵃ لا يجوز البيع، والبيع بشرط القطع قبل بدو الصلاح يجوز فيما ينتفع به بالإجماع وبشرط الترك لا يجوز بالإجماع، وبيع الثمار قبل الظهور لا يجوز بالإجماع، وبعد الظهور على ثلاثة أوجه:
стр. 3940
أو قد بدا جاز البيع؛ لأنه مال متقوم، إما لكونه منتفعا به في الحال أو في المآل، وقد قيل: لا يجوز قبل أن يبدو صلاحها، والأول أصح. وعلى المشتري قطعها في الحال تفريعا لملك البائع، وهذا إذا اشتراها مطلقا أو بشرط القطع. وإن شرط تركها على النخيل فسد البيع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد
ــ
[البناية]
أحدها: أن يبيعها قبل صيرورتها منتفعا بها، فإن لم يصلح لتناول بني آدم وعلف الدواب فقال شيخ الإسلام: لا يجوز، وذكر القدوري في شرحه والإسبيجابي: أنه يجوز وإليه أشار محمد في كتاب الزكاة في باب العشر والخراج في الجامع وهو الصحيح.
والثاني: ما إذا باعه بعدما صار منتفعا به إلا أنه لم يتناه عظمه فالبيع جائز، ... فالبيع فاسد؛ لأنه شرط ما لا يقتضيه العقد وفيه نفع لأحد المتعاقدين.
والثالث: إذا باعه بعدما تناهى عظمه فالبيع جائز عند الكل إذا باعه مطلقا أو بشرط القطع، ولو باعه بشرط الترك لا يجوز في القياس، وهو قولهما ويجوز في الاستحسان، وهو قول محمد والشافعي ومالك وأحمد على ما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقال القدوري: ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها م: (أو قد بدا جاز البيع) ش: وقد روي عدم الجواز قبل بدو الصلاح والأول أظهر م: (لأنه مال متقوم إما لكونه منتفعا به في الحال أو في المآل) ش: وفي بعض النسخ، أو في الثاني أو ثاني الحال، كبيع الحجر، ومولود ولد من ساعته، ومهر صغير.
وفي " قاضي خان " لم يجوّز عامة مشايخنا بيع الثمار قبل أن تصير منتفعة؛ لنهيه ﵊ عن بيعها قبل بدو الصلاح، والمراد بالصلاح الانتفاع وقد قال الفضلي: يجوز بيعها قبل الظهور والنهي محمول على بيعها قبل ظهور صلاحها للانتفاع في الزمان الثاني.
م: (وقد قيل: لا يجوز) ش: وهو قول شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده م: (قبل أن يبدو صلاحها، والأول) ش: أي جواز البيع في الحالين م: (أصح) ش: كما قاله الإمام الفضلي واختاره المصنف م: (وعلى المشتري قطعها في الحال تفريغا لملك البائع وهذا) ش: إشارة إلى الجواز أي الجواز إنما يكون م: (إذا اشتراها مطلقا أو بشرط القطع) ش: أي إذا اشتراها بشرط أن يقطعه م: (وإن شرط تركها) ش: بأن قال: اشتريت على أني أتركه م: (على النخيل فسد البيع؛ لأنه) ش: أي؛ لأن شرط الترك م: (شرط لا يقتضيه العقد) ش: لأن مطلق البيع يقتضي
стр. 3941
وهو شغل ملك الغير أو هو صفقة في صفقة وهو إعارة أو إجارة في بيع، وكذا بيع الزرع بشرط الترك لما قلنا، وكذا إذا تناهى عظمها -عند أبي حنيفة وأبي يوسف - لما قلنا. واستحسنه محمد للعادة، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها؛ لأنه شرط فيه الجزء المعدوم وهو الذي يزيد بمعنى من الأرض أو الشجر. ولو اشتراها مطلقا وتركها بإذن البائع طاب له الفضل، وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته لحصوله بجهة محظورة، وإن تركها بعدما تناهى عظمها لم يتصدق بشيء؛ لأن هذا تغير حالة لا تحقق زيادة،
ــ
[البناية]
تسليم المعقود عليه م: (وهو) ش: أي شرط الترك الذي لا يقتضيه العقد م: (شغل ملك الغير أو هو) ش: أي البيع بشرط الترك م: (صفقة في صفقة) ش: وقد ورد النهي عنها وفسرها بقوله: م: (وهو إعارة أو إجارة في بيع) ش: أراد بها إجارة على تقدير أنها بأجرة، وإعارة على تقدير أنها بلا أجرة فيكون إدخال صفقته التي هي للإجارة، أو الإعارة في صفقة وهو البيع.
وقال مالك: وفيه تأمل؛ لأن ذلك إنما يكون صفقة إن جاز إعارة الأشجار أو إجارتها وليس كذلك، نعم هو مستقيم فيما إذا باع الفرس بشرط الترك فإن إعارتها أو إجارتها جائزة فيلزم صفقة في صفقة.
م: (وكذا بيع الزرع بشرط الترك) ش: أي كذا يفسد البيع بشرط أن يقول المشتري: اشتريته على أني أتركه إلى وقت الحصاد م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: لأنه شرط لا يقتضيه العقد. م: (وكذا) ش: أي وكذا يفسد البيع م: (إذا تناهى عظمها) ش: وشرط فيه الترك م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف لما قلنا) ش: أي؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد م: (واستحسنه محمد) ش: أي استحسن محمد هذا العقد في هذه الصورة، يعني لا يفسد البيع، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵃ م: (للعادة) ش: أي لتعامل الناس من غير نكير.
م: (بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها) ش: حيث يفسد م: (لأنه شرط فيه الجزء المعدوم وهو الذي يزيد بمعنى من الأرض أو الشجر) ش: وهو تأثيرهما في الزيادة م: (ولو اشتراها مطلقا) ش: يعني من غير شرط القطع والترك م: (وتركها بإذن البائع طاب له الفضل) ش: أي الفضل له من غير كراهة م: (وإن تركها بغير إذنه) ش: أي بغير إذن البائع م: (تصدق) ش: أي المشتري م: (بما زاد في ذاته) ش: أي يقوم قبل التناهي وبعده فيتصدق بفضل ما بينهما من قيمته م: (لحصوله) ش: أي لحصول ما زاد في ذاته م: (بجهة محظورة) ش: وهي حصولها بقوة الأرض المغصوبة م: (وإن تركها بعدما تناهى عظمها لم يتصدق بشيء؛ لأن هذا) ش: أي الذي زاد بعد التناهي م: (تغير حالة) ش: من النيئ إلى النضج م: (لا تحقق زيادة) ش: في الكم فإن الثمرة إذا صارت بهذه المثابة لا يزاد فيها من ملك البائع شيء بل الشمس تنضجها، والقمر يلونها، والكواكب تعطيها الطعم.
стр. 3942
وإن اشتراها مطلقا وتركها على النخيل، وقد استأجر النخيل إلى وقت الإدراك طاب له الفضل؛ لأن الإجارة باطلة لعدم التعارف والحاجة، فبقي الإذن معتبرا بخلاف ما إذا اشترى الزرع واستأجر الأرض إلى أن يدرك وتركه، حيث لا يطيب له الفضل؛ لأن الإجارة فاسدة للجهالة فأورثت خبثا. ولو اشتراها مطلقا فأثمرت ثمرا آخر قبل القبض فسد البيع؛ لأنه لا يمكنه تسليم المبيع لتعذر التمييز، ولو أثمرت بعد القبض يشتركان فيه للاختلاط، والقول قول المشتري في مقداره؛ لأنه في يده،
ــ
[البناية]
م: (وإن اشتراها مطلقا) ش: أي عن القطع والترك م: (وتركها على النخيل وقد استأجر النخيل إلى وقت الإدراك طاب له الفضل؛ لأن الإجارة باطلة) ش: أي؛ لأن إجارة النخيل لا تصح، كمن استأجرها ليجفف عليها الثياب وإنما تبطل الإجارة م: (لعدم التعارف) ش: فإن التعارف لم يجر فيها بين الناس باستئجار الأشجار م: (والحاجة) ش: أي ولعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأن الحاجة إلى الترك بالإجارة إنما تخفف إذا لم يكن مخلص سواها، وهاهنا يمكن لمشترٍ أن يشتري الثمار مع أصولها على ما سيأتي، فإذا بطلت الإجارة م: (فبقي الإذن معتبرا) ش: فيطيب له الفضل.
فإن قيل: لا نسلم إبقاء الإذن فإنه يثبت في ضمن الإجارة وفي بطلان المتضمن بطلان المتضمن كالوكالة الثابتة، وفي ضمن الرهن تبطل ببطلان الرهن. أجيب بأن الباطل معدوم؛ لأنه هو الذي لا تحقق له أصلا ولا وصفا ولا شرعا على ما عرف، والمعدوم لا يتضمن شيئا حتى يبطل ببطلانه، بل كان ذلك الكلام ابتداء عبارة عن الإذن فكان معتبرا.
م: (بخلاف ما إذا اشترى الزرع واستأجر الأرض إلى أن يدرك وتركه، حيث لا يطيب له الفضل؛ لأن الإجارة فاسدة للجهالة) ش: أي لجهالة وقت إدراك الزرع، فإن الإدراك قد يتقدم لشدة الحر وقد يتأخر للبرد، والفاسد ما له تحقق من حيث الأصل، فأمكن أن يكون متضمنا لشيء، ويفسد ذلك الشيء بفساد المتضمن، وإذا انتفى الإذن م: (فأورثت) ش: جهالة مدة الإدراك م: (خبثا) ش: وسبيل التصدق م: (ولو اشتراها مطلقا) ش: أي ولو اشترى الثمار مطلقا عن القطع والترك م: فأثمرت ثمرا آخر) ش: أي في مدة الترك م: (قبل القبض) ش: يعني قبل تخلية البائع بين المشتري والثمار م: (فسد البيع؛ لأنه) ش: أي؛ لأن البائع م: (لا يمكنه تسليم المبيع) ش: إلى المشتري م: (لتعذر التمييز) ش: أي بين الثمر الذي خرج بعد البيع وبين ما خرج قبل البيع.
م: (ولو أثمرت) ش: يعني ثمرة أخرى م: (بعد القبض) ش: لم يفسد البيع؛ لأن التسليم قد وجد وحدث ملك البائع واختلط بملك المشتري م: (يشتركان فيه للاختلاط) ش: أي لاختلاط غير المبيع بالمبيع م: (والقول قول المشتري في مقداره؛ لأنه في يده) ش: أي؛ لأن المبيع في يده فكان الظاهر شاهدا له، هذا ظاهر المذهب، وكان شمس الأئمة الحلواني يفتي بجوازه
стр. 3943
وكذا في الباذنجان والبطيخ، والمخلص أن يشتري الأصول لتحصل الزيادة على ملكه.
قال: ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة ، خلافا لمالك؛ لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول، بخلاف ما إذا باع واستثنى نخلا معينا؛ لأن الباقي معلوم بالمشاهدة، قال: قالوا: هذه رواية الحسن، وهو قول الطحاوي.
ــ
[البناية]
ويزعم أنه مروي عن أصحابنا.
وحكي عن الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ أنه كان يفتي بجوازه، ويقول: اجعل الموجود أصلا وما يحدث بعد ذلك تبعا، وبهذا شرط أن يكون الخارج أكثر.
م: (وكذا) ش: أي وكذا لا يجوز البيع م: (في الباذنجان والبطيخ) ش: إذا حدث شيء قبل القبض، وإذا حدث بعده يشتركان م: (والمخلص) ش: أي الحيلة في جوازه قبل القبض، وقال الأترازي: أي المخلص من فساد البيع م: (أن يشتري الأصول) ش: أي أصول الباذنجان وأصول البطيخ م: (لتحصل الزيادة على ملكه) ش: ليملكها.
وفي " الذخيرة " " والمغني ": قال أبو الليث: وفيه طريق آخر، وهو أن يأذن للمشتري في الترك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذونا في الترك بإذن جديد.
[يبيع ثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة) ش: قال تاج الشريعة: أي على الشجرة، أما إذا كان مجذوذا وباع واستثنى أرطالا معلومة جاز، وفي قوله: أرطالا إشارة إلى أن المستثنى لو كان رطلا واحدا يجوز؛ لأنه استثنى القليل من الكثير، بخلاف الأرطال لجواز أن لا يكون إلا ذلك القدر، فيكون استثنى الكل من الكل.
وفي " شرح الطحاوي " باع الثمر على رد من النخل إلا صاعا منها يجوز؛ لأن المستثنى معلوم، كما إذا كان الثمر مجذوذا موضوعا على الأرض فباع الكل إلا صاعا.
م: (خلافا لمالك) ش: فإنه يجوز كاستثناء شجرة معينة م: (لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول) ش: أي وزنا ومشاهدة، وقيل: والاستثناء وإن كان مجهولا وزنا لكنه معلوم مشاهدة، وكان بيع مجازفة وجهالة المجازفة لا يمنع صحة العقد؛ لأنها لا تفضي إلى المنازعة، والجهالة في مسألتنا يفضي فتمنع م: (بخلاف ما إذا باع واستثنى نخلا معينا؛ لأن الباقي معلوم بالمشاهدة) ش: كم هي نخلة فيصح.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (قالوا) ش: المشايخ: م: (هذه) ش: أي قول القدوري: ولا يجوز أن يبيع ثمرة، ويستثني منها أرطالا معلومة م: (رواية الحسن) ش: أي عن أبي حنيفة ﵀ م: (وهو قول الطحاوي) ش: قول الشافعي وأحمد -رحمهما الله-
стр. 3944
أما على ظاهر الرواية ينبغي أن يجوز؛ لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد، وبيع قفيز من صبرة جائز، فكذا استثناؤه بخلاف استثناء الحمل وأطراف الحيوان؛ لأنه لا يجوز بيعه فكذا استثناؤه.
ويجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره ، وكذا الأرز والسمسم. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الباقلاء الأخضر، وكذا اللوز والفستق، والجوز في قشره الأول عنده، وله في بيع السنبلة قولان، وعندنا يجوز ذلك كله، له أن المعقود عليه مستور بما لا منفعة له فيه، فأشبه تراب الصاغة إذا بيع بجنسه
ــ
[البناية]
أيضا م: (أما على ظاهر الرواية ينبغي أن يجوز) ش: يريد به على ظاهر قياس الرواية.
فإن حكم هذه المسألة لم يذكر في ظاهر الرواية صريحا، ولهذا قال: ينبغي أن يجوز م: (لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد وبيع قفيز من صبرة جائز، فكذا استثناؤه) ش:.
وينعكس إلى أن ما لا يجوز إيراد العقد عليه بانفراده لا يجوز استثناؤه م: (بخلاف استثناء الحمل وأطراف الحيوان؛ لأنه لا يجوز بيعه فكذا استثناؤه) ش: صورة استثنائه الحمل أن يقول: بعتك هذه الشاة إلا حملها، وصورة استثناء أطراف الحيوان بأن يقول: بعتك هذه الشاة إلا جلدها أو غيره، فإنه لا يجوز لا في حضر ولا في سفر.
وبه قال الشافعي ﵀ وقال أحمد: يجوز ذلك في الرأس والأكارع؛ لعدم الإفضاء إلى المنازعة غالبا، وتوقف في استثناء الشحم، وعن مالك أنه يجوز ذلك في السفر دون الحضر للضرورة فيه.
[بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره]
م: (ويحوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره، وكذا الأرز والسمسم) ش: يعني يجوز في قشرها، والحاصل أن بيع الشيء في خلافه لا يجوز إلا الحبوب مثل هذه المذكورة.
م: (وقال الشافعي: لا يجوز بيع الباقلاء الأخضر، وكذا اللوز والفستق والجوز في قشره الأول عنده) ش: أي عند الشافعي ﵁ م: (وله) ش: أي وللشافعي ﵁ م: (في بيع السنبلة قولان) ش: في قوله القديم يجوز، وفي قوله الجديد لا يجوز، وله أيضا وجهان في الباقلاء الأخضر، والمنصوص عليه أنه لا يجوز وهو ظاهر مذهبه. وقال الإصطخري وكثير من أصحابه: يجوز كقولنا. وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله- م: (وعندنا يجوز ذلك كله) ش: أي بيع المذكور في الحبوب كله يجوز عندنا م: (له) ش: أي للشافعي ﵁ م: (أن المعقود عليه مستور بما لا منفعة له فيه) ش: أي للمشتري في المعقود عليه م: (فأشبه تراب الصاغة إذا بيع بجنسه) ش: يعني لا يجوز لاحتمال الربا.
ولا ينصرف إلى خلاف الجنس تحريا للجواز كما في بيع الدرهم والدينارين بدرهمين
стр. 3945
ولنا ما روي عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهى، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة» ولأنه حب منتفع به فيجوز بيعه في سنبله كالشعير، والجامع كونه مالا متقوما بخلاف تراب الصاغة؛ لأنه إنما يجوز بيعه بجنسه لاحتمال الربا، حتى لو باعه بخلاف جنسه جاز، وفي مسألتنا لو باعه بجنسه لا يجوز أيضا، لشبهة الربا؛ لأنه لا يدري قدر ما في السنابل.
ــ
[البناية]
ودينار؛ لأن التراب ليس بمال يتقوم، وتراب الصاغة هو التراب الذي فيه برادة الذهب والفضة، والصاغة: جمع صائغ، ووجه المشابهة بينهما استتاره بما لا منفعة فيه.
م: (ولنا ما روي «عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهى، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة» ش: هذا الحديث رواه الأئمة الستة غير البخاري، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخيل» .... إلى آخره نحوه، ولا آخره نحوه نهى البائع والمشتري، قوله: حتى يزهى أي يحمر أو يصفر.
وقال أبو زيد والكسائي: زهى يزهو وأزهى يزهى بمعنى، أي احمر الثمر أو اصفر، وقال أبو عبيد: أنكر الأصمعي أزهى ونقل الزمخشري في فائقه عن كتاب العبن يزهو خطأ، إنما هو، يزهى، قوله: العاهة أي الآفة.
م: (ولأنه) ش: أي وبمعنى المذكور من الحبوب م: (حب منتفع به) ش: وهذا كأنه جواب عن قوله: إن المعقود عليه مستور بما لا نفع فيه، وتقريره لا نسلم أنه لا منفعة له بل هو حب منتفع به، ومن أكل الفوائت يشهد بذلك، وأن الحبوب المذكورة تدخر في قشرها، قال الله تعالى: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] وهو الانتفاع لا محالة م: (فيجوز بيعه في سنبله كالشعير) ش: في سنبله، فإنه يجوز بالاتفاق م: (والجامع) ش: يعني في تشبيه بيع الحنطة في قشرها، وبيع الشعير في سنبله م: (كونه) ش: أي كون كل واحد منهما م: (مالا متقوما، بخلاف تراب الصاغة؛ لأنه إنما لا يجوز بيعه بجنسه لاحتمال الربا، حتى لو باعه بخلاف جنسه جاز) ش: لعدم ذلك الاحتمال، وقال محمد في الأصل: فإن كان تراب ذهب بتراب فضة فهو جائز، وكل واحد منهما بالخيار إذا رأى ما فيه.
واعلم أن بيع تراب الصاغة بخلاف الجنس إنما يجوز إذا وجد فيه الذهب أو الفضة وإذا لم يوجد فلا، ألا ترى إلى ما قال في الفتاوي الولوالجي: رجل اشترى تراب الصواغين بعرض فهذا على وجهين: إن وجد فيها ذهبا أو فضة جاز البيع؛ لأنه تبين أنه اشترى الذهب والفضة بالعروض وإن لم يجد فيها ذهبا أو فضة لا يجوز.
م: (وفي مسألتنا) ش: المتنازع فيها م: (لو باعه بجنسه) ش: أي لو باع حب الحنطة في السنبل بالحنطة م: (لا يجوز أيضا لشبهة الربا؛ لأنه لا يدري قدر ما في السنابل) .
стр. 3946
ومن باع دارا دخل في البيع مفاتيح أغلاقها؛ لأنه يدخل فيه الأغلاق؛ لأنها مركبة فيها للبقاء، والمفتاح يدخل في بيع الغلق من غير تسميته؛ لأنه بمنزلة بعض منه إذ لا ينتفع به بدونه.
ــ
[البناية]
ش: فإن قيل: ما الفرق بين مسألتنا وبين ما إذا باع حب قطن بعينه أو نوى تمرٍ في تمر بعينه، وهما شيئان في كون المبيع متلفا، أجيب: بأن الغالب في السنبلة الحنطة يقال: هذه حنطة وهي في سنبلها، ولا يقال: هذا حب وهو في القطن، وإنما يقال: هذا قطن، وكذلك في التمر، إليه أشار أبو يوسف ﵀.
فإن قلت: استدل الشافعي ﵀ أيضا فيما ذهب إليه، «فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» وهذا الذي ذكرتم منه لا يدرى قدر الحب في السنابل، واستدل أيضا «بأنه ﵊ نهى عن بيع الطعام حتى يفرك» .
قلت: حديث النهي عن بيع الغرر محمول على بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء؛ لأن الغرر ما له عاقبة مستورة، كذا ذكره في " الصحاح "، أو يحمل على بيعه قبل أن يشتد، وحديث الفرك رواه ابن حبان في رواية عوضا عن قوله ﵊: «وعن بيع الحب حتى يشتد» . أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث حماد بن سلمة.
وقوله: حتى يفرك أي حتى يصير بحال يتأتى فيه الفرك، والحمل عليه أولى توفيقا بينه وبين ما روينا فافهم.
م: (ومن باع دارا دخل في البيع مفاتيح أغلاقها) ش: الأغلاق بفتح الهمزة جمع غلق بفتحتين وهو ما يغلق ويفتح بالمفتاح م: (لأنه يدخل فيه) ش: أي في البيع م: (الأغلاق؛ لأنها مركبة فيها) ش: في الدار م: (للبقاء) ش: لا للانفصال م: (والمفتاح يدخل في بيع الغلق من غير تسميته؛ لأنه) ش: أي؛ لأن المفتاح م: (بمنزلة بعض منه) ش: أي من الغلق م: (إذ لا ينتفع به) ش: أي بالغلق م: (بدونه) ش: أي ما بالغلق بالمفتاح وفي بعض النسخ إذ لا ينتفع به بدونه، أي بدون المفتاح، وفي " الفوائد الظهيرية ": هذا إذا كانت الأغلاق مركبة في حيطان الدار، أما إذا كانت منفصلة فلا تدخل بدون الذكر.
فإن قلت: يرد على هذا التعليل الطريق، حيث لا يدخل في بيع الدار مع أن الدار لا ينتفع إلا بها.
قلت: إنما لا يدخل الطريق؛ لأن المقصود من شراء الدار ربما يكون نفس الملك لا الانتفاع بها بأن يكون مراد المشتري بها أخذ دار يجنبها لسبيل الشفعة، حتى إذا كان المقصود الانتفاع بها يدخل الطريق أيضا، كما في الإجارة والقسمة والصدقة الموقوفة.
стр. 3947
قال: وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والذراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد؛ لأن النقد يكون بعد التسليم، ألا ترى أنه يكون بعد الوزن والبائع هو المحتاج إليه؛ ليميز ما تعلق به حقه من غيره، أو ليعرف المعيب ليرده. وفي رواية ابن سماعة عنه: على المشتري؛ لأنه يحتاج إلى التسليم الجيد المقدر، والجودة تعرف بالنقد كما يعرف القدر بالوزن فيكون عليه. قال: وأجرة وزان الثمن على المشتري؛ لما بينا أنه هو المحتاج إلى تسليم الثمن وبالوزن يتحقق التسليم. قال: ومن باع سلعة بثمن قيل للمشتري ادفع الثمن أولا؛ لأن حق المشتري تعين في المبيع فيقدم دفع الثمن ليتعين حق البائع بالقبض، لما أنه لا يتعين بالتعيين تحقيقا
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو) ش: أي التسليم م: (على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والذراع والعداد) ش: قيد به؛ لأنه لو بيع مجازفة لا يجب أجرة هؤلاء على البائع إذا باع بشرط الوزن والذرع والعدد؛ لأن تحقق الإبقاء بذلك م: (وأما النقد) ش: أي وأما أجرة ناقد الثمن م: (فالمذكور) ش: أي في القدوري أنه على البائع.
م: (رواية ابن رستم عن محمد؛ لأن النقد يكون بعد التسليم، ألا ترى أنه) ش: أي التسليم م: (يكون بعد الوزن) ش: أي بعد وزن الثمن م: (والبائع هو المحتاج إليه ليميز ما تعلق به حقه من غيره) ش: أي من غير حقه من الرديء م: (أو ليعرف) ش: أي البائع م: (المعيب) ش: إذا وجده معيبا م: (ليرده) ش: على المشتري.
م: (وفي رواية ابن سماعة عنه) ش: أي عن محمد أجرة النقاد م: (على المشتري؛ لأنه يحتاج إلى التسليم الجيد المقدر) ش: لأن حق البائع في القدر والجودة جميعا م: (والجودة تعرف بالنقد كما يعرف القدر بالوزن فيكون عليه) ش: أي على المشتري، وقال الفقيه أبو الليث "في العيون ": أجرة وزان الثمن والناقد على المشتري؛ لأن عليه أن يوفيه الوزن، وفي " الخلاصة ": والصحيح أنها على المشتري.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وأجرة وزان الثمن على المشتري لما بينا أنه) ش: أي أن المشتري م: (هو المحتاج إلى تسليم الثمن، وبالوزن يتحقق التسليم) ش: فيكون الوزان على المشتري.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن باع سلعة بثمن) ش: أي بالدراهم والدنانير م: (قيل للمشتري: ادفع الثمن أولا؛ لأن حق المشتري تعين في المبيع فيقدم دفع الثمن ليتعين حق البائع بالقبض، لما أنه) ش: أي أن الثمن، قال الشافعي في قول: وبه قال مالك: م: (لا يتعين بالتعيين تحقيقا
стр. 3948
للمساواة. قال: ومن باع سلعة بسلعة أو ثمنا بثمن قيل لهما سلما معا؛ لاستوائهما في التعيين وعدمه، فلا حاجة إلى تقديم أحدهما في الدفع.
ــ
[البناية]
للمساواة) ش: أي في المالية، وبقولنا قال الشافعي ﵁ في الأصح: إنه يجبر البائع على تسليم المبيع أولا، وبه قال أحمد. وعنه في قول يجبرهما الحاكم على التسليم فيأمر كل واحد منهما إحضار ما عليه، فإذا أحضراه يسلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري.
وفي قول: لا يجبرهما ويمنعهما عن التحام، فإذا سلم أحدهما أجبر الآخر، كذا في " شرح الوجيز "، وقال الأترازي: وهذا الذي قلنا من وجوب دفع الثمن أولا على المشتري فيما إذا كان المبيع حاضرا، أما إذا كان غائبا فلم يقص عليه الشيخ أبو الحسن الكرخي في "مختصره".
وقال: فإن كان المبيع غائبا عن حضرتهما فللمشتري أن يمتنع من التسليم حتى يحضر المبيع، ويكون بحيث يمكنه قبضه في مكانه إذا دفع الثمن، ثم البيع في زمان الحبس في ضمان البائع إلى أن يسلمه إلى المشتري، حتى إذا هلك في يد البائع انتقض البيع، ويعود الثمن إلى المشتري.
[باع سلعة بسلعة أو ثمنا بثمن]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن باع سلعة بسلعة أو ثمنا) ش: أي وباع م: (بثمن قيل لهما: سلما معا) ش: هذا بإجماع الأئمة الأربعة. م: (لاستوائهما) ش: أي باستواء البائع والمشتري م: (في التعيين وعدمه فلا حاجة إلى تقديم أحدهما في الدفع) ش: أي في دفع المبيع والثمن. وفي " المجتبى ": لا بد من معرفة كيفية التسليم والتسلم ومكان التسليم، التخلية بين المشتري وبين المبيع من غير مانع من قبضه، وبه يدخل البيع في ضمان المشتري.
قال ابن شجاع: وهذا باتفاق أهل العلم، وقال الشافعي ﵁: القبض في الدراهم والدنانير لهما بالتزاحم، وفي الثياب ونحوها بنقله من مكان إلى مكان إلا الطعام مكايلة فبالمكيل وفي العقار والشجر بالتخلية، وفي " الغاية ": المحكم فيه العرف فقبض العقار بالتخلية وقبض المنقول النقل إلى مكان لا يختص بالبائع، وبه قال أحمد، وفي " المجتبى ": أمره البائع بالقبض فلم يقبضه حتى أخذه إنسان فإن أمكنه قبضه من غير قيام صح التسليم وإلا فلا.
وفي " النظم ": أمر البائع المشتري بحلق شعر العبد أو بالحجامة أو يسقيه دواء، أو بتداوي جرحه ففعل لا يصير قابضا، ولو قبض المشتري فوجد فيه عيبا ففعل هذه الأشياء لا يكون رضا ولو أمره بختان الجارية أو العبد أو الفصد أو ربط جرحه أو قطع عرقه، أو كان ثوبا فقطه أو قصره أو غسله، أو فعلا يحذوه، أو طعاما تطبخه، أو جارية فأمره أن يزوجها فزوجها ودخل بها زوجها - يكون قبضا، ولو لم يدخل لا يكون قبضا، ولو فعل المشتري شيئا من هذه الأشياء بعد
стр. 3949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وجدان العيب به يصير راضيا، ولو لم يكن له الرد فيرجع بالنقصان في هذا كله.
وفي " جمع النوازل ": دفع المفتاح في بيع الدار تسليم إذا تهيأ له فتحه من غير كلفة، ولو باع حنطة في بيته ودفع إليه المفتاح ليقبض فإن قال: خليت بينك وبينها فتسلم وإلا فلا تسلم الدار، وهما غائبان عنها، وقال المشتري قبضتها لم يصر قابضا حتى يكون قريبا بحيث يقدر إغلاقها.
وفي " جامع شمس الأئمة ": يصح القبض وإن كان العقار غائبا عند أبي حنيفة خلافا لهما اشترى فرسا في حظيرة، فقال البائع: سلمته إليك ففتح المشتري الباب فذهب فإن أمكنه أخذه بيده بلا عون كان تسليما، وإلا فلا، وكذا الطير.
وفي جامع شمس الأئمة: إن كان لا يقدر بقبضه إلا مع الحبل وليس معه حبل لا يكون قبضا وعلى هذا العون، ولو كان معه حبل وعون فقبض، وكذا لو اشترى رمكة من الرماك في حظيرة، ولو اشترى الرماك كلها، فالتخلية بينه وبين الحظيرة تسليم، حتى لو غلبته وهلكن هلكن من المشتري، ولو كان في البيت متاعه وإن قل أو ذرعه يمنع التسليم.
وعن الوبري: المتاع لغير البائع لا يمنع، فلو أذن له بقبض المتاع والبيت صح وصار المتاع وديعة عنده ولو هلك الثوب وهو في أيديهما بعد التخلية فهو قبض عند محمد خلافا لأبي يوسف. ولو اشترى دهنا ودفع قارورة ليزنه فيها بحضرة المشتري، فهو قبض، وكذلك تعيينه على الأصح وإن كان في بيت البائع، وكذا سائر المكيلات والموزونات إذا وزنها أو كالها في وعاء المشتري بأمره.
ولو غصب شيئا بعينه ثم اشتراه صار قابضا بالشراء، وليس للبائع حبسه بالثمن بخلاف الوديعة والعارية إلا إذا وصل إليه بعد التخلية، ولو اشترى حنطة في السواد يجب تسليمها في السواد، ولو اشترى تمرا على الأشجار فجذها على المشتري وفي " الموازنة " على البائع، وكذا قلع الجزر والشلجم ونحوها على المشتري إلا قدر الأنموذج فهو على البائع بكل حال، ولو اشترى حنطة في سنبله أو شيئا في جوالق أو ثوبا في وعاء فالإخراج على المشتري، ولو اشترى وقر حنطة في المصر فحملها على البائع، ولو اشترى حنطة في سنبله فتخليصها بالكربس والتذرية على البائع والتبن للبائع.
стр. 3950
باب خيار الشرط خيار الشرط جائز في البيع للبائع والمشتري. ولهما الخيار ثلاثة أيام فما دونها، والأصل فيه ما روي أن حبان بن منقذ بن عمرو
ــ
[البناية]
[باب خيار الشرط]
[تعريف خيار الشرط]
م: (باب خيار الشرط) ش: أي هذا باب في بيان أحكام خيار الشرط، ولما فرغ عن بيان البيع اللازم وهو الذي ليس فيه خيار بعد وجود شرائطه شرع في بيان البيع الغير اللازم، وهو ما فيه الخيار، ولكون اللازم أقوى قدمه على غيره، ثم قدم خيار الشرط؛ لأنه يمنع ابتداء الحكم على خيار الرؤية؛ لأنه يمنع تمام الحكم، ثم خيار العيب؛ لأنه يمنع لزوم الحكم.
والخيار في البيع على أربعة أنواع: خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار التعيين، كما إذا اشترى أحد الثوبين وهو بالخيار على أن يأخذ أيهما شاء، وسيجيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قوله: خيار الشرط أي خيار يثبت بالشرط، إذ لولا الشرط لما ثبت الخيار بخلاف خيار الرؤية والعيب، فإنهما يثبتان من غير شرط، وهذه الإضافة من باب إضافة الحكم إلى سببه، كصلاة الظهر، وكان من حقه ألا يدخل في البيع لكونه في معنى القمار، ولكن لما جاءت به السنة لم يكن هذا من العمل به فظهر عمله في منع الحكم دون السبب تقليلا لعمله بقدر الإمكان.
وشرط الخيار جائز بإجماع العلماء والفقهاء، ولكن اختلفوا في المدة، ويجوز للبائع وللمشتري أو لهما معا أو لغيرهما، وفي غيرهما اختلاف يجيء إن شاء الله تعالى.
وقال سفيان الثوري وابن شبرمة: يجوز للمشتري لا للبائع؛ لأنه ثبت بخلاف القياس فيقصر على مورد النص وهو المشتري، قلنا: النص هو قوله ﵊: "إذا بايعت" يتناول البيع والشراء فيجوز لهما، وكان بالناس حاجة إليه ليدفع الغبن بالتردي، وفيه يستوي البائع والمشتري م: (خيار الشرط جائز في البيع للبائع والمشتري ولهما الخيار ثلاثة أيام) .
قال الأترازي: وقوله ثلاثة أيام يروى بالنصب على أنه ظرف، أي في ثلاثة أيام، وبالرفع على أنه خبر أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو ثلاثة أيام.
قلت: في قوله خبر بعد خبر تأمل لا يخفى، والأولى أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره مدة الخيار ثلاثة أيام م: (فما دونها) ش: أي فما دون ثلاثة أيام؛ لأنه إذا جاز في ثلاثة أيام ففيما دونها بطريق الأولى.
م: (والأصل فيه) ش: أي في جواز شرط الخيار م: (ما روي «أن حبان بن منقذ بن عمرو
стр. 3951
الأنصاري ﵁ كان يغبن في البياعات فقال له النبي ﵊: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام»
ــ
[البناية]
الأنصاري ﵁ كان يغبن في البياعات، فقال له النبي ﵊: "إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام» ") .
ش: هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا وكان قد ثقل لسانه، فقال له رسول الله ﷺ : "بع وقل لا خلابة"، فكنت أسمعه يقول: لا خلابة لا خلابة، وكان يشتري الشيء ويجيء به إلى أهله فيقولون له: إن هذا غال، فيقول: إن رسول الله ﷺ قد خيرني في بيعي» وسكت عنه الحاكم.
وكذلك رواه الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان عن محمد بن إسحاق به، ومن طريق الشافعي ﵁ رواه البيهقي في " المعرفة "، ورواه البخاري في "تاريخه الأوسط "، وقال: حدثنا العباس بن الوليد حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن ابن إسحاق، «حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: كان جدي منقذ بن عمرو أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه، ونازعت عقله، وكان لا يدع التجارة فلا يزال يغبن، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إذا بعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال» .
وعاش مائة وثلاثين سنة، وكان في زمن عثمان ﵁ يبتاع في السوق، فيصير إلى أهله فيلومونه، فيرده، ويقول: إن النبي ﷺ جعلني بالخيار ثلاثا، فيمر الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ فيقول صدق، ذكره في ترجمة منقذ.
فإن قلت: دل حديث الحاكم على أن القضية لحبان بن منقذ، وحديث البخاري في تاريخه دل على أنه لمنقذ بن عمرو والد حبان.
قلت: روى الترمذي حدثنا يوسف بن حماد البصري، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ «أن رجلا كان في عقدته ضعف، وكان يبايع، وإن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله احجر عليه، فدعاه رسول الله ﷺ فنهاه، فقال يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع، فقال: "إذا بايعت فقل هاء وهاء ولا خلابة» ، ثم قال: وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب، ورواه بقية أصحاب السنن.
وقال شيخنا في "شرحه للترمذي ": الرجل المبهم في هذا الحديث اختلف فيه هل هو
стр. 3952
ولا يجوز أكثر منها عند أبي حنيفة، وهو قول زفر والشافعي، وقالا: يجوز إذا سمى مدة معلومة؛ لحديث ابن عمر ﵄ «أنه أجاز الخيار إلى شهرين» ولأن الخيار إنما شرع للحاجة
ــ
[البناية]
حبان بن منقذ، أو والده منقذ بن عمرو، فصحح ابن العربي أنه منقذ بن عمرو، ورجح النووي أنه حبان بن منقذ، قوله: هاء روي بالمد والقصر، ومعناه الأخذ والعطاء، كقوله في حديث الربا: إلا هاء وهاء، والخلابة بكسر الخاء المعجمة وبالباء الموحدة، وهي الخديعة.
وروي لا خلانة بالنون مكان الموحدة، وهو تصحيف، وحبان بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة؛ ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف وبالذال المعجمة، ابن عمرو بن مالك شهدا أحدا، ومن ولده يحيى وواسع، وأمه هند بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
كذا ذكره ابن شاهين في كتاب المعجم، وقال ابن ماكولا: ومنقذ بن عمرو المازني الأنصاري، مدني له صحبة، وهو جد محمد بن يحيى بن حبان م: (ولا يجوز أكثر منها) ش: أي من ثلاثة أيام م: (عند أبي حنيفة، وهو قول زفر والشافعي) ش: وقال مالك: شرط الخيار على حسب ما تدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف باختلاف الأموال. فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يوم كالفاكهة مثلا لم يجز أن يشترط الخيار فيه أكثر من يوم، وإن كان ضيغة لا يمكن الوقوف عليها في ثلاثة أيام يجوز أن يشترط فيها أكثر من ثلاثة أيام.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (يجوز إذا سمى مدة معلومة) ش: سواء كان شهرا أو سنة أو أكثر، ولو شرط الخيار أبدا لا يجوز بالإجماع وبقولهما قال أحمد م: (لحديث ابن عمر ﵄ أنه أجاز الخيار إلى شهرين) ش: هذا غريب جدا، والعجب من الأكمل أنه قال: ولهما حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ أجاز الخيار إلى شهرين» ونفس إسناده إلى ابن عمر لم يصح، فكيف يرفع إلى النبي ﷺ .
وقال الأترازي: وقد روى أصحابنا في شروح " الجامع الصغير ": أن ابن عمر شرط الخيار شهرين، كذا ذكر فخر الإسلام.
وقال العتابي: إن عبد الله بن عمر باع بشرط الخيار شهرا، وقال في " المختلف " روي عن ابن عمر أنه باع جارية وجعل للمشتري الخيار شهرا، وكل هذا لم يثبت، واستدل الكاكي لهما بقوله ﵊: «المسلمون عند شروطهم» م: (ولأن الخيار إنما شرع للحاجة
стр. 3953
إلى التروي ليندفع الغبن، وقد تمس الحاجة إلى الأكثر، فصار كالتأجيل في الثمن، ولأبي حنيفة أن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد، وهو اللزوم، وإنما جوزناه بخلاف القياس لما روينا من النص فيقتصر على المدة المذكورة فيه وانتفت الزيادة إلا أنه إذا أجاز في الثلاث جاز عند أبي حنيفة خلافا لزفر، هو يقول: إنه انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا، وله أنه أسقط المفسد قبل تقرره فيعود جائزا كما إذا باع بالرقم وأعلمه في المجلس
ــ
[البناية]
إلى التروي) ش: أي التأمل والتفكر م: (ليندفع الغبن وقد تمس الحاجة إلى الأكثر فصار كالتأجيل في الثمن) ش: لأن التأجيل في الثمن يجوز في قليل المدة وكثيرها إن كان يخالف مقتضى العقد لأجل الحاجة، فكذا هذا م: (ولأبي حنيفة أن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد، وهو اللزوم، وإنما جوزناه بخلاف القياس لما روينا من النص) ش: وهو حديث حبان بن المنقذ المذكور م: (فيقتصر على المدة المذكورة فيه) ش: أي في النص م: (وانتفت الزيادة) ش: على ثلاثة أيام م: (إلا أنه إذا أجاز في الثلاث جاز عند أبي حنيفة) ش: استثناء من قوله: ولا يجوز أكثر منها، ومعناه لا يجوز أكثر منها، لكن لو ذكر الأكثر منها وأجاز من له الخيار في الثلاث جاز.
ويجوز أن يكون استثناء من قوله: فيقتصر على المدة المذكورة بالتوجيه المذكور، والأول أولى لقوله: م: (خلافا لزفر) ش: تأمل م: (هو) ش: أي زفر ﵀ م: (يقول: إنه) ش: أي إن العقد م: (انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا) ش: كما إذا باع الدرهم بالدرهمين، ثم أسقط الدرهم الزائد، كما لو نكح امرأة وتحته أربع نسوة ثم طلق الرابعة لا يحكم بصحة نكاح الخامسة، وكما لو اشترى عبدا بألف ورطل من خمر، ثم أسقط رطل الخمر، فإنه لا يعود إلى الجواز؛ لأن البقاء على وقف الثبوت.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه) ش: أي أن من له الخيار م: (أسقط المفسد) ش: وهو اشتراط اليوم الرابع م: (قبل تقرره) ش: أي لزومه وثبوته بمضي ثلاثة أيام.
م: (فيعود جائزا) ش: اعلم أن مشايخنا ﵏ اختلفوا في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة، فذهب العراقيون إلى أنه ينعقد فاسدا، ثم ينقلب صحيحا، بحذف خيار الشرط قبل اليوم الرابع، وذهب أهل خراسان - وإليه مال شمس الأئمة السرخسي - إلى أنه موقوف.
فإذا مضى جزء من اليوم الرابع فسد، فقول المصنف أنه أسقط المفسد قبل تقرره تعليل على الرواية الأولى، وذكر النظير لهذا بقوله: م: (كما إذا باع بالرقم وأعلمه في المجلس) ش: الرقم في الأصل الكتابة والختم.
وفي " المغرب " التاجر يرقم الثياب أي يعلمها بأن ثمنها كذا وكذا، والمقصود هاهنا أن
стр. 3954
ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع، فإذا أجاز قبل ذلك لم يتصل المفسد بالعقد، ولهذا قيل: إن العقد يفسد بمضي جزء من اليوم الرابع، وقيل: ينعقد فاسدا ثم يرتفع الفساد بحذف الشرط، وهذا على الوجه الأول. ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما جاز، وإلى أربعة أيام لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف
ــ
[البناية]
يعلم البائع على الثوب بعلامة كالكتابة يعلم بها الدلال أو غيره ثمن الثوب، ولا يعلم المشتري ذلك.
فإن قال: بعتك هذا الثوب برقمه، وقبل المشتري من غير أن يعلم المقدار انعقد البيع فاسدا، فإن علم المشتري قدر الرقم في المجلس، وقيل: انقلب جائزا بالاتفاق قوله: م: (ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع) ش: تعليل على الرواية الثانية.
وتقريره أن اشتراط الخيار غير مفسد للعقد، وإنما المفسد باعتبار اليوم الرابع بالأيام الثلاثة م: (فإذا أجاز قبل ذلك لم يتصل المفسد بالعقد) ش: فكان صحيحا م: (ولهذا قيل) ش: متصل بقوله، ولأن الفساد وهو الذي قرر على مذهب الخراسانيين وهو م: (إن العقد يفسد بمضي جزء من اليوم الرابع) ش: على ما تقرر آنفا.
م: (وقيل: ينعقد فاسدا) ش: هذا على مذهب العراقيين م: (ثم يرتفع الفساد بحذف الشرط) ش: على ما مر أيضا م: (وهذا) ش: أي القول بانعقاده فاسدا.
ثم ارتفاع الفساد بحذف الشرط إنما يستقيم م: (على الوجه الأول) ش: أي التعليل الأول، وهو قوله: أسقط المفسد إلى آخره، وأما على التعليل الثاني وهو قوله: لأن الفساد، إلى آخره فلا يستقيم؛ لأنه لم ينعقد فاسدا فلا يمكن ارتفاع الفساد بحذف الشرط، والجواب عما قاس عليه زفر من المسائل أن الفساد فيها في صلب العقد، وهو البدل، فلم يمكن دفعه، وفي مسألتنا في شرطه فأمكن م: (ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينها جاز) ش: ويسمى هذا خيار النقد، والقياس يأبى جوازه، وبه أخذ زفر والشافعي ومالك وأحمد ﵃؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد على ما يجيء.
م: (وإلى أربعة أيام) ش: يعني لو قال إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام فلا بيع بيننا م: (لا يجوز، عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ش: قال الأترازي: ذكر المصنف قول أبي يوسف مع أبي حنيفة كما ترى، وكذلك ذكر الشهيد أيضا في شرح " الجامع الصغير "، ولم يذكر محمد خلاف أبي يوسف في أصل " الجامع الصغير ".
وهذا الذي ذكره قول أبي يوسف الأول، وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف أنه رجع عن هذا القول، وقال: يجوز البيع كما هو قول محمد، كذا ذكر الفقيه أبو الليث في " شرح
стр. 3955
وقال محمد: يجوز إلى أربعة أيام أو أكثر، فإن نقد في الثلاث جاز في قولهم جميعا. والأصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار، إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد؛ تحرزا عن المماطلة في الفسخ، فيكون ملحقا به، وقد مر أبو حنيفة على أصله في الملحق به، ونفى الزيادة على الثلاث
ــ
[البناية]
الجامع الصغير ".
ولهذا المعنى قال صاحب المنظومة:
واضطرب الأوسط فيه فاعقل
م: (وقال محمد: يجوز إلى أربعة أيام أو أكثر) ش: كما يجوز عند شرط الخيار أربعة أيام أو أكثر م: (فإن نقد) ش: أي المشتري الثمن م: (في الثلاث) ش: أي في ثلاثة أيام في المسألة المذكورة م: (جاز في قولهم جميعا) ش: أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ تعالى-.
م: (والأصل فيه) ش: أي في الشراء لشرط أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما م: (أن هذا) ش: أي الشراء بهذا الشرط م: (في معنى اشتراط الخيار) ش: لأن معنى الخيار نقد الثمن، على تقدير إجازة البيع، وعدم نقده على تقدير فسخ البيع، فكذا هاهنا إن شاء نقد الثمن فتم البيع، وإن شاء لم ينقد فانفسخ البيع.
م: (إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد تحرزا عن المماطلة) ش: أي عن المدافعة م: (في الفسخ) ش: وهذا تعليل لقوله: الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد، كأنه ذكر هذا جوابا لسؤال يرد عليه، بأن يقال: لا نسلم أن الحاجة ماسة إلى الانفساخ؛ لأن الحاجة تندفع بالشراء بشرط الخيار؛ لأنه إذا اشترى بالخيار إن شاء أجاز وإن شاء فسخ، ولا حاجة إلى تصحيح هذا العقد بلا حاجة.
فقال في جوابه هذا: إن الفسخ يكون بالشراء لشرط الخيار، لكن ليس لمن له الخيار أن يفسخ بغير حضرة صاحبه عند أبي حنيفة ومحمد، فتحصل المماطلة حينئذ في الفسخ، فإذا كان كذلك م: (فيكون ملحقا به) ش: أي بخيار الشرط.
م: (وقد مر أبو حنيفة على أصله في الملحق به) ش: وهو خيار الشرط م: (ونفى الزيادة على الثلاث) ش: فكذا في الملحق، وهو خيار النقد، والحاصل أن أبا حنيفة مشى على أصله في شرط الخيار، حيث لا يجوز عنده أكثر من ثلاثة أيام.
فكذا ما هو في معناه إلا إذا نقد الثمن في الثلاث، فكان البيع جائزا لانقطاع المفسدة. م:
стр. 3956
وكذا محمد في تجويز الزيادة، وأبو يوسف أخذ في الأصل بالأثر، وفي هذا بالقياس وفي هذه المسألة قياس آخر، وإليه مال زفر، وهو أنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط، واشتراط الصحيح منها فيه مفسد للعقد، فاشتراط الفاسد أولى، ووجه الاستحسان ما بينا.
ــ
[البناية]
(وكذا محمد) ش: أي وكذا مر محمد على أصله م: (في تجويز الزيادة) ش: في الأصل والملحق به؛ لأن عنده يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام إذا كانت المدة معلومة فكذا ما كان في معناه.
م: (وأبو يوسف أخذ في الأصل بالأثر) ش: أي أخذ في ثلاثة أيام في قوله: إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا بالأثر، أي بما روي عن ابن عمر ﵄ نقله الفقيه أبو الليث في " شرح الجامع الصغير " عن محمد بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان مولى ابن البرصاء، قال: متى بعت من عبد الله بن عمر جارية على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا، فأجاز ابن عمر هذا البيع، ولم يرد عن أحد من نظرائه خلافه.
م: (وفي هذا بالقياس) ش: أي أخذ في الزائد على ثلاثة أيام في خيار النقد بالقياس، يعني النص مقيد بالثلاث في خيار النقد. وما ورد النص في خيار النقد في الزيادة، وقال الأترازي: أبو يوسف مر على أصله أيضا على قوله المرجوع إليه، ولكنه فرق، وهو بين هذا وبين شرط الخيار على قوله الأول، حيث جوز الزيادة على الثلاثة في شرط الخيار. ولم يجوز هاهنا؛ لأنه اتبع أثر ابن عمر وهو الذي ذكرناه، ولم يتجاوز حد الأثر، وفيما زاد على ذلك أخذ بالقياس؛ لأن القياس أن لا يصح هذا البيع أصلا كما قال زفر: لأنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة، وهي إقالة معلقة بالشرط، والبيع بشرط الإقالة الصحيحة باطل فبشرط الإقالة الفاسدة أولى.
م: (وفي هذه المسألة) ش: المذكورة م: (قياس آخر، وإليه) ش: أي وإلى هذا القياس م: (مال زفر وهو) ش: أي هذا القياس م: (أنه بيع شرط فيه) ش: أي في البيع م: (إقالة فاسدة لتعلقها) ش: أي لتعلق الإقالة م: (بالشرط) ش: وهو عدم النقد م: (واشتراط الصحيح منها) ش: أي من الإقالة بأن قال: بعتك هذا بشرط أن يقبل البيع م: (فيه مفسد للعقد فاشتراط الفاسد) ش: وهو تعليق البيع بالإقالة المعلقة م: (أولى) ش: بأن يفسد البيع.
م: (ووجه الاستحسان ما بينا) ش: يعني أن هذا البيع لا يجوز إلى ثلاثة أيام أيضا قياسا، كما قال زفر ولكنا جوزناه استحسانا، ووجهه ما بينا، وهو أن الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد، كذا قاله الأترازي.
وقال الأكمل: وجه الاستحسان أن هذا في معنى شرط الخيار من حيث الحاجة، إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد؛ تحرزا عن المماطلة في الفسخ، وإذا كان في معناه كان ملحقا به، ورد بأنا لا نسلم أنه في معناه؛ لأن هناك لو سكت حتى مضت المدة تم العقد، وهاهنا لو سكت حتى مضت المدة بطل.
стр. 3957
قال: و خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه ؛ لأن تمام هذا السبب بالمراضاة، ولا تتم مع الخيار؛ ولهذا ينفذ عتقه، ولا يملك المشتري التصرف فيه، وإن قبضه بإذن البائع. فلو قبضه المشتري وهلك في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة؛ لأن البيع ينفسخ بالهلاك؛ لأنه كان موقوفا ولا نفاذ بدون المحل
ــ
[البناية]
وأجيب بأن النظر في الإلحاق إنما هو إلى المعنى المناط للحكم، وهو الحاجة وهي موجودة فيهما، وأما الزائد على ذلك فلا معتبر به. وقال القاضي الإمام ظهير الدين ﵀ في فوائده: هاهنا مسألة لا بد من حفظها، وهي أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام يفسد البيع، ولا تنفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده نفذ عتقه، وإن كان في يد البائع لا ينفذ، ثم لو كان هذا الشرط للبائع بأن اشترى رجل عبدا ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن فلا بيع بينهما جاز البيع بهذا الشرط، ويصير بمنزلة خيار الشرط، حتى إذا قبض المشتري المبيع يكون مضمونا عليه بالقيمة، ولو أعتقه المشتري لا ينفذ عتقه، ولو أعتقه البائع ينفذ.
وفي " المجتبى " لو قال أحدهما في البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح بالإجماع، ولو زاد أو أطلق فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، كالشرط الفاسد الملحق بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يجوز، كما في شرط الخيار، ولو قال البائع: خذه وانظر إليه اليوم فإن رضيته أخذته بعشرة فهو خيار، باع على أنه بالخيار، على أن له أن يغله ويستخدمه جاز وهو على خياره، وعلى أن يأكل من ثمره لا يجوز؛ لأن الثمر له حصة من الثمن.
[خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه]
م: (قال: وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه؛ لأن تمام هذا السبب) ش: أي العلة م: (بالمراضاة) ش: لكون الرضاء داخلا في حقيقته الشرعية.
م: (ولا تتم) ش: أي المراضاة م: (مع الخيار) ش: لأن البيع به يصير به علة اسما ومعنى لا حكما، فمنع ابتداء الحكم به، وهو الملك فبقي على ملك صاحبه.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه على ملك صاحبه م: (ينفذ عتقه) ش: أي عتق البائع م: (ولا يملك المشتري التصرف فيه، وإن قبضه بإذن البائع) ش: لأجل خيار البائع م: (فلو قبضه المشتري، وهلك في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة) ش: وبه قال الشافعي في الوجه المشهور، ومالك، وفي وجه ضمنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد، وقال ابن أبي ليلى لا يضمنه؛ لأنه قبضه بإذن المالك فيكون أمينا فلا ضمان عليه م: (لأن البيع ينفسخ بالهلاك) ش: والمنفسخ به مضمون بالقيمة، وذلك؛ لأن المعقود عليه بالهلاك صار إلى حاله لا يجوز ابتداء العقد عليه فيها، فلا تلحقها الإجارة، وهو معنى قوله م: (لأنه كان موقوفا) ش: أي في حق الحكم م: (ولا نفاذ بدون المحل) ش: كأنه جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: لم صار موقوفا؟ فأجاب أنه لا نفاذ للحكم بدون المحل؛ لأنه فات بالهلاك، فإذا كان
стр. 3958
فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء، وفيه القيمة،
ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالصحيح المطلق.
قال: وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع؛ لأن البيع في جانب الآخر لازم، وهذا؛ لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه شرع نظرا له دون الآخر. قال: إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكه؛ لأنه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا، لا إلى مالك ولا عهد لنا به في الشرع، ولأبي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان
ــ
[البناية]
كذلك م: (فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء) ش: أي على طلب المشتري، م: (وفيه) ش: وفي المقبوض على سوم المشتري يجب م: (القيمة) ش: لأنه مقبوض بالعقد، هذا إذا لم يكن مثليا وإن كان مثليا يجب المثل، كذا في " شرح الأقطع وغيره".
وقال الكاكي: وفي " اليتيمة " أن المقبوض على سوم المشتري إنما يكون مضمونا إذا كان الثمن مسمى، حتى إنه إذا قال: قد أذهب بهذا الثوب، فإن رضيته اشتريته فذهب فهلك لا يضمن. ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به فهلك ضمن قيمته، وعليه الفتوى.
م: (ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالصحيح) ش: أي البيع الصحيح م: (المطلق) ش: أي المطلق عن الخيار، وهو البيع البات، فإن البيع فيه لو هلك في يد البائع ينفسخ البيع، فكذا هذا. وإنما ذكر الصحيح مع أن الحكم في الفاسد كذلك حملا لحال المسلم على الصلاح؛ إذ الصحيح أليق به دون الفاسد.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع) ش: وهذا بالاتفاق م: (لأن البيع في جانب الآخر لازم) ش: الآخر هو البائع. ومعنى لازم: ثابت؛ لتمام المرضي منه حتى لا يتمكن البائع من الفسخ م: (وهذا) ش: أي منع خروج المبيع عن ملك البائع عند خيار المشتري م: (لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه) ش: أي؛ لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل عن ملك من له الخيار؛ لأنه م: (شرع نظرا له دون الآخر) ش: يعنى لم يشرع للآخر الذي ليس له الخيار؛ لأن الخيار مانع للحكم في جانب ثمن الخيار لا في جانب من ليس له الخيار.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا أن المشتري لا يملكه) ش: أي المبيع (عند أبي حنيفة وقالا: يملكه) ش: وبه قال الشافعي ﵁ في قولٍ، ومالك وأحمد م: (لأنه) ش: أي؛ لأن المبيع م: (لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنا به) ش: بعين غير معهود م: (في الشرع) ش: فصار كالسائبة.
م: (ولأبي حنيفة أنه) ش: أي الشأن م: (لما لم يخرج الثمن عن ملكه) ش: أي عن ملك المشتري م: (فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه) ش: أي في ملك المشتري م: (لاجتمع البدلان)
стр. 3959
في ملك رجل واحد، حكما للمعاوضة، ولا أصل له في الشرع؛ لأن المعاوضة تقتضي المساواة، ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري؛ ليتروى فيقف على المصلحة، ولو ثبت الملك ربما يعتق عليه من غير اختياره، بأن يكون قريبه فيفوت النظر. قال: فإن هلك في يده هلك بالثمن
ــ
[البناية]
ش: أي الثمن والمثمن م: (في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة) ش: يعني من حيث حكم المعاوضة، واحترز به عن ضمان غصب المدبر؛ لأن الضمان يجب على الغاصب إذا أبق العبد، ولا يخرج المدبر عن ملك مولاه فيجتمع البدلان؛ لأن ذلك ضمان جناية لا ضمان معاوضة.
فإن قلت: المسلم إليه يملك رأس المال والمسلم فيه في ملكه. قلت: المسلم فيه يملكه رب المسلم في ذمة المسلم إليه؛ لأن له حكم الثمن ولهذا جاز فيه صنوب الأجل وهو كسائر البياعات فإن البائع يملك الثمن في ذمة المشتري فلا يجتمع البدلان فإن قلت: يرد عليكم اجتماع الأجرة والمنافع في ملك المؤجر إذا شرط تعجيل الأجرة. قلت: لا نسلم الاجتماع؛ لأن المنافع معدومة فكيف يكون الاجتماع فإذا حدثت ملكها المستأجر ولا اجتماع إذن.
م: (ولا أصل له في الشرع) ش: أي الأصل لاجتماع البدلين في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة م: (لأن المعاوضة تقتضي المساواة) ش: يعني المساواة المكفية، وهي أن يدخل المبيع في ملك المشتري، والثمن في ملك البائع (ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى) ش: أي ليتأمل ويتفكر م: (فيقف على المصلحة ولو ثبت الملك) ش: أي في ملك المشتري م: (ربما يعتق عليه بغير اختياره) ش: لا له م: (بأن يكون) ش: أي المبيع م: (قريبه) ش: فيعتق عليه من غير اختياره م: (فيفوت النظر) ش: لأن الأمر يتردد على موضوعه بالنقض.
وأما الجواب عن قوله لا نظير له في الشرع، قلنا: يبطل ذلك بما إذا اشترى متولي الكعبة إشارة لها أو عبيدا لسدنتها حيث يزول عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشترى، ويبطل أيضا بالتركة المستغرقة بالدين؛ لأن التركة تزول عن ملك الميت، ولا تدخل في ملك الورثة. فإن قيل: لو لم يثبت الملك للمشتري ينبغي أن لا يكون له حق الشفعة به، كما لا يستحق الشفعة بدار السكنى، وكان له حق الشفعة بالإجماع.
قلنا: إنما تستحق الشفعة؛ لأنه بشرائها صار أحق بها تصرفا؛ لأنه ملكها بمنزلة العبد المأذون إذا بيعت دار بجنبه فإنه يستحق الشفعة بهذا الشراء وإن لم يثبت له الملك، ولهذا لو أعتقه المشتري ينفذ عتقه؛ لأنه صار أحق بالتصرف فيه، وإقدامه على الإعتاق إسقاط الخيار منه، كذا في " المبسوط ". م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإن هلك في يده) ش: أي وإن هلك المبيع في يد المشتري م: (هلك بالثمن) ش: سواء هلك في مدة الخيار أو بعدها فعليه الثمن في الوجهين، كذا قال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ".
стр. 3960
وكذلك إذا دخله عيب، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع، ووجه الفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد، والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب فيهلك، والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن، بخلاف ما تقدم؛ لأن بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما لخيار البائع فيهلك، والعقد موقوف.
ــ
[البناية]
وقال زفر والشافعي ﵄ في قول: يهلك بالقيمة كخيار البائع، ونقل الأترازي عن المختلف أن عند الشافعي ﵁ يجب عليه القيمة إذا هلك في المدة، م: (وكذلك إذا دخله عيب) ش: أي وكذلك يجب الثمن إذا دخل المبيع عيب في مدة الخيار، فتعذر رده يلزمه الثمن لانبرام العقد.
وقال الكرخي في مختصره: وإذا قبض المشتري المبيع فدخله في يده عيب ينقص القيمة من فعل المشتري أو غير فعله تم البيع عليه، ويلزمه الثمن. وفي " الإيضاح " إذا كان الخيار للمشتري فحدث في ملكه عيب يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خياره؛ لأنه إذا زال المرض ارتفع النقص، فصار كأن لم يكن، وليس له أن يفتح إلا أن يرفع في الثلاث، فإذا مضت الثلاث والعيب قائم لزم العقد؛ لتعذر الرد م: (بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع) ش: يعني إذا كان الخيار للبائع وهلك المبيع في يد المشتري في مدة الخيار يجب القيمة.
م: (ووجه الفرق) ش: يعني بين ما إذا كان الخيار للمشتري وهلك في يده حيث يجب الثمن، وبين ما إذا كان الخيار للبائع، وهلك في يد المشتري في مدة الخيار حيث يجب القيمة م: (أنه) ش: أي أن المبيع م: (إذا دخله عيب) ش: في يد المشتري والخيار له م: (يمتنع الرد، والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب) ش: لأنه بناء على سبب مفض إليه.
بيانه أن الهلاك لا يعرى عن عيب يسبق الهلاك، وذلك بسبب عيب فيكون المبيع معيبا حين أشرف على الهلاك، فبالعيب امتنع رده م: (فيهلك والعقد قد انبرم) ش: أي والحال أن العقد قد تم ولزم، ولفظ انبرم مطاوع أبرم الأمر إبراما إذا أحكمه، فإذا كان كذلك م: (فيلزمه الثمن) ش: أي فيلزم المشتري الثمن الذي وقع عليه العقد م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهو ما إذا كان الخيار للبائع فهلك في يد المشتري.
م: (لأن بدخول العيب) ش: قبل الهلاك م: (لا يمتنع الرد حكما) ش: أي من حيث الحكم م: (لخيار البائع) ش: أي لأجل خياره، فلما لم يمتنع الرد لم يكن العقد منبرما م: (فيهلك والعقد موقوف) ش: حينئذ، فيلزمه القيمة؛ لأنه ليس بأدنى حالا من المقبوض على سوم الشراء ولم يلزمه الثمن لعدم انبرام العقد.
وقال الكاكي: ثم هذا في عيب لا يرتفع في مدة الخيار كقطع اليد، وأما لو كان عيبا يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خيار إذا زال في المدة، فله الفسخ بعد ارتفاعه، ولو لم يرتفع بعد مضي المدة لزم العقد لتعذر الرد، كذا في " الإيضاح ".
следующие страницы →