Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
وقال زفر ﵀: فسد فيهما ومتروك التسمية عامدا كالميتة والمكاتب، وأم الولد كالمدبر. له الاعتبار بالفصل الأول إذ محلية البيع منتفية بالإضافة إلى الكل، ولهما أن الفساد بقدر المفسد فلا يتعدى إلى القن، كمن جمع بين الأجنبية وأخته في النكاح بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد لأنه مجهول، ولأبي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لأنه ليس بمال، والبيع صفقة واحدة، فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد، وهذا شرط فاسد بخلاف النكاح لأنه لا يبطل بالشروط الفاسدة.
ــ
[البناية]
م: (وقال زفر ﵀ فسد فيهما) ش: أي في المدبر والعبد جميعا، وقيل في الجمعين بين كورين وهو الجمع بين الحر والعبد والجمع بين المدبر والعبد م: (ومتروك التسمية عامدا كالميتة) ش: هذا عن كلام المصنف ﵀ ذكره تفريعا على كلام القدوري ﵀ يعني إذا ضم الذكية مع متروك التسمية يبطل البيع، ونصب عامدا على الحال عن المقدر تقديره ومتروك تارك التسمية حال كونه عامدا، وقيد بالعمد لأن بالنسيان لا يضر على ما عرف، فإن قيل: متروك التسمية مجتهد فيه فصار كالمدبر فيجب جواز بيعه مع المذكى كبيع القن مع المدبر، أجيب: بأنه ليس مجتهد فيه بل خطأ بين لمخالفة الدليل الظاهر، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (الأنعام: الآية: ١٦١) ، حتى إن القاضي إذا قضى بحله لا ينفذ القضاء فكان بمنزلة من جمع بين الحر والعبد في البيع م: (والمكاتب وأم الولد كالمدبر) ش: يعني إذا ضم المكاتب أو أم الولد مع العبد يصح البيع في العبد بحصته من الثمن م: (له) ش: أي زفر ﵀ م: (الاعتبار بالفصل الأول) ش: يعني الاعتبار بالجمع بين الحر والعبد م: (إذ محلية البيع منتفية) ش: لأن كون المحل لجواز البيع منتفية م: (بالإضافة إلى الكل) ش: يعني بإضافة انتفاء المحلية إلى الجميع، وقال تاج الشريعة ﵀: أي كل واحد منهما ليس بمحل للبيع.
م: (ولهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (أن الفساد بقدر المفسد) ش: يعني بقدر ما يفسده إذا سمى لكل واحد منهما ثمنا، إذ الحكم يثبت بقدر دليله والمفسد في الحر كونه ليس بمحل للبيع وهو مختص به م: (فلا يتعدى إلى القن) ش: كما في المدبر إذا ضم مع العبد م: (كمن جمع بين الأجنبية وأخته في النكاح) ش: أي في عقد النكاح م: (بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد) ش: من الحر والعبد حيث يبطل البيع فيهما جميعا م: (لأنه مجهول) ش: أي لجهالة الثمن.
م: (ولأبي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين) ش: أي بين فصل الحر وفصل المدبر مع القن م: (أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لأنه ليس بمال والبيع صفقة واحدة) ش: بدليل أن المشتري لا يملك قبول العقد في أحدهما دون الآخر م: (فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد وهذا شرط فاسد) ش: والبيع يبطل بالشرط الفاسد م: (بخلاف النكاح لأنه لا يبطل بالشروط الفاسدة) .
стр. 4097
وأما البيع في هؤلاء موقوف وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية، ولهذا ينعقد في عبد الغير بإجازته، وفي المكاتب برضاه في الأصح، وفي المدبر بقضاء القاضي،
ــ
[البناية]
ش: جواب عن قياسهما على النكاح، وهو قياس بالفارق لأن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد بخلاف المبيع فإنه يبطل، وقال الأكمل ﵀: وفيه بحث.
أما أولا: فلأنه إذا بين ثمن كل واحد منهما كانت الصفقة متفرقة، وحينئذ لا يكون قبول العقد في الحر شرطا للبيع في العبد.
وأما ثانيا: فلأن الشرط الفاسد وهو ما يكون فيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه حتى يكون في معنى الربا، وليس في قبول العقد في الحر منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه فلا يكون شرطا فاسدا.
وأما ثالثا: فلأن قبول العقد في الحر إنما يكون شرطا لقبول العقد في العبد إذا صح الإيجاب فيهما لئلا يتضرر البائع بقبول العقد في أحدهما دون الأخر، ولم يوجد فيما نحن فيه فصار كالجمع بين العبد والمدبر، وأجيب عن الأول: بأن الصفقة متحدة في مثله إذا لم يكن البيع أو الشراء.
وعن الثاني: بأن في قبول العقد في الحر منفعة للبائع فإنه إذا باعهما بألف والحر ليس بمال يقابله بدل، فكأنه قال: بعت هذا العبد بخمسمائة على أن يتسلم أي خمسمائة أخرى فينتفع بفضل مال عن العوض في البيع وهو الربا.
والثالث: بأن الإيجاب إذا صح فيهما صح العبد والشرط جميعا فلا يكون فيما نحن فيه، وإذا ظهر هذا ظهر الفرق بين الفصلين، وثم جواب زفر ﵀ عن التزيد بينهما.
م: (وأما البيع في هؤلاء موقوف) ش: متصل بقوله: إن الحر لا يدخل تحت العقد، وأراد بهؤلاء المدبر والمكاتب وأم الولد وعبد الغير م: (وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية) ش: فإنهما باعتبار الرق والتقويم وهما موجودان، ولكن حكم البيع لا يثبت فيهم بل يرد صيانة لحقهم، ولهذا لا يخرجون من أن يكونوا محلا للبيع.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون بيع هؤلاء موقوفا م: (ينعقد) ش: البيع م: (في عبد الغير بإجازته) ش: أي في إجازة الغير وهو مولاه م: (وفي المكاتب) ش: أي ينعقد البيع في المكاتب م: (برضاه في الأصح) ش: احترز به عما روي في " النوادر " عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، أنه لا يصح م: (وفي المدبر) ش: أي ينعقد البيع في المدبر م: (بقضاء القاضي) ش: فإنه إذا قضى ببيع المدبر فإنه يجوز.
стр. 4098
وكذا في أم الولد، عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - إلا أن المالك باستحقاقه المبيع وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع، فكان هذا إشارة إلى البقاء، كما إذا اشترى عبدين، وهلك أحدهما قبل القبض، وهذا لا يكون شرط القبول في غير المبيع، ولا بيعا بالحصة ابتداء، ولهذا لا يشترط بيان ثمن كل واحد فيه.
ــ
[البناية]
م: (وكذا) ش: أي وكذا يجوز م: (في أم الولد) ش: أي في بيعها م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: خلافا لمحمد ﵀ وكان فيه اختلاف بين الصحابة ﵃ فعمر ﵁ لم يجوزه، وعلي ﵁ جوزه، ثم من بعدهم من السلف أجمعوا على عدم جواز بيعها، فالحاصل أن إجماع المتأخرين مع الاختلاف المتقدم، فعندهما لا يرفع إذ ليس لإجماع التابعين من القوة ما يرفع خلاف الصحابة، فكان قضى في مجتهد فيه فينفذ، وعن محمد ﵀ يرفع فكان القضاء مخالفا للإجماع فلا ينفذ والمسألة أصولية.
فإن قيل: كيف يصح قوله: موقوف، وقد قال في أول الباب: وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب باطل. فالجواب: أنه باطل، إذا لم يجز للمكاتب ولم يقض القاضي بجواز بيع المدبر وأم الولد يدل على ذلك تمام كلامه هناك.
م: (إلا أن المالك) ش: استثناء من قوله: دخلوا تحت العقد، يعني أن المالك م: (باستحقاقه المبيع) ش: وهو العبد الذي كان للغير م: (وهؤلاء) ش: أي المدبر والمكاتب وأم الولد م: (باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع) ش: وقال تاج الشريعة ﵀: لأن المالك إلى آخره جواب من يقول: لما دخل هؤلاء تحت العقد لقيام المالية ينبغي أن لا يكون بيع هؤلاء فاسدا. فأجاب بقوله: إلا أن المالك إلى آخره، يعني أن البيع الموقوف إذا رد من له ذلك بطل، وهنا كذلك فإن المالك وهؤلاء رده، ولهم ذلك لاستحقاق المالك واستحقاق هؤلاء أنفسهم م: (فكان هذا) ش: أي الوجه بالاستحقاق بعد الدخول م: (إشارة إلى البقاء) ش: أي بقاء البيع، لأن الرد بالاستحقاق لا يكون إلا في البقاء فكان م: (كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض) ش: فإن العقد يبقى في الباقي بحصته من الثمن بقاء الابتداء.
م: (وهذا) ش: أي الجمع بين القن وأحد المذكورين م: (لا يكون شرط القبول في غير المبيع ولا بيعا) ش: أي ولا يكون بيعا م: (بالحصة ابتداء) ش: بعدما ثبت دخولهم في البيع م: (ولهذا لا يشترط) ش: حالة العقد م: (بيان ثمن كل واحد) ش: من العبد والمدبر م: (فيه) ش: أي فيما إذا جمع بين القن والمدبر أو عبد غيره، وفي " الكافي ": ولو جمع بين وقف وملك وأطلق صح في الملك في الأصح، ولو باع كرما في مسجد قديم إن كان عامرا نفذ البيع وإلا فلا وكذا في المعتبرة.
стр. 4099
فصل في أحكامه وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع، وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال، ملك المبيع ولزمته قيمته،
ــ
[البناية]
[فصل في بيان أحكام البيع الفاسد]
[قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد]
م: (فصل في أحكامه)
ش: أي هذا فصل في بيان أحكام البيع الفاسد م: (وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد) ش: إنما عبر بالفاسد، لأن الباطل لا يفيد شيئا م: (بأمر البائع) ش: أي بإذنه صريحا أو دلالة بأن يقبضه في المجلس بحضرته، فإن لم يقبضه بحضرة البائع لم يملكه، بخلاف الصريح فإنه يفيده مطلقا.
م: (وفي العقد عوضان كل واحد منهما) ش: يعني مالا قيد به لفائدة وهي أنه إذا كان أحد العوضين أو كلاهما غير مال فالبيع باطل، كالبيع بالميتة والدم، وبالحر والبيع بالخمر والخنزير فاسد، كما ذكره المصنف في أول باب البيع الفاسد، وفي هذا الفصل شرع في بيان حكمها وهو القبض، فقال: وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد إلى آخره.
ثم ذكر خلاف الشافعي ﵁ بما يدل على أنه لا يفرق بين الفاسد والباطل على ما نقف عليه الآن إن شاء الله تعالى م: (مال ملك المبيع ولزمته قيمته) ش: أي قيمة المبيع وهو قول عامة المشايخ ﵏ سوى أهل العراق، فإنهم قالوا: إن المشتري في البيع الفاسد بالقبض يملك التصرف ولا يملك المبيع، استدلالا بما قال في كتاب البيوع: إن المشتري إذا أعتقه جاز عتقه، وكان الولاء له لا للبائع لأن البائع سلطه على ذلك، ولهذا لو كان المبيع جارية لا يجوز للمشتري وطئها.
ولو كان دارا لا يجوز فيها الشفعة للشفيع، وقال الفقيه أبو الليث ﵀ وهذا ليس بصحيح، بل المشتري يملك عين المبيع في قول علمائنا، بدليل أن المبيع لو كان دارا فقبضها فبيعت دار أخرى بجنبها، فللمشتري أن يأخذ الدار بالشفعة.
ولو لم يملك عين الدار لم يجب له الشفعة، ولو كان المبيع جارية فقبضها ثم ردها على البائع وجب الاستبراء، وإنما لم يجز للمشتري أن يطأها لأنه وجب عليه ردها لئلا يكون مصرا على المعصية، فاستعماله بالوطء إعراض عن الرد، فلهذا المعنى لم يجز لا لعدم الملك، وإنما لم يجب فيها الشفعة لأن حق البائع لم ينقطع عنها.
وقال في " شرح الطحاوي ": والأصل في البيع الفاسد أن كل ما يملك بالبيع الجائز يملك بالبيع الفاسد إذا اتصل به القبض بإذن البائع، وكل ما لا يملك بالبيع الجائز لا يملك بالبيع الفاسد، بيانه: من اشترى من رجل عبدا بخمر أو خنزير وتقابضا وهما مسلمان ملك المشتري
стр. 4100
وقال الشافعي: لا يملكه، وإن قبضه، لأنه محظور فلا ينال به نعمة الملك، ولأن النهي نسخ للمشروعية للتضاد، ولهذا لا يفيده قبل القبض، وصار كما إذا باع بالميتة أو باع الخمر بالدراهم. ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله فوجب القول بانعقاده، ولا خفاء في الأهلية والمحلية. وركنه مبادلة المال بالمال، وفيه الكلام، والنهي يقرر المشروعية عندنا لاقتضائه التصور، فنفس البيع مشروع وبه تنال نعمة الملك.
ــ
[البناية]
العبد إذا قبضه بإذن البائع، ولا يملك الآخر الخمر والخنزير.
وكذلك لو اشترى من رجل عبدا بمدبر أو مكاتب أو بأم ولد، وتقابضا ملك المشتري إذا قبضه بإذن البائع، ومشتري المدبر والمكاتب وأم الولد لا يملك، وإن قبض بإذن البائع، وكذلك لو اشترى من رجل عبده بمال الغير بغير إذن صاحبه وتقابضا ملك مشتري العبد، ولا يملك الآخر ما قبض حتى يجيز ماله البيع فيه.
م: (وقال الشافعي: لا يملكه، وإن قبضه) ش: وبه قال مالك وأحمد ﵄ م: (لأنه محظور) ش: أي حرام م: (فلا ينال به نعمة الملك، ولأن النهي نسخ للمشروعية للتضاد) ش: أي بين النهي والمشروعية، إذ النهي يقتضي القبح، والمشروعية تقتضي الحسن وبينهما منافاة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ذلك م: (لا يفيده) ش: أي الملك م: (قبل القبض، وصار كما إذا باع بالميتة أو باع الخمر بالدراهم) ش: وقبضها المشتري فإنه لا يفيد الملك.
م: (ولنا أن ركن البيع) ش: أي ركن البيع الفاسد وهو البيع بالخمر أو الخنزير، وفيه مبادلة المال بالمال بالتراضي م: (صدر من أهله) ش: وهو كونه عاقلا بالغا حال كونه م: (مضافا إلى محله) ش: لأن المبيع فيه مال، والثمن مال من وجه لميلان طباع الناس إلى الخمر والخنزير غير أنه ليس بمتقوم ولإهانة الشرع، فلما كان الثمن مالا من وجه دون وجه لم يبطل البيع بل فسد، فإذا كان كذلك م: (فوجب القول بانعقاده) ش: لوجود شرائط.
م: (ولا خفاء في الأهلية والمحلية، وركنه مبادلة المال بالمال وفيه الكلام) ش: جواب سؤال مقدر بأن يقال: سلمنا بأن ركن البيع مبادلة المال، ولكن لم قلت إنه موجود؟ فأجاب بقوله: وفيه الكلام يعني كلامنا فيما إذا وجد الركن؛ لأن الركن الذي هو المبادلة موجود في جميع البيوع الفاسدة.
م: (والنهي يقرر المشروعية) ش: وهذا جواب عما يقال، قد يكون النهي مانعا، فأجاب بقوله: والنهي يقرر المشروعية م: (عندنا لاقتضائه التصور) ش: ليكون النهي عما يكون ليكون العبد مبتلى بين أن يترك باختياره فيثاب، وبين أن يأتي به فيعاقب عليه م: (فنفس البيع مشروع وبه) ش: أي وبالبيع م: (تنال نعمة الملك) ش: لكن لا بد فيه من قبح مقتضى النهي، فجعلناه في
стр. 4101
وإنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء، وإنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور، إذ هو واجب الرفع بالاسترداد، فبالامتناع عن المطالبة أولى.
ــ
[البناية]
وصفه مجاورا وهو معنى قوله م: (وإنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء) ش: يعني يوم الجمعة فجعل وصفه عملا بالوجهين.
فإن قيل: المحظور: وقت النداء مجاور، وأما في المتنازع فيه من قبيل ما اتصل به وصفا، فلا يكون قوله كما في البيع وقت النداء صحيحا، وأيضا الحكم هناك الكراهة، وفي المتنازع فيه الفساد.
وأجيب: بأن غرض المصنف في ذكر المجاورة بيان أن المحظور ليس لمعنى في عين النهي عنه كما زعمه الخصم، والمجاور جمعا والمتصل وصفا سببان فيصبح قياس أحدهما على الآخر، وبأن عرضه أن الحكم المنهي عنه ليس البطلان كما يدعيه الخصم، والكراهة والفساد يشتركان في عدم البطلان.
م: (وإنما لا يثبت الملك قبل القبض) ش: جواب عن قول الشافعي ﵀ ولهذا لا يبيعه قبل القبض، بيانه: أن البيع الفاسد لا يثبت الملك قبل القبض للمبيع.
م: (كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور) ش: أي عن جهة الشارع لأن البيع الفاسد منهي عنه، ولو ثبت الملك قبل القبض يكون التسليم والتسلم واجبا شرعا، فيكون الشارع آمرا وناهيا في شيء واحد، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: لو ثبت الملك بعد القبض يلزم تقربه الفساد أيضا.
قلنا: لو ثبت القبض يكون الفساد مضافا إلى نفس البيع.
والبيع مشروع الله تعالى فيكون الفساد مضافا إلى الشارع، ولا كذلك بعد القبض لأن الملك مضاف إلى القبض، والقبض يوجب الضمان كما في المقبوض على سوم الشراء فكان تقرير الفساد مضافا إلى العبد، كذا نقل عن القاضي الأرسابندي، وقيل لأن الفاسد لو ثبت قبل الملك قبل القبض وبعده لكان مساويا للصحيح، ولو ألغينا الملك به لكان مساويا للباطل فأثبتنا الملك بعد القبض به عملا بالدليلين وفيه نوع تأمل لأن الفاسد والباطل متساويان عند الخصم.
م: (إذ هو) ش: تعليل كقوله: كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور، أي لأن البيع الفاسد م: (واجب الرفع بالاسترداد) ش: أي بطلب رد المبيع من يد المشتري فلا جرم لم يفد الملك قبل القبض م: (فبالامتناع عن المطالبة أولى) ش: يعني أن البيع الفاسد إذا أفاد الملك بالقبض يجب
стр. 4102
ولأن السبب قد ضعف لمكان اقترانه بالقبيح فيشترط اعتضاده بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة، والميتة ليست بمال فانعدم الركن، ولو كان الخمر مثمنا فقد خرجناه، وشيء آخر وهو أن في الخمر الواجب هو القيمة وهي تصلح ثمنا له لا مثمنا، ثم شرط أن يكون القبض بإذن البائع وهو الظاهر إلا أنه يكتفى به دلالة، كما إذا قبضه في مجلس العقد استحسانا، وهو الصحيح
ــ
[البناية]
استرداد المبيع من يد المشتري رفعا للفساد واجتنابا عن المعصية، فبامتناع المشتري عن مطالبة تسليم المبيع منع الفساد أولى من رفع الفساد بالاسترداد، لأن الدفع أسهل من الرفع.
م: (ولأن السبب قد ضعف) ش: دليل ثان على عدم ثبوت الملك قبل القبض، يعني أن السبب وهو البيع الفاسد قد ضعف م: (لمكان اقترانه بالقبيح) ش: وهو النهي عنه فلأجل هذا لم يفد الملك م: (فيشترط اعتضاده) ش: أي تقويته م: (بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة) ش: في احتياجها إلى ما بعضه العقد من القبض.
م: (والميتة ليست بمال) ش: جواب عن قياس الخصم المتنازع فيه على البيع بالميتة، تقريره أن الميتة ليست بمال، وما ليس بمال لا يجوز فيه البيع لفوات ركنه وهو معنى قوله م: (فانعدم الركن) ش: فلا ينعقد العقد فالقياس فاسد م: (ولو كان الخمر مثمنا فقد خرجناه) ش: هذا جواب لقوله: أو باع الخمر بالدرهم يعني ذكرنا تخريجه في أوائل باب البيع الفاسد، وأراد به ما ذكره ثمة لقوله وأما بيع الخمر والخنزير إن كان بالدين كالدراهم والدنانير فالبيع باطل، وإن كان قوبل بعين فالبيع فاسد حتى يملك ما يقابله إلى آخره.
م: (وشيء آخر) ش: أي دليل آخر سوى ما ذكرنا هناك م: (وهو أن في الخمر الواجب هو القيمة) ش: لا عين الخمر لأن المسلم ممنوع عن تسليم الخمر وتسلمها م: (وهي) ش: أي الخمر م: (تصلح ثمنا لا مثمنا) ش: أي مبيعا، فلو قلنا بانعقاد المبيع في هذه الصورة جعلنا القيمة مثمنا، إذ كل عين في مقابلة الدراهم والدنانير في البيع مثمن لتعينها للثمنية خلقة وشرعا، وما عهد في صورة من صور البياعات أن تكون القيمة مثمنا، لأنه يؤدي إلى تغيير المشروع.
م: (ثم شرط) ش: أي القدوري ﵀ م: (أن يكون القبض بإذن البائع) ش: حيث قال: وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع م: (وهو الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (إلا أنه يكتفى به) ش: أي بالإذن.
م: (دلالة) ش: أي من حيث الدلالة م: (كما إذا قبضه) ش: أي المشتري م: (في مجلس العقد استحسانا) ش: أي يصح من حيث الاستحسان م: (وهو الصحيح) ش: أي الاستحسان هو الصحيح، واحترز به عما ذكره صاحب " الإيضاح " وسماه الرواية المشهورة.
стр. 4103
لأن البيع تسليط منه على القبض، فإذا قبضه بحضرته قبل الافتراق ولم ينهه كان بحكم التسليط السابق، وكذا القبض في الهبة في مجلس العقد يصح استحسانا،
وشرط أن يكون في العقد عوضان كل واحد منهما مال ليتحقق ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال، فيخرج عليه البيع بالميتة والدم والحر والريح، والبيع مع نفي الثمن، وقوله لزمته قيمته في ذوات القيم، فأما في ذوات الأمثال يلزمه المثل لأنه مضمون بنفسه بالقبض، فشابه الغصب، وهذا لأن المثل صورة، ومعنى أعدل من المثل.
ــ
[البناية]
فقال: وما قبضه بغير إذن البائع في البيع الفاسد فهو كما يقبض، وأشار إلى وجه الصحيح بقوله: م: (لأن البيع تسليط منه) ش: أي من البائع م: (على القبض فإذا قبضه بحضرته) ش: أي بحضرة البائع م: (قبل الافتراق ولم ينهه) ش: أي البائع لم ينه المشتري عن القبض م: (كان) ش: أي القبض م: (بحكم التسليط السابق) ش: فيكتفى به م: (وكذا القبض في الهبة في مجلس العقد يصح استحسانا) ش: يعني يكتفى بسكوت الواهب وعدم نهيه الموهوب له عن القبض استحسانا أي من حيث الاستحسان.
م: (وشرط) ش: أي القدوري ﵀ وفي بعض النسخ: ويشترط م: (أن يكون في العقد عوضان كل واحد منهما مال ليتحقق ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال فيخرج عليه) ش: أي على قول القدوري م: (البيع بالميتة والدم والحر والريح) ش: بأن قال: بعت هذا الشيء بالريح الشمالي الذي يأتي من هذا الجانب، وذلك المكان ملك المشتري، وفي " الذخيرة ": صورته بأن يكون لإنسان ظرف منقوح فاشترى بذلك الريح الذي في ذلك الظرف ويجعلها في ظرف احترز له م: (والبيع مع نفي الثمن) ش: أي في رواية لأنه إذا نفاه فقد الركن عن العقد فلم يكن بيعا، وفي رواية: ينعقد بيعا لأن نفيه لا يصح، إذ البيع مشتمل على العوضين وما يشتمل على عوضين فهو هبة وصدقة.
وإذا لم يصح صار كأنه سكت عن ذكر الثمن، فلو باع وسكت عن ذكر الثمن ينعقد البيع فاسدا ويثبت الملك بالقبض لأن مطلق العقد يقتضي المعاوضة، فإذا سكت كان عوضه قيمة وكأنه بقيمته فيفسد البيع.
م: (وقوله) ش: أي قول القدوري ﵀ م: (لزمته قيمته في ذوات القيم) ش: كالحيوانات والعدديات المتفاوتة م: (فأما في ذوات الأمثال) ش: كالمكيلات والموزونات والعدديات غير المتفاوتة م: (يلزمه المثل لأنه مضمون بنفسه بالقبض) ش: واحترز به عن البيع الصحيح، وقالوا جميعا: فالمرجوع في قيمته أو المثل، أي قول المشتري لأنه هو الذي يلزمه الضمان، فالقول قوله واليمين للبائع، كذا في " شرح مختصر الكرخي " م: (فشابه الغصب) ش: والحكم في الغصب كذلك م: (وهذا) ش: أي وجوب المثل في ذوات الأمثال م: (لأن المثل صورة ومعنى أعدل من المثل
стр. 4104
معنى قال: ولكل واحد من المتعاقدين فسخه رفعا للفساد، وهذا قبل القبض ظاهر لأنه لم يفد حكمه، فيكون الفسخ امتناعا منه، وكذا بعد القبض إذا كان الفساد في صلب العقد لقوته، وإن كان الفساد بشرط زائد فمن له الشرط ذلك دون من عليه لقوة العقد، إلا أنه
ــ
[البناية]
معنى) ش: وهو القيمة لأنه إنما يضاف إليها عند العجز عن المثل صورة ومعنى: وإنما لم يلزم الثمن حتى لا يلزم تقرير البيع الفاسد.
[فسخ البيع الفاسد]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولكل واحد من المتعاقدين فسخه) ش: أي حق فسخ البيع الفاسد.
م: (رفعا للفساد) ش: وقال الأترازي ﵀: رفعا للفساد بالراء لا بالدال، كذا السماع، وذلك أن رفع الشيء إنما يكون بعد وقوع ذلك الشيء ودفعه يكون قبل وقوعه، والفساد هنا واقع فكان المسموع هو الصحيح.
قلت: نسخة شيخي أيضا بالراء، ولكن قوله ودفعه يكون قبل وقوعه، والفساد فيه تأمل لأن الدفع بحسب اللغة لا يختص بالقرب والبعد كيلا يقع بتصرفه على المشتري مكروها أو حراما، فقال في "الإيضاح": ويكره للمشتري أن يتصرف فيه بتمليك أو انتفاع لأن الفسخ مستحق حقا لله تعالى، لأن إعدام الفساد واجب، والتصرف فيه تقرير الفساد م: (وهذا) ش: أي كون حق الفسخ لكل منهما م: (قبل القبض ظاهر لأنه) ش: أي لأن البيع الفاسد م: (لم يفد حكمه) ش: وهو الملك م: (فيكون الفسخ امتناعا منه) ش: أي من الحكم م: (وكذا بعد القبض) ش: لكل واحد منهما فسخه.
م: (إذا كان الفساد في صلب العقد) ش: أي في البدل أو المبدل كبيع درهم بدرهمين وبيع ثوب بخمر م: (لقوته) ش: أي لقوة الفساد، ففي الصورتين يملك فسخه بحضرة صاحبه عندهما لأنه إلزام موجب الفسخ، ولا يلزمه إلا بعلمه، وعند أبي يوسف ﵀ بغير حضرته أيضا.
م: (وإن كان الفساد بشرط زائد) ش: بأن باعه على أن يقرضه أو يهبه، كذا أو باعه إلى أجل مجهول، م: (فمن له الشرط ذلك) ش: والنسخة الصحيحة فلمن له الشرط ذلك أي الفسخ ومن له الشرط أي منفعة الشرط هو البائع في صورة الإقراض، والمشتري في صورة الأجل م: (دون من عليه لقوة العقد) ش: دليل قوله: دون من عليه، يعني أن فسخ من عليه لا يجوز لأن العقد قوي لأن الشرط دخل في أمر زائد لا في صلب العقد.
م: (إلا أنه) ش: استثنى من قوله: لقوة العقد يعني أن العقد لما كان قويا كان القياس أن لا
стр. 4105
لم تحقق المراضاة في حق من له الشرط.
قال: فإن باعه المشتري نفذ بيعه لأنه ملكه، فملك التصرف فيه وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد بالثاني، ونقض الأول لحق الشرع، وحق العبد مقدم لحاجته، ولأن الأول مشروع بأصله. دون وصفه، والثاني مشروع بأصله ووصفه فلا يعارضه مجرد الوصف.
ــ
[البناية]
يفسخ من له الشرط أيضا إلا أنه م: (لم يتحقق المراضاة في حق من له الشرط) ش: فله أن يفسخه، وقال الكاكي ﵀ إلا أنه إلى آخره جواب سؤال يرد على قوله: لقوة العقد، يعني لما كان العقد قويا ينبغي أن لا يكون لأحد ولاية الفسخ.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (فإن باعه المشتري) ش: أي الذي اشترى بالشراء الفاسد م: (نفذ بيعه لأنه ملكه) ش: بالقبض م: (فملك التصرف فيه) ش: سواء كان بيعا أو هبة أو إعتاقا غير أنه لا يحل له الأكل، إن كان مأكولا، وإن كانت جارية لا يحل له وطؤها، كذا في شرح الطحاوي ﵀.
وقال شمس الأئمة الحلواني: يكره له الوطء ولا يحرم، كذا في " الفتاوى الصغرى "، وفي شرح الطحاوي: وإذا باعه المشتري ليس للبائع إبطاله، وعلى المشتري القيمة أو المثل، إن كان مثليا ويطيب ذلك الملك للثاني لأنه ملكه بعقد صحيح بخلاف المشتري الأول لأنه لا يحل له ولا يطيب لأنه ملكه بعقد فاسد.
ولو كان المبيع جارية فاستولدها المشتري صارت أم ولد له ويغرم القيمة ولا يغرم العقر في رواية كتاب البيوع، وفي رواية كتاب الشرب عليه العقر ولو رهن المشتري المبيع صح الرهن، وليس للبائع إبطاله، وإن فكه المشتري قبل أن يقضي عليه بالقيمة فإنه يرد على البائع إبطاله، وإن فكه بعد ما قضى عليه بالقيمة فلا سبيل له على المبيع، وإن أجره صحت الإجارة غير أن للبائع أن يبطلها ويسترد المبيع م: (وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد بالثاني) ش: أي لتعلق حق المشتري الثاني بالعقد الثاني م: (ونقض الأول) ش: أي البيع الأول م: (لحق الشرع) ش: من جهة الفساد فيه وحق الشرع إذا اجتمع مع حق العبد يقدم حق العبد وهو معنى قوله: م: (وحق العبد مقدم لحاجته) ش: لأن الله تعالى غني فالعفو منه أرجى بخلاف حق من الغاصب لأنه تعلق به حق المغصوب منه، وكلاهما حق العبد فيرجح حق المغصوب منه لأنه أسبق، كذا في " المبسوط ".
م: (ولأن الأول) ش: هذا دليل على سقوط حق الاسترداد للبائع بعد بيع المشتري من غيره يعني أن البيع الأول م: (مشروع بأصله) ش: لأنه لا فساد في أصل البيع م: (دون وصفه) ش: لدخول الفساد فيه م: (والثاني) ش: أي البيع الثاني م: (مشروع بأصله ووصفه) ش: لأنه لا فساد فيهما جميعا م: (فلا يعارضه مجرد الوصف) ش: أي فلا يعارض المشروع بأصله ووصفه المشروع
стр. 4106
ولأنه حصل بتسليط من جهة البائع، بخلاف تصرف المشتري في الدار المشفوعة؛ لأن كل واحد منهما حق العبد، ويستويان في المشروعية وما حصل بتسليط من الشفيع.
قال: ومن اشترى عبدا بخمر أو خنزير فقبضه وأعتقه أو باعه أو وهبه وسلمه فهو جائز، وعليه القيمة لما ذكرنا؛ أنه ملكه بالقبض فينفذ تصرفاته، وبالإعتاق قد هلك فتلزمه القيمة، وبالبيع والهبة انقطع حق الاسترداد على ما مر، والكتابة والرهن نظير البيع لأنهما لازمان، إلا أنه يعود حق الاسترداد بعجز المكاتب وفك الرهن
ــ
[البناية]
بمجرد الوصف، حاصله أن الفساد لا يعارض الصحيح م: (ولأنه) ش: هذا دليل ثالث على سقوط حق الاسترداد بعد بيع المشتري، أي ولأن البيع الثاني م: (حصل بتسليط من جهة البائع) ش: حيث كان القبض بإذنه فاسترداده نقص ما لم يكن من جهته، وذلك باطل.
فإن قلت: هذا المعنى وهو التسليط وجد قبل بيع المشتري أيضا، ومع هذا لكل واحد من المتعاقدين فسخه إعداما للفساد فانتقض العلة.
قلت: معناه حصل بتسليط من جهة البائع وقد تعلق به حق ثالث فبطل السؤال.
م: (بخلاف تصرف المشتري) ش: هذا جواب عما يقال: لو كان تعلق حق الغير بالمشتري مانعا من نقض التصرف لم ينتقض تصرفات المشتري في الدار المشفوعة من البيع والهبة والبناء وغيرها لتعلق حقه بها، لكن للشفيع أن ينقضها. وتقرير الجواب ما قاله من قوله: بخلاف تصرف المشتري م: (في الدار المشفوعة لأن كل واحد منهما) ش: أي من حق الشفيع وحق المشتري م: (حق العبد ويستويان في المشروعية، وما حصل بتسليط من الشفيع) ش: أي لم يوجد التسليط من الشفيع لأن التسليط إنما يثبت بالإذن أو بإثبات الملك المطابق للتصرف، ولم يوجد من الشفيع شيء من ذلك فكان له الاسترداد.
[اشترى عبدا بخمر أو خنزير فقبضه]
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير " م: (ومن اشترى عبدا بخمر أو خنزير فقبضه) ش: بإذن البائع م: (وأعتقه أو باعه أو وهبه وسلمه فهو جائز) ش: أي هذا لأنه كره أن يغير لفظ محمد ﵀ م: (وعليه القيمة لما ذكرنا) ش: فيما تقدمه م: (أنه ملكه بالقبض فينفذ تصرفاته) ش: وأصل المسألة أن البيع الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض بالإذن عند أصحابنا، خلافا للشافعي ﵁ وقد مر بيان ذلك فيما مضى.
م: (وبالإعتاق قد هلك) ش: أي لم يبق مالية بالعتق م: (فتلزمه القيمة، وبالبيع والهبة انقطع حق الاسترداد على ما مر) ش: أشار به إلى قوله: لتعلق العبد الثاني، وهو المشتري الثاني.
م: (والكتابة والرهن نظير البيع لأنهما لازمان) ش: فإن الرهن إذا اتصل بالقبض صار لأنه ما في حق الراهن، كالكتابة في حق المولى م: (إلا أنه يعود حق الاسترداد بعجز المكاتب وفك الرهن
стр. 4107
لزوال المانع، وهذا بخلاف الإجارة لأنها تفسخ بالأعذار، ورفع الفساد عذر، ولأنها تنعقد شيئا فشيئا فيكون الرد امتناعا. قال: وليس للبائع في البيع الفاسد أن يأخذ المبيع حتى يرد الثمن لأن المبيع مقابل به فيصير محبوسا به كالرهن،
ــ
[البناية]
لزوال المانع) ش: وهو تعلق حق العبد قبل وليس في تخصيصهما في عود الاسترداد زيادة فائدة لإثبات في جميع الصور إذا انتقض التصرفات حتى لو رد المبيع بعيب قبل القضاء بالقيمة أو رجع الواهب في هبته عاد للبائع، ولأنه الاسترداد لعود قديم ملكه إليه ثم عود حق الاسترداد في جميع الصور، إنما يكون إذا لم يقض على المشتري بالقيمة وأما إذا كان بعد القضاء بذلك عند تحول الحق إلى القيمة فلا يعود إلى الغير كما إذا قضى على الغاصب بقيمة المغصوب الآبق ثم عاد.
م: (وهذا) ش: أي انقطاع الاسترداد بالتصرفات المذكورة م: (بخلاف الإجارة) ش: فإن حق الاسترداد فيها لا ينقطع م: (لأنها تفسخ بالأعذار، ورفع الفساد عذر) ش: من أقوى الأعذار، وفي " الذخيرة " و " المبسوط " لا يبطل حق الاسترداد بالإجارة والنكاح، لأن الإجارة عقد ضعيف يفسخ بالأعذار، وقيام حق الشرع في الرد إفساد السبب من أقوى الأعذار فيفسخ به، ألا ترى أن المشتري لو أجر المبيع ثم وجد به عيبا كان له فسخ الإجارة للرد بالعيب، فهذا أولى ولم يذكر محمد ﵀ من يفسخ الإجارة.
وذكر في " النوادر " أن القاضي يفسخها م: (ولأنها) ش: أي ولأن الإجارة م: (تنعقد شيئا فشيئا فيكون الرد امتناعا) ش: يعني أن الإجارة تنعقد على المنافع وهي تحدث شيئا فشيئا، إلا أن العين أقيمت مقام المنفعة، ففي أي وقت رد العقد كان الرد امتناعا من انعقاد العقد في حق المنفعة التي تحدث بعده لعدم الضرورة، فلا يكون فيه رفع العقد الثابت.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وليس للبائع في البيع الفاسد أن يأخذ المبيع حتى يرد الثمن) ش: الذي أخذه، قال الأترازي: قوله حتى يرد الثمن أي القيمة التي أخذها من المشتري، ذكره بعض الشارحين، وفيه نظر؛ لأن القيمة إنما تجب في البيع الفاسد إذا هلك المبيع، وهنا المبيع قائم، وإنما أثبت محمد ﵀ اسم الثمن، وإن كان البيع فاسد التصور بصورة الثمن حيث قوبل بالمبيع.
قلت: أراد ببعض الشارحين السغناقي ﵀ لأنه قال: هكذا فرارا عن المجاز، وقال الإمام التمرتاشي: هذا الحكم ليس بخصوص البيع الفاسد بل هذا الحكم ثابت في الإجارة الفاسدة والرهن الفاسد والعرض الفاسد اعتبارا بالعقد الجائز إذا تفاسخا، لأن هذه عقود معاوضة فيوجب السوية بين البدلين م: (لأن المبيع مقابل به) ش: أي بالثمن الذي أعطاه المشتري م: (فيصير محبوسا به) ش: أي بالثمن م: (كالرهن) ش: بالدين لكنه يفارقه من وجه آخر، وهو أن
стр. 4108
وإن مات البائع فالمشتري أحق به حتى يستوفي الثمن؛ لأنه يقدم عليه في حياته، فكذا على ورثته وغرمائه بعد وفاته كالراهن، ثم إن كانت دراهم الثمن قائمة يأخذها بعينها لأنها تتعين في البيع الفاسد، وهو الأصح لأنه بمنزلة الغصب، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها لما بينا.
قال: ومن باع دارا بيعا فاسدا، فبناها المشتري فعليه قيمتها، عند أبي حنيفة ﵀، رواه يعقوب ﵀ عنه في " الجامع الصغير " ثم شك بعد ذلك.
ــ
[البناية]
الرهن مضمون بقدر الدين لا غير، وهاهنا المبيع مضمون الثمن بجميع قيمته كما في الغصب م: (وإن مات البائع فالمشتري أحق به) ش: أي بالمبيع م: (حتى يستوفي الثمن لأنه يقدم عليه) ش: أي على البائع م: (في حياته فكذا) ش: يقدم م: (على ورثته وغرمائه بعد وفاته كالراهن) ش: فإنه إذا مات وله ورثة وغرماء فالمرتهن أحق بالرهن من الورثة والغرماء حتى يستوفي الدين.
م: (ثم إن كانت دراهم الثمن قائمة يأخذها بعينها لأنها تتعين) ش: بالتعيين م: (في البيع الفاسد وهو الأصح) ش: احترز به عن رواية أبي حفص ﵀ فإنه قال: لا يتعين كما في البيع الجائز، وقال علاء الدين العالم ﵀ في " طريقة الخلاف " والمختار عدم التعيين يعني في العقود الفاسدة، وإليه ذهب فخر الإسلام والصدر الشهيد - رحمهما الله - لأن البيع الفاسد في حكم النقض والاسترداد.
ثم كما تتعين الدراهم والدنانير في العقود الفاسدة فتعين في الوديعة والغصب والهبة والوصية في المضاربة والشركة قبل القبض والتسليم، وقال الإمام البزدوي ﵀ في "جامعه ": إنما يتعين الدراهم والدنانير في البيع الفاسد إذا كان البيع الفاسد صريحا لا يتعين.
ألا ترى أن البيع الفاسد بمنزلة الغصب وكان الثمن في يد البائع بمنزلة المغصوب، والدراهم المغصوبة تتعين حتى وجب رد فيها إن كان قائما، وبه صرح الإمام قاضي خان م: (لأنه) ش: أي لأن الثمن م: (بمنزلة الغصب) ش: لأنه مضمون بالقبض كالغصب م: (وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأنه بمنزلة الغصب.
[باع دارا بيعا فاسدا فبناها المشتري]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن باع دارا بيعا فاسدا فبناها المشتري فعليه قيمتها عند أبي حنيفة ﵀) ش: لفظ محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ رجل باع من رجل دارا بيعا فاسدا فقبضها المشتري فبنى فيها، قال: ليس للبائع أن يأخذها ولكنه يأخذ قيمتها، ثم شك يعقوب ﵀ في هذه المسألة بعد ذلك، وقال يعقوب ومحمد - رحمهما الله -: ينقض البناء ويرد الدار إلى صاحبها، إلى هنا لفظ محمد ﵀ م: (رواه يعقوب ﵀ عنه) ش: أي روى أبو يوسف ﵀ -عن أبي حنيفة ﵀ م: (في الجامع الصغير ثم شك) ش: أي أبو يوسف ﵀ م: (بعد ذلك) ش: أي بعد الرواية عن أبي حنيفة ﵀ -
стр. 4109
في الرواية. وقالا: ينقض البناء وترد الدار، والغرس على هذا الاختلاف. لهما أن حق الشفيع أضعف من حق البائع، حتى يحتاج فيه إلى القضاء ويبطل بالتأخير بخلاف حق البائع، ثم أضعف الحقين لا يبطل بالبناء فأقواهما أولى. وله أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام، وقد حصل بتسليط من جهة البائع فينقطع حق الاسترداد كالبيع، بخلاف حق الشفيع لأنه لم يوجد منه التسليط، ولهذا لا يبطل بهبة المشتري وببيعه،
ــ
[البناية]
شك في حفظهما عنه، وهو معنى قوله م: (في الرواية) ش: عن أبي حنيفة لا في مذهب أبي حنيفة ﵀، فإن ذكر في " جامع البزدوي " ﵀.
قال أبو يوسف لمحمد - رحمهما الله -: ما رويت لك عن أبي حنيفة إنما رويت لك أن ينقض البناء، وقال محمد ﵀: بل رويت أن يأخذ قيمتها، وقد أشار إلى ذلك في بعض النسخ، فقال محمد ﵀: ثم شك يعقوب ﵀ في هذه المسألة ولم يزل به أنه شك في قول أبي حنيفة ﵀ وقوله الأول مع محمد ﵀ بل شك في سماعه عنه.
وفي " الإيضاح " قاله المعلى ﵀ رجع أبو يوسف ﵀ إلى قول أبي حنيفة ﵀، وقوله الأول مع محمد أشار إليه المصنف بقوله:
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (ينقض البناء وترد الدار) ش: أي على صاحبها كما هو مذكور في " الجامع الصغير " م: (والغرس على هذا الاختلاف) ش: يعني ينقطع به حق الفسخ عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، وقد نص محمد ﵀ على الاختلاف في كتاب الشفعة، فإنه قال: إذا اشترى المشتري شراء فاسدا فبنى فيه أو غرس، لا يثبت حق الشفعة للشفيع، وعندهما وعند أبي حنيفة ﵀ يثبت م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد ﵀ م: (أن حق الشفيع أضعف من حق البائع حتى يحتاج فيه) ش: أي في حق الشفيع م: (إلى القضاء ويبطل) ش: أي حق الشفيع م: (بالتأخير) ش: أي بتأخير المطلب م: (بخلاف حق البائع) ش: فإنه لا يحتاج إلى ذلك م: (ثم أضعف الحقين) ش: وهما حق الشفيع وحق البائع م: (لا يبطل بالبناء فأقواهما) ش: أي فأقوى الحقين الذي هو حق البائع م: (أولى) ش: بأن لا يبطل م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام) ش: احترازا عن الإجارة م: (وقد حصل) ش: أي كل واحد من البناء والغرس م: (بتسليط من جهة البائع فينقطع حق الاسترداد) ش: لأنه لا يجوز للإنسان أن يسعى في نقض ما تم من جهته م: (كالبيع) ش: أي فصار كما إذا باعه المشتري أو وهبه من غيره م: (بخلاف حق الشفيع لأنه لم يوجد منه التسليط ولهذا) ش: أي ولأجل عدم التسليط من الشفيع م: (لا يبطل) ش: أي حق الشفيع م: (بهبة المشتري وبيعه) ش: يعني لو وهبها الإنسان أو باعها من آخر.
стр. 4110
فكذا ببنائه. وشك يعقوب ﵀ في حفظه الرواية عن أبي حنيفة ﵀، وقد نص محمد ﵀ على الاختلاف في كتاب الشفعة، فإن حق الشفعة مبني على انقطاع حق البائع بالبناء وثبوته على الاختلاف
ــ
[البناية]
م: (فكذا ببنائه) ش: أي فكذا لا يبطل ببنائه، وإذا ثبت هذا كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة لانقطاع حق البائع في الاسترداد بالبناء، يصير ورثه حينئذ بمنزلة البيع الصحيح فينقض بناء المشتري واعترض بأنه إذا وجب نقض البناء لحق الشفيع وفيه تقرير العقد الفاسد وجب نقضه لحق البائع بطريق الأولى، لأن فيه إعدام الفاسد، قال الأكمل: وإذا لزم ما ذكر فليس بوارد علي إذ البائع دون الشفيع، ولا يلزم من نقضه لمن ليس بمسلط نقضه لمن سلط فانتفى الأولية وبطلت الملازمة.
م: (وشك يعقوب ﵀) ش: هو أبو يوسف ﵀ م: (في حفظه الرواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: لما كان هذا الموضع محتاجا إلى تأكيد، كرر المصنف قوله: شك يعقوب ﵀ قال الأكمل ﵀: وفي كلامه نوع العلاق لأنه قال: رواه يعقوب ﵀ عنه في " الجامع الصغير "، والراوي في " الجامع الصغير " محمد ﵀ لأنه تصنيفه، إلا إذا أريد بالجامع الصغير المسائل التي رواها يعقوب ﵀ عن أبي حنيفة لمحمد ﵏.
وقال تاج الشريعة ﵀: وشك يعقوب ﵀ في حفظ الرواية، قال مشايخنا: شك أبو يوسف ﵀ أن قول أبي حنيفة ﵀ هل يخالف قولهما أم لا، وقع الشك لا يتحقق الاختلاف والأصح على الخلاف، وشك أبي يوسف في الرواية أنه سمع منه أم لا.
م: (وقد نص محمد ﵀ على الاختلاف في كتاب الشفعة) ش: الشفعة للشفيع عندهما وعند أبي حنيفة ﵀ يثبت م: (فإن حق الشفعة مبني على انقطاع حق البائع بالبناء وثبوته على الاختلاف) ش: فعند أبي حنيفة ﵀ يثبت حق الشفعة، فكان انقطاع حق البائع في الاسترداد ثابتا، وعندهما: لا يثبت لأنه لم ينقطع حق البائع في الاسترداد، وقال الأترازي ﵀: وقال بعض الشارحين: قوله: وثبوته بالرفع عطفا على قوله: مبني وهو ضعيف.
قلت: أراد بعض الشارحين السفناقي ﵀ وتبعه على ذلك الكاكي أيضا، ولكن الأترازي ﵀ ما بين وجه الضعف صريحا، والذي يظهر لي أن ثبوته مرفوع بالابتداء أو خبره هو قوله على الاختلاف لأن تحرير الكلام هنا، وتحقيق معناه أن حق استحقاق الشفعة مبني على انقطاع حق البائع في الاسترداد بالبناء والغرس، وثبوته مختلف فيه، فمن قال بثبوته
стр. 4111
قال: ومن اشترى جارية بيعا فاسدا وتقابضا، فباعها وربح فيها تصدق بالربح، ويطيب للبائع ما ربح في الثمن، والفرق أن الجارية مما يتعين فيتعلق العقد بها، فيتمكن الخبث في الربح، والدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود، فلم يتعلق العقد الثاني بعينها، فلم يتمكن الخبث فلا يجب التصدق، وهذا في الخبث الذي سببه فساد الملك. أما الخبث لعدم الملك عند أبي حنيفة ومحمد يشمل النوعين
ــ
[البناية]
قال بانقطاع حق البائع
ومن قال بانقطاعه قال بعدم انقطاع حق البائع لأن وجود اللزوم بدون لازمه محال، وعلى هذا فمن حفظه مذهب أبي حنيفة ﵀ في ثبوت الشفعة، لا يشك في مذهبه في انقطاع حق البائع في الاسترداد فلم يبق الشك إلا في رواية عنه لمحمد ﵀ فافهم فإنه موضع دقيق يحتاج إلى فكر عميق.
م: (قال: ومن اشترى جارية بيعا فاسدا وتقابضا، فباعها وربح فيها تصدق بالربح، ويطيب للبائع ما ربح في الثمن) ش: البائع هو بائع الجارية م: (والفرق) ش: أي بين الصورتين وهما طيب الربح لبيع الجارية في الثمن، وعدم طيبه لمشتري الجارية م: (أن الجارية مما يتعين فيتعلق العقد بها) ش: أي بعين الجارية.
ومعنى تعين الجارية، أنه إذا باع جارية معينة ليس له أن يعطي جارية أخرى مكانها، ولما تعلق العقد بها وحصل الربح من هذه الجارية كان الربح، جاء من بدل المملوك ملكا فاسدا، فيمكن الخبث في الربح ويتصدق به م: (فيتمكن الخبث في الربح) ش: والخبث عدم الطيب م: (والدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود) ش: أي في عقود البياعات، واحترز به عن الوديعة والشركة والغصب ونحوها. وعند زفر والشافعي - رحمهما الله - يتعينان حتى لو اشترى بدراهم معينة، فحبسها وأعطى البائع غيرها فللبائع أن يأبى ذلك، ولو هلكت الدراهم أو استحقت يبطل البيع عندهما كما في البيع المعين، وعندنا لا يبطل م: (فلم يتعلق العقد الثاني بعينها) ش: أي بعين الدراهم التي باع المشتري الجارية بها م: (فلم يتمكن الخبث، فلا يجب التصدق) ش: لأن الربح حصل بالعقد لا بالدراهم.
م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرنا من الفرق بين ما يتعين وبين ما لا يتعين، حيث لا يطيب الربح في الأول، ويطيب في الثاني م: (في الخبث الذي سببه فساد الملك) ش: والخبث على نوعين: خبث لفساد الملك، وخبث لعدم الملك، كما يجيء الآن، وكذلك المال على نوعين: نوع لا يتعين في العقد كالدراهم والدنانير، ونوع يتعين بخلافهما.
م: (أما الخبث لعدم الملك عند أبي حنيفة ومحمد يشمل النوعين) ش: أراد بهما ما يتعين من المال
стр. 4112
لتعلق العقد فيما يتعين حقيقة وفيما لا يتعين شبهة، من حيث إنه يتعلق به سلامة المبيع أو تقدير الثمن، وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة، والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة، والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها. قال: وكذا إذا ادعى على آخر مالا فقضاه إياه، ثم تصادقا، أنه لم يكن عليه شيء، وقد ربح المدعي في الدراهم يطيب له الربح، لأن الخبث لفساد الملك هاهنا؛ لأن الدين وجب بالتسمية ثم استحق بالتصادق، وبدل المستحق مملوك فلا يعمل فيما لا يتعين.
ــ
[البناية]
وما لا يتعين م: (لتعلق العقد) ش: أي بمال الغير م: (فيما يتعين حقيقة) ش: أي من حيث حقيقة الخبث م: (وفيما لا يتعين شبهة) ش: أي من حيث الشبهة، أي شبهة الخبث، وبينه بقوله م: (من حيث إنه يتعلق به) ش: أي بمال يتعين م: (سلامة المبيع) ش: بأن ينقد الدراهم المغصوبة م: (أو تقدير الثمن) ش: عطف على قوله: سلامة المبيع، يعني أن الخبث لعدم الملك إنما يثبت فما لا يتعين بطريق الشبهة لأنه تعلق به سلامة المبيع كما قلنا أو تقدير الثمن بأن يشير إلى الدراهم المغصوبة، ونقد من غيرها م: (وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة) ش: يعني أن الخبث لفساد الملك تنقلب حقيقة شبهة أي ما كان من الخبث بسبيل الحقيقة في الخبث لعدم الملك، كما في ما يتعين يكون ذلك الخبث فيما يتعين شبهة لفساد الملك لأن الخبث لفساد الملك أدنى من الخبث لعدم الملك م: (والشبهة) ش: باعتبار فساد الملك فيما لا يتعين م: (تنزل إلى شبهة الشبهة) ش: فيما لا يتعين م: (والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها) ش: أي من الشبهة لأن شبهة الشبهة إذا اعتبرت، ينسد باب العقود إذ لا يخلو عن شبهة الشبهة.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وكذا إذا ادعى) ش: رجل م: (على آخر مالا) ش: بأن ادعى عليه ألف درهم مثلا م: (فقضاه إياه) ش: أي فقضى الرجل المال م: (ثم تصادقا، أنه لم يكن عليه شيء) ش: والحال م: (وقد ربح المدعي في الدراهم يطيب له الربح؛ لأن الخبث لفساد الملك هاهنا؛ لأن الدين وجب بالتسمية) ش: بدعوى الدعوى م: (ثم استحق بالتصادق وبدل المستحق مملوك) ش: ملكا فاسدا والمستحق هو الدين والبدل الدراهم م: (فلا يعمل) ش: أي الخبث م: (فيما لا يتعين) ش: لأن الخبث لفساد الملك لا أثر له فيما لا يتعين، لأنه شبهة الشبهة، ولهذا طاب له الربح ولم يجب التصدق به.
стр. 4113
فصل فيما يكره قال: ونهى رسول الله ﷺ عن النجش، وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب غيره، قال ﵊: «لا تناجشوا» ،
قال: وعن السوم على سوم غيره، قال ﵊: «لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه» .
ــ
[البناية]
[فصل في بيان ما يكره في باب البيوع]
[المكروه أدنى درجة من الفاسد]
م: (فصل فيما يكره) ش: أي هذا فصل في بيان ما يكره في باب البيوع، والمكروه أدنى درجة من الفاسد، ولكن هو شعبة من شعبه فلذلك ألحقه به وأخره عنه، وقد علم في الأصول أن الفسخ إذا كان لأمر متجاوز كان مكروها، وإذا كان لوصف متصل كان فاسدا م: (قال: «ونهى رسول الله ﷺ عن النجش» ش: بفتحتين، ويروى بالسكون، وقيل: بالتحريك اسم وبالسكون مصدر. وهو مكروه بإجماع الأئمة الأربعة، قوله: «ونهى رسول الله ﷺ عن النجش،» لفظ القدوري وفسره المصنف بقوله: م: (وهو أن يزيد في الثمن ولا يريد الشراء ليرغب) ش: من الترغيب م: (غيره) ش: فيوقعه فيه، ثم ذكر الحديث بقوله: م: (قال ﵊) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «لا تناجشوا» ش: هذا الحديث رواه البخاري بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا» الحديث، ورى البخاري أيضا: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن النجش".»
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وعن السوم على سوم غيره) ش: وقال المصنف ﵀: م: (قال ﵊) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه» ش: هذا الحديث رواه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن تلقي الركبان وأن يبيع حاضر لباد الحديث. وفي آخره: وأن يستام الرجل على سوم أخيه» ورواه محمد في كتاب الآثار: أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته» الحديث.
وفي " شرح الطحاوي ": وصورته أن يتراوض الرجلان على السلعة ويتساومان عليها ويرضى البائع والمشتري بذلك ولم يعقد عقد المبيع حتى ساومه آخر على سومه واشتراه منه، فإنه يجوز في الحكم، ولكنه يكره هذا، إذا جنح قلب البائع إلى البيع من الأول بما طلب منه من الثمن، وأما إذا لم يجنح قلبه ولم يرض بذلك فلا بأس للثاني أن يشتريه لأن هذا بيع من يزيد.
стр. 4114
ولأن في ذلك إيحاشا وإضرارا، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، أما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد، ولا بأس به على ما نذكره، وما ذكرناه محمل النهي في النكاح أيضا.
قال: وعن تلقي الجلب وهذا إذا كان يضر بأهل البلد، فإن كان لا يضر فلا بأس به إلا إذا لبس السعر على الواردين، فحينئذ يكره لما فيه من الغرر والضرر.
وقال: وعن بيع الحاضر للبادي
ــ
[البناية]
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه باع قدحا وحلسا ببيع من يزيد وكذلك الرجل إذا خطب امرأة وجنح قلبها إليه كره لغيره أن يخطبها، وإن لم يجنح قلبها إلى الأول فلا بأس للثاني أن يخطبها.
وفي " الكافي ": السوم أن يزيد في الثمن بعد تقرير لإرادة الشراء م: (ولأن في ذلك) ش: أي في السوم على أخيه م: (إيحاشا) ش: أي إلقاء الوحشة في قلبه م: (وإضرارا) ش: في زيادة الثمن م: (وهذا) ش: أي كون السوم مكروها م: (إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، أما إذا لم يركن) ش: أي فإذا لم يرض ولم يجنح م: (أحدهما إلى الآخر فهو) ش: أي السوم م: (بيع من يزيد، ولا بأس به) ش: حينئذ م: (على ما نذكره) ش: إشارة إلى قوله: وقد صح أن «النبي ﵇ باع قدحا وحلسا ببيع من يزيد» وسيجيء عن قريب وقد ذكرناه أيضا. م: (وما ذكرناه) ش: أراد به قوله: وهذا إذا تراضى المتعاقدان م: (محمل النهي في النكاح أيضا) ش: يعني إذا ركن قلب المرأة إلى الخاطب يكره خطبة غيره فإذا لم يركن فلا يكره.
[تلقي الجلب]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وعن تلقي الجلب) ش: أي «ونهى النبي ﷺ عن تلقي الجلب» أي المجلوب، صورته أن واحدا من أهل المصر أخبر بمجيء قافلة بمسيرة عظيمة فيخرج ويتلقاهما ويشتري منهم ما يتمارون ويدخل المصر ويبيعه على ما يريد من الثمن م: (وهذا) ش: أي تلقي الجلب على ما وصفناه إنما يكره م: (إذا كان يضر بأهل البلد) ش: بأن يكونوا في ضيق من جدب وقحط م: (فإن كان لا يضر) ش: أهل البلد ذلك م: (فلا بأس به إلا إذا لبس السعر عل الواردين) ش: بأن يشتري منهم بأرخص من سعر المصر وهم لا يعلمون بالسعر م: (فحينئذ يكره لما فيه من الغرر) ش: في حقهم م: (والضرر) ش: لأهل المصر وكلاهما قبيح.
م: (قال) ش: أي القدوري في "مختصره": م: (وعن بيع الحاضر للبادي) ش: وفسره ابن
стр. 4115
فقد قال ﵊: لا يبيع الحاضر للبادي، وهذا إذا كان أهل البلدة في قحط وعوز، وهو أن يبيع من أهل البدو طمعا في الثمن الغالي لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر،
قال: و البيع عند أذان الجمعة ، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية: ٩) ،
ــ
[البناية]
عباس ﵀ بقوله: لا يكون له سمادا وبينه الحلواني حيث قال: صورته أن يجيء القروي بالطعام إلى المصر فلا بد للسمسار الحاضر أن يبيع القروي بنفسه، بل يقول له: لا تفعل شيئا فلا أعلم، فيتوكل هذا السمسار الحاضر من البادي ويبيعه ويعلي على الناس السعر، فلو تركه يبيعه بنفسه ربما يرخص، وهذا مبني لقوله ﵊: «لا يبيع حاضر لباد وذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» رواه مسلم عن جابر ﵁.
وعن أنس بن مالك ﵁ كان يقول: "لا يبيع حاضر لباد" وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا، وقال ابن سيرين ﵀: هي كلمة جامعة للبيع والشراء ويجيء الآن تفسير المصنف ﵀ لقوله: لا يبيع حاضر لباد م: (فقد قال ﵊) ش: أي فقد قال النبي ﷺ : م: «لا يبيع الحاضر للبادي» ش: وقد ذكرنا عن قريب أن هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظ الحديث في كتب الحديث بلفظ النكرة في الحاضر والبادي.
م: (وهذا) ش: أي كراهة بيع الحاضر للبادي م: (إذا كان أهل البلدة في قحط وعوز) ش: أي ضيق م: (وهو) ش: أي الحاضر م: (أن يبيع من أهل البدو طمعا في الثمن الغالي) ش: ويبيعه من أهل البادية بثمن غال، وأهل المصر يتضررون بذلك فلا يجوز م: (لما فيه من الإضرار بهم) ش: أي بأهل البلد م: (أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر) ش: وهكذا قال في " شرح الطحاوي " ﵀.
[البيع عند أذان الجمعة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والبيع عند أذان الجمعة) ش: أي ونهى رسول الله ﷺ عن البيع عند أذان الجمعة هكذا فسره الأكمل ﵀ وقال الأترازي ﵀: وهو بالجر معطوف على قوله عن النجش، وهو أيضا يؤدي معنى ما قاله الأكمل ﵀ ولكن المصنف ﵀ لم يذكر فيه النهي عن النبي ﷺ عن ذلك صريحا، وإنما قال: م: قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (الجمعة: الآية: ٩) ، ش: ولكن ما نهى الله عن شيء وهو أيضا نهي النبي ﷺ ، ومعنى ذروا: اتركوا أمرا للجماعة من يذرون ما أتوا ما فيه وأصله اذروا أو ذروا حذفت الواو تبعا لفعله واستغني عن الهمزة فحذفت فصار ذروا، وأقل أحوال النهي الكراهة، ولأن السعي إلى الجمعة واجب بالنص.
وفي الاشتغال بالبيع والشراء أو بالنوم ونحو ذلك ترك السعي الواجب، وقد مر الكلام
стр. 4116
ثم فيه إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه، وقد ذكرنا الأذان المعتبر في كتاب الصلاة.
قال: وكل ذلك يكره لما ذكرنا، ولا يفسد به البيع لأن الفساد في معنى خارج زائد لا في صلب العقد ولا في شرائط الصحة،
قال: ولا بأس ببيع من يزيد، وتفسيره ما ذكرنا وقد صح أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا ببيع من يزيد..
ــ
[البناية]
فيه مستقصى في باب الجمعة م: (ثم فيه) ش: أي في الاشتغال بالبيع م: (إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه) ش: بأن عقدا ووقفا ولم يسعيا، وأما إذا كانا يمشيان ويبيعان فلا بأس به، ذكره أبو الليث في أصوله م: (وقد ذكرنا الأذان المعتبر في كتاب الصلاة) ش: أراد به ما ذكره في باب الجمعة، والأصح أن المعتبر هو الأول أي الأذان الأول إذا كان بعد الزوال، لحصول الإعلام به.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وكل ذلك يكره) ش: أي كل ما ذكرنا من أول الفصل إلى هنا مكروه وهو النجش والسوم على سوم غيره، وتلقي الجلب، وبيع الحاضر للباد، والبيع عند أذان الجمعة م: (لما ذكرنا) ش: أي لما ذكرنا من الدلائل في كل واحد منهما بمفرده.
م: (ولا يفسد به البيع) ش: أي بالنهي المذكور حتى يجب الثمن ويثبت الملك قبل القبض، وبه قال الشافعي ﵁ ولكن يثبت الخيار في وجه في صورة تلقي الركبان، إذ ليس السعر عليهم، وقال مالك ﵀: بيع التناجش باطل، وبه قال أحمد ﵀ في رواية ضعيفة، وفي صورة تلقي الركبان البيع باطل عند مالك ﵀ وكذا بيع الحاضر للبادي وبه قال أحمد ﵀ م: (لأن الفساد في معنى خارج زائد) ش: أي مجاور م: (لا في صلب العقد) ش: أي لا متصل به م: (ولا في شرائط الصحة) ش: من الحرية والعقل والبلوغ، قال الكاكي ﵀: وأراد بقوله: خارج مجاور لا مطلق الخارج بدليل قوله: زائد لا في صلب العقد ولا في شرائط الصحة، وإلا يشكل بالبيوع الفاسدة بالشرط، فإن الفساد لمعنى خارج لكن ليس مجاورا، لهذا قال الكاكي ﵀ قوله: لمعنى خارج مشكل إلا أن يؤول خارج بالمجاور.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ولا بأس ببيع من يزيد، وتفسيره ما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله: فإذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد م: (وقد صح «أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا ببيع من يزيد» .
ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة فأخرجه أبو داود في "الزكاة"، وابن ماجه في "التجارات" عن عيسى بن يونس عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر عبد الله الحنفي عن أنس بن مالك ﵁ «أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ ليسأله، فقال له: " أما في بيتك شيء؟ "
стр. 4117
..
....
....
....
....
....
....
....
....
....
ــ
[البناية]
قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: "ائتني بهما" فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال: "من يشتري هذين؟ " فقال رجل: أنا آخذهم بدرهم، قال: "من يزيد على درهم؟ " مرتين أو ثلاثا، فقال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر فأسا فائتني به". فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودا بيده ثم قال: "اذهب واحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما" فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» وأخرجه الترمذي مختصرا «أن النبي ﷺ باع حلسا وقدحا فيمن يزيد» وكذلك أخرجه النسائي مختصرا.
فإن قلت: كيف يقول المصنف ﵀: وقد صح، وضعفه العقيلي في كتابه والأخضر بن عجلان ذكره الأزدي في الضعفاء وأبو بكر الحنفي، قال ابن القطان: فيه مجهول لا أعرف أحدا نقل عدالته.
قلت: هذا الحديث لما رواه الترمذي حسنه، وعند البعض: الحسن من الصحيح والأخضر ابن عجلان وثقه البخاري، وأبو بكر الحنفي روى عنه جماعة وحسن الترمذي حديثه، ولولا أنه ثقة عنده لما حسن حديثه.
فإن قلت: كيف باع النبي ﷺ الحلس والقدح بغير إذن صاحبهما؟
قلت: قيل: يجوز للحاكم أن يبيع على المعسر.
فإن قلت: قال الترمذي: لم ينقل أنه كان معسرا.
قلت: كانت نفقة أهله واجبة عليه فهي كالدين، قلت: لا يحتاج إلى هذه التكلفات، والنبي ﷺ كان يجوز له التصرف في أموال أمته بما شاء فيتصرف على وجه المصلحة.
فإن قلت: قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بما شاء ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث [بأسا] .
قلت: قال ابن العربي: والباب واحد والمعنى مشترك لا يختص به غنيمة ولا ميراث والحلس بكسر الحاء المهملة كساء يطرح على ظهر البعير أو الحمار، والجمع أحلاس وحلوس كذا في الجمهرة، ويقال: فلان حلس بيته إذا لم ينزح منه.
стр. 4118
ولأنه بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه نوع منه. قال: ومن ملك مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر لم يفرق بينهما، وكذلك إن كان أحدهما كبيرا، والأصل فيه قوله ﵊:
ــ
[البناية]
قوله: مدقع من الدقعاء وهو التراب، ومعنى فقر مدقع أي شديد يفضي بصاحبه إلى التراب.
وقيل: وهو سواء احتمال الفقر، قوله: أو لذي غرم مفظع أي لذي خلعة لازمة من غرامة مثقلة، وقال ابن الأثير: المفظع الشديد الشنيع، وقد أقطع يقطع فهو مقطع وقطع الأمر فهو قطيع، قوله: لذي دم موجع: هو أن يتحمل دية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم يؤدها قبل التحمل عنه فيوجعه قتله.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن بيع من يزيد م: (بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه) ش: أي الحاجة داعية إلى ذلك، وتوارثها الناس في الأسواق م: (نوع منه) ش: أي من البيع المكروه، وإنما فصل هذا لما أن الكراهة في الدين تذكر بعد لمعنى راجع إلى المعقود عليه، والكراهة فيما ذكر قبل لمعنى يرجع إلى غير المعقود عليه، أو لأن الذي يذكر بعد مسائل مختلفة يجمعها معنى واحد وهو التفريق بخلاف الأول؛ لأن فيها مسائل شتى ولها أصول مختلفة.
وقال الأترازي ﵀: ولأن المصنف ﵀ فصل هذا عما تقدم لأن هذا النوع له باب على حدة في الأصل والزيادات، ولهذا ذكره الكرخي ﵀ في مختصره في باب على حدة، قلت: على ما ذكره كان ينبغي أن يذكر له بابا على حدة.
م: (قال: ومن ملك مملوكين) ش: إنما قال: ملك، ولم يقل: اشترى لتناول وجوه سبب الملك من قبول الهبة والوصية والإرث والشراء م: (صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر) ش: وقيد بالصغيرين لأنه يكره في الكبيرين م: (لم يفرق بينهما) ش: ومراده بالتفريق أن يكون ذلك في ملك واحد، لأنه إذا كان أحدهما في ملك رجل والآخر في ملك الآخر لم يكره التفريق، ألا ترى إلى ما قال في " الشامل ": ولو كان أحدهما مملوكا له، والآخر لولده الصغير أو مكاتبه أو مضاربه جاز التفريق.
قال في " شرح الطحاوي ": إذا كان له ولدان صغيران فدخل أحدهما في ملك أحدهما الآخر فلا بأس ببيع أحدهما، وإن كان يملك بيعهما جميعا، وقال فيه أيضا: وكما يكره التفريق في البيع فكذلك يكره التفريق في القسمة في الميراث والغنائم.
م: (وكذلك) ش: أي لم يفرق م: (إن كان أحدهما) ش: أي أحد المملوكين م: (كبيرا) ش: وإلا صغيرا م: (الأصل فيه) ش: أي في هذا النوع م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي
стр. 4119
«من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» «ووهب النبي ﷺ لعلي ﵁ غلامين أخوين صغيرين، ثم قال له: "ما فعل الغلامان؟ "
ــ
[البناية]
ﷺ : م: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» .
ش: هذا الحديث رواه الترمذي عن حسين بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرق.... " إلخ نحوه، وقال: حديث حسن غريب.
وقال الأترازي ﵀: وقال الكرخي ﵀ في "مختصره": روينا عن أبي أيوب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته» قال: وهكذا ذكر لفظ الحديث شمس الأئمة البيهقي ﵀ في " الشامل " و" الكفاية "، وكذا ذكره في "شرح الأقطع " و" الإيضاح "، ولكن ذكر صاحب " الهداية " بلفظ الأحبة.
قلت: المحدثون رووه بلفظ الأحبة، منهم الترمذي كما ذكرنا، والحاكم، والبيهقي، والدارمي، والدارقطني، وأحمد في مسنده بعضه، وقال شيخنا زين الدين ﵀ في شرح الترمذي: استدل أحمد ﵀ بعموم الحديث على أنه لا يصح التفريق بين الأم وولدها الكبير في البيع ونحوه وهو رواية ابن الحكم عن مالك، وقال أيضا: هل يحصل الحكم بالوالدة أو يدخل فيه الجدة للأب، وكذلك الولد الصغير مع الولد هل يجوز التفريق بينهما بالبيع ونحوه. كذلك الجدة للأب والجد للأب صرح أصحابنا بأن الجدة كالأم عند عدم الأم، وكذلك الجد كالأب عند عدم الأب، فإن كان له أم أو أب رقيقان حرم التفريق بينه وبين الأم، وجاز التفريق بينه وبين الأب، وكذلك لو كان له أم وجدة لم يجز التفريق بينه وبين الأم، فإن بيع مع جدته دون أمه فالأصح أنه حرام.
وقال أيضا: فيه حجة للصحيح من الوجهين عند أصحاب الشافعي ﵁ أنه لا يزول تحريم التفريق بإذن الأم في أن يفرق بينها وبين ولدها، وبناه بعض العلماء على أن الحق في هذا هل هو لحق الوالدة أو لحق الله تعالى؟ فإن كان لحق الوالدة جاز التفريق بإذنها، وإن كان لحق الولد أو لحق الله تعالى فلا يجوز التفريق وإن أذنت، وجوز مالك التفريق بإذنها.
م: «ووهب النبي ﷺ لعلي ﵁ غلامين صغيرين ثم قال له: "ما فعل الغلامان؟ "،
стр. 4120
فقال: بعت أحدهما فقال ﵇: "أدرك أدرك"، ويروى: "اردد، اردد» ، ولأن الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير، والكبير يتعاهده فكان في بيع أحدهما قطع الاستئناس، والمنع من التعاهد، وفيه ترك الرحمة على الصغار وقد أوعد عليه.
ــ
[البناية]
فقال: بعت أحدهما، فقال ﵇: "أدرك أدرك"، ويروى: "اردد، اردد") » ش: هذا رواه الترمذي وابن ماجه عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن ميمون بن أبي شبيب «عن علي ﵁ قال: وهب لي رسول الله ﷺ غلاماك أخوين فبعت أحدهما، فقال رسول الله ﷺ : "يا علي ما فعل غلاماك" فأخبرته، فقال: "رده".» ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وقال أبو داود في "سننه": ميمون بن أبي شبيب لم يدرك عليا فإنه قتل في الجماجم في سنة ثلاث وثمانين.
وأخرج الدارقطني في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى «عن علي ﵁ قال: قدم علي النبي ﷺ سبي فأمرني ببيع أخوين فبعتهما وفرقت بينهما، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "أدركهما وارتجعهما وهما جميعا، ولا تفرق بينهما» وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
م: (ولأن الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير) ش: أي ويستأنس بالكبير أيضا، ففي التفريق زوال الأنس وزيادة الإيحاش فيكره ما لم يبلغ الغلام، أو تحض الجارية، فإذا بلغا لا يكره التفريق م: (والكبير يتعاهده) ش: أي يتعاهد الصغير أي يقوم بحوائجه باعتبار الشفقة الناشئة من قرب القرابة م: (فكان في بيع أحدهما قطع الاستئناس والمنع من التعاهد وفيه ترك الرحمة على الصغار وقد أوعد عليه) ش: أي على ترك المرحمة، وفيه أحاديث:
منها: ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا".»
стр. 4121
ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم، ولا يدخل فيه الزوجان حتى جاز التفريق بينهما، لأن النص ورد بخلاف القياس فيقتصر على مورده،
ــ
[البناية]
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ رواه الترمذي عن عكرمة ﵁ مرفوعا.
ومنها: حديث أنس ﵁ أخرجه الترمذي أيضا مرفوعا نحوه.
ومنها: حديث رواه أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده عن أنس مرفوعا: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".»
م: (ثم المنع) ش: أي المنع من التفريق م: (معلول بالقرابة المحرمة للنكاح) ش: بأن يكون أحدهما ذا رحم محرم من الآخر م: (حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب) ش: كأولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات.
م: (ولا قريب غير محرم) ش: أي ولا يدخل فيه محرم كالأخت من الرضاع وكامرأة الأب م: (ولا يدخل فيه) ش: أي في المبيع من التفريق م: (الزوجان حتى جاز التفريق بينهما لأن النص ورد بخلاف القياس) ش: فإن القياس أن يتصرف المالك في ملكه كيف شاء م: (فيقتصر على مورده) ش: أي مورد النص وهو القرابة المحرمة للنكاح.
فإن قلت: كيف يكون على خلاف القياس، والمعنى هو قطع المعاهدة بالتفريق موجود؟
قلنا: وجود المعنى يدل على أنه لا يكون على خلاف القياس، فإن السلم شرع لحاجة المفاليس، ومع ذلك شرع على خلاف القياس، كذا قيل: لو كان منع التفريق معلوما بالقرابة المحرمة للنكاح لما جاز التفريق عند وجود هذه العلة، وقد جاز في مواضع مع وجودها.
أحدها: ما إذا كان أحد المملوكين بحال لا يمكن للمولى أن يبيعه بأن دبره، ولا بأس ببيع الذي هو محل البيع هنا وإن حصل التفريق.
والثاني: ما إذا جنى أحدهما، فلا بأس أن يدفعه المولى إلى ولي الجناية مع أن له منع البيع باختيار الفداء.
стр. 4122
ولا بد من اجتماعهما في ملكه لما ذكرنا، حتى لو كان أحد الصغيرين له والآخر لغيره
ــ
[البناية]
والثالث: ما لو استهلك مال أمان يباع فيه مع أن للمولى ولاية المنع بأداء قيمته.
والرابع: ما لو كانا مملوكين لحربي مستأمن فإنه يجوز للمسلم أن يشتري أحدهما مع أن كل موضع يكره التفريق بالبيع يكره التفريق بالشراء، وهاهنا لا يكره.
والخامس: أنه لو كان ثلاثة إخوة في يد رجل وأحدهم صغير فللمالك أن يبيع أحد الكبيرين استحسانا مع وجود التفريق.
والسادس: ما إذا اشتراهما ووجد بأحدهما عيبا فله أن يرده ويمسك الثاني في ظاهر الرواية.
والسابع: ما لو كان أحدهما أعتقه على مال أو غير مال فيقع التفريق باعتبار الإخراج عن الملك.
الثامن: أنه لو كان في يد رجل أمة، ولها ولد صغير مراهق يجوز بيعه باختياره ورضى أمه، والمسائل من المبسوط والإيضاح وشرح الطحاوي.
قلنا: أما الجواب عن الأول: أنه إنما لم يجوز التفريق باعتبار ضرر المملوك، فلو منعناه من بيع الآخر لحق الضرر للمولى فيه، وتعارض الضررين، فنفي الضرر عن المولى أولى لئلا يلزم الحجر عن التصرف في ملكه، وكذلك الجواب في الثاني والثالث.
وعن الرابع: أنه لو لم يجز شراء المسلم منه لذهب الحربي بينهما إلى دار الحرب، وضرر فساده في دار الحرب ثابت في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلعرضية الأمن والقتل إذ الظاهر من حال من يشأ في دارهم كان على دينهم، وأما ضرر الآخر فظاهر.
وأما الخامس: بأن المنع لحق الصغير وجه مرعي إذا كان معه أحد الكبيرين ليستأنس به ويقوم بحوائجه، مع أن فيه رواية عن أبي يوسف ﵀ أنه يكره أيضا.
وعن السادس: بالجواب عن الثاني.
وعن السابع: أن الكتابة والإعتاق هو عين الجمع بأكمل الوجوه، إذ المكاتب أو المعتق صار أحق بنفسه، فيدور هو حيث ما دار أخوه فيتعاهد أموره.
وعن الثامن: أنه لما رضيا بالتفريق لم يبق الضرر فيجوز.
م: (ولا بد من اجتماعهما) ش: أي اجتماع المملوكين الصغيرين م: (في ملكه لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله ﵇: «من فرق بين والدة وولدها» م: (حتى لو كان أحد الصغيرين له والآخر لغيره) ش: وفي بعض النسخ، والآخر لغيره وهو الأظهر، لأن لفظ الغير مطلقا يتناول
стр. 4123
لا بأس ببيع واحد منهما، ولو كان التفريق بحق مستحق لا بأس به كدفع أحدهما بالجناية وبيعه بالدين ورده بالعيب؛ لأن المنظور إليه دفع الضرر عن غيره لا الإضرار به.
قال: فإن فرق كره له ذلك وجاز العقد، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجوز في قرابة الولادة ويجوز في غيرها. وعنه أنه لا يجوز في جميع ذلك لما روينا، فإن الأمر بالإدراك والرد لا يكون إلا في البيع الفاسد.
ــ
[البناية]
كل من هو غير المالك م: (لا بأس ببيع واحد منهما) ش: أي من الاثنين المذكورين لأن التفريق إنما يتحقق في ملك واحد لا في ملك اثنين.
م: (ولو كان التفريق بحق) ش: أي بسبب حق م: (مستحق لا بأس به) ش: أي بالتفريق ومثل لذلك بقوله: م: (كدفع أحدهما بالجناية) ش: بأن جنى أحدهما فدفعه م: (وبيعه بالدين) ش: بأن كان مأذونا وأحاط به دينه أو وجب الدين على المالك ولا مال له م: (ورده بالعيب) ش: بأن اشتراهما وكان بأحدهما عيب لم يظهر عند العقد، وعلل بقوله: م: (لأن المنظور إليه) ش: في منع التفريق م: (دفع الضرر عن غيره) ش: أي عن غير الصغير م: (لا الإضرار به) ش: أي بالصغير.
وحاصل الكلام: أن التفريق إنما نهي عنه لدفع الضرر عن الصغير وليس من شرط دفع الضرر عن شخص إلحاق الضرر بغيره، فإذا تعلق بأحدهما حق فالمنع من إيفاء الحق الضرار بصاحب الحق، وإنما حصل الإضرار بالصغير ضمنا لحق مستحق فلا يلتفت إليه لأنه كم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن فرق كره له ذلك وجاز العقد) ش: الكراهة بالإجماع وفي الجواز خلاف، فعند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - يجوز وبه قال الشافعي ﵁ في قول م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي أن التفريق م: (لا يجوز في قرابة الولادة) ش: أي في الولدين والمولودين، وبه قال الشافعي ﵁ في الأصح م: (ويجوز في غيرها) ش: أي غير الوالدين والمولودين م: (وعنه) ش: أي عن أبي يوسف ﵀ م: (أنه) ش: أي أن التفريق م: (لا يجوز في جميع ذلك) ش: أي في قرابة الولادة وغيرها، وبه قال زفر والحسن وأحمد ﵏ م: (لما روينا) ش: أشار به إلى قول علي ﵁ في الحديث: بعت أحدهما وقد مر م: (فإن الأمر بالإدراك) ش: وهو قوله ﵇ في الحديث المذكور: أدرك.
م: (والرد) ش: أي القول بالرد في قوله: ويروى اردد، اردد م: (لا يكون إلا في البيع الفاسد) ش: وقال الطحاوي ﵀: ولا ينبغي لأحد أن يفرق بين ذي رحم محرم فيهما صغير، فإن أبا حنيفة ﵀ كان يكره ذلك، ولا يفسخ البيع، وكان أبو يوسف ومحمد
стр. 4124
ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله، وإنما الكراهة لمعنى مجاور فشبه كراهة الاستيام، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما؛ لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقد صح أنه فرق بين مارية وسيرين، وكانتا أمتين أختين
ــ
[البناية]
﵀ يكرهان ذلك ولا يفسخان البيع.
وكذلك الحكم فيه حتى يبلغ الصغير غير أن محمدا ﵀ قال في الصبي: إذا كان أخوان أو أختان أو عمتان أو خالتان فإنه لا بأس ببيع واحد من ذلك واحتباس الصغير مع الآخر، هذا لفظ الطحاوي، وقد ذكر قول محمد ﵀ مع أبي يوسف كما ترى، وقد ذكر الكرخي ﵀ في مختصره قول محمد مع أبي حنيفة كما ذكره المصنف.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أن ركن البيع صدر من أهله) ش: وهو العاقل البالغ حال كونه مضافا م: (في محله) ش: وهو المالية م: (وإنما الكراهة لمعنى مجاور) ش: وهو للرخصة الحاصلة بالتفريق م: (فشابه كراهة الاستيام) ش: أي السوم على سوم أخيه فإنه مكروه لا فاسد، والحديث محمول على طلب الإقالة أو بيع آخر ممن باع من أحدهما م: (وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما لأنه ليس في معنى ما ورد به النص) ش: لأن معنى ما ورد به الشرع هو أن التفريق قطع الاستئناس.
وترك التعاهد وليس هذا في الكبيرين م: (وقد صح أنه) ش: أي أن النبي ﷺ م: (فرق بين مارية وسيرين وكانتا أمتين أختين) ش: بيان هذا ما رواه البزار في مسنده من «حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: أهدى المقوقس القبطي لرسول الله ﷺ جاريتين وبغلة كان يركبها، فأما إحدى الجاريتين فتسراها فولدت له إبراهيم ﵀ وهي مارية أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت ﵁ وهي أم عبد الرحمن بن حسان» .
وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق في " دلائل النبوة " عن الزهري «عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا، وأحسن نزله ومخرجه إلى النبي ﷺ وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة مسروجة وجاريتين، إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها
стр. 4125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
رسول الله ﷺ لجهم بن قيس العقدي، وهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر،» انتهى، وهذا مرسل ومخالف لما رواه البزار كما تراه.
ولكن الجمع بينهما بحديث آخر رواه البيهقي أيضا بإسناده إلى «حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله فأقمت عنده ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته إلى أن قال: وهذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، فأهدى إلى رسول الله ﷺ ثلاث جوار منهن: أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وواحدة وهبها ﵊ لأبي جهم بن حذيفة العدوي، وواحدة وهبها لحسان بن ثابت الأنصاري:» انتهى.
قلت: أبو جهم ذكره أبو عمر في " الاستيعاب " وقال: قيل اسمه عامر بن حذيفة، وقيل: عبيد بن حذيفة أسلم عام الفتح وصحب النبي ﷺ ، توفي آخر خلافة معاوية ﵁. وأما جهم بن قيس فذكره أيضا في الاستيعاب، وقال: جهم بن قيس بن عبد بن شراحبيل بن عبد مناف بن عبد الدار. وقال: هاجر إلى الأرض الحبشة مع امرأته، وتوفيت امرأته هناك.
ولم يتعرض إلى قضية هبة النبي ﵊ إياه الجارية، ولا في أبي جهم، وأما سيرين فقد ذكرها أبو عمر ﵀ في الاستيعاب في باب السين المهملة، وكذا ذكرها الذهبي في تجريد الصحابة وذكرها الأترازي بثلاث نقط على السين، والظاهر أنه سهو.
стр. 4126
باب الإقالة
الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول لقوله ﷺ : «من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» . ولأن العقد حقهما فيملكان رفعه دفعا لحاجتهما، فإن شرط أكثر منه أو أقل
ــ
[البناية]
[باب الإقالة]
[تعريف الإقالة]
م: (باب الإقالة)
ش: أي هذا باب في بيان أحكام الإقالة، قيل: الإقالة مشتق من القول والهمزة للسلب كأشكى يعني أزال القول السابق [....
....] .
والجوهري ذكرها في " الصحاح " في القاف مع الياء وأقلته البيع إقالة وهو فسخه ورفعه، وذكر في " مجموع اللغة " قال: أقال البيع قيلا وإقالة فسخ، والمناسبة بين هذا الباب وبين الذي قبله هي أن الخلاص من حيث البيع فاسد والمكروه لما كان بالفسخ كان للإقالة تعلقا خاصا بها فذكر عقبها.
[حكم الإقالة]
م: (الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول) ش: لا خلاف للأئمة الأربعة ﵏ في جواز الإقالة ولكن خلافهم أنها فسخ أو بيع على ما يأتي، والدليل على جوازها الحديث الذي يأتي ولأن الإقالة رفع العقد والعقد حق المتعاقدين وقد انعقد بتراضيهما فكان لهما رفعه دفعا للحاجة م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﵊ م: م: «من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أقال مسلما ببيعته أقال الله عثرته» ، زاد ابن ماجه يوم القيامة، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال ابن حبان فيه: يوم القيامة دون الحاكم ونادما عند البيهقي.
م: (ولأن العقد) ش: أي عقد البيع م: (حقهما فيملكان رفعه) ش: أي رفع العقد الذي وقع بينهما م: (دفعا) ش: أي لأجل الدفع م: (لحاجتهما) ش: لأن كل من كان له حق يملك رفعه م: (فإن شرط أكثر منه) ش: أي من الثمن الأول م: (أو أقل) ش: أي أو شرط الأقل من الثمن الأول م:
стр. 4127
فالشرط باطل ويرد مثل الثمن الأول، والأصل أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق غيرهما، إلا أنه لا يمكن جعله فسخا فتبطل، وهذا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ﵀ هو بيع إلا أنه لا يمكن جعله بيعا فيجعل فسخا، إلا أنه لا يمكن فتبطل. وعند محمد ﵀ هو فسخ إلا إذا تعذر جعله فسخا فيجعل بيعا، إلا أنه لا يمكن فتبطل.
ــ
[البناية]
م: (فالشرط باطل) ش: ولا يسقط رد الثمن من البائع، وعند الشافعي ﵁ الإقالة فاسدة والثمن على حال، وإذا كان الشرط المذكور باطلا م: (ويرد) ش: أي البائع م: (مثل الثمن الأول) ش: الذي وقع العقد عليه.
م: (والأصل) ش: أي في هذا الباب م: (أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين) ش: في جميع الأحوال منقولا كان المبيع أو غير منقول، مقبوض أو غير مقبوض م: (بيع جديد) ش: أي الإقالة بيع م: (في حق غيرهما) ش: ولهذا تجب الشفعة للشفيع فيما إذا باع دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم تقايلا وعاد المبيع إلى ملك البائع، ولو كانت الإقالة بيعا لما جاز لكونه قبل القبض بل هي جديد في حق غيرهما م: (إلا أنه لا يمكن جعله فسخا فتبطل) ش: أي الإقالة كما إذا ولدت المبيعة بعد القبض ولدا فإن الزيادة المنفصلة تمنع فسخ العقد حقا للشرع.
م: (وهذا) ش: أي المذكور كله م: (عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ﵀ هو بيع) ش: أي الإقالة بيع، وإنما ذكر الضمير باعتبار المذكور أو بالنظر إلى أن لفظ الإقالة في الأصل مصدر م: (إلا أنه لا يمكن جعله بيعا) ش: كما إذا تقايلا في المنقول قبل القبض م: (فيجعل فسخا إلا أنه لا يمكن) ش: أي جعله فسخا م: (فتبطل) ش: أي الإقالة كما إذا تقايل في العروض المبيعة بالدراهم بعد هلاكها، أو تقايلا في المنقول قبل القبض على خلاف جنس الثمن الأول، لأن بيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز والفسخ يكون بالثمن الأول وقد سميا ثمنا آخر.
م: (وعند محمد ﵀ هو فسخ، إلا إذا تعذر جعله فسخا) ش: أي إلا إذا تعذر جعل عقد الإقالة فسخا، بأن تقايلا بعد القبض بالثمن الأول بعد الزيادة المنفصلة أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثمن الأول، م: (فيجعل بيعا إلا أنه لا يمكن) ش: أي جعله بيعا كما في صورة بيع العروض بالدراهم بعد هلاكها م: (فتبطل) ش: أي الإقالة ويبقى العقد على حاله.
وفي " الذخيرة ": هذا الخلاف بينهم فيما إذا حصل الفسخ بلفظ الإقالة، أما إذا جعل بلفظ المفاسخة والمبادلة أو الرد فإنها لا تجعل بيعا وإن أمكن أن تجعل بيعا، وفي " شرح الوجيز ": إذا كانت الإقالة بلفظ الإقالة فيه قولان فسخ أو بيع، أما إذا قالا تفاسخنا فهو فسخ لا محالة، وفي " شرح الأقطع ": وعن أبي حنيفة ﵀ رواية أخرى أن الإقالة بيع بعد القبض وفسخ قبله.
стр. 4128
لمحمد ﵀ أن اللفظ للفسخ والرفع، ومنه يقال أقلني عثرتي فيوفر عليه قضيته، وإذا تعذر يحمل على محتمله وهو البيع، ألا ترى أنه بيع في حق الثالث، ولأبي يوسف أنه مبادلة المال بالمال بالتراضي، وهذا هو حد البيع، ولهذا تبطل بهلاك السلعة وترد بالعيب وتثبت به الشفعة وهذه أحكام البيع. ولأبي حنيفة ﵀ أن اللفظ ينبئ عن الرفع والفسخ كما قلنا، والأصل إعمال الألفاظ في مقتضياتها الحقيقية، ولا يحتمل ابتداء العقد ليحمل عليه عند تعذره لأنه ضده، واللفظ لا يحتمل ضده فتعين البطلان، وكونه بيعا في حق الثالث
ــ
[البناية]
وفي " شرح الطحاوي ": وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: الإقالة بيع على كل حال حتى إنه أبطل الإقالة في المنقول قبل القبض لأنه لا يجوز بيعه م: (لمحمد ﵀ أن اللفظ) ش: أي لفظ الإقالة م: (للفسخ والرفع) ش: يعني في اللغة م: (ومنه يقال: أقلني عثرتي) ش: أي ارفعها م: (فيوفر عليه) ش: أي على اللفظ م: (قضيته) ش: أي ما اقتضاه من موضوعه اللغوي.
م: (وإذا تعذر) ش: أي الفسخ م: (يحمل على محتمله وهو البيع) ش: بطريق المجاز، ولهذا كانت بيعا في حق الثالث، وإنما يحمل على البيع صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء، وقوله: م: (ألا ترى) ش: توضح لكون الإقالة بيعا عند تعذر الفسخ بطريق المجاز وهو احتمال اللفظ إياه م: (أنه) ش: أي أن الإقالة م: (بيع في حق الثالث) ش: وهو الشفيع م: (ولأبي يوسف أنه) ش: أي أن الإقالة م: (مبادلة المال بالمال بالتراضي وهذا) ش: أي المذكور وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي م: (هو حد البيع) ش: وإن تلفظا بلفظ الإقالة لأن العبرة للمعاني لا للألفاظ، ولهذا تجعل الكفالة بشرط براءة الأصل حوالة والحوالة بشرط عدم البراءة كفالة.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الإقالة مبادلة المال بالمال بالتراضي الذي هو حد البيع م: (تبطل) ش: أي الإقالة م: (بهلاك السلعة وترد بالعيب) ش: كما في البيع م: (وتثبت به الشفعة، وهذه أحكام البيع) ش: فتكون الإقالة بيعا إلا أن المنقول قبل القبض لو حملت على البيع كان فاسدا فحملت على الفسخ حملا لكلامهما على الصحة.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن اللفظ) ش: أي لفظ الإقالة م: (ينبئ عن الرفع والفسخ كما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: إن اللفظ للفسخ والرفع م: (والأصل إعمال الألفاظ في مقتضياتها الحقيقية) ش: فإذا تعذر صير إلى المجاز إن أمكن وإلا بطل م: (ولا يحتمل) ش: أي الإقالة م: (ابتداء العقد ليحمل عليه) ش: أي على العقد مجازا م: (عند تعذره لأنه) ش: لأن العقد م: (ضده) ش: أي ضد الرفع م: (واللفظ لا يحتمل ضده) ش: واستعارة أحد الضدين للآخر لا يجوز كما عرف في موضعه، فإذا كان كذلك م: (فتعين البطلان) ش: أي بطلان الإقالة.
م: (وكونه بيعا في حق الثالث) ش: جواب عما يقال: الإقالة بيع جديد في حق الثالث، ولو
стр. 4129
أمر ضروري؛ لأنه يثبت به مثل حكم البيع وهو الملك لا مقتضى الصيغة، إذ لا ولاية لهما على غيرهما، إذا ثبت هذا نقول: إذا شرط الأكثر فالإقالة على الثمن الأول، لتعذر الفسخ على الزيادة؛ إذ رفع ما لم يكن ثابتا محال فيبطل الشرط؛ لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة بخلاف البيع، لأن الزيادة يمكن إثباتها في العقد فيتحقق الربا، أما لا يمكن إثباتها في الرفع،
ــ
[البناية]
لم يحتمل البيع لم يكن ذلك، تقرير الجواب أن كون الإقالة بيعا في حق الثالث الذي هو الشفيع م: (أمر ضروري) ش: يعني ثبوته بيعا بطريق الضرورة، والمحكم لا باعتبار اللفظ وليس بطريق المجاز إذ الثابت بالمجاز ثابت تقتضيه الصيغة، وهذا ليس كذلك م: (لأنه يثبت به مثل حكم البيع وهو الملك) ش: للبائع ببدل ظهر موجبه في حق ثالث دونهما لامتناع ثبوت الضدين في محل واحد فإذا كان كذلك اعتبر الحكم في الثالث لا الصيغة يعني لا تعتبر الصيغة وهو معنى قوله: م: (لا مقتضى الصيغة) ش: لأن البيع وضع لإثبات الملك قصدا وزوال الملك من ضروراته والإقالة وضعت لإزالة الملك وإبطاله وثبوت الملك من ضروراته فيثبت لكل واحد منهما الملك فيما كان لصاحبه كما ثبت في المبايعة فاعتبر موجب الصيغة في حق المتعاقدين، لأن لهما ولاية على أنفسهما، واعتبر الحكم في حق غيرهما، ولا ولاية لهما في حق غيرهما وهو معنى قوله: م: (إذ لا ولاية لهما) ش: أي للمتعاقدين م: (على غيرهما) ش: بأن يجعلا هذا المبيع فسخا في حق غيرهما، لكون الفسخ إضرارا في حق الغير، وجواب المصنف ﵀ في الحقيقة....
... إلخ.
وقال الأكمل ﵀: وجواب إخوان المدعي أن كون الإقالة بيعا جديدا في حق ثالث ليس مقتضى الصيغة.
لأن كونها فسخا مقتضاها فلو كان كونها بيعا كذلك لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز م: (إذا ثبت هذا) ش: أي ما ذكر من الأصل م: (نقول: إذا شرط الأكثر فالإقالة على الثمن الأول) ش: الذي وقع عليه العقد م: (لتعذر الفسخ على الزيادة) ش: لأن فسخ العقد عبارة عن رفعه على الوصف الذي كان قبله، والفسخ على الزيادة ليس كذلك م: (إذ رفع ما لم يكن ثابتا محال فيبطل الشرط) ش: والإقالة لا تبطل م: (لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة بخلاف البيع) ش: حيث يبطل بالشروط الفاسدة م: (لأن الزيادة يمكن إثباتها في العقد فيتحقق الربا) ش: لأن في الشرط شبهة الربا.
لأن فيه منفعة لأحد المتعاقدين وهو مستحق بعقد المعاوضة خال عن العوض.
م: (أما لا يمكن إثباتها) ش: أي إثبات الزيادة م: (في الرفع) ش: أي في رفع العقد لأن الإقالة تشبه البيع من حيث المعنى فكان الشرط الفاسد فيها شبهة الشبهة، فلا يؤثر في صحة الإقالة كما لا يؤثر في صحة البيع بخلاف البيع لأن الزيادة فيه إثبات ما لم يكن بالعقد فيتحقق الربا.
стр. 4130
وكذا إذا شرط الأقل لما بيناه، إلا أن يحدث في المبيع عيب فحينئذ جازت الإقالة بالأقل؛ لأن الحط يجعل بإزاء ما فات بالعيب. وعندهما في شرط الزيادة يكون بيعا، لأن الأصل هو البيع، عند أبي يوسف، وعند محمد جعله بيعا ممكن، فإذا زاد كان قاصدا بهذا البيع، وكذا في شرط الأقل عند أبي يوسف ﵀؛ لأنه هو الأصل عنده، وعند محمد ﵀ هو فسخ بالثمن الأول لأنه سكوت عن بعض الثمن الأول، ولو سكت عن الكل وأقال يكون فسخا، فهذا أولى بخلاف ما إذا زاد، وإذا دخله عيب فهو فسخ بالأقل لما بيناه. ولو أقال بغير جنس الثمن الأول فهو فسخ بالثمن الأول عند أبي حنيفة ﵀ ويجعل التسمية لغوا، وعندهما بيع لما بينا، ولو ولدت المبيعة ولدا ثم
ــ
[البناية]
م: (وكذا إذا شرط الأقل) ش: أي من الثمن الأول م: (لما بيناه) ش: من قوله: إذ رفع ما لم يكن ثابتا محال، وقال الأترازي ﵀: إشارة إلى قوله: لتعذر الفسخ م: (إلا أن يحدث في المبيع عيب فحينئذ جازت الإقالة بالأقل؛ لأن الحط يجعل بإزاء ما فات بالعيب) ش: وقال تاج الشريعة ﵀: هذا إذا كانت حصة العيب مقدار المحطوط أو زائدا أو أنقص بقدر ما يتغابن الناس فيه م: (وعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (في شرط الزيادة يكون بيعا؛ لأن الأصل هو البيع عند أبي يوسف، وعند محمد جعله بيعا ممكن) ش: يعني وإن كانت الإقالة عنده فسخا، لكنها في الزيادة غير ممكن، وجعله بيعا ممكن م: (فإذا زاد كان قاصدا بهذا البيع) ش: لأن في الزيادة تعذر العمل بالحقيقة فيصار إلى المجاز صونا لكلام العاقل عن الإلغاء، ولا فرق عند أبي يوسف ﵀ في الزيادة والنقصان، لأن الأصل عنده هو البيع، وعند محمد ﵀ هو الفسخ.
م: (وكذا في شرط الأقل عند أبي يوسف ﵀) ش: أي بيع عنده م: (لأنه) ش: أي لأن البيع م: (هو الأصل عنده، وعند محمد ﵀ هو فسخ بالثمن الأول لأنه سكوت عن بعض الثمن الأول، ولو سكت عن الكل) ش: أي عن جميع الثمن م: (وأقال يكون فسخا، فهذا أولى بخلاف ما إذا زاد) ش: حيث يجعل بيعا عند محمد ﵀ واعترض بأن كونه فسخا إذا سكت عن كل الثمن إما أن يكون على مذهبه خاصة أو على الاتفاق والأول رد المختلف على المختلف، والثاني غير ناهض، لأن أبا يوسف ﵀ إنما يجعله فسخا لامتناع جعله بيعا لانتفاء ذكر الثمن بخلاف صورة النقصان، فإن فيها ما يصلح ثمنا.
م: (وإذا دخله عيب فهو فسخ بالأقل لما بيناه) ش: أن الحط يجعل بإزاء ما فاته بالعيب م: (ولو أقال بغير جنس الثمن الأول فهو فسخ بالثمن الأول عند أبي حنيفة ﵀ ويجعل التسمية لغوا، وعندهما بيع لما بينا) ش: يعني وجه كل واحد منهما في فضل الزيادة م: (ولو ولدت المبيعة ولدا ثم
стр. 4131
تقايلا فالإقالة باطلة عنده لأن الولد مانع من الفسخ، وعندهما تكون بيعا، والإقالة قبل القبض في المنقول وغيره فسخ عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وكذا عند أبي يوسف ﵀ في المنقول لتعذر البيع، وفي العقار يكون بيعا عنده لإمكان البيع فإن بيع العقار قبل القبض جائز عنده،
قال: و هلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة وهلاك المبيع يمنع عنها؛ لأن رفع البيع يستدعي قيامه وهو قائم بالمبيع دون الثمن، فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في الباقي لقيام البيع فيه، وإن تقايضا تجوز الإقالة بعد هلاك أحدهما، ولا تبطل بهلاك أحدهما لأن كل واحد منهما مبيع فكان البيع باقيا، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
تقايلا فالإقالة باطلة عنده) ش: يعني عند أبي حنيفة ﵀ م: (لأن الولد مانع من الفسخ) ش: لأجل الزيادة م: (وعندهما يكون بيعا) ش: وحاصله ما ذكره في " الذخيرة " أن الجارية إذا ولدت ثم تقايلا فإن كان قبل القبض صحت الإقالة سواء كانت الزيادة متصلة كالسمن والجمال أو منفصلة كالولد والأرش والعقر، لأن الزيادة قبل القبض لا تمنع الفسخ منفصلة كانت أو متصلة، والزيادة بعد القبض إن كانت منفصلة فالإقالة باطلة عند أبي حنيفة ﵀ لأنه لا يصححها إلا فسخا، وقد تعذر حقا للشرع، وإن كانت متصلة فهي صحيحة عنده لأن المتصلة لا تمنع الفسخ عنده متى وجد برضا من له الحق في الزيادة ببطلان حقه فيها وقد وجد الرضا لما تقايلا فأمكن تصحيحها فسخا عنده.
م: (والإقالة قبل القبض في المنقول وغيره فسخ عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وكذا عند أبي يوسف ﵀ في المنقول لتعذر البيع) ش: وذلك أن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز بالإجماع، وبيع العقار قبل القبض يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (في العقار يكون بيعا عنده) ش: أي عند أبي يوسف ﵀ م: (لإمكان البيع، فإن بيع العقار قبل القبض جائز عنده) ش: أي عند أبي يوسف ﵀.
[هلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وهلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة وهلاك المبيع يمنع عنها) ش: أي صحة الإقالة م: (لأن رفع البيع يستدعي قيامه) ش: أو قيام البيع م: (وهو) ش: أي قيام البيع م: (قائم بالمبيع دون الثمن) ش: لأن الأصل هو المبيع ولهذا شرط وجوده عند البيع بخلاف الثمن فإنه بمنزلة الوصف، ولهذا جاز العقد وإن لم يكن موجودا م: (فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في الباقي لقيام البيع فيه، وإن تقايضا) ش: أي لو عقدا عقد المقايضة وهي بيع عوض بعوض مأخوذ من قولهم هما قيضان أي مثلان م: (تجوز الإقالة بعد هلاك أحدهما) ش: أي أحد العوضين م: (ولا تبطل بهلاك أحدهما لأن كل واحد منهما مبيع فكان البيع باقيا، والله أعلم بالصواب) ش: لأن الأصل وجود المبيع.
стр. 4132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قيل: ما الفرق بين التقايض والتصارف فإن هلاك البدلين في الصرف غير مانع من الإقالة، وفي التقايض مانع مع أن في كل منهما لكل واحد من البدلين حكم المبيع، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر في جعله مبيعا أو ثمنا.
قلنا: الفرق أن في التصارف لا يلزمه رد المقبوض بعد الإقالة وله الخيار إن شاء رده وإن شاء رد مثله، فلا يكون هلاك المقبوض مانعا لصحة الإقالة، وإن كان في العوضين جميعا لأن الإقالة لا تتعلق بأعيانهما لو كانا قائمين فصار هلاكهما كقيامهما، بخلاف المقايضة لأنهما متى كانا قائمين فتعلق الإقالة بأعيانهما وبهلاكهما لم يبق شيء من المعقود عليه، وشرط قيامه في البيع والإقالة كذا في " المبسوط ".
стр. 4133
باب المرابحة والتولية قال: المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح، والتولية: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح،
ــ
[البناية]
[باب المرابحة والتولية]
[تعريف المرابحة]
م: (باب المرابحة والتولية)
ش: أي هذا باب في بيان أحكام المرابحة والتولية، ولما ذكر أنواع البيوع التي ترجع إلى جانب المبيع، شرع في بيان أنواع البيوع التي ترجع أحكامها إلى جانب الثمن من المرابحة والتولية والربا والصرف والبيع بالنسيئة وتقديم الأول على الثاني لأصالة المبيع دون الثمن.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح) ش: هذا تعريف المرابحة وهو مصدر رائج من باب المفاعلة الذي يستدعي مشاركة الاثنين، قوله: ما ملكه وفي بعض النسخ ما تملكه من باب التفعل م: (والتولية: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح) ش: التولية مصدر وفي غيره أي جعله واليا. هذا بحسب اللغة وأما بحسب اصطلاح الشرع فهو الذي ذكره وفي كل منهما اعتراض.
أما تعريف المرابحة: فغير مطرد ولا منعكس، أما الأول: فلأنه من اشترى دنانير بالدراهم لا يجوز بيع الدنانير مرابحة مع صدق التعريف عليه، وأما الثاني: فلأن المغصوب الآبق إذا عاد بعد القضاء بالقيمة على الغاصب جاز بيعه للغاصب مرابحة، والتعريف ليس بصادق عليه لأنه لا عقد فيه.
ولأنه مشتمل على إبهام يجب عنه خلو التعريف، وذلك لأن قوله: بالثمن الأول إما أن يراد به عين الثمن الأول أو مثله لا سبيل إلى الأول لأن عين الثمن الأول صار ملكا للبائع الأول، فلا يكون مرادا في البيع الثاني، ولا إلى الثاني، لأنه لا يخلو إما أن يراد المثل من حيث الجنس أو المقدار، والأول ليس بشرط لما ذكر في " الإيضاح " و" المحيط " أنه إذا باعه مرابحة، فإن كان ما اشتراه بدله مثلا جاز جعل الربح من جنس رأس المال للدراهم من الدراهم أومن غير الدراهم من الدنانير أو على العكس، إذا كان معلوما يجوز به الشراء لأن الكل ثمن.
والثاني: يقتضي أن لا يضم إلى رأس المال أجرة القصار والصباغ والطراز وغيرها بأنها ليست بثمن في العقد الأول على أن الثمن ليس بشرطه في المرابحة أصلا، فإنه لو ملك ثوبا بهته أو وصبه فقومه ثم باعه مرابحة على ملك والقيمة جاز، والمسألة في " المبسوط ".
قيل: فعلى هذا الأولى أن يقال: نقل ما ملكه من السلع بما قام عنده، والجواب عن الأول: أنا لا نسلم صدق التعريف عليه، فإنه إذا لم يجز البيع لا يصدق عليه النقل، وعن الثاني: بأن المراد بالعقد أعم من أن يكون ابتداء أو انتهاء، وإذا قضى بالقيمة عاد ذلك عقدا حتى لا يقدر
стр. 4134
والبيعان جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع؛ لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد على فعل الذكي المهتدي، ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن الخيانة وعن شبهتها، وقد صح «أن النبي ﷺ لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر بعيرين، فقال له النبي ﷺ : "ولني أحدهما" فقال: هو لك بغير شيء، فقال ﵇: "أما بغير ثمن فلا» .
ــ
[البناية]
المالك على رد القيمة وأخذ المغصوب، والمراد به بالمثل هو المثل في المقدار، والعادة جرت بإلحاق ما يزيد في البيع أو قيمته إلى رأس المال كان من جملة الثمن الأول عادة، وإذا لم يكن الثمن نفسه مرادا يجعل مجازا عما قام عنده من غير خيانة فيدخل فيه مسألة " المبسوط ".
وإنما عبر عنه بالثمن لكونه العادة الغالبة في المرابحات فيكون من باب ترك الحقيقة للعادة، وأما تعريف التولية فإنه يرد عليه ما كان يرد على المرابحة من حيث لفظ العقد والثمن الأول والجواب.
م: (والبيعان) ش: أي بيع المرابحة وبيع التولية م: (جائزان لاستجماع شرائط الجواز) ش: لأن المبيع معلوم والثمن معلوم والناس يعاملون بهما من غير نكير، وتعامل الناس من غير نكير حجة لقوله ﷺ : «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» م: (
والحاجة
ماسة إلى هذا النوع من البيع لأن الغبي) ش: بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء، هو الذي يخفى عليه الأمور، ويقال: هو قليل الفطنة وهو على وزن فعيل من السواء.
وقال الجوهري ﵀: يقول غبيت عن الشيء وغبيته أيضا أغبى غباوة إذا لم يفطن له وغبي على الشيء غبيا كذلك إذا لم تعرفه، ووصف المصنف ﵀ المعنى بقوله: م: (الذي لا يهتدي في التجارة إلى أن يعتمد على فعل الذكي المهتدي ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح) ش: نقدا بأمانته واعتمادا على بصيرته م: (فوجب القول بجوازهما، ولهذا) ش: أي ولأجل ذلك م: (كان مبناهما) ش: أي مبنى المرابحة والتولية م: (على الأمانة والاحتراز عن الخيانة وعن شبهتها) ش: أي وعن شبهة الخيانة حتى إذا اشترى شيئا مؤجلا ليس له أن يبيعه مرابحة إلا إذا بين الأجل م: (وقد صح «أن النبي ﷺ لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر بعيرين، فقال له النبي ﷺ : "ولني أحدهما"، فقال: هو لك بغير شيء، فقال ﵇: أما بغير ثمن فلا» ش: هذا غريب فلذلك قال الأكمل ﵀: وقد صح التولية من النبي ﷺ كما ذكره في الكتاب ولم يزد عيه شيئا.
وحديث أبي بكر ﵁ في البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة -
стр. 4135
قال: ولا تصح المرابحة والتولية حتى يكون العوض مما له مثل؛ لأنه إذا لم يكن له مثل لو ملكه ملكه بالقيمة وهي مجهولة، ولو كان المشتري باعه مرابحة ممن يملك ذلك البدل وقد باعه بربح درهم أو بشيء من المكيل موصوف جاز؛ لأنه يقدر على الوفاء بما التزم، وإن باعه بربح ده يازده لا يجوز؛ لأنه باعه برأس المال وببعض قيمته لأنه ليس من ذوات الأمثال.
ــ
[البناية]
﵂ وفيه «أن أبا بكر قال للنبي ﷺ : خذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله راحلتي هاتين فقال ﷺ : بالثمن» الحديث ليس فيه غير ذلك أخرجه في مكرمة الخلق.
ورواه أحمد ﵀ في مسنده ولفظه: «فأعطى أبو بكر ﵁ إحدى الراحلتين، فقال: خذها يا رسول الله ﷺ فاركبها، وقال ﷺ : "أخذتها بالثمن» الحديث.
وفي " الطبقات لابن سعد "، «وكان أبو بكر ﵁ قد اشتراها بثمانمائة درهم من نعم بني قسر، فأخذ إحداهما وهي القصواء.»
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا تصح المرابحة والتولية حتى يكون العوض) أي الثمن م: (مما له مثل؛ لأنه إذا لم يكن له مثل لو ملكه ملكه بالقيمة وهي مجهولة) ش: تعرف بالحرز والظن، فيتمكن فيه شبهة الخيانة فيحترز عنها كما يحترز عن حقيقة الخيانة إذ مبنى المرابحة على الأمانة، ولهذا لو اشترى عبدين أو ثوبين بثمن مؤجل فباع أحدهما مرابحة بحصة من الثمن أو بغير بيان الأجل لا يجوز عندنا.
وقال الشافعي ﵁: يجوز إن قسط الثمن على القيمة وأخبر بما يخصه م: (ولو كان المشتري باعه مرابحة ممن يملك ذلك البدل) ش: قوله: مرابحة نصب على التمييز، وقوله: ممن يملك ذلك البدل خبر كان، صورته رجل باع عبدا بثوب وملك ذلك الثوب غيره من البائع بسبب من الأسباب.
وذلك الغير الذي في يده الثوب يشتري هذا العبد بذلك الثوب ويربح درهم، جاز وهو معنى قوله م: (وقد باعه بربح درهم أو بشيء من المكيل موصوف جاز؛ لأنه يقدر على الوفاء بما التزم، وإن باعه بربح ده يازده) ش: أي بربح درهم على عشرة دراهم، وإن كان الثمن عشرين كان الربح بزيادة درهمين.
وإن كان ثلاثين فثلاثة ولفظ " ده " بفتح الدال وسكون الهاء وهو اسم العشرة بالفارسية ويازده بالياء آخر الحروف، وسكون الزاي، وده مثل الأول وهو اسم أحد عشر بالفارسية. قال في هذه الصورة: م: (لا يجوز لأنه باعه برأس المال وببعض قيمته، لأنه ليس من ذوات الأمثال) ش: فصار البائع بائعا بذلك الثمن القيمي كالثوب مثلا أو بجزء من أحد عشر جزءا من الثوب، والجزء
следующие страницы →