Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف، فيعمل فيه على ما تقوم به البينة، أو يعترف به من هو في يده، لأن كل ذلك حجة، ولا يقبل قول المعزول لما بيناه إلا أن يعترف الذي هو في يده، أن المعزول سلمها إليه، فيقبل قوله فيها، لأنه ثبت بإقراره، أن اليد كانت للقاضي، فيصبح إقرار القاضي، كأنه في يده في الحال، إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره، ثم أقر بتسليم القاضي، فيسلم ما في يده إلى المقر له الأول لسبق حقه، ويضمن قيمته للقاضي بإقراره الثاني ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي.
ــ
[البناية]
وقال أبو داود الناصحي ﵀: "في أدب القاضي " للخصاف: فإن قال واحد من المحبوسين: حبست بغير حق، ولم يحضر له خصم، تأنى القاضي، ونادى أياما، فإن لم يحضر له خصم أطلقه وأخذ منه كفيلا بنفسه ويطلقه، فإن قال: لا كفيل لي، أو لا أعطي كفيلا فإنه لا يجب عليه شيء نادى عليه شهرا ثم تركه، لأن الحق لم يثبت عليه، فلا يلزمه إعطاء الكفيل وإنما طلبه القاضي به احتياطا، فإذا لم يعطه، وجب عليه أن يحتاط بنوع آخر، فينادي عليه شهرا، فإذا مضت المدة أطلق عنه، كذا قاله الإمام الناصحي.
م: (وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف) ش: أي التي وضعها المعزول في أيدي الأمناء م: (فيعمل فيه على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده؛ لأن كل ذلك) ش: أي كل واحد من قيام البينة، واعتراف من هو في يده م: (حجة ولا يقبل قول المعزول لما بيناه) ش: إشارة إلى قوله، لأنه بالعزل التحق بالرعايا إلى آخره م: (إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها) ش: أي يقبل قول المعزول حينئذ فيها، أي في الودائع وارتفاع الأوقات م: (لأنه ثبت بإقراره) ش: أي بإقرار ذي اليد م: (أن اليد كانت للقاضي) ش: المعزول م: (فيصح إقرار القاضي) ش: المعزول به.
م: (كأنه في يده في الحال) ش: ولو كانت بيده عيانا، صح إقراره به، فكذا إذا كان بيد مودعه؛ لأن يد المودع كيد المودع م: (إلا إذا بدأ) ش: استثناء من قوله فيقبل، أي إلا إذا بدأ به ذوي اليد م: (بالإقرار لغيره، ثم أقر بتسليم القاضي) ش: إلى الغير من أقر له القاضي م: (فيسلم ما في يده إلى المقر له الأول لسبق حقه) ش: أي يسبق حق المقر له الأول، وهو الذي أقر له ذو اليد م: (ويضمن) ش: أي ذو اليد م: (قيمته للقاضي وبإقراره الثاني ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي) ش:.
وقال الصدر الشهيد ﵀: حاصل ذلك أن المسألة على أربعة أوجه: إما أن يقول دفعه إلى المعزول، وقال هو لفلان بن فلان، أو قال دفعه إلى المعزول ولا أدري لمن هو، وأنكر ما قوله المعزول أو قال دفعه إلى المعزول، وهو لفلان آخر.
ففي الوجه الأول والثاني يقبل قول المعزول والمال للمقر له؛ لأن المال وصل إلى يده من
стр. 4412
قال: ويجلس للحكم جلوسا ظاهرا في المسجد كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين، والمسجد والجامع أولى؛ لأنه أشهر. وقال الشافعي ﵀: يكره الجلوس في المسجد للقضاء؛ لأنه يحضره المشرك وهو نجس بالنص والحائض وهي ممنوعة عن دخوله. ولنا قوله ﵊: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم»
ــ
[البناية]
جهة المعزول، فكان المال في يد المعزول معنى، ومن في يده المال إذا أقر لإنسان يقبل فكذا هذا وفي الوجه الثالث: القول لصاحب اليد.
وفي الوجه الرابع المسألة على وجهين، أما إن بدأ صاحب اليد وقال دفعه إلى المعزول، وهو لفلان آخر، أو بدأ بالإقرار فقال هو المال لفلان ابن فلان غير الذي أقر له المعزول له، ثم قال دفعه إلى المعزول، ففي الوجه الأول: القول قول المعزول ويؤمر بالدفع إلى من أقر له المعزول وفي الوجه الثاني يؤمر بالدفع إلى من أقر له، ويضمن مثله إن كان من ذوات الأمثال، أو قيمته للمعزول ثم يسلمه المعزول إلى من أقر له.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويجلس) ش: أي القاضي م: (للحكم جلوسا ظاهرا في المسجد كيلا يشتبه مكانه على الغرباء) ش: جمع غريب م: (وبعض المقيمين) ش: الذين ليس لهم اختلاط بالقضاء م: (والمسجد والجامع أولى؛ لأنه أشهر) ش: المواضع.
وقال فخر الإسلام ﵀: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، ولو كان في طرف البلدة، يختار مسجدا في وسط البلدة، كيلا يلحق الناس مشقة الذهاب إلى طرف البلدة ويختار مسجد السوق لأنه أشهر، وفي " المبسوط ": أحب إلي أن يقضي حيث تقام جماعة الناس، يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات، لأن ذلك عن التهمة أبعد.
وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وفي " وجيز الشافعية " ﵏: ويكره أن يتخذ المسجد مجلسا للقضاء، وقال في " خلاصة الفتاوى ": وأفضل ما يجلس في المسجد الجامع، وفي مسجد حيه أو بيته لا بأس به عندنا.
م: (وقال الشافعي ﵀: يكره الجلوس في المسجد للقضاء لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (يحضره المشرك) ش: للدعوى م: (وهو نجس بالنص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] : (التوبة: الآية ٢٨) ، م: (والحائض) ش: أي ويحضره الحائض م: (وهي) ش: أي الحائض م: (ممنوعة عن دخوله) ش: أي دخول المسجد م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، ورواه مسلم ليس فيه "الحكم"، رواه في الطهارة من حديث أنس مطولا، وفي آخره: «إنما هي لذكر الله تعالى» أي المساجد.
стр. 4413
وكان رسول الله ﵌ يفصل الخصومة في معتكفه، وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات؛ ولأن القضاء عبادة فيجوز إقامتها في المسجد، كالصلاة، ونجاسة المشرك في اعتقاده لا في ظاهره، فلا يمنع من دخوله، والحائض تخبر بحالها، فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد، أو يبعث من يفصل بينها وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في الدابة. ولو جلس في داره لا بأس به، ويأذن للناس بالدخول فيها
ــ
[البناية]
م: (وكان رسول الله ﵌ يفصل الخصومة في معتكفه) ش: فيه أحاديث منها ما خرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في قصة اللعان «أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا؟ إلى أن قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد» . ومنها ما أخرجه الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ أتى رجل فتخطى الناس حتى قرب إليه، فقال: يا رسول الله أقم علي الحد، الحديث وفيه: "فاجلدوه مائة جلدة ولم يكن تزوج» .
م: (وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات) ش: هذا حديث غريب. وفي "صحيح البخاري " في باب من قضى ولاعن في المسجد، ولاعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في المسجد عن منبر النبي ﷺ . وقضى شريح والشعبي ويحيى بن معمر ﵃ في المسجد.
م: (ولأن القضاء عبادة، فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة ونجاسة المشرك في اعتقاده) ش: هذا جواب عن دليل الشافعي ﵀ وتقريره نجاسة المشرك في اعتقاده الباطن، فإنه ثبت أن النبي ﷺ كان ينزل للوفود في المسجد م: (لا في ظاهره) ش: أي لا نجاسة في ظاهره م: (فلا يمنع من دخوله) ش: إذ لا يصيب الأرض منه شيء م: (والحائض تخبر بحالها، فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد، أو يبعث) ش: أي القاضي م: (من يفصل بينها) ش: أي بين الحائض م: (وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في الدابة) ش: فإن قيل: يجوز أن تكون الحائض غير مسلمة لا تعتقد حرمة الدخول في المسجد، فتخبر عن حالها، قلنا: الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، فلا بأس بدخولها.
م: (ولو جلس) ش: أي القاضي م: (في داره لا بأس به) ش: ذكر هذا تفريعا على ما تقدم.
وقال شمس الأئمة السرخسي: وإن اختار أن يجلس في داره، فله ذلك بشرط أن لا يمنع أحدا من الدخول عليه؛ لأن لكل أحد حقا في مجلسه م: (ويأذن للناس بالدخول فيها) ش: أي في
стр. 4414
ويجلس معه من كان يجلس قبل ذلك؛ لأن في جلوسه وحده تهمة.
قال: ولا يقبل هدية
ــ
[البناية]
داره م: (ويجلس معه من كان يجلس) ش: معه م: (قيل ذلك لأن جلوسه وحده تهمة) ش: أي تهمة الظلم والرشوة.
وقد روي أن عثمان ﵁ ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة ﵃، ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء، ويشاورهم، لما روي أن الخلفاء الراشدين ﵃[الذين] كانوا يحضرون عبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃ حق، قال أحمد: يحضر مجلس الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه.
[قبول الهدية للقاضي]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يقبل) ش: أي القاضي م: (هدية) ش: الأصل في هذا الباب ما قاله في " المبسوط ": الهدية في الشرع منه وبه، قال ﷺ : «نعم الشيء الهدية» [....] " وقال ﵇: «الهدية تذهب وحر الصدر» أي غشه، والوعد يوقظ له البغض في الصدر. وقال ﵇: «تهادوا تحابوا» ولكن بهذا في حق من لم يتعين العمل من أعمال المسلمين، فأما من تعين لذلك كالقاضي والوالي، فعليه التحرز عن قبول الهدية خصوصا ممن كان لا يهدي قبل ذلك، إذ هو نوع من الرشوة والسحت. وعن مسروق قال: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذت الرشوة، فقد بلغت به الكفر.
وروى البخاري ﵀ بإسناده عن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن الأسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، قال ﵇: "فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أيهدى له أم لا؟!» واستعمل عمر ﵁ أبا هريرة ﵁ فقدم بمال، فقال: من أين لك هذا؟، قال: تناتجت الخيول، وتلاحقت الهدايا، فقال: أي عدو الله هل قعدت في بيتك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟ فأخذ ذلك منه، وجعله في بيت المال، فعرفنا أن قبول الهدية من الرشوة إذا كانت بهذه الصفة، فلا يقبل الحاكم الهدية.
стр. 4415
إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته؛ لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جرى على العادة، وفيما وراء ذلك يصير آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء فيتحاماه، ولا يحضر دعوة إلا أن تكون عامة؛ لأن الخاصة لأجل القضاء فيتهم بالإجابة بخلاف العامة، ويدخل في هذا الجواب قريبه وهو قولهما. وعن محمد ﵀: أنه يجيبه
ــ
[البناية]
م: (إلا من ذي رحم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء) ش: أي قبل أن يصير المهدى إليه قاضيا م: (بمهاداته؛ لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جرى على العادة، وفيما وراء ذلك) ش: أي فيما وراء الأول والثاني م: (يصير آكلا بقضائه) ش: والأكل للقضاء حرام وسحت م: (حتى لو كانت للقريب خصومة، لا يقبل هديته) ش:.
م: (وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد، أو كانت له خصومة، لأنه لأجل القضاء فيتحاماه) ش: أي يحترز عنه ولا يأخذه، ثم إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز الأخذ منه، اختلف المشايخ ﵏ فيه، قيل يضعها في بيت المال كما مر من قضية عمر ﵁ وبه قال الشافعي ﵀ في وجه. وعامة المشايخ ﵏ قالوا: يردها على أربابها إن عرف المهدي، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه آخر أشار إليه محمد ﵀ في " السير الكبير "، وإن لم يعرف المهدي أو كان بعيدا حتى تعذر الرد عليها، حكمها حكم اللقطة، يضعها في بيت المال لأنه أخذها لعمله، وفي عمله نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين.
م: (ولا يحضر) ش: أي القاضي م: (دعوة إلا أن تكون عامة) ش: وقال الطحاوي ﵀ في "مختصره ": ولا تجب الدعوة الخاصة للقرابة، ويجيء هذه الآن م: (لأن الخاصة) ش: أي الدعوة الخاصة تكون م: (لأجل القضاء، فيتهم بالإجابة بخلاف العامة) ش: أي الدعوة العامة، فإنها لا تكون للقضاء.
قال القدوري ﵀ وأبو علي النسفي ﵀: دعوة العامة عرس وختان، وما سوى ذلك خاصة، وقيل في الحد الفاصل إذا جاوز العشرة فهي عامة، ويجيء الآن ما قاله المصنف ﵀ م: (ويدخل في هذا الجواب) ش: أي إطلاق قول القدوري ﵀ ولا يحضر دعوة الخاصة م: (قريبه) ش: أي قريب القاضي م: (وهو قولهما) ش: أي قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله.
م: (وعن محمد ﵀: أنه يجيبه) ش: أي القاضي يجيب قريبه في الدعوى الخاصة. وذكر الخصاف ﵀ يجيب دعوة الخاصة لقريبه بلا خلاف؛ لأن إجابة دعوته صلة
стр. 4416
وإن كانت خاصة كالهدية. والخاصة ما لو علم المضيف أن القاضي لا يحضرها لا يتخذها. قال: ويشهد الجنازة، ويعود المريض؛ لأن ذلك من حقوق المسلمين. قال ﵊: «للمسلم على المسلم ستة حقوق» ، وعد منها هذين، ولا يضيف أحد الخصمين دون
ــ
[البناية]
للرحم، وعند الشافعي ﵀: يحضر الولائم لغير الخصم، وبه قال أحمد ﵀ وقال مالك ﵀: لا يحضر الخاصة ويحضر العامة إن شاء. وتركها أفضل، إن كانت وليمة النكاح، ولغير النكاح كره ذكره في " الجواهر " وفي " الحلية ": اختلف أصحابنا ﵏ فيمن ولي أمرا من أمور المسلمين، كالقضاة والأئمة، في حضور الولائم على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كغيرهم، والثاني: أنه سقط فرض الإجابة، والثالث: أنه إن كان مرتزقا لم يحضر وإلا يحضر م: (وإن كانت خاصة) ش: واصل بما قبله أي وإن كانت الدعوة خاصة يجيبه لقريبه م: (كالهدية) ش: أي كما في الهدية، حيث يجوز له أخذها من قريبه. ثم أشار إلى تعريف الدعوة الخاصة بقوله: م: (والخاصة ما لو علم المضيف أن القاضي لا يحضرها لا يتخذها) ش: إيضاح ذلك أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر، لا يمتنع من اتخاذ الدعوة، فإن القاضي لا يجيب هذه الدعوة، فهذه دعوة عامة. وإن كان بحال لو علم صاحب الدعوة أنه لو اتخذ الدعوة لا يحضرها القاضي، يمتنع ولا يتخذ الدعوة، فهذه دعوة خاصة، فلا يجيبها القاضي؛ لأنها اتخذت له. فإذا حضرها كان آكلا بقضائه. وذكر صدر الإسلام وأبو اليسر - رحمهما الله -: إذا كانت الدعوة عامة، والمضيف خصم، فينبغي أن لا يجيب القاضي دعوة، وإن كانت عامة لأنه يؤدي إلى إيذاء الآخر وإلى التهمة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في "مختصره": م: (ويشهد) ش: أي القاضي م: (الجنازة، ويعود المريض؛ لأن ذلك) ش: أي المذكور من شهود الجنازة وعيادة المريض م: (من حقوق المسلمين) ش: لأنه أمر مندوب إليه، وليس فيه تهمة أيضا.
م: (قال ﵊) ش: أي قال النبي ﷺ : م: ("للمسلم على المسلم ستة حقوق ") ش: الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست، قال: يا رسول الله ﷺ ما هن؟ قال: إذا لقيته فسلم، وإذا دعاك فأجب، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «خمس يجب للمسلم على أخيه؛ رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض واتباع الجنائز» م: (وعد منها) ش: أي من الست م: (هذين) ش: وهما شهادة الجنازة وعيادة المريض. م: (ولا يضيف أحد الخصمين دون
стр. 4417
خصمه، لأن النبي ﵊ نهى عن ذلك، ولأن فيه تهمة.
قال: وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال؛ لقوله ﵊: «إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة والنظر» ولا يسار أحدهما ولا يشير إليه ولا يلقنه حجة للتهمة، ولأن فيه مكسرة لقلب الآخر فيترك حقه. ولا يضحك
ــ
[البناية]
خصمه، لأن النبي ﵊ نهى عن ذلك) ش: الحديث رواه الطبراني ﵀ في معجمه "الأوسط" عن علي ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر» م: (ولأن فيه تهمة) ش: أي تهمة الميل.
[تسوية القاضي بين الخصمين]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا حضرا) ش: أي الخصمان م: (سوى بينهما في الجلوس والإقبال) ش: أراد بالإقبال تسوية النظر من الجانبين. وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: وسو بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، والمستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما بين يديه، ولا يجلس أحدهما على يساره والآخر على يمينه؛ لأن لليمين فضلا على اليسار.
وفي " المغني " و " النوازل " و" الفتاوى الكبرى ": تخاصم السلطان مع رجل فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه ويجلس خصم السلطان فيه، ويقعد هو على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلا أحدهما، وهذه المسألة تدل على أن القاضي يصلح قاضيا على السلطان الذي قلده، والدليل عليه قصة علي عند شريح ﵁ فإن شريحا ﵁ قام عن مجلسه وأجلس عليا ﵁ في مجلسه، وقال المرغيناني ﵀: وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي ولا يتربعان ولا يقعيان ولو فعلا ذلك منعهما القاضي تعظيما للحكم كما يجلس المتعلم بين يدي العالم تعظيما للعلم، ويقف أعوان القاضي بين يديه، ليكون أهيب في أعين الناظرين.
م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : «إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة والنظر» الحديث رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده " ﵀ عن أم سلمة ﵂ قال رسول الله ﷺ : «من ابتلى بالقضاء بين المسلمين، فلسوا بينهم في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر» .
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يسار أحدهما) ش: يعني لا يتكلم مع أحدهما سرا م: (ولا يشير إليه) ش: لا بالرأس ولا بالعين ولا بالحاجب، وكل ذلك منهي شرعا م: (ولا يلقنه حجة للتهمة) ش: أي تهمة الميل، ولأن فيه إعانة لأحد الخصمين، وكسر قلب الآخر، وهو معنى قوله م: (ولأن فيه مكسرة لقلب الآخر) ش: المكسرة بفتح الميم مصدر ميمي بمعنى الكسر م: (فيترك حقه) ش: لأنه يتجنب عن طلب حقه فيترك حقه م: (ولا يضحك) ش: أي القاضي
стр. 4418
في وجه أحدهما لأنه يجترئ على خصمه ولا يمازحهم ولا واحدا منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء. قال: ويكره تلقين الشاهد. ومعناه أن يقول له: أتشهد بكذا وكذا، وهذا لأنه إعانة لأحد الخصمين فيكره كتلقين الخصم. واستحسنه أبو يوسف ﵀ في غير موضع التهمة؛ لأن الشاهد قد يحصر لمهابة المجلس، فكان تلقينه إحياء للحق بمنزلة الأشخاص والتكفيل.
ــ
[البناية]
م: (في وجه أحدهما) ش: أي أحد الخصمين م: (لأنه يجترئ على خصمه) ش: بسبب ضحك القاضي في وجهه م: (ولا يمازحهم) ش: في الاختصام م: (ولا واحدا منهما) ش: أي ولا يمازح واحدا من الأخصام م: (لأنه) ش: لأن مزح القاضي م: (يذهب بمهابة القضاء) ش: ولهذا قالوا: ينبغي أن يكون القاضي عبوسا، متواضعا في أفعاله، وفي " الجواهر ": يستحب أن يكون فيه عبوسة من غير غضب.
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ويكره تلقين الشاهد ومعناه) ش: أي معنى ما قاله محمد ﵀ من كراهته تلقين الشاهد م: (أن يقول له:) ش: أي أن يقول القاضي للشاهد: م: (أتشهد بكذا وكذا، وهذا لأنه إعانة لأحد الخصمين فيكره كتلقين الخصم) ش: حيث يكره م: (واستحسنه) ش: أي تقليد الشاهد م: (أبو يوسف في غير موضع التهمة؛ لأن الشاهد قد يحصر) ش: أي ينحبس لسانه عن البيان م: (لمهابة المجلس فكان تلقينه إحياء للحق) ش: وقيد بقوله في غير موضع التهمة، لأن في موضع التهمة لا يجوز ذلك، مثل أن يدعي المدعي ألفا وخمسمائة، والمدعى عليه ينكر خمسمائة، وشهد الشاهد بالألف، فالقاضي إن قال يحتمل أنه إبراء لخمسمائة، واستفاد الشاهد، علما بذلك، ووقف في شهادته كما في وقف القاضي، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وتأخير قول أبي يوسف ﵀ يشير إلى اختيار المصنف ﵀ م: (بمنزلة الأشخاص) ش: وهو إرسال شخص فليحضر خصمه، ويقال شخص من بلد إلى بلد شخوصا، أي يذهب من حد منع وأشخصه غيره م: (والتكفيل) ش: وهو أخذ الكفيل لأحد الخصمين لأنه لم يكن ذلك من جنس إعانة أحد الخصمين.
стр. 4419
فصل في الحبس قال: وإذا ثبت الحق عند القاضي، وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل بحبسه، وأمره بدفع ما عليه؛ لأن الحبس جزاء المماطلة فلا بد من ظهورها،
ــ
[البناية]
[فصل في الحبس]
[الحبس جزاء المماطلة]
م: (فصل في الحبس) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام الحبس، ولما كان الحبس من أنواع حكم القاضي، ذكره في فصل على حدة، وهو مشروع بالكتاب، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] (المائدة الآية ٣٣) ، فإن المراد به المجلس، وبالسنة وهو ما روي: «أن رسول الله ﷺ حبس رجلا بالتهمة» ، غير أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ سجن وكان يحبس في المسجد أو الدهليز حيث أمكن، ولما كان زمن علي ﵁ أحدث السجن بناه من قصب وسماه فقيه اللصوص، فبنى سجنا من مدر فسماه محبسا.
ثم قال الأترازي: كيسا مكيسا بنيت بعد نافع محبسا بابا حصينا، وأمينا كيسا رواه الزمخشري ﵀ في "الفائق ". والمحبس موضع التجنيس، وهو التذليل والكيس حسن الثاني في الأمور، والمكيس منسوب إلى الكيس المعروف به قوله، وأمينا أي ونصف أمينها بعين السجان كذا في "الفائق ".
وقال الكاكي ﵀: وفي زمن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ لم يكن سجن حتى اشترى عمر ﵁ دارا بالمدينة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبسا.
م: (قال: وإذا ثبت الحق عند القاضي، وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل بحبسه، وأمره بدفع ما عليه؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلا بد من ظهورها) ش: أي ظهور المماطلة؛ لقوله ﵇: «مطل الغني ظلم» فاستحق الحبس، والمال غير مقدر في حق الحبس يحبس في الدراهم وما دونه؛ لأن مانع ذلك ظلم، فيجازى به والمحبوس في الدين لا يخرج لمجيء رمضان، والفطر والأضحى والجمعة، وصلاة مكتوبة، وحجة فريضة، وحضور جنازة بعض أهله، وموت والده وولده إذا كان ثمة من يكفنه ويغسله، بخلاف ما إذا لم يكن؛ لأنه لزم القيام حينئذ بحق الوالدين.
وقيل: يخرج بكفيله لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد وفي غيرهم لا، وعليه الفتوى. وإن مرض وله خادم لا يخرج، وإلا يخرج لأنه ربما يموت بسببه، وهو ليس بمستحق عليه، ولو احتاج إلى الجماع، دخلت عليه زوجته وجاريته، فيطأهما حيث لا يطلع عليه أحد، وقيل: الوطء ليس من أصول الحوائج، فيجوز أن يمنع بخلاف الطعام. ولا يمنع من دخول أهله وجيرانه عليه، يشاورهم في قضاء الدين، ويمنعون من طول المكث عنده.
стр. 4420
وهذا إذا ثبت الحق بإقراره؛ لأنه لم يعرف كونه مماطلا في أول الوهلة فلعله طمع في الإمهال، فلم يستصحب المال، فإذا امتنع بعد ذلك حبسه لظهور مطله، أما إذا ثبت بالبينة حبسه كما ثبت لظهور المطل بإنكاره. قال: فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مال حصل في يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أي ترك القاضي عجلته بحبس الغريم م: (إذا ثبت الحق بإقراره؛ لأنه لم يعرف كونه مماطلا في أول الوهلة) ش: يقال: لقيته أول وهلة، أي أول شيء م: (فلعله طمع في الإمهال، فلم يستصحب المال، فإذا امتنع بعد ذلك حبسه لظهور مطله، أما إذا ثبت بالبينة حبسه كما ثبت لظهور المطل بإنكاره) ش: وقال قاضي خان ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": وعلى قول الخصاف ﵀ في البينة أيضا، لا يحبسه في أول الوهلة.
وقال في " الأجناس ": قال في كفالة الأصل: قال أبو حنيفة ﵀: ينبغي للإمام أن يحبس في الديون قرضا كان أو غصبا أو ثمن مبيع أو مهر، لكن لا يحبسه في أول ما يقدم إليه، ويقال له: قم فأرضه فإن عاد إليه حبسه، وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله.
وقال الخصاف ﵀ والصواب عندي أن لا يحبسه حتى يقول له: ألك مال، ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه، وإن قال: لا مال لي، قال للطالب: أثبت أن له مالا حتى أحبسه، وهو مذهب بعض القضاة. ثم اعلم إذا ثبت إعسار المديون لا يجوز حبسه بلا خلاف ولا بلازمته، بل يمهل إلا أن يوسر. قال : ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] (البقرة: الآية ٢٨٠) ، وعندنا لا يحبس، ولكن للغريم ملازمته ولا يمنعه من الكسب، وهل يلزمه الكسب وإجارة نفسه ليصرف الأجرة والكسب إلى رب الدين عندنا والشافعي ﵀: لا، وعند أحمد ﵀: يلزمه، وقال مالك ﵀: إن كان ممن يعتاد إجارة نفسه لزمه به، وقال الشافعي ﵀ في وجه: وعليه عمل القضاة لظهور المماطلة، وفي وجه: يبيع ماله الظاهر، وبه قال مالك ﵀، وأبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - أما لو امتنع من أداء الدين يحبس بلا خلاف.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن امتنع) ش: أي الغريم م: (حبسه في كل دين لزمه عن مال حصل في يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة) ش: ولكنه إنما يحبسه إذا طلب المدعي ذلك.
وقال قاضي خان ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": ولا يحبسه عندنا في الإقرار والبينة إلا عند طلب المدعي.
وقال شريح ﵀: يحبسه من غير طلبه.
стр. 4421
لأنه إذا حصل المال في يده ثبت غناه به وإقدامه على التزامه باختياره دليل يساره إذ هو لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه،
ــ
[البناية]
وفي " الذخيرة " لو قال المديون بعد ثبوت الدين: أنا معسر، أو قال: موسر، ولا بينة له، فالقول للمديون مع يمينه، وهو رواية أصحابنا واختيار الخصاف ﵀ وبه قال الشافعي ﵀ في وجه؛ لأن الأصل الفقر.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: إن كان في كل دين أصله مال، كثمن المبيع والقرض، فالقول للمدعي، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه وفي كل دين لا يقابله مال، كالمهر وبدل الخلع، وما أشبه ذلك، فالقول للمديون، إليه أشار محمد ﵀ في كتاب النكاح، وفي مسألة ادعاء المرأة نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، فقال: القول للزوج، وقال بعضهم: كل دين لزمه بسبب معاقدته واختياره، فالقول لرب الدين، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه لأن اختيار لزومه بالعقد دليل اليسار.
م: (لأنه) ش: استدلال لما ذكره القدوري ﵀، لقوله: حبسه لكل دين ... إلخ أي لأن الغريم م: (إذا حصل المال) ش: أي المال الذي هو ثمن المبيع ونحوه من أي جهة كان م: (في يده ثبت غناه به) ش: وزواله عن الملك محتمل، والثابت لا يترك بالمحتمل. والأصل في ذلك أن الأصل في الإنسان الفقر والغنى حادث، فوجب استصحاب المال حتى يعلم حدوث ما يخالفه، وما كان بدلا عن مال، فقد علم حصول الغنى به، فسقط حكم الأصل. ووجب استصحاب الغنى حتى يعلم زواله، فلهذا لم يصدق في الاعتبار، وصار امتناعه ظلما، فحبس لأجله.
م: (وإقدامه على التزامه) ش: بعقد كالمهر والكفالة م: (باختياره دليل يساره إذ هو) ش: أي لأنه م: (لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه) ش: فإذا ادعى الإعسار يريد إسقاطها عن نفسه، فلا يقبل قوله ويحبس، وهو الذي ذكره القدوري ﵀، وشرحه المصنف ﵀، [و] هو رواية ابن سماعة ﵀: أنه يحبس في ذلك ولا يقبل قوله في الإعسار.
وذكر الخصاف ﵀ عن أصحابنا: أنه يحبس فيما إذا كان بدلا عن مال حصل في يده خاصة، ولا يحبس فيما سوى ذلك، لأن الحبس عقوبة تستحق بالامتناع مع الغنى، فلا يجوز إثابتها بالظاهر، كسائر العقوبات.
وحاصل المذهب عندنا: أن القاضي لا يسأل المدعي المال إلا إذا ادعى المديون الإعسار، فحينئذ يسأل. فإن قال المدعي: إنه معسر، خلى سبيله، وإن قال: إنه موسر، وقال المديون: إني
стр. 4422
والمراد بالمهر معجله دون مؤجله.
قال: ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال: إني فقير إلا أن يثبت غريمه أن له مالا فيحبسه، لأنه لم توجد دلالة اليسار، فيكون القول قول من عليه الدين، وعلى المدعي إثبات غناه، ويروى أن القول لمن عليه الدين في جميع ذلك لأن الأصل هو العسرة،
ــ
[البناية]
معسر، ففيه اختلاف المشايخ، ورأي الخصاف ﵀: أن القول قول المديون لأنه متمسك بالأصل. وقيل: إن كان الدين وجب عليه بدلا عن مال، كثمن متاع، أو بدل. قرض، فالقول قول المدعي، وإن كان بدلا عما ليس بمال، كالمهر ونحوه، فالقول قول المدعى عليه. ونسب الخصاف ﵀ هذا القول في " أدب القاضي " إلى أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله.
ومن العلماء من قال: يحكم في الزاي، إن تزيا بزي الفقر، كان المقول قول المديون، وإن تزيا بزي الأغنياء، كان القول قول الطالب؛ لأن ذلك علامة ودليل إلا في حق العلوية والفقهاء، فإنهم يتكلفون في لباسهم، حتى لا يذهب ماء وجههم مع حاجتهم، فلا يكون الزي دليلا وعلما على اليسار في حقهم، فإن كان المطلوب ادعى الفقراء، وادعى الطالب أنه غير زيه، وقد كان عليه زي الأغنياء قبل أن يحضر مجلس القاضي فإن القاضي يسأل البينة، فإن أقام البينة على أنه كان عليه زي الأغنياء قبل ذلك، سمع منه البينة، ويجعل القول قوله، وإن لم يمكنه إقامة البينة، يحكم بزيه في الحال، ويجعل القول قول المطلوب، كذا في " شرح آداب القاضي ".
م: (والمراد بالمهر معجله دون مؤجله) ش: لأن العادة جارية بتسليم المعجل، فكان الإقدام على النكاح دليلا على القدرة، والوفاء بالمعجل، فلا يقبل قوله أنه معسر. قال فخر الإسلام البزدوي ﵀: هذا في المعجل، أما إذا طلبت المرأة المؤجل بعد ما بنى بها، فإن القول قول الزوج أنه عسر؛ لأنه لا دلالة هاهنا على القدرة منه على آدابه؛ فأما في النفقة، فإن القول قول الزوج أنه معسر في تقدير النفقة.
[أقام المدعي بينة على يساره وأقام المديون بينة على إعساره]
م: (قال: ولا يحسبه فيما سوى ذلك) ش: أي فيما سوى المذكور كضمان المتلف والغصب وأرش الجناية. م: (إذا قال: إني فقير، إلا أن يثبت غريمه أن له مالا فيحبسه؛ لأنه لم توجد دلالة اليسار، فيكون القول قول من عليه الدين، وعلى المدعي إثبات غناه، ويروى أن القول لمن عليه الدين في جميع ذلك لأن الأصل هو العسرة) ش: أي في ثمن المبيع والمهر وغير ذلك.
وفي " الذخيرة ": إذا أقام المدعي بينة على يساره، وأقام المديون بينة على إعساره، فبينة رب الدين أولى، لأن شهود المديون شهدوا بشيء لم يعرفوه.
стр. 4423
ويروى أن القول له إلا فيما بدله مال. وفي النفقة القول قول الزوج أنه معسر، وفي إعتاق العبد المشترك القول للمعتق. والمسألتان تؤديان القولين الأخيرين، والتخريج على ما قاله في الكتاب إنه ليس بدين مطلق، بل هو صلة حتى تسقط النفقة بالموت على الاتفاق، وكذا عند أبي حنيفة ضمان الإعتاق، ثم فيما كان القول قول المدعي، إن له مالا أو ثبت ذلك بالبينة فيما كان القول قول من عليه، يحبسه شهرين أو ثلاثة، ثم يسأل عنه،
ــ
[البناية]
م: (ويروى) ش: عن الخصاف ﵀ أنه نسبه إلى أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقد مر بيانه م: (أن القول له) ش: أي لمن عليه الدين م: (إلا فيما بدله مال) ش: يعني القول فيما بدله مال للمدعي م: (وفي النفقة القول قول الزوج إنه معسر) ش: يعني إذا ادعت المرأة على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، وعليه نفقة المعسرين، فالقول قول الزوج.
م: (وفي إعتاق العبد المشترك القول للمعتق) ش: يعني إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد.
وزعم أنه معسر، كان القول قوله م: (والمسألتان) ش: وهما مسألة النفقة ومسألة إعتاق العبد المشترك م: (تؤيدان القولين الأخيرين) ش: وبعض النسخ الأخير، وأراد بالقولين الأخيرين قوله ويروى أن القول لمن عليه الدين في جميع ذلك، ويروى أن القول له إلا فيما بدله مال.
م: (والتخريج) ش: أي تخريج مسألة الإنفاق والإعتاق م: (على ما قاله في الكتاب) ش: أي على ما قال القدوري ﵀ في "مختصره "، حيث القول المدعي في كل دين التزمه بعقد مع وجود الالتزام، لم يكن القول للمدعي في المسألتين، فأجاب عنه وقال م: (إنه) ش: أي أن النفقة على تأويل الإنفاق م: (ليس بدين مطلق، بل هو صلة حتى تسقط النفقة بالموت على الاتفاق) ش: فلو كان دينا مطلقا لم يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء م: (وكذا) ش: أي ولكذا ليس بدين مطلق م: (عند أبي حنيفة ضمان الإعتاق) ش: فإن المريض إذا أعتق في مرض موته عبدا مشتركا، لا يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة ﵀ فلما كان كذلك، لم ترد هاتان المسألتان بقضاء القول الأول، وهو قوله حبسه في كل دين ... إلى آخره؛ لأن المراد بالدين هو المطلق منه، إذ به يحصل الاستدلال على القدرة.
م: (ثم فيما كان القول قول المدعي إن له مالا أو ثبت ذلك بالبينة فيما كان القول قول من عليه يحبسه) ش: أي الحاكم م: (شهرين أو ثلاثة ثم يسأل) ش: جيرانه وأهل الخبرة م: (عنه) ش: عن يساره وإعساره، وهذا التقدير رواية محمد ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ في
стр. 4424
فالحبس لظهور ظلمه في الحال، وإنما يحبسه مدة ليظهر ماله لو كان يخفيه فلا بد من أن تمتد المدة ليفيد هذه الفائدة، فقدره بما ذكره، ويروى غير ذلك من التقدير بشهر أو أربعة إلى ستة أشهر، والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي لاختلاف أحوال الأشخاص فيه. قال: فإن لم يظهر له مال خلى سبيله، يعني بعد مضي المدة،
ــ
[البناية]
كتاب الحوالة، والكفالة، وروى الحسن ﵀ عن أبي حنيفة ﵀: أن التقدير فيه بأربعة أشهر، على قياس مدة الإيلاء. وذكر الطحاوي ﵀: أن التقدير فيه بشهر.
وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في " أدب القاضي ": ثم قال: والحاصل أنه ليس فيه مضي وقت مقدر، بل الأمر مفوض إلى رأي القاضي، فإن مضى أربعة أشهر، ووقع له أنه متعنت، يستديم حبسه، وإن كان دون ذلك، بأن كان شهرين أو شهرا أو دونه ووقع أنه عاجز لا مال له، أطلقه من السجن.
وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ما قال الطحاوي ﵀ أوفق الأقاويل، وقال الناصحي ﵀ في " تهذيب أدب القاضي ": قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏: يحبسه شهرين أو ثلاثة، وعلى رواية محمد ﵀ قر وفيه أربعة أشهر، وعلى رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀: ستة أشهر، ثم قال: وهو موقوف على رأي القاضي.
م: (فالحبس لظهور ظلمه في الحال) ش: وفي بعض النسخ لظهور مظلمة م: (وإنما يحبسه مدة ليظهر ماله لو كان يخفيه فلا بد من أن تمتد المدة ليفيد هذه الفائدة) ش: أراد بهذه ظهور ماله لو كان [يخفيه] م: (فقدره بما ذكره) ش: أي قدر محمد ﵀ بما ذكره من الحبس أنه شهران أو ثلاثة م: (ويروى غير ذلك) ش: أي غير الشهرين أو الثلاثة م: (من التقدير بشهر أو أربعة) ش: أشهر م: (إلى ستة أشهر) ش: وقد مر ذلك كله، وقال المصنف ﵀ م: (والصحيح أن التقدير) ش: في مدة الحبس م: (مفوض إلى رأي القاضي لاختلاف أحوال الأشخاص فيه) ش: أي من الحبس لأن بعض الناس، يضجر بالحبس في مدة قليلة ما لا يضجر آخر في مدة كثيرة. وبه قال الشافعي، وأحمد ومالك ﵏، وقال ابن الماجشون المالكي ﵀ لا يحبس في القليل أكثر من نصف الشهر، وفي الكثير يبلغ أربعة أشهر، وفيما بين ذلك الشهرين ونحوهما بالنسبة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن لم يظهر له) ش: أي الغريم م: (مال خلى سبيله) ش: ولا يحول بينه وبين غرمائه، قال المصنف ﵀ م: (يعني بعد مضي المدة لأنه استحق النظرة) ش: بكسر الظاء م: (إلى الميسرة، فيكون حبسه بعد ذلك ظلما. ولو قامت البينة
стр. 4425
لأنه استحق النظرة إلى الميسرة فيكون حبسه بعد ذلك ظلما، ولو قامت البينة على إفلاسه قبل المدة تقبل في رواية ولا تقبل في رواية، وعلى الثانية عامة المشايخ. قال في الكتاب: خلي سبيله ولا يحول بينه وبين غرمائه، وهذا كلام في الملازمة وسنذكره في كتاب الحجر إن شاء الله تعالى. قال وفي " الجامع الصغير " رجل أقر عند القاضي
ــ
[البناية]
على إفلاسه قبل المدة) ش: أي المدة التي رآها القاضي برائة، أو بعد مضي المدة التي اختارها بعض المشايخ ﵏ كشهر أو شهرين أو أربعة أشهر على ما تقدم م: (تقبل) ش: أي م: (البينة في رواية) ش: وبه قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - م: (ولا تقبل في رواية) ش: وبه قال مالك ﵀ م: (وعلى الثانية) ش: أي الرواية الثانية م: (عامة المشايخ) ش:. وقال الصدر الشهيد ﵀ في " أدب القاضي ": هو الصحيح، وفي " الذخيرة ": لو أخبره عن إعساره قبل الحبس واحد عدل أو اثنان، أو شهد بذلك شاهدان، فعن محمد ﵀ روايتان، في رواية: لا يحبسه وبه يفتي الفضلي ﵀ وهو قول إسماعيل ابن حماد ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ وهكذا قال نصر بن يحيى ﵀ وقال الإسكاف ﵀ وعامة مشايخ ما وراء النهر ﵏ يحبسه ولا تقبل هذه البينة؛ لأنه بينة على النفي، إلا إذ تأيدت بمؤيده بعد مضي المدة تأيدت.
وقال شيخ الإسلام ﵀: سؤال القاضي عن المحبوس بعد حبسه احتياط، وليس بواجب، ولو طلب يمين الطالب عنه لا يعرف أنه معدم، يحلف، فإن نكل أطلقه، وإن حلف أبد الحبس.
وقال أبو القاسم ﵀: كيفية الشهادة: أن يقول: أشهد أنه مفلس، لا نعلم له مالا سوى كسوته التي عليه، وثياب ليله، وقد اختبرنا أمره سرا وعلانية.
م: (قال في الكتاب) ش: أي وقول القدوري ﵀ م: (خلى سبيله ولا يحول بينه وبين غرمائه، وهذا كلام في الملازمة) ش: يعني المنع عن ملازمة المديون بعد إخراجه من الحبس في الملازمة هل للطالب ذلك أم لا؟ م: (وسنذكره في كتاب الحجر إن شاء الله تعالى) ش: أي المنع في باب الحجر بسبب الدين عند قوله، ولا يحول بينه وبين غرماء بعد خروجه من الحبس، يلازمونه ... إلى آخره والمراد من الملازمة الطواف معه، أي طاف حتى يأخذ وأفضل كسبه لا المطالبة.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (وفي " الجامع الصغير " رجل أقر عند القاضي
стр. 4426
بدين فإنه يحبسه ثم يسأل عنه، فإن كان موسرا أبد حبسه، وإن كان معسرا خلى سبيله، ومراده إذا أقر عند غير القاضي أو عنده مرة وظهرت مماطلته، والحبس أولا ومدته قد بيناه فلا نعيده. قال: ويحبس الرجل في نفقة زوجته لأنه ظالم بالامتناع ولا يحبس الوالد في دين ولده، لأنه
ــ
[البناية]
بدين فإنه يحبسه ثم يسأل عنه، فإن كان موسرا أبد حبسه، وإن كان معسرا خلى سبيله) ش: إنما ذكر رواية الجامع الصغير دفعا لتوهم التناقض بين روايته ورواية القدوري ﵀ وهذا لأنه روى لفظ القدوري في أول الفصل بقوله، وإذا ثبت الحق عند القاضي، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل بحبسه، ثم قال: وهذا إذا ثبت الحق بإقراره.
ولفظ " الجامع الصغير " يدل على جواز الحبس متصلا بالإقرار، وبينهما وهم التناقض، فدفع هذا الوهم بقوله م: (ومراده) ش: يعني مراد محمد ﵀ م: (إذا أقر عند غير القاضي أو عنده مرة وظهرت مماطلته) ش:. قال الأترازي يعني مراد محمد ﵀ فيما إذا ثبت الحق بالإقرار، ثم ثبتت المماطلة، فترافعا إلى القاضي فحينئذ يحبسه لا بمجرد الإقرار، فاندفع ذلك الوهم.
وقال فخر الإسلام ﵀: معنى المسألة إذا كان جاحدا، فأقر عنده، وظهر القاضي جحوده عند غيره، ومماطلته، أو ظهر له مماطلته بعدما أقر عنده، فحينئذ يحبسه، فأما إذا أقر مرة فلا يحبسه.
م: (والحبس أولا ومدته قد بيناه فلا نعيده) ش: أي الحبس المذكور أولا قبل السؤال في " الجامع الصغير " في قوله: يحبسه، ثم يسأل عنه، قد بينا ذلك قبل هذا في رواية القدوري ﵀ عنده يحبسه شهرين أو ثلاثة، ثم يسأل عنه، وبينا مدة الحبس أيضا مع الاختلاف المذكور فيها فلا حاجة إلى الإعادة، وقال تاج الشريعة ﵀: وروي والحبس ومدته بالنصب فيهما.
قلت: إعراب الرفع أن قوله: و"الحبس" مبتدأ أولا نصب على الظرف، ومدته عطف على المبتدأ، وقوله: وقد بيناه، خبر المبتدأ.
وأما وجه النصب، فعلى تقدير بينا الحبس، ومدته بالنصب أيضا عطفا عليه، وقوله: قد بيناه مفسر لذلك المقدر.
م: (قال: ويحبس الرجل في نفقة زوجته؛ لأنه ظالم بالامتناع) ش: وفي أكثر النسخ. قال، أي القدوري ﵀: ويحبس الرجل إلى آخره؛ لأنه ظالم فيحبس وإن كان مقدار النفقة يسيرا، بأن كان درهما أو دنقا م: (ولا يحبس الوالد في دين ولده لأنه) ش: أي لأن الحبس م: (نوع
стр. 4427
نوع عقوبة فلا يستحقه الولد على الوالد كالحدود والقصاص إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه، لأن فيه إحياء لولده، ولأنه لا يتدارك لسقوطها بمضي الزمان، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
عقوبة فلا يستحق الولد على الوالد، كالحدود والقصاص) ش: فإن الوالد لا يؤاخذ بهما لأجل ولده م: (إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه) ش: أي على ولده؛ لأن فيه إهلاكه، وفي الإنفاق عليه إحياءه، وهو معنى قوله م: (لأن فيه) ش: أي في الإنفاق عليه م: (إحياء لولده، ولأنه) ش: أي ولأن الإنفاق م: (لا يتدارك لسقوطها) ش: أي لسقوط نفقة الولد م: (بمضي الزمان، والله أعلم بالصواب) ش: أي الزمان، بخلاف الدين حيث لا يسقط بمضي الزمان، فافترقا في هذا الحاكم، فيفترقان في حق الحبس.
стр. 4428
باب كتاب القاضي إلى القاضي قال: ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد به عنده، للحاجة على ما نبين فإن شهدوا على خصم حاضر،
ــ
[البناية]
[باب كتاب القاضي إلى القاضي]
[حكم كتاب القاضي إلى القاضي]
م: (باب كتاب القاضي إلى القاضي)
ش: أي هذا باب في بيان حكم كتاب القاضي إلى القاضي، أورد هذا في هذا الكتاب بعد فصل الحبس، لأن هذا من عمل القضاة أيضا، إلا أن السجن يتم بقاض واحد، وهذا باثنين، والواحد قبل الاثنين والقياس يأبى جواز العمل به، لما فيه من شبهة التزوير، إذ الخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم، إلا أنه جوز لحاجة الناس إليه، لحديث علي ﵁ أنه جوزه لحاجة الناس إلى ذلك وعليه أجمع الفقهاء.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق) ش: التي تثبت مع الشبهات دون ما يندرئ بها م: (إذا شهد به عنده) ش: أي إذا شهد بالكتاب عند القاضي المكتوب إليه، وشهد على صيغة المجهول م: (للحاجة) ش: أي لحاجة الناس إليه م: (على ما نبين) ش: إشارة إلى قوله بعد هذا لمساس الحاجة ... إلى آخره.
وفي " الأجناس " لا يكتب القاضي إلى القاضي فيما ينقل ويمول مثل العبد والدابة، والثوب، ويكتب في العقار، ويسمع شهادة المشهور على ذلك إذا بين حدودها الأربع. وقال أبو حنيفة ﵀: لو كتبت في العبد، لكتب في الناقة والحمار وفي هذين لا أكتب، فكذلك في العبد ولا جعل الآبق.
قال أبو يوسف ﵀ الكتب في العبد وفي الجارية لا يكتب في قولهم.
وقال أبو يوسف ﵀ في " أدب القاضي ": أصله رواية بشر بن الوليد في الجارية. إلى هنا لفظ " الأجناس ".
وقال في شرح الطحاوي " وقال ابن أبي ليلى ﵀: يقبل في جميع ذلك، أي يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في المنقول وغيره، ثم قال فيه: والفتوى على هذا لتعامل الناس.
م: (فإن شهدوا على خصم حاضر) ش: المراد من الخصم هنا، الوكيل عن الغائب أو المسخر الذي جعل وكيلا لأجل إثبات الحق عليه، والمسخر هو الشخص الذي ينصبه القاضي من جهة
стр. 4429
حكم بالشهادة لوجود الحجة وكتب بحكمه وهو المدعو سجلا، وإن شهدوا به بغير حضرة الخصم لم يحكم؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز، وكتب بالشهادة ليحكم المكتوب إليه بها، وهذا هو الكتاب الحكمي، وهو نقل الشهادة في الحقيقة، ويختص بشرائط نذكرها إن شاء الله وجوازه لمساس الحاجة؛ لأن المدعي قد يتعذر عليه الجمع بين شهوده وخصمه، فأشبه الشهادة على الشهادة،
ــ
[البناية]
الخصم، لإثبات الحق، ولو لم يكن خصما أصلا لا المدعى عليه ولا نائبه وقد حكم القاضي بالشهادة، كان قضاء على الغائب، وهو لا يجوز عندنا.
وعند الأئمة الثلاثة ﵏: يجوز الحكم على الغائب فلا يحتاج إلى خصم م: (حكم بالشهادة لوجود الحجة، وكتب بحكمه وهو المدعو سجلا) ش: إذ السجل لا يكون إلا بعد الحكم م: (وإن شهدوا به بغير حضرة الخصم لم يحكم؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز، وكتب بالشهادة) ش: أي كتب القاضي بما يسمعه من الشهادة إلى القاضي م: (ليحكم المكتوب إليه) ش: أي القاضي المكتوب إليه م: (بها) ش: أي بهذه الشهادة، لكن إذا ثبت عنده أنه كتاب القاضي الكاتب، وهو بمنزلة نقل الشهادة.
م: (وهذا هو الكتاب الحكمي) ش: أي وهذا الكتاب إلى القاضي يسمى الكتاب الحكمي؛ لأنه يكتب ليحكم به القاضي المكتوب إليه م: (وهو نقل الشهادة في الحقيقة) ش: ألا ترى أن للقاضي الأول أن يبطله قبل أن يبعث به إلى الثاني، وكذا للثاني أن لا ينفذ بكتابه، إلا أن يكون ذلك برأيه كذا في " المبسوط " م: (ويختص) ش: أي كتاب القاضي إلى القاضي م: (بشرائط نذكرها إن شاء الله) ش: في هذا الباب، ومن الشرائط المعلومة خمسة.
ذكرها في " الذخيرة ": وهو أن يكون القاضي الكاتب معلوما، والقاضي المكتوب إليه معلوما، والمدعى به معلوما، والمدعى عليه معلوما، والمدعى به المعلوم ثم إعلام كل واحد من هؤلاء المذكورين يكون بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائبا بهذه الأشياء، ولو لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وبذكر أبيه دون جده وقبيلته يحصل التعريف عند أبي حنيفة ﵀ إن كان مشهورا.
م: (وجوازه) ش: أي جواز نقل كتاب الناس إلى القاضي، وهذا هو الموعود بقوله على ما نبين م: (لمساس الحاجة) ش: أي لشدة حاجة الناس إليه م: (لأن المدعي قد يتعذر عليه الجمع بين شهوده وخصمه فأشبه الشهادة على الشهادة) ش: تقرير هذا أن جوازه ثابت لمشابهة الشهادة على الشهادة لاتحاد المناط، وهو تعذر الجمع بين الشهود والخصم، فكما تجوز الشهادة على الشهادة
стр. 4430
وقوله في الحقوق يندرج تحته الدين والنكاح والنسب والمغصوب والأمانة المجحودة والمضاربة المجحودة؛ لأن كل ذلك بمنزلة الدين، وهو يعرف بالوصف لا يحتاج فيه إلى الإشارة، ويقبل في العقار أيضا لأن التعريف فيه بالتحديد، ولا يقبل في الأعيان المنقولة للحاجة إلى الإشارة، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقبل في العبد دون الأمة؛ لغلبة الإباق فيه دونها.
ــ
[البناية]
لإحياء حقوق الناس، فكذلك جواز الكتاب لذلك ولا يراد بالشاهد القياس لما ذكرنا أنه مخالف للقياس فيراد به الاتحاد في مناط الاستحسان.
م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري ﵀ م: (في الحقوق يندرج تحته الدين والنكاح) ش: بأن ادعى رجلا نكاحا على امرأة، أو بالعكس، وكذلك الطلاق، إذا ادعت امرأة على زوجها م: (والنسب) ش: بأن ادعى نسبا من الميت م: (والمغصوب) ش: بأن ادعى غصبا على رجل م: (والأمانة المجحودة) ش: الوديعة التي جحدها المودع م: (والمضاربة المجحودة) ش: التي جحدها المضارب، وإنما قيد بالجحد فيهما؛ لأن المودع والمضارب لو كانا مقرين، فلا حاجة إلى كتاب القاضي. م: (لأن ذلك كله) ش: أي لأن المذكور من هذه الأشياء كله م: (بمنزلة الدين) ش: والدين يجوز فيه الكتاب، فكذا يجوز فيما كان بمنزلته.
م: (وهو) ش: أي الدين م: (يعرف بالوصف لا يحتاج فيه إلى الإشارة) ش: فإن قيل: لا نسلم عدم الاحتياج في الإشارة فيما سوى الدين، فإن الشاهد يحتاج أن يشير إلى الرجل والمرأة عند دعوى النكاح من الجانبين، وكذلك في الأمانة والمغصوب.
قلنا: لا بل النكاح ونظائره المذكورة، لا يحتاج إلى الإشارة؛ لأن دعوى المدعي يضمن النكاح لا نفس المرأة، وكذلك نظائره؛ لأنها من الأفعال، وإن كان يلزم في ضمنه الإشارة، والمدعى هو العقد م: (ويقبل في العقار أيضا) ش: أي يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في دعوى العقار أيضا م: (لأن التعريف فيه) ش: أي في العقار م: (بالتحديد) ش: أي ببيان حدوده الأربعة.
م: (ولا يقبل) ش: أي كتاب القاضي إلى القاضي م: (في الأعيان المنقولة للحاجة إلى الإشارة) ش: عند الدعوى والشهادة، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله - في العبيد والجوار، وهو القياس المنصوص عن الشافعي ﵀: أنه لا يجوز في المنقول، وهو أصح الروايتين عنه.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه) ش: أي أن كتاب القاضي إلى القاضي م: (يقبل في العبد دون الأمة؛ لغلبة الإباق فيه دونها) ش: أي في العبد دون الأمة، لأن العبد يخدم خارج البيت، فيقدر على الإباق غالبا فتمس الحاجة إلى الكتاب، بخلاف الأمة، فإنها تخدم في البيت
стр. 4431
وعنه: أنه يقبل فيهما بشرائط تعرف في موضعها.
ــ
[البناية]
فلا تقدر على الإباق غالبا، فلا تمس الحاجة. كذا في " شرح أدب القاضي " للصدر الشهيد، قلت: أكثر جوار أهل مصر تخرج إلى الأسواق وغيرها في أكثر الأوقات.
م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف ﵀ رواها عنه بشر بن الوليد ﵀ م: (أنه يقبل) ش: كتاب القاضي إلى القاضي م: (فيهما) ش: أي في العبد والأمة م: (بشرائط تعرف في موضعها) ش: وموضعه كتاب الإباق من " المبسوط "، وأراد بها بيان حلية العبد وصفته، ونسبه الذي أخذه، والختم في عنقه، وأخذ الكفيل.
وصفة ذلك: بخارى أبق له عبد إلى سمرقند مثلا، فأخذه سمرقندي، ويجوز المولى ببخارى، فطلب من قاضي بخارى أن يكتب بشهادة شهوده عنده بحسب إلى ذلك، ويكتب شهد عندي فلان وفلان بأن العبد الذي من صفته كيت وكيت ملك فلان المدعي وهو اليوم بسمرقند بيد فلان بغير حق، ويشهد على كتابه شاهدين، ويعلمهما ما فيه، ويرسلهما إلى سمرقند، فإذا انتهى المكتوب إليه يحضر العبد مع من هو بيده ليشهدا عنده بالكتاب وبما فيه، فيقبل شهادتهما ويفتح الكتاب ويدفع العبد إلى المدعي، ولا يقضي له لأن شهادة شاهدين الملك لم يكن بحضرة العبد، ويأخذ كفيلا من المدعي بنفس العقد.
ويجعل في عتق العب خاتما من رصاص كيلا يتهم المدعي بالسرقة، ويكتب كتابا إلى قاضي بخارى ويشهد شاهدين على كتابه وختمه، وعلى ما في الكتاب فإذا وصل إلى قاضي بخارى ويشهد بالكتاب وختمه أمر المدعي بشهادة شهوده ليشهدوا بالإشارة إلى العبد، أنه حقه وملكه، فإذا شهدوا بذلك، قضى له بالعبد وكتب إلى ذلك القاضي بما ثبت عنده ليبرئ كفيله.
وفي رواية عن أبي يوسف ﵀: أن قاضي بخارى لا يقضي للمدعي بالعبد، لأن الخصم غائب، ولكن يكتب كتابا آخر إلى قاضي سمرقند فيه ما جرى عنده، ويشهد شاهدين على كتابه وختمه وما فيه، ويبعث بالعبد إلى سمرقند حتى يقضي له بحضرة المدعى عليه، فإذا وصل الكتاب إليه يفعل ذلك ويبرئ الكفيل وصفة الكتاب في الجواري صفته في العبد، غير أن القاضي لا يدفع الجارية إلى المدعي، ولكنه يبعث بها معه على يد أمين، لئلا يطأها قبل القضاء بالملك، زاعما أنها ملكه.
ولكن أبو حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ قالا: هذا استحسان، فيه بعض قبح، فإنه إذا دفع العبد يستخدمه قهرا، ويستعمله، فيأكل من غلبته قبل القضاء بالملك، وربما يظهر العبد لغيره؛ لأن الحلية والصفة يشتبهان، فإن المختلفين متفقان في الحلي والصفات
стр. 4432
وعن محمد ﵀ أنه يقبل في جميع ما ينقل ويحول وعليه المتأخرون ﵏ قال، ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن الكتاب يشبه الكتاب، فلا يثبت إلا بحجة تامة وهذا لأنه ملزم، فلا بد من الحجة،
ــ
[البناية]
فالأخذ بالقياس أولى.
م: (وعن محمد ﵀: أنه) ش: أي أن كتاب القاضي إلى القاضي م: (يقبل في جميع ما ينقل ويحول وعليه) ش: أي وعلى قول محمد والمشايخ المتأخرون ﵏ وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي ﵏ في قول، وقال الأسبيجابي: وعليه الفتوى.
وفي " الخلاصة ": ولو كتب اسم القاضي ونسبه، ولم يكتب اسم القاضي والمكتوب إليه ونسبه ولكن كتب إلى من بلغ كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم لا يجوز، وأبي يوسف وسع وأجاز وعليه عمل الناس اليوم، ولو لم يكتب في الكتاب التاريخ لا يقبله، وإن كتب فيه تاريخا ينظر هل هو كان قاضيا في ذلك الوقت أم لا، ولا يكتفي بالشهادة، إذا لم يكتب مكتوبا.
وكذا كونه كتاب القاضي، لا يثبت بمجرد شهادتهم بدون الكتابة وكذا لو شهدوا على أصل الحادثة، ولم يكن مكتوبا، كذا كونه لم يعمل به إلى هنا لفظ " الخلاصة ".
وفي " شرح الطحاوي ": وكتاب القاضي إلى القاضي، في حقوق الناس من الطلاق والعتاق وغيرها جائز إلا في الحدود والقصاص، وفي خزانة الفقه ويجوز كتاب القاضي إلى القاضي في المصرين أو من قاضي مصر إلى قاضي رستاق، ولا يجوز من القاضي الرستاق إلى قاضي مصر.
م: (وقال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين) ش: يعني لا يقبل القاضي المكتوب إليه، كتاب القاضي إليه إلا بحجة تامة، وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في سائر الحقوق.
وكان الشعبي ﵀ يقول: بجواز كتاب القاضي إلى القاضي بغير بينة، قياسا على كتاب أهل الحرب ويجيء الجواب عنه عن قريب م: (لأن الكتاب يشبه الكتاب، فلا يثبت إلا بحجة تامة وهذا) ش: أي اشتراط الحجة م: (لأنه) ش: أي لأن كتاب القاضي إلى القاضي م: (ملزم، فلا بد من الحجة) ش: وهذا عليه عامة الفقهاء.
وعن الحسن البصري والعنبري وأبي ثور والإصطخري، وأبي يوسف ﵀ في
стр. 4433
بخلاف كتاب الاستئمان من أهل الحرب؛ لأنه ليس بملزم، وبخلاف رسول القاضي إلى المزكي ورسوله إلى القاضي؛ لأن الإلزام بالشهادة لا بالتزكية. قال: ويجب أن يقرأ الكتاب عليهم؛ ليعرفوا ما فيه أو يعلمهم به، لأنه لا شهادة بدون العلم، ثم يختمه بحضرتهم ويسلمه إليهم كيلا يتوهم التغيير، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -؛ لأن علم ما في الكتاب والختم بحضرتهم شرط.
ــ
[البناية]
رواية ومالك ﵀ في رواية مثل قول الشعبي ﵀ فإنهم قالوا: إذا كان القاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي الكاتب وختمه قبله كما في سائر الاستئمان بقوله: م: (بخلاف كتاب الاستئمان من أهل الحرب؛ لأنه ليس بملزم) ش: فإن الإمام بالخيار إن شاء أعطى الأمان وإن شاء لم يعطه، فلا يشترط فيه البينة، وأجاب عن قولهم كما م: (وبخلاف رسول القاضي إلى المزكي ورسوله) ش: أي ورسول المزكي م: (إلى القاضي) ش: حيث يقبل من غير حجة تامة م: (لأن الإلزام بالشهادة) ش: إذ القضاء مضاف إلى الشهادة م: (لا بالتزكية) ش: أي ليس الإلزام بالتزكية، وهذا لو قضى بدون التزكية صح قضاؤه، وإنما التزكية لنوع رجحان الصدق.
وقال الأكمل ﵀: وقبل قوله يشير إلى أن رسول القاضي إلى القاضي غير معتبر أصلا في حق لزوم القضاء عليه ببينة وغيرها، والقياس يقتضي اتحاد كتابه ورسوله في القبول كما في البيع، فإنه ينعقد بكتابه وينعقد برسول أو اتحادهما في عدمه؛ لأن القياس يأبى جوازها وفرق بينهما بوجهين:
أحدهما: ورود الأثر في جواز الكتاب، وإجماع التابعين على الكتاب دون الرسول، فبقي على القياس.
والثاني أن الكتاب كالخطاب، والكتاب وجد من موضع القضاء، فكان الخطاب من موضع القضاء فيكون حجة، وأما الرسول فقائم مقام الرسل والمرسل في هذا الموضع من يقال، وقول القاضي في غير موضوع قضائه كقول واحد من الرعايا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويجب أن يقرأ) ش: القاضي الكتاب م: (الكتاب عليهم) ش: أي على الشهود م: (ليعرفوا فيه) ش: أي في الكتاب م: (أو يعلمهم) ش: أي أو يعلم القاضي الشهود م: (به) ش: أي بما في الكتاب م: (لأنه لا شهادة بدون العلم ثم يختمه) ش: أي الكتاب م: (بحضرتهم ويسلمه إليهم؛ كيلا يتوهم التغيير، وهذا) ش: أي ما ذكر من الوجهين م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش: وبه قال الشافعي وأحمد ومالك ﵏ في رواية م: (لأن علم ما في الكتاب والختم بحضرتهم شرط) ش: ارتفاع شرط على الخبر والمبتدأ هو
стр. 4434
وكذا حفظ ما في الكتاب عندهما، ولهذا يدفع إليهم كتابا آخر غير مختوم ليكون معهم معاونة على حفظهم. وقال أبو يوسف ﵀ آخرا: شيء من ذلك ليس بشرط، والشرط أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه. وعن أبي يوسف ﵀ أن الختم ليس بشرط أيضا فسهل في ذلك لما ابتلي بالقضاء وليس الخبر كالمعاينة. واختار شمس الأئمة السرخسي قول أبي يوسف ﵀.
ــ
[البناية]
قوله هذا، وقوله: إن علم ما في الكتاب معناه، لا نعلم ما في الكتاب، فإن كان عند أحد وجه غير هذا فليبين. م: (وكذا) ش: أي وكذا بشرط م: (حفظ ما في الكتاب عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون اشتراط حفظ ما في الكتاب م: (يدفع إليهم) ش: أي إلى الشهود م: (كتابا آخر غير مختوم ليكون معهم معاونة على حفظهم) ش: فإن فات شيء من الأمور لا يقبل الكتاب عندهما م: (وقال أبو يوسف ﵀ آخرا) ش: أي في قوله الأخير، إنما قال ذلك لأن قوله الأول مثل قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (شيء من ذلك) ش: هذا مقول القول ولفظ شيء مبتدأ، وإن كان نكرة، لأنه تخصيص بقوله من ذلك إلى شيء كائن من ذلك، أي علم ما في الكتاب، وحفظه والختم بحضرتهم وقوله م: (ليس بشرط) ش: خبر المبتدأ المذكور م: (والشرط) ش: أي عند أبي يوسف ﵀: م: (أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه) ش: وبه قال مالك ﵀ في رواية.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أن الختم ليس بشرط أيضا فسهل في ذلك لما ابتلي بالقضاء وليس الخبر كالمعاينة) ش: لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب، وليس في المعاينة احتمال م: (واختار شمس الأئمة السرخسي قول أبي يوسف ﵀) ش: تيسيرا على الناس وأجمعوا في الصك أن الإشهاد عليه لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في الكتاب.
قال الكاكي ﵀: فاحفظ هذا، فإن الناس اعتادوا بخلاف ذلك يشهدون على ما في الصك غير قراءة الحدود وغير ذلك. كذا في " مختلفات القاضي " وما قالاه احتياط وما قاله أبو يوسف ﵀ توسع.
ومن الشرائط عندهما، أن يحفظوا شهادة ما في الكتاب من وقت التحمل إلى وقت الأداء كما في جميع الشهادات. كذا في " الذخيرة ".
ومن الشرائط عندهما أن يكون الكتاب معنونا، بأن يكتب فيه: هذا كتاب من فلان بن فلان القاضي ببلد كذا إلى فلان بن فلان القاضي، والشرط العنوان الباطن عندهما، لا على
стр. 4435
قال، فإذا وصل إلى القاضي لم يقبله إلا بحضرة الخصم، لأنه بمنزلة أداء الشهادة فلا بد من حضوره بخلاف سماع القاضي الكاتب، لأنه للنقل لا للحكم.
ــ
[البناية]
عنوان الظاهر، حيث لو ترك العنوان الظاهر انتفى المكتوب إليه بالعنوان، وجاز ذلك، وعلى العكس لا يجوز.
وصورة الظاهر في زماننا: أن يكتب قبل كتابة التسمية على جانب اليسار من فلان بن فلان إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، ويكتب في جانب اليمين فوق كتابه: بسم الله الحق المبين ونحو ذلك إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم فإن كتب إلى قاضي فلان كذا، وفي البلد قاضيان لا يصح، ولو كان قاض واحد يصح ثم يكتب على ظهر الكتاب من قبل اليسار على الصدر من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا ونواحيها، ويكتب على الظهر من قبل اليمين بسم الله الملك الحق المبين إلى قاضي بلد كذا فلان بن فلان وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، ثم يكتب البسملة هذا كتابي أطال الله بقاء فلان القاضي إلى آخره، كما هو الرسم في الكتاب ثم يكتب: أما بعد.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي فيها، وكثير منهم قالوا: لا يجوز فيما دون مسافة السفر به.
قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - في وجه، وحكى الطحاوي ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ وأصحابه: أنه يجوز فيما دون السفر، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: هذا مذهب أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - وبه قال مالك ﵀.
[شروط قبول كتاب القاضي إلى القاضي]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإذا وصل) ش: أي كتاب القاضي م: (إلى القاضي لم يقبله) ش: وفي بعض النسخ لم يفتكه من الافتكاك.
والأول أوقف لرواية الكتب في " الجوامع " " وفتاوى قاضي خان " م: (إلا بحضرة الخصم لأنه) ش: أي لأن الكتاب م: (بمنزلة أداء الشهادة، فلا بد من حضوره) ش: أي حضور الخصم م: (بخلاف سماع القاضي الكاتب) ش: حيث يسمع الشهادة وإن كان الخصم وهو المدعى عليه غائبا م: (لأنه) ش: أي لأن سماعه م: (للنقل لا للحكم) ش: فكان سماع تلك الشهادة بمنزلة تحمل الفرع شهادة الأصول، وفي التحمل لم يشترط حضور الخصم فكذا هنا.
стр. 4436
قال: فإذا سلمه الشهود إليه نظر إلى ختمه، فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقضائه وقرأه علينا وختمه ففتحه القاضي وقرأه على الخصم، وألزمه ما فيه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: إذا شهدوا أنه كتابه وخاتمه قبله على ما مر، ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح، والصحيح أنه يفض الكتاب بعد ثبوت العدالة، كذا ذكره الخصاف لأنه ربما يحتاج إلى زيادة الشهود، وإنما يمكنهم أداء الشهادة بعد قيام الختم، وإنما يقبله المكتوب إليه إذا كان الكاتب على القضاء حتى لو مات أو عزل أو لم يبق أهلا للقضاء قبل وصول الكتاب،
ــ
[البناية]
وقال في " شرح الأقطع ": وقال أبو يوسف ﵀: يقبله من غير حضور خصم؛ لأن الكتاب يختص بالمكتوب إليه، فكان له أن يقبله، والحكم بعد ذلك يقع بما علمه من الكتاب، فاعتبر حضور الخصم عند الحكم به.
م: (قال: فإذا سلمه الشهود إليه) ش: وفي بعض النسخ قال أي القدوري ﵀: إذا سلم الشهود الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه م: (نظر إلى ختمه، فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقضائه وقرأه علينا وختمه ففتحه القاضي) ش: المكتوب إليه م: (وقرأه على الخصم وألزمه ما فيه) ش: أي في الكتاب م: (وهذا) ش: أي المذكور م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ﵀) : م: (إذا شهدوا أنه كتابه وخاتمه قبله على ما مر) ش: أشار إلى ما قال قبل هذا: وقال أبو يوسف ﵀ آخر شيء من ذلك ليس بشرط، والشرط أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه.
م: (ولم يشترط) ش: أي القدوري ﵀ م: (في الكتاب) ش: أي في "مختصره " م: (ظهور العدالة للفتح) ش: أي فتح الكتاب لأنه قال: فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه، وقرأه علينا وختمه: فتحه القاضي، ولم يقل فإذا شهدوا وعدلوا، فعلم أنه لم يشترط العدالة وقال المصنف ﵀ م: (والصحيح أنه يفض الكتاب) ش: أي يفتحه ويفك ضمته م: (بعد ثبوت العدالة) .
م: (كذا ذكره الخصاف؛ لأنه ربما يحتاج) ش: أي المدعي م: (إلى زيادة الشهود) ش: إذا لم تظهر العدالة م: (وإنما يمكنهم أداء الشهادة بعد قيام الختم) ش: ليشهدوا أن هذا كتاب فلان القاضي وختمه، [ ... ] ، فلا يمكنهم ذلك م: (وإنما يقبله المكتوب إليه) ش: ذكر هذا تعريفا على ما تقدم من مسائل القدوري، أي وإنما يقبل الكتاب القاضي المكتوب إليه م: (إذا كان الكاتب على القضاء حتى لو مات أو عزل) ش: أي القاضي الكاتب م: (أو لم يبق أهلا للقضاء قبل وصول الكتاب)
стр. 4437
لا يقبله؛ لأنه التحق بواحد من الرعايا، ولهذا لا يقبل إخباره قاضيا آخر في غير عمله، أو في غير عملهما، وكذلك لو مات المكتوب إليه إلا إذا كتب إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين؛ لأن غيره صار تبعا له، وهو معروف، بخلاف ما إذا كتب ابتداء إلى كل من يصل إليه على ما عليه مشايخنا ﵏ لأنه غير معرف.
ــ
[البناية]
ش: بأن فسق أو جن أو ارتد أو لحق بدار الحرب م: (لا يقبله) .
ش: وقال الشافعي وأبو يوسف - رحمهما الله - وأحمد ﵀: يقبله ويعمل به، واستدل المصنف ﵀ على عدم القبول بقوله م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي الكاتب بالأمور المذكورة م: (التحق بواحد من الرعايا) ش: لأنه حينئذ خرج من أن يكون حاكما فلا ينفذ الحكم بكتابه.
م: (ولهذا) ش: أي ولكونه ملتحقا بواحد من الرعايا م: (لا يقبل إخباره قاضيا آخر في غير عمله أو في غير عملهما) ش: يعني إذا أخبر القاضي قاضيا آخر في غير عمل المخبر لا يقبل كتابه، فلأن لا يقبل كتابه إذا عزل أو مات بالطريق الأولى، كذا قاله تاج الشريعة.
وفي " الذخيرة " [قال] قاضي خان: التقيا في عمل أحدهما أو في مصر ليس من عملهما، فقال أحدهما للآخر: ثبت عندي لفلان كذا فاعمل بما يحق لك لم يقبل منه، ولم ينفذه؛ لأن الخطأ والسماع أو أحدهما وجد من غير القاضي، حيث لم يكن في مكان ولايته م: (وكذلك) ش: أي وكذا لا يقبله قاضي آخر م: (لو مات المكتوب إليه) ش: لأنه كتب إلى غيره، وقد مات م: (إلا إذا كتب إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين) ش: فحينئذ يقبل الكتاب بعد موت قاضي تلك البلدة المكتوب إليه م: (لأن غيره) ش: أي غير المكتوب إليه م: (صار تبعا له، وهو معروف) ش: أي معلوم الذي صار تبعا معلوم.
م: (بخلاف ما إذا كتب ابتداء) ش: من قاضي كورة كذا فلان بن فلان الفلاني م: (إلى كل من يصل إليه) ش: من قضاة المسلمين، حيث لم يقبل م: (على ما عليه مشايخنا ﵏ لأنه غير معرف) ش: أي مجهول حاصل الكلام أما في الصورة الأولى صرح الكتاب باعتماده على الكل بعد تعريف واحد منهم، بقوله إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا، أو إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين؛ لأنه أتى بما هو شرط، وهو أن يكون من معلوم، ثم صير غيره تبعا له.
وأما في الصورة الثانية، فإن كتب ابتداء من فلان بن فلان قاضي بلد كذا إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين، فإنه لا يصلح لأنه معلوم إلى مجهول، والعلم فيه شرط، وهو
стр. 4438
ولو كان مات الخصم ينفذ الكتاب على وارثه لقيامه مقامه، ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص؛ لأن فيه شبهة البدلية فصار كالشهادة على الشهادة ولأن مبناهما على الإسقاط وفي قبوله سعي في إثباتهما.
ــ
[البناية]
مذهب أبي حنيفة ﵀ وقيل: الظاهر أن محمدا ﵀ معه وقيل رد لقول أبي يوسف ﵀ في جوازه، فإنه حين ابتلي بالقضاء وسع كثيرا، تسهيلا للأمر على الناس.
م: (ولو كان مات الخصم) ش: يعني لو مات المدعى عليه قبل وصول كتاب القاضي إلى القاضي م: (ينفذ) ش: القاضي المكتوب إليه م: (الكتاب على وارثه) ش: أي ورثة الخصم م: (لقيامه) ش: أي لقيام الورثة م: (مقامه) ش: أي مقام الخصم م: (ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في قول، وفي قول آخر: يقبل، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - لأن الاعتماد على الشهود [ ... ] م: (لأن فيه) ش: أي في كتاب القاضي م: (شبهة البدلية) ش: لأن للمكتوب إليه صار بدلا عن الكاتب، لأنه لم يشاهد الشهادة م: (فصار كالشهادة على الشهادة) ش: وهي غير مقبولة فيهما، فلا يقبل فيما يسقط بالشبهات م: (ولأن مبناهما) ش: أي مبنى الحدود والقصاص م: (على الإسقاط وفي قبوله) ش: أي وفي قبول كتاب القاضي إلى القاضي فيهما م: (سعى في إثباتهما) ش: فلا يجوز، والله أعلم.
стр. 4439
فصل آخر ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص اعتبارا بشهادتها فيهما وقد مر الوجه،
وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك، لأنه قلد القضاء دون التقليد به، فصار كتوكيل الوكيل، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة حيث يستخلف؛
ــ
[البناية]
[فصل قضاء المرأة]
فصل آخر أي هذا فصل آخر، قيل لم يمض في هذا الباب فصل قبل هذا حتى يقول فصل آخر، وأجيب بأن هذا فصل آخر في كتاب " أدب القاضي "، فإنه تقدم فصل في الحبس وهذا فصل آخر م: (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء) ش: وقال الشافعي ومالك وأحمد ﵏: لا يجوز لأن المرأة ناقصة للعقل غير أهل للحضور مع الرجال ومحافل الخصوم م: (إلا في الحدود والقصاص) ش: مجمع عليه في عدم الجواز م: (اعتبارا بشهادتهما فيهما) ش: أي قياسا على شهادتهما فإن شهادتها جائزة م: (وقد مر الوجه) ش: أي مر وجه هذا في أول أدب القاضي "، أن حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة، لأن كل واحد منهما من باب الولاية، فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء، وهي أهل للشهادة في غير الحدود والقصاص، فهي أهل للقضاء في غيرهما.
وقال الأكمل ﵀: وقيل: أراد به ما مر من قبل بخطوط من قوله لأن فيه شبهة البدلية، فإنه يدل على أن ما فيه شبهة البدلية لا يعتبر فيها فشهادتها كذلك، وقضاؤها مستفاد من شهادتها، انتهى.
وقال تاج الشريعة ﵀: قوله: وقد مر الوجه أي في كتاب الحدود، أن فيها شبهة البدلية، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ... الآية (البقرة الآية: ٢٨٢) .
[استخلاف القاضي]
م: (وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك) ش: أي الاستخلاف، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏، ولو أذن له في الاستخلاف يجوز بلا خلاف. ولو نهاه عن الاستخلاف لا يجوز بلا خلاف. ولو ولاه وسكت عن الإذن والنهي، فعندنا لا يجوز، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏.
وعن الإصطخري من أصحاب الشافعي ﵀: يجوز إذا ولاه في عمل لا يقدر أن يتولاه بنفسه م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (قلد القضاء دون التقليد به) ش: أي بالقضاء م: (فصار) ش: أي حكمه م: (كتوكيل الوكيل) ش: فإن الوكيل لا يملك إلا إذا فوض إليه ذلك، لأنه مطلق التفويض ليس بإذن الاستخلاف م: (بخلاف المأمور بإقامة الجمعة حيث يستخلف) ش: أي
стр. 4440
لأنه على شرف الفوات لتوقته فكان الأمر به إذنا في الاستخلاف دلالة ولا كذلك القضاء، ولو قضى الثاني بمحضر من الأول، أو قضى الثاني فأجاز الأول جاز كما في الوكالة، وهذا لأنه حضره رأي الأول
ــ
[البناية]
حيث يجوز له الاستخلاف.
وإن لم يأذن له بذلك م: (لأنه) ش: أي لأن أداء الجمعة م: (على شرف الفوات لتوقته) ش: أي لتوقت أداء الجمعة بوقف تفوت بانقضائه؛ لأن الموانع من إقامتها من المرض والحدث في الصلاة وغيرهما، قد يعتبر به شيء من ذلك، مع ضيق الوقت، ولا يمكن انتظار الإمام الأعظم، لأنها لا تحتمل التأخير عن الوقت م: (فكان الأمر به) ش: أي بأداء الجمعة م: (إذنا بالاستخلاف دلالة) ش: أي من حيث الدلالة وإن لم يكن صريحا.
لكن إنما يجوز ذلك إذا كان ذلك الغير سمع الخطبة؛ لأنها من شرائط افتتاح الجمعة، فلو افتتح الأول الصلاة ثم سبقه الحدث، فاستخلف من لم يشهدها جاز؛ لأن المستخلف [ ... ] مفتتح، واعترض بمن أفسد صلاته، ثم افتتح بهم الجمعة، فإنه جاز وهو مفتتح في هذه الحالة، لم يشهد الخطبة، وأجيب بأنه لما صح شروعه في الجمعة وصار خليفة للأول، التحق بمن يشهد الخطبة.
م: (ولا كذلك القضاء) ش: أي ليس القضاء كالجمعة؛ لأنه غير موقت يفوت بالتأخير عند العذر م: (ولو قضى الثاني) ش: يعني لو استخلف القاضي بدون الإذن من الإمام، وقضى هذا النائب كيف يكون حكمه؟ قال المصنف ﵀ م: (ولو قضى الثاني) ش: أي ولو حكم نائبه الذي ولاه م: (بمحضر من الأول) ش: وهو القاضي المولى من الإمام م: (أو قضى الثاني) ش: وهو النائب عند غيبة المستنيب م: (فأجاز الأول) ش: وهو القاضي المستخلف م: (جاز) ش: إذا كان من أهل القضاء م: (كما في الوكالة) ش: فإن الوكيل إذا لم يأذن له الموكل بالتوكيل، فوكل وتصرف بحضرة الأول وأجازه الأول جاز م: (وهذا) ش: أي وجه الجواز م: (لأنه) ش: هذا يصلح أن يكون دليلا للمسألتين.
أما في هذه المسألة فلأنه، أي فلأن الخليفة م: (حضره رأي الأول) ش: أي رأي القاضي الأول الذي ولاه الخليفة وقت قعوده لاعتماده على علمه وعمله والحكم الذي حضره القاضي، أو أجازه قضاء حضره رأي القاضي فيكون راضيا به.
وأما في الولاية فيجيء في كتابها، فإن قيل: الإذن في الابتداء كالإجازة في الانتهاء فلم اختلف في الجواز وعدمه؟ فأجيب بالمنع، فإن الالتفات أسهل من الابتداء، وإن الحكم الذي
стр. 4441
وهو الشرط. وإذ فوض إليه يملكه فيصير الثاني نائبا عن الأصل حتى لا يملك الأول عزله إلا إذا فوض إليه العزل هو الصحيح
قال: وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، بأن يكون قولا لا دليل عليه. وفي " الجامع الصغير ": وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي، ثم جاء قاض آخر يرى
ــ
[البناية]
أدى له القاضي به في الابتداء لم يحضره رأي القاضي فكأنه رضي الخليفة بتولية القاضي مقيدا به.
م: (وهو الشرط) ش: أي حضور رأي الأول هو شرط الجواز م: (وإذا فوض إليه يملكه) ش: أي إذا قال الخليفة القاضي: ولمن شئت كان له أن يولي غيره م: (فيصير الثاني نائبا عن الأصل) ش: أي فيصير النائب الذي ولاه القاضي المفوض إليه نائبا عن الخليفة م: (حتى لا يملك الأول عزله، إلا إذا فوض إليه العزل وهو الصحيح) ش: أي القاضي الأول لا يملك عزل القاضي الثاني الذي هو نائب القاضي المولى من جهة الخليفة؛ لأنه صار قاضيا من جهة الخليفة، فلا يملك القاضي المستنيب عزله، وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يملك عزله لأنه نائبه، فصار كوكيله. قلنا: إنه صار قاضيا من جهة الخليفة إلا أن يقول له الخليفة: ولي من شئت واستبدل من شئت، فصار كالوكيل إذا قال له الموكل: اعمل برأيك، صح توكيله على الموكل وصار الثاني وكيله الموكل حتى لو مات الموكل، انعزل الأول والثاني، ولو مات الأول، لا ينعزل وكيله. فكذا إذا عزله الأول.
[الحكم إذا رفع إلى القاضي حكم حاكم]
م: (وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكم أمضاه) ش: أي نفذه م: (إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع) ش: كالحكم ببطلان قضاء القاضي في المجتهدات كالحكم بحل متروك التسمية عامدا، فإنه مخالف لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] م: (الأنعام: الآية ١٢١) ش: أي أو سنته المشهورة كالحكم بحل المطلقة ثلاثا بمجرد نكاح الزوج الثاني بلا دخول على مذهب سعيد بن المسيب ﵁ وسعيد بن جبير ﵁ فإن اشتراط الدخول ثابت بالحديث المشهور وهو حديث العسيلة م: (بأن يكون قولا لا دليل عليه) ش: بيان لمخالفة الإجماع، كما إذا مضى على الدين سنون، فحكم بسقوط الدين عمن عليه.
لتأخير المطالبة، فإنه لا دليل شرعي على ذلك، وعلى النسخة الأولى يكون قوله بأن يكون تعليلا للاستثناء فكأنه يقول عدم تنفيذه إذا كان مخالفا للأدلة المذكورة، بسبب أنه يكون قولا لا دليل عليه.
م: (وفي " الجامع الصغير ": وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي، ثم جاء قاض آخر يرى
стр. 4442
غير ذلك أمضاه والأصل أن القضاء متى لاقى فصلا مجتهدا فيه ينفذ ولا يرده غيره؛ لأن اجتهاد الثاني كاجتهاد الأول، وقد يرجح الأول باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه، ولو قضى في المجتهد فيه، مخالفا لرأيه، ناسيا لمذهبه، نفذ عند أبي حنيفة ﵀ وإن كان عابدا، ففيه روايتان،
ــ
[البناية]
غير ذلك أمضاه) ش: أي غير ما قضى به الأول، إنما ذكر لفظ " الجامع الصغير " بهذا للفظ؛ لأن فيه فائدتين:
إحداهما: أنه قيد بالفقهاء؛ لأن القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد، فاتفق قضاؤه، فعلى قول عامة المشايخ لا يجب على الثاني تنفيذه. كذا ذكره في " فصول الاستروشيني " ﵀ محالا إلى " المحيط ". وفي " الذخيرة ": لا ينفذه المدفوع إليه على قول العامة.
والفائدة الثانية: أنه قيد بقوله يرى غير ذلك، ففي رواية القدوري ﵀: لم يتعرض بذلك فيحتمل أن قوله أمضاه فيما إذا كان رأي القاضي موافقا لحكم الأول، فإذا كان مخالفا لا يمضيه، فأبانت رواية " الجامع " بأن ذلك الإمضاء عام، فيما سوى المستثنيات، سواء كان يوافق رأيه أو يخالفه؛ لأن الحكم لاقى مجتهدا فيه، ولا ينقضي باجتهاد آخر.
وقد صح عن عمر ﵁ أنه قلد القضاء لأبي الدرداء ﵁ بعد كثرة اشتغاله، فاختصم إلى أبي الدرداء رجلان في شيء فقضى لأحدهما، ثم لقي عمر ﵁ المقضى عليه، فسأله ﵁ عن حاله، فقال قضى علي، فقال عمر: لو كنت مكانه لقضيت لك، فقال المقضى عليه وما يمنعك من القضاء فقال عمر: ليس هنا نص والرأي مشترك، ويروى أن عمر ﵁ استعان بزيد بن ثابت ﵁، فقضى زيد ﵁ بين رجلين ثم لقي عمر أحد الخصمين، فقال: إن زيدا قضى علي، والباقي نحوه، وعن عمر ﵁ قضى في حادثة بقضية، ثم قضى فيها بخلاف ذلك، فقيل له في ذلك فقال تلك كما قضيناه هذه كما نقضي.
م: (والأصل) ش: أي في تنفيذ القاضي ما رفع إليه إذا لم يكن مخالفا للأدلة المذكورة م: (أن القضاء متى لاقى فصلا مجتهدا فيه) ش: وفي بعض النسخ: محلا مجتهدا فيه م: (ينفذ ولا يرده غيره؛ لأن الاجتهاد الثاني كاجتهاد الأول) ش: في أن كلا منهما يحتمل الخطأ م: (وقد يرجح الاجتهاد الأول باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه) ش: درجة، وهو لم يتصل القضاء به م: (ولو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه) ش: حال كونه م: (ناسيا لمذهبه، نفذ عند أبي حنيفة ﵀ وإن كان عابدا ففيه روايتان) ش: وفي بعض النسخ: فعنه أي عن أبي حنيفة ﵀ روايتان:
стр. 4443
ووجه النفاذ أنه ليس بخطأ بيقين. وعندهما لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده وعليه الفتوى. ثم المجتهد فيه أن لا يكون مخالفا لما ذكرنا، والمراد بالسنة المشهورة منها وفيما اجتمع عليه الجمهور لا يعتبر مخالفة البعض
ــ
[البناية]
في رواية: لا ينفذ وبه يفتي شمس الأئمة، والأوزجندي؛ لأنه زعم فساد قضائه فتعامل في حقه بزعمه، وفي رواية ينفذ وبه كان يفتي الصدر الشهيد والمرغيناني - رحمهما الله - وأشار إلى وجه هذا بقوله: م: (ووجه النفاذ أنه ليس بخطأ بيقين) ش: لأن كل مجتهد لا يقطع القول بأن الصواب اجتهاده دون اجتهاد خصمه، بل الأمر محتمل عنده، فتعين الصواب فيما اتصل به القضاء حملا للأمر القضاء على الصواب. وذكر في " الذخيرة " الاختلاف في نفاذ القضاء، وفي بعض المواضع ذكر الخلاف في حل الإقدام على القضاء.
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (لا ينفذ في الوجهين) ش: أي النسيان والعمد وبه قال الشافعي، ومالك وأحمد - رحمهما الله تعالى - م: (لأنه قضى بما هو خطأ عنده) ش: فيعمل بزعمه قال المصنف ﵀: م: (وعليه الفتوى) ش: لأنه زعم فساد قضائه والمرء مؤاخذ بزعمه، كذا في " المحيط ".
وذكر في " الفتاوى الصغرى " الفتوى على قول أبي حنيفة ﵀ في نفاذ القضاء على خلاف المذهب، وفي " فتاوى ظهير الدين " ﵀ استحق للسلطان أن ينقض ذلك.
م: (ثم المجتهد فيه أن لا يكون مخالفا لما ذكرنا) ش: من الكتاب والسنة المشهورة والإجماع م: (والمراد بالسنة المشهورة) ش: بالرفع لأن خبر لقوله والمراد أي المراد من السنة ليس مطلق السنة بل السنة المشهورة م: (منها) ش: أي من السنة.
والمراد من مخالفة الكتاب مخالفة نص الكتاب الذي لم يختلف السلف في تأويله كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] (النساء: الآية ٢٢) ، فإن السلف اتفقوا على عدم جواز تزوج امرأة الأب وجاريته ووطئها إن وطئها الأب، فلو حكم حاكم بجواز ذلك نقضه، من دفع إليه م: (وفيما اجتمع عليه) ش: أي في الذي اجتمع عليه م: (الجمهور) ش: أي جمهور العلماء ﵏ أي أكثرهم، وأجلهم م: (لا يعتبر مخالفة البعض) ش: أي بعض العلماء ﵀ هذا إذا حكم الحاكم بخلاف ما عليه الأكثر كان حكمه على خلاف الإجماع نقضه من رفع إليه.
стр. 4444
وذلك خلاف وليس باختلاف، والمعتبر الاختلاف في الصدر الأول.
قال: وكل شيء قضى به القاضي في الظاهر بتحريمه، فهو في الباطن كذلك عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
وقال الأكمل ﵀ ناقلا عن السغناقي ﵀: وينبغي أن يحمل كلام المصنف ﵀ هذا على ما إذا كان الواحد المخالف ممن لم يسوغ اجتهاده، وذلك لقول ابن عباس ﵄ في جواز ربا الفضل، فإنه لم يسوغ له ذلك فلم يتبعه أحد وأنكروا عليه، فإذا حكم حاكم بجواز ذلك، وجب نقضه لأن الإجماع منعقد على الحرمة بدونه، فأما إذا سوغ له ذلك، لم ينعقد الإجماع بدونه، كقول ابن عباس ﵄ في اشتراط حجب الأم من الثلث إلى السدس بالجمع من الإخوة وفي إعطائها ثلث الجميع بعد فرض أحد الزوجين، فإن حكم به لم يكن مخالفا للإجماع، وهذا هو المختار عند شمس الأئمة ﵀، ولعله اختاره المصنف ﵀ ولا يحمل على قول من يرى أن خلاف الأقل غير مانع لانعقاده، لأنه ليس بصحيح عند عامة العلماء ﵏.
م: (وذلك) ش: أي مخالفة البعض لما اجتمع عليه الجمهور م: (خلاف) ش: أي مخالفة للأكثر م: (وليس باختلاف) ش: لم يذكر أحد الفرق حينما وقعت عليه من الشروح والفرق بينهما إن الاختلاف أن يكون الطريق مختلفا.
والمقصود واحد كخلاف الشافعي ﵀، والخلاف هو أن يكون الطريق مختلفا والمقصد مختلفا، فافهم فإنه دقيق م: (والمعتبر الاختلاف في الصدر الأول) ش: وهم الصحابة ﵃.
وفي " الذخيرة ": إنما اعتبر الخصاف الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة ﵃، ومن معهم من السلف، ولم يعتبر الخلاف بيننا وبين الشافعي ﵀ والعبرة لحقيقة الاختلاف في صيرورة المحل مجتهدا فيه. انتهى.
والخلاف الذي يجعل المحل مجتهدا فيه هو الاختلاف الذي كان بين الصحابة ﵃ والتابعين ﵏ لا الذي يقع بعدهم، فعلى هذا إذا حكم الشافعي والمالكي برأيه بما يخالف رأي من تقدم عليه من الصدر الأول، ورفع ذلك إلى حاكم لم ير بذلك كان له أن ينقضه.
[حكم الباطن فيما قضى به القاضي في الظاهر]
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وكل شيء قضى به القاضي في الظاهر) ش: أي فيما بينا م: (بتحريمه، فهو في الباطن) ش: أي عند الله م: (كذلك) ش: أي حرام م: (عند أبي حنيفة ﵁) ش: ومن صور التحريم ادعت على زوجها أنه
стр. 4445
فالقاضي يقضي وكذا إذا قضى بإحلال، وهذا إذا كانت الدعوى بسبب معين، وهي مسألة قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور، وقد مرت في النكاح.
قال: ولا يقضي القاضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه. وقال الشافعي ﵀: يجوز
ــ
[البناية]
طلقها ثلاثا، أو أقامت بينة كاذبة وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ وقول أبي يوسف ﵀ أولا: لا يحل للزوج الأول وطئها ظاهرا أو باطنا، ويحل للثاني ظاهرا وباطنا علم بحقيقة الحال أولا.
وعلى قول أبي يوسف آخرا ومحمد والشافعي ومالك وأحمد - رحمهما الله - لا يحل للثاني وطئها إذا كان عالما بحقيقة الحال، ومن صورة التحريم أيضا وصبي وصبية سبيا وهما صغيران، فكبرا وأعتقا، ثم تزوج أحدهما الآخر، فجاء حربي مسلما، وأقام بينة أنهما ولداه.
م: (فالقاضي يقضي) ش: بنسبهما ويفرق بينهما، فإن رجع الشهود، أو تبين أنهم زور، لا يسع للزوج وطأها عنده، لأن القضاء بالحرمة نفذ ظاهرا وباطنا، وكذا عند محمد ﵀ لأنه لا يعلم حقيقة كذب الشهود.
م: (وكذا إذا قضى) ش: القاضي م: (بإحلال) ش: يعني إذا قضى القاضي بإحلال شيء في الظاهر، فهو في الباطن كذلك، ومن صوره رجل ادعى على امرأة نكاحا، وهي تجحد، فأقام عليها شاهدي زور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حل للزوج وطأها، وحل للمرأة التمكين عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ في قوله الأول.
وعند محمد وأبي يوسف في قوله الأخير، وزفر والأئمة الثلاثة ﵏: لا يحل لهما ذلك م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه م: (إذا كانت الدعوى بسبب معين، وهي مسألة قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور، وقد مرت في النكاح) ش: كنكاح وبيع وطلاق وعتاق لا في الأملك المرسلة مثل أن يدعي الملك، ولم يذكروا السبب، فإن الحكم فيها بشهادة الزور، لا ينفذ باطنا بالإجماع.
ومن صور البيع: ما إذا قضى القاضي بالبيع بشهادة الزور، سواء كانت الدعوى من جهة المشتري، مثل أن قال: بعتني هذه الجارية، أو من جهة البائع مثل أن يقول: اشتريت مني هذه الجارية، فإنه يحل للمشتري وطؤها في الوجهين جميعا.
[القضاء على الغائب]
م: (ولا يقضي القاضي على غائب) ش: ولا يقضي له أيضا عندنا م: (إلا أن يحضر من يقوم مقامه) ش: مثل وكيل الغائب أو وصيه. م: (وقال الشافعي ﵀: يجوز) ش: إذا كان غائبا
стр. 4446
لوجود الحجة وهي البينة فظهر الحق. ولنا: أن العمل بالشهادة لقطع المنازعة، ولا منازعة بدون الإنكار، ولم يوجد، ولأنه يحتمل الإقرار والإنكار من الخصم فيشتبه وجه القضاء؛ لأن أحكامهما مختلفة، ولو أنكر ثم غاب، فكذلك الجواب؛ لأن الشرط قيام الإنكار وقت القضاء،
ــ
[البناية]
عن البلد أو عن مجلس الحكم إذا كان مستترا في البلد قولا واحداَ، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - ولو كان غائبا في مجلس الحكم غير مستتر في البلد فقولان أصحهما: أنه لا يحكم بدون حضوره، وبه قال مالك وأحمد، إذ في المستتر تضييع الحقوق، وفي غيره: لا. والثاني أنه يجوز م: (لوجود الحجة وهي البينة فظهر الحق) ش: فيحل للقاضي العمل بمقتضاها م: (ولنا: أن العمل بالشهادة لقطع المنازعة) ش: لأن الشهادة خبر تحتمل الصدق والكذب، ولا يجوز بناء الحكم على الدليل المحتمل، لأن الشرع جعلها حجة ضرورة قطع المنازعة، ولهذا إذا كان الخصم حاضرا وأقر بالحق لا حاجة إليها م: (ولا منازعة بدون الإنكار) ش: يعني لا تكون المنازعة إلا بالإنكار م: (ولم يوجد) .
ش: فإن قيل: قد قلتم بالشهادة بدون الإنكار إذا حضر الخصم وسكت.
أجيب: بأن الشرع أنزله منكرا حملا لأمره على الصلاح، إذ الظاهر من حال المسلم أن لا يسكت إن كان عليه حق، وكذا في " المبسوط " و" الأسرار " و" الذخيرة ".
فإن قيل: وقف الحكم إلى الحضور المدعى عليه بعد ثبوت البينة غير مفيد، لأن المدعى عليه لو حضر، فإما أن يقر أو ينكر، فعلى الوجهين كان الدعوى لازمة.
قلنا: بل هو مفيد، لأنه يحتمل أن يطعن في البينة، ويثبت طعنه بالحجة ويحتمل أنه يسلم الدعوى، ثم ادعى الأداء إلى المدعي ويثبت بالحجة.
م: (ولأنه) ش: دليل آخر على المطلوب أي ولأن البيان م: (يحتمل الإقرار والإنكار من الخصم فيشتبه وجه القضاء) ش: على الحاكم م: (لأن أحكامهما) ش: أي أحكام القضاء بالبينة، والإقرار م: (مختلفة) ش: فإن حكم القضاء بالبينة وجوب الضمان على الشهود عند الرجوع، ويظهر في الزوائد المتصلة والمنفصلة، فإن الرجل إذا اشترى جارية مولده عنده، فاستحقها رجل بالبينة، فإنه يأخذها وولدها، وإن أقر بها لرجل لم يأخذ ولدها، لأن البينة حجة مطلقة بخلاف الإقرار، فإنه حجة قاصرة لانعدام الولاية على الغير م: (ولو أنكر) ش: المدعى عليه م: (ثم غاب فكذلك الجواب) ش: يعني لا يقضي القاضي في غيبته م: (لأن الشرط قيام الإنكار وقت القضاء) ش: لأن البينة إنما تظهر حجة بالقضاء، وبقاؤه شرط وهو محتمل هاهنا.
стр. 4447
وفيه خلاف أبي يوسف ﵀، ومن يقوم مقامه قد يكون نائبا بإنابته كالوكيل أو بإنابة الشرع كالوصي من جهة القاضي،
ــ
[البناية]
م: (وفيه) ش: أي وفي الوجه م: (خلاف أبي يوسف ﵀) ش: فإنه يقول الشرط الإصرار على الإنكار إلى وقت القضاء، وهو ثابت بعد غيبته بالاستصحاب، وأجيب أن الاستصحاب يصلح للدفع لا للإثبات.
فإن قلت: احتج الشافعي ﵀ بقوله ﵇: «البينة على المدعي» ، فاشتراط حضور الخصم لإقامة البينة زيادة عليه، وما قالت هند ﵂: "يا رسول الله إن أبا سفيان شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال ﵇: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقد قضى عليه وهو غائب.
قلت: حجتنا نحن بقوله ﵇ لعلي ﵁: «لا تقض لأحد الخصمين بشيء حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي» رواه الترمذي ﵀ وقال: هذا حديث حسن.
وأما قوله ﷺ : «البينة على المدعي» فدليلنا لأن البينة اسم لما يحصل به التبيان، وليس المراد بالبيان في حق المدعي؛ لأنه حاصل بقوله، ولا في حق القاضي، لأنه حاصل بقول المدعي إذا لم يكن له منازع إنما الحاجة إلى البيان في حق الخصم الجاهد، وذلك إلا بحضوره.
وأما الجواب: عن حديث هند ﵂ فهو أنه ﵇ كان عالما باستحقاق النفقة على أبي سفيان ﵁ ألا ترى أنها لم تقم البينة، وقيل: كان هذا فتوى وليس بحكم.
م: (ومن يقوم مقامه) ش: لما ذكر إن القضاء على الغائب لا يجوز إلا أن يحضر من يقوم مقامه بين ذلك بقوله، ومن يقوم مقامه ﷺ أي مقام المدعى عليه الغائب، ولا يخلو هذا إلا بأن يكون م: (قد يكون نائبا بإنابته، كالوكيل أو بإنابة الشرع كالوصي من جهة القاضي) ش: قيد به احترازا عن المسخر من جهة القاضي، فإن فيه اختلاف الروايتان. وذكر في " الذخيرة ": وتفسير المسخر أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع القاضي الخصومة عليه وكذا لو أحضر المدعي رجلا غير الخصم ليسمع القاضي الخصومة عليه.
стр. 4448
وقد يكون حكما بأن كان ما يدعي على الغائب سببا لما يدعيه على الحاضر، وهذا في غير صورة في الكتب. أما إذا كان شرطا لحقه فلا معتبر به في جعله خصما عن الغائب،
ــ
[البناية]
والقاضي يعلم أنه ليس بخصم لا يسمع الخصومة عليه، ولا على المسخر، وإنما يجوز نصب الوكيل عن خصم اختفى في بيته، ولا يحضر مجلس الحكم ولكن بعد بعث في بعثائه إلى باب داره ونادى على باب داره، وقال: احضر مجلس الحكم وإلا يحكم عليك. أما في غير ذلك الموضع فلا.
م: (وقد يكون حكما) ش: هذا عطف على قوله: قد يكون بإنابته، أي قد يكون من يقوم مقامه حكما م: (بأن كان يدعي على الغائب سببا لما يدعيه على الحاضر) ش: أي يكون سببا لا محالة، أما إذا كان سببا في وقت دون وقت، لا ينصب الحاضر خصما عن الغائب. كما إذا قال رجل لامرأة رجل غائب: إن زوجك وكلني أن أحملك إليه، فقالت: قد طلقني ثلاثا، وبرهنت قبلت في حق قصر يد الوكيل عنها لا في حق إثبات الطلاق على الغائب حتى لو حضر الغائب وأنكر الطلاق، أعادت البينة. وأما صورة كون ما يدعي على الغائب سببا لما يدعيه على الحاضر فكثيرة، منها رجل أقام بينة على آخر أن هذه الدار له، اشتراها من فلان الغائب وهو يملكها، وذو اليد غصبها منه وهو ينكر قبلت بينته، ويكون ذلك قضاء على الحاضر والغائب، حتى لو حضر الغائب، وأنكر البيع، لا يلتفت إلى إنكاره؛ لأن الشراء من المالك سبب لما يدعي على الحاضر فصار الحاضر كالوكيل عن الغائب فصار إنكاره كإنكار الغائب.
م: (وهذا) ش: أي ما يدعي على الغائب سببا لا محالة لما يدعيه على الحاضر م: (في غير صورة في الكتب) ش: ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: وتفسير ذلك في مسائل منها ما ذكرناه الآن، ومنها إذا ادعى على رجل أنه كفيل عن فلان بما يذوب له عليه، فأقر المدعى عليه بالكفالة وأنكر الحق، فبرهن أنه ذاب له على فلان ألف درهم، فإنه يقضي بها، ومنها إذا ادعى الشفعة في دار إنسان، وقال ذو اليد ما اشتريتها من أحد والدار داري، فيبرهن المدعي أنه اشتراها من فلان الغائب، وهو يملكها وأنه شفيعها، ويقضي بالشراء في حق ذي اليد والغائب جميعا.
م: (أما إذا كان شرطا) ش: يعني أما إذا كان ما يدعي على الغائب شرطا م: (لحقه) ش: أي لحق المدعي على الحاضر كمن قال لامرأته: إن طلق فلان امرأته فأنت طالق، فادعت امرأة الحالف عليه أن فلانا طلق امرأته وأقامت على ذلك بينة، فلا تصح هذه البينة ولا يقضي بوقوع الطلاق عليها أشار بقوله م: (فلا معتبر به في جعله خصما عن الغائب) ش: وهو قول عامة المشايخ
стр. 4449
وقد عرف تمامه في " الجامع ".
قال: ويقرض القاضي أموال اليتامى ويكتب ذكر الحق؛ لأن في الإقراض مصلحتهم لبقاء الأموال محفوظة مضمونة. والقاضي يقدر على الاستخراج والكتابة ليحفظه، وإن أقرض الوصي ضمن؛ لأنه لا يقدر على الاستخراج. والأب بمنزلة الوصي في أصح الروايتين
ــ
[البناية]
﵏ لأن بينتها على فلان الغائب لا تصح، لأن ذلك ابتداء القضاء على الغائب.
وقال فخر الإسلام الأوزجندي ﵀: إن البينة تقبل، ويجعل الحاضر خصما عن الغائب كما في السبب، لأن الدعوى والمدعي كما يتوقف على السبب يتوقف على الشرط.
فإن قيل: أليس لو قال لها: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، فأقامت المرأة البينة أنه دخل وفلان غائب، كانت البينة صحيحة.
الجواب: إنما صحت هناك لأنه ليس فيها إبطال حق الغائب، فلا يكون قضاء على الغائب. م: (وقد عرفت تمامه) ش: أي تمام هذا المذكور من المسألة م: (في الجامع) ش: الصغير.
[إقراض القاضي من مال اليتامى]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ويقرض) ش: من الإقراض بالضاد المعجمة وفاعله م: (القاضي أموال اليتامى) ش: قال تاج الشريعة ﵀: أي إلى الثقات والثقة الملي الحسن المعاملة.
وفي الأقضية إنما يملك القاضي الإقراض إذا لم يحصل غلبة لليتيم، أما إذا وجد فلا يملكه، هكذا روي عن محمد ﵀ م: (ويكتب ذكر الحق) ش: أي يكتب كتابا وهو الصك لأجل ذكر الحق، وهو الإقراض م: (لأن في الإقراض) ش: أي في إقراض أموالهم م: (مصلحتهم) ش: أي مصلحة اليتامى م: (لبقاء الأموال محفوظة) ش: فإن القاضي لكثرة اشتغاله قد يعجز عن الحفظ بنفسه م: (مضمونة) ش: لأن بالقرض تصير أموالهم مضمونة، فيقرضها، بخلاف الوديعة فإنه وإن حصل الحفظ بها فليست بمضمونة بالهلاك فلم تكن مضمونة.
فإن قيل: نعم هو كذلك، لكن لو لم يؤمن التوى بجحود المستقرض، أجاب المصنف ﵀ عن هذا بقوله: م: (والقاضي يقدر على الاستخراج) ش: لكونه معلوما له م: (والكتابة ليحفظه) ش: أي لتحفيظ القاضي بالكتابة، وينتفي النسيان بها م: (وإن أقرض الوصي) ش: أي مال اليتيم م: (ضمن لأنه لا يقدر على الاستخراج) ش: لبقاء مخافة التوى، وإن كان الحفظ والضمان موجودين م: (والأب) ش: في إقراض مال الصغير م: (بمنزلة الوصي) ش: حيث لا يجوز له الإقراض م: (في أصح الروايتين) ش: وهو اختيار الإمام فخر الإسلام والصدر الشهيد
стр. 4450
لعجزه عن الاستخراج
ــ
[البناية]
والعتابي ﵏ م: (لعجزه) ش: [أي] الأب م: (عن الاستخراج) ش: وفي رواية يجوز له ذلك، لأن ولاية الأب تعم المال والنفس، كولاية القاضي وشفقته تمنعه من ترك النظر له، والظاهر أنه يقرضه ممن يأمن جحوده، وإن أخذه الأب قرضا لنفسه، قالوا: يجوز، وروى الحسن ﵀ عن أبي حنيفة ﵀: أنه ليس له ذلك.
следующие страницы →